← Фикх малики

Фикх малики · id 150676

جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر

التتائي

Полный текст (3 498 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الفضل جمعهما، ثم حجر في غير المني والمذي، كما يأتي، فهي ثلاث رتب، ونبه بقوله: (ثم ماء) على مخالفة بعض أهل العلم من قوله يكره بالماء؛ لأنه مطعوم، وعلى قول ابن حبيب: لا يجزئ الحجر مع القدرة على الماء. وظاهره: دخول ماء زمزم، وهو كذلك، خلافًا لابن شعبان. [ما يتعين فيه الماء: ] [١] وتعين الماء في إزالة نجاسة مني ودم حيض ونفاس لمن فرضه التيمم من هؤلاء، إذا كان معه ما يزيل به هذه النجاسة فقط، ولا بد من غسلها، ونص علبه لئلا يتوهم أنه كما رخص في الاكتفاء في طهارته بالأحجار من البول والغائط يرخص بها في هذه مع التيمم، فدفع هذا الوهم؛ إذ لا تزال هذه بالأحجار. وأما من فرضه الغسل بالماء وهو معه فغسل جميع بدنه واجب، ومن جملته ذلك، وقولنا: (لمن فرضه التيمم) جواب لقول القائل: إن أريد بمني الصحة فغير محتاج لماء. قيل: لأنه موجب لغسل جميع البدن، أو مني صاحب السلس، فلا يكون كالبول عند من يراه موجبًا، ولما شارك المني الحيض والنفاس في العلة شاركه في الحكم أيضًا. [٢] وتعين الماء أيضًا في بول امرأة عياض: لتعذر الاستجمار فى حقها مع عدم انتشار البول عن المحل. فقول البساطي: (وأما بول المرأة فلأجل انتشاره وخروجه عن محل الرخصة) غير بين؛ إذ لو أراد المؤلف أن ذلك لانتشاره لما احتاج للتنصيص عليه لدخولها في التي بعدها. وظاهر كلام المصنف: أنه لا فرق بين البكر والثيب، وهو كذلك، قال في الطراز: لأن مخرج البول البكارة، وإنما يختلفان في الغسل والحيض، فتغسل الثيب كلما ظهر من فرجها حال جلوسها، والبكر ما دون العذرة.

стр. 317

[٣] وتعين الماء في منتشر عن مخرج كثيرًا؛ لخروجه عن محل الرخصة، والمحل الذي انتشرت فيه كسائر البدن، لا تزال عنه النجاسة إلا بالماء. ومفهومه: عدم تعيينه في اليسير، وهو كما قال عبد الوهاب: ما حول المخرج، وما قارب مما لا بد منه، ويعلم في العادة أنه لا ينفك عن إصابته، حكمه حكم المخرج بنفسه، إذ لا يمكن الاحتراز عنه. [٤] وتعين الماء أيضًا في مذي بالمعجمة، وهو: ماء أبيض رقيق يخرج مع اللذة بالإنعاظ عند الملاعبة أو التذكار. وفي الذخيرة: الماء الأصفر الخارج مع اللذة القليلة. بغسلٍ، أي: مع غسل ذكره كله عند المغاربة، وعليه الأكثر، وعند العراقيين: محل الأذى خاصة؛ قياسًا على البول، وإذا قلنا بغسل ذكره كله ففي وجوب النية لغسله، وهو قول الأبياني، واستظُهر، وعدم وجوبها، وهو قول ابن أبي زيد قولان. وفي بطلان صلاة تاركها لترك واجب عند الأبياني، وعدم بطلانها مراعاة لعدم وجوبها، وهو ليحيى بن عمر قولان. أو بطلان صلاة تارك غسله كله للأبياني، وصحتها ليحيى بن عمر قولان في كل فرع من الثلاثة، وحذفه من الأولين لدلالة الثالث. [ما لا يستنجى منه: ] ولا يستنجى من ريح؛ لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة عين النجاسة؛ لخبر: "ليس منّا من استنجى من الريح" (١)، أي: على سنتنا. ولا يعلم من هذا عين الحكم: هل الكراهة أو التحريم.

стр. 318

[ما يستنجى به وما لا يستنجى به: ] ثم شرع في بيان ما يستنجى به وما لا يستنجى به، فقال: وجاز بيابس من نوع الأرض، كـ: حجر ونحوه، أو من غير نوعها، كـ: خرق وحشيش ونحوهما، طاهر منق غير مؤذ ولا محترم. ولما كان لا يعتبر هذا المفهوم لزومًا ذكر ضد هذه الجائزات على الترتيب؛ لينبه على أنها غير جائزة، عاطفًا لها بلا المثبتة لما بعدها ضد حكم ما قبلها بقوله: أ- لا مبتل، كـ: طين مثلًا، بل ولا بمائع لا يزيل النجاسة كماء الورود، وإن كان أكثر إنقاء من الحجر. ب- ولا نجس رطب أو يابس، كـ: روث وعظم لا يباشر المحل، فلو كان في طرف ما يستنجى به نجاسة جاز بالطرف الآخر الطاهر. ج- ولا بشيء أملس كزجاج؛ لأنه غير منق. د- ولا محدد، كـ: مكسور زجاج وقصب. هـ - ولا محترم، أي: ذي حرمة وشرف، ومثل للأول بقوله: من مطعوم، وإن كان من الأدوية والعقاقير، ومكتوب ورق أو غيره؛ لحرمة الطعام في الأول، والحروف في الثاني. ومثل للثاني بقوله: وذهب وفضة، وفي الجواهر: وغيرهما من الجواهر النفيسة. و- ولا جدار ظاهره لمسجد أو غيره، ولو جدار نفسه، وفي ابن الحاجب: جدار مسجد. ابن فرحون: لأن له مزية على غيره، وإن كان ذلك لا ينبغي في حيطان غير المسجد.

стр. 319

ز- ولا روث: واحده روثة بالمثلثة، وعظم؛ لأنهما مما له حرمة، والأول علف دواب الجن، والثاني طعامهم، وقد نُهي عنهما (١). وليس في كلام المصنف بيان عين الحكم في شيء من المفاهيم لصدق نفي الجواز بالحرمة والكراهة، وفي الجلاب الكراهة بالروث والعظم، وإن استجمر بشيء مما تقدم أنه لا يجوز. فإن أنقت محل النجاسة أجزأت؛ لحصول الإزالة بها، ولا إعادة عليه بوقت ولا غيره على أحد القولين، وظاهر قوله: (أجزأت) عدم جواز الإقدام عليه، كاليد تجزئ إن أنقت على الأصح، وأشار بذلك إلى أنه لا يشترط فيما يستنجى به أن يكون منفصلًا عن الحيوان، بل يجوز بالمتصل به كزبل دابة وصوفها ونحوهما، خلافًا للشافعي. وكذا يجزئ مِن الأحجار دون الثلاث، خلافًا لابن شعبان وأبي الفرج في تعيين الثلاث، فلا يجزئ عنده ما دونها وإن أنقت. خاتمة: وعلى المشهور من أن المعتبر الإنقاء لا العدد فهل يطلب الوتر في كل مخرج، قال ابن هارون: لم أر لأصحابنا فيه نصًّا، والّذي سمعته في المذاكرات طلب الوتر للسبع على ما قيل، وإن كان خلاف المشهور لأحاديث صحيحة. [صفة إنقاء الدبر: ] وصفته في الدّبر أن يمسح الصفحة اليمين بحجر، واليسرى بالثاني، والثالث للوسط. وقيل: بمسح الجميع بكل واحد منها.

стр. 320

[صفة إنقاء القبل: ] وفي القبل لا بد من تعميم المحل بالثلاثة، ذكره ابن فرحون، ويجعل الحجر في اليمين، ويمسح ذكره بيده اليسرى حتى يجف. وقيل: يجعل الحجر بين رجليه، ويضع ذكره عليه وقتًا بعد وقت حتى يجف. فائدة: قال في الطراز: إذا انفتح مخرج للحدث وصار معتادًا استجمر فيه، ولا يلحق بالجسد. * * * فصل ذكر فيه نواقض الوضوء من حدث وسبب فقال: نقض الوضوء، أي: بطل حكمه مما كان يباح له من صلاة وغيرها (١). تنبيه: (نقض) رويناه عمن أخذنا عنه العلم بالبناء للمفعول، و (الوضوء): نائب الفاعل، ورأيت بخط ابن الفرات أحد تلامذة المؤلف ضبطه بالقلم مصدرًا مضافًا للفاعل، وهو حسن، بحدث: الباء سببية، أي: بسببه، وهو ما ينقضه بنفسه.

стр. 321

تنبيه: قيل: التعبير بالانتهاء أولى من التعبير بالبطلان (١)، لأن التعبير به مجاز، كما يقال: (انتهى الصوم) إذا غربت الشمس، لا بطل. [معنى الحدث: ] ثم فسر الحدث هنا بقوله: وهو الخارج، فيشمل البول والغائط والمذي والودي والريح والدود والدّم، ما لم يكن حيضًا أو نفاسًا، وخرج بـ (الخارج): القرقرة والحقن الشديدة، خلافًا لابن زرب (٢) في نقضه بالقرقرة الشديدة، ولم يذكروا المني وإن كان ناقضًا في بعض صوره؛ لندوره، وأما الهادي وهو ماء أبيض يخرج من الحامل فسنذكره في الحيض أنه موجب للوضوء. [صفة الخارج الناقض: ] ثم وصف الخارج بقوله: المعتاد من السبيلين، أي: من القبل والدبر وما في حكمهما، كما يأتي. وخرج بهذا القيد الحصى والدود والدم والريح من قبل الرجل وفرج المرأة، فإنه غير ناقض، خلافًا للشافعية، وخرج به ما يخرج من جائفة أو حلق فلا ينقض.

стр. 322

وقوله: في الصحة، أي: لا في غيرها، كما يأتي، لا حصى ودود، ذكرهما مع أنهما خرجا بقيد المعتاد لينبه على حكم خروجهما مبتلين، والخلاف بقوله: ولو ببلة على المشهور. [من النواقض السلس: ] ونقض أيضًا بسلس: بفتح اللام، فارق أكثر من ملازمته؛ لعدم المشقة، وذكره ليعم البول وغيره، كما سنذكره عن توضيحه: كسلس مذي لطول غربة يحصل عنها مثلًا، فيخرج من غير تفكر ولا تذكر، أو من تذكر، كأن يخرج للذة ولكن يستنكحه ذلك، مهما رأى أو سمع أو تذكر، قدر على رفعه بمداواة أو تزوج أو تسر؛ فإنه ناقض، ونحوه في الجلاب. وقوله: (قدر على رفعه) يحتمل عوده لسلس المذي خاصة، أو له ولما قبله، انظر الكبير. ومفهوم: (قدر على رفعه): أن ما لا يقدر على رفعه كالمعتاد الذي لا يقبل التداوي لا ينقض، وهو كذلك على أحد القولين (١).

стр. 323

وندب الوضوء منه إن لازم أكثر من مفارقته؛ ليأخذ بالأفضل، وتؤدى العبادة على وجه متفق على صحته. تنبيه: سكت عن حكم غسل الذكر منه، وفي الذخيرة عن الطراز: إذا استحب له الوضوء استحب له غسل فرجه؛ قياسًا عليه، وكذا المستحاضة. سحنون: لا يستحب؛ لأن النجاسة أخف من الحدث. لا إن شق عليه الوضوء في هذه الحالة لبرد ونحوه، فلا يندب، وعزاه في توضيحه للتهذيب، انظر تعقب البساطي له في الكبير. تنبيه: تلخص من كلام المصنف مفهومًا ومنطوقًا: أن للسلس أربعة أحوال: الأول: أن يفارق أكثر، فيجب، وفهم منه أنه لو ساوى لم يجب، وهو كذلك على المشهور، وهو الحال الثاني، واستُظْهِر وجوبه. الثالث: أن يلازم أكثر فيستحب، وفهم منه أنه لو لازم دائمًا لم يستحب، وهو كذلك، وهو الحال الرابع.

стр. 324

قال في التوضيح: وهذا التقسيم لا يخص حدثًا دون حدث. [وقت اعتبار الملازمة: ] وفي اعتبار الملازمة بدوامها وكثرتها ومساواتها وقلتها في وقت الصّلاة خاصة، قاله ابن هارون. المصنف: وهو الذي كان يميل إليه شيخنا. أو يعتبر مطلقًا: لا بالنظر لوقت الصّلاة فقط، واختاره ابن عَبْد السَّلامِ، تردد للمتأخرين (١).

стр. 325

[اعتبار المخرج المعتاد: ] من مخرجيه: متعلق بالخارج، تخصيصًا للناقض منه بكونه من القبل أو الدبر، أو ما ينزل منزلتهما من ثقبة تحت المعدة إن انسدا، أي: المخرجان، وإلا بأن لم ينسدا، أو خرج الناقض من الثقبة، فقولان بالنقض وعدمه، حكاهما في توضيحه عن ابن بزيزة. قال: وكذا إن كان فوق المعدة. وتخصيصه النقض بما ذكر مشعر بأن من اعتاد القيء بصفة المعتاد لا ينقض، وهو أحد القولين. والثقبة: بضم المثلثة، الحزق النافذ، جمعها: ثقب بسكون القاف وفتحها. والمعدة ككلمة وبالكسر: موضع الطعام قبل انحداره للأمعاء، وهو لنا بمنزلة الكرش لذي الأظلاف والأخفاف، جمعها: معد، كـ (كتف) و (عنب) قاله في القاموس. [ما يؤدي للحدث: ] ولما ذكر الحدث أتبعه بذكر سببه، وهو: مظنته، قال في الذخيرة: المظنة: هي التي يوجد عندها النظر من باب مقتل ومضرب، الذي هو محل القتل والضرب؛ فَجَعْلُهُ مكان الظن مجاز، فقال: ونقض بسببه الضمير للحدث، أي: أنه مؤد للحدث؛ لكونه سببًا في خروجه، وهو -أي: السبب الّذي هو المظنة- ثمانية كما في الذخيرة، منها أربعة داخلة في قوله: زوال عقل، إن لم يكن زواله بنوم، بل بخنق جزء قائمًا قائمًا أو

стр. 326

قاعدًا، وهذا هو السّبب الأول. وبالجنون وهو السبب الثاني. الثالث: الإغماء. الرابع: السكر ولو بمباح. الخامس: زواله بهتم، وذكر يوسف بن عمر من أخذه الوجد واستغرق عقله في حب اللَّه حتى غاب عن إحساسه لا وضوء عليه؛ لأنه لم يذهب عقله (١).

стр. 327

تنبيهات: الأول: لم يتعرض المصنف لصفة نقضه في غير النوم بطول ولا غيره، فهو عنده ناقض مطلقًا. قال بعضهم: وهو الحق. الثاني: قال الفاكهاني: المراد بزواله استتاره؛ إذ لو زال لم يعد. انتهى. والمراد باستتاره زوال إدراك النفس.

стр. 328

الثالث: قال الشهاب الأبشيطي (١) -رحمه اللَّه تعالى- اختلف الناس في العقل من جهات شتى: هل له حقيقة تدرك أو لا؟ قولان، وعلى أن له حقيقة تدرك هل هو جوهر أو عرض؟ قولان، وهل هو اسم جنس أو جنس أو نوع ثلاثة أقوال، فذلك أحد عشر قولًا، ثم القائلون بالجوهرية والعرضية اختلفوا في رسمه على أقوال شتى، أعدلها قولان، فما قاله أصحاب العرض هو ملكة في النفس بها يستعد للعلوم والإدراكات، وما قاله أصحاب الجوهر: جوهر لطيف تدرك به الغايات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدات، خلقه اللَّه تعالى في الدماغ، وجعل نوره في القلب. انتهى. وقال ابن فرحون: العقل نور يقذف في القلب فيستعد لإدراك الأشياء، وهو من العلوم الضرورية. وقال أبو إسحاق الشيرازي (٢): صفة يميز بها بين الحسن والقبيح.

стр. 329

[الوضوء من النوم: ] وإن كان زواله بنوم ثقل إن لم يقصر، بل ولو قصر مع ثقله لقوة المظنة معه، وهو السّبب السّادس، وظاهره: ولو سد مخرجه، ونام طويلًا، خلافًا لما ذكره البساطي في مغنيه. لا إن خف فيهما؛ لانتفاء مظنة الحدث، وقول البساطي فى نفى الفعل الماضي بلا شيء، انظر ذلك في الكبير. وندب الوضوء إن طال مع خفته، وقيل: يجب. وتلخص من كلامه: أن للنوم أربع حالات: [١] طويل ثقيل. [٢] طويل خفيف. [٣] قصير خفيف. [٤] قصير ثقيل. فالأول ينقض، والثاني مقابله، والثالث يستحب، وفي الرابع قولان: فقوله: (ثقيل) يتناول الأول والرابع، وأشار لما في الرابع من الخلاف بقوله: ولو قصر وشمل قوله: (لا خف) الطويل والقصير، ونبه بقوله: (وندب إن طال) على الشمول المذكور، وعلى أن القصير الخفيف لا يندب. فائدة: حكى المازري عن المفضل: السنة في الرأس، والنوم في القلب، يشير إلى إن أوائل النوم التي هي النعاس إنما تغمر الحس الذي بالرأس، فإذا ثقل النوم غمر الحس الذي في القلب، وهو أصل الإحساس عند بعضهم، وقد أشار ﵊ إلى هذه الجملة بقوله: "إن عيني ينامان، ولا ينام قلبي" (١).

стр. 330

[من نواقض الوضوء اللمس: ] وسابع الأسباب لمس يلتذ صاحبه به عادة، دخل بقوله: (صاحبه) اللامس والملموس الملتذ، وخرج بقوله: (عادة) لمس المحرم على أحد القولين، وسيذكر المصنف قريبًا أن الأصح فيه أنه غير ناقض، وخرج أيضًا لمس الصغيرة التي لا تشتهى؛ قيام المانع العادي في الأولى، وعدم صفة الشهوة في الثانية غالبًا، ولو قصد اللذة ووجدها بقلبه، إلا على مذهب من يوجب الوضوء في الالتذاذ بالتذكار. ابن عرفة: ويرد بقوة الفعل. ويأتي كلامه على المحرم، ولعله نكر (لمس) ليشمل لمس الأمرد بلذة، وهو كذلك، قاله عبد الوهاب، ويحتمل أن قول المصنف: (عادة) مخرج له. ولو كان اللمس لظفر أو شعر، زاد في الجلاب وغيره: وسن، أو كان اللمس فوق حائل، قاله ابن القاسم في المدوّنة، وروى علي: إن كان خفيفًا. ابن رشد: هو تفسير. وعليه جماعة، وإليه أشار بقوله: وأول الإطلاق بالخفيف، أي: حمل عليه؛ إذ يوجد معه ما يوجد بدونه، رواه عليٌّ، بخلاف الكثيف، وأبقاه آخرون على إطلاقه، وإليه أشار بقوله: وبالإطلاق، أي: حمل إطلاقه، فينقض الكثيف أيضًا. ولما كان للنقض باللمس شرط، أفاده بقوله: إن قصد اللّامس لذة انتقض، وجدها أم لا، الأول اتفاقًا، والثاني على المنصوص، أو وجدها قصد أم لا، ابن رشد: اتفاقًا، لا إن انتفيا، أي: القصد واللذة، إذا قصدها ووجد أنها ناقض، ومقابله فلا نقض، ابن رشد: اتفاقًا. وبما قررنا به كلامه يندفع قول البساطي: (قصد اللذة ليس بظاهر)، والذي ينبغي إن قصد اللّمس.

стр. 331

تنبيه: تلخص من كلامه أربعة أحوال: - أن يقصد اللّمس ويجد اللذة. - ومقابله. والثالث: أن يقصد ولا يجد. والرابع: عكسه. والنقض في ثلاثة منها، وهي ظاهرة من كلامه، ثم استثنى من الأخير فقال: إلا القبلة بفمٍ، فتنقض وضوءهما قصدا اللذة، أو لا، وجداها أو لا، إذ لا يراعى في الملموس بالقبلة وجود اللذة على المشهور، وسواء كانت طوعًا أو كرهًا أو استغفالًا، وكذا قال: وإن بكره أو استغفال، ظاهره: الإطلاق، وقال الشارح: يريد مع حصول اللذة. انتهى. واحترز بقوله: (بفم) عنها بغيره؛ فإنها ملامسة، فتجري على ما تقدم فيها (١).

стр. 332

لا القبلة لوداع أو لقصد رحمة، كـ: تقبيلها لشدة ونحوها، فلا ينتقض (١). تنكيت: في كلامه إجمال؛ لأن العطف بـ (لا) يحتمل سلب الحكمين السابقين في قبلة الفم، أعني: وجدت اللذة أم لا، وهو قول مالك في رواية أشهب، قال في المقدمات: وهو دليل المدوّنة. وهو ظاهر تقرير البساطي، ويحتمل سلب أحد الحكمين، وهو عدم النقض عند عدم اللذة، وهو قول مالك أيضًا، وعليه شرحه الشارح، ويحتمل أن لا نقض بمجرد القبلة كذلك، بل يجري على حكم الملامسة والمباشرة، ويأتي التفصيل السّابق في اللّمس، وهو قول ابن الماجشون.

стр. 333

وذكر هذا الخلاف في توضيحه، ولم يذكر ترجيحًا، وللبساطي مع المؤلف هنا مشاحة لفظية، انظرها في الكبير. ثم عطف على (وداع) قوله: ولا لذة بنظر، لا ينقض عند الجمهور، ابن الحاجب: وعلى الأصح، وتبعه في الشامل، وظاهره: ولو تكرر وانتشر. الذخيرة عن الجواهر: لو نظر فالتذ بمداومة النظر ولم ينتشر ذلك منه فلا وضوء عليه. كإنعاظ لا ينقض، ولو كاملًا، لكن إن انكسر على مذي توضأ للمذي، وهو أحد أقوال ثلاثة، ولا ينقض لمس لذة تحرم على الأصحّ، تقدم أن هذا مفهوم قوله: (يلتذ صاحبه به عادة)، وذكره إما لأنه لم يعتبر المفهوم، أو أعاده لينبه على الخلاف فيه، وما ذكره من عدم النقض مع اللذة هو ظاهر إطلاق ابن الحاجب والجلاب، وينبغي تقييده -كما قال ابن رشد- بما إذا لم يكن المحرم فاسقًا وقصدها. [مس الذكر: ] والسّبب الثامن: مطلق مس ذكره المتصل، سواء مسه عمدًا أو سهوًا، من الكمرة أو من غيرها، التذ أم لا، قصد اللذة أم لا، خلافًا لما في المجموعة من اشتراط العمد، ولابن نافع في اشتراطه الكمرة، وللعراقيين في اشتراطهم اللذة. وإضافته (لذكره) مخرج لمس الخاتن ذكر المختون، ولمس الأنثيين والدبر، كما يأتي، وإضافته لضمير الماس مخرج لمس ذكر غيره، فلا شيء على الماس وعلى الممسوس، كذا قال البساطي، وذكر ابن فرحون عن الشيخ تقي الدين: أنه لو كان اللامس امرأة انتقض وضوؤها للمس الذكر، وأما إن كان اللامس رجلًا لم ينتقض وضوءه، ثم حكى عن المازري أن

стр. 334

جمهور من أثبت الوضوء من مسّ الذكر أثبته بمسّ ذكر غيره، إلا داود (١). ومفهوم: (المتصل) عدم النقض بمسّه مقطوعًا، ابن العربي: مسّه بعد قطعه لغو. المازري: كذكر الغير. ورده ابن عرفة بأن الحياة مظنة اللذة، ونقيضها مظنة نقيضها، وفي التوضيح: الظاهر عدم النقض بمسّه من فوق حائل مطلقًا، أي: كثيفًا أو خفيفًا. تنبيه: حكى ابن بزيزة قولين في مسّ ذكر غيره في غير جنسه، وحكى المازري أنه كذكر الغير، ورده ابن عرفة بمباينة الجنسية. وربما أشعر قوله: (ذكره) بأن مسّ موضع الجب لا ينقض، ابن هارون: ولا نصّ (٢) فيه عندنا، وهو الجاري على أصولنا لعدم اللذة. القرافي: عليه الوضوء. ومسّ ذكره المتصل ناقض وَلو كان الماسُّ له خنثى مشكلًا، وخرجه المازري على من تيقن الطهارة وشك في الحدث، ووافقه المتأخرون على ذلك، وحكم غير المشكل واضح؛ إذ هو بحسب ما يحكم له من ذكورة أو

стр. 335

أنوثة، ووجوب الوضوء بمس الذكر مقيد بكونه: [١] ببطن لكف الماس. [٢] أو جنب لكف، لا بظهره ولا بذراعه. [٣] أو بطن أو جنب إصبع؛ لأن حكم جنبه كبطنه، والظاهر: أن رؤوس الأصابع كجنبها أو بطنها. وينقض المس بالأصبع وان كان زائدًا حَسَّ، وظاهره: الاكتفاء بمطلق الإحساس، وإن لم يساو غيره فيه ساوى في التصرف غيره، أو لا، والذي في توضيحه عن ابن رشد الخلاف في الأصبع الزائدة خلاف في حال هل فيها من الإحساس ما في غيرها، أو لا ينبغي إن ساوت الأصابع في التصرف والإحساس بالنقض، وإلا فلا، وإن شك فعلى الخلاف فيمن تيقن الطهارة وشك في الحدث. [نقض الوضوء بالردة والشك: ] ونقض بِرَدّة: عطف على حدث، فليست منه؛ للتغاير، ولا فردًا من أفراد السبب؛ لإعادة العامل وهو: الباء؛ ولذا أعدها من نواقضه، لا من أسبابه، وجعلها الشارح سببًا، قال البساطي: وهو سهو. انتهى. ونقض الوضوء بشك استمر في حصول حدث بعد طهر علم، سواء كان في صلاة أم لا. تنبيه: انظر قَوْل ابن فرحون: الشك حيث أطلقوه في كتب الفقه أرادوا به التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء استوى الاحتمالان أو ترجح أحدهما، وهو موافق للغويين. ابن فارس وغيره: الشك خلاف اليقين. وعند الأصوليين: إن تساويا فشك، وإلا فالراجح ظن، والمرجوح وهم. انتهى.

стр. 336

ويدخل في كلامه مِن باب أولى من شك في حدثه وطهره، ومَنْ تيقن طهره وشك في حدثه مع الشكّ في السّابق منهما، ذكرهما ابن محرز (١)، ومن تيقن الحدث وشكّ في الطهارة فيجب الطهر اتفاقًا، وبحث الوانوغي في صحة فرض المسألة بما تقرر من أن الشك في أحد المتقابلين بشكّ في الآخر، فمن شك في وجود الحدث فقد شك في وجود الطهارة على هذه القاعدة، ومقابل الطهارة والحدث مقابل ليس مساو لنقيضه، ولا نجد جوابًا حقيقيًا عن هذا الإشكال أبدًا، وقد طال بحثي فيه مع الفضلاء من المشارقة وغيرهم فصوبوه وعجزوا عن الجواب. انتهى. وأجاب عنه المشذالي، انظره في الكبير. [حكم المستنكح للشك: ] إلا المستنكح، بالفتح: اسم المفعول، وهو الذي يكثر عليه الشكوك، ويعتريه الوسواس، فيلغي شكه، ونحوه في المدوّنة، ويحتمل أن يكون بكسر الكاف اسم فاعل، أي: إلا الشك المستنكح، فلا أثر له. وينتقض بشك في سابقهما، أي: الحدث والطهر مع تيقنهما، ابن عَبْد السَّلامِ: وهو ظاهر المدوّنة وغيرها (٢). فائدة: قال في الذخيرة: هنا فروع متناقضة، وذكر الفرع السّابق: ومن شك أصلى ثلاثًا أم أربعًا بنى على الأقل، ومن شك أطلق أم لا فلا شيء، فألغى الشك، ومن شك هل سهى أم لا فألغى الشك، ومن شك هل رأى هلال رمضان أم لا فألغى الشك، ونظائرها كثير فعلى الفقيه علم السر في

стр. 337

ذلك، وذكر ذلك، فانظره فيه (١)، أو في الكبير.

стр. 338

[مسائل خلافية مع المذاهب الأخرى في نواقض الوضوء: ] ولما أنهى الكلام على النواقض وفاقًا وخلافًا، نبه على مسائل خالف فيها بعض العلماء خارج المذهب، فقال: [١] لا بمس حلقة دبر، فلا ينقض على المنصوص، خلافًا للشافعي، وخرج حمديس (١) النقض على فرج المرأة. [٢] ولا بمس أنثيين، خلافًا لعروة. [٣] ولا بمس فرج صغيرة لا تشتهى، قال في الشامل: أو صغير، خلافًا للشافعي، ولا فرج بهيمة، خلافًا لليث.

стр. 339

[٤] ولا بخروج قيء، ظاهره: ولو صار عادة بصفة المعتاد، وتقدم، وأحرى القلس. [٥] ولا بسبب أكل لحم جزور، ويقع من الإبل على الذكر والأنثى، خلافًا لأحمد في قوله بالنقض. [٦] ولا ذبح لمأكول أو غيره. [٧] ولا حجامة، أي: حجم أو احتجم، وكذا الفصادة. [٨] ولا قهقهة بصلاة، خلافًا لأبي حنيفة، زاد في الذخيرة: ولا قلع ضرس، وكلمة قبيحة، وإنشاد شعر، ومس صليب ووثن، وحمل ميت، ووطء رطب نجاسة، وتقطير في المخرجين، أو إدخال شيء فيهما، أو أذى مسلم، خلافًا لقوم. انتهى. [٩] ولا بسبب مس امرأة فرجها مطلقًا، ألطفت أو لا، وعليه حمل قول المدوّنة: "ولا ينتقض وضوء المرأة إذا مست فرجها"، وقدم هذا لأرجحية عنده. وأولت أيضًا -أي: حملت على أن لا نقض- بعدم الإلطاف، فإن ألطفت أو قبضت بيدها عليه انتقض، رواه ابن أبي أويس، وسئل مالك عن الإلطاف، فقال: أن تدخل الأصبع بين الشفرين، وهما جانبا الفرج. وقول البساطي: (كلامه يقتضي أن المدوّنة تؤولت مرتين: إحداهما هذه، والأخرى عدم النقض مطلقًا، ولا يخفي ما فيه انتهى) تقدم جوابه من اصطلاحه على تسمية الظاهر تأويلًا. [ما يندب للمتوضئ: ] وندب للمتوضئ: [١] غسل فم من لحم ولبن، كما في المدوّنة: "أحب إلى أن يتمضمض من اللبن واللحم، ويغسل الفم إذا أراد الصّلاة"، وظاهرها في المتوضئ، وفي الفم إذا كانت بالميم عشر لغات: نقصه، وقصره،

стр. 340

وتضعيفه، وكل منها مع فتح الفاء وكسرها أو ضمها، فهذه تسع، والعاشرة: إتباع فائه لميمه، ونظمها بعضهم فقال: تثليث فافم مع نقص آخره ... كذاك في حالتي قصب وتضعيف والفاء تتبع ميمًا حين تقربه ... فهذه عشرة من غير تكليف وأفصحها فتح فائه منقوصًا. [٢] وندب لمتوضئ تجديد وضوء إن صلى به؛ لأنه نور على نور، ومفهوم الشرط: لا تجديد إن لم يصلِ به، وهو كذلك؛ لأنه من الزيادة على الثلاث، ولا فرق بين كونه صلى به فرضًا أو نفلًا. [الشك في الطهارة في الصلاة: ] ولو شك متوضئ في أثناء صلاة هل أحدث قبل دخوله فيها أم لا وتمادى على صلاته، ثم بان -أي: ظهر له- الطُّهر لم يعد صلاته، قال مالك: لبقاء الطهارة في نفس الأمر. أشهب وسحنون: تبطل. وظاهر كلامه: سواء تبين له الطهر وهو فيها، أو بعد فراغها، وهو كذلك، ذكره في النوادر. تذييل: قال في توضيحه: يتخرج لنا من هنا قاعدة، وهي من شك في شيء لا تجزئ الصّلاة بدونه، ثم تبين الإتيان به، هل تجزئ أو لا؟ قولان، كمن زاد فيها شيئًا عمدًا أو سهوًا، ثم تبين أنه واجب، هل يجزئه عن الواجب أو لا. ومن سلم شاكًا في إكمالها ثم تبين الكمال، ومن افتتح تكبيرة الإحرام، ثم شك فيها وتمادى حتى أكمل، ثم تبين له بعد ذلك أنه أصاب في التمادي.

стр. 341

تتمة: قال أبو محمد: أعرف لبعض أصحابنا فيمن ذكر لمعة من الوضوء في إحدى يديه ولا يدري من أي يد، إلا أنه يعلم موضعها من إحدى اليدين: أنه إن كان بحضرة الماء غسل ذلك الموضع من يده اليمنى، ثم غسل اليسرى، ويعيد بقية وضوئه، وإن طال ذلك غسل ذلك الموضع من اليدين جميعًا انتهى. [ما يمنعه الحدث: ] ومنع حدث، أي: وهو المنع المرتب على أعضاء المكلَّف الشامل للسبب وغيره: [١] صلاة وطوافًا، إلا لعذر على المشهور، من أن التيمم لا يرفعه، بل يبيح، وأما على القول بأنه يرفعه مطلقًا، أو إلى غاية فلا. [٢] ومنع مس مُصحَفٍ مكتوب بالعربي، وكذا مَسّ جلده، وأحرى طرف المكتوب، وما بين الأسطر من البياض، وأطلق المس ليعم اليد وغيرها من الأعضاء. وظاهره: ولو لف على يده خرقة، وخرج بالمس النظر، فيجوز، وهو كذلك، وخرج بالمصحف الإنجيل والتوراة والزبور، فيجوز مسّها بغير وضوء، كسائر العلم، وإن ترك فيها الآيات من القرآن، نص عليه في مختصر الواضحة، ومصحف: مثلث الميم. وأشار لما في حكم اليد بقوله: وإنْ بقضيب، الشيخ عن أبي بكر: لا يقلب ورقه، ومنع حمله وإن بعلاقة، أو في وسادة: مثلثة الواو، متكاة ويحملها، إلا حمله بأمتعة قصدت فقط، فإنه جائز، فإن قصدا معًا منع، وللبساطي هنا شيء، انظره في الكبير. وإن كان حمله مع أمتعة على كافر؛ لأن المقصود حمل ما فيه المصحف، لا المصحف، وفي بعض النسخ: (وإن) موضع (ولو)، وقول

стр. 342

البساطي: (لم نر هذا الفرع في الكتب التي عادة المصنف النقل عنها) غير ظاهر، لأنه في المدوّنة والجلاب. فائدة: ذكر النووي أنه لو خاف غرق المصحف أو حرقه أو يد كافر فإنه يحمله على غير وضوء. ابن ناجي: وهو جار على مذهبنا. تتمة: البصاق طاهر، لكنه مستقذر؛ ولذا اشتد تنكير ابن العربي في عارضة الأحوذي على تلطيخ صفحات أوراق المصحف به، وكذا كتاب ليسهل قلبها، قائلًا: فاللَّه على غلبة الجهل المؤدّي للكفر. وقال ابن الحاج في المدخل: لا يجوز مسح لوح القرآن أو بعضه بالبصاق، ويتعين على المعلم للصّبيان منعهم من ذلك. انتهى. لا درهم أو دينار، ويجوز مسه، وحمله لمحدث، نصّ عليه ابن الحاجب وغيره، فهو مخرج من مُصْحَف. ويجوز مس تفسير، ولو كتفسير ابن عطية، فإنه يذكر فيه جميع القرآن بألفاظه، ويذكر أيضًا آيات متعددة في موضع واحد؛ لأن المقصود غير القرآن. وجوز ابن القاسم مس لوح لمعلم يصححه ويشكله، ومتعلم: صبي أو رجل أو امرأة، وإن حائضًا تكتبه وتقرأ فيه، وروى أشهب الكراهة، وقول البساطي في مسألة الدرهم: (لا يمنع مسه، ولا يعلم من كلامه ما وراء ذلك، وفي هذه كلام مجمل؛ لاحتماله قول ابن القاسم وقول أشهب) غير ظاهر؛ لأن عادة المصنف مقابلة الممنوع بالجائز المستوى الطرفين. وجوز ابن القاسم مس جزء لمتعلم وإن بلغ، لضرورة التعلم، وحكى ابن بشير الاتفاق على جواز مسه للمصحف. قال في التوضيح: ظاهره ولو

стр. 343

كان بالغًا. انتهى. وإذا اتفق على جواز مس الكامل للمتعلم فلا أقل من أن يكون مشهورًا في الجزء، وقول البساطي: (قوله: "وإن بلغ" يطلب النقل فيه، ويرد أن مراده: ولو كان بالغًا. ابن يونس: المشهور أن الكامل لا يجوز مسه للرجل، ولو كان متعلمًا) غير ظاهر (١)؛ لأن تشهير ابن يونس إنما هو في الكامل. ولا بأس عند مالك بحمل حرز فيه قرآن بساتر من جلد أو غيره، لكنه إن لم يكن للحائض، كـ: حبلى، وصبي، وإن كان لحائض، وظاهره: سواء كان في صحة أو مرض، وصوبه ابن رشد في كتاب الصّلاة. * * * فصل ذكر فيه أحكام الغسل وموجباته وما يتعلق به وهو بفتح الغين وضمّها، والأول أفصح، واختار ابن مالك الثاني، قائلًا: ويجوز ضم ثانيه تبعًا لأوله. [موجبات الغسل: ] يجب غَسْل جميع ظاهر الجسد، لا غسل شيء مِن باطِنه، كفم أو أنف خِلافًا لأحمد في وجوبهما، ولأبي حنيفة في الأوّل: [١] بمني، أي: بسبب خروجه من رجل أو امرأة، كان معه مغيب حشفة أو لا، ولما كان النائم غير مكلف، وربما يتوهم أن خروجه منه غير موجب، بالغ على مخالفة ما يتوهم بقوله: وإنْ بنومٍ، بشرط الآتي، وأما لو جامع في نومه والتذ ولم ينزل فلا غسل عليه. وقولنا: (من رجل أو امرأة) نحوه لابن الحاجب، وتعقبه ابن فرحون

стр. 344

بأنه يقتضي أن المرأة يخرج منيّها، وليس كذلك. انتهى. وفيه مخالفة لقول سند: لا يشترط في إنزال المرأة خروج مائها؛ لأن عادته أن يندفع لداخل الرحم فيتخلق منه الولد، وربما دفعه الرّحم إلى خارجه، وليس عليها انتظار خروجه لكمال الجنابة باندفاعه للرحم. أو خروج المني بعد ذهاب لذة حصلت بلا جماع، ولم يغتسل قبل خروجه، فيجب عليه الغسل لخروج المني؛ بناءً على عدم اشتراط مقارنته للذة. وقوله: (بلا جماع) أي: بأن يكون بملاعبة مثلًا، وأحرى بجماع دون الفرج ولم ينزل ثم أنزل بعد ذهاب لذته وسكون إنعاظه، وحكى ابن فرحون قولين في وجوب الغسل وعدمه فيهما، قال: والأول اختيار القاضي أبي بكر؛ لأن اللذة حركت المني وبرز عن مقره مقارنًا للذة المعتادة، ولا يضرنا تأخير خروجه، والثاني نفيه؛ لأن الماء لا حكم له ما لم يبرز مع اللذة والتدفق، ومتى برز عاريًا عن اللذة نحو ما بعده في اللذة جملة. انتهى. واحترز بقوله: ولم يغتسل عما لو اغتسل قبل أن ينزل ثم نزل، فإنه لا يجب عليه الغسل، ولبعضهم تعقب على عبارة المؤلف، انظرها في الكبير، ثم عطف على مقدر بعد قوله: (بمني) تقديره: خرج لذة معتادة. لا خروجه بلذة له جملة أو لشدة، كمن لدغته عقرب، أو ضرب فأمنى، أو خرج بلذة غير معتادة، كنزوله بماء حار، أو حكة لجرب، فلا غسل. والخلاف في هذه وفي مسألة اللذة بغير جماع جار على الخلاف في الصور النادرة، وإذا قلنا لا غسل عليه فإنه يتوضأ في المسألتين وجوبًا. الباجي: على ظاهر المذهب؛ لأن لهذا الخارج تأثيرًا في الكبرى، وإذا لم يؤثر فيها فلا أقل من الصّغرى. وصحّح مقابله؛ لأن خروج المني ليس من موجبات الوضوء، ثم شبه في الحكم، وهو: وجوب الوضوء وسقوط الغسل، فقال: كمن جامع ولم

стр. 345

يمن، فاغتسل للجماع، ثم أمنى؛ لأن الجنابة الواحدة لا يتكرر لها الغسل. ومفهومه: لو لم يغتسل لوجب الغسل، وهو واضح، وعلى وجوب الوضوء مع نفي الغسل لو صلى قبل خروج هذا المني، ثم خرج، هل يعيد الصّلاة أم لا؟ قولان، رجح المصنف أنه لا يعيد الصّلاة. [٢] ويجب الغسل بمغيب حشفة بالغ في قبل أو دبر، ولو لم يحصل مني، كان مع انتشار أو لا، طائعًا أو مكروهًا، عامدًا أو لا، شابًا أو شيخًا أو عنينًا. ابن شعبان: إن أدخلت زوجة العنين ذكره في فرجها وجب عليها الغسل. وفي الذخيرة: يوجب مغيبها نحو ستين حكمًا، وذكرناها في الكبير (١). لا بمغيب حشفة مراهق بالنسبة له ولا لموطوءته البالغة على

стр. 346

المشهور، وفهم منه: عدم وجوبه بمغيب حشفة صغير لم يراهق، وهو كذلك اتفاقًا. والحشفة: رأس الذكر، ولما كان قدرها من مقطوعها مقيسًا عليها في إيجاب الغسل، قال: أو بمغيب قدرها من مقطعها في فرج: متعلق بمغيب، والفرج يشمل الدبر، وإن لم يطلقوه عليه في بعض المواضع. وقوله: (حشفة) ظاهره جميعها، فبعضهما لغو، وهو ظاهر المدوّنة، ونص غيرها كاللخمي. ابن ناجي: ونقل صاحب الحلل عن غير اللخمي: إذا غاب الثلثان منها وجب الغسل، وإلا فلا أعرفه. ثم بالغ فقال: وإن كان الفرج من بهيمة أو من ميت آدمي أو بهيمة، وظاهر كلامه: أن مغيبها موجب للغسل، ولو ملفوفة، وهو كذلك، إن كان اللف خفيفًا لا كثيفًا. وظاهره: أغابها في محل الافتضاض أم لا، وهو كذلك، واشتراط أبي محمد صالح محل الافتضاض بعَّده الشاذلي، قائلًا: قصاراه أن يكون كالدبر، وهو يوجب الغسل. [من يندب له الغسل: ] وندب الغسل لمراهق وطئ كبيرة، أو صغيرة وطئها بالغ (١)، وحمل الشارح كلامه في الكبير على وطئه الكبيرة، ولم تنزل، وإن أنزلت وجب، وعليه فاللام في (المراهق) للتعليل (٢)، دخلت على مضاف محذوف، أي: ندب لأجل وطء مراهق.

стр. 347

وقرره في الصغير على أن المراهق الفاعل يستحب له الغسل، ولما قرره في الكبير قال البساطي: حملوه على المفعول، فتركوا الظاهر، مع أن النص فيه كذلك، ولو كان هذا مراده لقال من مراهق، كصغيرة تؤمر بالصّلاة وطئها بالغ، يندب لها الغسل. ومفهوم (بالغ) أنه لا يندب من وطء صغيرة، وليس كذلك؛ ففي توضيحه عن ابن بشير: مقتضى المذهب الندب. فلو أسقط (بالغ) لشمل الفرعين، وسلم من الاعتذار بأنه لا يعتبر هذا المفهوم لزومًا. [ما لا يوجب الغسل بمني: ] ولا يجب الغسل بمني وصل للفرج من وطء دونه، إن لم يلتذ به اتفاقًا في نقل ابن هارون، وتعقبه المصنف بنقل أبي الحسن قولين: قولًا بالوجوب بوصول الماء لفرجها دون لذة. ولو التذت، ولم تنزل عند ابن القاسم؛ لحمله قول مالك في المدوّنة: "إن دخل فرجها ماء واطئها دونه فلا غسل، ما لم تلتذ على الإنزال"، وأبقاها الباجي وغيره على ظاهرها، فأوجب الغسل بمجرد اللذة، واختاره التونسي؛ لأن التذاذها مظنة إنزالها، ودرج على الأول لرجحانه عنده، وصرح في الشامل بمشهوريته. [عود على موجبات الغسل: ] [٣] ويجب الغسل بحيض، أي: بسببه، [٤] ونفاس بدم خرج معه أو بعده، وأما قبله فكذلك على أحد القولين، ذكرهما في توضيحه بغير ترجيح. والآخر: أنه حيض، فإن ولدت بغير دم فلمالك قولان: أحدهما: يجب الغسل، كما لو كان بدم، واستحسنه ابن عَبْد السَّلامِ. والثاني: يستحب؛ بناء على إعطاء الصورة النادرة حكم غالبها، أو حكم نفسها.

стр. 348

وأشار للقول بالوجوب مطلقًا بقوله: واستحسن القول بالوجوب بدم وبغيره؛ إذ النفاس اسم لتنفيس الرحم، وقد وجد، وشهره صاحب المعتمد، واستظهره المصنف في توضيحه. إذا علمت هذا فاعتراض البساطي بأن المنقول أنه يجب بالدم، ويستحب لغيره، ونحوه لبعض مشايخي، قائلًا: (الاستحسان إنما هو في الدم، فكيف تأتي الواو المشتركة؟ ! ) غير ظاهر. تنبيه: ظاهر كلام المصنف أن الحيض والنفاس موجبان للغسل، أي: ولكن لا يصح مع وجود كل منهما، وكلام ابن الحاجب وجماعة أن الموجب له انقطاع كل، ويحتمله كلام المصنف بتقدير حذف مضاف، والخطب سَهْل. لا باستحسانه، فلا يجب، وقيل: يجب، وقول ابن عَبْد السَّلامِ: (استشكلوا ظاهر الرسالة بوجوبه)، قال ابن عرفة: إن كان لمخالفة المشهور فقد لا يتقيد به، وإن كان لعدم وجوده فقصور. انتهى. وندب الغسل لانقطاعه، وإليه رجع مالك، وكان أولًا يقول: لا يستحب. [٥] ويجب غسل كافر بالغ أسلم، كان كفره أصلًا أو ارتدادًا، والوجوب بعد تلفظه بكلمتي الشهادة بما، أي: بسبب ما ذكر من أسبابه الموجب: من مغيب حشفة، أو قدرها، أو حيض، أو نفاس، فيجب على المرتد بعد غسله قبل ردته لواحد منها، ولو لم يحدث منه شيء منها بعد ردته؛ لأنه من عمله الذي لم أحبطته الردة (١).

стр. 349

وصحّ غسل كافر قبلها، أي: الشهادة، والحال أنه قد أجمع، أي: عزم على الإسلام بقلبه، فاغتسل له، ولو لم ينو ما أوجبه، بل نوى به الإسلام، ثم تلفظ بها، قاله ابن القاسم، وأصله خبر ثمامة (١) سيد أهل تهامة (٢).

стр. 350

تنبيهات: الأول: ما ذكره المصنف مبني على أن الإيمان لا يحصل بمجرد الاعتقاد، ولا بد من الإقرار به نطقًا، وهو قول أكثر الأصوليين. وقيل: يحصل بمجرده، كضده؛ فإنه يحصل بمجرد الاعتقاد إجماعًا. الثاني: استشكل مذهب ابن القاسم بأن الغسل عنده لموجبه، وقد حصل بغير نيته، وبأنه قبل التلفظ على حكم الكفر، فالعمل منه غير صحيح. وأجاب ابن هارون عن الأول بالمنوي أن يكون على طهره، وهو يستلزم رفع المانع، وعن الثاني بأن اعتقاد الإيمان يصحّح القربة. الثالث: مفهوم الجمع على الإسلام أن الكافر إذا كان يعتقد دينًا يقتضي الغسل من الجنابة فاغتسل لها على دينه ثم أسلم لم يجزئه عن إسلامه. قال في الطراز: وهو مختلف فيه، والظاهر عدم الإجزاء. الرابع: لم يذكر حكم ما إذا لم يجد ماء، وفي ابن الحاجب: المنصوص يتيمم إلى أن يجده كالجنب.

стр. 351

الخامس: يلغز بهذه المسألة، فيقال: جنب اغتسل ولم ينو جنابة، ولا جمعه، ويجزئه غسله لجنابته. السادس: إذا اغتسلت الذمية لحق الزوج في الوطء، ثم أسلمت اغتسلت ثانيًا بنية الجنابة لخلو الأول عن النية، ويلغز به فيقال: غسل صحيح يبطله الإسلام، ويعاد مرة أخرى، والمغتسل غير مرتد. السابع: سئلت عن حكم ختنه، وفي الطراز: يؤمر أن يختتن، ويحلق رأسه إن كان قزعًا ونحوه. ثم أخرج من فاعل صح قوله: لا الإسلام، فلا يصحّ دون نطق بالشهادة (١). البساطي: لا عند القاضي في الأحكام الظاهرة، ولا عند المفتي بالنظر للقاضي، وأما بالنظر لما عند اللَّه ففيه بحث. انتهى (٢). وإنما لم يصح منه؛ لأن التلفظ شرط في حق القادر على المشهور؛ ولذا قال: إلا لعجز عن النطق بها؛ كخوف مثلًا، فيصح إسلامه. البساطي: ويصدق عند المفتي (٣) وغيره إن ادعاه بعد زوال عذره، وعند القاضي إن قامت بذلك قرائن. انتهى.

стр. 352

تتمة: قال ابن عرفة: ينطق بالشهادتين بأن يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، لا يكفي في الدخول في الإسلام غير ذلك. وخالفه تلميذه أبو عبد اللَّه الأبي (١) في شرحه لصحيح مسلم عند كلامه على حديث أمامة أو غيره حيث قالوا: صبأنا صبأنا وعتب النبي ﷺ على من قتلهم (٢)، فإنه لا يؤخذ منه أنه لا يتعين النطق بأن يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، بل يكفي كل ما يدل على الإسلام. انتهى. ومعنى (صبأنا): خرجنا من دين إلى دين غيره، وفيما ذكره نظر؛ لأنهم إنما اكتفوا منهم بذلك لأنهم كانوا لا يعرفون الشهادتين، وأما من يعرفها فلا بد من تلفظه بهما؛ ألا ترى أن الأخرس تكفي منه الإشارة بذلك، دون غيره، واللَّه أعلم. وإن شك من وجد بثوبه شيئًا: أمني هو، أم مذي؟ اغتسل وجوبًا على المشهور؛ احتياطًا، وأعاد الصّلاة التي صلاها فيه، من آخر نومة نامها فيه عند ابن عبد الحكم، وسواء كان ينزعه أو لا، ولمالك ثالث: إن كان لا ينزعه أعاد من أول نومة، وإلا فمن آخرها. وقال ابن حبيب: من أول نومة تيقن قبلها أنه ليس فيه ذلك. ابن عرفة: اللخمي: شك الجنابة كالحدث، وتجويز جنابته دون شك

стр. 353

لغو، ولو اغتسل له ثم تيقن لم يجزئه، قاله ابن القاسم. ثم شبه المسألة السابقة بأوضح منها في حكم وجوب الغسل وإعادة الصلاة، بقوله: كتحققه أنه مني، والمرأة كالرّجل في المسألتين، وكذا لو رأت دم حيض، ففيه التفصيل في القول الثالث، فتقضي مع الصّلاة الصّوم الواجب من أول يوم صامت فيه (١).

стр. 354

[فرائض الغسل: ] والغسل واجبه: [١] نية، صفتها كالوضوء في نية رفع الحدث، وهو هنا الأكبر، أو استباحة ممنوع، أو الفرض. وقلنا: صفتها؛ للاتفاق عليها هنا، وأما الحكم فقد خرج المازري عليها سقوطها في الوضوء (١). ابن هارون: وقد يفرق بأن الوضوء فيه معنى النظافة؛ لتعلقه بأعضاء يلحقها الوسخ، بخلاف الغسل. [٢] وواجبه أيضًا موالاة كالوضوء، أي: مع الذكر والقدرة، ساقطة

стр. 355

مع العجز والنسيان، أو سنة خلاف مشهور (١)، وحذف كالوضوء من الأوّل لدلالة هذا عليه، وإن اختلف معنى التشبيه فيهما. وإن نوت امرأة حائض جنب بغسلها الواحد الحيض والجنابة حصلا معًا بلا إشكال. أو نوت أحدهما ناسية للآخر، كأن تنوي الحيض ناسية للجنابة أو عكسه حصلا في الأولى عند ابن القاسم؛ لكثرة موانع ما نوته، وعبر عنه ابن الحاجب بالمنصوص، وفي الثانية عند أبي الفرج وابن عبد الحكم، وهو مذهب المدوّنة. ومفهوم (ناسية): أنه لا يجزئ المتعمدة في الصورتين، وهو كذلك على ما يقتضيه المفهوم، لكن قال الشارح: نبه بقوله: (ناسية) على ما إذا نوت أحدهما مخرجة للآخر. أو نوى المغتسل الجناب والجمعة حصلا؛ لأن مبنى الطهارة على التداخل، وهو قول المدوّنة: (يجزئ عنهما)، قيل: سواء خلطهما بنية واحدة أو لا. وقال ابن العربي: إن مسألة الخلط هي مسألة الجلاب، وإن المدونة محمولة على غير الخلط. أي: وهي التي ذكرها المصنف، بقوله: أو نوى الجنابة ونيابته له عن الجمعة، ويؤيده قول الجلاب، وهذه المسألة مخرجة، لا منصوصة، ذكرها الشيخ أبو بكر الأبهري؛ إذ لو كانت في المدونة لكانت منصوصة. حصلا جواب عن الأولى مقدر مثله فيما بعده، أو عن الأخير مقدر مثله فيما قبله، وتجوز الشارح في تسميته خبرًا، وكأنه أطلقه عليه لعلاقة الخبر ما يتم به الفائدة. وإن نسي الجنابة، ونوى بغسله الجمعة، أو ذكر الجنابة ولم ينوها ونوى الجمعة، وقصد به نيابة، أي: نيابة غسل الجمعة عنها، أي: الجنابة
следующие страницы →