Полный текст (3 498 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ابن المنذر: يستأتى بها إلى الوقت الذي يقول أهل المعرفة إنها لا تنبت، فإذا كان ذلك كان فيها قدرها تامًا؛ على ظاهر الحديث، وإن نبتت رد الأرش. وأكثر من يحفظ عنه من أهل العلم يقولون: يستأنى بها سنة؛ روي ذلك عن علي وزيد وعمر بن عبد العزيز وشريح والنخعي وقتادة ومالك وأصحاب الرأي. ولم يجعل الشافع لهذا مدة معلومة.
السادسة عشرة - إذا قلع سن الكبير فأخذ ديتها ثم نبتت؛ فقال مالك لا يرد ما أخذ. وقال الكوفيون: يرد إذا نبتت. وللشافعي قولان: يرد ولا يرد؛ لأن هذا نبات لم تجر به عادة، ولا يثبت الحكم بالنادر؛ هذا قول علمائنا. تمسك الكوفيون بأن عوضها قد نبت فيرد؛ أصله سن الصغير. قال الشافعي: ولو جنى عليها جان آخر وقد نبتت صحيحة كان فيها أرشها تامًا. قال ابن المنذر: هذا أصح القولين؛ لأن كل واحد منهما قالع سن، وقد جعل النبي ﷺ في السن خمسًا من الإبل.
السابعة عشرة - فلو قلع رجل سن رجل فردها صاحبها فالتحمت فلا شيء فيها عندنا. وقال الشافعي: ليس له أن يردها من قبل أنها نجسة؛ وقاله ابن المسيب وعطاء. ولو ردها أعاد كل صلاة صلاها لأنها ميتة، وكذلك لو قطعت أذنه فردها بحرارة الدم فالتزقت مثله. وقال عطاء: يجبره السلطان على قلعها لأنها ميتة ألصقها. قال ابن العربي: وهذا غلط، وقد جهل من خفي عليه أن ردها وعودها بصورتها لا يوجب عودها بحكمها؛ لأن النجاسة كانت فيها للانفصال، وقد عادت متصلة، وأحكام الشريعة ليست صفات للأعيان، وإنما هي أحكام تعود إلى قول اللَّه سبحانه فيها وإخباره عنها.
قلت: ما حكاه ابن العربي عن عطاء خلاف ما حكاه ابن المنذر عنه؛ قال ابن المنذر: واختلفوا في السن تقلع قودًا ثم ترد مكانها فتنجت؛ فقال عطاء الخراساني وعطاء بن أبي رباح: لا بأس بذلك. وقال الثوري وأحمد وإسحاق: تقلع؛ لأن القصاص للشين. وقال الشافعي: ليس له أن يردها من قبل أنها نجسة، ويجبره السلطان على القلع.
الثامنة عشرة - فلو كانت له سن زائدة فقلعت ففيها حكومة؛ وبه قال فقهاء الأمصار. وقال زيد بن ثابت: فيها ثلث الدية. قال ابن العربي: وليس في التقدير دليل، فالحكومة أعدل. قال ابن المنذر: ولا يصح ما روي عن زيد؛ وقد روي عن علي أنه قال: في السن إذا كسر بعضها أعطي صاحبها بحساب ما نقص منه؛ وهذا قول مالك والشافعي وغيرهما.
قلت: وهنا انتهى ما نص اللَّه عليه من الأعضاء، ولم يذكر الشفتين واللسان.
التاسعة عشرة - قال الجمهور: وفي الشفتين الدية، وفي كل واحدة منهما نص الدية =стр. 3152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = لا فضل للعليا منهما على السفلي. وروي عن زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والزهري: في الشفة العليا ثلث الدية، وفي الشفة السفلي ثلثا الدية. وقال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول؛ للحديث المرفوع عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "وفي الشفتين الدية" ولأن في اليدين الدية ومنافعهما مختلفة. وما قطع من الشفتين فبحساب ذلك. وأما اللسان فجاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "في اللسان الدية" وأجمع أهل العلم من أهل المدينة وأهل الكوفة وأصحاب الحديث وأهل الرأي على القول به؛ قال ابن المنذر.
الموفية عشرين - واختلفوا في الرجل يجني على لسان الرجل فيقطع من اللسان شيئًا، ويذهب من الكلام بعضه؛ فقال أكثر أهل العلم: ينظر إلى مقدار ما ذهب من الكلام من ثمانية وعشرين حرفا فيكون عليه من الدية بقدر ما ذهب من كلامه، وإن ذهب الكلام كله ففيه الدية؛ هذا قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي. وقال مالك: ليس في اللسان قود لعدم الإحاطة باستيفاء القود. فإن أمكن فالقود هو الأصل.
الحادية والعشرون - واختلفوا في لسان الأخرس يقطع؛ فقال الشعبي ومالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والشافعي وأبو ثور والنعمان وصاحباه: فيه حكومة. قال ابن المنذر: وفيه قولان شاذان: أحدهما: قول النخعي أن فيه الدية. والآخر: قول قتادة أن فيه ثلث الدية. قال ابن المنذر: والقول الأول أصح؛ لأنه الأقل مما قيل. قال ابن العربي: نص اللَّه سبحانه على أمهات الأعضاء وترك باقيها للقياس عليها؛ فكل عضو فيه القصاص إذا أمكن ولم يخش عليه الموت، وكذلك كل عضو بطلت منفعته وبقيت صورته فلا قود فيه، وفيه الدية لعدم إمكان القود فيه.
الثانية والعشرون - قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ أي مقاصة، وقد تقدم في "البقرة". ولا قصاص في كل مخوف ولا فيما لا يوصل إلى القصاص فيه إلا بأن يخطىء الضارب أو يزيد أو ينقص. ويقاد من جراح العمد إذا كان مما يمكن القود منه. وهذا كله في العمد؛ فأما الخطأ فالدية، وإذا كانت الدية في قتل الخطأ فكذلك في الجراح. وفي صحيح مسلم عن أنس أن أخت الربيع -أم حارثة- جرحت إنسانًا فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "القصاص القصاص"، فقالت أم الربيع: يا رسول اللَّه أيقتص من فلانة؟ ! واللَّه لا يقتص منها. فقال النبي ﷺ : "سبحان اللَّه يا أم الربيع القصاص كتاب اللَّه" قالت: لا واللَّه لا يقتص منها أبدًا؛ قال فما زالت حتى قبلوا الدية؛ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبره".
قلت: المجروح في هذا الحديث جارية، والجرح كسر ثنيتها؛ أخرجه النسائي عن =стр. 3153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أنس أيضًا أن عمته كسرت ثنية جارية فقضى نبي اللَّه ﷺ بالقصاص؛ فقال أخوها أنس بن النضر: أتكسر ثنية فلانة؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها. قال: وكانوا قبل ذلك سألوا أهلها العفو والأرش، فلما حلف أخوها وهو عم أنس -وهو الشهيد يوم أحد- رضي القوم بالعفو؛ فقال النبي ﷺ : "إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبره". وخرجه أبو داود أيضًا، وقال: سمعت أحمد بن حنبل قيل له: كيف يقتص من السن؟ قال: تبرد.
قلت: ولا تعارض بين الحديثين؛ فإنه يحتمل أن يكون كل واحد منهما حلف فبر اللَّه قسمهما. وفى هذا ما يدل على كرامات الأولياء على ما يأتي بيانه في قصة الخضر إن اللَّه تعالى. فنسأل اللَّه التثبت على الإيمان بكراماتهم وأن ينظمنا في سلكهم من غير محنة ولا فتنة.
الثالثة والعشرون - أجمع العلماء على أن قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ أنه في العمد؛ فمن أصاب سن أحد عمدًا ففيه القصاص على حديث أنس. واختلفوا في سائر عظام الجسد إذا كسرت عمدًا؛ فقال مالك: عظام الجسد كلها فيها القود إلا ما كان مخوفًا مثل الفخذ والصلب والمأمومة والمنقلة والهاشمة، ففي ذلك الدية. وقال الكوفيون: لا قصاص في عظم يكسر ما خلا السن؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ وهو قول الليث والشافعي. قال الشافعي: لا يكون كسر ككسر أبدًا؛ فهو ممنوع. قال الطحاوي: اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس؛ فكذلك في سائر العظام. والحجة لمالك حديث أنس في السن وهي عظم؛ فكذلك سائر العظام إلا عظما أجمعوا على أنه لا قصاص فيه؛ لخوف ذهاب النفس منه. قال ابن المنذر: ومن قال لا قصاص في عظم فهو مخالف للحديث؛ والخروج إلى النظير غير جائز مع وجود الخبر.
قلت: ويدل على هذا أيضًا قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وما أجمعوا عليه فغير داخل في الآي. واللَّه أعلم وباللَّه التوفيق.
الرابعة والعشرون - قال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ في الموضحة، وما جاء عن غيره في الشجاع. قال الأصمعي وغيره: دخل كلام بعضهم في بعض؛ أول الشجاج - الخاصة وهي: التي تحرص الجلد -يعني التي تشقه قليلا- ومنه قيل: حرص القصار الثوب إذا شقه؛ وقد يقال لها: الحرصة أيضًا. ثم الباضعة -وهي: التي تشق اللحم تبضعه بعد الجلد. ثم المتلاحمة- وهي: التي أخذت في الجلد ولم تبلغ السمحاق.
والسمحاق: جلدة أو قشرة رقيقة بين اللحم والعظم. وقال الواقدي: هي عندنا الملطى. وقال غيره: هي الملطاة، قال: وهي التي جاء فيها الحديث: "يقضى في الملطاة بدمها". ثم الموضحة -وهي: التي تكشط عنها ذلك القشر أو تشق حتى يبدو =стр. 3154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وضح العظم، فتلك الموضحة. قال أبو عبيد: وليس في شيء من الشجاج قصاص إلا في الوض - وهي التي تهشم العظم. ثم المنقلة -بكسر القاف حكاه الجوهري- وهي التي تنقل العظم -أي تكسره- حتى يخرج منها فراش العظام مع الدواء. ثم الآمة -ويقال لها المأمومة- وهي التي تبلغ أم الرأس، يعني الدماغحة خاصة؛ لأنه ليس منها شيء له حد ينتهي إليه سواها، وأما غيرها من الشجاج ففيها ديتها. ثم الهاشمة. قال أبو عبيد ويقال في قوله: "ويقضى في الملطاة بدمها" أنه إذا شج الشاج حكم عليه للمشجوج بمبلغ الشجة ساعة شج ولا يستأنى بها. قال: وسائر الشجاج عندنا يستأنى بها حتى ينظر إلى ما يصير أمرها ثم يحكم فيها حينئذ. قال أبو عبيد: والأمر عندنا في الشجاج كلها والجراحات كلها أنه يستأنى بها؛ حدثنا هشيم عن حصين قال: قال عمر بن عبد العزيز: ما دون الموضحة خدوش وفيها صلح. وقال الحسن البصري: ليس فيما دون الموضحة قصاص. وقال مالك: القصاص فيما دون الموضحة الملطي والدامية والباضعة وما أشبه ذلك؛ وكذلك قال الكوفيون وزادوا السمحاق، حكاه ابن المنذر. وقال أبو عبيد: الدامية التي تدمى من غير أن يسيل منها دم. والدامعة: أن يسيل منها دم. وليس فيما دون الموضحة قصاص بن. وقال الجوهري: والدامية الشجة التي تدمى ولا تسيل. وقال علماؤنا: الدامية هي التي تسيل الدم. ولا قصاص فيما بعد الموضحة، من الهاشمة للعظم، والمنقلة -على خلاف فيها خاصة- والآمة هي البالغة إلى أم الرأس، والدامغة الخارقة لخريطة الدماغ. وفي هاشمة الجسد القصاص، إلا ما هو مخوف كالفخذ وشبهه. وأما هاشمة الرأس فقال ابن القاسم: لا قود فيها؛ لأنها لا بد تعود منقلة. وقال أشهب: فيها القصاص، إلا أن تنقل فتصير منقلة لا قود فيها. وأما الأطراف فيجب القصاص في جميع المفاصل إلا المخوف منها. وفي معنى المفاصل أبعاض المارن والأذنين والذكر والأجفان والشفتين؛ لأنها تقبل التقدير. وفي اللسان روايتان. والقصاص في كسر العظام، إلا ما كان متلفًا كعظام الصدر والعنق والصلب والفخذ وشبهه. وفي كسر عظام العضد القصاص. وقضى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في رجل كسر فخذ رجل أن يكسر فخذه؛ وفعل ذلك عبد العزيز بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد بمكة. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه فعله؛ وهذا مذهب مالك على ما ذكرنا، وقال: إنه الأمر المجمع عليه عندهم، والمعمول به في بلادنا في الرجل يضرب الرجل فيتقيه بيده فكسرها يقاد منه.
الخامسة والعشرون - قال العلماء: الشجاج في الرأس، والجراح في البدن. وأجمع أهل العلم على أن فيما دون الموضحة أرش فيما ذكر ابن المنذر؛ واختلفوا في ذلك الأرش وما دون الموضحة شجاج خمس: الدامية والدامعة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق؛ فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي في الدامية =стр. 3155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = حكومة، وفي الباضعة حكومة، وفي المتلاحمة حكومة. وذكر عبد الرزاق عن زيد بن ثابت قال: في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة من الإبل، وفي السمحاق أربع، وفي الموضحة خمس، وفي الهاشمة عشر، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الرجل يضرب حتى يذهب عقله الدية كاملة، أو يضرب حتى يغن ولا يفهم الدية كاملة، أو حتى يبح ولا يفهم الدية كاملة، وفي جفن العبن ربع الدية. وفي حلمة الثدي ربع الدية. قال ابن المنذر: وروي عن علي في السمحاق مثل قول زيد. وروي عن عمر وعثمان أنهما قالا: فيها نصف الموضحة. وقال الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والنخعي فيها حكومة؛ وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد. ولا يختلف العلماء أن الموضحة فيها خمس من الإبل؛ على ما في حديث عمرو بن حزم، وفيه: وفي الموضحة خمس. وأجمع أهل العلم على أن الموضحة تكون في الرأس والوجه. واختلفوا في تفضيل موضحة الوجه على موضحة الرأس؛ فروي عن أبي بكر وعمر أنهما سواء. وقال بقولهما جماعة من التابعين، وبه يقول الشافعي وإسحاق. وروي عن سعيد بن المسيب تضعيف موضحة الوجه على موضحة الرأس. وقال أحمد: موضحة الوجه أحرى أن يزاد فيها. وقال مالك: المأمومة والمنقلة والموضحة لا تكون إلا في الرأس والوجه، ولا تكون المأمومة إلا في الرأس خاصة إذا وصل إلى الدماغ، قال: والموضحة ما تكون في جمجمة الرأس، وما دونها فهو من العنق ليس فيه موضحة. قال مالك: والأنف ليس من الرأس وليس فيه موضحة، وكذلك اللحي الأسفل ليس فيه موضحة. وقد اختلفوا في الموضحة في غير الرأس وليس فيه والوجه؛ فقال أشهب وابن القاسم: ليس في موضحة الجسد ومنقلته ومأمومته إلا الاجتهاد، وليس فيها أرش معلوم. قال ابن المنذر: هذا قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وبه نقول. وروي عن عطاء الخراساني أن الموضحة إذا كانت في جسد الإنسان فيها خمس وعشرون دينارًا. قال أبو عمر: واتفق مالك والشافعي وأصحابهما أن من شج رجلًا مأمومتين أو موضحتين أو ثلاث مأمومات أو موضحات أو أكثر في ضربة واحدة أن فيهن كلهن -وإن انخرقت فصارت واحدة- دية كاملة. وأما الهاشمة فلا دية فيها عندنا بل حكومة. قال ابن المنذر: ولم أجد في كتب المدنيين ذكر الهاشمة، بل قد قال مالك فيمن كسر أنف رجل إن كان خطأ ففيه الاجتهاد. وكان الحسن البصري لا يوقت في الهاشمة شيئًا. وقال أبو ثور: إن اختلفوا فيه ففيها حكومة. قال ابن المنذر: النظر يدل على هذا؛ إذ لا سنة فيها ولا إجماع. وقال القاضي أبو الوليد الباجي: فيها ما في الموضحة؛ فإن صارت منقلة فخمسة عشر، وإن صارت مأمومة فثلث الدية. قال ابن المنذر: ووجدنا أكثر من لقيناه وبلغنا عنه من أهل العلم يجعلون في الهاشمة عشرًا =стр. 3156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = من الإبل. وروينا هذا القول عن زيد بن ثابت؛ وبه قال قتادة وعبيد اللَّه بن الحسن والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: فيها ألف درهم، ومرادهم عشر الدية. وأما المنقلة فقال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "في المنقلة خمس عشرة من الإبل" وأجمع أهل العلم على القول به. قال ابن المنذر: وقال كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن المنقلة هي التي تنقل منها العظام. وقال مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي -وهو قول قتادة وابن شبرمة- أن المنقلة لا قود فيها؛ وروينا عن ابن الزبير -وليس بثابت عنه- أنه أقاد من المنقلة. قال ابن المنذر: والأول أولى؛ لأني لا أعلم أحدأ خالف في ذلك وأما المأمومة فقال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "في المأمومة ثلث الدية". وأجمع عوام أهل العلم على القول به، ولا نعلم أحدًا خالف ذلك إلا مكحولا فإنه قال: إذا كانت المأمومة عمدًا ففيها ثلثا الدية، وإذا كانت خطأ ففي ثلث الدية؛ وهذا قول شاذ، وبالقول الأول أقول. واختلفوا في القود من المأمومة؛ فقال كثير من أهل العلم: لا قود فيها، وروي عن ابن الزبير أنه أقص من المأمومة، فأنكر ذلك الناس. وقال عطاء: ما علمنا أحدًا أقاد منا قبل ابن الزبير. وأما الجائفة ففيها ثلث الدية على حديث عمرو بن حزم؛ ولا خلاف في ذلك إلا ما روي عن مكحول أنه قال: إذا كانت عمدًا ففي ثلثا الدية، وإن كانت خطأ ففيها ثلث الدبة. والجائفة كل ما خرق إلى الجوف ولو مدخل إبرة؛ فإن نفذت من جهتين عندهم جائفتان، وفيها من الدية الثلثان. قال أشهب: وقد قضى أبو بكر الصديق ﵁ في جائفة نافذة من الجنب الآخر. بدية جائفتين. وقال عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي كلهم يقولون: لا قصاص في الجائفة. قال ابن المنذر: وبه نقول.
السادسة والعشرون - واختلفوا في القود من اللطمة وشبهها؛ فذكر البخاري عن أبي بكر وعلي وابن الزبير وسويد بن مقرن رضى اللَّه عنهم أنهم أقادوا من اللطمة وشبهها. وروي عن عثمان وخالد بن الوليد مثل ذلك؛ وهو قول الشعبي وجماعة من أهل الحديث. وقال الليث: إن كانت اللطمة في العين فلا قود فيها؛ للخوف على العين ويعاقبه السلطان. وإن كانت على الخد ففيها القود. وقالت طائفة: لا قصاص في اللطمة؛ روي هذا عن الحسن وقتادة، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي؛ واحتج مالك في ذلك فقال: ليس لطمة المريض الضعيف مثل لطمة القوي، وليس العبد الأسود يلطم مثل الرجل ذي الحالة والهيئة؛ وإنما في ذلك كله الاجتهاد لجهلنا بمقدار اللطمة.
السابعة والعشرون - واختلفوا في القود من ضرب السوط؛ فقال الليث والحسن: يقاد منه، ويزاد عليه للتعدي. وقال ابن القاسم: يقاد منه. ولا يقاد منه عند الكوفيين والشافعي إلا أن يجرح؛ قال الشافعي إن جرح السوط ففيه حكومة. وقال ابن المنذر: =стр. 3157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وما أصيب به من سوط أو عصًا أو حجر فكان دون النفس فهو عمد، وفيه القود؛ وهذا قول جماعة من أصحاب الحديث. وفي البخاري وأقاد عمر من ضربة بالدرة، وأقاد علي بن أبي طالب من ثلاثة أسواط. واقتص شريح من سوط وخموش. وقال ابن بطال: وحديث لد النبي ﷺ لأهل البيت حجة لمن جعل القود في كل ألم وإن لم يكن جرح.
الثامنة والعشرون - واختلفوا في عقل جراحات النساء؛ ففي "الموطأ" عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث دية الرجل، إصبعها كإصبعه وسنها كسنه، وموضحتها كموضحته، ومنقلتها كمنقلته. قال ابن بكير، قال مالك: فإذا بلغت ثلث دية الرجل كانت على النصف من دية الرجل. قال ابن المنذر: روينا هذا القول عن عمر وزيد بن ثابت، وبه قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير والزهري وقتادة وابن هرمز ومالك وأحمد بن حنبل وعبد الملك بن الماجشون. وقالت طائفة: دية المرأة على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر؛ روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب، وبه قال الثوري والشافعي وأبو ثور والنعمان وصاحباه؛ واحتجوا بأنهم لما أجمعوا على الكثير وهو الدية كان القليل مثله، وبه نقول.
التاسعة والعشرون - قال القاضي عبد الوهاب: وكل ما فيه جمال منفرد عن منفعة أصلًا ففيه حكومة؛ كالحاجبين وذهاب شعر اللحية وشعر الرأس وثديي الرجل وأليته. وصفة الحكومة أن يقوم المجني عليه لو كان عبدًا سليمًا، ثم يقوم مع الجناية فما نقص من ثمنه جعل جزءًا من ديته بالغًا ما بلغ، وحكاه ابن المنذر عن كل من يحفظ عنه من أهل العلم؛ قال: ويقبل فيه قول رجلين ثقتين من أهل المعرفة. وقيل: بل يقبل قول عدل واحد. واللَّه سبحانه أعلم. فهذه جمل من أحكام الجراحات والأعضاء تضمنها معنى هذه الآية، فيها لمن اقتصر عليها كفاية، واللَّه الموفق للهداية بمنه وكرمه.
الموفية ثلاثين - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ شرط وجوابه؛ أي تصدق بالقصاص فعفا فهو كفارة له، أي لذلك المتصدق. وقيل: هو كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة؛ لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه، وأجر المتصدق عليه. وقد ذكر ابن عباس القولين، وعلى الأول أكثر الصحابة ومن بعدهم، وروي الثاني عن ابن عباس ومجاهد، وعن إبراهيم النخعي والشعبي بخلاف عنهما؛ والأول أظهر لأن العائد فيه يرجع إلى مذكور، وهو ﴿مِنْ﴾. وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ : "ما من مسلم يصاب بثيء من جسده فيهبه إلا رفعه اللَّه به درجة وحط عنه به خطيئة". قال ابن العربي: والذي يقول إنه إذا عفا عنه المجروح عفا اللَّه عنه لم يقم عليه دليل؛ فلا معنى له".стр. 3158
وإن قتل عبد حرًا أو عبدًا عمدًا، وثبت ذلك عليه ببينة أو إقرار أو قسامه في الحر، كـ: قتلني فلان، أو يقيم عدلًا بالقتل، ويقسم أولياؤه في الصورتين، خير الولي أولًا في قتل العبد أو استحيائه، وإنما خير الولي لأن القاتل غير كفء، فإن اختار قتله فواضح، وإن استحياه فلسيده الخيار ثانيًا في أحد أمرين:
- إسلامه في جنايته.
- أو فداؤه بدية الحر، أو قيمة العبد المقتول.
[القتل الموجب للقصاص: ]
ولما فرغ من الكلام على ما يتعلق بالركن الثاني، تكلم على الركن الثالث، وهو القتل الموجب للقصاص، وهو ضربان:
- مباشرة.
- وتسبب.
[أولًا - المباشرة: ]
وبدأ بالأول فقال: إن قصد -أي: تعمد- القاتل ضربًا للمضروب، وإن لم يقصد قتله به، سواء ضربه بما يقتل غالبًا أو لا، ولذا بالغ عليه بقوله: وإن بقضيب، وهو خلاف قول صاحب الجواهر: العمد هو الذي يقصد إتلاف نفس الشخص (١) ، وكان ما يقصد به مما يقتل بمثله من محدود ومثقل. الحواشي
(١) وهذا الكلام هو نحو قول القانونيين المعاصرين: مع سبق الإصرار والترصد، ففرقوا بين القتل العمد من الإصرار، والقتل العمد من دونه، وهذا نحو تقسيم مذهبنا القتل ثلاثة أقسام: عمد، وشبه العمد، وخطأ، وعرف علماؤنا شبه العمد بقولهم: هو ما أشكل، هل يريد به القتل أو لا؟ واختلف فيه هل له حكم يخصه من رفع القصاص وتغليظ الدية وهو قول أكثر الفقهاء وسموه شبه العمد ولم ير ذلك مالك إلا في الآباء مع أبنائهم وهو قول أكثر أصحابه وفي المدونة شبه العمد باطل لا أعرفه وإنما هو عمد أو خطأ ولا تغليظ الدية إلا في مثل فعل المدلجي بابنه فان الأب إذا قتل ابنه =стр. 3159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = بحديدة حذفه بها أو بغيرها مما يقاد فيه فان الأدب يدرأ عنه القود وتغلظ عليه الدية وتكون في ماله اهـ.
وممن قال بإثبات شبه العمد ابن شهاب وربيعة وأبو الزناد حكاه عنهم ابن حبيب ورواه العراقيون عن مالك أيضًا، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٤٣، وما بعدها): "قال أبو عمر ليس عند مالك في قتل العمد دية معلومة وإنما فيه القود إلا في عهد الرجل إلى ابنه بالضرب والأدب في حين الغضب كما صنع المدلجي بابنه فإن فيه عنده الدية المغلظة ولا قود وسنذكر ذلك في ما بعد إن شاء اللَّه .
فإن اصطلح القاتل عمدًا وولي المقتول على الدية وأبهموا ذلك ولم يذكروا شيئًا من ذلك بعينه أو عفي عن القاتل عمدًا على الدية، وكان من أهل الإبل فإن الدية تكون عليه حينئذ حالة في ماله أرباعا كما قال بن شهاب خمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وإن كان من أهل الذهب فألف دينار وإن كان من أهل الورق فاثنا عشر ألف درهم حالة في ماله لا يزاد على ذلك ولا ينقص منه إلا أن يصطلحا على شيء فيلزمهما ما اصطلحا عليه. وقد روي عن مالك أن الدية في العمد إذا قبلت تكون مؤجلة كدية الخطأ في ثلاثه سنين والأول قول بن القاسم وروايته وهو تحصيل المذهب.
والدية في مذهب مالك ثلاث إحداها دية العمد إذا قبلت أرباعًا وهي كما وصفنا.
وهو قول بن شهاب وربيعة والثانية دية الخطأ أخماسًا وسيأتي ذكرها -كما وصفنا- في بابها إن شاء اللَّه .
والثالثة الدية المغلظة أثلاثًا ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وهي الحوامل وليست عنده إلا في قتل الرجل ابنه على الوصف الذي ذكرنا.
وأما لو أضجع الرجل ابنه فذبحه أو جلله بالسيف أو أثر الضرب عليه بالعصا أو غيرها حتى قتله عامدا فإنه يقتل عنده به.
وستأتي هذه المسألة وما للعلماء فيها في موضعها من هذا الكتاب إن شاء اللَّه .
وليس يعرف مالك شبه العمد إلا في الأب يفعل بابنه ما وصفنا خاصة.
وإنما تجب الدية المغلظة المذكورة من الإبل على الأب إذا كان من أهل الإبل فإن كان من أهل الأمصار فالذهب أو الورق. واختلف قوله في تغليظ دية الذهب والورق في ذلك.
فروي عنه أن تغليظها أن تقوم الثلاثون حقة والثلاثون جذعة والأربعون الخلفة بالدنانير أو الدراهم بالغًا ما بلغت وإن زادت على ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم.
وروي عنه أن التغليظ في ذلك أن ينظر إلى قيمة دية الخطأ أخماسًا في أسنان الإبل ثم ينظر إذا ما زادت قيمة دية التغليظ من الإبل على قيمة دية الخطأ فيزاد مثل ذلك =стр. 3160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = من الذهب والورق، وهذا مذهب بن القاسم، وروي عنه أيضًا أنها تغلظ بأن تبلغ دية وثلثا يزاد في الدية ثلثها. رواه أهل المدينة عنه، وقد روي عن مالك أن الدية لا تغلظ على أهل الذهب ولا على أهل الورق وإنما تغلظ في الإبل خاصة على أهل الإبل.
قال أبو عمر روى سفيان عن معمر عن رجل عن عكرمة قال ليس في دية الدنانير والدراهم مغلظة إنما المغلظة في الإبل خاصة على أهل الإبل.
وروى بن المبارك عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال لا يكون التغليظ في شيء من الدية إلا في الإبل والتغليظ في إناث الإبل.
وأما الشافعي فالدية عنده اثنتان لا ثالثة لهما مخففة ومغلظة فالمخففة دية الخطأ أخماسًا والمغلظة في شبه العمد وفي ما لا قصاص فيه كالأب ومن جرى مجراه عنده وفي العمد إذا قبلت الدية فيه وعفي عن القاتل عليها وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة، وهو قول سفيان ومحمد بن الحسن في أسنان دية شبه العمد، وهذه الأسنان في ذلك مذهب عمر بن الخطاب وأبي موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة وزيد بن ثابت على اختلاف عنه، وبه قال عطاء، وروي عن النبي ﷺ ما دل على ذلك.
ذكر أبو بكر قال حدثني وكيع قال حدثني سفيان عن بن أبي نجيح عن مجاهد عن عمر أنه قال في شبه العمد ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة ما بين ثنية إلى باذل عامها كلها خلفة.
قال وحدثني جرير عن مغيرة عن الشعبي قال كان أبو موسى والمغيرة يقولان في الدية المغلظة ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة.
قال وحدثني وكيع قال حدثني بن أبي خالد عن عامر الشعبي قال كان زيد بن ثابت يقول في شبه العمد ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة.
وأما الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ أنه قال ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا والحجر ديته مغلظة مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها، فهو حديث مضطرب لا يثبت من جهة الإسناد رواه بن عيينة عن علي بن زيد عن القاسم بن ربيعة عن بن عمر عن النبي ﷺ .
ورواه سفيان الثوري وهشيم عن خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي ﷺ .
ورواه حماد بن زيد عن خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ .
والقاسم بن ربيعة بن جوشن الغطفاني ثقة بصري يروي عن عمر وعبد الرحمن بن =стр. 3161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = عوف وبن عمر وروى عنه أيوب وقتادة وحميد الطويل وعلي بن زيد.
وأما عقبة بن أوس فرجل مجهول لم يرو عنه إلا القاسم بن ربيعة فيما علمت يقال فيه الدوسي ويقال فيه السدوسي.
وقد قيل فيه يعقوب بن أوس.
وقال يحيى بن معين عقبة بن أوس هو يعقوب بن أوس.
وأما أبو حنيفة وأصحابه فليس في العمد عندهم دية فإن اصطلح القاتل وولي المقتول على شيء فهو حال إلا أن يشترطوا أجلًا.
والديات عندهم اثنتان دية الخطأ أخماسًا على ما يأتي ذكره في بابه بعد هذا لم يختلفوا فيها.
ودية شبه العمد عند أبي حنيفة وأبي يوسف تكون أرباعًا خمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة.
وهو مذهب عبد اللَّه بن مسعود. ذكره وكيع قال وحدثني بن أبي خالد عن عامر قال كان بن مسعود يقول في شبه العمد أرباعًا فذكر ما تقدم.
وقال أبو بكر حدثني أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود بن عبد اللَّه قال شبه العمد أرباعًا خمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون.
وأما محمد بن الحسن فذهب إلى ما روى عن عمر وأبي موسى وزيد والمغيرة وقد تقدم ذكره وأما أحمد بن حنبل فقال دية الحر المسلم مائة من الإبل فإن كان القتل عمدًا وارتفع القصاص أو قبلت الدية فهي في مال القاتل حالة أرباعًا خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة.
قال وإن كان القتل شبه العمد فكما وصفنا في أسنان الإبل.
قال وهي على العاقلة في ثلاث سنين في كل سنة ثلثها.
ذهب في ذلك مذهب بن مسعود وهذا يدل على أنه لم يصح عنده الحديث المرفوع لما ذكرنا فيه من الاضطراب وجهل عقبة بن أوس - واللَّه الموفق للصواب.
وأما أبو ثور فقال الدية في العمد الذي لا قصاص فيه أو عفي عن القاتل علي الدية وفي شبه العمد كل ذلك كدية الخطأ أخماسًا أنه بدل لأنه أقل ما قيل فيه.
وقال عامر الشعبي وإبراهيم النخعي دية شبه العمد ثلاث وثلاثون حقة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون خلفة من ثنية إلى بازل عامها، وهو مذهب علي بن أبي طالب ﵁.
ذكر أبو بكر قال حدثني أبو الأحوص عن إبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي =стр. 3162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = قال في شبه العمد ثلاث وثلاثون حقة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة، وروى الثوري وغيره عن أبي إسحاق مثله.
وقال الحسن البصري وابن شهاب الزهري وطاوس اليماني دية شبه العمد ثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وأربعون خلفة. وهذا مذهب عثمان بن عفان ﵁ ورواية عن زيد بن ثابت.
ذكر أبو بكر قال حدثني عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب وعن عبد ربه عن أبي عياض أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت قالا في المغلظة أربعون جذعة خلفة وثلاثون حقة وثلاثون بنت لبون.
وقال معمر عن الزهري إن الدية التي غلظها النبي ﷺ هكذا وذكر طاوس أن ذلك عنده في كتاب النبي ﷺ .
فهذا ما بلغنا في أسنان دية العمد وأسنان دية شبه العمد وسنذكرها عن الفقهاء وأئمة الفتوى فهي صفة شبه العمد وكيفيته ومن نفاه منهم ومن أثبته فيه في باب ما يجب فيه العمد من هذا الكتاب إن شاء اللَّه تعالى.
ويأتي ما للعلماء في دية الخطأ في الباب بعد هذا بعون اللَّه تعالى وإنما ذكرنا في هذا الباب شبه العمد مع دية العمد إذا قبلت لأن مذاهب أكثر العلماء في ذلك متقاربة متداخلة وجمهورهم يجعلها سواء.
وقد أتينا في ذلك بالروايات عن السلف وما ذهب إليه من ذلك أئمة الأمصار.
والحمد للَّه كثيرا.
وقد اختلف العلماء في أخذ الدية من قاتل العمد فقال مالك في رواية بن القاسم عنه -وهو الأشهر من مذهبه- وأبو حنيفة والثوري وأصحابه وبن شبرمة والحسن بن حي ليس لولي المقتول عمدًا إلا القصاص ولا يأخذ الدية إلا برضى القاتل.
وقال الأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود.
وهو قول ربيعة وأكثر فقهاء المدينة من أصحاب مالك وغيرهم.
وروى أشهب عن مالك ولي المقتول بالخيار إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية رضي القاتل أو لم يرض.
وذكر بن عبد الحكم الروايتين جميعًا عن مالك.
وحجة من لم ير لولي المقتول إلا القصاص حديث أنس في قصة سن الربيع أن رسول اللَّه ﷺ قال كتاب اللَّه القصاص.
وحجة من أوجب له التخيير بين القصاص وأخذ الدية حديث أبي شريح الكعبي وأبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل له قتيل فهو بين خيرتين" وقال أبو هريرة بخير نظرين بين أن يأخذ وبين أن يعفو، وهما حديثان لا يختلف أهل العلم بالحديث في =стр. 3163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = صحتهما.
حدثني عبد الوارث قال حدثني قاسم قال حدثني بكر بن حماد قال حدثني مسدد قال حدثني يحيى بن سعيد قال حدثني بن أبي ذئب قال حدثني سعيد بن أبي سعيد قال سمعت أبا شريح الكعبي يقول قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل وإني عاقله فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فهو بالخيار بين خيرتين بين أن يأخذ العقل وبين أن يقتل".
وحديث أبي هريرة عند يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رواه جماعة أصحاب يحيى عنه.
وقد ذكرنا طرق الحديثين في مسألة أفردنا لها جزءًا في معنى قول اللَّه : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة ١٧٨] ".
وبهذا يتبين خطأ من قال من أهل هذا العصر -التي ظهرت علينا فيه جماعات نسأل اللَّه تعالى السلامة فيه في المعتقد والمنهج- غير مميز بين القوانين التي سنت سياسة للأمة دون مخالفة لأحكام الشريعة، وبين تلك القوانين المستوردة من الغرب الكافر مما كانت مخالفة للشرع: "ثم أجرمت هذه القوانين في حق الأمة والدين أكبر الجرائم. . فأبيحت الأعراض وسُفكت الدماء، ولم تنه فاسقًا، ولم تزجر مجرمًا، حتى اكتظت السجون، وصارت مدارس لإخراج زعماء المجرمين، ونزعت من الناس الغيرة والرجولة. .، ومع ذلك فإن هذه القوانين التي تحكمون بها شرطت في القصاص شرطًا لم يشرطه اللَّه، ولم يقل به أحد من المسلمين، لا من المجتهدين ولا المقلدين، ولا موضع له في النظر السليم؛ فأباحت به الدم الحلال، وكان له الأثر الكبير فيما نرى من كثرة جرائم القتل، وذلك أن المادة ٢٣٠ من قانون العقوبات شرطت في عقاب القاتل بالإعدام: العمدَ مع سبق الإصرار والترصُّد.
وأكدت ذلك المادة ٢٣٤؛ فنصت على أن من قتل عمدًا من غير سبق إصرار ولا ترصُّد يعاقب بالأشغال الشاقة، المؤبدة أو المؤقتة، ولكننا ننكر المصدر الذي أخذت منه وهو مصدر لا يجوز للمسلم أن يجعله إمامه في التشريع، وقد أمر أن يتحاكم إلى اللَّه ورسوله، ولكنا نسخط على الروح الذي يملى هذه القوانين، ويوحي بها، روح الإلحاد والتمرد على الإسلام، في المسائل الخطيرة والقواعد الأساسية، فلا يبالي واضعوها أن يخرجوا على القرآن وعلى البديهي من قواعد الإسلام وأن يصبغوها صبغة أوربية مسيحية أو وثنية، إذا ما أرضوا عنهم أعداءهم، ونالوا ثناءهم، ولم يخرجوا على مبادئ التشريع الحديث! ! ".
فغاب على قائل هذا القول تقسيم العلماء القتل التقسيم الذي مضى، وجعلهم قتل العمد ليس كقتل شبه العمد في العقوبة، على التفصيل الذي رأيت، ورأوا أن ما كان =стр. 3164
ولا يشترط كون القتل بآلة مخصوصة بل حصوله بقضيب أو غيره كخنق ومنع طعام حتى مات، واقتصاره على القصاص في منع الطعام يفهم منه أن لا قصاص في منع الماء، ففي حريم البئر من المدونة في منع الماء أنه من الخطأ لا قصاص فيه، لكن تأولها بعض القرويين على أنهم لم يقصدوا القتل، وإنما تأولوا أن لهم منع ما بهم، ولو قصدوا منعهم الشرب بعد علمهم حرمته، وأنهم إن لم يسقوهم ماتوا عطشًا لأمكن أن يقتلوا بهم.
وكضرب بشيء مثقل، كـ: حجر أو خشبة، ولا قسامة في ذلك إن أنفذ الفعل مقتله، أو مات منه مغمورًا لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم ولم يفق حتى مات.
ومفهومه: إن لم ينفذ مقتله أو لم يمت مغمورًا بل أكل وشرب وعاش حياة تعرف ثم مات فالقسامة، أما المسألة الأولى من كلام المصنف فنحوها قول المدونة: أما إن شفت حشوته وتكلم وأكل وعاش يومين أو ثلاثة فإنه يقتل قاتله بغير قسامة، إذا كان قد أنفذ مقتله.
وأما الثانية فكقولها: ومن ضرب فمات تحت الضرب، أو بقي مغمورًا لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم، ولم يفق حتى مات فلا قسامة فيه.
الحواشي
(١) = شبه عمد غلظت فيه العقوبة، والإمام إذا رأى للمصلحة العامة تغليظ عقوبة ما فإن له ذلك سياسة للأمة، ورعاية لها، وقد كان عمر بن الخطاب يفعل ذلك، السياسة الشرعية للعباد بتصريف شؤون حياتهم وفق القواعد العامة للشريعة الإسلامية هي من أهم مسؤوليات الحاكم المسلم أو من ينوب عنه في تصريف شؤون العباد، وليس كل المسائل التي تعرض على ولي الأمر تعرضت لها نصوص الكتاب والسنة على وجه التفصيل، فقد يطرأ طارئ على الأمة لم يكن موجودًا من قبل فلا بد للحاكم أن يحكم بالمسألة بما يوافق المقاصد العامة للشريعة الإسلامية.
وقد وقعت مسألة زوجة المفقود في زمن عمر فاجتهد بها في إمهال الزوج أربعة أعوام ثم التفريق بعد ذلك بينهما واعتداد الزوجة عدة الوفاة، فهذه المسألة هي من مسائل السياسة الشرعية التي ترك للحاكم الفصل فيها والاجتهاد في حلها بما فيه مصلحة المسلمين.стр. 3165
تنبيه:
إذا علمت هذا ظهر لك أن قول الشارح تبعًا للتوضيح: (إن الذي في أصل المدونة أن في المغمور القسامة، وهو خلاف ما هنا) غير ظاهر.
وشبه بما فيه القصاص بلا قسامة بقوله: وكطرح غير محسن للعوم في نهر عداوة ومات، ففي آخر ديات التهذيب: وإن طرح رجلًا في نهر ولم يدر أنه لا يحسن العوم فمات فإن كان على العداوة والقتال قتل به.
قال ابن ناجي: ظاهرها أنه لو لم يعلم أنه يحسن العوم لم يقتل به، وإن كان على وجه العداوة.
وإلا بأن طرح محسنًا للعوم أو كان الطرح على غير وجه العداوة بل للعب وشهده، فلا يقتل به، وإذا لم يقتل به فدية، وإذا قتل فيما تقدم فظاهره كالمدونة بغير قسامة.
تنبيهات:
الأول: قول ابن الحاجب: (بقسامة) أنكره المؤلف قائلًا: لم أره.
الثاني: أجمل في قوله: (فدية)؛ إذ يحتمل أنها دية خطأ محمسة، وهو ظاهر المدونة، وقول مالك وابن القاسم، واختاره اللخمي إن كان على الوجه المعتاد، ويحتمل أنها مغلظة، وهو قول ابن وهب، واختار اللخمي الأول إن كان على الوجه المعتاد، والثاني إن خرج عن المعتاد، واختلف أيضًا هل على العاقلة أو لا؟ (١) . الحواشي
(١) قال في المنح (٩/ ٢٠ - ٢١): "تت أجمل في قوله دية، إذ يحتمل أنها دية خطأ مخمسة وهو ظاهر المدونة، وقول مالك وابن القاسم رضي اللَّه تعالى عنهما، واختاره اللخمي إن كان على الوجه المعتاد، ويحتمل أنها مغلظة وهو قول ابن وهب، واختاره اللخمي إن خرج عن المعتاد، واختلف أيضًا هل على العاقلة أو لا.
طفي لا إجمال لأن المصنف عين فيما يأتي مواضع التغليظ، وهذا ليس منها، فيعلم من كلامه أنها دية خطأ مخمسة وكلامه يبين بعضه بعضًا ونص أيضًا على أن المغلظة هي التي تكون في مال الجاني، وما عداها على العاقلة، فكلامه محرر لمن أحاط بأطرافه قوله إن كان أي اللعب على الوجه المعتاد كما صرح به غيره. اهـ. =стр. 3166
الثالث: قال بعض من تكلم على هذا المحل: وإلا فالدية، لا يقال في مثله استثناء.
[القتل بالتسبب: ]
ولما فرغ من الكلام على المباشرة أتبعه بالتسبب، وهو أن يفعل فعلا يكون سببًا للإتلاف، ومثل له بأمثلة، فقال مشبها في الحكمين السابقين:
- وكحفر بئر إن لم تكن ببيته، بل بموضع لا يجوز له كطريق المسلمين قصدًا لإهلاك معين.
قال مالك: من حفر بئر اللص ليهلك فيها، فهلك فيها، فإنه يقتل به، وإن لم يقصد إهلاك معين، فالدية ولا قتل.
ثم بالغ على ما فيه القتل بقوله: وإن ببيته، وقصد إهلاك معين، فوقع فيه، وأما إن لم يقصد ضرر أحد، بل حفره لضرورة عرضت له، فوقع فيها إنسان أو غيره، فلا ضمان عليه.
- أو وضع مزلق بطريق، كرش قناة يريد أن يزلق به من مر من إنسان أو غيره فضامن.
- أو ربط دابة بطريق فيضمن، قال الشارح: إذا جعل ذلك ديدنًا، وأما لو فعل من ذلك ما يجوز له، كأن يترك ويدخل لحاجة وهي واقفة بالطريق فلا يضمن.
- أو اتخاذ كلب عقور ببيته لإهلاك سارق ونحوه، فيهلك، فالقود، إذا تقدم لصاحبه فيه إنذارًا، فإن لم يتقدم فلا ضمان.
الحواشي
(١) = أقول الإخفاء في إجمال كلامه هنا خصوصًا، وفي المسألة الخلاف.
البناني يتحصل من كلامهم أنه إن تحقق أنه يحسن العوم فلا قصاص ألقاه لعبًا وعداوة، وإن تحقق أنه لا يحسن العوم فالقصاص مطلقًا وإذا جهل ففي العداوة القصاص، وفي اللعب لا قصاص فالدية فقوله غير محسن العوم، أي في نفس الأمر والملقى جاهل زاد بعضهم ما إذا علم أنه يحسن العوم، لكن ظن أنه لا ينجو لشدة برد أو طول مسافة".стр. 3167
[شرطا قود التسبب: ]
ثم أفاد أن القود في هذه المسائل كلها إذا فعل واحدًا منها بشرطين:
أشار لأحدهما بقوله: قصد الضرر، فإن لم يقصده فلا قود إذا فعله بمكان يجوز له (١) .
وأشار للثاني بقوله: وهلك المقصود بعينه، وإلا بأن لم يفعل ذلك قصد الضرر، أو فعله لقصده، لكن هلك غير المقصود، فالدية.
قال الشارح: الاستثناء راجع لقوله: (هلك المقصود) لا له، ولما قبله، وإلا لزم عليه أنه إذا حفرها بموضع يجوز له من ملك لا لقصد الضرر بل لأمر عرض له فوقع فيها إنسان أو غيره أنه يضمن، وليس كذلك.
[الإكراه: ]
ثم أشار لنوع آخر من التسبب بقوله: وكالإكراه وهو نسبة تصدر من شخص على آخر، والمراد كل من المتسببين، فيقتل المكره اسم فاعل؛ لتسببه، والمكره اسم مفعول إذا لم تمكنه مخالفة الأمر خوف قتله، أو إجراء مكروه عليه، فيقتل لمباشرته (٢) . الحواشي
(١) قال في المنح (٤/ ٤٥٣): "ابن ناجي على قول الرسالة: (ولا يتخذ كلب في الدور في الحضر) ما نصه: ما لم يضطر لحفظه فيتخذ حتى يزول المانع وقد اتخذ الشيخ ابن أبي زيد كلبًا في داره حين وقع حائط منها وخاف على نفسه من الشيعة، فقيل له في ذلك، فقال: لو أدرك مالك ﵁ عنه زمننا لاتخذ أسدا ضاريا".(٢) على الرغم من أن الإكراه عذر للمرء في أن يكفر باللَّه ظاهرًا، إلا أنه ليس كذلك في مسألة القتل، قال القرطبي في جامعه (١٠/ ١٨٠، وما بعدها) في تفسير آية: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾: "الثانية: - قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر، في قول أهل التفسير؛ لأنه قارب بعض ما ندبوه إليه.
قال ابن عباس: أخذه المشركون وأخذوا أباه وأمه سمية وصهيبًا وبلالًا وخبابًا وسالمًا فعذبوهم، وربطت سمية بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة، وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال؛ فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين في الإسلام. وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهًا، فشكا ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئن بالإيمان. فقال رسول اللَّه ﷺ : "فإن =стр. 3168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = عادوا فعد". وروى منصور بن المعتمر عن مجاهد قال: أول شهيدة في الإسلام أم عمار، قتلها أبو جهل، وأول شهيد من الرجال مهجع مولى عمر. وروى منصور أيضًا عن مجاهد قال: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر، وبلال، وخباب، وصهيب، وعمار، وسمية أم عمار. فأما رسول اللَّه ﷺ فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأخذوا الآخرين فألبسوهم أدرع الحديد، ثم صهروهم في الشمس حتى بلغ منهم الجهد كل مبلغ من حر الحديد والشمس، فلما كان من العشي أتاهم أبو جهل ومعه حربة، فجعل يسبهم ويوبخهم، وأتى سمية فجعل يسبها ويرفث، ثم طعن فرجها حتى خرجت الحربة من فمها فقتلها؛ ﵄. قال: وقال الآخرون ما سئلوا إلا بلالًا فإنه هانت عليه نفسه في اللَّه، فجعلوا يعذبونه ويقولون له: ارجع عن دينك، وهو يقول أحد أحد؛ حتى ملوه، ثم كتفوه وجعلوا في عنقه حبلًا من ليف، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أخشبي مكة حتى ملوه وتركوه، قال فقال عمار: كلنا تكلم بالذي قالوا -لولا أن اللَّه تداركنا- غير بلال فإنه هانت عليه نفسه في اللَّه، فهان على قومه حتى ملوه وتركوه. والصحيح أن أبا بكر اشترى بلالًا فأعتقه. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن ناسًا من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحاب محمد ﷺ بالمدينة: أن هاجروا إلينا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة حتى أدركتهم قريش بالطريق، ففتنوهم فكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية. ذكر الروايتين عن مجاهد إسماعيل بن إسحاق. وروى الترمذي عن عائشة قالت قال رسول اللَّه ﷺ : "ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما" هذا حديث حسن غريب. وروي عن أنس بن مالك قال قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة علي وعمار وسلمان بن ربيعة". قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن صالح.
الثالثة: - لما سمح اللَّه بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم؛ وبه جاء الأثر المشهور عن النبي ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" الحديث. والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء؛ قاله القاضي أبو بكر بن العربي. وذكر أبو محمد عبد الحق أن إسناده صحيح قال: وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في الفوائد وابن المنذر في كتاب الإقناع.
الرابعة: - أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر؛ هذا قول مالك والكوفيين والشافعي؛ غير محمد بن الحسن فإنه قال: إذا أظهر الشرك كان مرتدًا في الظاهر، وفيما بينه وبين اللَّه تعالى على الإسلام، وتبين =стр. 3169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلمًا. وهذا قول يرده الكباب والسنة، قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ الآية. وقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٩٧] الآية. وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨] الآية. فعذر اللَّه المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر اللَّه به، والمكره لا يكون إلا مستضعفًا غير ممتنع من فعل ما أمر به؛ قاله البخاري.
الخامسة: - ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رخصة فيه، مثل أن يكرهوا على السجود لغير اللَّه أو الصلاة لغير القبلة، أو قتل مسلم أو ضربه أو أكل ماله، أو الزنى وشرب الخمر وأكل الربا؛ يروى هذا عن الحسن البصري، ﵁. وهو قول الأوزاعي وسحنون من علمائنا. وقال محمد بن الحسن: إذا قيل للأسير: اسجد لهذا الصنم وإلا قتلتك. فقال: إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد ويكون نيته للَّه تعالى، وإن كان لغير القبلة فلا يسجد وإن قتلوه. والصحيح أنه يسجد وإن كان لغير القبلة، وما أحراه بالسجود حينئذ؛ ففي الصحيح عن ابن عمر قال: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] في رواية: ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة. فإذا كان هذا مباحًا في السفر في حالة الأمن لتعب النزول عن الدابة للتنفل فكيف بهذا. واحتج من قصر الرخصة على القول بقول ابن مسعود: ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنت متكلمًا به. فقصر الرخصة على القول ولم يذكر الفعل، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يجعل للكلام مثالًا وهو يريد أن الفعل في حكمه. وقالت طائفة: الإكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الإيمان. روي ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول، وهو قول مالك وطائفة من أهل العراق. روى ابن القاسم عن مالك أن من أكره على شرب الخمر وترك الصلاة أو الإفطار في رمضان، أن الإثم عنه مرفوع.
السادسة: - أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل اللَّه العافية في الدنيا والآخرة.
واختلف في الزنى، فقال مطرف وأصبغ وابن عبد الحكم وابن الماجشون: لا يفعل أحد ذلك، وإن قتل لم يفعله، فإن فعله فهو آثم ويلزمه الحد؛ وبه قال أبو ثور والحسن. قال ابن العربي: الصحيح أنه يجوز الإقدام على الزنى ولا حد عليه، خلافًا لمن ألزمه ذلك؛ لأنه رأى أنها شهوة خلقية لا يتصور الإكراه عليها، وغفل عن السبب في باعث الشهوة وهو الإلجاء إلى ذلك، وهو الذي أسقط حكمه، وإنما يجب =стр. 3170
ويقتص في تقديم شيء مسموم، عممه ليشمل الطعام والشراب واللباس، وأصله قصة اليهودية التي سممت الشاة بخيبر للنبي ﷺ (١) .
واختلف في قتله لها على قولين (٢) ، وورد أنه قتلها ببشر بن الحواشي
(١) قال البخاري في صحيحه (٣/ ١١٥٦، رقم: ٢٩٩٨): "حدثنا عبد اللَّه بن يوسف حدثنا الليث قال حدثني سعيد عن أبي هريرة ﵁ قال:
لما فتحت خيبر أهديت للنبي ﷺ شاة فيها سم فقال النبي ﷺ "اجمعوا إلي من كان ها هنا من يهود". فجمعوا له فقال "إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه". فقالوا نعم قال لهم النبي ﷺ "من أبوكم". قالوا فلان فقال "كذبتم بل أبوكم فلان". قالوا صدقت قال "فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألت عنه". فقالوا نعم يا أبا القاسم وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا فقال لهم "من أهل النار؟ ". قالوا نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها فقال النبي ﷺ "اخسووا فيها واللَّه لا نخلفكم فيها أبدا". ثم قال "هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه". فقالوا نعم يا أبا القاسم قال "هل جعلتم في هذه الشاة سما". قالوا نعم قال "ما حملكم على ذلك". قالوا أردنا إن كنت كاذبًا نستريح وإن كنت نبيًا لم يضرك".(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٤٧٩): "قال ابن إسحاق: لما اطمأن النبي ﷺ بعد فتح خيبر أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مشوية وكانت سألت أي عضو من الشاة أحب إليه قيل لها الذراع فأكثرت فيها من السم فلما تناول الذراع لاك منها مضغة ولم يسغها وأكل معه بشر بن البراء فأساغ لقمته فذكر القصة وأنه صفح عنها وأن بشر بن البراء مات منها وروى البيهقي من طريق سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة أن امرأة من اليهود أهدت لرسول اللَّه ﷺ شاة مسمومة فأكل فقال لأصحابه أمسكوا فإنها مسمومة وقال لها ما حملك على ذلك قالت أردت إن كنت نبيًا فيطلعك اللَّه وإن كنت كاذبًا فأريح الناس منك قال فما عرض لها ومن طريق أبي نضرة عن جابر نحوه فقال فلم يعاقبها وروى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري عن أبي بن كعب مثله وزاد فاحتجم على =стр. 3171
البراء (١) ، لموته من أكله منها. الحواشي
(١) قال الحافظ في الإصابة (١/ ٢٩٤): "بشر بن البراء بن معرور تقدم ذكر نسبه في =стр. 3172
ويقتص منه في رميه حية حية عليه فلذغته، وقيده ابن الحاجب بكونه يعلم أنها قاتلة، ولا يقبل قوله: لم أرد قتله، وترك المؤلف التقييد، ولعله نحا لقوله في توضيحه: لو قيل بالقصاص في الحيات، وإن لم يعرف أنها قاتلة ما بعد.
وأشار لمثال آخر من التسبب بقوله: وكإشارته على شخص بسيف فهرب وطلبه وبينهما عداوة حتى مات فالقصاص، قاله ابن القاسم.
وإن أشار عليه بالسيف ليضربه فهرب منه واستمر يجري حتى سقط ومات أو حتى عثر ومات قبل أن يدرك فبقسامة، يقسم ولاته خوفًا منه، ويقتلونه به، قاله ابن القاسم.
وإشارته عليه فقط بالسيف وبينهما عداوة فهو خطأ، ديته على العاقلة، فيه إجمال.
الحواشي
(١) = ترجمة أبيه قريبًا وأنه كان أحد النقباء ومات قبل الهجرة وأما بشر فشهد العقبة مع أبيه وشهد بدرًا وما بعدها ومات بعد خيبر من أكلة أكلها مع النبي ﷺ من الشاة التي سم فيها قاله بن إسحاق وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه وأبو الشيخ في الأمثال والوليد بن أبان في كتاب الجود من طريق صالح بن كيسان عن بن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك عن كعب بن مالك أن النبي ﷺ قال: "من سيدكم يا يني نضلة" قالوا: جد بن قيس قال: "لم تسودونه" فقالوا إنه أكثرنا ما لا وإنا على ذلك لنزنه بالبخل قال: "وأي داء ادوأ من البخل ليس ذا سيدكم" قالوا فمن سيدنا يا رسول اللَّه قال: "بشر بن البراء بن معرور" تابعه بن إسحاق عن الزهري وقال في روايته بل سيدكم الأبيض الجعد بشر بن البراء وهكذا رواه يونس وإبراهيم بن سعد عن الزهري من رواية الأويسي عنه وخالفه يعقوب بن إبراهيم بن سعد فرواه عن أبيه مرسلًا أخرجه بن أبي عاصم وكذا أرسله معمر وهو في مصنف عبد الرزاق في مساوي الأخلاق للخرائطي وابن أخي الزهري عن عمه وهو في الأمثال لأبي عروبة وشعيب عن الزهري في نسخة بن أبي اليمان وله شاهد من حديث عبد الملك بن جابر بن عتيك عن جابر بن عبد اللَّه في المعرفة وآخر من حديث أبي هريرة في المستدرك والأمثال لأبي عروبة وكامل بن عدي أورده بن عدي في ترجمة سعيد بن محمد الوراق رواية عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه ولم ينفرد به سعيد بل تابعه النضر بن شميل عند الوليد بن أبان وأبي الشيخ ومحمد بن يعلى عند الحاكم أيضًا وأخرجه أبو الشيخ أيضًا من حديث بن عمر بإسناد ضعيف".стр. 3173
قال ابن القاسم: مخمسة.
ورأى اللخمي أنها مغلظة.
تنبيه:
تلخص من كلامه أن المسألة على ثلاثة أوجه، وقد علم حكم كل منها، وأن الوجه الثاني يشتمل على وجهين.
وكالإمساك -وهو: أن يمسكه لآخر- للقتل فيقتله، يقتلان معًا:
أحدهما: لتسببه.
والآخر: لمباشرته.
وظاهره: سواء علم الممسك أن الطالب يقدر على قتله أو لا، وهو كذلك، وصدر به ابن الحاجب.
وقيل: يشترط أن يعلم أنه لولا هو لم يقدر على قتله.
وظاهره أيضًا: علم المكره بالفتح أنه يقتله ظلمًا أو لا.
وقال ابن القصار: إنما يقتل إذا علم أنه يقتله ظلمًا؛ إذ لا خلاف أن الإكراه لا يبيح له قتل مسلم ظلمًا، ويقتل المكره أيضًا لأن القاتل كآلة له.
[قتل الجماعة بالواحد: ]
ويقتل الجمع بواحد (١) ، إذا اجتمعوا على قتله عمدًا ونحوه في المدونة. الحواشي
(١) قال في المنتقى: "قوله إن عمر قتل جماعة برجل قتلوه قتل غيلة فيه بابان أحدهما في قتل الجماعة بالواحد والثاني في معنى الغيلة.
(الباب الأول في قتل الجماعة بالواحد) فأما قتل الجماعة بالواحد يجتمعون في قتله فإنهم يقتلون به، وعليه جماعة العلماء، وبه قال عمر وعلي وابن عباس، وغيرهم، وعليه فقهاء الأمصار إلا ما يروى عن أهل الظاهر، والدليل على ما يقوله خبر عمر هذا، وصارت قضيته بذلك، ولم يعلم له مخالف فثبت أنه إجماع، ودليلنا من جهة القياس أن هذا حد وجب للواحد على الواحد فوجب للواحد على الجماعة كحد القذف. =стр. 3174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = (مسألة) قال مالك في الموازية والمجموعة يقتل الرجلان وأكثر بالرجل الحر، والنساء بالمرأة والإماء والعبيد كذلك قال ابن القاسم وأشهب وإن اجتمع نفر على قتل امرأة أو صبي قتلوا به.
(فرع) وهذا إذا اجتمع النفر على ضربه يضربونه حتى يموت تحت أيديهم فقد قال مالك يقتلون به، وقال ابن القاسم وابن الماجشون في النفر يجتمعون على ضرب رجل، ثم ينكشفون عنه، وقد مات فإنهم يقتلون به، وروى ابن القاسم، وعلي بن زياد عن مالك إن ضربه هذا بسلاح، وهذا بعصا، وتمادوا عليه حتى مات قتلوا به إلا أن يعلم أن ضرب بعضهم قتله.
(مسألة) وإذا اشترك في قتل عبدهم حر وعبد ففي الموازية، والمجموعة عن مالك يقتل العبد، وعلى الحر نصف قيمته، وإذا قتله صغير وكبير قتل الكبير وعلى عاقلة الصغير نصف الدية، وروى ابن حبيب أن ابن القاسم اختلف فيها قوله فمرة قال هذا، ومرة قال إن كانت ضربة الصغير عمدًا قتل الكبير، وإن كانت خطأ لم يقتل، وعليهما الدية قال أشهب في الموازية يقتل الكبير قال ابن المواز، وهو أحب إلى قاله أشهب، ومن فرق بين عمد الصبي وخطئه فقد أخطأ، وحجته أنه لا يدري من أيهما مات، وكذلك في عمد الصبي لا يدري من أيهما مات، وهو يرى عمده كالخطإ.
(فرع) فإذا قلنا بذلك وجب على الصغير حصته من الدية فقد قال ابن المواز ما يقع من الدية على الصغير في ماله، وإنما يكون عليه ما يقع على العاقلة إذا كان القتل كله خطأ، وهذا ظاهر قول ابن القاسم، وقال أشهب ذلك على العاقلة، وإن قل ذلك، وأما إذا اشترك العامد والمخطىء فقد قال ابن القاسم لا يقتل العامد إذا شاركه المخطىء، وقال أشهب في المجموعة لو أن قومًا في قتال العدو ضربوا مسلمًا فقتلوه منهم من ظنه من العدو، ومنهم من تعمده لعداوة، وقتل به المتعمد، وعلى الآخرين ما يصيبهم من الدية.
(الباب الثاني في قتل الغيلة) أصحابنا يوردوه على وجهين أحدهما القتل على وجه التحيل والخديعة، والثاني على وجه القصد الذي لا يجوز عليه الخطأ فأما الأول ففي العتبية والموازية قتل الغيلة من المحاربة إلا أن يغتال رجلًا أو صبيًا فيخدعه حتى يدخله موضعًا فيأخذ ما معه فهو كالمحاربة فهذا بين في أحد الوجهين".
وقال ابن بطال في شرح البخاري (٨/ ٥٢٥، وما بعدها): "باب إذا أصاب قوم من رجل، هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم؟
وقال مطرف، عن الشعبى في رجلين شهدا على رجل أنه سرق فقطعه علي، ثم جاءا بآخر، وقالا: أخطأنا، فأبطل شهادتهما، وأخذهما بدية الأول، وقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما. =стр. 3175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٣٠ - فيه: ابن عمر، رضى اللَّه عنهما، أن غلامًا قتل غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم.
٣١ - وفيه: مغيرة بن حكيم، عن أبيه: أن أربعة قتلوا صبيًا، فقال عمر مثله. وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعلي وسويد بن مقرن من لطمة، وأقاد عمر من ضربة بالدرة، وأقاد علي من ثلاثة أسواط، واقتص شريح من سوط وخموش.
٣٢ - فيه: عائشة: (لددنا رسول اللَّه ﷺ في مرضه، وجعل يشير إلينا لا تلدوني، قال: فقلنا: كراهية المريض بالدواء، فلما أفاق، قال: "ألم أنهكم أن تلدوني" قال: قلنا: كراهية للدواء، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا يبقى منكم أحد إلا لد، وأنا أنظر إلا العباس، فإنه لم يشهدكم".
ذهب جمهور العلماء إلى أن الجماعة إذا قتلوا واحدًا به كلهم على نحو ما فعل عمر بن الخطاب ورى مثله عن على بن أبي طالب والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والنخعي والشعبي وجماعة أئمة الأمصار. وفيها قول آخر: روى عن عبد اللَّه والزبير ومعاذ بن جبل: أن لولى المقتول أن يقتل واحدًا من الجماعة، ويأخذ بقية الدية من الباقين، مثل أن يقتله عشرة أنفس، فله أن يقتل واحدًا منهم ويأخذ من التسعة تسعة أعشار الدية. وبه قال ابن سيرين والزهري. وقال أهل الظاهر: لا قود على واحد منهم أصلًا وعليهم الدية. وهذا خلاف ما أجمعت عليه الصحابة، وحجة الجماعة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ﴾ [الإسراء: ٣٣] فلا فرق بين أن يكون القاتل واحدًا أو جماعة، لوقوع اسم القتلة عليهم، ولأن اللَّه تعالى جعل الحجة لولي المقتول عليهم، وعلى مثل هذا يدل حديث عائشة أن النبي ﷺ أمر أن يلد كل من في البيت لشهودهم للدده الذي نهاهم عنه وما ذاق من الألم واشتراكهم في ذلك، وهو حجة في قصاص الواحد من الجماعة، ولو لم تقتل الجماعة بالواحد لأدى ذلك إلى رفع الحياة في القصاص الذي جعله اللَّه حياة ولم يشأ أحد أن يقتل أحدًا ثم لا يقتل به إلا دعا من يقتله معه لسقط عنه القتل، وأيضًا فإن النفس لا تتبعض في الإتلاف، بدليل أنه لا يقال: قاتل بعض نفس؛ لأن كل واحد قد حصل من جهته فعل ما يتعلق به خروج الروح عنده، وهذا لا يتبعض لامتناع أن يكون بعض الروح خرج بفعل أحدهم، وبعضها بفعل الباقين، فكان كل واحد منهم قاتل نفس، ومثل هذا لو أن جماعة دفعوا حجرًا، لكان كل واحد منهم دافعًا له؛ لأن الحجر لا يتبعض كما أن النفس لا تتبعض. فإن قيل: إنما قال لكل واحد منهم قاتل نفس كما يقال في الجماعة: أكلت الرغيف، وليس كل واحد منهم أكل الرغيف كله. قيل: إنما كان هذا؛ لأن الرغيف يتبعض، فصح أن يقال لكل واحد منهم: أكل بعض الرغيف، ولما لم يصح التبعيض في النفس لم =стр. 3176
ويقتل المتمالئون على القتل، دان بسوط سوط من كل واحد، لخبر الموطأ عن عمر في الصبي: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء [على قتل صبي] لقتلتهم به" (١) .
فرع:
قال في الجواهر: لو اجتمع جماعة على رجل يضربونه، فقطع رجل يده، وفقأ آخر عينه، وجذع آخر أنفه، وقتله آخر، وقد اجتمعوا على قتله، فمات مكانه قتلوا به كلهم، وإن كان جرح بعضهم أنكأ من جرح بعض.
ولا قصاص له في الجراح ما لم يتعمدوا المثلة، وإن لم يريدوا قتله، اقتص من كل واحد بجرحه، وقتل قاتله انتهى.
فقوله: (ومات مكانه) أي: وأما لو مات بعد ذلك ففيه القسامة. الحواشي
(١) أخرجه مالك (٢/ ٨٧١)، والشافعي في الأم (٦/ ٢٢)، والبيهقي (٨/ ٤٠).стр. 3177
[مسألة: ]
ويقتل المتسبب مع المباشر، كحافر بئر ليقع فيه معين، فيهلك، فوقف على شفيرها فرداه فيها غير الحافر فمات.
وقال القاضي أبو عبد اللَّه بن هارون: يقتل المردي تغليبًا للمباشرة، فلو حفرها لنفسه فرداه غيره فالقود على المردي اتفاقًا، ولا شيء على الحافر.
وشبه هذه بقوله: كمكره: بالكسر ومكره بالفتح في كونهما يقتلان معًا.
وأشار لمثال من أمثلة التسبب بقوله: وكأب أو معلم أمر كل منهما ولدًا صغيرًا مراهقًا بقتل شخص، أو سيد بالجر عطفًا على أب أمر عبدًا مطلقًا يحتمل صغيرًا أو كبيرًا، فصيحًا أو أعجميًا، فيقتل الآمر وحده عند ابن القاسم في المسائل الثلاث، وعلى عاقلة الصغير نصف الدية، فإن كثر الصبيان فعلى عواقلهم، وإن لم يجب على عاقلة كل إلا أقل من الثلث، فإنها تحمله، قاله ابن يونس.
ويلغز بها، وفهم من قوله: (صغيرًا) أن الكبير يقتل دون الآمر في المسألتين، وهو كذلك، ولا قتل على الآمر ولا على عاقلته، وعليه العقوبة.
وإن لم يخف المأمور من الآمر وقتل اقتص منه فقط، ويضرب الآمر مائة ويحبس عامًا.
وعلى المكلف شريك الصبي في القتل القصاص دون الصبي، إن تمالآ على قتله، قال في المدونة: وعلى عاقلة الصبي نصف الدية.
ومفهوم كلامه: لو تعمد من غير تمالىء لم يقتل المكلف؛ لاحتمال كون رمي الصبي هو القاتل، ولو كانا مخطئين، أو المكلف مخطئًا، لم يقتل الكبير، وكذا لو كانت رمية المكلف عمدًا والصبي خطأ عند ابن القاسم.
لا شريك مخطئ، تعمد الشريك، ولا شريك مجنون، فلا يقتص من واحد من شريكهما؛ إذ لا يدري القاتل منهما، ولا قتل بشك.
стр. 3178
واختلف هل يقتص من شريك سبع ونحوه، افترس شخصًا، ثم ضربه آخر حالة الافتراس، قاصدًا قتله، فمات بعد الجرح، ومن شريك جارح نفسه، ضربه آخر قاصدًا قتله، ومات، ومن شريك حربي، ومن شريك مرض بعد الجرح، حصل للمجروح يموت منه غالبًا ومات، أو لا يقتص من الشريك في هذه الأربع، أو إنما عليه نصف الدية، ويضرب مائة، ويحبس عامًا (١) ، قولان لابن القاسم. الحواشي
(١) الحبس في اللغة كما في معجم مقاييس اللغة (٢/ ١٢٨): "الحاء والباء والسين. يقال حَبَسْتُه حَبْسًا. والحَبْس: ما وُقِف، يقال: أَحْبَسْتُ فرسًا في سبيل اللَّه، والحِبْسُ: مَصنعةٌ للماء، والجمع أحباس".
والسجن كما في المصدر السابق (٣/ ١٣٧): "السين والجيم والنون أصل واحد، وهو الحَبْس. يقال سجنته سَجنًا. والسِّجن: المكان يُسجَن فيه الإنسان. قال اللَّه جلَّ ثناؤه في قصّة يوسف ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]. فيقرأ فتحًا على المصدر، وكسرًا على الموضع(٢٠) ، وأما قولُ ابنِ مُقْبل:
ضربًا تَوَاصَى به الأبطالُ سِجِّينًا
فقيل إنَّهُ أراد سِجِّيلًا. أي شديدًا. وقد مضى ذِكرُهُ. وإِنَّما أبدل اللام نونًا. والوجه في هذا أنَّهُ قياس الأوَّل من السَّجن، وهو الحبس؛ لأنَّه إذا كان ضربًا شديدًا ثبت المضروب، كأنَّه قد حبسه".
قال القرطبي في جامعه (٦/ ٣٥٢، وما بعدها) في تفسير آية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ(١٠٦) ﴾: "التاسعة - قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ قال أبو علي: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ صفة لـ ﴿آخَرَانِ﴾ واعترض بين الصفة والموصوف بقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾. وهذه الآية أصل في حبس من وجب عليه حق؛ والحقوق على قسمين: منها ما يصلح استيفاؤه معجلًا؛ ومنها ما لا يمكن استيفاؤه إلا مؤجلًا؛ فإن خلي من عليه الحق غاب واختفى وبطل الحق وتوي فلم يكن بد من التوثق منه فإما بعوض عن الحق وهو المسمى رهنًا؛ وإما بشخص ينوب منابه في المطالبة والذمة وهو الحميل؛ وهو دون الأول؛ لأنه يجوز أن يغيب كمغيبه ويتعذر وجوده كتعذره؛ ولكن لا يمكن أكثر من هذا فإن تعذرا جميعًا لم يبق إلا التوثق بحبسه حتى تقع منه التوفية لما كان عليه من حق؛ أو تبين عسرته.
العاشرة - فإن كان الحق بدنيًا لا يقبل البدل كالحدود والقصاص ولم يتفق استيفاؤه معجلًا؛ لم يكن فيه إلا التوثق بسجنه؛ ولأجل هذه الحكمة شرع السجن روى أبو =стр. 3179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = داود والترمذي وغيرهما عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ حبس رجلًا في تهمة. وروى أبو داود عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول اللَّه ﷺ قال: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته". قال ابن المبارك يحل عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس له. قال الخطابي: الحبس على ضربين؛ حبس عقوبة، وحبس استظهار، فالعقوبة لا تكون إلا في واجب، وأما ما كان في تهمة فإنما يستظهر بذلك ليستكشف به ما وراءه؛ وقد روي أنه حبس رجلًا في تهمة ساعة من نهار ثم خلى عنه. وروى معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: كان شريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم فإن أعطاه حقه وإلا أمر به إلى السجن".
وقال ابن القيم في الطرق الحكمية: "فصل في التهم، القسم الثاني من الدعاوى، دعاوى التهم، وهي: دعوى الجناية والأفعال المحرمة كدعوى القتل، وقطع الطريق، والسرقة، والقذف، والعدوان.
فهذا ينقسم المدعى عليه فيه إلى ثلاثة أقسام، فإن المتهم إما أن يكون بريئًا ليس من أهل تلك التهمة، أو فاجرًا من أهلها، أو مجهول الحال لا يعرف الوالي والحاكم.
فإن كان بريئًا لم تجز عقوبته اتفاقًا، واختلفوا في عقوبة المتهم له على قولين أصحهما: أنه يعاقب صيانة لتسلط أهل الشر والعدوان على أعراض البرآء.
قال مالك وأشهب رحمهما اللَّه: لا أدب على المدعي إلا أن يقصد أذية المدعى عليه وعيبه وشتمه، فيؤدب.
وقال أصبغ: يؤدب، قصد أذيته أو لم يقصد، وهل يحلف في هذه الصورة؟ فإن كان المدعى حدًا للَّه لم يحلف عليه، وإن كان حقًا لآدمي ففيه قولان، مبنيان على سماع الدعوى، فإن سمع الدعوى حلف له، وإلا لم يحلف.
والصحيح: أنه لا تسمع الدعوى في هذه الصورة، ولا يحلف المتهم لئلا يتطرق الأراذل والأشرار إلى الاستهانة بأولي الفضل والأخطار، كما تقدم من أن المسلمين يرون ذلك قبيحًا.
٣٤ - (فصل) القسم الثاني: أن يكون المتهم مجهول الحال، لا يعرف ببر ولا فجور، فهذا يحبس حتى ينكشف حاله عند عامة علماء الإسلام، والمنصوص عليه عند أكثر الأئمة: أنه يحبسه القاضي والوالي، هكذا نص عليه مالك وأصحابه، وهو منصوص الإمام أحمد ومحققي أصحابه، وذكره أصحاب أبي حنيفة.
وقال الإمام أحمد: قد حبس النبي ﷺ في تهمة، قال أحمد: وذلك حتى يتبين للحاكم أمره، وقد روى أبو داود في سننه" وأحمد وغيرهما من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: "أن النبي حبس في تهمة" وفي "جامع الخلال" عن أبي هريرة ﵁: "أن النبي حبس في تهمة يومًا وليلة". =стр. 3180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = والأصول المتفق عليها بين الأئمة توافق ذلك، فإنهم متفقون على أن المدعي إذا طلب المدعى عليه، الذي يسوغ إحضاره: وجب على الحاكم إحضاره إلى مجلس الحكم، حتى يفصل بينهما، ويحضره من مسافة العدوى -التي هي عند بعضهم بريد- وهو ما لا يمكن الذهاب إليه والعود في يومه، كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد، وهو رواية عن أحمد، وعن بعضهم يحضره من مسافة القصر، وهي مسيرة يومين، كما هي الرواية الأخرى عن أحمد.
ثم إن الحاكم قد يكون مشغولًا عن تعجيل الفصل، وقد تكون عنده حكومات سابقة، فيكون المطلوب محبوسًا معوقًا من حين يطلب إلى أن يفصل بينه وبين خصمه، وهذا حبس بدون التهمة، ففي التهمة أولى، فإن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه سواء كان في بيت أو مسجد، أو كان بتوكيل نفص الخصم أو وكيله عليه، وملازمته له، ولهذا سماه النبي ﷺ "أسيرا" كما روى أبو داود وابن ماجه، عن الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده، قال: "أتيت النبي بغريم لي، فقال: "ألزمه"، ثم قال لي: "يا أخا بني تميم، ما تريد أن تفعل بأسيرك" وفي رواية ابن ماجه: "ثم مر بي آخر النهار، فقال: "ما فعل أسيرك يما أخا بضي تميم" وكان هذا هو الحبس على عهد النبي ﷺ وأبي بكر الصديق ﵁ ولم يكن له محبس معد لحبس الخصوم ولكن لما انتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب ابتاع بمكة دارًا وجعلها سجنًا يحبس فيها، ولهذا تنازع العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم: هل يتخذ الإمام حبسًا؟ على قولين: فمن قال: لا يتخذ حبسًا، قال: لم يكن لرسول اللَّه ﷺ ولا لخليفته بعده حبس، ولكن يعوقه بمكان من الأمكنة، أو يقام عليه حافظ -وهو الذي يسمى الترسيم أو يأمر غريمه بملازمته كما فعل النبي ﷺ .
ومن قال: له أن يتخذ حبسًا، قال: قد اشترى عمر بن الخطاب من صفوان بن أمية دارًا بأربعة آلاف، وجعلها حبسًا.
ولما كان حضور مجلس الحاكم من جنس الحبس تنازع العلماء: هل يحضر الخصم المطلوب بمجرد الدعوى أو لا يحضر حتى يبين المدعي أن للدعوى أصلًا، على قولين، هما روايتان عن أحمد، والأول: قول أبي حنيفة والشافعي، والثاني: قول مالك.
٣٥ - (فصل) ومنهم من قال: الحبس في التهم إنما هو لوالي الحرب، دون القاضي، وقد ذكر هذا طائفة من أصحاب الشافعي كأبي عبد اللَّه الزبيري، والماوردي وغيرهما وطائفة من أصحاب أحمد المصنفين في أدب القضاة وغيرهم، واختلفوا في مقدار الحبس في التهمة، هل هو مقدر؛ أو مرجعه إلى اجتهاد الوالي والحاكم -على =стр. 3181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = قولين: ذكرهما الماوردي وأبو يعلى وغيرهما- فقال الزبيري: هو مقدر بشهر، وقال الماوردي: غير مقدر.
٣٦ - (فصل) القسم الثالث: أن يكون المتهم معروفًا بالفجور، كالسرقة وقطع الطريق والقتل ونحو ذلك، فإذا جاز حبس المجهول فحبس هذا أولى.
قال شيخنا ابن تيمية ﵀: وما علمت أحدًا من أئمة المسلمين يقول: إن المدعى عليه في جميع هذه الدعاوى يحلف، ويرسل بلا حبس ولا غيره فليس هذا -على إطلاقه- مذهبا لأحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من الأئمة، ومن زعم أن هذا -على إطلاقه وعمومه- هو الشرع: فقد غلط غلطًا فاحشًا مخالفًا لنصوص رسول اللَّه ﷺ ولإجماع الأمة.
وبمثل هذا الغلط الفاحش تجرأ الولاة على مخالفة الشرع، وتوهموا أن الشرع لا يقوم بسياسة العالم ومصلحة الأمة، وتعدوا حدود اللَّه، وتولد من جهل الفريقين بحقيقة الشرع خروج عنه إلى أنواع من الظلم والبدع والسياسة، جعلها هؤلاء من الشرع، وجعلها هؤلاء قسيمة ومقابلة له، وزعموا أن الشرع ناقص لا يقوم بمصالح الناس، وجعل أولئك ما فهموه من العموميات والإطلاقات هو الشرع، وإن تضمن خلاف ما شهدت به الشواهد والعلامات الصحيحة.
والطائفتان مخطئتان في الشرع أقبح خطأ وأفحشه، وإنما أتوا من تقصيرهم في معرفة الشرع الذي أنزل اللَّه على رسوله، وشرعه بين عباده، كما تقدم بيانه، فإنه أنزل الكتاب بالحق ليقوم الناس بالقسط، ولم يسوغ تكذيب صادق ولا إبطال أمارة وعلامة شاهدة بالحق، بل أمر بالتثبت في خبر الفاسق، ولم يأمر برده مطلقًا، حتى تقوم أمارة على صدقه فيقبل، أو كذبه فيرد، فحكمه دائر مع الحق، والحق دائر مع حكمه أين كان، ومع من كان، وبأي دليل صحيح كان، فتوسع كثير من هؤلاء في أمور ظنوها علامات وأمارات أثبتوا بها أحكامًا، وقصر كثير من أولئك عن أدلة وعلامات ظاهرة ظنوها غير صالحة لإثبات الأحكام.
٣٧ - (فصل) ويسوغ ضرب هذا النوع من المتهمين، كما أمر النبي ﷺ الزبير بتعذيب المتهم الذي غيب ماله حتى أقر به، في قصة ابن أبي الحقيق.
قال شيخنا: واختلفوا فيه: هل الذي يضربه الوالي دون القاضي، أو كلاهما أو لا يسوغ ضربه؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يضربه الوالي والقاضي.
وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهم، منهم أشهب بن عبد العزيز قاضي مصر، فإنه قال: يمتحن بالحبس والضرب، ويضرب بالسوط مجردًا.
والقول الثاني: أنه يضربه الوالي دون القاضي.
وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وأحمد، حكاه القاضيان. =стр. 3182
تنبيه:
القول بالقصاص إنما هو مع القسامة.
تنكيت:
قول البساطي: (إنما قيد المرض بكونه بعد البرء؛ لأنه لولا هذا القيد
الحواشي
(١) = ووجه هذا: أن الضرب المشروع هو ضرب الحدود والتعزيرات، وذلك إنما يكون بعد ثبوت أسبابها وتحققها.
والقول الثالث: أنه يحبس ولا يضرب، وهذا قول أصبغ وكثير من الطوائف الثلاثة، بل قول أكثرهم، لكن حبس المتهم عندهم أبلغ من حبس المجهول.
ثم قالت طائفة، منهم عمر بن عبد العزيز، ومطرف، وابن الماجشون: إنه يحبس حتى يموت.
ونص عليه الإمام أحمد في المبتدع الذي لم ينته عن بدعته: أنه يحبس حتى يموت، وقال مالك: لا يحبس إلى الموت.
٣٨ - (فصل) والذين جعلوا عقوبته للوالي، دون القاضي، قالوا: ولاية أمير الحرب معتمدها المنع من الفساد في الأرض، وقمع أهل الشر والعدوان.
وذلك لا يتم إلا بالعقوبة للمتهمين المعروفين بالإجرام، بخلاف ولاية الحكم، فإن مقصودها إيصال الحقوق إلى أربابها وإثباتها.
قال شيخنا: وهذا القول هو في الحقيقة قول بجواز ذلك في الشريعة، لكن كل ولي أمر يفعل ما فوض إليه، فكما أن والي الصدقات يملك من أمر القبض والصرف ما لا يملكه والي الخراج وعكسه، كذلك والي الحرب ووالي الحكم يفعل كل منهما ما اقتضته ولايته الشرعية، مع رعاية العدل والتقيد بالشريعة.
٣٩ - (فصل) وأما عقوبة من عرف أن الحق عنده، وقد جحده، فمتفق عليها بين العلماء، لا نزاع بينهم أن من وجب عليه حق من عين أو دين -وهو قادر على أدائه- وامتنع منه، أنه يعاقب حتى يؤديه، ونصوا على عقوبته بالضرب، ذكر ذلك الفقهاء من الطوائف الأربعة.
وقال أصحاب أحمد: إذا أسلم وتحته أختان، أو أكثر من أربع، أمر أن يختار إحدى الأختين، أو أربعًا، فإن أبي؛ حبس، وضرب حتى يختار، قالوا: وهكذا كل من وجب عليه حق هو قادر على أدائه فامتنع منه؛ فإنه يضرب حتى يؤديه.
وفي "السنن" عنه ﷺ أنه قال: "مطل الواجد يحل عرضه وعقوبته"، والعقوبة لا تختص بالحبس، بل هي في الضرب أظهر منها في الحبس، وثبت عنه ﷺ أنه قال: "مطل الغني ظلم" والظالم يستحق العقوبة شرعًا".стр. 3183
لكان شريكًا في الجرح، لا شريك المرض) سبق قلم، صوابه: بعد الجرح كما في المتن، فتأمله.
وإن تصادما بأن صدم كل واحد من المكلفين الآخر قصدًا، أو تجاذبًا حبلًا مثلًا مطلقًا، فارسين كانا أو ماشيين أو مختلفين، بصيرين أو ضريرين أو مختلفين، قصدًا: تعمدًا، فماتا معًا في المسألتين، فلا قود؛ لفوات محله؛ لأن من وجب له القصاص بطل بموت المقتص منه، أو مات أحدهما فقط فالقود، أي: أحكامه، فهو على حذف مضاف.
ويستفاد منه عدمه مع موتهما، كما تقدم، ويستفاد منه القصاص من الحي، وإن قصد أحدهما فقط حكم فيه بالقود وحده.
وفهم من التقييد بالقصد أنه لو كان المراد بتجاذبهما للحبل إصلاحه وغير ذلك مما فيه مصلحة لم يدل على العدوان.
وإن جهل أمر تصادمهما، أو ادعيا الإلجاء وعدم القدرة على الصرف حملا عليه، أي: على القصد حتى يعلم غيره، عكس تصادم السفينتين إذا تلفتا أو إحداهما، وجهل أمر أصحابهما في القصد وعدمه، حملوا على عدم القصد؛ فلا ضمان، بخلاف الفارسين إذا جهل أمرهما فالضمان.
تنبيه:
قد ظهر لك أن المسألتين فيما عدا ما ذكر من جهل الأمر متساو في الضمان.
إلا في حال اصطدامها لعجز حقيقي، لا يستطيع أصحابهما صرفهما عنه لغلبة الريح ونحوه، فلا ضمان حينئذ على أربابهما، نحوه لابن الحاجب، وتبعه هنا مع أنه ناقشه في توضيحه (١) ، فانظره في الكبير. الحواشي
(١) قال في منح الجليل (٩/ ٣٢): "تت إلا لعجز حقيقي نحوه لابن الحاجب وتبعه هنا مع أنه ناقشه في توضيحه فقال في قول ابن الحاجب فلو اصطدم سفينتان فلا ضمان بشرط العجز عن الصرف والمعتبر العجز حقيقة يناقش المصنف في قوله بشرط العجز لأنه يقتضي أنه لا بد من تحققه ولا يشترط تحقق العجز فالأولى أن يقال فلا ضمان =стр. 3184
لا إن قدروا على الصرف فلم يصرفوها لكخوف غرق أو نهب أو أسر أو حرق إن صرفوهما ولم يفعلوا حتى تلفتا أو إحداهما أو ما فيهما من آدمي وغيره فالضمان؛ لقدرتهم على الصرف؛ إذ ليس لهم أن يسلموا أنفسهم بهلاك غيرهم.
أو كان اصطدامهما بسبب ظلمة، فلم يشعرا حتى اصطدمتا، فإن ذلك لا يسقط الضمان، وهو مشكل إذا كان سببه الظلمة كمصطدمين البر، وفي تقرير هذه كلام، ذكرناه في الكبير.
تنبيه:
فرق بين اصطدام السفينتين والفارسين بأن جريهما بالريح وليس من عملهم بخلاف الفارسين.
وإلا يكن اصطدام المصطدمين من سفينتين أو غيرهما أو تجاذب المتجاذبين مقصودًا بل خطأ وحصل منه الموت فدية كل من الآدميين على عاقلة الآخر؛ لأنه جناية خطأ، وفرسه قيمتها في مال المصادم الآخر، ولا خصوصية لفرسه، بل ما تلف من سبب التصادم حكمه كالفرس، ولو تصادم حر وعبد فماتا لكانت دية الحر في رقبة العبد، ولا شيء على السيد، كما أنه لا شيء على العاقلة من الفرسين، كثمن العبد، أي: قيمته في مال الحر.
تنبيه:
تبع لفظ المدونة في التعبير عن القيمة بالثمن.
الحواشي
(١) = إلا أن يعلم أن النواتين قادرتين على صرفها اهـ.
طفى: وأنت إذا تأملت علمت أن المناقشة لا ترد على المصنف إذ حاصلها أنه لا يشترط تحققه بل كذلك إذا جهل الأمر وهذا أخذ من قوله عكس السفينتين فالمصنف لم يتبع ابن الحاجب وغايته أنه زاد هذا وإن كان يفهم سقوط الضمان فيه بالأولى من قوله عكس السفينتين لإخراج الظلمة وخوف الغرق وأنه لا يعتبر في العجز مطلق العذر بل العجز الحقيقي وهو الذي لا قدرة معه أصلا واللَّه أعلم".стр. 3185
تنكيت:
ما ذكره المؤلف في المتصادمين والسفينتين هو مقتضى كلام ابن الحاجب.
قال بعض المحققين (١) : وليس في المدونة ولا غيرها من الروايات الحواشي
(١) قال في المنح (٩/ ٣٣ - ٣٤): "تت تنكيت ما ذكره المصنف في المتصادمين والسفينتين هو كلام ابن الحاجب، وقال بعض المحققين ليس في المدونة ولا غيرها من الروايات ما يقتضي القصاص في ذلك، وساق كلام دياتها في ذلك فانظره.
طفى: بعض المحققين هو العلامة ابن مرزوق فإنه قال في شرحه لم أره لغير ابن الحاجب وابن شاس، وأطال في ذلك، واعتراضه لا يرد عليهما، إذ لم يذكرا في تصادم السفينتين قصاصا، وإنما عبرا بالضمان، ونص الأول وأما لو اصطدمت سفينتان فلا ضمان على أصحابهما إلا أن يتعمدوا ذلك ولو كان الملاحون قادرين على صرفهما فلم يصرفوهما ضمنوا وسواء كان ذلك لعذر أو لغير عذر من خوفهم على أنفسهم من الغرق أو غيره أو من أجل الظلمة وهم لو رأوهم قدروا على صرفها وغير ذلك، ونص الثاني تقدم وتبعهما المصنف فلم ينص على القصاص فيحمل كلامه على الضمان ككلامهما وهو الموافق لقول دياتها لو كان ذلك من ريح غلبتهم أو من شيء لا يستطيعون حبسها معه فلا شيء عليهم، وإن كانوا قادرين على صرفها فلم يفعلوا ضمنوا.
ابن يونس يريد في أموالهم، وأما التصادم فنص ابن شاس وابن الحاجب على القصاص فيه وتبعهما المصنف وأقره ابن عرفة وغيره ونصوص أهل المذهب تدل عليه ولا سيما أن العمد الموجب للقصاص على مذهب الكتاب وهو المعتمد ما كان على وجه العدوان ولو كان مثله لا يقتل كلطمة فالتصادم أحرى، ففيها من تعمد ضرب رجل بلطمة أو لكزة أو حجر أو بندقة أو قضيب أو عصًا أو غير ذلك ففيه القود، وفيها أيضًا في المتصارعين إن كان على وجه القتال فصرعه فمات أو أخذ برجله فسقط فمات ففيه القود، وأما قول دياتها ومثله في رواحلها إذا اصطدم الفارسان فمات الفرسان والراكبان فدية كل واحد على عاقلة الآخر، وقيمة فرس كل واحد في مال الآخر فهو في الخطأ بدليل ذكر العاقلة، وعلى ذلك حملها ابن عرفة، ونصه فلو اصطدم فارسان حران خطأ فماتا هما وفرساهما ففي لزوم دية كل منهما عاقلة الآخر، وقيمة فرس كل منهما في مال الآخر أو نصفيهما فقط قولان لها ولعيون مسائل ابن القصار عن أشهب مع تخريجه اللخمي على قول أشهب في حافري بئر انهارت عليهما على عاقلة كل منهما نصف دية الآخر، وإن مات أحدهما فقط فعلى عاقلة الباقي نصف ديته اهـ، فلا حجة فيه لابن مرزوق، فقد ظهر سقوط اعتراضه لمن تأمل وأنصف، واللَّه تعالى أعلم".стр. 3186
وكلام المتقدمين ما يقتضي القصاص في ذلك، وساق كلام دياتها في ذلك، فانظره.
وإن تعدد المباشر للقتل، ظاهره: في زمن واحد، أو واحد بعد آخر؛ ففي قتل الممالأة يقتل الجميع بقتل واحد: كبير أو صغير، ذكر أو أنثى، ولم يحصل من أحدهم ضرب أصلًا.
تنبيه:
أطلق هنا وقيد في توضيحه بأن يموت مكانه، وأما لو عاش وأكل وشرب فلا يقسم في العمد، إلا على واحد، ولا قصاص في الجراح إذا تميزت الضربات، وكل ضارب كل واحدة فلا قصاص في تلك الجراحات، أو جرح جراحات ثم قتل لم يقتص منه في تلك الجراحات والقتل؛ لأنه لما وجب القتل على جميعهم صاروا كرجل واحد، والواحد لو جرح جراحات ثم قتل لم يقتص منه في تلك الجراحات؛ لأن القتل يأتي على جميعها، إلا أن يقصد الجارح المثلة، فيجرح أولًا، ثم يقتل.
وإلا بأن لم يتمالؤوا على قتله، يحتمل بأن قصد كل واحد القتل بانفراده، ولم يتفق مع غيره، ويحتمل أن كل واحد منهم قصد الضرب لا القتل، وجرحه كل، ومات، ولم يدر من أيها مات، والاحتمال الأول لبعض من شرحه، والثاني لشارحه تبعًا للتوضيح، قدم الأقوى فعلًا على غيره، ويتعين للقتل وحده، ويقتص من جرح غيره، إن عرفت الضربات، والقصاص في الجرح.
تنبيه:
في قوله: "إن تعدد المباشر. . إلى آخره" نوع تكرار مع قوله فيما سبق: "ويقتل الجمع بواحد والمتمالئون".
ولا يسقط القتل عند المساواة بزوالها بعده بعتق حصل لعبد بعد قتله لعبد مثله، أو إسلام من كافر وجد بعد قتله لمثله؛ إذ العبرة بالتكافؤ حال القتل.
стр. 3187
وضمن الجاني دية الحرية وقيمة العبد وقت الإصابة والموت عند ابن القاسم؛ لأنه يعتبر ذلك إلى حصول المسبب، كمن رمى صيدًا ثم أحرم ثم أصابه السهم فعليه جزاؤه.
[الجناية على ما دون النفس: ]
ولما أنهى الكلام على الجناية على النفس، شرع على الكلام فيما دونها، وهو إبانة طرف، وكسر وجرح ومنفعة، وعبر عنه المؤلف هنا بالجرح، ولعله لكونه هو الغالب، وأركانه ثلاثة كالنفس، إلا ما استثنى.
وأشار لذلك بقوله: والجرح كالنفس في الفعل، وهو: الجرح، والفاعل، وهو: الجارح، والمفعول، وهو: المجروح، والمستثنى هو قوله: إلا ناقصًا كعبد أو كافر جرح كاملًا، بأن جنى على عضو لحر مسلم، فقطع يده مثلًا، فلا يقتص من العبد ولا من الكافر على المشهور عن مالك، وبه أفتى الفقهاء السبعة (١) ، وعليه على أهل المدينة. الحواشي
(١) الفقهاء السبعة المراد بهم:
١ - سعيد بن المسيب، وهو: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، أبو محمد، (١٣ - ٩٤ هـ = ٦٣٤ - ٧١٣ م): سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة. جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع، وكان يعيش من التجارة بالزيت، لا يأخذ عطاء. وكان أحفظ الناس لأحكام عمر ابن الخطاب وأقضيته، حتى سمي راوية عمر. توفي بالمدينة. ينظر: الأعلام (٣/ ١٠٢).
٢ - والقاسم بن محمد، وهو: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أبو محمد، ٣٧١ - ١٠٧ هـ = ٦٥٧ - ٧٢٥ م): أحد الفقهاء السبعة في المدينة. ولد فيها، وتوفي بقديد (بين مكة والمدينة) حاجًا أو معتمرًا. وكان صالحًا ثقة من سادات التابعين، عمي في أواخر أيامه.
قال ابن عيينة: كان القاسم أفضل أهل زمانه. ينظر: الأعلام (٥/ ١٨١).
٣ - وعروة بن الزبير، وهو: عروة بن الزبير بن العوام الاسدي القرشي أبو عبد اللَّه، (٢٢ - ٩٣ هـ = ٦٤٣ - ٧١٢ م): أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. كان عالمًا بالدين، صالحًا كريمًا، لم يدخل في شيء من الفتن. وانتقل إلى البصرة، ثم إلى مصر فتزوج وأقام بها سبع سنين. وعاد إلى المدينة فتوفي فيها. وهو أخو عبد اللَّه بن البير لأبيه وأمه. و"بئر عروة "بالمدينة" منسوبة إليه. ينظر: الأعلام (٤/ ٢٢٦). =стр. 3188
وقال ابن عبد الحكم: المسلم مخير في القصاص أو الدية.
الحواشي
(١) = ٤ - وخارجة بن زيد بن ثابت، وقد مضت ترجمته.
٥ - وسليمان بن يسار، وهو: (٣٤ - ١٠٧ هـ = ٦٥٤ - ٧٢٥ م)
سليمان بن يسار، أبو أيوب، مولى ميمونة أم المؤمنين: أحد الفقهاء السبعة بالمدينة (انظر ترجمة أبي بكر بن عبد الرحمن) كان سعيد بن المسيب إذا أتاه مستفت يقول له: اذهب إلى سليمان فإنه أعلم من بقي اليوم. ولد في خلافة عثمان. وكان أبوه فارسيًا. قال ابن سعد في وصفه: ثقة عالم فقيه كثير الحديث. ينظر: الأعلام (٣/ ١٣٨).
٦ - وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، وهو: عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد اللَّه، (٠٠٠ - ٩٨ هـ = ٠٠٠ - ٧١٦ م): مفتي المدينة، وأحد الفقهاء السبعة فيها. من أعلام التابعين.
له شعر جيد، أورد أبو تمام قطعة منه في "الحماسة"، وأبو الفرج كثيرًا منه في "الأغاني"، وهو مؤدب عمر بن عبد العزيز.
قال ابن سعد: كان ثقة عالمًا فقيها كثير الحديث والعلم بالشعر، وقد ذهب بصره.
مات بالمدينة. ينظر: الأعلام (٤/ ١٩٥).
٧ - السابع فيه اختلاف، على ثلاثة أقوال، هي:
أ- هو: سالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، وهو: سالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، القرشي العدوي، (٠٠٠ - ١٠٦ هـ = ٠٠٠ - ٧٢٥ م): أحد فقهاء المدينة السبعة، ومن سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم. دخل على سليمان بن عبد الملك فما زال سليمان يرحب به ويرفعه حتى أقعده معه على سريره. توفي في المدينة. ينظر: الأعلام (٣/ ٧١).
ب- هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام المخزومي القرشي، (٠٠٠ - ٩٤ هـ = ٠٠٠ - ٧١٣ م): أحد الفقهاء السبعة بالمدينة (والبقية: سعيد بن المسيب، وعروة، والقاسم، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وخارجة بن زيد، وسليمان ابن يسار) كان من سادات التابعين ويلقب براهب قريش. توفي في المدينة. وكان مكفوفًا. ولد في خلافة عمر. ينظر: الأعلام (٢/ ٦٥).
ج- هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو: قال السيوطي في طبقات الحفاظ: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني.
قيل: اسمه كنيته.
وقيل: عبد اللَّه.
فقيه كثير الحديث، إمام من العلماء، مات سنة أربع وتسعين عن اثنتين وسبعين سنة.стр. 3189
وقيل: بالقصاص.
وصحح.
وإن تميزت جنايات من اثنين فأكثر على شخص واحد بلا تمالؤ منهم كقطع أحدهم بعد اليد ويبينها الآخر، فلا قصاص على واحد منهما في جميع اليد، ولذا قال فمن كل كفعله.
ومفهوم: (تميزت) لو لم تتميز مع التمالؤ أمكن أن يقال: هم بجملتهم فاعلون؛ لاستواء نسبة الفعل إليهم، ففي ديات المدونة: إن قطع جماعة يد رجل عمدًا فله قطع أيديهم كلهم كالقتل، والعين كذلك.
[ما يقتص وما لا يقتص من الجراح: ]
ثم شرع في ذكر ما يقتص منه من الجراح، وما لا يقتص منه، وهو ما قبل الهاشمة.
[أولًا - ما يقتص منه: ]
وبدأ بالأول، فقال:
[١] واقتص من موضحة: بكسر الضاد، وذكر مع بيان حكمها موضعها اصطلاحًا، بقوله: وهي ما أوضحت -أي: أظهرت- عظم الرأس، وحد ذلك منتهى الجمجمة لا ما تحتها؛ لأنه من العنق وعظم الجبهة وعظم الخدين، وإن كان ما أظهر به من كل واحد منها كإبرة -أي: مغرزها- في موضع من الثلاثة المذكورة.
قال الشارح: الواو من الجبهة للتقسيم؛ إذ ليس المراد أنها لا تكون موضحة إلا بعد حصولها في المواضع الثلاثة، بل المراد أن كل موضع منها إذا حصلت فيه ضربة أوضحت شيئًا من عظمه سميت موضحة؛ ولذا عطف ابن شاس الجبهة بـ (أو)، وليس الأنف واللحي الأسفل من الرأس في جراحها؛ لأنهما عظمان منفردان، وليست المبالغة مختصة بالموضحة، بل كل مسمى ثبت فيه اسمه بهذا القدر، كان مما يقتص منه أو لا.
стр. 3190
[٢] وسابقها -أي: سابق الموضحة- وهو ما يوجد قبلها، وهو ستة: ثلاثة متعلقة بالجلد، وثلاثة متعلقة باللحم، وبينها بقوله: [أ] من دامية، وتسمى أيضًا دامعة، بعين مهملة، وهي التي يسيل منها الدم كالدمع.
[ب] وحارصة: بحاء مهملة فألف وتحذف فصاد مهملة، وهي: التي شقت الجلد، أي: فرقت أجزاء، سواء وصلت نهايته أو لا، وجعلها في الشبهات مرادفة للدامية على قول.
[ج] وسمحاق كشطته، أي: أزالته عن محله، ويقال لتلك الجلدة: السمحاق، وهي: الحارصة.
وأشار للثلاثة المتعلقة باللحم بقوله:
[أ] وباضعة شقت اللحم، أي: بضعته.
[ب] ومتلاحمة غاصت فيه بتعدد، فأخذت يمينًا وشمالًا، ولم تقرب من العظم.
[ج] وملطأة بهاء في آخرها، وبإسقاطها، بكسر الميم وبالمد والقصر، قربت للعظم، وبقي بينها وبينه ستر رقيق كضربة السوط، فيها القصاص.
وقيل: كاللطمة.
وقول الشارح: (يعسر الفرق بينهما) أجاب البساطي بأنه قد يقال: السوط جارح، يحصل من الضرب به الجراح، بخلاف اللطم.
وقال بعضهم: المشهور أن ضرب العصا لا قود فيه.
[٣] ويقتص من جراح الجسد، وهي ما عدا جراح الرأس المعدودة أولًا، وسواء كانت من المذكورات الموضحة وما قبلها، أو من غيرها كهاشمة ونحوها، وإن كانت جراح الجسد منقلة، ويأتي تفسيرها، وحيث اقتص في هذه الأمور فيعتبر عند ابن القاسم بالمساحة، فتقاس طولًا وعرضًا وعمقًا، فقد تكون الجراحة نصف عضو المجني عليه، وهي جل عضو الجاني أو كله.
следующие страницы →