Полный текст (3 498 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الأقارب الشركاء في الميراث إلا على ما تأوله بعض الناس على ما في (المدونة) وهو بعيد، وقال في رسم الأقضية المشهور: إن الوارثين لا حيازة بينهم بالسكنى والاعتمار. اهـ.
فقد ظهر لك أن أصبغ كما فرق بين العقار وغيره في حيازة الأجنبي كذلك فرق بينهما في حيازة القريب.
وأما ابن القاسم فسوى بين الأصول وغيرها بالنسبة للأجنبي ففيها ابن القاسم من حاز على حاضر عروضًا أو حيوانًا أو رقيقًا فذلك كالحيازة في الربع إذا كانت الثياب تلبس وتمتهن، والدواب تركب وتكرى، والأمة توطأ، ولم يحد لي مالك في الحيازة في الرباع عشر سنين ولا غيرها. اهـ.
وأما بالنسبة للأقارب الشركاء ففي رسم شهد من سماع عيسى من كتاب الاستحقاق في رجل يحوز ماله ابنه في حياته في الحيوان الرأس والدابة حتى يموت أبوه وذلك الحيوان في يده، فيقول ورثته: هذا الرأس لأبينا والدابة له ولا بينة له على صدقته ولا على عطيته، فهل ينتفع بطول تقادمه في يده، والأصل معروف.
ابن القاسم لا ينتفع بطول تقادمه في يده.
ابن رشد هذا من قول ابن القاسم مثل ما تقدم من قول مالك في رسم يسلف من سماع ابن القاسم في أن الابن لا ينتفع بحيازة الأرض على أبيه بالازدراع والاعتمار، وفي رسم الكبش من سماع يحيى في امرأة هلك زوجها وترك منزلًا ورقيقًا فعاشت المرأة وولد الرجل من غيرها زمانًا وتزوجت بعده زوجًا وزوجين ثم هلكت فقام ولدها من زوجها الذي تزوجها بعد الأول يطلب مورثها من زوجها الأول في رباعه ورقيقه فقال ولد زوجها الأول قد عايشتنا أمكم زمانًا طويلًا وكانت عالمة بحقها، ووجه خصومتها منذ عشرين سنة فلم تطلب قبلنا شيئًا حتى ماتت، فقال: لا أرى أن يقطع سكوتها بما ذكرت من الزمان مورثها معروفًا لها وولدها في القيام بطلبه على مثل حجتها لا يقطع حقها طول سكوتها في مورثها من زوجها الأول؛ لأن حال الورثة عندي في هذا مخالف لغيرهم إلا أن يكونوا اقتسموا بعلمها حتى صار كل واحد بنصيبه من الإرث، وبأن بحقه من أثمان ما باعوا وبحقه مما اقتسموا من الرقيق والعروض وهي ساكتة عالمة لا تدعي شيئًا، فهذا الذي يقطع حجتها ويبطل طلبها.
قلت: فإن لم يقتسموا ببينة واقتطع كل وارث أرضًا يزرعها وتنسب إليه أو دارًا يسكنها أو رقيقًا يختدمه أو بقرًا أو غنمًا يحتلبها أو دواب يستغلها فكل وارث قبض مما نصصت لك شيئًا قد بان بمنفعته دون إشراكه فإليه ينسب وله يعرف، ولو كلفوا البينة على الإقتسام لم يجدوها لطول الزمان، وليس في يد المرأة من ذلك شيء، وعسى أن يكون في يدها شيء يسير، أترى هذا إذا طال الزمان يقطع حقها من الموروث؟ =стр. 3117
لركوب الأجنبي السنتان، وفي أمة الخدمة السنتان، ويزاد على ذلك في عبد وعرض، نحوه لأصبغ.
وزاد: وما أحدث الأجنبي في غير الأصول من بيع أو عتق أو كتابة أو تدبير أو صدقة أو وطء في الأمة بعلم مدعيه أو بغير علمه، ولم ينكر حين علمه استحقه الحائز بذلك (١) .
* * * الحواشي
(١) قال في المنح (٨/ ٥٧٨، وما بعدها): "ابن رشد: إن الأقارب الشركاء بميراث أو غيره لا خلاف أن الحيازة بينهم لا تكون بالسكنى والازدراع ولا خلاف أنها تكون بالتفويت بالبيع والهبة والصدقة والعتق والكتابة والتدبير والوطء وإن لم تطل المدة واستخدام الرقيق وركوب الدواب كالسكنى والازدراع والاستغلال كالهدم والبناء والغرس ثم قال: ولا فرق في مدة حيازة الوارث على وارثه بين الرباع والأصول والثياب والحيوان والعروض وإنما يفترق ذلك في حيازة الأجنبي بالاعتمار والسكنى والازدراع في الأصول والاستخدام والركوب واللبس في الرقيق والدواب والثياب فقد قال أصبغ: إن =стр. 3118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = السنة والسنتين في الثياب حيازة إذا كانت، تلبس وتمتهن وأن السنتين والثلاث حيازة في الدواب إذا كانت تركب وفي الإماء إذا كن يستخدمن وفي العبيد والعروض فوق ذلك ولا يبلغ شيء من ذلك كله بين الأجنبيين إلى العشرة الأعوام كما يصنع في الأصول. اهـ.
تنبيهات:
الأول: علم من كلام ابن رشد أن لبس الثياب كسكنى الدار وأنه لا تحصل به حيازة بين الأقارب ولو طالت مدته وأن استغلال الرقيق والدواب والثياب كالهدم والبناء فتحصل الحيازة به بين الأقارب.
واختلف في مدتها على قولي ابن القاسم المتقدمين في المتن وبالأمور المفوتة كالبيع وعلم هذا من كلام المصنف لأنه جعلها مفوتًا بين الأب وابنه فغيرهما بالأولى.
الثاني: مفهوم قوله في الأجنبي إن القريب لا تفترق الدار من غيرها في حقه كان شريكًا أو غير شريك.
الثالث: تقدم في كلام ابن رشد أن الثياب يكفي في حيازتها السنة وسكت المصنف عنها بل ظاهر كلامه دخولها في العروض.
الرابع: التفصيل المتقدم عن ابن رشد لا يؤخذ من المتن ولا من التوضيح وهو أتم فائدة، واللَّه أعلم.
الخامس: في المدة التي يسقط الدين بها ولد.
ابن فرحون في مسائله الملقوطة الساكت طلب دينه ثلاثين سنة لا قول له ويصدق الغريم في دعوى دفعه ولا يكلف بينة لإمكان موتهم أو نسيانهم للشهادة. اهـ.
ومن منتخب ابن أبي زمنين وفي كتاب محمد بن يونس في مدعي دين سلف بعد عشرين سنة أن المدعى عليه مصدق في القضاء إذ الغالب أن لا يؤخر السلف مثل هذه المدة كالبيوعات. اهـ.
وقال ابن فرحون: وفي مختصر الواضحة عبد الملك قال لي مطرف وأصبغ: إذا ادعى رجل على رجل حقًّا قديمًا وقام عليه بذكر حقه بعد عشرين سنة ونحوها أخذه به وعلى الآخر البراءة منه.
وفي مفيد الحكام: إن ذكر الحق المشهود فيه لا يبطل إلا بطول الزمان كثلاثين سنة وكذلك الديون وإن كانت معروفة في الأصل إذا طال زمانها هكذا ومن هي له وعليه حضور فلا يقوم عليه بدينه إلا بعد هذا من الزمان، فيقول: قد قضيتك وباد شهودي به فلا شيء على المدين غير اليمين وكذلك الوصي يقوم عليه اليتيم بعد طول الزمان وينكر قبضه فإن كانت مدة يهلك في مثلها شهود الوصي فلا شيء عليه وإلا فعليه البينة بالدفع، ثم قال الحط: أحفظ لابن رشد أنه إذا تقرر الدين وثبت لا يبطل وإن =стр. 3119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = طال الزمان لعموم قوله ﷺ : "لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم" واختاره التونسي إذا كان بوثيقة في يد الطالب لأن بقاءها بيده دليل على أنه لم يقضه دينه إذ العادة أنه إذا قضى الدين أخذ عقده أو مزقه فإن كان الدين بغير وثيقة ففيه قولان.
ابن رشد وليس من وجه الحيازة التي ينتفع بها الحائز ويفرق فيها بين الأقارب والأجنبيين والأصهار وغيرهم لأن شرطها جهل أصل وضع اليد وهو هنا معلوم، واللَّه أعلم.
السادس: طفى: قوله: وإنما تفترق الدار من غيرها في الأجنبي اختصر المصنف قول ابن رشد حيث تكلم على حيازة الأقارب الشركاء بالميراث ولا فرق في مدة حيازة الوارث على الوارث بين الرباع والأصول والثياب والحيوان والعروض وإنما يفترق ذلك في حيازة الأجنبي بالاعتمار والسكنى والازدراع في الأصول والاستخدام والركوب واللبس في الرقيق والدواب والثياب، فقد قال أصبغ: إن السنة والسنتين في الثياب حيازة إذا كانت تلبس وتمتهن وإن السنتين حيازة في الدواب إذا كانت تركب، وفي الإماء إذا كن يستخدمن وفي العبد والعروض فوق ذلك ولا يبلغ في شيء من ذلك بين الأجنبيين إلى عشرة أعوام كما في الأصول هذا كله معنى قول أصبغ دون نصه. اهـ.
فلم يستند في التفريق الذي ذكره إلا لقول أصبغ فاقتضى أن أصبغ سوَّى بين الرباع والأصول والثياب وما معها في الشركاء بالميراث مع أن أصبغ فرق بينهما أيضًا ففي ابن سلمون أصبغ ومطرف وأما حيازة الشريك الوارث عمن ورث معه في العروض والعبيد بالإختدام واللبس والإمتهان منفردًا به على وجه الملك له فالقضاء فيه أن الحيازة في ذلك فوق العشرة الأعوام على قدر اجتهاد الحاكم عند نزول ذلك. اهـ.
فعبارة ابن رشد مشكلة ولذا اعترض ابن مرزوق عبارة المصنف قائلًا: مفهوم الحصر يقتضي مساواة الدار وغيرها بالنسبة للأقارب في مدة الحيازة ولا عمل على هذا المفهوم لمخالفته النص.
ابن يونس وغيره عن مطرف وما حاز الشركاء والورثة من العبيد والإماء والدواب والحيوان وجميع العروض تختدم وتركب وتمتهن العروض فلا يقطع حق الباقين ما لم يطل والطول في ذلك دون الطول بينهم في حيازة الدور والأرضين بالسكنى والازدراع وفوق حيازة الأجنبي على الأجنبي. اهـ.
وما نقله ابن يونس عن مطرف يرجع لما نقله ابن سلمون عنه مع أصبغ وقوله: والطول في ذلك دون الطول في حيازة الدور والأرضين بالسكنى والازدراع مدة ذلك بالنسبة للسكنى والازدراع في كلام ابن عاصم وغيره تزيد على أربعين سنة، ونصه في تحفته: والأقربون حالهم مختلف بحسب اعتمادهم يختلف فإن يكن بمثل سكنى الدار =стр. 3120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = والزرع للأرض والاعتمار فهو بما يجوز الأربعين، وفي منتقى الأحكام إذا حاز الوارث على الوارث الأصول بالسكنى والازدراع ونحو ذلك فلا يكون حيازة حتى يزيد على الأربعين سنة خلافًا لقول ابن رشد لا حيازة بين الورثة الشركاء بالسكنى والازدراع وإن طال الزمان جدًّا وهذا قول ابن القاسم في رسم الكبش من سماع يحيى، وقال ابن رشد في رسم يسلف: لا اختلاف أن الحيازة لا تكون بالسكنى والازدراع في حق الأقارب الشركاء في الميراث إلا على ما تأوله بعض الناس على ما في (المدونة) وهو بعيد وقال في رسم الأقضية المشهور: إن الوارثين لا حيازة بينهم بالسكنى والاعتمار. اهـ.
فقد ظهر لك أن أصبغ كما فرَّق بين العقار وغيره في حيازة الأجنبي كذلك فرق بينهما في حيازة القريب.
وأما ابن القاسم فسوَّى بين الأصول وغيرها بالنسبة للأجنبي ففيها ابن القاسم من حاز على حاضر عروضًا أو حيوانًا أو رقيقًا فذلك كالحيازة في الربع إذا كانت الثياب تلبس وتمتهن والدواب تركب وتكرى والأمة توطأ ولم يحد لي مالك في الحيازة في الرباع عشر سنين ولا غيرها. اهـ.
وأما بالنسبة للأقارب الشركاء ففي رسم شهد من سماع عيسى من كتاب الاستحقاق في رجل يحوز ماله ابنه في حياته في الحيوان الرأس والدابة حتى يموت أبوه وذلك الحيوان في يده فيقول ورثته: هذا الرأس لأبينا والدابة له ولا بينة له على صدقته ولا على عطيته فهل ينتفع بطول تقادمه في يده والأصل معروف؟
ابن القاسم: لا ينتفع بطول تقادمه في يده.
ابن رشد: هذا من قول ابن القاسم مثل ما تقدم من قول مالك في رسم يسلف من سماع ابن القاسم في أن الابن لا ينتفع بحيازة الأرض على أبيه بالازدراع والاعتمار وفي رسم الكبش من سماع يحيى في امرأة هلك زوجها وترك منزلًا ورقيقًا فعاشت المرأة وولد الرجل من غيرها زمانًا وتزوجت بعده زوجًا وزوجين ثم هلكت فقام ولدها من زوجها الذي تزوجها بعد الأول يطلب مورثها من زوجها الأول في رباعه ورقيقه فقال ولد زوجها الأول: قد عايشتنا أمكم زمانًا طويلًا وكانت عالمة بحقها ووجه خصومتها منذ عشرين سنة فلم تطلب قبلنا شيئًا حتى ماتت فقال: لا أرى أن يقطع سكوتها بما ذكرت من الزمان مورثها معروفًا لها وولدها في القيام بطلبه على مثل حجتها لا يقطع حقها طول سكوتها في مورثها من زوجها الأول: لأن حال الورثة عندي في هذا مخالف لغيرهم إلا أن يكونوا اقتسموا بعلمها حتى صار كل واحد بنصيبه من الإرث وبأن بحقه من أثمان ما باعوا وبحقه مما اقتسموا من الرقيق والعروض وهي ساكتة عالمة لا تدعي شيئًا فهذا الذي يقطع حجتها ويبطل طلبها. =стр. 3121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = قلت: فإن لم يقتسموا ببينة واقتطع كل وارث أرضًا يزرعها وتنسب إليه أو دارًا يسكنها أو رقيقًا يختدمه أو بقرًا أو غنمًا يحتلبها أو دواب يستغلها فكل وارث قبض مما نصصت لك شيئًا قد بان بمنفعته دون إشراكه فإليه ينسب وله يعرف ولو كلفوا البينة على الإقتسام لم يجدوها لطول الزمان وليس في يد المرأة من ذلك شيء وعسى أن يكون في يدها شيء يسير أترى هذا إذا طال الزمان يقطع حقها من الموروث؟ قال: أرى هذا يمنعها من أخذ حقها.
ابن رشد قوله في هذه المسألة: لا أرى أن يقطع حقها سكوتها مثل ما تقدم من قوله قبل هذا إنه لا حيازة بين الأقارب وقوله أو دواب يستغلها هل هو بمنزلة الإنتفاع بالسكنى والاستخدام لا تقع الحيازة به بين الورثة أو تقع به الحيازة بينهم وأظن أنه وقع في بعض الكتب أو دواب يستعملها وهو طرد على ما ذكره. اهـ.
فقد ظهر لك أن ابن القاسم سوَّى بين الأصول وغيرها في الأجانب والأقارب ولم أر التفصيل الذي ذكره ابن رشد من أن التفريق في الأجنبي فقط إلا أنه رجل حافظ ولعله تفقه له؛ فتأمل ذلك.
وقد جرى الحط على طريق ابن رشد مقتصرًا عليه.
وأما عج فقال: اعتراض ابن مرزوق صحيح بل ربما يتعين المصير له لموافقته لما في النوادر وهو مقدم على ما يدل عليه كلام ابن رشد. اهـ كلام طفى. وقد اختصره البناني وأقره.
أقول: في قوله: وأما ابن القاسم فقد سوَّى بين الأصول وغيرها نظر فإن نص (المدونة) لا يقيد ذلك إذ الظاهر أن التشبيه فيه في التفويت وعدم سماع الدعوى والبينة وإن اختلفت مدة الحيازة بدليل ذكره وطء الأمة الذي لا يشترط فيه طول المدة وبدليل تخصيص الرباع في قوله ولم يحد لي مالك في الحيازة في الرباع. . . إلخ، وبدليل تقديم التشبيه على بيان المدة، واللَّه أعلم".стр. 3122
جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر
للشيخ العلامة والإمام الفهامة أبي عبد اللَّه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي المالكي
(٠٠٠ - ٩٤٢ هـ = ٠٠٠ - ١٥٣٥ م)
حققه وخرج أحاديثه الدكتور أبو الحسن، نوري حسن حامد المسلاتي
الجزء الثامن
دار ابن حزم
стр. 3123
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
٤ - ٤٤٦ - ٤١٦ - ٦١٤ - ٩٧٨ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
البريد الألكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com
стр. 3124
جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر
للشيخ العلامة والإمام الفهامة أبي عبد اللَّه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي المالكي
(٠٠٠ - ٩٤٢ هـ = ٠٠٠ - ١٥٣٥ م)
حققه وخرج أحاديثه الدكتور أبو الحسن، نوري حسن حامد المسلاتي
الجزء الثامن
دار ابن حزم
стр. 3125
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
٤ - ٤٤٦ - ٤١٦ - ٦١٤ - ٩٧٨ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
البريد الألكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com
стр. 3126
باب
ذكر فيه أحكام الدماء والحدود، ولما كانت أركان الجناية ثلاثة:
- الجاني.
- والمجني عليه.
- والجناية.
ولكل منهما شروط ذكر جميعها.
[الركن الأول الجاني: ]
وبدأ بالركن الأول، فقال: إن أتلف -أي: جنى- مكلف على نفس أو طرف، ويشمل الجرح؛ لأن الطرف الناحية من النواحي، فالجرح إن كان في الظهر أو الوجه أو غيره من الجهات فهو طرف للجسم من تلك الجهة، وشمل المكلف السكران، وخرج به الصبي والمجنون؛ لخبر: "رفع القلم عن ثلاث. . " الحديث (١) .
إن لم يرق الجاني، بأن كان حرًا، بل وإن رق، فيقتل العبد بالحر إن شاء وليه. الحواشي
(١) أخرجه أحمد (١/ ١٥٤، رقم ١٣٢٧)، وأبو داود (٤/ ١٤٠، رقم ٤٤٠٢)، والحاكم (٤/ ٤٣٠، رقم ٨١٦٩).стр. 3127
[صفة الجاني: ]
ثم وصف الجاني بقوله:
- غير حربي، فلا يقتص منه، ولو أسلم بعد الجناية، سواء كان ممن تقبل منه الجزية كالنصراني واليهودي، أو لا كالمجوسي (١) . الحواشي
(١) هذا الإطلاق فيه نظر؛ إذ الجزية تقبل من المجوس غير العرب على قول ابن وهب، وعلى قول ابن القاسم تؤخذ من كل مجوسي عربيًا كان أو أعجميًا، فما ذكره ليس معروفًا في المذهب، قال القرطبي في جامعه (٨/ ١١٠، وما بعدها): "الثانية: وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية، قال الشافعي ﵀: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة عربًا كانوا أو عجمًا لهذه الآية، فإنهم هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم إليهم دون من سواهم لقوله : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. ولم يقل: حتى يعطوا الجزية كما قال في أهل الكتاب. وقال: وتقبل من المجوس بالسنة، وبه قال أحمد وأبو ثور. وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه.
وقال الأوزاعي: تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب. وكذلك مذهب مالك، فإنه رأى الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد، عربيًا أو عجميًا، تغلبيًا أو قرشيًا، كائنًا من كان، إلا المرتد.
وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون: تؤخذ الجزية من مجوس العرب والأمم كلها. وأما عبدة الأوثان من العرب فلم يستن اللَّه فيهم جزية، ولا يبقى على الأرض منهم أحد، وإنما لهم القتال أو الإسلام. ويوجد لابن القاسم: أن الجزية تؤخذ منهم، كما يقول مالك. وذلك في التفريع لابن الجلاب وهو احتمال لا نص. وقال ابن وهب: لا تقبل الجزية من مجوس العرب وتقبل من غيرهم. قال: لأنه ليس في العرب مجوسي إلا وجميعهم أسلم، فمن وجد منهم بخلاف الإسلام فهو مرتد يقتل بكل حال إن لم يسلم ولا تقبل منهم جزية. وقال ابن الجهم: تقبل الجزية من كل من دان بغير الإسلام إلا ما أجمع عليه من كفار قريش. وذكر في تعليل ذلك أنه إكرام لهم عن الذلة والصغار، لمكانهم من رسول اللَّه ﷺ . وقال غيره: إنما ذلك لأن جميعهم أسلم يوم فتح مكة. واللَّه أعلم.
الثالثة: وأما المجوس فقال ابن المنذر: لا أعلم خلافًا أن الجزية تؤخذ منهم. وفي الموطأ: مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر أمر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم. فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". قال أبو عمر: يعني في الجزية خاصة. وفي قول رسول اللَّه ﷺ : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" دليل على أنهم ليسوا =стр. 3128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أهل كتاب. وعلى هذا جمهور الفقهاء. وقد روي عن الشافعي أنهم كانوا أهل كتاب فبدلوا. وأظنه ذهب في ذلك إلى شيء روي عن علي بن أبي طالب ﵁ من وجه فيه ضعف، يدور على أبي سعيد البقال، ذكره عبد الرزاق وغيره. قال ابن عطية: وروي أنه قد كان بعث في المجوس نبي اسمه زرادشت. واللَّه أعلم".
وادعى ابن عبد البر الإجماع على أخذها منهم، فقال في الاستذكار (٣/ ٢٤١، وما بعدها): "٥٧٢ - ذكر فيه مالك أنه بلغه أن رسول اللَّه ﷺ أخذ الجزية من مجوس البحرين.
وأن عمر أخذها من مجوس فارس.
وأن عثمان أخذها من البربر.
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة رواته وكذلك معمر عن ابن شهاب ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد ورواه بن وهب عن يونس عنه بن شهاب عن سعيد بن المسيب وقد ذكرناها بأسانيدها في التمهيد.
٥٧٣ - وذكر مالك عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال ما أدري كيف أصنع في أمرهم فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
وهذا الحديث قد رواه أبو علي الحنفي عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده وهو أيضًا منقطع والصحيح عن مالك ما في الموطأ.
وفي حديث جعفر من الفقه أن الخبر العالم قد يجهل ما يجد عند من هو دونه في العلم.
وفيه انقياد العالم إلى العلم حيث كان.
وفيه إيجاب العمل بخبر الواحد.
وأما قوله سنوا فيهم سنة أهل الكتاب فهو من الكلام الخارج مخرج العموم والمراد منه الخصوص لأنه إنما أراد سنوا بهم سنة أهل الكتاب في الجزية لا في نكاح نسائهم ولا في أكل ذبائحهم.
وهذا لا خلاف فيه بين العلماء إلا شيء يروى عن سعيد بن المسيب أنه لم ير بذبح المجوس لشاة المسلم إذا أمره المسلم بذبحا بأسًا والناس على خلافه.
والمعنى عند طائفة من الفقهاء في ذلك أن أخذ الجزية صغار لهم وذلة لكفرهم وقد ساووا أهل الكتاب في الكفر بل هم أشد كفرًا فوجب أن يجروا مجراهم في الذل والصغار لأن الجزية لم تؤخذ من الكتابيين رفقًا بهم وإنما منهم تقوية للمسلمين وذلًا للكافرين.
وليس نكاح نسائهم ولا أكل ذبائحهم من هذا الباب لأن ذلك مكرمة بالكتابيين لموضع =стр. 3129
تنكيت:
قول الشارح عن ابن شاس: (شرط القاتل أن يكون ملتزمًا للإسلام؛ فلا قصاص على حربي) فيه نظر؛ لأن الذي في عبارة ابن شاس: (ملتزمًا للأحكام؛ فلا قصاص على صبي ومجنون وحربي) انتهى.
فما حكاه عنه الشارح من كونه ملتزمًا للإسلام ليس كذلك، ثم هو
الحواشي
(١) = كتابهم واتباعهم الرسل ﵈ فلم يجز أن يحلق بهم من لا كتاب له في هذه المكرمة.
هذه جملة اعتل بها أصحاب مالك وغيرهم ولا خلاف بين علماء المسلمين أن الجزية تؤخذ من المجوس لأن رسول اللَّه ﷺ أخذ الجزية من مجوس أهل البحرين ومن مجوس هجر وفعله بعد رسول اللَّه ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃.
واختلف الفقهاء في مشركي العرب ومن لا كتاب له هل تؤخذ منهم الجزية أم لا؟
فقال مالك تقبل الجزية من جميع الكفار عربًا كانوا أو عجمًا لقوله اللَّه : ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
قال وتقبل من المجوس بالسنة.
وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأبي ثور، وأحمد، وداود، وإليه ذهب عبد اللَّه بن وهب.
وقال الأوزاعي ومالك وسعد بن عبد العزيز: إن الفرازنة ومن لا دين له من أجناس الرتك والهند وعبدة النيران والأوثان وكل جاحد ومكذب بدين اللَّه يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية فإن بذلوا الجزية قبلت منهم وكانوا كالمجوس في تحريم مناكحهم وذبائحهم وسائر أمورهم.
قال أبو عبيد: كل عجمي تقبل منه الجزية، إن بذلها، ولا تقبل من العرب، إلا من كتابهم.
وحجة من رأى الجزية القياس على المجوس؛ لأنهم في معناهم في أن لا كتاب لهم وقد تقدمت حجة الشافعي ومن قال بقوله.
وفي قول رسول اللَّه ﷺ : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" دليل على أنهم ليسوا أهل كتاب، وعلى ذلك جمهور العلماء".
فالعجب من التتائي كيف قال ذلك، وما مصدره فيه، ولعله لما رأى أن المذهب لا تأكل ذبائحهم، توهم أن الجزية لا تؤخذ منهم، فلو أخذت منهم، لكانوا مثل أهل الكتاب، ولو كانوا مثلهم لحلت ذبائحهم، وعلى كل فهذا احتمال، وكان ينبغي عليه البحث عن النص.стр. 3130
مشكل على ما تقرر في المذهب من أن القصاص ثابت بين أهل الذمة.
- وشرط الجاني أن لا يكون زائد حرية.
- أو لا زائد إسلام على المجني عليه؛ فلا يقتص لعبد من حر مع مساواتهما في الدين، ولا لكافر من مسلم، ولو تميز الكافر بالحرية، بل يشترط المساواة حين القتل (١) ، فيقتص من عبد قتل مثله، ثم عتق القاتل، ومن ذمي قتل مثله، ثم أسلم بعد القتل؛ لمساواتهما حينئذ (٢) . الحواشي
(١) قال في منح الجليل (٩/ ٦): "طفى: قوله: (حين القتل) الصواب إسقاطه كما فعل ابن الحاجب لاقتضائه أنه لا تشترط المساواة إلا حين القتل وليس كذلك، بل من حين الرمي إلى حصول القتل، إذ المعتبر فيه المساواة في الحالين أو يقول إلى حين القتل بالغاية كما فعل فيما بعد، وقول عج لو رماه فجرحه ثم أسلم بعد جرحه ثم نزى الجرح فمات فإنه يقتل به لأنه مكافئ له حين الموت وحين السبب الذي نشأ عنه الموت وهو الجرح وإن كان غير مكافئ عند الرمي لأنه لا تعتبر المساواة عنده لما علمت أن المعتبر هو السبب القريب للموت غير ظاهر.
ابن عرفة الشيخ ابن سحنون ابن القاسم إن أسلم نصراني بعد أن خرج فمات ففيه دية حر مسلم في مال الجاني حالة أشهب إنما عليه دية نصراني إنما النظر لوقت الضرب لا الموت.
وفي الجواهر ابن سحنون أصحابنا في مسلم قطع يد نصراني ثم أسلم ثم مات أنه لا قود على المسلم، فإن شاء أولياؤه أخذوا دية يد نصراني، وإن أحبوا أقسموا ولهم دية مسلم في مال الجاني حالة عند ابن القاسم وسحنون.
وقال أشهب دية نصراني، وقوله لأنه لا تعتبر المساواة عنده إلخ، فيه نظر، وكاد أن يخرج به عن كلام أهل المذهب اهـ كلام طفي".(٢) قال القرطبي في تفسير ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ(١٧٨) ﴾ (٢/ ٢٤٤، وما بعدها): "فيه سبع عشرة مسألة:
الأولى: روى البخاري والنسائي والدارقطني عن ابن عباس قال: "كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال اللَّه لهذه الأمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ =стр. 3131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قتل بعد قبول الدية". هذا لفظ البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال سمعت مجاهدًا قال سمعت ابن عباس يقول: وقال الشعبي في قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ قال: أنزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا فقالوا، نقبل بعبدنا فلان بن فلان، وبأمتنا فلانة بنت فلان، ونحوه عن قتادة.
الثانية: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ "كتب" معناه فرض وأثبت، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول
وقد قيل: إن "كتب" هنا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ وسبق به القضاء. والقصاص مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه، ومنه القاص لأنه يتبع الآثار والأخبار. وقص الشعر اتباع أثره، فكأن القاتل سلك طريقًا من القتل فقص أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك، ومنه ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]. وقيل: القص القطع، يقال: قصصت ما بينهما. ومنه أخذ القصاص؛ لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به، يقال: أقص الحاكم فلانًا من فلان وأباءه به فأمثله فامتثل منه، أي اقتص منه.
الثالثة: صورة القصاص هو أن القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام لأمر اللَّه والانقياد لقصاصه المشروع، وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قاتل وليه وترك التعدي على غيره، كما كانت العرب تتعدى فتقتل غير القاتل، وهو معنى قوله ﵇: "إن من أعتى الناس على اللَّه يوم القيامة ثلاثة رجل قتل غير قاتله ورجل قتل في الحرم ورجل أخذ بذحول الجاهلية". قال الشعبي وقتادة وغيرهما: إن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان الحي إذا كان فيه عز ومنعة فقتل لهم عبد، قتله عبد قوم آخرين قالوا: لا نقتل به إلا حرًا، وإذا قتلت منهم امرأة قالوا: لا نقتل بها إلا رجلًا، وإذا قتل لهم وضيع قالوا: لا نقتل به إلا شريفًا، ويقولون: "القتل أوقى للقتل" بالواو والقاف، ويروي "أبقى" بالباء والقاف، ويروى "أنفى" بالنون والفاء، فنهاهم اللَّه عن البغي فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ الآية، وقال ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. وبين الكلامين في الفصاحة والجزل بون عظيم.
الرابعة: لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك؛ لأن اللَّه سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعًا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود. وليس القصاص بلازم إنما اللازم =стр. 3132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ألا يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى الاعتداء، فأما إذا وقع الرضا بدون القصاص من دية أو عفو فذلك مباح، على ما يأتي بيانه.
فإن قيل: فإن قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ معناه فرض وألزم، فكيف يكون القصاص غير واجب؟ قيل له: معناه إذا أردتم، فأعلم أن القصاص هو الغاية عند التشاح. والقتلى جمع قتيل، لفظ مؤنث تأنيث الجماعة، وهو مما يدخل على الناس كرهًا، فلذلك جاء على هذا البناء كجرحى وزمنى وحمقى وصرعى وغرقى، وشبههن.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ الآية. اختلف في تأويلها، فقالت طائفة: جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه، فبينت حكم الحر إذا قتل حرًا، والعبد إذا قتل عبدًا، والأنثى إذا قتلت أنثى، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر، فالآية محكمة وفيها إجمال يبينه قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وبينه النبي ﷺ بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة، قاله مجاهد، وذكره أبو عبيد عن ابن عباس. وروي عن ابن عباس أيضًا أنها منسوخة بآية "المائدة" وهو قول أهل العراق.
السادسة: قال الكوفيون والثوري: يقتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ فعم، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، قالوا: والذمي مع المسلم متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد، فإن الذمي محقون الدم على التأبيد، والمسلم كذلك، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواته لدمه إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه. واتفق أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى على أن الحر يقتل بالعبد كما يقتل العبد به، وهو قول داود، وروي ذلك عن علي وابن مسعود ﵄، وبه قال سعيد بن المسيب وقتادة وإبراهيم النخعي والحكم بن عيينة. والجمهور من العلماء لا يقتلون الحر بالعبد، للتنويع والتقسيم في الآية. وقال أبو ثور: لما اتفق جميعهم على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفوس كانت النفوس أحرى بذلك، ومن فرق منهم بين ذلك فقد ناقض. وأيضًا فالإجماع فيمن قتل عبدًا خطأ أنه ليس عليه إلا القيمة، فكما لم يشبه الحر في الخطأ لم يشبهه في العمد. وأيضًا فإن العبد سلعة من السلع يباع ويشترى، ويتصرف فيه الحر كيف شاء، فلا مساواة بينه وبين الحر ولا مقاومة.
قلت: هذا الإجماع صحيح، وأما قوله أولًا: "ولما اتفق جميعهم -إلى قوله- فقد ناقض" فقد قال ابن أبي ليلى وداود بالقصاص بين الأحرار والعبيد في النفس وفي =стр. 3133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = جميع الأعضاء، واستدل داود بقوله ﵇: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" فلم يفرق بين حر وعبد. وسيأتي بيانه في "النساء" إن شاء اللَّه تعالى.
السابعة: والجمهور أيضًا على أنه لا يقتل مسلم بكافر، لقوله ﷺ : "لا يقتل مسلم بكافر" أخرجه البخاري عن علي بن أبي طالب. ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة أن النبي ﷺ قتل يوم خيبر مسلمًا بكافر؛ لأنه منقطع، ومن حديث ابن البيلماني وهو ضعيف عن ابن عمر عن النبي ﷺ مرفوعًا. قال الدارقطني: "لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث. والصواب عن ربيعة عن ابن البيلماني مرسل عن النبي ﷺ ، وابن البيلماني ضعيف الحديث لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله".
قلت: فلا يصح في الباب إلا حديث البخاري، وهو يخصص عموم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية، وعموم قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].
الثامنة: روي عن علي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن البصري أن الآية نزلت مبينة حكم المذكورين، ليدل ذلك على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر عبدًا أو عبد حرًا، أو ذكر أنثى أو أنثى ذكرًا، وقالا: إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها قتلوا صاحبهم ووفوا أولياءه نصف الدية، وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة. وإذا قتلت امرأة رجلًا فإن أراد أولياؤه قتلها قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإلا أخذوا دية صاحبهم واستحيوها. روى هذا الشعبي عن علي، ولا يصح؛ لأن الشعبي لم يلق عليًا. وقد روى الحكم عن علي وعبد اللَّه قالا: إذا قتل الرجل المرأة متعمدًا فهو بها قود، وهذا يعارض رواية الشعبي عن علي. وأجمع العلماء على أن الأعور والأشل إذا قتل رجلًا سالم الأعضاء أنه ليس لوليه أن يقتل الأعور، ويأخذ منه نصف الدية من أجل أنه قتل ذا عينين وهو أعور، وقتل ذا يدين وهو أشل، فهذا يدل على أن النفس مكافئة للنفس، ويكافئ الطفل فيها الكبير.
ويقال لقائل ذلك: إن كان الرجل لا تكافئه المرأة ولا تدخل تحت قول النبي ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم" فلم قتلت الرجل بها وهي لا تكافئه ثم تأخذ نصف الدية، والعلماء قد أجمعوا أن الدية لا تجتمع مع القصاص، وأن الدية إذا قبلت حرم الدم وارتفع القصاص، فليس قولك هذا بأصل ولا قياس، قاله أبو عمر ﵁. وإذا قتل الحر العبد، فإن أراد سيد العبد قتل وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد، وإن شاء استحيا وأخذ قيمة العبد، هذا مذكور عن، علي والحسن، وقد أنكر ذلك عنهم أيضًا.
التاسعة: وأجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، والجمهور لا يرون =стр. 3134
ثم استثنى من قوله: (غير زائد حرية أو إسلام)، فقال: إلا لغيلة: بكسر الغين المعجمة والمثناة التحتية، وهي القتل لأخذ المال، فلا يشترط
الحواشي
(١) = الرجوع بشيء. وفرقة ترى الإتباع بفضل الديات.
قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبو ثور: وكذلك القصاص بينهما فيما دون النفس. وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة: لا قصاص بينهما فيما دون النفس وإنما هو في النفس بالنفس، وهما محجوجان بإلحاق ما دون النفس بالنفس على طريق الأحرى والأولى، على ما تقدم.
العاشرة: قال ابن العربي: ولقد بلغت الجهالة بأقوام إلى أن قالوا: يقتل الحر بعبد نفسه، ورووا في ذلك حديثا عن الحسن عن سمرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من قتل عبده قتلناه" وهو حديث ضعيف.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] والولي ههنا السيد، فكيف يجعل له سلطان على نفسه".
وقد اتفق الجميع على أن السيد لو قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت المال، وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا قتل عبده متعمدا فجلده النبي ﷺ "ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده به".
فإن قيل: فإذا قتل الرجل زوجته لم لم تقولوا: ينصب النكاح شبهة في درء القصاص عن الزوج، إذ النكاح ضرب من الرق، وقد قال ذلك الليث بن سعد.
قلنا: النكاح ينعقد لها عليه، كما ينعقد له عليها، بدليل أنه لا يتزوج أختها ولا أربعًا سواها، وتطالبه في حق الوطء بما يطالبها، ولكن له عليها فضل القوامة التي جعل اللَّه له عليها بما أنفق من ماله، أي بما وجب عليه من صداق ونفقة، فلو أورث شبهة لأورثها في الجانبين.
قلت: هذا الحديث الذي ضعفه ابن العربي وهو صحيح، أخرجه النسائي وأبو داود، وتتميم متنه: "ومن جدعه جدعناه ومن أخصاه أخصيناه".
وقال البخاري عن علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح، وأخذ بهذا الحديث.
وقال البخاري: وأنا أذهب إليه، فلو لم يصح الحديث لما ذهب إليه هذان الإمامان، وحسبك بهما. ويقتل الحر بعبد نفسه، قاله النخعي والثوري في أحد قوليه.
وقد قيل: إن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، واللَّه أعلم.
واختلفوا في القصاص بين العبيد فيما دون النفس، هذا قول عمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد اللَّه والزهري وقران ومالك والشافعي وأبو ثور.
وقال الشعبي والنخعي والثوري وأبو حنيفة: لا قصاص بينهم إلا في النفس.
قال ابن المنذر: الأول أصح.стр. 3135
فيها المساواة، بل يقتل الحر بالعبد، والمسلم بالكافر، فالاستثناء منقطع؛ فإنه في الحقيقة لم يقتل به، بل للفساد؛ لأنه في معنى الحرابة؛ ولذا قال مالك: لا عفو فيه.
وكذا لو قطع يده أو رجله حكم عليه بحكم المحارب، ولو صالح وليه على الدية لكان صلحه مردودًا، والحكم فيه للإمام.
[الركن الثاني: المجني عليه: ]
وأشار للركن الثاني وهو المجني عليه بقوله: معصومًا هو معمول (أتلف)؛ فلا قصاص على قاتل مرتد، ويشترط دوام العصمة للتلف والإصابة كما لو رمى حر مسلم مثله بسهم، فارتد قبل وصول السهم إليه، فحين الإصابة لم تستمر العصمة إليه.
[ما تكون به العصمة: ]
والعصمة تكون:
[١] بإيمان باللَّه ورسوله ملتزمًا دعائم الإسلام؛ لخبر: "أمرت أن أقاتل الناس. . " الحديث (١) . الحواشي
(١) حديث متواتر، رواه من حديث أبي هريرة: أحمد (٢/ ٥٠٢، رقم ١٠٥٢٥)، والبخاري (٢/ ٥٠٧، رقم ١٣٣٥)، ومسلم (١/ ٥٢، رقم ٢١)، وأبو داود (٣/ ٤٤، رقم ٢٦٤٠)، والترمذي (٥/ ٣، رقم ٢٦٠٦) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٧/ ٧٧، رقم ٣٩٧١)، وابن ماجه (٢/ ١٢٩٥، رقم ٣٩٢٧).
ومن حديث أنس: تمام (١/ ٢٢٥، رقم ٥٣٩).
ومن حديث عمرو بن أوس: أحمد (٤/ ٨، رقم ١٦٢٠٨)، والنسائي (٧/ ٨١، رقم ٣٩٨٣)، وابن ماجه (٢/ ١٢٩٥، رقم ٣٩٢٩)، والطحاوي (٣/ ٢١٣)، وابن قانع (١/ ٢٩). والدارمي (٢/ ٢٨٧، رقم ٢٤٤٦).
ومن حديث جرير: الطبراني (٢/ ٣٠٧، رقم ٢٢٧٦). قال الهيثمي (١/ ٢٤): في إسناده إبراهيم بن عيينة، وقد ضعفه الأكثرون، وقال ابن معين: كان مسلما.
ومن حديث أبي بكر: أخرجه النسائي (٧/ ٧٧، رقم ٣٩٧٠)، والبزار (١/ ٩٨، رقم ٣٨)، والدارقطني في الأفراد كما في أطراف ابن طاهر (١/ ٦٣، رقم ١٢). قال الهيثمي (١/ ٢٥): رواه البزار، وقال: وهذا الحديث لا أعلمه يروى عن أنس عن أبي بكر إلا =стр. 3136
[٢] أو أمان من السلطان أو غيره (١) ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الحواشي
(١) أمان السلطان اليوم يكون بما يعرف بالتأشيرة، فكل من دخل إحدى بلدان المسلمين بها فهو آمن، يحرم دمه وماله وعرضه، ولا يبيحه إلا من فيه شائبة الخوارج، يقول الشيخ عطية سالم في شرحه بلوغ المرام: "وأعتقد أننا في هذه الآونة ليس عندنا حربي ومعاهد، والعرف العام عند جميع الدول: من دخل دولة بتصريح من ولي أمرها فهو معاهد.
والمسلم الآن يذهب إلى بلاد غير المسلمين، ولا يمكن أن يدخل في مطار أو ميناء إلا بتأشيرة من سفارة تلك البلدة أنه مأذون له في الدخول، وبالإذن له بالدخول لزم أمران: الأول: لزم عليه أن يلتزم بنظم تلك الدولة؛ لأنه دخل إليها ملتزمًا بنظمها، ولهذا مدة وجوده فيها تسري عليه أحكام قوانينها. =стр. 3137
الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾.
[٣] أو بالتزامه الجزية، وسكت عنه هنا؛ لأنه إذا ثبت العصمة بالأمان فبالجزية أولى، كالقاتل؛ فإنه معصوم من غير المستحق لدمه، وأما بالنسبة للمستحق له فلا، ولكن إن قتله المستحق أدب؛ لافتياته على الإمام، كمرتد -أي: كقاتله- وقاتل زان أحصن، وقاطع يد سارق بعد ثبوت ذلك على كل واحد منهم، أو قبل ثبوته، ثم ثبت، فالأدب فقط؛ للافتيات على الإمام (١) ، فالقود عينًا: جواب (إن أتلف)، أي: إذا حصل الإتلاف بشرطه الحواشي
(١) وقد نبتت في هذا العصر جماعات ترى أن لا إمام، وأن إقامة الحدود وغيرها من العقوبات يمكن لآحاد الرعية إقامتها حتى مع وجود الإمام، واستدل لي بعضهم بما في سبل السلام (٣/ ٢٦٦): "عن ابن عباس ﵄ أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي فلما كان ذات ليلة أخذ المعول بكسر الميم وعين مهملة وفتح الواو فجعله في بطنها واتكأ عليه فقتلها فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ألا اشهدوا فإن دمها هدر" رواه أبو داود ورواته ثقات، الحديث دليل على أنه يقتل من سب النبي ﷺ ويهدر دمه فإن كان مسلمًا كان سبه له ﷺ ردة فيقتل قال ابن ابطال من غير استتابة ونقل ابن المنذر عن الأوزاعي والليث أنه يستتاب وإن كان من أهل العهد فإنه يقتل إلا أن يسلم ونقل ابن المنذر عن الليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق أنه يقتل أيضًا من غير استتابة وعن الحنفية أنه يعزر المعاهد ولا يقتل واحتج الطحاوي بأنه ﷺ لم يقتل اليهود الذين قالوا السام عليك ولو كان هذا من مسلم لكان ردة ولأن ما هم عليه من الكفر أشد من السب قلت يؤيده أن كفرهم به ﷺ معناه أنه كذاب وأي سب أفحش من هذا وقد أقروا عليه إلا أن يقال إن هذا النص في حديث الأمة يقاس عليه أهل الذمة وأما القول بأن دماءهم إنما حقنت بالعهد وليس في العهد أنهم يسبون النبي ﷺ فمن سبه منهم انتقض عهده فيصير كافرًا بلا عهد فيهدر دمه فقد يجاب عنه أن عهدهم تضمن إقرارهم على تكذيبهم له ﷺ وهو أعظم سب إلا أن =стр. 3138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = يقال يخص من بين غيره من السب واللَّه أعلم".
وأعلمُ من حال هؤلاء الناس أنهم لا يقيمون للعلم بالًا، وما رأيت أحدًا منهم اشتغل بالعلم الشرعي على وجهه الصحيح، فتراهم يتخيرون من كتب العلماء المشهود لهم بالعلم والإمامة ما حوى في الظاهر ما يناصر فكرهم، فإذا أرشدتهم لمعنى كلامه، وأنه ليس على ما فهموه لجؤوا إلى أحد أمرين:
الأول: إما معاداتك وتحذيرك، مع وصمك بالضلال والزيغ.
والآخر: إسقاط العالم، والتحذير منه.
ولكي لا ينحرف بنا الإستطراد عما نحن فيه، أقول: هذا الحديث -أعني حديث ابن عباس- ليس فيه ما يدل على أن إقامة الحدود والعقوبات لآحاد الرعية؛ ذلك لأن الحديث يقول: "كانت له أم ولد"، وأم الولد في الفقه المراد بها: هي المرأة السرية عند سيدها إذا جامعها وأتت منه بولد صارت أم ولد -في عهد الرسول ﷺ وأبي بكر، كانت تباع أم الولد، لكن لما رأى عمر أن الناس صاروا لا يخافون اللَّه، ويفرِّقون بين المرأة وولدها، منع ﵁ من بيع أمهات الأولاد، قال في تاج العروس (١٢/ ١٣ - ١٤): " (وقد تسرر وتسرى)، على تحويل التضعيف، وقال الليث: السرية فعلية من قولك: تسررت، ومن قال: تسريت فإنه غلط، قال الأزهري: هو الصواب، والأصل تسررت، ولكن لما توالت ثلاث راءات أبدلوا إحداهن ياء، كما قالوا: تظنيت من الظن، وقصيت أظفاري، والأصل قصصت.
(و) قال بعضهم: (استسر) الرجل جاريته، بمعنى تسراها، أي اتخذها سرية، وفي حديث عائشة وذكر لها المتعة فقالت: (واللَّه ما نجد في كلام اللَّه إلا النكاح والاستسرار) تريد اتخاذ السراري، وكان القياس الاستسراء من تسريت، لاكنها ردت الحرف إلى الأصل، وقيل: أصلها الياء، من الشيء السري النفيس، وفي الحديث: (فاستسرني)، أي: اتخذني سرية، والقياس أن يقول: تسررني، أو تسراني، فأما استسرني فمعناه ألقى إلى سره، قال ابن الأثير: قال أبو موسى: لا فرق بينه وبين حديث عائشة في الجواز. كذا في اللسان".
وإقامة السيد الحد على مملوكته جائز لم يقل أحد من الفقهاء بمنعه إلا في بعض المسائل؛ لأنه لها ولي أمر، قال ابن بطال في شرح البخاري (٨/ ٤٧٢): "باب لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفى.
٢١ - فيه: أبو هريرة: قال ﷺ : "إذا زنت الأمة، فتبين زناها فليجلدها، ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها، ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة، فليبعها، ولو بحبل من شعر". استدل بهذا الحديث من لم يوجب النفى على النساء، أحرارًا كن أو إماء، ولا على العبيد، روى ذلك عن الحسن وحماد، وهو قول مالك، والأوزاعي، =стр. 3139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وعبيد اللَّه بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وقال الشافعي وأبو ثور: على النساء النفي وعلى الإماء والعبيد. وهو قول ابن عمر، واحتج الشافعي بعموم قوله ﷺ : "من زنا ولم يحصن فعليه جلد مائة وتغريب عام" فعم ولم يخص، واحتج أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] والتغريب له نصف. واحتج عليه مخالفه بقوله ﷺ : (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها. . ثم إن زنت الثالثة فليبيعها" فدل هذا على سقوط النفي عنها؛ لأنه محال أن يأمر ببيع من لا يقدر مبتاعه على قبضه من بائعه إلا بعد مضى ستة أشهر، وأيضًا فإن العبيد والإماء لا وطن لهم فيعاقبوا بإخراجهم عنه، وفى نفيهم قطع للسيد عن الخدمة وضرر، ومما يدل أنه لا نفى على النساء قوله ﷺ : "لا تسافر امرأة يومًا وليلة إلا مع ذي محرم" فإن أخرجتم معها ذا محرم عاقبتم من زنا ومن لم يزن وهذا محال، وإن قلتم إنها تغرب وحدها فقد خالفتم الخبر؛ لأن النبي ﷺ نهاها أن تسافر وحدها، وفي قوله ﷺ : "فليجلدها" إباحة للسيد أن يقيم الحدود على عبيده".
هذا أولًا وأما ثانيًا فإن حديث ابن عباس سنده ضعيف، وذلك لأنه من رواية عكرمة عن ابن عباس، وقد قال الذهبي في الميزان (وقد وثقه جماعة، واعتمده البخاري وأما مسلم فتجنبه، وروى له قليلا مقرونًا بغيره، وأعرض عنه مالك وتحايده إلا في حديث أو حديثين.
أيوب، عن عمرو بن دينار، قال: رفع إلى جابر بن زيد مسائل أسأل عنها عكرمة، فجعل جابر بن زيد يقول: هذا مولى ابن عباس، هذا البحر فسلوه.
سفيان عن عمرو، قال: أعطاني جابر بن زيد صحيفة فيها مسائل، فقال: سل عنها عكرمة، فجعلت كأني أتباطأ، فانتزعها من يدي فقال: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا أعلم الناس.
وعن شهر بن حوشب، قال: عكرمة حبر هذه الأمة.
نعيم بن حماد، حدثنا جرير، عن مغيرة، قيل لسعيد بن جبير: هل تعلم أن أحدًا أعلم منك؟ قال: نعم، عكرمة.
حماد بن زيد، قيل لأبي أيوب: أكان عكرمة يتهم؟ فسكت ساعة، ثم قال: أما أنا فلم أكن أتهمه.
عفان، حدثنا وهيب، قال: شهدت يحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب، فذكرا عكرمة، فقال يحيى: كذاب.
وقال أيوب: لم يكن بكذاب.
جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد اللَّه بن الحارث، قال: دخلت على علي ابن عبد اللَّه فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحش، فقلت له: ألا تتقى اللَّه! فقال: إن هذا =стр. 3140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الخبيث يكذب على أبي.
ويروى عن ابن المسيب أنه كذب عكرمة، والخصيب بن ناصح، حدثنا خالد بن خداش، شهدت حماد بن زيد في آخر يوم مات فيه، فقال: أحدثكم بحديث لم أحدث به قط؛ لأني أكره أن ألقى اللَّه، ولم أحدث به.
سمعت أيوب يحدث عن عكرمة، قال: إنما أنزل اللَّه متشابه القرآن ليضل به.
قلت: ما أسوأها عبارة، بل أخبثها، بل أنزله ليهدى به وليضل به الفاسقين.
فطر بن خليفة، قلت لعطاء: إن عكرمة يقول: قال ابن عباس: سبق الكتاب الخفين، فقال: كذب عكرمة، سمعت ابن عباس يقول: لا بأس بمسح الخفين، وإن دخلت الغائط.
قال عطاء: واللَّه إن كان بعضهم ليرى أن المسح على القدمين يجزى.
إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، قال: لو أن عبد ابن عباس اتقى اللَّه وكف من حديثه لشدت إليه المطايا.
مسلم بن إبراهيم، حدثنا الصلت أبو شعيب، قال: سألت محمد بن سيرين عن عكرمة، فقال: ما يسوؤني أن يكون من أهل الجنة، ولكنه كذاب.
ابن عيينة، عن أيوب، أتينا عكرمة فحدث فقال الحسن: حسبكم مثل هذا.
إبراهيم بن المنذر، حدثنا هشام بن عبد اللَّه المخزومي، سمعت ابن أبي ذئب يقول: رأيت عكرمة، وكان غير ثقة.
قال محمد بن سعد: كان عكرمة كثير العلم والحديث بحرًا من البحور، وليس يحتج بحديثه، ويتكلم الناس فيه.
حماد بن زيد، عن الزبير بن الخريت، عن عكرمة، قال: كان ابن عباس يضع في رجلي الكبل على تعليم القرآن والفقه.
وعن عكرمة قال: طلبت العلم أربعين سنة، وكنت أفتي بالباب وابن عباس في الدار.
وقال محمد بن سعد: حدثنا الواقدي، عن أبي بكر بن أبي سبرة، قال: باع على ابن عبد اللَّه بن عباس عكرمة لخالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فقال له عكرمة: ما خير لك؟ بعت علم أبيك، فاستقاله فأقاله وأعتقه.
إسماعيل بن أبي خالد، سمعت الشعبي يقول: ما بقي أحد أعلم بكتاب اللَّه من عكرمة.
وقال قتادة: عكرمة أعلم الناس بالتفسير.
وقال مطرف بن عبد اللَّه: سمعت مالكًا يكره أن يذكر عكرمة، ولا رأى أن يروى عنه.
قال أحمد بن حنبل: ما علمت أن مالكًا حدث بشيء لعكرمة إلا في الرجل يطأ امرأته قبل الزيارة. =стр. 3141
تعين القود على الجاني إن شاء الولي، وإن شاء عفى عنه عند مالك وابن القاسم على المشهور، واختاره ابن رشد، وروى أشهب التخيير بين القود والعفو على الدية، وقال به، واختاره اللخمي.
الحواشي
(١) = رواه عن ثور، عن عكرمة أحمد بن أبي خيثمة، قال: رأيت في كتاب علي بن المديني، سمعت يحيى بن سعيد يقول: حدثوني واللَّه عن أيوب أنه ذكر له عكرمة لا يحسن الصلاة، فقال أيوب: وكان يصلي.
الفضل السيناني عن رجل، قال: رأيت عكرمة قد أقيم قائمًا في لعب النرد.
يزيد بن هارون، قدم عكرمة البصرة، فأتاه أيوب ويونس وسليمان التيمي، فسمع صوت غناء، فقال: اسكتوا، ثم قال: قاتله اللَّه، لقد أجاد.
فأما يونس وسليمان فما عادا إليه.
عمرو بن خالد بمصر، حدثنا خلاد بن سليمان الحضرمي، عن خالد بن أبي عمران، قال: كنا بالمغرب وعندنا عكرمة في وقت الموسم، فقال: وددت أن بيدي حربة.
فأعترض بها من شهد الموسم يمينًا وشمالًا.
ابن المديني، عن يعقوب الحضرمي، عن جده، قال: وقف عكرمة على باب المسجد، فقال: ما فيه إلا كافر.
قال: وكان يرى رأي الإباضية.
وعن ابن المسيب أنه قال لمولاه برد: لا تكذب على كما كذب عكرمة".
وبذا يعلم أن قول الذهبي في أول الترجمة: "عكرمة، مولى ابن عباس، أحد أوعية العلم.
تكلم فيه لرأيه لا لحفظه فاتهم برأي الخوارج".
والراوي عن عكرمة هو: عثمان الشحام [م، د، س]، أبو سلمة البصري.
يقال: ابن عبد اللَّه.
وقيل ابن ميمون.
يروي عن أبي رجاء العطاردي، والحسن.
قال يحيى القطان: يعرف من حديثه وينكر.
وقال أحمد: ليس به بأس.
قلت: له حديث واحد في صحيح مسلم في الفتنة، أخرجه شاهدًا.
حماد بن سلمة، عن عثمان الشحام، عن مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه - أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر.
قال ابن عدي: "ما أرى به بأسًا".
وقال النسائي: ليس بالقوي. ينظر: ميزان الاعتدال (٣/ ٦٠).стр. 3142
فائدة:
إنما سمي القصاص قودا لأن العرب كانت تقود الجاني بحبل في رقبته وتسلمه، فسمي القصاص قودًا؛ لملازمته له.
ولو قال شخص لشخص: إن قتلتني أبرأتك من دمي فقتله قتل به.
وقال سحنون: لا شيء عليه.
ابن رشد: الأظهر سقوط القتل، ولزوم الدية في مال القاتل؛ لشبهة العفو.
ابن القاسم: الأول أحسن، وما رأيت لعفوه عن شيء لم يجب له وجها، وإنما تجب لأوليائه، ولا يشبه من قتل وأدرك حيًا، فقال: أشهدكم أني عفوت له، فلو قال له: اقطع يدي ففعلها، قال: لا شيء عليه؛ لأنه ليس بنفس، وإنما هو جرح.
[دية العافي: ]
ولما كان القود متعينًا عند ابن القاسم قال: لا دية لعاف على قاتل وليه مطلق: بكسر اللام، فإن لم يصرح حال العفو بدية ولا غيرها فلا دية له، إلا أن تظهر من الولي العافي إرادتها -أي: الدية- بقرائن حين العفو، فيحلف الولي باللَّه ما عفى على تركها، وما عفى إلا لأخذها، ويبقى الولي على حقه في القتل إن امتنع القاتل من إعطاء الدية.
وفهم من قوله: (مطلق) أنه لو صرح بالعفو مجانًا لزمه، ولو صرح به على الدية، وأجاب القاتل لكان واضحًا، وإن لم يجب لجاء خلاف ابن القاسم وأشهب (١) . الحواشي
(١) قال في المنح (٩/ ١١): "ومفهوم مطلق أنه لو صرح بعفوه مجانًا لزمه، ولو صرح بأنه على الدية وأجابه القاتل لزمته وإن لم يجبه فالخلاف المتقدم بين ابن القاسم وأشهب وقوله يظهر مثله لابن الحاجب، وفيها يتبين وهو أقوى، ولعله لم يتبع لفظها وإن كان أقوى لقوله في توضيحه إن فاعل قال في كلام ابن الحاجب هو مالك =стр. 3143
تنبيه:
قوله: (يظهر) مثله لابن الحاجب، وفي المدونة: إلا أن يتبين، وهو أقوى، ولعله لم يتبع لفظ المدونة، وإن كان أقوى لقوله في توضيحه: إن فاعل قال في كلام ابن الحاجب هو مالك، وإن نسبه له لإشكاله؛ لأن الدية إذا لم تكن له واجبة في الأصل فلا يقبل قوله في إرادتها.
الحواشي
(١) = رضي اللَّه تعالى عنه وإنما نسبه له لا شكا له لأن الدية إذا لم تكن واجبة له في الأصل فلا يقبل قوله في إرادتها قاله تت.
طفي كأنه قال لم يتبع لفظها لأن ما عبر به لمالك أيضًا، وعبارة ابن الحاجب ولو عفا عن القصاص أو مطلقًا سقط القصاص والدية، قال إلا أن يظهر أنه أرادها فيحلف. اهـ.
لكن إنما يتم هذا الإعتذار لتت إذا سلم أن هذا اللفظ الذي أتى به ابن الحاجب هو نفس لفظ الإمام وهو غير مسلم، ولذا قال ابن عبد السلام مراد ابن الحاجب يظهر بأمارة قوية؛ لأن المسألة في المدونة قال مالك لا شيء لك إلا أن يتبين أنك أردتها فنقل ابن الحاجب كلام مالك بالمعنى، فلم يتم اعتذار تت.
قال: وهذا مقيد بقوله في الحضرة إنما عفوت على الدية ولو سكت وطال ثم قاله فلا شيء له.
طفي نحوه في التوضيح، وزاد قاله مالك في الواضحة وقاله ابن الماجشون وأصبغ، وأصله قول ابن عبد السلام، وحيث كان للولي القيام بشرطه المتقدم فزاد ابن حبيب شرطا آخر، وهو قرب الزمان فأما إن قام بعد طول فلا شيء له رواه مطرف، وقاله ابن الماجشون وأصبغ اهـ.
وفي جعل ما ذكره قيدًا لكلام المصنف نظر والظاهر من كلام الباجي وغيره أن قول مالك ﵁ هذا مع ابن الماجشون وأصبغ، خلاف لقول مالك ﵁ "الذي درج عليه المصنف".
ابن عرفة: الباجي من قال إنما عفوت على الدية، فروى مطرف إن كان بحضرة ذلك فذلك له، وإن طال فلا شيء له، وقاله ابن الماجشون وأصبغ، قال مالك ﵁: إن قال ما عفوت إلا على أخذ الدية حلف ما أراد تركها وأخذ حقه منها ثم رجع مالك ﵁ فقال: لا شيء له إلا أن يعلم لما قاله وجه، وبه قال ابن القاسم.
وقال ابن القاسم في بعض مجالسه ليس عفو عن الدم عفوًا عن الدية إلا أن يرى له وجه. اهـ.
لا يقال قيد الحضور يحرزه قيد الظهور، إذ قد تظهر إرادتها حين العفو، ثم يتغافل عن ذلك زمانًا طويلًا إن ظهر عذر التراخي".стр. 3144
تتمة:
وهذا مقيد بما إذا قال في الحضرة: إنما عفوت على الدية، وأما لو سكت حتى طال فلا شيء له.
كعفوه -أي: الولي- عن العبد الذي ترتب عليه القصاص في قتل عبد أو حر، وقال مستحق الدم: إنما عفوت لأخذه، أو أخذ قيمته، أو قيمة العبد المقتول، فلا شيء له، إلا أن تظهر إرادة ذلك، فيحلف، ويبقى الولي على حقه، ويخير سيد العبد في دفعه، أو الدية.
ومن قتل شخصًا ثم إن شخصًا آخر قتل القاتل الثاني عمدًا استحق ولي الأول دم من قتل القاتل الثاني على المشهور؛ لأن أولياء الأول استحقوا نفسه، فكانوا أحق بما يكون عنها من قصاص ودية، فلا جائز أن يكون لأولياء المقتول ثانيًا، وإلا ضاع دم الأول.
أو قطع شخص يد آخر عمدًا، ثم قطع آخر يد القاطع الثاني عمدًا، استحق المقطوع أولًا يد القاطع الثاني على المشهور، كدية خطأ في نفس أو يد يستحق ذلك في النفس ولي المقتول، وفي اليد من قطعت يده.
ثم رجع لتكميل المسألة الأولى فقال: فإن أرضاه -أي: أرضى ولي الدم- ولي القاتل الثاني ورضي فله -أي: دمه لولي القاتل الثاني- إن شاء اقتص، أو عفى.
وفهم من قوله: (أرضاه) أن لولي الأول أن لا يرضى، ولو بذل له أكثر الدية، وهو مذهب المدونة.
وإن فقئت عين القاتل عمدًا أو قطعت يده مثلًا عمدًا بجناية، ولو من الولي المستحق فله القود؛ لأن ولايته إنما هي في النفس لا في الطرف.
وبالغ بـ (لو) لقول ابن القاسم: لا يقاد من الولي؛ لأن النفس كانت له، ويعاقبه الإمام ولو فعل الولي به ذلك.
بعد أن أسلم له ليقتله بعد حكم القاضي بقتله، فله -أي: القاتل- القود من الولي، وله العفو، وإذا اقتص من الولي فللولي أن يقتله،
стр. 3145
وأدخلناه في المبالغة لأنه لو فعل به ذلك قبل أن يسلم له لكان له القود من باب أولى.
[القصاص ممن هو أدنى: ]
ولما قدم أن شرط القصاص أن لا يزيد القاتل على المقتول بحرية أو إسلام أفاد أن العكس لا يمنع ذلك، وأن الأدنى يقتل بالأعلى، فقال: وقتل الأدنى بالأعلى منه، كحر كتابي يقتل بعبد مسلم؛ لأن زيادة الإسلام أعلى من الحرية، بخلاف العكس، فلا يقتل رقيق مسلم بحر كتابي.
ويقتل الكفار بعضهم ببعض، ثم أتى بـ (من) لبيان الجنس، فقال: من كتابي نصراني أو يهودي ومجوسي ومؤمن: اسم مفعول، دخل دار الإسلام بأمان، وهو وما قبله من عطف العام على الخاص؛ لشمول الكافر لما ذكر، فيقتل النصراني بالنصراني، واليهودي بالمجوسي، ويقتل اليهودي باليهودي، وبمن ذكر، وكذلك المجوسي.
كذوي الرق يقتل بعضهم ببعض، وإن قل جزء رقه ومكاتب ومدبر وأم ولد وكامل الرق، وغيره سواء.
وذكر وصحيح وضدهما فيقتل الذكر بالأنثى، والصحيح بالسقيم، وعكسه، ولا ينظر لنقص الأعضاء، ولا للعيوب، ولا لصغر وكبر؛ لأن القصاص في النفوس: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١) . الحواشي
(١) قال القرطبي في جامعه (٦/ ١٩١، وما بعدها) في تفسير هذا القول الكريم: "فيه ثلاثون مسألة:
الأولى- قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ بين تعالى أنه سوى بين النفس والنفس في التوراة فخالفوا ذلك، فضلوا؛ فكانت دية النضيري أكثر، وكان النضيري لا يقتل بالقرظي، ويقتل به القرظي فلما جاء الإسلام راجع بنو قريظة رسول اللَّه ﷺ فيه، فحكم بالإستواء؛ فقالت بنو النضير: قد حططت منا؛ فنزلت هذه الآية. و"كتبنا" بمعنى فرضنا. وقد تقدم. وكان شرعهم القصاص أو العفو، وما كان فيهم الدية؛ كما تقدم في "البقرة" بيانه. وتعلق أبو حنيفة وغيره بهذه الآية فقال: يقتل المسلم بالذمي؛ لأنه نفس بنفس، وقد تقدم في "البقرة" بيان هذا. وقد روى أبو داود =стр. 3146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = والترمذي والنسائي عن علي ﵁ أنه سئل هل خصك رسول اللَّه ﷺ بشيء؟ فقال: لا، إلا ما في هذا، وأخرج كتابًا من قراب سيفه وإذا فيه "المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" وأيضًا فإن الآية إنما جاءت للرد على اليهود في المفاضلة بين القبائل، وأخذهم من قبيلة رجلًا برجل، ومن قبيلة أخرى رجلًا برجلين. وقالت الشافعية: هذا خبر عن شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا ليس شرعا لنا؛ وقد مضى في "البقرة" في الرد عليهم ما يكفي فتأمله هناك.
ووجه رابع: وهو أنه تعالى قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وكان ذلك مكتوبًا على أهل التوراة وهم ملة واحدة، ولم يكن لهم أهل ذمة كما للمسلمين أهل ذمة؛ لأن الجزية فيء وغنيمة أفاءها اللَّه على المؤمنين، ولم يجعل الفيء لأحد قبل هذه الأمة، ولم يكن نبي فيما مضى مبعوثا إلا إلى قومه؛ فأوجبت الآية الحكم على بني إسرائيل إذ كانت دماؤهم تتكافأ؛ فهو مثل قول الواحد منا في دماء سوى المسلمين النفس بالنفس، إذ يشير إلى قوم معينين، ويقول: إن الحكم في هؤلاء أن النفس منهم بالنفس؛ فالذي يجب بحكم هذه الآية على أهل القرآن أن يقال لهم فيما بينهم على -هذا الوجه-: النفس بالنفس، ولبس كتاب اللَّه ما يدل على أن النفس بالنفس مع اختلاف الملة.
الثانية - قال أصحاب الشافعي وأبو حنيفة: إذا جرح أو قطع الأذن أو اليد ثم قتل فعل ذلك به؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ فيؤخذ منه ما أخذ، ويفعل به كما فعل. وقال علماؤنا: إن قصد به المثلة فعل به مثله، وإن كان ذلك في أثناء مضاربته ومدافعته قتل بالسيف؛ وإنما قالوا ذلك في المثلة يجب؛ لأن النبي ﷺ سمل أعين العرنيين؛ حسبما تقدم بيانه في هذه السورة.
الثالثة - قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطف، ويجوز تخفيف ﴿أَنَّ﴾ ورفع الكل بالإبتداء والعطف. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح. وكان الكسائي وأبو عبيد يقرآن ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ﴾ بالرفع فيها كلها. قال أبو عبيد: حدثنا حجاج عن هارون عن عباد بن كثير عن عقيل عن الزهري عن أنس أن النبي ﷺ قرأ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. والرفع من ثلاث جهات؛ بالإبتداء والخبر، وعلى المعنى على موضع ﴿إِنَّ النَّفْسَ﴾؛ لأن المعنى قلنا لهم: النفس بالنفس. والوجه الثالث: قاله الزجاج يكون عطفًا على المضمر في النفس؛ لأن الضمير في النفس في موضع رفع؛ لأن التقدير أن النفس هي مأخوذة بالنفس؛ فالأسماء معطوفة على هي. قال ابن المنذر: ومن قرأ بالرفع جعل =стр. 3147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ذلك ابتداء كلام، حكم في المسلمين؛ وهذا أصح القولين، وذلك أنها قراءة رسول اللَّه ﷺ ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ وكذا ما بعده. والخطاب للمسلمين أمروا بهذا. ومن خص الجروح بالرفع فعلى القطع مما قبلها والاستئناف بها؛ كأن المسلمين أمروا بهذا خاصة وما قبله لم يواجهوا به.
الرابعة - هذه الآية تدل على جريان القصاص فيما ذكر وقد تعلق ابن شبرمة بعموم قوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ على أن اليمنى تفقأ باليسرى وكذلك على العكس، وأجر ذلك في اليد اليمنى واليسرى، وقال: تؤخذ الثنية بالضرس والضرس بالثنية؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾. والذين خالفوه وهم علماء الأمة قالوا: العين اليمنى هي المأخوذة باليمنى عند وجودها، ولا يتجاوز ذلك إلى اليسرى مع الرضا؛ وذلك يبين لنا أن المراد بقوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ استيفاء ما يماثله من الجاني؛ فلا يجوز له أن يتعدى إلى غيره كما لا يتعدى من الرجل إلى اليد في الأحوال كلها، وهذا لا ريب فيه.
الخامسة - ذو جمع العلماء على أن العينين إذا أصيبتا خطأ ففيهما الدية، وفي العين الواحدة نصف الدية. وفي عين الأعور إذا فقئت الدية كاملة؛ روي ذلك عن عمر وعثمان، وبه قال عبد الملك بن مروان والزهري وقتادة ومالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق. وقيل: نصف الدية؛ روي ذلك عن عبد اللَّه بن المغفل ومسروق والنخعي؛ وبه قال الثوري والشافعي والنعمان. قال ابن المنذر: وبه نقول؛ لأن في الحديث "في العينين الدية" ومعقول إذ كان كذلك أن في إحداهما نصف الدية. قال ابن العربي: وهو القياس الظاهر، ولكن علماؤنا قالوا: إن منفعة الأعور ببصره كمنفعة السالم أو قريب من ذلك، فوجب عليه مثل ديته.
السادسة - واختلفوا في الأعور يفقأ عين صحيح؛ فروي عن عمر وعثمان وعلي أنه لا قود عليه، وعليه الدية كاملة؛ وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب وأحمد بن حنبل. وقال مالك: إن شاء اقتص فتركه أعمى، وإن شاء أخذ الدية كاملة "دية عين الأعور". وقال النخعي: إن شاء اقتص وإن شاء أخذ نصف الدية. وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري: عليه القصاص، وروي ذلك عن علي أيضًا، وهو قول مسروق وابن سيرين وابن معقل، واختاره ابن المنذر وابن العربي؛ لأن اللَّه وتعالى قال: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ وجعل النبي ﷺ في العينين الدية؛ ففي العين نصف الدية، والقصاص بين صحيح العين والأعور كهيئته بين سائر الناس. ومتعلق أحمد بن حنبل أن في القصاص منه أخذ جميع البصر بضمه وذلك ليس بمساواة، وبما روي عن عمر وعثمان وعلي في ذلك، ومتمسك مالك أن الأدلة لما تعارضت خير المجني عليه. قال ابن العربي: والأخذ بعموم القرآن أولى؛ فإنه أسلم عند اللَّه تعالى. =стр. 3148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = السابعة - واختلفوا في عين الأعور التي لا يبصر بها؛ فروي عن زيد بن ثابت أنه قال: فيها مائة دينار. وعن عمر بن الخطاب أنه قال: فيها ثلث ديتها؛ وبه قال إسحاق. وقال مجاهد: فيها نصف ديتها. وقال مسروق والزهري ومالك والشافعي وأبو ثور والنعمان: فيها حكومة؛ قال ابن المنذر: وبه نقول لأنه الأقل مما قيل.
الثامنة - وفي إبطال البصر من العينين مع بقاء الحدقتين كمال الدية، ويستوي فيه الأعمش والأخفش. وفي إبطال من إحداهما مع بقائها النصف. قال ابن المنذر وأحسن ما قيل في ذلك ما قاله علي بن أبي طالب: أنه أمر بعينه الصحيحة فغطيت وأعطي رجل بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى نظره، ثم أمر بخط عند ذلك، ثم أمر بعينه الأخرى فغطيت وفتحت الصحيحة، وأعطي رجل بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى نظره ثم خط عند ذلك، ثم أمر به فحول إلى مكان آخر ففعل به مثل ذلك فوجده سواء؛ فأعطي ما نقص من بصره مال الآخر، وهذا على مذهب الشافعي؛ وهو قول علمائنا هي:
التاسعة - ولا خلاف بين أهل العلم على أن لا قود في بعض البصر، إذ غير ممكن الوصول إليه. وكيفية القود في العين أن تحمى مرآة ثم توضع على العين الأخرى قطنة، ثم تقرب المرآة من عينه حتى يسيل إنسانها؛ روي عن علي ﵁؛ ذكره المهدوي وابن العربي. واختلف في جفن العين؛ فقال زيد بن ثابت: فيه ربع الدية، وهو قول الشعبي والحسن وقتادة وأبي، هاشم والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وروي عن الشعبي أنه قال: في الجفن الأعلى ثلث الدية وفي الجفن الأسفل ثلثا الدية، وبه قال مالك.
العاشرة - قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ جاء الحديث عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية" قال ابن المنذر: وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على القول به؛ والقصاص من الأنف إذا كانت الجناية عمدًا كالقصاص من سائر الأعضاء على كتاب اللَّه تعاق. واختلفوا في كسر الأنف. فكان مالك يرى في العمد منه القود، وفي الخطأ الاجتهاد. وروى ابن نافع أنه لا دية للأنف حتى يستأصله من أصله. قال أبو إسحاق التونسي: وهذا شاذ، والمعروف الأول. وإذا فرعنا على المعروف ففي بعض المارن من الدية بحساب من المارن. قال ابن المنذر: وما قطع من الأنف فبحسابه؛ روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والشعبي، وبه قال الشافعي. قال أبو عمر: واختلفوا في المارن إذا قطع ولم يستأصل الأنف؛ فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أن في ذلك الدية كاملة، ثم إن قطع منه شيء بعد ذلك ففيه حكومة. قال مالك: الذي فيه الدية من الأنف أن يقطع المارن؛ وهو دون العظم. قال ابن القاسم: وسواء قطع المارن من العظم أو استؤصل الأنف من =стр. 3149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = العظم من تحت العينين إنما فيه الدية؛ كالحشفة فيها الدية: وفي استئصال الذكر الدية.
الحادية عشرة - قال ابن القاسم: وإذا خرم الأنف أو كسر فبرئ على عثم ففيه الاجتهاد، وليس فيه دية معلومة. وإن برئ على غير عثم فلا شيء فيه. قال: وليس الأنف إذا خرم فبرئ على غير عثم كالموضحة تبرأ على غير ثم فيكون فيها ديتها؛ لأن تلك جاءت بها السنة، وليس في خرم الأنف أثر. قال: والأنف عظم منفرد ليس فيه موضحة. واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن لا جائفة فيه، ولا جائفة عندهم إلا فيما كان في الجوف، والمارن ما لان من الأنف؛ وكذلك قال الخليل وغيره. قال أبو عمر: وأظن روئته مارنه، وأرنبته طرفه. وقد قيل: الأرنبة والروثة والعرتمة طرف الأنف. والذي عليه الفقهاء مالك والشافعي والكوفيون ومن تبعهم، في الشم إذا نقص أو فقد حكومة.
الثانية عشرة - قوله تعالى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ قال علماؤنا رحمة اللَّه عليهم في الذي يقطع أذني رجل: عليه حكومة، وإنما تكون عليه الدية في السمع، ويقاس في نقصانه كما يقاس في البصر. وفي إبطاله من إحداهما نص الدية ولو لم يكن يسمع إلا بها، بخلاف العين العوراء فيها الدية كاملة، على ما تقدم. وقال أشهب: إن كان السمع إذا سئل عنه قيل إن أحد السمعين يسمع ما يسمع السمعان فهو عندي كالبصر، وإذا شك في السمع جرب بأن يصاح به من مواضع عدة، يقاس ذلك؛ فإن تساوت أو تقاربت أعطي بقدر ما ذهب من سمعه ويحلف على ذلك. قال أشهب: ويحسب له ذلك على سمع وسط من الرجل مثله؛ فإن اختبر فاختلف قوله لم يكن له شيء. وقال عيسى بن دينار: إذا اختلف قوله عقل له الأقل مع يمينه.
الثالثة عشرة - قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ قال ابن المنذر: وثبت عن رسول اللَّه ﷺ أنه أقاد من سن وقال: "كتاب اللَّه القصاص" وجاء الحديث عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "في السن خمس من الإبل" قال ابن المنذر: فبظاهر هذا الحديث نقول؛ لا فضل للثنايا منها على الأنياب والأضراس والرباعيات، لدخولها كلها في ظاهر الحديث؛ وبه يقول الأكثر من أهل العلم. وممن قال بظاهر الحديث ولم يفضل شيئًا منها على شيء عروة بن الزبير وطاوس والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان وابن الحسن، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس ومعاوية. وفيه قول ثان - رويناه عن عمر بن الخطاب أنه قضى فيما أقبل من الفم بخمس فرائض خمس فرائض، وذلك خمسون دينارًا، قيمة كل فريضة عشرة دنانير. وفي الأضراس ببعير بعير. وكان عطاء يقول: في السن والرباعيتين والنابين خمس خمس، وفيما بقي بعيران بعيران، أعلى الفم وأسفله سواء، والأضراس سواء؛ قال أبو عمر: أما ما رواه مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر قضى في =стр. 3150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الأضراس ببعير بعير فإن المعنى في ذلك أن الأضراس عشرون ضرسًا، والأسنان اثنا عشر سنًا: أربع ثنايا وأربع رباعيات وأربع أنياب؛ فعلى قول عمر تصير الدية ثمانين بعيرًا؛ في الأسنان خمسة خمسة، وفي الأضراس بعير بعير. وعلى قول معاوية في الأضراس والأسنان خمسة أبعرة خمسة أبعرة؛ تصير الدية ستين ومائة بعير. وعلى قول سعيد بن المسيب، بعير بن بعيرين في الأضراس وهي عشرون ضرسًا. يجب لها أربعون. وفي الأسنان خمسة أبعرة فذلك ستون، وهي تتمة لمائة بعير، وهي الدية كاملة من الإبل. والاختلاف بينهم إنما هو في الأضراس لا في الأسنان. قال أبو عمر: واختلاف العلماء من الصحابة والتابعين في ديات الأسنان وتفضيل بعضها على بعض كثير جدًا، والحجة قائمة لما ذصب إليه الفقهاء مالك وأبو حنيفة والثوري؛ بظاهر قول رسول اللَّه ﷺ : "وفي السن خمس من الإبل" والضرس سن من الأسنان. روى ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء" وهذا نص أخرجه أبو داود. وروى أبو داود أيضًا عن ابن عباس قال: جعل رسول اللَّه ﷺ أصابع اليدين والرجلين سواء. قال أبو عمر: على هذه الآثار جماعة فقهاء الأمصار وجمهور أهل العلم أن الأصابع في الدية كلها سواء، وأن الأسنان في الدية كلها سواء، الثنايا والأضراس والأنياب لا يفضل شيء منها على شيء؛ على ما في كتاب عمرو بن حزم. ذكر الثوري عن أزهر بن محارب قال: اختصم إلى شريح رجلان ضرب أحدهما ثنية الآخر وأصاب الآخر ضرسه فقال شريح: الثنية وجمالها والضرس ومنفعته سن بسن قومًا. قال أبو عمر: على هذا العمل اليوم في جميع الأمصار. واللَّه أعلم.
الرابعة عشرة - فإن ضرب سنه فاسودت ففيها ديتها كاملة عند مالك والليث بن سعد، وبه قال أبو حنيفة، وروي عن زيد بن ثابت؛ وهو قول سعيد بن المسيب والزهري والحسن وابن سيرين وشريح. وروي عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه أن فيها ثلث ديتها؛ وبه قال أحمد وإسحاق. وقال الشافعي وأبو ثور: فيها حكومة. قال ابن العربي: وهذا عندي خلاف يؤول إلى وفاق؛ فإنه إن كان سوادها أذهب منفعتها وإنما بقيت صورتها كاليد الشلاء والعين العمياء، فلا خلاف في وجوب الدية؛ ثم إن كان بقي من منفعتها شيء أو جميعه لم يجب إلا بمقدار ما نقص من المنفعة حكومة؛ وما روي عن عمر ﵁ فيها ثلث ديتها لم يصح عنه سندًا ولا فقهًا.
الخامسة عشرة - واختلفوا في سن الصبي يقلع قبل أن يثغر؛ فكان مالك والشافعي وأصحاب الرأي يقولون: إذا قلعت سن الصبي فنبتت فلا شيء على القالع، إلا أن مالكًا والشافعي قالا: إذا نبتت ناقصة الطول عن التي تقاربها أخذ له من أرشها بقدر نقصها. وقالت طائفة: فيها حكومة، وروي ذلك عن الشعبي؛ وبه قال النعمان. قال =стр. 3151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ابن المنذر: يستأتى بها إلى الوقت الذي يقول أهل المعرفة إنها لا تنبت، فإذا كان ذلك كان فيها قدرها تامًا؛ على ظاهر الحديث، وإن نبتت رد الأرش. وأكثر من يحفظ عنه من أهل العلم يقولون: يستأنى بها سنة؛ روي ذلك عن علي وزيد وعمر بن عبد العزيز وشريح والنخعي وقتادة ومالك وأصحاب الرأي. ولم يجعل الشافع لهذا مدة معلومة.
السادسة عشرة - إذا قلع سن الكبير فأخذ ديتها ثم نبتت؛ فقال مالك لا يرد ما أخذ. وقال الكوفيون: يرد إذا نبتت. وللشافعي قولان: يرد ولا يرد؛ لأن هذا نبات لم تجر به عادة، ولا يثبت الحكم بالنادر؛ هذا قول علمائنا. تمسك الكوفيون بأن عوضها قد نبت فيرد؛ أصله سن الصغير. قال الشافعي: ولو جنى عليها جان آخر وقد نبتت صحيحة كان فيها أرشها تامًا. قال ابن المنذر: هذا أصح القولين؛ لأن كل واحد منهما قالع سن، وقد جعل النبي ﷺ في السن خمسًا من الإبل.
السابعة عشرة - فلو قلع رجل سن رجل فردها صاحبها فالتحمت فلا شيء فيها عندنا. وقال الشافعي: ليس له أن يردها من قبل أنها نجسة؛ وقاله ابن المسيب وعطاء. ولو ردها أعاد كل صلاة صلاها لأنها ميتة، وكذلك لو قطعت أذنه فردها بحرارة الدم فالتزقت مثله. وقال عطاء: يجبره السلطان على قلعها لأنها ميتة ألصقها. قال ابن العربي: وهذا غلط، وقد جهل من خفي عليه أن ردها وعودها بصورتها لا يوجب عودها بحكمها؛ لأن النجاسة كانت فيها للانفصال، وقد عادت متصلة، وأحكام الشريعة ليست صفات للأعيان، وإنما هي أحكام تعود إلى قول اللَّه سبحانه فيها وإخباره عنها.
قلت: ما حكاه ابن العربي عن عطاء خلاف ما حكاه ابن المنذر عنه؛ قال ابن المنذر: واختلفوا في السن تقلع قودًا ثم ترد مكانها فتنجت؛ فقال عطاء الخراساني وعطاء بن أبي رباح: لا بأس بذلك. وقال الثوري وأحمد وإسحاق: تقلع؛ لأن القصاص للشين. وقال الشافعي: ليس له أن يردها من قبل أنها نجسة، ويجبره السلطان على القلع.
الثامنة عشرة - فلو كانت له سن زائدة فقلعت ففيها حكومة؛ وبه قال فقهاء الأمصار. وقال زيد بن ثابت: فيها ثلث الدية. قال ابن العربي: وليس في التقدير دليل، فالحكومة أعدل. قال ابن المنذر: ولا يصح ما روي عن زيد؛ وقد روي عن علي أنه قال: في السن إذا كسر بعضها أعطي صاحبها بحساب ما نقص منه؛ وهذا قول مالك والشافعي وغيرهما.
قلت: وهنا انتهى ما نص اللَّه عليه من الأعضاء، ولم يذكر الشفتين واللسان.
التاسعة عشرة - قال الجمهور: وفي الشفتين الدية، وفي كل واحدة منهما نص الدية =стр. 3152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = لا فضل للعليا منهما على السفلي. وروي عن زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والزهري: في الشفة العليا ثلث الدية، وفي الشفة السفلي ثلثا الدية. وقال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول؛ للحديث المرفوع عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "وفي الشفتين الدية" ولأن في اليدين الدية ومنافعهما مختلفة. وما قطع من الشفتين فبحساب ذلك. وأما اللسان فجاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "في اللسان الدية" وأجمع أهل العلم من أهل المدينة وأهل الكوفة وأصحاب الحديث وأهل الرأي على القول به؛ قال ابن المنذر.
الموفية عشرين - واختلفوا في الرجل يجني على لسان الرجل فيقطع من اللسان شيئًا، ويذهب من الكلام بعضه؛ فقال أكثر أهل العلم: ينظر إلى مقدار ما ذهب من الكلام من ثمانية وعشرين حرفا فيكون عليه من الدية بقدر ما ذهب من كلامه، وإن ذهب الكلام كله ففيه الدية؛ هذا قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي. وقال مالك: ليس في اللسان قود لعدم الإحاطة باستيفاء القود. فإن أمكن فالقود هو الأصل.
الحادية والعشرون - واختلفوا في لسان الأخرس يقطع؛ فقال الشعبي ومالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والشافعي وأبو ثور والنعمان وصاحباه: فيه حكومة. قال ابن المنذر: وفيه قولان شاذان: أحدهما: قول النخعي أن فيه الدية. والآخر: قول قتادة أن فيه ثلث الدية. قال ابن المنذر: والقول الأول أصح؛ لأنه الأقل مما قيل. قال ابن العربي: نص اللَّه سبحانه على أمهات الأعضاء وترك باقيها للقياس عليها؛ فكل عضو فيه القصاص إذا أمكن ولم يخش عليه الموت، وكذلك كل عضو بطلت منفعته وبقيت صورته فلا قود فيه، وفيه الدية لعدم إمكان القود فيه.
الثانية والعشرون - قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ أي مقاصة، وقد تقدم في "البقرة". ولا قصاص في كل مخوف ولا فيما لا يوصل إلى القصاص فيه إلا بأن يخطىء الضارب أو يزيد أو ينقص. ويقاد من جراح العمد إذا كان مما يمكن القود منه. وهذا كله في العمد؛ فأما الخطأ فالدية، وإذا كانت الدية في قتل الخطأ فكذلك في الجراح. وفي صحيح مسلم عن أنس أن أخت الربيع -أم حارثة- جرحت إنسانًا فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "القصاص القصاص"، فقالت أم الربيع: يا رسول اللَّه أيقتص من فلانة؟ ! واللَّه لا يقتص منها. فقال النبي ﷺ : "سبحان اللَّه يا أم الربيع القصاص كتاب اللَّه" قالت: لا واللَّه لا يقتص منها أبدًا؛ قال فما زالت حتى قبلوا الدية؛ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبره".
قلت: المجروح في هذا الحديث جارية، والجرح كسر ثنيتها؛ أخرجه النسائي عن =стр. 3153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أنس أيضًا أن عمته كسرت ثنية جارية فقضى نبي اللَّه ﷺ بالقصاص؛ فقال أخوها أنس بن النضر: أتكسر ثنية فلانة؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها. قال: وكانوا قبل ذلك سألوا أهلها العفو والأرش، فلما حلف أخوها وهو عم أنس -وهو الشهيد يوم أحد- رضي القوم بالعفو؛ فقال النبي ﷺ : "إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبره". وخرجه أبو داود أيضًا، وقال: سمعت أحمد بن حنبل قيل له: كيف يقتص من السن؟ قال: تبرد.
قلت: ولا تعارض بين الحديثين؛ فإنه يحتمل أن يكون كل واحد منهما حلف فبر اللَّه قسمهما. وفى هذا ما يدل على كرامات الأولياء على ما يأتي بيانه في قصة الخضر إن اللَّه تعالى. فنسأل اللَّه التثبت على الإيمان بكراماتهم وأن ينظمنا في سلكهم من غير محنة ولا فتنة.
الثالثة والعشرون - أجمع العلماء على أن قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ أنه في العمد؛ فمن أصاب سن أحد عمدًا ففيه القصاص على حديث أنس. واختلفوا في سائر عظام الجسد إذا كسرت عمدًا؛ فقال مالك: عظام الجسد كلها فيها القود إلا ما كان مخوفًا مثل الفخذ والصلب والمأمومة والمنقلة والهاشمة، ففي ذلك الدية. وقال الكوفيون: لا قصاص في عظم يكسر ما خلا السن؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ وهو قول الليث والشافعي. قال الشافعي: لا يكون كسر ككسر أبدًا؛ فهو ممنوع. قال الطحاوي: اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس؛ فكذلك في سائر العظام. والحجة لمالك حديث أنس في السن وهي عظم؛ فكذلك سائر العظام إلا عظما أجمعوا على أنه لا قصاص فيه؛ لخوف ذهاب النفس منه. قال ابن المنذر: ومن قال لا قصاص في عظم فهو مخالف للحديث؛ والخروج إلى النظير غير جائز مع وجود الخبر.
قلت: ويدل على هذا أيضًا قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وما أجمعوا عليه فغير داخل في الآي. واللَّه أعلم وباللَّه التوفيق.
الرابعة والعشرون - قال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ في الموضحة، وما جاء عن غيره في الشجاع. قال الأصمعي وغيره: دخل كلام بعضهم في بعض؛ أول الشجاج - الخاصة وهي: التي تحرص الجلد -يعني التي تشقه قليلا- ومنه قيل: حرص القصار الثوب إذا شقه؛ وقد يقال لها: الحرصة أيضًا. ثم الباضعة -وهي: التي تشق اللحم تبضعه بعد الجلد. ثم المتلاحمة- وهي: التي أخذت في الجلد ولم تبلغ السمحاق.
والسمحاق: جلدة أو قشرة رقيقة بين اللحم والعظم. وقال الواقدي: هي عندنا الملطى. وقال غيره: هي الملطاة، قال: وهي التي جاء فيها الحديث: "يقضى في الملطاة بدمها". ثم الموضحة -وهي: التي تكشط عنها ذلك القشر أو تشق حتى يبدو =стр. 3154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وضح العظم، فتلك الموضحة. قال أبو عبيد: وليس في شيء من الشجاج قصاص إلا في الوض - وهي التي تهشم العظم. ثم المنقلة -بكسر القاف حكاه الجوهري- وهي التي تنقل العظم -أي تكسره- حتى يخرج منها فراش العظام مع الدواء. ثم الآمة -ويقال لها المأمومة- وهي التي تبلغ أم الرأس، يعني الدماغحة خاصة؛ لأنه ليس منها شيء له حد ينتهي إليه سواها، وأما غيرها من الشجاج ففيها ديتها. ثم الهاشمة. قال أبو عبيد ويقال في قوله: "ويقضى في الملطاة بدمها" أنه إذا شج الشاج حكم عليه للمشجوج بمبلغ الشجة ساعة شج ولا يستأنى بها. قال: وسائر الشجاج عندنا يستأنى بها حتى ينظر إلى ما يصير أمرها ثم يحكم فيها حينئذ. قال أبو عبيد: والأمر عندنا في الشجاج كلها والجراحات كلها أنه يستأنى بها؛ حدثنا هشيم عن حصين قال: قال عمر بن عبد العزيز: ما دون الموضحة خدوش وفيها صلح. وقال الحسن البصري: ليس فيما دون الموضحة قصاص. وقال مالك: القصاص فيما دون الموضحة الملطي والدامية والباضعة وما أشبه ذلك؛ وكذلك قال الكوفيون وزادوا السمحاق، حكاه ابن المنذر. وقال أبو عبيد: الدامية التي تدمى من غير أن يسيل منها دم. والدامعة: أن يسيل منها دم. وليس فيما دون الموضحة قصاص بن. وقال الجوهري: والدامية الشجة التي تدمى ولا تسيل. وقال علماؤنا: الدامية هي التي تسيل الدم. ولا قصاص فيما بعد الموضحة، من الهاشمة للعظم، والمنقلة -على خلاف فيها خاصة- والآمة هي البالغة إلى أم الرأس، والدامغة الخارقة لخريطة الدماغ. وفي هاشمة الجسد القصاص، إلا ما هو مخوف كالفخذ وشبهه. وأما هاشمة الرأس فقال ابن القاسم: لا قود فيها؛ لأنها لا بد تعود منقلة. وقال أشهب: فيها القصاص، إلا أن تنقل فتصير منقلة لا قود فيها. وأما الأطراف فيجب القصاص في جميع المفاصل إلا المخوف منها. وفي معنى المفاصل أبعاض المارن والأذنين والذكر والأجفان والشفتين؛ لأنها تقبل التقدير. وفي اللسان روايتان. والقصاص في كسر العظام، إلا ما كان متلفًا كعظام الصدر والعنق والصلب والفخذ وشبهه. وفي كسر عظام العضد القصاص. وقضى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في رجل كسر فخذ رجل أن يكسر فخذه؛ وفعل ذلك عبد العزيز بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد بمكة. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه فعله؛ وهذا مذهب مالك على ما ذكرنا، وقال: إنه الأمر المجمع عليه عندهم، والمعمول به في بلادنا في الرجل يضرب الرجل فيتقيه بيده فكسرها يقاد منه.
الخامسة والعشرون - قال العلماء: الشجاج في الرأس، والجراح في البدن. وأجمع أهل العلم على أن فيما دون الموضحة أرش فيما ذكر ابن المنذر؛ واختلفوا في ذلك الأرش وما دون الموضحة شجاج خمس: الدامية والدامعة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق؛ فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي في الدامية =стр. 3155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = حكومة، وفي الباضعة حكومة، وفي المتلاحمة حكومة. وذكر عبد الرزاق عن زيد بن ثابت قال: في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة من الإبل، وفي السمحاق أربع، وفي الموضحة خمس، وفي الهاشمة عشر، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الرجل يضرب حتى يذهب عقله الدية كاملة، أو يضرب حتى يغن ولا يفهم الدية كاملة، أو حتى يبح ولا يفهم الدية كاملة، وفي جفن العبن ربع الدية. وفي حلمة الثدي ربع الدية. قال ابن المنذر: وروي عن علي في السمحاق مثل قول زيد. وروي عن عمر وعثمان أنهما قالا: فيها نصف الموضحة. وقال الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والنخعي فيها حكومة؛ وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد. ولا يختلف العلماء أن الموضحة فيها خمس من الإبل؛ على ما في حديث عمرو بن حزم، وفيه: وفي الموضحة خمس. وأجمع أهل العلم على أن الموضحة تكون في الرأس والوجه. واختلفوا في تفضيل موضحة الوجه على موضحة الرأس؛ فروي عن أبي بكر وعمر أنهما سواء. وقال بقولهما جماعة من التابعين، وبه يقول الشافعي وإسحاق. وروي عن سعيد بن المسيب تضعيف موضحة الوجه على موضحة الرأس. وقال أحمد: موضحة الوجه أحرى أن يزاد فيها. وقال مالك: المأمومة والمنقلة والموضحة لا تكون إلا في الرأس والوجه، ولا تكون المأمومة إلا في الرأس خاصة إذا وصل إلى الدماغ، قال: والموضحة ما تكون في جمجمة الرأس، وما دونها فهو من العنق ليس فيه موضحة. قال مالك: والأنف ليس من الرأس وليس فيه موضحة، وكذلك اللحي الأسفل ليس فيه موضحة. وقد اختلفوا في الموضحة في غير الرأس وليس فيه والوجه؛ فقال أشهب وابن القاسم: ليس في موضحة الجسد ومنقلته ومأمومته إلا الاجتهاد، وليس فيها أرش معلوم. قال ابن المنذر: هذا قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وبه نقول. وروي عن عطاء الخراساني أن الموضحة إذا كانت في جسد الإنسان فيها خمس وعشرون دينارًا. قال أبو عمر: واتفق مالك والشافعي وأصحابهما أن من شج رجلًا مأمومتين أو موضحتين أو ثلاث مأمومات أو موضحات أو أكثر في ضربة واحدة أن فيهن كلهن -وإن انخرقت فصارت واحدة- دية كاملة. وأما الهاشمة فلا دية فيها عندنا بل حكومة. قال ابن المنذر: ولم أجد في كتب المدنيين ذكر الهاشمة، بل قد قال مالك فيمن كسر أنف رجل إن كان خطأ ففيه الاجتهاد. وكان الحسن البصري لا يوقت في الهاشمة شيئًا. وقال أبو ثور: إن اختلفوا فيه ففيها حكومة. قال ابن المنذر: النظر يدل على هذا؛ إذ لا سنة فيها ولا إجماع. وقال القاضي أبو الوليد الباجي: فيها ما في الموضحة؛ فإن صارت منقلة فخمسة عشر، وإن صارت مأمومة فثلث الدية. قال ابن المنذر: ووجدنا أكثر من لقيناه وبلغنا عنه من أهل العلم يجعلون في الهاشمة عشرًا =следующие страницы →