[قال الشارح] (١): وظاهره: أنه لا تجب في أحدهما بانفراده (٢). انتهى.
والمعنى على ما قالاه: أنه يصير مستلقيًا، والظاهر: أن الواو بمعنى (أو)، وأن الدية تجب في كل واحد منهما، وقد ذكرنا النقل في الكبير.
[ثانيًا- الذوات المقدرة: ]
ولما فرغ من المنافع تكلم على الذوات المقدرة، فقال:
[١] أو الأذنين في إزالة إشرافهما الدية على الأصح، ومقابله: لا تجب فيهما الدية إلا مع السمع، والقولان في المدونة.
[٢] أو الشوى: بفتح الشين المعجمة، وهو جلدة الرأس، في إزالتها الدية.
[٣] أو في زوال العينين معًا الدية، سواء طمستا، أو برزتا، أو ذهب نورهما وبقي جمالهما، وفي ذهاب جمالهما بعد ذلك حكومة.
[٤] أو زوال عين الأعور على الصفة السابقة دية كاملة عند مالك للسنة، وبه قال جماعة، بخلاف كل زوج في البدن كاليدين والرجلين، فإن في ذهاب الباقي من أحدهما نصفه، أي: نصف ما في الزوج.
وأما النصف الذاهب أولًا، فإنما فيه النصف فقط.
[٥] وفي اليدين الدية، سواء قطعتا من المنكب أو المرفق أو الأصابع، أو أزيلت منفعتهما مع بقائهما.
[٦] وفي الرجلين الدية قطعتا من الورك أو الركبة أو الكعبين أو الأصابع، وكذا لو أزيلت منفعتهما مع بقائهما.
[٧] وفي إزالة مارن الأنف، وهو: ما لان منه دون العظم الدية.
[٨] وفي الحشفة -وهي: رأس الذكر- الدية، كما لو قطع من أصله.
стр. 3222
[٩] وفي قطع بعضهما -أي: المارن والحشفة- بحسابها -أي: الدية- منهما، فإذا قطع بعض واحد منهما فغير مما فيه الدية منه، لا من أصله؛ لأن بعض ما فيه الدية إنما تنسب إليه.
[١٠] وفي الأنثيين الدية مطلقًا، سواء سلتًا، أو قطعتا، أو رضتا قبل الذكر أو بعده، كان له ذكر أو لا، وفي أحدهما نصف الدية، وهما عند مالك سواء، وإن قطعتا مع الذكر فديتان.
وهل في ذكر العنين دية كاملة، وهو قول مالك، أو حكومة كما في مختصر الوقار: قولان، وهو الذي له ذكر صغير لا يتأتى به الجماع، وقد يطلق على المعترض، وظاهر كلام بعض الأشياخ: أنه ذو ذكر صغير يأتي به النساء.
فائدة:
قال في الذخيرة: للذكر ستة أحوال:
- الدية في ثلاثة.
- وسقوطها في واحدة.
- وتختلف في اثنين.
فالثلاثة قطعه أو قطع الحشفة وحدها، أو إبطال النسل منه بطعام أو شراب، وإن لم يطل الإنعاظ، وتسقط إذا قطع بعض الحشفة ففيه حكومة، ويختلف إذا قطعه ممن لا يصح منه النسل مع قدرته على الاستمتاع، أو عاجز عنه والشيخ الكبير.
[١١] وفي شفرى المرأة: بضم الشين وسكون الفاء، وهما حافتا الرحم الدية، إن بدا العظم، وقضى بذلك عمر.
[١٢] وفي ثدييها إذا استؤصلا الدية.
[١٣] أو في حلمتيها: بفتح الحاء واللام، وهما رأسهما الدية، إن بطل اللبن.
стр. 3223
ومفهوم الشرط: إن لم يبطل فلا دية، ومفهوم المرأة: أن لا دية في ثديي الرجل، وهو كذلك، وأشعر كلامه بأنه لو بطل اللبن بغير قطع شيء منهما لا دية (١).
وقال عبد الملك: الدية.
[حكم الصغير ة: ]
ولم ذكر الحكم بالنسبة للكبيرة، قال: واستؤني بالصغيرة إن شك في إبطال اللبن منها، وإن تيقن أنه أبطله بغير عود فالدية.
[حكم الصغير: ]
وكذا يستأني في سن الصغير الذي لم يثغر بأخذ عقله في الخطأ للإياس من بناتها، واللام للغاية، كالقود في العمد، ويوقف ذلك تحت يد عدل كما في المدونة.
فائدة:
يثغر، بضم المثناة التحتية وسكون المثلثة: لم تسقط رواضعه، وأما بفتح المثناة وتشديد المثلثة والمثناة الفوقية فهو بناتها بعد سقوطها.
وإلا بأن جاور القدر الذي نبتت فيه ولم يمض له سنة انتظر سنة، أي: بقيتها، ثم وجب العقل أو القصاص.
وسقطًا -أي: العقل والقصاص- إن عادت سنه كهيئتها، وورثا القود والعقل إن مات الصبي قبل لوجودها، وفي عود السن أصغر مما كانت عليه المزالة يؤخذ من الجاني بحسابها، فإن نقص ربع مثلًا سقط بحسابه: خطأ وعمدًا، وسقط القصاص.
تنبيه:
لم يعتمد المؤلف تقييد اللخمي بأن ذلك إذا ثبتت، وصارت بقدر ما
стр. 3224
ينتفع به، وأما إن عادت قدر ما لا ينتفع به فالقصاص مع ظهوره.
[علامة زوال كل ما فيه الدية: ]
ولما كان لزوال كل ما فيه الدية علامة يعرف بها زواله أو بعضه.
[أ] ومن ذلك العقل أشار له بقوله: وجرب العقل بالخلوات؛ لأن الخلوة مظنة جمعه؛ فإن استمر على حاله علم زواله.
تنبيه:
في جمع الخلوات إشارة لتكرر ذلك المرة بعد المرة، ولا يكتفى بالواحدة.
[ب] ثم ذكر الطريق الذي يعرف به نقص السمع، فقال: وجرب السمع لمدعي ذهابه من أحد أذنيه بأن يصاح له من مكان بعيد ووجه الصائح لوجهه، فإن لم يسمع تقرب منه وصيح كذلك، وهكذا إلى أن يسمع فيعرف ذلك الموضع، ثم يحول وجهه لغيره، وهكذا من أماكن مختلفة مع سد الأذن الصحيحة سدًا محكمًا، فإن لم يختلف قوله بأن تساوت الأماكن التي سمع منها سدت تلك الأذن وفتحت الصحيحة وصيح به، ثم نظر أهل المعرفة ما نقص من السمع، ونسب لسمعه الآخر من الدية، ولزم الجاني.
وإلا بأن أصيب في أذنيه معًا أو كانت إحداهما معدومة فسمع وسط، ينسب الناقص إليه، لا إلى غاية من الطرفين، قاله البساطي، وهو واضح.
وأما قول بعض من تكلم على هذا المحل: (قيس له بسمع رجل وسط مثله) فبعيد.
وله نسبته من الدية عند مالك وابن القاسم وأشهب في غير المدونة إن حلف المجني عليه، وسكت عنه في المدونة، وهي يمين تهمة، وهذا حيث لم يختلف قوله اختلافًا بينًا، وإلا بأن اختلف كذلك فهدر؛ لظهور كذبه.
وقيدنا بالبين تبعًا للشارح، وهو خلاف ظاهر كلام المؤلف.
стр. 3225
[ج] وجرب البصر بإغلاق للعين الصحيحة كذلك، وتبدل عليه الأماكن، ثم تغلق المصابة، وينظر ما تبصر به الصحيحة، ثم تقاس إحداهما بالأخرى، وإذا علم قدر النقص كان له بحسابه.
[د] وجرب الشم برائحة حادة منفرة للطبع لعدم الصبر عليها عادة، لا سيما مع الطول بقدر ما يختبر به، ويعلم ذلك بالطاس أو غيره، وإذا غلبت منه النفرة الدالة على كذبه، أو ظهر ما يدل على صدقه عمل عليه، وقول بعضهم في التوصل لمقدار النقص عسر واضح.
[هـ] وجرب النطق بالكلام اجتهادًا من أهل المعرفة، لا بقدر نقص الحروف، فما قالوا أعطى بقدره، فإن شك بأن لا يدري أربع أو ثلث أعطى الثلث؛ لأن الظالم أحق أن يحمل عليه.
[ز] وجرب الذوق بالمَقِر: بفتح الميم وكسر القاف، وهو الشديد المرارة كالصبر.
[مسألة: ]
وصدق مدعي ذهاب الجميع بيمين في جميع الصور السابقة.
قال الشارح: ولم يذكره في الجواهر إلا في البصر خاصة، ولا فرق.
والضعيف من عين ورجل ونحوهما، كـ: يد خلقة من اللَّه كاسترخاء البصر أو قلة إبصار من كبر أو رمد وهو مبصر بها، ويسعى برجله ويبطش بيده كغيره من صحيح ذلك، فتجب فيه الدية أو العقل كاملا.
تنبيه:
أطلق هنا وذكر في توضيحه عن ابن رشد تقييد النقص الذي لا جناية فيه بأن لا يكون أتى على أكثرها، وأما لو أتى على ذلك فليس له إلا بحساب ما بقي من عقلها.
وكذا المجني عليها من عين ورجل كالصحيحة، إن لم يأخذ لها -أي: للجناية- عقلًا، فإن أخذه ثم حلت جناية ثانية فإنما له من العقل
стр. 3226
بحساب ما بقي، قاله مالك، وعنه: العقل أيضًا كاملًا.
[عود على ما فيه الدية: ]
[١٤] وفي قطع لسان الناطق من أصله الدية كاملة، وإن قطع بعضه ولم يمنع ما قطع منه النطق ما قطعه فحكومة، وإن منع بعض الحروف فعليه بقدر ذلك، ولا يحسب في نقص الكلام على عدد الحروف، رب حرف أثقل من حروف في النطق، ولكن بالاجتهاد في قدر ما نقص من كلامه، قاله في المدونة.
فائدة:
قال في الذخيرة: قيل لمالك: اللسان يعود ينبت. قال: ينتظر إلى ما يصير إليه إن منع الكلام فالدية، ولا ينتظر العود.
ثم شبه بما تقدم أشياء فيها الحكومة بقوله: كلسان الأخرس يقطع كله فيه الحكومة فقط.
[ما فيه الحكومة: ]
وفي قطع اليد الشلاء حكومة، وكذا قطع الساعد بعد الكف، وفي أليتي المرأة حكومة عند ابن القاسم في المدونة؛ إذ لم يرد فيها نص، وقياسها على أليتي الرجل.
وفي كل أصبع من يد أو رجل خنصر أو إبهام أو غيره عشر للستة.
أشهب: في أليتيها الدية.
والألية بفتح الهمزة: لحم المقعدة.
وفي سن مضطربة جدًا إن قلعت حكومة، واحترز بقوله: (جدًا) عن اضطرابها يسيرًا، ففيه العقل.
وفي عسيب ذكر بعد قطع الحشفة حكومة، البساطي: في إطلاق العسيب على الباقي بعد الحشفة تجوز.
وفي حاجب واحد أو اثنين حكومة، قال الشارح: المراد شعره؛
стр. 3227
بدليل اقترانه بهدب العين، وهو شعرها.
ثم قال: ويحتمل أن يريد اللحم الذي فيه الشعر.
وقال البساطي: شعره ولحمه.
وفي هدب العين إن لم ينبت، وإن نبت فلا شيء عليه في الخطأ، وفي العمد الأدب.
وفي قلع ظفر خطأ حكومة، وعمدًا فيه القصاص وظاهر كلامه: الحكومة في الخطأ، ولو عاد لهيئته، والذي في المدونة القصاص في الظفر، إلا أن يقلع خطأ فلا شيء فيه إذا برئ وعاد لهيئته، فإن برئ على شين ففيه الاجتهاد.
تتمة:
قال البساطي: فإن قلت: قوله: (وفيه القصاص) هل هو خاص بالظفر، أو عام فيما ذكر.
قلت: في الكل خلاف، فإن جعلته عامًا فيكون تشهيرًا للتسوية، ولكن لم نر من شهره، وإن جعلته خاصًا بالظفر فيكون تشهيرًا للفرق.
وفي إفضاء -وهو: رفع الحاجز بين مخرج البول ومحل الجماع- حكومة، ونحوه للمؤلف وغيره، وتفسير البساطي بأنه (رفع ما بين مسلك البوب ومخرج الغائط، سواء كان طول الذكر أو رأس الحاجز فيه حكومة، وهو مذهب المدونة) لم أره لغيره، وقوله: (هو مذهب المدونة) راجع لقوله: (حكومة)، لا لتفسيره.
ولا يندرج الإفضاء تحت مهر، بحيث لا يجب فيه زيادة عليه، بل فيه زيادة، وروى محمد عن ابن القاسم: إذا بلغ ثلث الدية فعلى العاقلة، وإلا ففي ماله.
بخلاف البكارة؛ فإنها تندرج تحت المهر؛ إذ لا يتمكن من الوطء إلا بإزالتها.
стр. 3228
إلا أن يزيلها بأصبعه فلا تندرج تحت المهر.
تنكيت:
في معرفة عين الحكم إجمال؛ لأنه يحتمل أنه حكومة، وهو ظاهر قول البساطي: (صار جرحًا لا إفضاء)، ويحتمل سواء استمرت في عصمته أو طلقها، والذي في ابن شاس: إن أزالها بأصبعه ثم طلقها فعليه قدر ما شانها مع نصف الصداق، وينظر إلى ما شانها عند الأزواج في حالها وجمالها.
وقال ابن القاسم: عليه المهر كاملًا.
[دية الأصبع: ]
وفي كل أصبع من يد أو رجل: خنصر أو إبهام أو غيره عشر للسنة.
فائدة:
قال في الذخيرة: قال مالك: إذا كانت خلقة يده على أربعة أصابع ففي كل أصبع عشر من الإبل، وكذلك إن كانت ثلاثًا أو أصبعين؛ لأنه ظاهر النص.
وفي الأنملة من كل أصبع ثلثة بضم الثاءين، أي: ثلث الأصابع ثلاثة أبعرة وثلث بعير، إلا الأنملة في الإبهام فنصفه، أي: فنصف العشر؛ إذ ليس فيه غير أنملتين عند مالك، وعنه أيضًا ثلاثة أنامل، والخلاف في أنملة اليد، وأما أنملة الرجل فاثنتان اتفاقًا.
ثم ذكر شرط كون الزائد فيها عشر بقوله: وفي الأصبع الزائدة القوية عشر إن انفردت عن الكف وقطعت وحدها.
ومفهوم (القوية): أن الضعيفة ليست كذلك، وهو كما أفهم؛ إذ فيها حكومة.
ومفهوم (انفردت): لو قطعت مع اليد لم يزد لها شيء على الخمسين، وهو كذلك عند ابن القاسم؛ إعطاء للصورة النادرة حكم الغالب.
стр. 3229
تنبيه:
تعقب الشارح قوله: (إن انفردت) بأنه يقتضي أنها لو قطعت مع أصبع أو أصبعين لا شيء فيها، وليس كذلك؛ ولذا عدل عنه البساطي قائلًا: كعنى (انفردت) لم تقطع ضمنًا كما لو قطعت اليد انتهى. وهو ظاهر.
وفي كل سن من ثنية أو ناب أو رباعية أو ضرس خمس من الإبل، بفتح الخاء المعجمة.
[ما تجب هذه الدية: ]
وتجب هذه الدية بأحد أمور، أشار لأولها بقوله: وإن كانت سوداء خلقة أو بجناية بقلع من أصلها أو من عند اللحم بعد حين من الجنانة.
وأشار لثانيها بقوله: أو اسوداد فقط بعد بياضها بجناية عليها مع بقائها.
وأشار لثالثها بقوله: أو بهما، أي: بالسواد والقلع كذا قال المصنف، وقال ابن عبد السلام بقلع بعضها واسوداد الباقي.
وأشار لرابعها بقوله: أو حمرة أو صفرة بعد بياضها فيهما، إن كان ذلك عرفًا كالسواد أو باضطرابها جدًا، أي: وأما الخفيف بقدره، وإن ثبت من الثبوت بعد قلعها وإعادتها أو بعد اضطرابها جدا لكبير قبل أخذ عقلها أخذه، ولا يرده، سواء قضى له به ثم ردها فثبتت، أو قبل الحكم له بأخذه.
ثم في عدم الرد بالجائفة والموضحة والمنقلة والمأمومة، فقال: كالجراحات الأربع؛ فإنه اتفق على أخذ عقلها، وإن عادت لهيئتها، وإنما لم يذكر الجراحة الخامسة وهي الهاشمة لقول ابن القاسم: إنها لا بد أن تصير منقلة.
ورد المجني عليه دية أخذها لذهاب بصره في عود البصر بها، أخذ ذلك بقضية أو لا.
стр. 3230
تنبيه:
لم ينبه المؤلف على الرد في عود الكلام والعقل والسمع، أما الأول: فإنه إذا عاد بعد انقطاعه لزمه رد ما أخذه عند مالك وابن القاسم، وأما الثاني، فقيل: الذي يجري على مذهبه من مسألة البصر الرد.
وقال أشهب: لا يرد.
والفرق بين البصر والعقل على قول ابن القاسم هذا أن البصر إذا عاد علم أنه لم يذهب حقيقة، بخلاف العقل، كذا قيل، وفيه نظر؛ لأن العقل إذا زال لم يعد، وإنما حصل له ساتر، ثم انكشف.
وأما الثالث ففي البيان: حكمه إذا عاد قبل الحكم أو بعده كالبصر.
ورد ما أخذ في عود قوة الجماع، وفي عود منفعة اللبن بعد فساده، وفي لزوم عقل الأذن إن ثبتت بعد قطعها.
قال في البيان: وهو مذهب مالك.
وعدم لزومه وهو رأي ابن عبد الحق: إنه مذهب المدونة، تأويلان في فهم هذين الشيخين لها.
وتعددت الدية بتعددها ضميره عائد على متعلق الجناية بتعدد المتلف بالجناية، فلو قطعت يده فجن فديتان.
واستثنى من ذلك ما إذا زال المحل بما فيه، فقال: إلا المنفعة بمحلها فلا يتعدد، كما لو قطعت أذناه فذهب سمعه فدية واحدة، وساوت المرأة من أهل كل دين الرجل، أي: الرجل من أهل دينها في جراحة وتستمر مساواتها له لبلوغ ديتها لثلث ديته فترجع لديتها حينئذ، ففي أصبع المسلمة عشرة أبعرة، وفي اثنين عشرون، وفي ثلاثة ثلاثون، وفي ثلاثة ونصف أنملة إحدى وثلاثون وثلثان، فتساويه وتخالفه في ثلاثة وأنملة، فلها في ذلك ستة عشر بعيرًا وثلثان لبلوغها الثلث.
стр. 3231
قال ربيعة (١): قلت لابن المسيب (٢): كم في أصبع من أصابع المرأة؟
فقال: عشر من الإبل.
قلت: كم في أصبعين؟
قال: عشرون.
قلت: كم في ثلاث؟
قال: ثلاثون.
قلت: كم في أربع؟
قال: عشرون.
قلت: حين عظم جرحها واشتدت بليتها نقص عقلها.
قال: أعراقي أنت (٣)؟ !
стр. 3232
قلت: بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم.
قال: هي السنة، يا ابن أخي.
[ما يضم في اتحاد الفعل: ]
وضم متحد الفعل سواء اتحد المحل أو لا، كضربة واحدة في يد أو يدين أو في رجل أو رجلين أو يد ورجل فقطعت لها أصبعين أو ثلاثة؛ ففي كل عشر، فلو قطعت أربع فعشرون، وسواء كان الفعل من واحد أو جماعة، أو في حكمه، أي: حكم متحد الفعل، كضربات في فور واحد.
أو اتحد المحل في الأصابع يضم متحده، سواء تعدد الفعل أو اتحد، كضربات أو ضربة في يد واحدة فقطع لها أصبع أو أصبعان أو ثلاث، فأخذت لهن ثلاثين، ثم قطع لها بعد ذلك أصبعان أو أصبعين في ضربة أو ضربتين لكان لها في كل أصبع خمس؛ نظرًا لاتحاد المحل، ولو تعدد الفعل والمحل فلا ضم، كما لو ضربها واحدة فقطع من يدها ثلاثة فأخذت ثلاثين، ثم ضربها فقطع من الأخرى ثلاثًا فإنها تأخذ لها ثلاثين، فإن قطع بعد أصبعًا فأكثر من أي يد كانت أو من أي رجل فإن لها في كل أصبع خمس فقط، وهذا في الأصابع كما قدمناه.
فائدة:
قال الجوهري: الأصبع يذكر ويؤنث.
стр. 3233
[ما لا يضم: ]
لا الأسنان، فلا يضم بعضها لبعض، بل في كل سن خمس من الإبل، كان ذلك في ضربة أو ضربات على المشهور؛ لاتحاد المحل، وهو أحد قولي ابن القاسم.
ولا يضم المواضح، ولا المناقل، فلا ضم باتفاق، كما لو أوضحها موضحتين، فأخذت عقلهما، ثم أوضحها مواضح متعددة فلها عقلها، ما لم يبلغ ذلك في المرأة الواحدة الثلث.
ولا يضم عمد لخطأ، كما لو قطع لها ثلاث أصابع عمدًا، ثم أصبعًا خطأ، فتأخذ له عشرًا إن لم تعف عن العمد، بل اقتصت فيه أو صالحت عنه، وإن عفت، وإنما يضاف بعض الأصابع إلى بعض في الخطأ.
[من يحمل الدية: ]
ولما ذكر الديات في النفس وأجزائها، شرع في بيان من يحملها، فقال: ونجمت ويأتي البيان على التنجيم والمقصود هنا ذكر شروط حمل العاقلة، سواء كانت دية مسلم أو ذمي أو مجوسي أو نساء كل.
[شروط التنجيم: ]
وأشار للشرط الأول بقوله: دية الحر، فلا تحمل قيمة عبد، بل هي حالة على قاتله.
وأشار للثاني بقوله: الخطأ، فلا تحمل العمد.
وأشار للثالث بقوله: بلا اعتراف من الجاني، بل بالبينة وما في معناها من اللوت، وإنما لم تحمله لاتهام الجاني على إغناء ورثة المقتول.
ولما كان الجاني يدخل مع العاقلة في غرم جنايته، قال: على العاقلة والجاني.
وأشار للشرط الرابع بقوله: إن بلغ ذلك ثلث دية المجني عليه أو الجاني فأكثر على المشهور، فلو جنى مسلم على مجوسية ما يبلغ ثلث
стр. 3234
ديتها أو ثلث ديته حملته العاقلة، وإن جنى مجوسي أو مجوسية على مسلم ما يبلغ ثلث دية الجاني أو المجني عليه حملته العاقلة.
وبقي شرط خامس: أنها لا تحمل دية قاتل نفسه، كما سيأتي، والأصل في هذا ما رواه ابن عباس: "لا تحمل العاقلة عمدًا، ولا اعترافًا، ولا صلحًا، ولا ما دون الموضحة" (١).
[مسألة: ]
وما لم يبلغ ثلثها من الجراح فحال عليه، لا منجم ولا تحمله العاقلة كعمد ودية غلظت، فلا تحملها العاقلة، بل حالة فيهما على المشهور.
[مسألة: ]
ولا تحمل دية عضو ساقط فيه القصاص لعدمه، أي: لعدم مماثلة في الجاني، كقاطع يمين رجل لا يمين له.
[مسألة: ]
إلا ما سقط فيه القصاص مع وجود مثله؛ لكونه لا يقتص منه من الجراح، كالجائفة والمأمومة وكسر الفخذ لإتلافه لو اقتص منه فعليها على القول المرجوع إليه.
[أقسام العاقلة: ]
ولما جرى ذكر العاقلة بين أنها ثلاثة:
- العصبة.
- ويلحق بها أهل الديوان لعلة التناصر والولاء.
- وبيت المال.
стр. 3235
لا الموالاة ولا المحالفة، فقال: وهي العصبة، قال في الجلاب: قربوا أو بعدوا.
تنبيه:
سميت عاقلة لأنها تعقل لسان الطالب، وقيل غير ذلك.
[ترتيب أقسام العاقلة: ]
وبدئ بالديوان على العصبة، ثم ذكر شروط أهل الديوان بقوله: إن أعطوا، بأن استمر لهم العطاء عند ابن القاسم وأشهب، ثم إن لم يكن ديوان بدئ بها -أي: العصبة- ويقدم منها الأقرب للجاني فالأقرب، ثم إن لم يكن عصبة نسب قدم المولى الأعلى، وهو: المعتق بالكسر اتفاقًا؛ لأنه من العصبة، غير أن عصبة النسب مقدمة عليه، ثم المولى الأسفل، إن لم يكن أعلى، وفي بعض النسخ (ثم الموالي الأعلون ثم الأسفلون).
ثم بيت المال إن كان الجاني مسلمًا؛ لأنه يرث ماله إن لم يكن وارث، وهذا الشرط في بيت المال فقط؛ لأن ما قبله من الميراث يشترك فيه المسلم والذمي.
ومفهوم الشرط: أن بيت المال لا يعقل عن غير المسلم.
[عاقلة الذمي: ]
وأشار لما في المفهوم من التفصيل بقوله: وإلا يكن الجاني مسلمًا فالذمي يعقل عنه ذوو دينه، فلا يتعاقل أهل دينين، وضم إليه أهل كوره ككور مصر، أي: مدنه.
والكَوَر، بفتح الكاف والواو: جمع كُوره بضم الكاف وسكون الواو.
[عاقلة الصلحي]
والصلحي عاقلته أهل صلحه، ولو اختلفت قبائلهم، والحربي أهل ديته الحربيين.
وضرب على كل من العاقلة ما لا يضر بحاله، ويختلف الضرب
стр. 3236
بقدر الغناء والفقر، فيؤخذ من كل بقدره.
[عقل غير القادر: ]
وعقل عن صبي ومجنون وامرأة وفقير لا شيء معه وغارم، اللخمي: إذا كان عليه من الدين بقدر ما في يده ويفضل له ما يكون به في عداد الفقراء. انتهى.
وهذا مخالف لتفسير البساطي له: (هو الذي عليه دين يستغرق ما في يده)، فإنه غير ظاهر باتحاده مع الفقير حينئذ.
وهذا إذا حصلت الجناية لواحد منهم ولا يعقلون، فلا يغرمون مع العاقلة، كذا قال اللخمي؛ لأن الصبي والمرأة لا يناصر بهما، والمجنون غير مكلف، وهي إنما تدفع للإعانة، والفقير ينبغي أن يعان، والغارم إن كان لا يفضل عن دينه إلا ما يكون به في عداد الفقراء فلا يلزمه شيء.
والمعتبر من حال من يضرب عليه من العاقلة من لزوم وإسقاط وقت الضرب لا يوم القتل ولا يوم الأداء، فلو بلغ الصبي أو عقل المجنون أو اغتنى الفقير بعد الضرب لم يدخل.
ولا إن قدم غائب بعد الضرب لم يدخل، وأطلق المؤلف في الغيبة فشمل من غاب لحج أو غيره ليعود، وهو قول عبد الملك، وهو خلاف قول اللخمي: لا يدخل مع العاقلة منقطع الغيبة، وأما من خرج لحج أو غيره ليعود فإنه يدخل معهم إذا قدم.
[من لا تسقط عنهم: ]
ولا يسقط من ضربت عليه بعسره بعد الضرب عليه أو موته أو جنه.
[مسألة: ]
ولا دخول لبدوي من عاقلة القاتل مع حضري منها، ولا عكسه، ونحوه في المدونة، ولا يكون في دية واحدة: إبل وذهب ودراهم.
ولا شامي مع مصري وعكسه مطلقًا.
стр. 3237
قال الشارح: قربوا أو بعدوا.
ويحتمل اتحد ما يؤخذ منهما أو اختلف، وفسر البساطي الإطلاق بهما معًا.
[مدة التنجيم وصفته: ]
ولما قدم أن الدية تنجم ذكر مدة التنجيم وصفته بقوله: الكاملة من الديات السابقة في قوله: (دية الحر. . إلى آخره) سواء كانت دية مسلم أو مسلمة أو غيرهما، إبلًا كانت أو ذهبًا أو دراهم، في ثلاث سنين كل سنة ثلثها تحل النجوم الثلاث بأواخرها كل نجم بآخر ستة، وأول التنجيم من يوم الحكم به، لا ما قبله من يوم القتل، خلافًا للأبهري، ولا يوم الخصام أو صدور البينة، ونجم الثلث إن وجب ثلث، والثلثان على المشهور بالنسبة للكاملة، فالثلث في سنة والثلثان في سنتين، ومقابل المشهور حلول غير الكاملة، والقولان لمالك.
ونجم في النصف باعتبار الثلث في الكاملة، فالثلث في سنة، ثم للزائد، وهو ثلث سنة ثانية، فحكم النصف والثلثين واحد، ونجم الثلاثة الأرباع بالتثليث لكل ثلث سنة، ثم للزائد وهو نصف سدس سنة.
تنبيه:
تبع هنا ما شهره ابن الحاجب مع قوله في توضيحه: إنه لم يره، فضلًا عن كونه مشهورًا.
لكنه قال: لعل ابن الحاجب أخذه مما في المدونة: إن للثلاثة الأرباع ثلاث سنين.
فائدة:
قال عياض: من اتبع غيره في أمر يتعقب هو بمنجاة منه، والتعقب خاص بالأول.
стр. 3238
[مسألة: ]
وحكم ما وجب على عواقل متعددة كثلاثة رجال من قبائل شتى قتلوا رجلًا بجناية واحدة حكم الواحد، بأن حملوا صخرة فسقطت منهم عليه خطأ فالدية تنجم كل ثلث في ثلاث سنين، كتعدد الجناية عليها، أي: على العاقلة الواحدة، كأن يقتل رجل رجلين خطأ، فالديتان على عاقلته في ثلاث سنين.
ونبه على ذلك لئلا يتوهم أن الدية الثانية تنجم على العاقلة بعد وفاء الأولى.
[مسألة: ]
وهل حدها -أي: العاقلة التي لا يضم إليها أحد من أقرب القبائل- سبعمائة، لا ينتمون لأب واحد، أو الزائد على الألف، وأما الألف فيضم إليه غيره؟ قولان لسحنون.
[الموجب الثالث من موجبات القتل: ]
ثم شرع في الموجب الثالث من موجبات القتل، وهو: الكفارة، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية، فقال: ويجب على القاتل الحر، لا العبد؛ لأنه لا يصح فيه ذلك، المسلم لا الكافر؛ إذ ليس فيه أهلية التقرب، ويجب دان كان القاتل صبيًا أو مجنونًا في مالهما من باب خطاب الوضع (١)، لما كانت عوضًا عن النفس، فأشبهت أعواض المتلفات.
стр. 3239
أو كان القاتل شريكًا للصبي أو غيره، فيجب على كل واحد كفارة واحدة؛ لأنها لا تتبعض، إذا قتل مثله: حرًا مسلمًا، فلا تجب في قتل عبد.
معصومًا: لا من أبيح قتله، كزان محصن ونحوه.
خطأ: لا متعمدًا:
[١] عتق رقبة هي الكفارة مؤمنة سليمة من العيوب محررة لها.
[٢] ولعجزها -وهو: عدم القدرة عليها- شهران يصومهما كالظهار، تشبيه في العتق والصيام، وأنه يطلب في ذلك ما يطلب هناك من التتابع وغيره، وما يبطله هناك يبطله هنا.
وفي قول الشارح: (عتق رقبة خبر عن قوله: "على القاتل") تجوز؛ لأنه كثيرًا ما يطلق الخبر على ما تتم به الفائدة (١).
стр. 3240
[من لا تجب عليهم الكفارة: ]
ثم عطف على (معصومًا):
لا صائلًا، فلا تجب الكفارة على قاتل الصائل؛ لأنه ليس بقتل خطأ، ولا معصوم الدم.
وفي نسخة الشارح: (صائل) بالجر عطفًا على الحر المسلم.
ولا كفارة على قاتل نفسه؛ لأنه لا يتأتى خطابه بها؛ لأنها مشروطة بتقدم القتل، وإذا حصل القتل امتنع الخطاب بها وغيرها.
كديته، فلا تجب عليه؛ ولذا لا تنقل على العاقلة.
стр. 3241
[ما تندب فيه الكفارة: ]
وندبت كفارة القتل في إجهاز (١) جنين، كما استحسنها مالك فيه.
أبو الحسن: معناه استحبها، ولم يرد الاستحسان الذي هو أحد الأدلة.
وندبت في رقيق قتله حر مسلم مع غرم قيمته، وفي عمد وفي عبد للقاتل، فالرقيق الأول وإن سقط فيه القصاص لم يسقط الغرم، والرقيق الثاني مسقط (٢)، وكأنه قال: الغرم في العبد لا ينافي استحسان الكفارة، كذا قرره البساطي.
وقال الشارح: انظر قوله: (عبد)، هل هو تكرار أو يحمل الأول على الخطأ، والثاني على العمد، أو يحمل الأول على أن الرقيق مقتول، والثاني على أنه قاتل، [وفي قتل عمد عفي عنه.
ابن عبد السلام: استحسان مالك الكفارة في قتل العمد مستعر بأن القاتل عنده في المشيئة، وإن كان له ما يدل على خلاف ذلك، وهو أنه لا يصلى خلفه وإن تاب، وقد اختلفت الصحابة ومن بعدهم في قبول توبته وعدمها (٣)(٤).
стр. 3242
وعليه -أي: القاتل- مطلقًا: رجلًا أو امرأة، حرًا أو عبدًا، جلد مائة وحبس سنة.
ابن الحاجب: على الأشهر.
وإن بقتل مجوسي أو قتل عبده نفسه أو نكول المدعي عن يمين وجبت عليه في بلوث لم يثبت به قتل بعد دعواه على القاتل ذي اللوث -أي: الذي قام عليه اللوث- وحلفه، أي: حلفه ذي اللوث وبرأته.
وفهم من قوله: (مجوسي) أن الجلد والحبس في قاتل الذمي أحرى، ومن وجوب ذلك في (عبد نفسه) أنه في عبد غيره أولى، ومن (ذي اللوث) أن اللطخ الذي لا تجب به القسامة لا يوجب هذا الحكم، بل يطال سجنه السنون عند مالك.
وقال أشهب: يجلد مائة، ويحبس عامًا.
والقسامه -أي: مما يجب به القتل أو الدية- والمراد بها هنا الأيمان المذكورة في دعوى القتل.
стр. 3243
أشهب: هي سنة، لا رأي لأحد فيها، وكانت في الجاهلية، فأقرها رسول اللَّه ﷺ (١).
ابن عرفة: هي حلف خمسين يمينًا أو جزئها على إثبات الدم.
[سبب القسامة: ]
ولم يعرفها المصنف، بل قال: سببها الذي لا تصح بدونه مركبة من أربعة قيود:
أحدها وثانيها: قتل الحر، فلا قسامة في جرح وطرف على المذهب،
стр. 3244
ولا في عبده، وهو من إضافة المصدر لمفعوله.
ثم وصف المقتول بقوله: المسلم، وهو ثالث الأسباب، فلا قسامة في قتل كافر، سواء قتله مسلم أو كافر.
وأشار لرابعها بقوله: في محل اللوث بالمثلثة، وهو اللطخ وفسر المصنف اللوث بأنه أمر نشأ عنه غلبة صدق المدعي، فلا قسامة بمجرد الدعوى.
وذكر للقسامة خمسة أمثلة (١):
أشار لأحدها بقوله: كأن يقول بالغ لا صبي ولا مراهق على المشهور، حر لا عبد؛ لأنه مدع لغيره، مسلم فلا عبرة بقول كافر: قتلني فلان عمدًا، بل ولو قال: خطأ على المشهور.
ولا فرق بين كون القاتل حرًا أو عبدًا، مسلمًا أو كافرًا، ذكرًا أو أنثى، ويقبل قول المقتول.
أو كان مسخوطًا وادعى ذلك على ورع، ولو كان أورع أهل زمانه على المشهور.
فائدة:
قال في الذخيرة: خولفت قاعدة الدعاوى في قبول قول المدعي في خمس مسائل:
- الأمناء.
- واللعان.
- والقسامة.
- والغصب.
- والحاكم في التعديل والتجريح وغيرهما. انتهى بتقديم وتأخير.
стр. 3245
قوله: (وغيرهما) أي: كالشهرة عنده من عدالة الشاهد أو جرحته، فيعتمد على علمه بذلك، وكذا على إقرار الخصم بعدالة من شهد عليه، ونظمت الخمسة، فقلت:
أمين لعان والقسامة غاصب ... كذا حاكم في العدل والجرح يقبل
كغيرهما في الكل يقبل مدع ... بلا شاهد والنظم للحفظ يسهل
أو ادعى ولد على والده إنه أضجعه وذبحه، أو بقر بطنه ونحو ذلك، فقال ابن القاسم: يقسم أولياؤه ويقتلون الأب، وأما لو قال: رماني بحديدة ونحوها مما لا يقتل به الأب، أو قال: قتلني، ولم يزد، أو قتلني عمدًا أو خطأ، فالقسامة.
ودية الخطأ في الخطأ لو ادعت زوجة على زوجها فالقسامة على ظاهر المذهب، خلافًا لابن مزين؛ لأنه مأذون له في ضربها، وقد يتصل بالموت، وهذا إن كان في المدعي جرح، وهو قول ابن القاسم.
المتيطي: وبه العمل والحكم.
أو أطلق، وقال: قتلني فلان، ولم يبين عمدًا أو خطأ، ومات، وبينوا، أي: الأولياء بكونه عمدًا أو خطأ، فقال ابن القاسم: يقسمون ويستحقون الدية على العاقلة في الخطأ، والقصاص في العمد، وهو المشهور، وهذه والتي قبلها داخلتان في المبالغة.
لا خالفوا قول المدعي، بأن قال: خطأ، وقال أولياؤه: عمدًا، أو عكسه، فلا قسامة؛ لأنه في الأول إبراء القاتل، وهم في الثاني أبرؤوا العاقلة.
تنبيه:
لا يصح حمل كلام المصنف على قول ابن القاسم في المجموعة: إذا خالفوا فلا يقسموا، إلا على قوله؛ لأنه يصير مخالفًا لقوله: ولا يقبل رجوعهم لقوله بعد مخالفتهم له: على الصحيح؛ لأنهم أكذبوا أنفسهم،
стр. 3246
وتعلق لخصمهم حق بقولهم: أو لا على الصحيح، قاله أشهب.
ولا إن أطلق وقال بعض: عمدًا، وبعض: لا نعلم، هل عمدًا أو خطأ، ونكلوا، أو قالوا كلهم: عمدًا، ونكلوا، فلا قسامة، ويبطل الدم في المسألتين، بخلاف ذي الخطأ، أي: مدعيه إذا خالف غيره من الأولياء، وقالوا: لا نعلم خطأ أو عمدًا، أو قالوا: عمدًا، فله -أي: مدعي الخطأ- الحلف بجميع الأيمان، وأخذ نصيبه من الدية؛ لأنه مال أمكن توزيعه، بخلاف العمد فيسقط نصيبه، وليس لناكل حلف بعد نكوله؛ لأنه أسقط حقه، وإن نكل مدعو الدم، وردوا الأيمان على المدعي عليهم، لم يكن لهم الحلف بعد ذلك، قاله في الذخيرة.
وإن اختلفا ضمير التثنية للورثة فيهما -أي: في العمد والخطأ، فقال بعض: عمدًا، وقال بعض: خطأ- واستووا أي في الدرجة والقعدد، بأن كانوا كلهم بنين أو أخوة أو أعمامًا حلف كل منهم، وللجميع دية خطأ، ويسقط القتل.
وثنى المؤلف ضمير (اختلفا) باعتبار كونهما طائفتين:
إحداهما: تدعي الخطأ.
والأخرى: العمد.
وجمع ضمير (استووا) باعتبار الجميع عند تعددهم.
ومفهوم (استووا) أنهم لو اختلفوا لم يكن الحكم كذلك؛ ففي الموازية: لو قالت ابنته: خطأ، وعصبته: عمدًا، أن ذلك هدر، ولا قسامة، ولا قود، ولا دية؛ لأنه إن كان عمدًا فذلك للعصبة، ولم يثبت الميت لهم ذلك، وإن كان خطأ فالدية، ولم يثبت أنه خطأ، ويحلف المدعى عليه ما قتله عمدًا، ويحرز دمه.
[مسألة: ]
وإذا مات المدعي ولم يبين، فقال بعض ورثته: عمدًا، وبعض: خطأ، بطل حق ذي العمد بنكول غيرهم ممن ادعى الخطأ، ولا قسامة لهم
стр. 3247
ولا دية؛ لأن الدية إنما تجب لهم تبعًا لحلف مدعي الخطأ؛ لأنهم إنما يدعون الدم.
[مثال ثان للوث: ]
وأشار لمثال ثان من أمثلة اللوث بقوله: وكشاهدين بجرح أو ضرب عيانًا من شخص لآخر مطلقًا، سواء شهد أنه جرحه أو ضربه عمدًا أو خطأ، أو شهد على إقرار المقتول أن فلانًا جرحه أو ضربه، وبه ذلك الجرح أو الضرب، ويصرح في إقراره لهما بأنه ذلك كان عمدًا أو خطأ ثم يتأخر الموت من معاينة الجرح أو الضرب أو عن إقراره بذلك يومًا فأكثر، ولو أكل أو شرب، يقسم أولياؤه لمن جرحه أو ضربه مات.
وإنما قال: (بجرح أو ضرب) ليفارق المثال الأول، وهو قوله: (قتلني).
تنكيت:
تقرير الشارح لقوله: (أو إقرار) بأنه أقر أن فلانًا قتله يوجب التكرار مع المثال الأول.
[مثال ثالث من أمثلة القسامة: ]
وأشار لمثال ثالث مما يقسم فيه الأولياء شامل لصور بقوله: أو بشاهد بذلك الجرح أو الضرب مطلقًا عمدًا أو خطأ، ولو أكل وشرب وتكلم، وهو مذهب المدونة، ويقسم الأولياء معه يمينًا واحدة ليثبت اللوث ثم يقسمون إن ثبت الموت.
ومفهوم الشرط راجع لهذه والتي قبلها؛ إذ هو قبل ثبوته يحتمل أنه حي، ولا قسامة في حي، ونحوه للشارح.
وفي نسخة البساطي بدل (الموت): (اللوث)؛ فلذا قال: إن ثبت اللوث فهو عام في جميع مسائل القسامة.
أو بشاهد واحد بإقرار المقتول بالجرح أو الضرب فيقسمون معه
стр. 3248
بشرط أن يقول: عمدًا؛ لأن الدماء يعمل فيها باللوث، والعمد لوث محض، بخلاف الخطأ؛ فإنه جار مجرى الشهادة؛ إذ هو شاهد على العاقلة، فلا ينقل عنه إلا الاثنان، نص عليه أشهب.
كإقراره -أي: المقتول- أن دمه عند فلان، مع شاهد شهد أن فلانًا قتله مطلقًا -أي: عمدًا أو خطأ- فلا يكتفى بذلك، ولا بد من قسامة هذا كقول المدونة.
ولو قال المقتول: دمي عند فلان، وشهد أنه قتله، لم يجبر بذلك، ولا بد من القسامة.
أو إقرار القاتل في الخطأ فقط بشاهد ما تقدم إقرار المقتول، وهذا إقرار القاتل، وقرره الشارحان على ظاهره: أنه قتل فلانًا خطأ، فيقسم عليه مع الشاهد الواحد. انتهى.
وقال بعض من تكلم على هذا الموضع: إن في بعض النسخ (العبد) بدل (الخطأ)، وأنه هو صواب، وغيره خطأ صراح.
قال: وهذا التفصيل هو الأظهر عند ابن رشد؛ لأن في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: إيجاب القسامة مع الشاهد الواحد على إقرار القاتل عمدًا أو خطأ.
والثاني: لا قسامة في ذلك لا في العمد ولا في الخطأ.
والثالث: الفرق القسامة في العمد لا في الخطأ، وعلى هذا اقتصر سحنون، وعليه أصلح المدونة، وهو الأظهر؛ إذ قيل: إن إقرار القاتل بالقتل خطأ ليس بلوث يوجب القسامة، فكيف إذا لم يثبت قوله، وإنما شهد به شاهد واحد.
وإن اختلف شاهداه في صفة مثله، فشهد أحدهما أنه ذبحه، وقال الآخر: أقر عندي أنه حرقه بالنار، أو قال أحدهما: قتله بسيف، وقال الآخر: بحجر، بطل الحق.
стр. 3249
[المثال الرابع: ]
وأشار لمثال رابع بقوله: وكالعدل الواحد فقط يشهد في معاينة القتل، فيقسم الأولياء معه، ويستحقون الدم، وهو المشهور، وهو مذهب المدونة.
ومفهوم (فقط): أن غير العدل كالعبد والصبي والذمي لا يكون لوثًا، وهو كذلك، لم يختلف فيه قول مالك وأصحابه.
أو رآه -أي: العدل المقتول- يتشحط في دمه والمتهم بقربه وعليه من دليل آثاره، كسيف بيده وهو ملطخ بالدم، أو يراه خارجًا من موضعه وهو كذلك، وليس هناك غيره، وفي هذه لم يعاين القتل، وفي التي قبلها عاينه.
ووجبت قسامة الأولياء وإن تعدد اللوث، كشاهد على القتل مع شاهد آخر أنه رآه يقتله.
وذكر وجوبها بتعدد اللوث مع أنها تجب بانفراده لئلا يتوهم الاكتفاء بتعدده عن القسامة، فأفاد أنه لا يلفق لوث مع لوث آخر، ويقتل بغير قسامة.
وليس منه -أي: اللوث- عند مالك وجماعة من أهل الحجاز وجوده: المقتول مطروحًا بقريه قوم أو دارهم؛ لأن الغالب أن من قتله لا يتركه بموضع يتهم هو به، وذهب جماعة من أهل العراق إلى أنه لوث.
[مسألة: ]
ولو شهد [اثنان] على شخص أنه قتل، ودخل في جماعة، ولم يعرف، استحلف كل منهم خمسين يمينًا؛ لأن يمين الدم لا يكون إلا خمسين، والقاتل واحد، فيحتمل كل أنه هو القاتل، والدية عليهم بعد أيمانهم بغير قسامة؛ لأن البينة شهدت بالقتل، وكان الغرم على جميعهم للقطع بكذب أحدهم، وهو غير معين، وهذا مذهب ابن القاسم.
وحاصله: أنه جعل يمين الحالف تارةً تسقط عنه الغرم، وهو إذا حلف ونكل غيره، وتارةً لا تسقط عنه شيئًا، وهو إذا حلف الجميع.
стр. 3250
أو حلف بعض ونكل الباقون، فالدية على من نكل دون غيره، بلا قسام، ولم يحتج هنا ليمين المدعي مع نكول المدعي عليه، كما هو القاعدة؛ لثبوت الحق بالبينة، وإنما وجبت البينة لأجل الاحتمال لدفع التهمة، ولم يقتل الناكل لعدم القطع بصدق الحالف.
[مسألة: ]
وإن انفصلت بغاة خارجة عن طاعة الإمام لغارة أو عداوة بينهم عن قتلى من الطائفتين أو من غيرهما، ولم يعلم القاتل لهم من الفريقين، فهل لا قسام بينهم ولا قود -أي: قصاص- وهو لمالك في المدونة، وأبقاه لبعضهم على ظاهره، وهو معنى قوله: مطلقًا -أي: سواء ادعى المقتول أن دمه عند أحد أو قام له به شاهد.
أو لا قسامة ولا قود إن تجرد القتل عن تدمية من المقتول وعن شاهد، وأما إن دمي أو قام له شاهد فالقسامة، وبه فسر ابن القاسم قول مالك، وبه قال جماعة من أصحابه.
تنبيه:
أطلق المصنف في الشاهد، وقيده في البيان بكونه من غير إحدى الطائفتين.
أو لا قسامة إن تجرد قوله عن الشاهد فقط، ولو قال: دمي عند فلان؛ لأنه لما كان قادمًا على قتله لا يستنكر كذبه عليه، وتأولها على هذا بعضهم: تأويلات ثلاثة.
وفهم من قوله: (ولم يعلم القاتل) أنه لو علم ببينة لاقتص منه، قاله مالك، وكذا في المدونة، وصدر ابن الحاجب بما في الموطأ من أن العقل على كل فرقة للمصاب في الأخرى.
وإن لم يكن منهما فالعقل عليهما، أي: على كل فرقة في أموالهم.
قال في التوضيح: وهذا أظهر؛ لأن الغالب أن ما كان من طائفة منهما أن القاتل له من غيرها، وإن كان من غيرها فيحتمل أن يقتله الطائفتان أو
стр. 3251
أحداهما، ولا ترجيح، وعلى كل تقدير فديته عليهما؛ لتظافرهما عليه.
وقوله: (على كل فرقة)، أي: إذا لم يعلم قاتله ببينة، وأما إن علم اقتص منه.
[مسألة: ]
وإن تأولوا -أي: جماعة الطائفتين- تأويلًا مسموعًا فهدر دم المقتول أو المجروح من كل منهما، لا قصاص فيه ولا دية.
وفهم منه: لو كانت إحداهما باغية والأخرى متأولة لكان دم الباغية هدرًا، والمتأولة قصاصًا، قاله اللخمي، وهو مفهوم من الحكمين السابقين.
ثم شبه في الهدر فقال: كزاحفة على دافعة، فدم الزاحفة هدر لتعديها، ودم الدافعة قصاص، وإن كان القاتل والمقتول معًا من طائفة واحدة غلطًا فالدية عليها؛ لأنه خطأ، قاله اللخمي.
[تفسير القسامة: ]
ولما قدم سبب القسامة ذكر تفسيرها بقوله: وهي خمسون يمينًا، قال مالك: باللَّه الذي لا إله إلا هو، ولا يقتصر على: واللَّه، ولا يزيد: الرحمن الرحيم، التحديد تعيد، فلا يزاد على الخمسين، وإن كثر الأولياء، متوالية؛ لأنه أرهب وأوقع في النفس، بتًا -أي: قطعًا- لا على الظن.
ولما كان هذا الشرط لا يمنع الأعمى والغائب من الحلف بالغ عليه بقوله: وإن أعمى أو غائبًا حين القتل.
[يمين الوارث على قدر الميراث: ]
ثم ميز بين الحالتين في الخطأ والعمد بقوله: يحلفها في الخطأ من يرث المقتول من المكلفين.
وأشعر قوله: (من يرث) بتوزيعها على قدر الميراث، وهو كذلك اتفاقًا، إذا وجد متعدد، وكذا إذا انفرد واستوعب، كابن وأخ مثلًا، وكذا
стр. 3252
يحلفها من انفرد، وإن لم يستوعب الميراث كبنت أو أخ، وعلم حكم الأخ للأم من قوله: وإن واحدًا أو امرأة.
[جبر اليمين: ]
ولما قدم أن اليمين في الخطأ على قدر الميراث ويلزم منه انكسار بعضها على بعض الأنصباء، والانكسار قد يكون بأجزاء مختلفة أو متساوية، وعين كلًّا منهما بقوله: وجبرت اليمين على الحاصل فيها كسر على أكثر كسرها، ولو كان صاحب الكسر الكثير يمينًا وثلث، وعلى البنت ستة عشر وثلثان، فيجبر كسر البنت؛ لأنه أكثر، فتحلف سبعة عشر يمينًا.
واحترز بقوله: (على أكثر كسرها) عن قول صاحب المقدمات: (يجبرها أكثرهم نصيبًا).
وإلا يكن الكسر أكثر بل مساويًا كثلاثة بنين على كل ستة عشر وثلثان فعلى كل من الجميع تكميل ما انكسر من نصيبه، فيحلف كل من الثلاثة سبعة عشر يمينًا، وقس على ذلك.
ولا يأخذ أحد شيئًا من الدية إن غاب غيره أو صغر إلا بعدها، أي: بعد حلف جميعها، إذ لا يلزم العاقلة شيء من الدية، إلا بعد ثبوت الدم، وهو لا يثبت إلا بعد حلف جميعها، ثم حلف من حضر من الغائبين أو بلغ حصته منها، وأخذ نصيبه، وإن نكلوا -أي: الورثة كلهم- عن أيمان القسامة، أو نكل بعض فقط ردت الأيمان على العاقلة على عدتها، وحلفت العاقلة كل واحد يمينًا، ولو كانت عشرة آلاف، والقاتل كأحدهم، ويلغز بها.
فمن حلف فلا غرم عليه، ومن نكل منها فحصته عليه، يغرمها على الأظهر من أقوال خمسة، حكاها في البيان والمقدمات، قال: وهو أحد قولي ابن القاسم، وأبين الأقوال وأوضحها في النظر، وهذا مخالف لما في ابن الحاجب أن من نكل حلف غيره وأخذ حصته.
ولا يحلف في العمد أقل من رجلين، مالك: هو الأمر المجمع عليه
стр. 3253
عندنا، عصبة للمقتول من النسب، سواء ورثا أم لا، أو ورث أحدهما دون الآخر، وإلا يكن له عصبة من النسب فموالي أعلون؛ إذ عصوبتهم أبعد من عصوبة النسب؛ فلا يقسم الموالي الأسفلون.
وللولي الواحد فأكثر الاستعانه عن الحلف بعاصبه الذي يلتقي معه في أب معروف، وللولي فقط إذا استعان بغيره حلف الأكثر من الأيمان، إن لم تزد على نصفها، وهي خمسة وعشرون يمينًا، ووزعت أيمان القسامة على مستحق الدم، وتقدم أنهم إذا زادوا على خمسين لا يزاد عليها؛ لأنه خلاف سنة القسامة، واجتزئ في حلف جميعها باثنين طاعا من أكثر من غير علم ما عند غيرهما عند ابن القاسم، ولا يعد من لم يحلف ناكلًا، إلا أن يصرح بالنكول، ويستحق البقية مما يسحقون.
ونكول المعين غير معتبر؛ إذ لا حق له في الدم، وقد يرشى لينكل، وللولي أن ينظر معينًا غيره، فإن لم يجد بطل الدم، بخلاف نكول غيره من مستحقي الدم، إن لم يبعدوا، بل ولو بعدوا كأولاد مع أبيهم، فالسقوط أيضًا على المشهور، كما صرح بها الباجي، وإذا نكل بعض الأولياء وسقط الدم فترد الأيمان على المدعى عليهم بالقتل، فيحلف كل منهم خمسين يمينًا إن تعددوا؛ لأن كل واحد منهم مرتهن القتل، وإن كان واحدًا حلفها.
ومن نكل عنها ممن وجبت عليه من المدعى عليهم حبس حتى يحلف خمسين يمينًا أو يموت؛ لأن من طلب منه أمر سجن بسببه، فلا يخرج إلا بعد حصول ذلك المطلوب.
وقيل: حتى يحلف أو يطول.
ولا استعانة لمن ردت عليه اليمين بغيره في بعضها، بخلاف العاصب، وهو مذهب المدونة.
وفرق بأن الأيمان المسببة موجب، وقد يحلف فيها من يوجب لغيره، وأيمان الرد دافعة، وليس لأحد أن يدفع بيمينه ما تعلق بغيره.
وإن اكذب بعض من العصبة الحالفين نفسه بعد حلفه، بأن قال: إنه
стр. 3254
كاذب فيما ادعاه، بطل القود والدية؛ لأنه كالشاهد بالظلم على غيره، وإن كانوا قبضوا الدية ردوها.
بخلاف عفوه بعد ثبوته بالبينة، فللباقي نصيبه من الدية، ويسقط نصيب العافي.
ولا ينتظر ببعض أيمان القسامة صغير إذا كان هناك كبار، بل يحلف الكبار جميع الأيمان ويقتلون، بخلاف المغمي عليه والمبرسم، فإن كلًا منهما ينتظر لقرب زوال زمن مرضه، إلَّا ألَّا يوجد غيره: الضمير للكبير، ويحتمل عوده للصغير، فيحلف الكبير حصته والصغير معه حال حلفه؛ لأنه أرهب في النفس، ولا يؤخر الكبير لاحتمال موته أو غيبته قبل بلوغ الصغير فيبطل الدم، وإذا حلف الكبير انتظر بلوغ الصغير ليحلف حصته، وإن عفا الكبير اعتبر عفوه، وللصغير نصيبه من دية عمد.
[ما يترتب على القسامة: ]
ولما ذكر القسامة ذكر ما يترتب عليها، فقال: ووجب بها الدية في الخطأ والقود في العمد، أما العمد فللنص، وأما الدية في الخطأ فقياسًا على العمد من باب أولى، من واحد متعلق بالقود، فلا يقتل بها أكثر من واحد على المشهور، لضعفها عن الإقرار والبينة، تعين لها، وإن كانت التدمية على جماعة، ويقولون: لمن ضربه مات، ولا يقولون: من ضربهم.
وفهم من تعيين القسم عليه: أن القسامة في الخطأ على جميعهم، وهو كذلك، وتوزع الدية على عواقلهم في ثلاث سنين، كما في المدونة.
[مسألة: ]
ولما قدم أن القسامة مسببة عن قتل الحر المسلم، وهو مقتض لعدمها في الجرح، وكان حكم قتل الكافر والعبد والجنين حكم الجرح، قال: ومن أقام شاهدًا واحدًا على جرح أو قتل كافر أو عبد: عمدًا أو خطأ، أو على جنين حلف مع شاهده يمينًا واحدة في كل من المسائل الأربع، وأخذ الدية في كل منهما في الخطأ، واقتص في العمد.
стр. 3255
قيل لابن القاسم: لم قال ذلك مالك في جراح العبد، وليست بمال؟ فقال: كلمته في ذلك، فقال: إنه لشيء استحسناه، وما سمعت فيه شيئًا.
وإن نكل ردت اليمين الواحدة على المدعى عليه برئ الجارح ومن معه إن حلف، وإلا بأن نكل الآخر في كل الصور حبس حتى يحلف، ولو طال، ولابن القاسم: إن طال عوقب وأطلق، إلا أن يكون متمردًا، فيخلد في الحبس.
[فرع: ]
ثم فرع على كون القسامة في النفس فقط، فقال: فلو قالت دمي وجنيني عند فلان وماتت، ففيها هي القسامة؛ لأن قولها لوث يقسم فيها الأولياء، ولا شيء في الجنين؛ لأنه بمنزلة الجرح، والجرح لا يثبت باللوث، ولو استهل صارخًا.
وأفهم قوله: (قالت) لو ثبت موتها (١) وخرج جنينها حيًا ببينة أو عدل لكان فيها القسامة؛ لأنه نفس.
ويحلف ولي الجنين واحدة، ويستحق ديته؛ لأنه كالجرح، ولو استهل ففيه القسامة أيضًا.
ابن يونس: يحلف كل وارث ممن يرث الغرة يمينًا أنه قتله. واللَّه تعالى أعلم.
باب ذكر فيه حكم البغي، وما يتعلق به .
[تعريف الفرقة الباغية: ]
وعرف الفرقة الباغية المستلزمة لتعريف البغي بقوله: الباغية فرقة خالفت الإمام الأعظم أو نائبه:
стр. 3256
لمنع حق عليها للَّه أو للعباد.
أو لخلعه من الإمامة.
[حكم هذه الفرقة: ]
وإذا كان كذلك فللعدل من الأئمة قتالهم، لا لغيره؛ لاحتمال كون سبب خروجهم عليه فسقه وجوره (١)، وإن تأولوا في خروجهم عليه، فقد
قاتل أبو بكر مانعي الزكاة، وكان بعضهم متأولًا انقضاء الوجوب بموته ﵊؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾.
ونقاتلهم بجميع أنواع القتال كالكفار بالسيف والرمي بالنبل والمنجنيق والتفريق، ولا يمنعه من ذلك وجود النساء والذرية.
[ما يمتاز به قتال البغاة: ]
ولما كان قتالهم يمتاز عن قتال المشركين بأمور ذكرها ابن بشير وغيره، ذكر المؤلف بعضها، فقال:
- ولا يسترقوا؛ لأنهم أحرار مسلمون.
- ولا يحرق شجرهم ولا مساكنهم؛ لأنها من أموال المسلمين.
- ولا ترفع رؤوسهم -أي: من قتل منهم- بأرماح؛ لأنه مثلة، قاله في الذخيرة، وتقدم في باب الجهاد أن المشركين لا تحمل رؤوسهم من بلد إلى بلد، ولا إلى وال آخر، فيحتمل افتراق البابين بكون ما في الجهاد إن حملت رؤوسهم بأرماح ففي محلهم فقط، ولا تحمل من بلد إلى آخر، وما هنا لا تحمل بأرماح جملة.
- ولا يدعوهم بفتح الدال المهملة، أي: لا يتركون قتالهم لمدة سألوا التأخير إليها، كأيام وأشهر في قتالهم بمال، يدفعونه إلى الأمام، وهو المهادنة.
стр. 3259
- واستعين في قتالهم بمالهم من كراع وسلاح عليهم إن احتيح له، كان المحتاج الإمام أو غيره، ثم رد إليهم ما استعين به عليهم من ذلك بعد فراغ الحرب.
وما ذكرناه من الاقتصار على الكراع والسلاح فقط هو الذي في النوادر عن ابن حبيب عن ابن الماجشون، ولم يذكره غيره، ونحوه لابن الحاجب والشارح، وأبقاه البساطي على ظاهره.
كغيره من أموالهم، فإنه يرده إليهم من أخذه؛ لأنه مال مسلم، لم يزل ملكه عنه.
- وإن أمنوا بالبناء للمفعول مخفف الميم لم يتبع منهزمهم، وإنما يقاتلون مقبلين لا مدبرين.
- وإن أمنوا لم يذفف على جريحهم، أي: لا يجهز بالزاي المنقوطة، وفي [نسخة] دال: يدفف، الإعجام والإهمال.
ومفهوم الشرط: إن لم يؤمنوا اتبع منهزمهم، ودفف على جريحهم، ووقع الأمران لعلي ﵁، فقيل له في ذلك، فقال: هؤلاء لهم فئة ينحازون إليها دون الأولين.
وزاد ابن بشير أمورًا يمتازون بها عن قتال المشركين، انظرها في الكبير.
[ما يكره في قتال البغاة: ]
وكره للرجل قتل أبيه عمدًا مبارزة أو غيرها، وفهم من (أبيه) أن أمه أولى، وأنه لا يكره له قتل أخيه ولا عمه ولا جده ولأبيه ولا لأمه، وهو كذلك.
[مسألة: ]
ومن قتل أباه أو أخاه من البغاة ورثه، قال في الذخيرة: لأنه لم يستعجل ما أجله اللَّه له، ويلغز بها.
стр. 3260
[مسألة: ]
ولم يضمن باغ متأولًا أتلف حال بغيه نفسًا أو مالًا؛ لأن الصحابة أهدرت الدماء التي كانت في حروبهم.
وفهم من قوله (أتلف) أنه لو كان موجودًا لرده لربه، وهو كذلك؛ ترغيبًا لهم إلى الرجوع للحق.
[مسألة: ]
ومضى حكم قاضيه وحد أقامه عند عبد الملك؛ للضرورة ولشبهة التأويل؛ لئلا يزهد الناس في الإمام، فتضيع الحقوق، وردها ابن القاسم كلها لعدم صحة الولاية.
ابن عبد السلام: ظاهر المذهب إمضاء ذلك.
البساطي: الضمير في (قاضيه) والمرفوع في (أقامه) يرجعان إلى المتأول. وانظر بقية كلامه والكلام معه في الكبير.
[مسألة: ]
ورد ذمي قاتل معه -أي: مع المتأول- لذمته، ووضع عنه ما يوضع عن المتأول الذي قاتل معه، وقيد المعية مخرج لمن قاتل مع أهل العصبية المخالفين للإمام العدل، فإنه نقض لعهده، موجب لاستحلاله.
[مسألة: ]
وضمن الباغي المعاند غير المتأول النفس فيقتص منه، وضمن المال: قائمًا كان أو فائتًا؛ لأن خروجه مخالفة، والذمي معه -أي: مع المعاند- ناقض لعهده، فيباح دمه، وقاله ابن شاس.
[مسألة: ]
والمرأة المقاتلة مع البغاة كالرجل في التأويل والعناد من القتل وعدم قتل الأسير والتدفيف على الجريح ونحو ذلك، واللَّه تعالى أعلم.