الخامس: يلغز بهذه المسألة، فيقال: جنب اغتسل ولم ينو جنابة، ولا جمعه، ويجزئه غسله لجنابته.
السادس: إذا اغتسلت الذمية لحق الزوج في الوطء، ثم أسلمت اغتسلت ثانيًا بنية الجنابة لخلو الأول عن النية، ويلغز به فيقال: غسل صحيح يبطله الإسلام، ويعاد مرة أخرى، والمغتسل غير مرتد.
السابع: سئلت عن حكم ختنه، وفي الطراز: يؤمر أن يختتن، ويحلق رأسه إن كان قزعًا ونحوه.
ثم أخرج من فاعل صح قوله: لا الإسلام، فلا يصحّ دون نطق بالشهادة (١).
البساطي: لا عند القاضي في الأحكام الظاهرة، ولا عند المفتي بالنظر للقاضي، وأما بالنظر لما عند اللَّه ففيه بحث. انتهى (٢).
وإنما لم يصح منه؛ لأن التلفظ شرط في حق القادر على المشهور؛ ولذا قال: إلا لعجز عن النطق بها؛ كخوف مثلًا، فيصح إسلامه.
البساطي: ويصدق عند المفتي (٣) وغيره إن ادعاه بعد زوال عذره، وعند القاضي إن قامت بذلك قرائن. انتهى.
стр. 352
تتمة:
قال ابن عرفة: ينطق بالشهادتين بأن يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، لا يكفي في الدخول في الإسلام غير ذلك.
وخالفه تلميذه أبو عبد اللَّه الأبي (١) في شرحه لصحيح مسلم عند كلامه على حديث أمامة أو غيره حيث قالوا: صبأنا صبأنا وعتب النبي ﷺ على من قتلهم (٢)، فإنه لا يؤخذ منه أنه لا يتعين النطق بأن يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، بل يكفي كل ما يدل على الإسلام. انتهى.
ومعنى (صبأنا): خرجنا من دين إلى دين غيره، وفيما ذكره نظر؛ لأنهم إنما اكتفوا منهم بذلك لأنهم كانوا لا يعرفون الشهادتين، وأما من يعرفها فلا بد من تلفظه بهما؛ ألا ترى أن الأخرس تكفي منه الإشارة بذلك، دون غيره، واللَّه أعلم.
وإن شك من وجد بثوبه شيئًا: أمني هو، أم مذي؟ اغتسل وجوبًا على المشهور؛ احتياطًا، وأعاد الصّلاة التي صلاها فيه، من آخر نومة نامها فيه عند ابن عبد الحكم، وسواء كان ينزعه أو لا، ولمالك ثالث: إن كان لا ينزعه أعاد من أول نومة، وإلا فمن آخرها.
وقال ابن حبيب: من أول نومة تيقن قبلها أنه ليس فيه ذلك.
ابن عرفة: اللخمي: شك الجنابة كالحدث، وتجويز جنابته دون شك
стр. 353
لغو، ولو اغتسل له ثم تيقن لم يجزئه، قاله ابن القاسم.
ثم شبه المسألة السابقة بأوضح منها في حكم وجوب الغسل وإعادة الصلاة، بقوله: كتحققه أنه مني، والمرأة كالرّجل في المسألتين، وكذا لو رأت دم حيض، ففيه التفصيل في القول الثالث، فتقضي مع الصّلاة الصّوم الواجب من أول يوم صامت فيه (١).
стр. 354
[فرائض الغسل: ]
والغسل واجبه:
[١] نية، صفتها كالوضوء في نية رفع الحدث، وهو هنا الأكبر، أو استباحة ممنوع، أو الفرض.
وقلنا: صفتها؛ للاتفاق عليها هنا، وأما الحكم فقد خرج المازري عليها سقوطها في الوضوء (١).
ابن هارون: وقد يفرق بأن الوضوء فيه معنى النظافة؛ لتعلقه بأعضاء يلحقها الوسخ، بخلاف الغسل.
[٢] وواجبه أيضًا موالاة كالوضوء، أي: مع الذكر والقدرة، ساقطة
стр. 355
مع العجز والنسيان، أو سنة خلاف مشهور (١)، وحذف كالوضوء من الأوّل لدلالة هذا عليه، وإن اختلف معنى التشبيه فيهما.
وإن نوت امرأة حائض جنب بغسلها الواحد الحيض والجنابة حصلا معًا بلا إشكال.
أو نوت أحدهما ناسية للآخر، كأن تنوي الحيض ناسية للجنابة أو عكسه حصلا في الأولى عند ابن القاسم؛ لكثرة موانع ما نوته، وعبر عنه ابن الحاجب بالمنصوص، وفي الثانية عند أبي الفرج وابن عبد الحكم، وهو مذهب المدوّنة.
ومفهوم (ناسية): أنه لا يجزئ المتعمدة في الصورتين، وهو كذلك على ما يقتضيه المفهوم، لكن قال الشارح: نبه بقوله: (ناسية) على ما إذا نوت أحدهما مخرجة للآخر.
أو نوى المغتسل الجناب والجمعة حصلا؛ لأن مبنى الطهارة على التداخل، وهو قول المدوّنة: (يجزئ عنهما)، قيل: سواء خلطهما بنية واحدة أو لا.
وقال ابن العربي: إن مسألة الخلط هي مسألة الجلاب، وإن المدونة محمولة على غير الخلط. أي: وهي التي ذكرها المصنف، بقوله: أو نوى الجنابة ونيابته له عن الجمعة، ويؤيده قول الجلاب، وهذه المسألة مخرجة، لا منصوصة، ذكرها الشيخ أبو بكر الأبهري؛ إذ لو كانت في المدونة لكانت منصوصة.
حصلا جواب عن الأولى مقدر مثله فيما بعده، أو عن الأخير مقدر مثله فيما قبله، وتجوز الشارح في تسميته خبرًا، وكأنه أطلقه عليه لعلاقة الخبر ما يتم به الفائدة.
وإن نسي الجنابة، ونوى بغسله الجمعة، أو ذكر الجنابة ولم ينوها ونوى الجمعة، وقصد به نيابة، أي: نيابة غسل الجمعة عنها، أي: الجنابة
стр. 356
انتقيا: جواب عن الأول مقدر مثله فيما بعده أو عكسه، أي: لم يحصل له ما نواه، ولا ما نسيه في الأولى، ولا النائب ولا المنوب عنه في الثانية.
[٣] وواجبه أيضًا تخليل شعر؛ لخبر: "خللوا الشعر، وأنقوا البشرة؛ فإن تحت كل شعرة جنابة" (١)، وإذا كان تخليل الشعر واجبًا، فأحرى الشقوق والأعكان وما غار من البدن، ما لم يشق، فيعمه بالماء، ويدلكه، ويحرك الخاتم والخرص والسوار، قال ناظم مقدمة ابن رشد:
وتابع الشقوق والأعكانا ... وتابع المغار حيث كانا
فإن يكن في فعله مشقة ... فعمه بالماء وَادْلُك فوقه
وحرك الخاتم في اغتسالك (٢) ... والخرص وَالسوَارُ مَثل ذلك
стр. 357
واحفظ رعاك اللَّه ذا المخابع ... لأنها للطهر كالطوَابع
تنبيه:
ظاهر كلامه: سواء كان الشعر خفيفًا أو كثيفًا، رأسًا أو لحيةً أو شاربًا أو حاجبًا أو عانةً أو غير ذلك، وهو كذلك على المشهور، وفي الرأس بالإجماع، حكاه عياض؛ فقول البساطي تبعًا لابن الحاجب وابن بشير: (على أشهر القولين) فيه نظر.
[٤] وواجبه ضغث مضفورة، بالضاد المعجمة الساكنة، وضغثه أي: ضمه وجمعه، وتحريكه، كذا فسره الشارح، وقال البساطي: عصره، والمراد به هنا الاتكاء عليه ليدخله الماء انتهى، وهما متقاربان، لا نقضه؛ فإنه غير واجب، ونحوه في المدوّنة في المسألتين. ابن بشير: إن لم يكن حائل، وإلا نقض.
ابن ناجي: يريد: إن كان ضفره مرخوًا، بحيث يدخل الماء وسطه، وإلا فلا بد من حله.
وظاهره: وإن كانت عروسًا في رأسها طيب فإنها تغسله، وبه أفتى شيخنا وغيره.
أبو عمران: لا تغسله، بل تَمْسَح عليه؛ لأن في غسله فساد المال. وضعّفه شيخنا بأنه من السرف المنهي عنه.
تنبيه:
إتيانه في المدوّنة بالضمير مؤنثًا يحتمل أنه أراد المرأة، وأن الرجل لا يجوز له ضفر رأسه، وهو الذي ذكره البلنسي في شرحه للرسالة، ويحتمل جوازه للرجل، وأنه تكلم على الغالب، ومثله لعبد الوهاب.
[٥] وواجبه دلك على جهة الشرطية، أبو الفرج: ليس شرطًا، بل وسيلة لإيصال الماء، فلو تحقق وصوله لطول مكثه بالماء أجزأ دونه، ولا يشترط مقارنة الدلك للماء؛ فيجزئ ولو بعد صبّ الماء وانفصاله عند ابن أبي زيد، والمعية عنده غير مشترطة، وهو الأصح، واشترطها القابسي،
стр. 358
وقول ابن عرفة عقب ذكر القولين: (لو كان يحسمه نجاسة لم يجزئه؛ لأنه لا تزول إلا بعد مقارنة الدلك للصّبّ، فتبقى لمعة) مخالف لما يذكره المؤلف قريبًا من أن البداءة بإزالة النجاسة مستحب، واللَّه أعلم (١).
أو بخرقة ونحوها، فهو معطوف على مقدر، أي: بيده، أو استنابة لغيره إن لم يصل لذلك، كذا في ابن الحاجب وغيره؛ لأن ما لا يتوصل للواجب إلا به فهو واجب، وحكاه الباجي عن سحنون، واستظهره المصنف في توضيحه، ولا يؤخذ ذلك من كلامه هنا.
وظاهر كلامه: سواء كان ما استناب له قليلًا أو كثيرًا، وهو كذلك.
تنبيه:
(أو) في كلام المؤلف تحتمل التخيير والتنويع، وأشعر قوله: (استنابة) بأنه لا بد من الإذن في ذلك، وإلا فلا يكفي، قال ناظم مقدمة ابن رشد:
ومن تكن قصيرة يداه ... فالدّلك بالمنديل أو سواه
والدّلك لا يصح بالتوكيل ... إلا لذي آفة أو عليل
وإن تعذر الدّلك بوجه مما تقدم سقط، فلم يطلب به.
[سنن الغسل: ]
ولما ذكر واجباته شرع في بيان سننه، فقال: وسننه، أي: وهي أربعة:
فالأولى: غسل يديه أولًا، أي: البداءة بهما، ولا ينافي كونه واجبًا، فالحكم بالسنة متعلق بقوله: (أولًا)، وظاهر كلام الشارح وغيره: أن غسلهما أولًا سنة، ثم يغسلهما للجنابة بعد ذلك.
стр. 359
والثانية: صِمَاخ أذنيه، أي: مسحه، وهو الثقب الداخل، وأما ما عداه من باطنهما وجميع ظاهرهما فواجب كغيره من بقية ظاهر الجسد.
والثالثة: مضمضة، والرابعة: استنشاق مرة، ونبه به على خلاف أبي حنيفة في المضمضة، وأحمد في وجوبهما.
[مندوبات الغسل: ]
وندب:
[١] بدء: بالباء الموحدة ثم دال مهملة مهموز بإزالة الأذى، وهو: النجاسة، إن كانت، ليقع الغسل على محل ظاهره، وقد قدّمنا ما قاله ابن عرفة عند قول المصنف: (ودلك ولو بعد الماء)، فراجعه.
[٢] ثم أعضاء وضوئه، يندب تقديم غسلها بنية رفع الجنابة عنها؛ [إذ لو نوى الفضيلة لوجب إعادة غسلها] (١)، كاملة غسلًا ومسحًا، فلا يؤخر غسل رجليه لفراغ غسله، كان الموضع نظيفًا أو وسخًا، وهو كذلك على المشهور، وإنما قال: (أعضاء وضوئه)، ولم يقل كغيره: (ويتوضأ)؛ لأنه صورة وضوء الإيهام، عبارة غيره تكرار الغسل، والمشهور عدمه (٢)؛ ولذا قال: مرة (٣).
стр. 360
وأشعر قوله: (ثم أعضاء وضوئه) بأنه لو لم يقدمها لم يتوضأ بعد الغسل، وهل عدم الوضوء مجمع عليه أو مختلف فيه؟ قولان:
الأول: لصاحب الاستذكار (١).
والثاني: لصاحب الطّراز، قائلًا: ظاهر المذهب أنه يؤمر بالوضوء بعد الغسل، فإن لم يكن معه ما يسع الوضوء والغسل غسل أعضاء وضوئه أولًا بنية الجنابة، ثم غسل ما بقي من جسده وحده، وقد فعله ﵊، خرجه البخاري انتهى (٢).
стр. 361
[٣] وأعلاه يندب البداءة به قبل أسفله، وميامنه يندب البداءة بها قبل مياسره.
[٤] وندب تثليث غسل رأسه بثلاث غرفات يعم جميعه بكل غرفة.
ابن ناجي: وبه الفتوى.
[٥] وندب قلة ماء للغسل خوف السرف، بل بحسب الجسد، بلا حد بصاع مع أحكام الغسل، خلافًا لابن شعبان (١).
стр. 362
ثم شبه لإفادة الحكم بقوله: كغسل فرج جنب جامع ولم يغتسل، فيندب غسله؛ لعَوْده لجمَاع، وكندب وضوئه لنوم. عياض: هو ظاهر المذهب، وشهر البرزلي سنيته.
تنبيه:
أشعر قوله: (وضوئه) بأن الحائض لا تتوضأ للنوم، وهو كذلك على المشهور عند ابن الحاجب، وأنكر ابن عرفة معرفة شاذة لا تيمّم فلا يستحب للجنب إذا أراد النوم ولم يجد الماء.
[ما يبطل وضوء الجنابة: ]
ولم يبطل هذا الوضوء بشيء من مبطلاته إلا بجماع، بعده فيندب لإرادة النوم.
القرافي: لأن هذا الوضوء لم يجعل رافعًا للحدث الأصغر، وإنما جعل رافعًا للجنابة بالنسبة للنوم خاصة، فهو حدث ارتفع بالنسبة لشيء خاص، فلا يزيل الحدث الأصغر، ويلغز به، ونظمته سؤالًا وجوابًا، فقلت:
إذا سئلت وضوءا ليس ينقضه ... إلا الجماع وضوء النوم للجنب (١)
стр. 363
[ما تمنعه الجنابة: ]
وتمنع الجنابة:
[١] موانع الحدث الأصغر من العبادات، ومسّ المصحف فيساويه في ذلك.
[٢] وتزيد منعها القراءة على أشهر القولين، إلا كآية لتعوذ ونحوه، يحتمل أن يريد بكآية الآيتين والثلاث، كما فسّر هو به قول ابن الحاجب، والآية ونحوها للتعوذ مغتفر، ويحتمل الآيتين كما قال المازري، لكنه أطلق، ولم يقل لتعوذ ونحوه، ويحتمل قول الباجي: (يقرأ اليسير تعوذًا وتبركًا). ولم يحد اليسير.
تنبيه:
الظاهر: أن الاستثناء منقطع؛ لقوله في توضيحه: (لا يباح ذلك على معنى القراءة، بل على معنى التعوذ والاستدلال ونحوه للمشقة). انتهى.
ونحوه قول الذخيرة: لا يعد قارئًا ولا له ثواب القراءة، والقرآن على قسمين:
стр. 364
أحدهما: لا يذكر إلا قرآنًا؛ كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ فتحرم قراءته؛ لأنه صريح قرآن، ولا تعوذ فيه.
وثانيهما: تعوذ كالمعوذتين، فيجوز لدفع ضرورة المتعوذ منه. انتهى.
[٣] وتمنع الجنابة مسلمًا قامت به دخول مَسْجِدًا ولو مجتازًا، خلافًا لابن مسلمة.
وجيم (مسجد) مكسورة، ويجوز فتحها، ويقال بفتحها مشددة الجيم، ونكرة ليعم مسجد بيته، قاله ابن حبيب، وذكر الأقفهسي جواز مكثه جنبًا بمسجد بيته، وأقر في الذخيرة ما قاله ابن حبيب، وفي الطراز: لا فرق بين المسجد الحبس والمستأجر، وإن كان يرجع بعد الإجارة حانوتًا. انتهى.
ثم شبه في الحكم، فقال: ككافر، فيمنع من دخول المسجد، وإن أذن له مسلم في ذلك، والمسجد الحرام وغيره في ذلك سواء، ونبه على خلاف بعض الشافعية في إباحة دخول ما عدا المسجد الحرام بالإذن (١).
стр. 365
[علامات المني: ]
ثم ذكر علامات يعرف بها المني؛ ليتميز من المذي ومن مني المرأة، فقال: وللمني في اعتدال حال الرجل:
[١] تدفق عند خروجه.
[٢] ورائحة طلع، أي: حال رطوبته، كطلع الذكر أول حمله، ويسقط عنه غبار، ويقال بالحال أيضًا، أو كرائحة عجين. وخرج باعتدال الحال: المرض؛ فقد يتغير، ويختلف حاله، ومني المرأة أصفر رقيق، وفي الجواهر: مني الرجل في اعتدال الحال أبيض ثخين ذو دفقات، يخرج بشهوة، وتعقب خروجه فتور، ورائحته رائحة الطلع، ويقرب من رائحة العجين.
[الاكتفاء بالغسل عن الوضوء: ]
ويجزئ غسل الحدث الأكبر عن الوضوء للحدث الأصغر، وإن تبين بعد غسله عدم جنابته، نص عليه اللخمي، وسواء طرأت الجنابة على الحدث أو هو عليها، خلافًا لبعض الشافعية في إيجاب الوضوء بعد الغسل في الثانية.
ويجزئ غسل محل الوضوء في الأصغر عن غسل محله في الأكبر، إن لم يكن ناسيًا لجنابته، بل ولو غسله ناسيًا لجنابته، ثم ذكرها بالقرب، واحترز بغسل محله عن مسحه، فإن ممسوح الوضوء لا يجزئ عن غسل محله في الأكبر.
ثم صرّح بما هو مندرج تحت قوله: (وغسل الوضوء عن غسل محله)
стр. 366
بقوله: كلمعة منها، أي: من أعضاء وضوئه تركها في غسل الجنابة، ثم غسلها في الوضوء، وهي بضم اللام: ما لا يصيبه الماء عند الغسل.
تنبيه:
أدخل هذه في ظاهر عبارة الحاجب التي كعبارته في قوله: (وغسل الوضوء. . إلخ)، ولم يدعها بنقل، بل قال: فانظره، ثم جزم بها هنا.
وإن كانت اللمعة عن جبيرة في أعضاء الوضوء مسح عليها في غسل الجنابة، ثم سقطت وتوضأ بعد ذلك، ونصّ على الإجزاء في هذه المدونة.
* * *
فصل ذكر فيه نيابة مسح الخف عن غسل الرجلين في الوضوء
وهي نيابة خاصّة، فقال: ورخّص لرجل وامرأة إن لم تكن مستحاضة، بل وإن كانت مستحاضة، كانا بحضر أو سفر: مسح جورب، وهو: ما كان على شكل الخف من قطن أو كتان أو غيرهما جُلِّد ظاهره، وهو: ما على ظهر القدم، وباطنه مما يلي الأرض، لا ما يلي بشرة الرّجل، كذا فسر أبو الحسن الصغير قول المدوّنة: (إلا أن يكون فوقهما وتحتهما جلد مخروز). انتهى.
وعلى هذا فليس المراد من الظاهر مجموع هذين الأمرين، والباطن مقابله مما يلي البشرة، وكان بعض أشياخي يقرؤه على هذا الثاني؛ تمسكًا بظاهر العبارة.
تنبيه:
اختلف: هل الجورب والجرموق خفان غليظان مترادفان؟ فإن لتفسير مالك الجرموق بالجورب في رواية ابن القاسم، أو متخالفان: فالجرموق:
стр. 367
خفان غليظان لا ساقين لهما، والجورب: ما كان على شكل الخف من كتان أو صوف أو غير ذلك.
وما ذكره المؤلف من أن المسح رخصة هو الأصحّ، وهي ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام المانع.
تنكيت:
في قوله كابن الحاجب: (رخص) إجمال؛ حيث لم يبين: هل جائزة أو مندوبة أو سنة أو واجبة، وصرح ابن عسكر في إرشاده وعمدته بأنها جائزة، وهو ظاهر قول الرّسالة، وله أن يمسح على الخفين، وإنما قال: (وامرأة)؛ لئلا يتوهم قصر الرخصة على الرّجل؛ لأنه الّذي يضطر للسبب المقتضي للمسح غالبًا، وبالغ على المستحاضة لأنها طاهرة حكما.
[حكم مسح خف فوق خف: ]
وجاز مسح خف إن كان منفردا، بل ولو لُبِسَ على خف ثان على المشهور.
وقيل: لا يمسح على الثاني؛ قصرًا للرخصة، وإليه أشار بـ (لو).
تنبيهان:
الأول: ظاهر كلامه سواء لبس الأعلى قبل المسح على الأسفل أو لا؛ لقوله في توضيحه: زعم اللخمي أن الخلاف إنما هو إذا لبس الأعليين قبل المسح على الأسفلين، وأما لو مسح الأسفل لجاز له المسح على الأعليين اتفاقًا، وروى غيره أن الخلاف عام.
الثاني: قال البساطي في مغنيه: إذا لبس خفًا على خف له صورتان:
إحداهما: أن يلبسه على طهارة قبل المسح على الآخر، وهذا يمسح عليه بلا نزاع، وانظره مع ما قدمناه عن التوضيح (١).
стр. 368
تتمة:
ربما أشعر قوله: (وخف) ولو على خف؛ فإنه لو لبس جوربًا على خف لم يمسح، كان الجورب مجلدا أم لا، والخف والنعل: مفرد، ويطلق على الزوج.
ولا بد من مباشرة المسح للخف؛ ولذا قال: بلا حائل كطين؛ لأن المسح إنما يكون على الخف، وظاهره: كان الحائل يسيرًا أو كثيرًا، وهو كذلك.
تنبيه:
سيأتي في آخر الفصل أنه يستحب المسح على أسفله، وإذا كان كذلك فإذا كان الحائل أسفل لا يبطل المسح.
ثم استثنى، فقال: إلا المهماز؛ فإنه حائل غير مانع للمسح.
تنبيه:
هو مختص بالراكب.
[مدة المسح: ]
ولا حدّ لمقدار زمن المسح، ولا منافاة بين هذا وبين ما يأتي من أنه يستحب نزعه كل جمعة.
[شروط المسح: ]
وللمسموح خمسة شروط، ذكرها بقوله: بشرط:
[١] جلد، لا ما صنع على هيئته: من لبد وقطن ونحوه.
[٢] طاهر، لا نجس، كـ: جلد خنزير أو كلب مثلًا، ولا على متنجس (١).
стр. 369
[٣] خرز، لا ما لصق على هيئته.
[٤] وستر محل الفرض، لا ما نقص عنه على الأصح؛ لأنه إن اقتصر عليه فقد نقص البدل عن المبدل، والأصل المساواة، وإن غسل ما بقي كما قال الأوزاعي وابن رشد لم يجز للجمع بين البدل والمبدل، وعن ابن رشد مقابل الأصح: المسح على الخف، وغسل ما ظهر من القدمين.
[٥] وأمكن تتابع المشي به، فلا يمسح على ما لا يمكن متابعته فيه.
[شروط الماسح: ]
وأشار لشروط الماسح، وهي خمسة أيضًا بقوله: [١] بطهارة ماء، فلا يمسح غير متطهر، ولا بطهارة ترابية.
[٢] كملت، فلا يمسح مع طهارة غير كاملة، كما يأتي، وهذا الشرط يحتمل أنها إذا كملت وهي مستحبة كالطهارة للدخول على السلطان جاز المسح عليها، ويحتمل أن يريد بكمالها كونها مما تحل به الصّلاة، وبه صرّح الجزولي عند قول الرسالة: (في وضوء تحل به الصّلاة).
[٣] بلا ترفه، فلا يمسح لابسهما لحناء مثلًا.
[٤] وبلا عصيان، فلا يمسح عاص كان عصيانه بلبسه، كرجل محرم.
[٥] أو بسبب سفره، أو بهما، كآبق وعاق وقاطع طريق.
[حكم فقدِ أحد الشروط: ]
ولما ذكر شروط المسح أخذ يذكر ما إذا فقد بعضها، فمنها إمكان
стр. 370
متابعة المشي فيه، فقال: فلا يمسح بالبناء للمفعول واسع؛ لعدم إمكان متابعته فيه، ومن شروطه ستره لمحل الفرض، فلا يمسح مخرق؛ لأنه غير ساتر لمحله، ثم بين الخرق المانع بقوله: قدر ثلث، لا ثلث جميع الخف، وإن بشك، مبالغة في عدم المسح: هل الخرق قدر الثلث أم لا؟ والغسل هو الأصل، وقد حصل الشك في محل الرخصة.
تنبيه:
ما ذكره المصنف نحوه لابن رشد، وهو مخالف لما في المدونة وابن الحاجب وابن عسكر وغيرهم، من أن الكثير هو ما يظهر منه جل القدم، وعبر عنه ابن الحاجب بالمنصوص، ومذهب العراقيين أن الكثير هو ما يتعذر مع مداومة المشي لذوي المروءات، واعتمد ابن عسكر في معتمده على هذين القولين، لا دونه، أي: دون الثلث، فلا يمنع المسح، وفي بعض النسخ: بل دونه، ومعناها كما قلنا.
إن التصق بعضه ببعض كالشرط، وهو شرط في المسح على ما دون الثلث، كمنفتح صغر، بحيث لا يمكنه غسل ما ظهر منه؛ إذ لو أمكنه لم يصح؛ لأجل أنه لا يجتمع غسل ومسح.
تنبيه:
على إسقاط: (لا دونه) كما في بعض النسخ يكون قوله: (إن التصق) شرطًا في المفهوم.
ثم أفاد مفهوم طهارة كاملة بقوله: أو غسل رجليه فلبسها، أي: الخفين قبل كمال طهارته، ثم كمل طهارته، أو غسل رجلًا واحدة فأدخلها في خفها قبل كمال الطهارة، ثم لبس الأخرى، لم يمسح على الخف إن أحدث بعد ذلك، حتى يخلع الملبوس وهو الرجلان (١) في المسألة الأولى، والرجل (٢) الواحدة في المسألة الثانية، وهو الذي لبسه قبل الكمال، ثم
стр. 371
لبسه بعد كمال الطهارة في الصورتين.
تنبيه:
قال ابن عَبْد السَّلامِ: هذا كاف في جواز المسح، لكن تفوته فضيلة الابتداء بالميامن في اللبس؛ فالأحسن أن يخلعهما. . انتهى.
وقوله: (أو رجلا) صادق باليسرى، وهو مبني فيها وفي التي قبلها على عدم وجوب الترتيب، وعدم فوات تداركه بلبس الخف.
[حكم المسح للمحرم: ]
ولا يمسح رجل محرم لم يضطر على خف لبسه، قال ابن القاسم: لعصيانه بلبسه، فلا يترخص له، وهو مفهوم قوله: (أو عصيان)، وخرج بقوله: (رجلًا المرأة) لقول الباجي: عندي أنه يجوز للمرأة المحرمة المسح عليهما؛ لجواز لبسها لهما حالة الإحرام، وفهم من قوله: (لم يضطر) جواز مسح المحرم المضطر للبسه؛ لقصوره عن محل الفرض.
[حكم المسح على خف مغصوب: ]
وفي المسح على خف غصب تردد للمتأخرين: الجواز للقرافي، وقاسه على مسائل ورُدَّ ذلك عليه، انظر ذلك في الكبير، ولم يعتبر المصنف الرد، فلذا ذكره، والمنع لابن عطاء اللَّه.
[حكم المسح للهارب من الغسل: ]
ولا يمسح على الخف لابس لمجرد المسح، كراهة مشقة الغسل، أو لابس له لينام فيه، قال مالك: الرجل يكون على وضوء فيريد النوم، فيقول: (ألبسُ خفي كيما إذا أحدثت مسحت عليه) لا يجوز، ومن فعله أعاد أبدًا.
الباجي وغيره: إن مسح لم يجبره على المشهور.
ثم ذكر عن المدونة ما يخالف ما قدمه للاستشكال، فقال مشيرًا للاستشكال: وفيها على نص أبي سعيد يكره للمرأة تعمل الحناء والرجل
стр. 372
يريد أن ينام ويبول فيتعمد لبس الخف للمسح، وهذا على حملها على ظاهرها، وهو لابن رشد، وحملها غيره على المنع، ولم يعتمده المصنف، وإلا لقال: (تأويلان) على عادته.
وقال ابن عرفة: فيها: (لا يعجبني)، فقول أبي سعيد: (يكره) متعقب، أجيب بأن أبا سعيد حمل (لا يعجبني) على الكراهة.
[غسل الخفين: ]
وكره غسله، ويجزئه ذلك إن نوى كونه بدلًا عن مسحه، قاله في الذخيرة؛ لأن المسح أول مراتب الغسل، فيقع المأمور به وهو المسح تبعًا، والأصل أن يكون مقصودًا، وأما غسله لطين عليه مثلًا ليمسحه فنسي لم يجزئه، ويعيد صلاته.
[تكرار المسح: ]
وكره تكراره، أي: المسح، قال التجاني (١) في حواشيه: بماء جديد؛ لمخالفة السنة.
[تتبع الغضون: ]
وكره تتبع غضونه، أي: تجعيدات أعلاه؛ لمنافاته التخفيف، ولو
стр. 373
قدمها على التي قبلها لاتحاد ضميرها لكان أحسن.
[ما يبطل المسح عليه: ]
وبطل حكم المسح عليه: [١] بغسل وجب على لابسه؛ إذ لا يتوصل لغسل جميع بدنه مع بقائه. قال البساطي: لأن الرخصة وردت في الحدث الأصغر. انتهى. وفيه شيء.
ومفهوم (وجب) أنه لا يبطله غسل جمعة وعيد ونحو ذلك، وهو كذلك.
[٢] وبطل بخرقه كثيرًا بعد لبسه أولًا صحيحًا، فإن انخرق في صلاته قطعها.
قال البساطي: لا يقال: تقدم أن من شرط المسح أن لا يكون مخرقًا فلا فائدة لهذه؛ لأن الأول في الابتداء، وهذا في الدوام.
[٣] وبطل بنزع أكثر قدم رجل واحدة بعد مسحه عليها لساق خُفِّه؛ لأنه كما نزع أكثرها تحتم غسلها، وبتحتمه تعين غسل الأخرى؛ إذ لا يجزئه غسل إحداهما ومسح الأخرى؛ لأنهما كعضو واحد، بدليل أن من أوجب الترتيب لم يوجبه بينهما، وشهره في المعتمد؛ ولذا درج عليه هنا، ولأصبغ (١): يغسل إحداهما ويمسح الأخرى.
وقول الشارح: (انظره مع قوله في المدونة، فإن أخرج جميع قدمه إلى ساق خفه، وقد كان مسح عليها غسل رجليه مكانه، فإن أخر ذلك استأنف الوضوء)، وقوله: (مفهوم المدونة: إن أخرج أكثر قدمه لا يضره) متعقبًا به كلام المؤلف غير ظاهر؛ لأنه خلاف المشهور، كما قدمناه عن المعتمد، ولذا درج عليه في شامله، ولا يتعقب منطوقها بمفهومها؛
стр. 374
لإجرائهم للجل مجرى الكل في كثير من المسائل.
لا إن نزع العقب لساق خفه، فلا يبطل حكم المسح، وإذا نزعهما أي: الخفين بعد المسح عليهما بادر لغسل الرجلين، أو نزع لابس خفين فوق خفين أعلييه بعد مسحه عليهما بادر للمسح على الأسفلين، أو نزع أحدهما في كل من المسألتين بادر للأسفل، وهو غسل الرجلين في الأولى، لأنهما كعضو واحد، ومسح أحد الأسفلين في الثانية.
واقتصر على هذا التفصيل لأنه قول ابن القاسم في الثانية، ومفهوم (بادر) أنه إن أخر بطل واستأنفه، وهو كذلك إن تعمد التأخير حتى جفت أعضاؤه، قاله الأبهري، وناسيًا يبني: طال أو لم يطل.
[المراد بالمبادرة: ]
والمبادرة هنا كالموالاة في الوضوء، خلافًا فى الوجوب والسنية، وتفريغًا في النسيان والعمد والطول.
[حكم تعذر نزع أحد الخفين: ]
وإن نزع الماسح رجلًا، أي: جميع قدمها من الخف، وعسرت الأخرى فلم يقدر على نزعها، وضاق الوقت، بحيث لو تشاغل بنزعها لخرج، ففي تيممه وترك المسح والغسل؛ لأنها طهارة مستقلة، قاله بعض البغداديين: إعطاء لسائر الأعضاء حكم ما تحت الخف، لأن الحقيقة المركبة إذا بطل جزؤها بطل كلها، أو مسحه عليه، أي: على ما عسر، وغسل الرجل الأخرى، قاله الأبياني، قياسًا على الجبيرة، بجامع تعذر المسح على ما تحت الحائل، وإن كثرت قيمته مسح كالجبيرة، وإلا بأن قلت قيمته مزق، ولو كان لغيره، وغرم قيمته، واستظهره المصنف، وعزاه ابن عرفة لنقل عبد الحق، أقوال ثلاثة.
تنكيت:
قول البساطي في تقرير القول الثالث: (يفعل أحدهما إن كثرت قيمته وإلا مزقه وغسل، لأن اليسير كالعدم، وهو قول بعض المتأخرين) ليس
стр. 375
كذلك؛ لأنه خلاف نقل ابن يونس والأبياني.
[مندوبات المسح على الخف: ]
وندب لماسح الخف نزعه كل يوم جمعة، قاله مالك، وأطلقه غير واحد كالمصنف.
وقال عبد الوهاب وابن يونس وغيرهم: لعله إنما هو في الحضر؛ لأجل غسل الجمعة.
وبحث فيه ابن فرحون بأن النساء لا يلزمهن جمعة.
[صفة المسح: ]
ثم تكلم على صفة المسح المندوبة بقوله: وندب وضع يمناه، أي: يده اليمنى على أطراف أصابعه من قدمه اليمنى، ووضع يسراه، أي: يده اليسرى تحتها، أي: تحت قدمه اليمنى من باطن خفه، ويمرهما ذاهبًا لكعبيه، ويعطف اليسرى مع العقب حتى يحاذي الكعب، وهو منتهى حد الوضوء. .
وهل الرجل اليسرى كذلك يضع اليد اليمنى فوق أصابعها، واليسرى تحتها، وبه قال ابن شبلون (١)، أو اليد اليسرى فوقها، أي: فوق الرجل اليسرى واليد اليمنى من تحتها، عكس الرجل اليمنى، وقاله ابن أبي زيد وغيره؛ لأنه أمكن؟ تأويلان في فهم قول المدونة: (المسح أن يضع يده اليمنى على ظهر أطراف أصابعه من ظاهر قدمه، ويضع اليسرى من تحتها من باطن خفه، ثم يمرهما إلى الكعبين)، وقيل غير ذلك، ولا خلاف أنه إذا عمم المسح ولو بأصبع واحدة أجزاء كرأسه.
стр. 376
الأقفهسي: هل يجدد الماء لليسرى إذا فقد البلل في أثناء الرجل، أو لا؟
وندب مسح أعلاه وأسفله، أي: يجمع بينهما، وبطلت صلاته إن ترك أعلاه، واقتصر على مسح أسفله وصلى، لا إن ترك أسفله ومسح أعلاه فلا تبطل، فإن فعل ففي الوقت، أي: فيعيد في الوقت المختار.
أبو محمد: يستحب أن يعيد الوضوء والضلاة (١).
* * *
فصل
ذكر فيه النائب الأعم
وهو: التيمم؛ لنيابته عن بعض الأعضاء، أو كلها، وهو لغة: القصد، وشرعًا: طهارة ترابيه ضرورية بأفعال مخصوصة تستعمل عند عدم الماء وعند العجز عن استعماله، وهو من خصائص هذه الأمة، كـ: الوضوء، والصّلاة على الميت، وثلث الأموال في الوصايا والغنائم، انظر حكمته في الكبير، ونزلت آيته سنة ست في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق.
стр. 377
[من له التيمم: ]
يتيمم:
[١] ذو مرض عجز بسببه عن استعمال الماء، كما يأتي.
[٢] وذو سفر، نكّرهُ ليشمل ما تقصر فيه الصّلاة وما لا تقصر، وهو المذهب، لأن التيمم متعلق بعدم الماء، فحيث عدم ترتب الحكم عليه، والقصر إنما يراعى فيه المشقة، ومظنتها السفر الطويل لا القصير، أبيح ذلك السفر.
فلا يباح تيمم عاص بسفره، كـ: آبق، وقاطع طريق، وعاق، على الأصح، وفهم منه أنه لو عصى في سفره المباح لتيمم، وهو كذلك، ويدخل في السفر المباح: سفر من تيقن عدم الماء.
الباجي عن المذهب وابن مسلمة: جواز سفر البحر والبر حيث يتيقن عدم الماء.
تنبيه:
لم يذكر المؤلف حكمه، وربما يؤخذ الوجوب من إتيانه بالفعل، وهو قول الرسالة: (يجب لعدم الماء في السفر).
لفرض ونفل: متعلق بـ (يتيمم).
[٣] ويتيمم حاضر صح لجنازة إن تعينت عليه الصّلاة عليها، بأن لا يوجد مصل غيره على الصحيح، ومفهوم الشرط: لا يتيمم إن لم تتعين، وهو المشهور.
تنكيت:
قال في توضيحه: (تبع ابن الحاجب ابن بشير في هذه التفرقة، ولم يفرق في المدونة، وفي التفرقة نظر؛ لأنه إذا كان مذهب أهل السنة في
стр. 378
فرض الكفاية خطاب الجميع حتى تفعله طائفة منهم، فلا فرق بين تعيينه وعدمه) (١)، ثم ارتكبه هنا.
[٤] ويتيمم الحاضر الصحيح؛ لأجل فرض صلاة غير جمعة، وهو المشهور، وظاهره: ولو خشي فواتها، وهو كذلك على ظاهر المذهب، ولا يعيد الحاضر الصحيح فرض صلاة بالتيمم إذا وجد الماء في الوقت ولا غيره على المشهور؛ لإتيانه بما أمر به.
لا سنة فلا يتيمم لها على المشهور، ولا لفضيلة من باب أولى، وسواء كانت السنة عينية كالوتر، أو كفائية كالعيدين (٢).
[شرطا التيمم: ]
ثم أفاد أن تيمم الثلاثة المتقدمة: المريض والمسافر والحاضر الصحيح مشروط بأحد أمرين، أشار لأولهما بقوله: إن عدموا ماء جملة أو ماء كافيًا للطهارة كبرى أو صغرى؛ إذ الناقص عن الكفاية لا يحسب استعماله لعدم تحصيله الطهارة، فوجوده كعدمه، وأيضًا العجز عن بعض المبدل كالعجز عن كله.
تنبيهات:
الأول: يدخل في عادم الكفاية من لم يجد إلا ماء قدر وضوئه أو ما يغسل به نجاسة في غير محله، وهما به؛ فإن ابن العربي قال: يزيل به الخبث؛ إذ لا بد من إزالته، وعن الوضوء بدل.
وقال المازري: لا نص فيها. وأجراه على الخلاف في إزالة النجاسة.
стр. 379
الثاني: قال المازري: لا نص في جنب لم يجد ماء إلا في وسط مسجد، وأخذ بعض المتأخرين من قول مالك: (لا يدخل الجنب المسجد عابر سبيل) دخوله لأخذ الماء؛ لأنه مضطر.
ابن عرفة: ذكر ابن الدقيق أن محمد بن الحسن (١) سأل مالكًا بحضرة أصحابه عنها، فأجابه: لا يدخل الجنب المسجد. فأعاد محمد سؤاله، فأعاد مالك جوابه، فأعاد محمد، فقال مالك: ما تقول أنت؟ قال: يتيمم، ويدخل لأجل الماء. فلم ينكره مالك.
الثالث: في النوادر: من احتلم في المسجد، قال بعض أصحابنا: ينبغي أن يتيمم لخروجه منه. وخالفه سند.
وأشار للأمر الثاني بقوله: أو كان الماء موجودًا، لكنه في حكم المعدوم، بأن خافوا -أي: المسافر والحاضر الصحيح -على النفس- ولعله جمع باعتبار الأفراد (٢) - باستعماله، ابن عرفة: أو بطلبه مرضًا يحدث ويؤدي لتلف النفس.
قال في الذخيرة: وأما مجرد الألم فلا يبيح التيمم.
стр. 380
أو خاف المريض زيادته في شدته، إن كان حاصلًا، أو تأخر برء، وهو أيضًا في معنى الزيادة.
تتميم:
يدخل فى كلامه: مريض يقدر على الوضوء والصّلاة قائمًا، فحضرت صلاة وهو في عرفة، وخاف إن فعل انقطع عرفة، ودامت علته، فإنه يتيمم ويصلي إيماء للقبلة، وإن خرج الوقت قبل زوال عرفة لم يعد، قاله مطرف (١) وابن الماجشون وأصبغ.
سند: وهو موافق للمذهب، لا مخالف.
أو خاف من معه الماء من مسافر وصحيح ومريض عطش محترم معه من آدمي أو دابة حالًا أو مآلًا، وأحرى عطش نفسه؛ لأن حفظ النفوس مقدم على طهارة الماء.
واحترز بقوله: (محترم) عن نحو الخنزير والكلب (٢)، فإنه لا يدعه لهما، بل يقتلهما أو يستعمله.
المازري: ظن العطش كعلمه.
تنبيه:
عدل المؤلف كابن عسكر عن تعبير ابن الحاجب وابن شاس: (يظن (٣) العطش)، لما قال في توضيحه: إن عبارتهما توهم أن من شك في العطش أو توهم لا يجوز له التيمم، بخلاف هذه، ولم يعضده بنقل (٤).
стр. 381
أو خافوا بطلبه تلف مال بسرقة أو نهب أو شبهة.
تنبيه:
أطلق المال كابن الحاجب، ولم يقيده بذي البال؛ لعدم اطلاعه على تقييده، وقيده البساطي جازمًا به، وهو يقتضي نقله، وليس كذلك، وإنما حكاه ابن عَبْد السَّلامِ بصيغة (ينبغي أن يفصل بين اليسير والكثير).
أو خافوا بطلبه خروج وقت، لم يبين كابن الحاجب كونه الاختياري
стр. 382
أو الضروري، كعدم مناول لمريض، الكاف للتشبيه في الحكم، كما للشارح في الصغير، وفي الكبير باللام للتعليل، وكل واضح، لكن مع التشبيه يصير في الكلام مسألتين، ومع التعليل واحدة، فالتشبيه أحسن. أو عدم آلة كدلو أو حبل لرفع الماء إذا عدم آلته كعدمه.
تكميل:
لو خاف فوات الوقت في رفعه ففيها: (يتيمم، ولا إعادة)، ثم قال: يعيد الحضري أبدًا.
[جواز التيمم لخوف فوات الوقت: ]
وهل يتيمم واجد الماء إن خاف فواق -أي: الوقت- باستعماله؛ مراعاة لفضيلة الوقت، وشهره ابن الحاجب، أو يستعمله ولو خرج الوقت مراعاة لفضيلة الطهارة المائية في ذلك؟ خلاف.
على أن المصنف عند كلامه على ما شهره ابن الحاجب قال: لم أقف على من شهر استعماله، ولعله وقف عليه بعد ذلك، ولما رأى حكاية عبد الحق عن بعض القرويين الاتفاق على استعمال الماء طريقة، وإذا كانت هذه الطريقة تحكي الاتفاق فلا أقل من أن تكون مشهورة، اعتمد عليها وعلى تشهير ابن الحاجب، فحكى الخلاف.
تنبيه:
لم يبين الوقت هنا، وفي الإرشاد: الضروري، وحكى ابن عرفة الخلاف كالمصنف، ولم يبين.
وقال الأقفهسي: المراد بالوقت حيث أطلق في هذا الباب الاختياري.
[أداء غير الفرض بتيمم فرض أو سنة: ]
وجاز جنازة غير متعينة، وسنة كوتر وعيد، وأحرى ما دونهما من رغيبة ونافلة، وجاز مس مصحف، وقراءة، وطواف غير واجب، وركعتاه بتيمم فرض أو بتيمم نفل، فلا يجوز فرض بتيمم نفل، ابن الحاجب: لو
стр. 383
نوى فرضًا جاز التنفل به، وكذا الطواف وركعتاه ومس المصحف وقراءته وسجدتها، ولو نوى نفلًا لم يجز الفرض به، وصلى من النفل ما شاء ما تقدم، كما يفعله بما تقدم.
تنبيه:
إنما قيدنا الجنازة بغير المتعينة والطواف بغير الواجب؛ لقوله فيما يأتي: (لا فرض آخر)، ولقوله في توضيحه عند إطلاق ابن الحاجب الطواف: ينبغي أن يقيد بطواف النفل. انتهى.
وأنكره ابن عرفة، فقال: نقل ابن الحاجب الطواف بعد الفرض كالنفل لا أعرفه في واجبه، فكيف به بعد النفل. انتهى.
فإذا علمت ما قاله المصنف في التوضيح (ينبغي) وإنكار ابن عرفة له علمت أن جزم البساطي بقوله: (والطواف إذا لم يكن فرضًا وركعتاه) يحتاج لنقل (١).
ثم لجواز المذكورات بهذا التيمم شرط أفاده بقوله: إن تأخرت في فعلها عن ما يتيمم له، كأن ينوي بتيممه الظهر أو الضحى مثلًا ويصليها، وله أن يصلي بعد ذلك كل ما شاء.
قال ابن القاسم: إذا اتصل، فإن أخر بعد تيممه، واشتغل في أثناء تيممه بطل.
ابن رشد: صحة التنفل بتيمم الفرض إن نوى التنفل عند التيمم.
وذكر المصنف هذين القيدين في توضيحه، وتركهما هنا، وظاهره كابن الحاجب: ولو طال التنفل.
الشيخ عن المختصر: للمتيمم التنفل ما لم يطل.
[أداء فرضين بتيمم: ]
ثم عطف على فاعل (جاز) قوله: لا فرض آخر، فلا يجوز إيقاعه بتيمم فرض غيره، فهو مخرج من جنازة؛ لأن جواز التنفل بعد الفرض لتحقق التبعية، والفرض الثاني غير تابع للأول.
وبالغ على عدم الجواز بقوله: وإن قصدا معًا بالنية عند التيمم، ولما كان عدم الجواز لا يستلزم البطلان صرح به، فقال: وبطل الفرض الثاني إن أوقعه بتيمم الأول، إن لم تكن الصّلاة الثانية مشتركة مع الأولى في وقتها
стр. 387
كظهر ومغرب، بل ولو كانت مشتركة كالظهرين على المشهورين.
وظاهره: ولو كانتا فائتتين، كان المتيمم مريضًا أو صحيحًا، وهو كذلك، وظاهره: ولو كان أحدهما منذورًا، ويعيد الثاني أبدًا، ويصح الأول.
ثم أخرج من الجائز، فقال: كالمتيمم لمستحب: اللّام مقحمة، أي: لا يفعل ما تقدم بتيمم مستحب، بل ينتقل بتيممه له، ولا يمس به مصحفًا على المشهور.
تنبيه:
إنما قلنا اللّام مقحمة لأن المتيمم لمستحب كالضحى مثلًا يفعل به ما تقدم، قال في المدونة: إذا تيمم الجنب للنوم فلا ينتقل به، ولا يمس مُصْحفًا.
وفي النوادر عن ابن حبيب: إن تيمم مسافر للنوم أو لمس مصحف فله أن ينتقل به، ولم يمس المصحف بتيمم النوم.
[ما يلزم في التيمم: ]
[١] ولزم موالاته في نفسه، ولما يفعل به.
[٢] وفاقد الماء يلزمه قبول هبة ماء، وهب له لعدم المنة فيه، لا قبول هبة ثمن يشتريه به، بل يتيمم لوجود المنة فيه، أو قرضه يحتمل عطفه على (موالاته)، وضميره للثمن، أي: إن بذل له لزمه، وعلى هذا لو عطفه بالواو لكان أحسن، ويحتمل عود ضميره للماء، أي: يلزمه قبول قرضه.
قال الشارح: وهو أظهر في اللزوم من الهبة.
البساطي: ويحتمل عطفه على ثمنه، وهو ظاهر كلامه، أي: لا يلزمه قرضه، ولكن ينافيه قوله: (واحدة بثمن اعتيد وإن بذمته)، وجوزوا عطفه على (هبة)، وهو يستدعي أن يعرض عليه القرض، والفرض لزوم القرض، لا لزوم قبوله. انتهى. وفيه بحث، انظره في الكبير.
وإذا وجده يباع لزمه أخذه بثمن اعتيد لم يحتج له، مفهومه: لو بيع
стр. 388
بغير الثمن المعتاد لم يلزمه شراؤه، ولو كثرت دراهمه؛ لما فيه من الضرر، ولم يجد غير المعتاد، وفي الجلاب: يحتمل أن يحذ بالثلث، واستشكله المصنف، وانظره في الكبير، ومفهومه أيضًا: لو وجده بالمعتاد وهو محتاج للثمن لم يلزمه شراؤه، ولما كان لا فرق بين شرائه بثمن معجل أو مؤجل، قال: وإنْ بِذِمّتِهِ.
تنكيت:
قول البساطي: (إن ما في ذمته في معنى القرض، متوركًا به على الاحتمال الثالث) بعيد؛ لما في البيع من المشاحة.
ولزم عادمه طلبه لكل صلاة ما دام عنده احتمال وجوده، وإنْ توهمه، فيلزم الطلب مع علم وجوده، أو ظنه أو شكه، وهذا إذا كان بغير الموضع الذي طلبه به أولًا، أو به وحدث أمر يقتضي وجوده.
تنبيه:
قال ابن عَبْد السَّلامِ: ينبغي أن يختلف حكم الطلب في حقهم، فليس الظان كالشاك، ولا الشاك كالمتوهم، بل ينبغي سقوط الطلب عن المتوهم، لولا الاحتياط.
[ما يسقط به طلب الماء: ]
لا إن تحقق عدمه، فلا يلزمه طلبه؛ إذ هو حينئذ عبث، وحيث يلزمه الطّلب، فيطلب طلبًا لا يشق به، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص، بل الشخص الواحد يختلف حكمه باختلاف حاله مِن شيخ وصبي وضعيف وقوي.
مالك: ومن الناس من يشق عليه نصف الميل.
كرفقة قليلة: أربعة وخمسة، يلزمه الطلب منهم، كانوا حوله أو لا، أو ممن حوله مِن رفقة كثيرة، فإن لم يطلب وتيمم، فقال أصبغ وغيره: لا يعيد مع عدم سؤال الكثيرة، ويعيد في القليلة في الوقت، وفي الثلاثة أبدًا. وضعف بأنّ توجه الطّلب ممن حوله من الكثيرة كتوجهه لو كانوا بانفرادهم.
стр. 389
[محل لزوم الطلب: ]
ومحل لزوم الطّلب إنْ جهل بخلهم به، فإن علم الإعطاء أو ظنه أو شك أو توهم طلب.
ابن عرفة: لو ترك من يظن إجابته فظهر عنده أعاد أبدًا.
ومفهوم (جهل): أنه لو علم بخلهم به لم يطلب.
فرع:
إن وجب الطلب على أهل القافلة فأرسلوا واحدًا منهم إلى صوب الطّلب فرجع، وقال: لم أجد. قُبِلَ خبره، وجاز لهم التيمم، ذكره ابن فرحون في الباب الثالث عشر من تبصرته.
[النية في التيمم: ]
ولزم نية استباحة الصّلاة، أو استباحة غيرها من الحدث الأصغر مما الطهارة شرط له، ولفظ استباحة مثله لابن الحاجب.
قال ابن دقيق العيد: يحتمل استباحة الصّلاة التي يريد فعلها من فرض أو نفل، ويحتمل استباحة مطلقها، والأول هو الذي ينبغي أن يحمل عليه؛ لأنه إذا نوى استباحة مُطلق الصّلاة نشأ عنه نظر آخر، وهو أن مُطلقها محمول على الفرض والنّفل، والفرض يحتاج لنية تخصه؛ فيكون كمن نوى النّفل، وعلى هذا لا يجزئه الفرض بذلك التيمم، فلا يحمل عليه اللفظ، بل يحمل على معنى صحيح بلا شبهة ولا خلاف (١)، وانظر بقية كلامه في الكبير.
стр. 390
ولزم نية أكبر، أي: استباحة الصّلاة منه، إن كا ن، ومفهومه: عدم الإجزاء إنْ لم ينوه، وظاهره: عامدًا أو ناسِيًا، وهو في الناسي على أحد ثلاثة أقوال، شهر ابن الحاجب عدم الإجزاء، وفي كلام البساطي هُنا شيء، انظره في الكبير.
ويلزم نية الأكبر ولو تكررت طهارته الترابية، وقول الشارح في غير شرحه الصغير: (المتيمم للجنابة إذا أحدث ثم أراد أن يتيمم فإنه ينوي الجنابة أيضًا) غير ظاهر؛ إذ لا بد من نية الأكبر إذا احتاج لتيمم آخر أحدث أم لا، فتأمله.
تنبيه:
جوز الشارح في الكبير عود التاء في (تكررت) للصّلاة في قوله: (وطلبه)، أي: التيمم لكل صلاة، ولو تكررت، ثم قال: والضمير المؤنث عائد على الأحداث المفهومة مما تقدم، واستبعد.
[التيمم لا يرفع الحدث: ]
ولا يرفع الحدث على المعروف من المذهب، القرافي: معنى قولهم: (لا يرفعه)، أي: مطلقًا، بل إلى غاية وجود الماء، وهذا أشد من قولهم: (لا يرفعه البتة)؛ للزوم اجتماع النقيضين؛ إذ الحدث هو المانع، والإباحة متحقّقة بإجماع، وعلى هَذَا فلا يبقى فِي المسألة خلاف.