لمنع حق عليها للَّه أو للعباد.
أو لخلعه من الإمامة.
[حكم هذه الفرقة: ]
وإذا كان كذلك فللعدل من الأئمة قتالهم، لا لغيره؛ لاحتمال كون سبب خروجهم عليه فسقه وجوره (١)، وإن تأولوا في خروجهم عليه، فقد
قاتل أبو بكر مانعي الزكاة، وكان بعضهم متأولًا انقضاء الوجوب بموته ﵊؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾.
ونقاتلهم بجميع أنواع القتال كالكفار بالسيف والرمي بالنبل والمنجنيق والتفريق، ولا يمنعه من ذلك وجود النساء والذرية.
[ما يمتاز به قتال البغاة: ]
ولما كان قتالهم يمتاز عن قتال المشركين بأمور ذكرها ابن بشير وغيره، ذكر المؤلف بعضها، فقال:
- ولا يسترقوا؛ لأنهم أحرار مسلمون.
- ولا يحرق شجرهم ولا مساكنهم؛ لأنها من أموال المسلمين.
- ولا ترفع رؤوسهم -أي: من قتل منهم- بأرماح؛ لأنه مثلة، قاله في الذخيرة، وتقدم في باب الجهاد أن المشركين لا تحمل رؤوسهم من بلد إلى بلد، ولا إلى وال آخر، فيحتمل افتراق البابين بكون ما في الجهاد إن حملت رؤوسهم بأرماح ففي محلهم فقط، ولا تحمل من بلد إلى آخر، وما هنا لا تحمل بأرماح جملة.
- ولا يدعوهم بفتح الدال المهملة، أي: لا يتركون قتالهم لمدة سألوا التأخير إليها، كأيام وأشهر في قتالهم بمال، يدفعونه إلى الأمام، وهو المهادنة.
стр. 3259
- واستعين في قتالهم بمالهم من كراع وسلاح عليهم إن احتيح له، كان المحتاج الإمام أو غيره، ثم رد إليهم ما استعين به عليهم من ذلك بعد فراغ الحرب.
وما ذكرناه من الاقتصار على الكراع والسلاح فقط هو الذي في النوادر عن ابن حبيب عن ابن الماجشون، ولم يذكره غيره، ونحوه لابن الحاجب والشارح، وأبقاه البساطي على ظاهره.
كغيره من أموالهم، فإنه يرده إليهم من أخذه؛ لأنه مال مسلم، لم يزل ملكه عنه.
- وإن أمنوا بالبناء للمفعول مخفف الميم لم يتبع منهزمهم، وإنما يقاتلون مقبلين لا مدبرين.
- وإن أمنوا لم يذفف على جريحهم، أي: لا يجهز بالزاي المنقوطة، وفي [نسخة] دال: يدفف، الإعجام والإهمال.
ومفهوم الشرط: إن لم يؤمنوا اتبع منهزمهم، ودفف على جريحهم، ووقع الأمران لعلي ﵁، فقيل له في ذلك، فقال: هؤلاء لهم فئة ينحازون إليها دون الأولين.
وزاد ابن بشير أمورًا يمتازون بها عن قتال المشركين، انظرها في الكبير.
[ما يكره في قتال البغاة: ]
وكره للرجل قتل أبيه عمدًا مبارزة أو غيرها، وفهم من (أبيه) أن أمه أولى، وأنه لا يكره له قتل أخيه ولا عمه ولا جده ولأبيه ولا لأمه، وهو كذلك.
[مسألة: ]
ومن قتل أباه أو أخاه من البغاة ورثه، قال في الذخيرة: لأنه لم يستعجل ما أجله اللَّه له، ويلغز بها.
стр. 3260
[مسألة: ]
ولم يضمن باغ متأولًا أتلف حال بغيه نفسًا أو مالًا؛ لأن الصحابة أهدرت الدماء التي كانت في حروبهم.
وفهم من قوله (أتلف) أنه لو كان موجودًا لرده لربه، وهو كذلك؛ ترغيبًا لهم إلى الرجوع للحق.
[مسألة: ]
ومضى حكم قاضيه وحد أقامه عند عبد الملك؛ للضرورة ولشبهة التأويل؛ لئلا يزهد الناس في الإمام، فتضيع الحقوق، وردها ابن القاسم كلها لعدم صحة الولاية.
ابن عبد السلام: ظاهر المذهب إمضاء ذلك.
البساطي: الضمير في (قاضيه) والمرفوع في (أقامه) يرجعان إلى المتأول. وانظر بقية كلامه والكلام معه في الكبير.
[مسألة: ]
ورد ذمي قاتل معه -أي: مع المتأول- لذمته، ووضع عنه ما يوضع عن المتأول الذي قاتل معه، وقيد المعية مخرج لمن قاتل مع أهل العصبية المخالفين للإمام العدل، فإنه نقض لعهده، موجب لاستحلاله.
[مسألة: ]
وضمن الباغي المعاند غير المتأول النفس فيقتص منه، وضمن المال: قائمًا كان أو فائتًا؛ لأن خروجه مخالفة، والذمي معه -أي: مع المعاند- ناقض لعهده، فيباح دمه، وقاله ابن شاس.
[مسألة: ]
والمرأة المقاتلة مع البغاة كالرجل في التأويل والعناد من القتل وعدم قتل الأسير والتدفيف على الجريح ونحو ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 3261
باب ذكر فيه الردة والسب، وأحكامهما، وما يتعلق بذلك
[تعريف الردة: ]
وعرفها المؤلف بقوله: الردة كفر المسلم، بأن يخرج عن الإسلام لأي ملة كانت: نصرانية أو غيرها، لا من كفر لآخر، فلا يكون مرتدًا.
[أمور تعرف بها الردة: ]
ابن عبد السلام: ولما كان لا قدرة للناس على معرفة إيمان بعضهم بعضًا، إنما يعلمون إسلام بعضهم بعضًا، احتاجوا للأمور التي تعرف بها ردة المرتد، فقالوا: إنها تكون: بصرج من اللفظ، كقوله: أشرك باللَّه، أو كفر به، أو بمحمد؛ ولوضوح هذا لم يصرح به، ومثل له البساطي بأن يقول: المسيح هو اللَّه، أو: العزير ابن اللَّه، أو: السبعة السيارة (١) هي الآلهة.
أو لفظ يقتضيه كجحد شيء علم من الدين ضرورة، كصلاة مثلًا، وبأن يقول: اللَّه تعالى جسم متحيز.
أو فعل يتضمنه، أي: الكفر، كإلقاء مصحف بقذر، أي: فيه، أو تلطخه به، أو يلطخ به الكعبة.
تنبيه:
قال البساطي: فإن قلت: لم قالوا في القول: يقتضي، وفي الفعل: يتضمن.
قلت: الفقهاء يطلقون التضمن على الالتزام، وهذا الفعل يلزمه إما تعظيم ما تعظيمه كفر، وإما إهانة ما إهانته كفر، وأما القول فلا جزء له
стр. 3262
يدل، فدلالته إما مطابقة أو التزام، وكلاهما دلالة اقتضاء، -وشد زنار وهذا فعل فقط.
- وسحر.
قال الشارح: هو من القول المقتضي للكفر.
وقال البساطي: هو مما اجتمع فيه الأمران القول والفعل. انتهى.
ابن العربي: هو كلام مؤلف يعظم به غير اللَّه، وتنسب إليه الكائنات والمقادير.
[ما هو كفر في الاعتقاد: ]
ثم ذكر المؤلف ما هو إخبار عن اعتقاد، فقال عاطفًا على المجرور:
- وقول بقدم العالم، وهو ما سوى اللَّه؛ لأنه يؤدي إلى أن صانع العالم غيره، أو بقائه أبدًا.
قال البساطي: وهو لازم للقول بقدمه، فلا حاجة له؛ لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه. انتهى.
وقد يقال: إنه بين به حكم ما لم يدع إلا الأول فقط.
- أو شك في ذلك، أي: في قدم العالم وحدوثه أو بقائه وقيامه، هذا مقتضى الإشارة في كلام المؤلف، فهما مسألتان، وجعلهما البساطي واحدة، أي: شك في قدمه وحدوثه.
- أو قال بتناسخ الأرواح، فإذا كانت النفس شريرة أخرجت من قالبها التي هي فيه، وألبست قالبًا يناسب شرها من كلب أو خنزير أو نحوه، فإن أخذت جزاء شرها بقيت في ذلك القالب تنتقل من فرد إلى فرد منه، وإن لم تأخذ انتقلت إلى فرد أشر منه، وهكذا حتى تستوفي جزاء الشر، وفي الخير تنتقل إلى أعلى، وكذلك، ولا حشر ولا نشر، ولا جنة ولا نار.
- أو أخبر في كل جنس من الحيوان نذير؛ لأنه يؤدي لتكليف جميعها، وهو خلاف الإجماع فيها، وفي التي قبلها، واحتجاج قائله بقوله
стр. 3263
تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ مردود بأنه يؤدي إلى اتصاف النبي بتلك الأوصاف الذميمة كالكلبية مثلًا، وفيه إزراء بالمنصب الشريف.
- أو ادعى شركًا مع نبوته ﵊، كدعوى مشاركة علي (١) له، وأنه يوحى إليهما معًا، وأن عليًا هو النبي، وأن جبريل ﵇ غلط (٢)، فكفر لمخالفة الإجماع والمحسوس؛ فإن عليا حين نزول جبرئيل على النبي ﷺ كان صبيًا لم يبلغ، وهذا قول أخبر به عن فعل.
- أو لمحاربة نبي، بأن قال: بجوازها؛ لاستلزام محاربة البارئ، وهو كفر.
- أو جوز اكتساب النبوة؛ لأنه يؤدي للخلل، ولتوهين ما جاء به النبي.
- أو ادعى أنه يصعد للسماء أو أنه يعانق الحور العين؛ لأن هذا الجزاء في الآخرة، فدعواه له في الدنيا كذب وتكذيب.
وفي (الذخيرة) و (الشفا) أشياء كثيرة، ذكرنا منها جملًا في الشرح الكبير.
- أو استحل محرمًا كالشرب.
[مسألة: ]
ثم أخرج من قوله (بصريح): لا قوله لآخر داعيًا عليه: أماته اللَّه كافرًا، نحوه في الذخيرة، وصوبه تلميذه ابن راشد.
وأشار له بقوله: على الأصح، ومقابله فتوى الكركي (٣) بكفره؛ لأنه
стр. 3264
أراد أن يكفر باللَّه، وما قررناه نحوه للشارح.
وقول البساطي: (عندي في كلام المؤلف أنه نسب ذلك لنفسه، وعوض عن الياء الهاء، لما جرى به العرف في الحكايات، وحينئذ لا يبعد فتوى من أفتى بالكفر، وإلا فوجهه بعيد على التصوير الأول) غير ظاهر؛ يبين ذلك قول الذخيرة عطفا على ما يكفر به، ومنه تأخير إسلام من أتى يسلم، ولا يندرج في ذلك الدعاء بسوء الخاتمة للعدو، وإن كان أراد الكفر؛ لأنه ليس مقصودًا فيه حرمة اللَّه، بل أذية المدعو عليه. انتهى.
وفرع تأخير الإسلام الذي أشار إليه أن الخطيب إن جاءه من يريد النطق بكلمتي الشهادة فقال له اصبر حتى أفرغ من خطبتي فإنه بحكم الخطيب؛ لأنه يقتضي أنه أراد بقاءه على الكفر زمنًا ما.
[مسألة: ]
وفصلت الشهادة فيه، فلا يكتفي القاضي بقول الشاهد: أشهد أنه مرتد أو كافر، حتى يتبين وجهه؛ لاختلاف الناس فيه، فقد يرى الشاهد تكفيره بما ليس كفر.
أو ظاهر كلامه: وجوب التفصيل، ونحوه في توضيحه.
[استتابة المرتد: ]
واستتيب -أي: عرضت عليه التوبة- وجوبًا على المشهور، لا استحبابًا، وأمهل ثلاثة أيام، وقال: أيام؛ لأنه لو لم يذكرها لتوهم ثلاث مرات، كما هو قول ابن القاسم، ولو أسقط (ثلاثة) أيضًا لتوهم أنه يستتاب في الحال، فإن تاب وإلا قتل، وهو لمالك، بلا جوع وعطش.
стр. 3265
مالك: ما علمت في استتابته تجويع ولا تعطيش، وأرى أن يقات من الطعام ما لا ضرر معه.
تتمة:
قال في النوادر: عن ابن القاسم يطعم من ماله زمن ردته، ثم قال: لا ينفق من ماله على ولده ولا عياله؛ لأنه معسر بالردة.
وبلا معاقبة في الثلاث إن تاب، وإن لم يتب حرًا كان أو عبدًا ذكرًا كان أو أنثى ارتد عن إسلام أصلي أو طارئ، تكرر ذلك منه أو لا، فإن مات في أثناء أيام استتابته فواضح، وإلا بأن استمر على ردته قتل ذكرًا كان أو أنثى حرة أو أمة، ولا يقر على كفره بالجزية.
[مسألة: ]
واستبرئت مرتدة متزوجة أو مطلقة رجعية أو سرية بحيضة قبل قتلها خشية حملها، وكان استبراء الحرة هنا حيضة؛ لأن ما عداها تعبد، وكذا تؤخر المرضعة إذا لم يجد من يرضعه، أو وجد ولم يقبل.
[مسألة: ]
ومال العبد إذا قتل مرتدًا لسيده يأخذه بالملك، وإلا يكن المقتول بالردة عبدًا بل حرًا ففيء لبيت المال اتفاقًا؛ لأنه وارث من لا وارث له، ولا يلزمه حكم الوارث، أو لأنه حائز، ولا يرثه ورثته المسلمين؛ لأنه غير مسلم، ولا المرتد إليهم؛ لأنه لا يقر على ذلك.
[مسألة: ]
وإذا قتل المرتد وله ولد صغير بقي ولده مسلمًا، ولا يتبعه؛ إذ بتبعيته له إنما تكون في دين يقر عليه، ويجبر على الإسلام إن أظهر غيره، كأن ترك حتى يبلغ، وأظهر خلاف الإسلام، فإنه يجبر عليه، ويحتمل أنه إذا ترك حتى بلغ ولم يظهر منه خلاف الإسلام فله حكم الإسلام.
وأخذ منه -أي: من مال المرتد- أرش ما جنى قبل ردته أو بعدها
стр. 3266
عمدًا على عبد لغيره أو على ذمي؛ لأنه لا يقتل به، فتعين المال لترتبه عليه، فلا يسقط عنه، وهو مذهب ابن القاسم في الموازية.
لا إن جنى عمدًا على حر مسلم، فلا يؤخذ أرش ذلك من ماله، بل سقط؛ لأن الواجب فيه القصاص، والقتل يأتي على ذلك كله.
كأن هرب المرتد لبلد الحرب بعد قتله للحر المسلم، ثم أسر سقط عنه القود؛ لأنه يقتل بردته، فالتشبيه فيما قبله تام، ويحتمل أنه هرب ولم نأسره، فلا يؤخذ من ماله أرش ولا دية.
قال في الجواهر: ولا ينفق على ولده وعياله منه، بل يوقف، فإن مات ففيء، وإن تاب ثم مات فلورثته.
والاحتمال الأول أظهر؛ لقوله: إلا حد الفرية، أي: القذف، فلا يسقط إذا أسرناه، ولو قتل لما يلحق المقذوف فيه من المعرة.
[مسألة: ]
والخطأ الحاصل من جناية المرتد إذا لم يتب مغرمها على بيت المال؛ لأنه يرثه، وأطلق ليعم ما إذا كانت على مسلم أو عبد أو ذمي، وتعقب في توضيحه تقييد ابن الحاجب بالمسلم بأنه لو قتل ذميًا لكان الحكم كذلك، نص عليه أصبغ.
ويرد هذا التعقيب على البساطي، لاقتصاره على المسلم.
كأخذه -أي: بيت المال- جناية عليه -أي: على المرتد- إذا لم يتب، وحاصله: أن بيت المال كما يغرم عنه يأخذ ماله فعليه ما عليه، وله ماله.
[مسألة: ]
وإن تاب ورجع له فماله له على المشهور، لا فيئًا، وقدر بعد توبته كالمسلم فيهما، أي: في الخطأ والعمد، أو في الجناية له وعليه، أو في النفس والجرح.
стр. 3267
قال الشارح: إلا أن هذا بعيد من كلامه دون الأولين.
[حكم مستسر الكفر: ]
وقتل المستسر بالكفر المظهر للإسلام وقتله حدًا بلا استتابه؛ إذ لا تعرف توبته، إلا أن يجيء تائبًا، قبل الظهور عليه، فلا يقتل، وتقبل توبته، وماله لوارثه المسلم عند ابن القاسم، وعليه أكثر أصحاب مالك لا بيت المال، بخلاف مال المرتد.
[مسألة: ]
وقبل عذر من أسلم من الكفار ثم ارتد، وقال في عذره: أسلمت عن ضيق، كإكراه أو اضطرار جزية أو ظلم، إن ظهر عند ابن القاسم.
ومفهومه: إن لم يظهر لم يقبل منه.
وظاهر كلام المصنف: وإن طال بقاؤه على الإسلام بعد زوال عذره.
كأن توضأ وصلى، ولو إماما، ثم لما أمن قال: إنه نصراني مثلًا، واعتذر بأنه فعل ذلك خوفًا على نفسه أو ماله، فلا يقتل، وأعاد مأمومه صلاته أبدًا.
وظاهره: ولو أسلم، وهو كذلك، وتقدمت إعادة مأمومه في الصلاة، فهي مكررة.
[مسألة: ]
وأدب من تشهد، بأن نطق الشهادتين، ولم يقف على بقية الدعائم من: صلاة وصوم وزكاة وحج ثم رجع، وكذا لو وقف عليها وأبى من التزامها ثم رجع، كساحر ذمي يؤدب إن لم يدخل بسحره ضررًا على مسلم، ظاهره: أي ضرر كان، فإن أدخله قتل؛ لنقض عهده، إلا أن يسلم.
تكميل:
قال الباجي: وكذا يؤدب إن سحر أهل دينه، إلا أن يقتل أحدًا بسحره فيقتل.
стр. 3268
فائدة:
قال سحنون: إن ذهب مسلم لمن يعمل له السحر أدب أدبًا موجعًا، ومن أدخل السكاكين في جوف نفسه فإن كان سحرًا قتل، وإن كان خلافه فيؤدب (١).
[ما تسقطه الردة: ]
وأسقطت ردة صلاة وصيامًا وزكاة فرط فيها قبل ردته، فلا يطالب بقضائها إذا رجع للإسلام.
وأسقطت حجًا تقدم فعله قبل ردته، فيجب عليه الحج إذا تاب على المشهور.
وأسقطت نذرًا أو يمينًا باللَّه أو بعتق أو بظهار عقد كل واحد من الأربعة قبل ردته، ثم رجع للإسلام.
تنبيه:
أطلق في العتق، وقيده ابن الحاجب بكونه في غير معين، وأما المعين فقد انعقد في ماله حق معين، فلا يسقط، كالمدبر، ولم يعتبر المؤلف التقييد.
وظاهر كلام المؤلف كالمدونة: أن الساقط بالردة نفس اليمين باللَّه تعالى، ونفس اليمين بالعتق، ونفس اليمين بالظهار.
ابن ناجي: وهو ظاهر اختصار أبي محمد، وتسقط أيمانه بالعتق والظهار.
ابن ناجي: وغيرهما من الأيمان. انتهى.
ويدل عليه قول عياض: وأما الظهار، فقال بعض مشايخي: معناه أنه حنث فيه، ووجبت فيه الكفارة، وأما لو لم يحنث فيه لم يسقطه ارتداده، كبينونته الطلاق.
وقال غيره: لا فرق بين مجرد الظهار واليمين، والردة تسقط ذلك.
стр. 3269
ابن ناجي: والخلاف موجود فيها.
وإذا علمت ما قلناه فحمل البساطي كلام المؤلف على أن الساقط الكفارة عن اليمين باللَّه، والكفارة في الظهار والعتق في اليمين بالعتق، لا أنه نفس اليمين؛ ليوافق المنقول: غير ظاهر؛ لأنه يقتضي أن لا منقول غيره، وليس كذلك، بل هو منقول، وهو ظاهر المدونة.
وأسقطت إحصانًا -أي: أبطلته- على المشهور، فإذا ارتدا أو أحدهما ثم رجعا إلى الإسلام صار حكمه لو زنا كالبكر.
وأسقطت وصية تقدمت عليها أو بعدها إن قتل على ردته أو تاب أو مات.
[ما لا تسقطه الردة: ]
لا طلاقًا تقدمها، لا تسقطه، فلو طلق ثلاثًا ثم ارتد ثم رجع لم تحل له حتى تتزوج غيره، فإن تزوجت زمن ردته حلت له.
ولا تسقط ردة محلل تحليله لمطلقته ثلاثًا، تزوجها ثم ارتد فإن ردتها لا تسقط إحلالها لمطلقها أولًا؛ لأن أثر الإحلال في غيره، بخلاف ردة المرأة إذا تزوجت بعد طلاقها ثلاثًا، ثم طلقها الثاني وحلت للأول، ثم ارتدت ثم رجعت للإسلام، فإن إحلالها يسقط على المشهور كالإحصان، ولا تحل لمطلقها أولًا إلا بعد زوج.
تنبيه:
قال الشارح في عبارته في هذين الفرعين: (قلت لقوله: "أولًا وأسقطت صلاة. . إلى آخره"، ثم قال: "لا طلاقًا"، أي: فلا تسقطه، ثم عطف عليه قوله: "وردة محلل بخلاف ردة المرأة فإنها يسقطها"، فهو معقد، ومراده ما تقدم.
البساطي: وقد يجاب بالعناية أن فاعل (تسقط): (ردة) مضافة، أي: وأسقطت ردة مكلف كذا وكذا، لا طلاقًا، ورده محلل لا تسقط تحليله، بخلاف ردة المحللة.
стр. 3270
[مسألة: ]
وأقر كافر انتقل من كفره لكفر آخر، كيهودي تنصر مثلًا، وعكسه؛ لأن حقيقته غير متعددة، وكله ملة واحدة، فليس المنتقل مبدلًا حتى يشمله خبر: "من بدل دينه فاقتلوه" (١).
[أولاد المسلمين تبع لآبائهم: ]
ولما قدم أن الإسلام قد يحصل لشخص بسبب قام به، ذكر أنه قد يحصل له بسبب قام بغيره، فقال: وحكم بإسلام من لم يميز لصغر أو جنون بإسلام أبيع فقط على المشهور، لا أمه، كأن ميز، ولم يراهق، يحتمل فيحكم بإسلامه تبعًا لأبيه، ويحتمل أنه أسلم، لا تابعًا لأبيه، والمسألتان منصوصتان، وعبر ابن الحاجب في الثانية بالأصح، وابن راشد بالمشهور، وابن رشد بظاهر المذهب.
إلا الوالد المراهق، فلا يحكم بإسلامه تبعًا، فهو مستثنى من قوله: (وحكم بإسلام من لم يميز)، وإلا المتروك لها، أي: للمراهقة، بأن أسلم أبوه وهو صغير، وعقل عنه حتى راهق، وبلغ اثني عشر سنة ونحوها، فلا يجبر على الإسلام بقتل إن امتنع منه، بل يجبر غيره ويوقف إرثه لبلوغه. قال الشارح: ولما كان المرتب على إيقاف المال واضحًا لم يحتج إلى بيانه.
[أطفال السبي: ]
وحكم بإسلام صبي لم يميز لصغره أو جنون تبعًا لإسلام سابيه، إن
стр. 3271
لم يكن معه أبوه، كانت أمه تبعًا أو لا، وهو كذلك، أما لو كان معه أبوه لم يحكم بإسلامه؛ لأنه تابع له.
تنبيه:
سكت هنا عن بيان حكم إسلام اللقيط؛ لأنه قدم في باب اللقطة أنه يحكم بإسلامه تبعًا للدار، وتلخص أن للتبعية ثلاثة أسباب:
- إسلام الأب.
- وإسلام السابي.
-وإسلام الدار.
[مسألة: ]
والولد المتنصر ونحوه من كأسير محمول على الطوع، ويصير مرتدًا تجري عليه أحكامه، إن لم يثبت إكراهه على المشهور؛ لأن أفعال المكلف محمولة على الاختيار.
[حكم ساب الرسول ﷺ -: ]
وإن سب -أي: شتم- نبيًا أجمع على نبوته بقرآن أو نحوه مما في معناه، أو ملكًا كذلك، والنبي أهم من الرسول، ولازم الأعم لازم الأخص.
أو عرض بالسب، كأن يقول قولًا في شخص وهو يريد خلافه، إيجابًا أو سلبًا، كقوله في القذف: أما أنا فإني معروف، أو لست بزان، أو لوح، وهو الإشارة البعيدة في الكل، ككثير الرماد المنتقل منه لكثرة الطبخ، ثم لكثرة الضيوف، ومنه للكرم، أو رمز وهو الإشارة لشيء يخفى مع القرب، كعريض القفا، إشارة للبلادة.
أو لعنه بصيغة الفعل أو غيرها، وكالدعاء عليه، أو تمنى مضرته، أو عابه نسبه للعيب، وهو خلاف المستحسن عقلًا أو شرعًا أو عرفًا في خُلُق أو خَلْق أو دين، أو قذفه بأن نسبه للزنا، أو نفاه عن أبيه، أو استخف
стр. 3272
بحقه، فأتى بما لا يقتضي تعظيمه تصريحًا أو تلويحًا، كما لو قيل له النبي نهى عن الظلم، فقال: لا أبالي بنهيه، ونحوه.
أو غير صفته كأسود أو قصير أو مات قبل أن يلتحي ونحوه.
أو ألحق به نقصًا، بأن ذكر ما يدل على نقصه، إن لم يكن في بدنه، وإن كان في بدنه عمدًا أو سهوًا أو نسيانًا.
وفي بعض النسخ: وإن في دينه، ومثله في الشفا.
أو في خصلته أو نسبه، أو غض من مرتبته، أو من وفور علمه، أو من زهده، وقد أفتى الأندلسيون على ابن أبي حاتم بالقتل في نفيه الزهد عنه ﷺ .
أو أضاف له ما لا يجوز عليه من سحر ونحوه، قال ربيع ابن حبيب القروي (١): مذهب مالك وأصحابه: من قال فيه: ما فيه نقص، يقتل من غير استتابه.
وجعل من أمثلته ميله لبعض نسائه.
أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه الشريف كمداهنة في تبليغ الرسالة أو في حكم بين الناس على طريق الذم له، وهو قيد فيما تقدم، أو قيل له بحق رسول اللَّه فلعن، كمن قيل له: بحق رسول اللَّه. فقال: فعل اللَّه برسول اللَّه كذا، وذكر كلامًا قبيحًا. فقيل له: ما تقول؟ يا عدو اللَّه. فقال أشد من الأول.
وقال: أردت برسول اللَّه العقرب، قتل، ولم يستتب، وقتل: جواب الشرط في قوله: (وإن سب)، حدًا على المشهور؛ لأنه زنديق، لا تعرف توبته إن كان مسلمًا أو كافرًا، إلا أن يسلم الكافر لخبر: "الإسلام يجب ما قبله" (٢).
стр. 3273
ولا يقال له: أسلم ولا لا تسلم، لكن إن أسلم فذلك له توبة، والقتل في المسلم والكافر.
[مسألة: ]
وإن ظهر من دليل حاله أنه لم يرد ذمه بذلك، ولا قصد سبه، بل إما لجهل حمله على ذلك أو سكر اضطره إليه، وأفتى أبو الحسن القابسي بقتل من شتم في سكره للظن به أنه يعتقد هذا أو يفعله في صحوه، وأيضًا هو حد لا يسقطه السكر كسائر الحدود من قذف وقتل وغيرهما.
أو تهور في كلامه، أو قلة مراقبة، أو ضبط للسانه، وعجمه؛ إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهاد، ولا بدعوى زلل في اللسان.
[مسائل فيها قولان بالقتل وعدمه: ]
وهل لا قتل فيمن قال: لا صلى اللَّه على من صلى عليه جوابًا لصل، وهو قول سحنون ومن وافقه، أو القتل وهو قول الحارث بن مسكين وغيره قولان.
[المسألة الثانية: ]
أو قال الأنبياء يتهمون، جوابًا لتتهمني، أفتى فيه قاضي قرطبة أبو عبد اللَّه بن الحاج بعدم القتل، وأما القاضي محمد بن منصور فإنه توقف عن القتل لاحتمال اللفظ عنده لأن يكون خبرًا عمن اتهمهم من الكفار، وشدد في تصفيده وإطالة سجنه، ثم استحلفه بعد على تكذيب ما شهد به عليه.
وقال عياض: كان اختلف شيوخنا في ذلك، فكان شيخنا أبو إسحاق بن جعفر يرى قتله لبشاعة هذا اللفظ.
ففي المسألة أيضًا قولان.
[المسألة الثالثة: ]
أو قال: جميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي ﵊، فأفتى فيه القاضي أبو محمد بن منصور بإطالة سجنه وإيجاع أدبه،
стр. 3274
إذا لم يقصد السب، وأفتى بعض الفقهاء بقتله، قولان في كل فرع من الثلاثة السابقة، وحذفه من الأولين لدلالة هذا عليه.
تنبيه:
وإذا لم يكن في هذين الفرعين الآخرين إلا النقل عمن ذكر، فكان الجاري على اصطلاح المؤلف أن يقول تردد.
[ما يستتاب منه: ]
ولما أسلف ما حده القتل، وما اختلف فيه هل حده القتل أو لا، أتبعه بما هو ردة يستتاب فيها، وما يؤدب فيه، فقال:
- واستتيب في قوله: هزم، فإن تاب وإلا قتل؛ لأن ذلك غير جائز عليه؛ لأنه على بصيرة من أمره، ويقين من عصمته.
وقال ربيع بن حبيب: يقتل دون استتابة عند مالك وأصحابه.
- أو أعلن بتكذيبه فإنه يستتاب، وأطلق التكذيب ليشمل دعوى الرسالة وغيرها، ونحوه في الشفا.
- أو تنبأ، أي: ادعى النبوة، وأنه يوحى إليه، يستتاب فإن تاب وإلا قتل لتكذيبه القرآن والسنة: الأول قوله: (وخاتم النبيين). والثاني قوله ﷺ : "لا نبي بعدي" (١)، أي: لا يتنبأ أحد بعده، وأما نزول عيسى بعد فنبوته سابقة، وإنما ينزل على أنه واحد من أمته، ويحكم بشريعته لا بشريعته هو؛ لأنها منسوخة.
إلا أن يسر بأن يدعو إليه سرًا على الأظهر عند ابن رشد فزنديق، لا تقبل توبته إن ظهر عليه، إلا أن يأتي ثانيًا قبل ظهوره، وفي النوادر يقتل، سواء أظهر ذلك أو أسره.
стр. 3275
[مسائل يؤدب فيها: ]
- وأدب اجتهادا في أد واشك للنبي ﷺ ، قال الشارح: وقعت المسألة في عشار طلب من شخص شيئًا، فقال له: أشكوك للنبي ﷺ ، فقال له العشار: أد واشك للنبي، فأفتى بعض الأشياخ بالأدب، وأفتى غيره بالقتل، ووافقه ابن عتاب.
- وأدب في قوله لو سبني ملك لسببته، أي: لما فيه من تنقيص الملك، وإن لم يقع ما وعد به.
- أو قال لآخر: يا ابن ألف كلب، ابن أبي زيد: أو يا ابن ألف خنزير ممن يجري في كلام السفهاء؛ لدخول بعض الأنبياء في هذا العدد، وإن علم أنه قصد الأنبياء قتل.
- أو عير بالفقر فقال لمن يعيره: تعيرني به والنبي قد رعى الغنم، قال مالك: قد عرض بذكره ﷺ في غير موضعه، أرى أن يؤدب.
- أو قال لغضبان كأنه وجه منكر أحد فتاني القبر، أو قال: وجه مالك الغضبان خازن النار أدب، ولو قصد ذم الملك قتل.
- أو استشهد ببعض شيء جائز عليه -أي: على النبي ﷺ في الدنيا من حيث هو بشر على طريق ضرب المثل حجة له أو حجة لغيره أدب.
- أو شبه نفسه به ﵊ لنقص لحقه، أو لمصيبة نالته ليدفع بذلك عن نفسه، لا على طريق التأسي به أو التحقير بل على قصد الترفيع لنفسه أو لغيره، أو على سبيل التمثيل وعدم الوقير لنبيه ﵊، ولم يقصد بذلك تنقيصًا ولا عيبًا ولا سبًا أدب.
كـ: إن كذبت -بالبناء للمفعول مشدد- فقد كذبوا، أراد إن أوذيت فقد أوذوا، أو أنا أسلم من ألسنة الناس، ولم يسلم منها أنبياء اللَّه ورسله.
- أو لعن العرب أو لعن بني هاشم، وقال: أردت الظالمين منهم أو الكفار، أدب باجتهاد السلطان، قاله ابن أبي زيد، لكنه قال في الثاني: يضيق القول على من قاله.
стр. 3276
[مسائل يشدد عليه فيها: ]
- وشدد عليه في قوله: كل صاحب فندق قرنان، ولو كان نبيًا، توقف أبو الحسن الفاسي في قتله، وأمر بشده بالقيود والتضييق عليه حتى تستفهم البينة عن جملة ألفاظه، ولم يدل على مقصده، وهل أراد أصحاب الفنادق اليوم، ومعلوم أنه ليس فيهم نبي مرسل، فيكون أمره أخف.
قال: ولكن ظاهر لفظه العموم لكل صاحب فندق من المتقدمين والمتأخرين، وقد كان فيمن تقدم من الأنبياء من اكتسب المال، ودم المسلم لا يقدم عليه إلا بأمر بين، وما ترد إليه التأويلات لا بد من إمعان النظر فيه.
- وشدد الأدب في نسبه قبيح قول أو فعل لأحد ذريته ﵊ مع العلم به أنه منهم.
ونظر الشارح بأنه لا خصوصية للأدب بذريته، بل يؤدب في حق غيرهم أيضًا.
وأجاب بأنه يزاد في الأدب بالنسبة لهم دون غيرهم، وبأن القبيح الذي لا يوجب أدبا في حق غيرهم يوجبه في حقهم. انتهى. ويحتاج هذا الثاني لنقل.
فائدة:
الذرية، مثلثه: النسل، وفي الشفا بعد أن ذكر شدة الأدب فيمن قال لآخر: يا ابن ألف كلب، وقد يضيق القول في مثل هذا لو قال لرجل هاشمي لعن اللَّه بني هاشم، وقال أردت الظالمين منهم، أو قال لرجل من ذريته ﷺ قولًا قبيحًا في ذريته، وأحرى في آبائه أو من نسله أو ولده على علم منه أنه من ذرية النبي ﷺ ، ولم تكن قرينة في المسألتين تقتضي خصوص بعض آبائهم، وإخراج النبي ﷺ من سبه منهم.
كأن انتسب له، ﷺ بغير حق صريح، أو احتمل كجوابه لمن قال له: أنت شريف النفس، أو ذو نفس، أو من أشرف نفسًا، أو أحسن نفسًا من ذريته ﷺ ، روى أبو مصعب عن مالك: من انتسب إلى بيت
стр. 3277
رسول اللَّه ﷺ يضرب ضربًا وجيعًا، ويشهر، ويحبس طويلًا حتى تظهر توبته؛ لأنه استخف بحقه ﷺ .
ويحتمل أنه يريد بقوله: (أو احتمل) وما بعده من قوله: أو شهد عليه عدل أو لفيف فعاق عن القتل عائق ما، قال في الشفا بعد الكلام على قتل الساب: فصل هذا حكم من ثبت عليه، وذلك مما يجب ثبوته من بينة أو عدول لم يدفع فيهم، فأما من لم تتم الشهادة عليه بما شهد عليه الواحد أو اللفيف من الناس، أو ثبت بقوله، ولكن احتمل ولم يكن صريحًا، وكذلك إن تاب على القول بقبول توبته، فهذا يدرأ عنه القتل، ويتسلط عليه اجتهاد الإمام بقدر شهرة حاله وقوة الشهادة عليه وكثرة السماع عنه وصورة حاله من التهمة في الدين، والنبز بالسفه والمجون، فمن قوي أمره أذاقه من شديد النكال من التضييق في السجن والشد في القيود إلى الغاية التي هي منتهى طاقته مما لا يمنعه القيام لضرورته، ولا يقعده عن صلاته، وهو حكم كل من وجب عليه القتل، لكن وقف عن قتله لمعنى أوجبه وتربص به؛ لإشكال وعائق اقتضاه أمره، وحالات الشدة في نكاله تختلف بحسب اختلاف حاله.
تنبيه:
وقع في نسخة بعض من تكلم على هذا المحل: (أو احتمل قوله أو شهد عليه عدل أو لفيف أو عاق عن القتل عائق)، قال: فهذه أربع صور، وكلها في الشفا، كما قدمنا.
ثم قال: وفي كثير من نسخ هذا المختصر: (فعاق) بعطفه بالفاء، وإضمار فاعله، أي: فعاق الاحتمال أو كون الشاهد واحدًا أو لفيفًا، فهي ثلاث مسائل فقط. انتهى.
واللفيف: اختلاط الناس، وفي الصحاح: ما اجتمع من الناس من قبائل شتى، يقال: جاءوا بلفهم ولفيفهم، أي: واختلاطهم، وقوله تعالى: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾، أي: مجتمعين مختلفين، وطعام لفيف إذا كان مخلوطًا من جنسين فصاعدًا، وفلان لفيف فلان، أي: صديقه، وباب من العربية
стр. 3278
يقال له: اللفيف؛ لاجتماع الحرفين المعتلين في ثلاثيه، نحو: ذوي وجي.
- أو سب من لم يجمع على نبوته، مما يقتل به من أجمع على نبوته، كالخضر ولقمان وذي القرنين ومريم وآسية وخالد بن سنان ونحوهم، وكذا سب من لم يجمع على كونه ملكًا، كهاروت وماروت، فيؤدب متنقصهم ومؤذيهم بقدر حال المقول فيه، أو سب صحابيًا: مشهور مذهب مالك أدبه الأدب الوجيع.
وظاهره: العموم في كل صحابي وكل سب، وظاهر كلام غيره: أن من رمى عائشة ﵂ بما برأها اللَّه به كفر.
وظاهر كلام بعضهم: كفر من كفر أحدًا من العشرة، وعن سحنون: من كفر واحدًا من الأربعة قتل، وينكل في غيرهم.
[حكم سب اللَّه تعالى: ]
ولما قدم حكم سابه ﷺ من قتل وغيره، قال: وسب اللَّه كذلك.
قال الشارح: يحتمل الإشارة إن اقتضى اللفظ التنقيص أو الإزدراء ونحوه قتل، وإن كان خفيفًا فلا، ويحتمل أن يفرق فيه بين المسلم والكافر، وأن الكافر يقتل إلا أن يسلم. انتهى.
وفي استتابة المسلم هنا دون سبه للنبي ﷺ ، وهو أحد قولي ابن القاسم، والمشهور عدم استتابته، وهو لابن القاسم أيضًا خلاف.
ثم شبه في مطلق الخلاف بقطع النظر عن التشهير فرعًا من هذه القاعدة بقوله: كمن قال: لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجبه، فاختلف فيها فقهاء قرطبة في قائل ذلك، وهو هارون ابن حبيبة (١) أخو عبد الملك (٢) الفقيه:
стр. 3279
- فأفتى أخوه عبد الملك وإبراهيم بن حسين بن عاصم (١) وسعد بن سليمان القاضي (٢) بطرح القتل عنه، إلا أن القاضي رأى عليه التثقيل بالحبس والشدة في الأدب.
- وأفتى إبراهيم بن حسين بن خالد (٣) بقتله، وأن قوله تضمن تحوير اللَّه تعالى، وتظلم منه، والتعريض فيه كالتصريح، ولم يقر واحد من الشارحين القولين، فإن كانا منقولين عن غير من ذكرنا فواضح، وإن لم يكونا إلا عنهم فكان ينبغي للمصنف أن يقول: (تردد)، على اصطلاحه، اللَّه أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه حد الزنا، وحكمه، وما يتعلق به، ويقصر ويمد للحجاز ونجد.
стр. 3280
[تعريف الزنا: ]
وحده المصنف بقوله: الزنا وطء، وهو كالجنس، فدونه ليس زنا لغة ولا شرعًا.
وأضافه إلى مكلف ليخرج الصبي والمجنون؛ فوطؤهما وإن كان زنا لغة لا يسمى زنا شرعًا.
ومخرج للمرأة؛ لأنها موطوءة لا واطئة، وأجيب بأن المصدر وإن كان مضافًا للفاعل قد يتكلف لدخول المفعول فيه؛ فإذا وطىء المجنون عاقلة بقيوده صدق عليه أنه وطء مكلف.
مسلم: وصف لـ (مكلف)، مخرج لوطء الكافر الكافرة، أو للمسلمة؛ إذ لا حد عليه في الصورتين، وتحد المسلمة في الثانية؛ لصدقه أنه وطء مسلم، ولا يضر كون اللفظة الواحدة مدخلة مخرجة.
فرج: معمول (وطء)، مخرج للوطء بين الفخدين ونحوه، آدمي: مضاف إليه مخرج لوطء البهيمة، ومدخل للواطئ.
لا ملك له -أي: للمسلم- فيه -أي: الفرج- مخرج للزوجة والأمة، وإن حرم وطؤهما لعارض حيض أو نفاس أو صوم أو إحرام؛ فلا يسمى زنا، ولا حد فيه.
ومخرج للمملوك الذكر؛ إذ المراد بالملك التسلط الشرعي، وشرط في هذا الملك المنفي كونه باتفاق؛ ليخرج وطء نكاح مختلف فيه، كوقوعه بغير ولي أو شهود، وقيد هذا الوطء بكونه تعمدًا؛ ليخرج الناسي والغافل والجاهل بالعين والحكم.
ولما ذكر القيود السابقة، وهي شاملة لأمور داخلة فيها، لكن يحتاج في دخولها لنظر، أفادها بالمبالغة، وعطف باقيها بـ (أو)، فقال: وإن لواطًا؛ لدخوله في قوله: (فرج آدمي)؛ لشموله الذكر والأنثى، أو إتيان أجنبية بدبر فإنه زنا على المشهور.
وقال ابن القصار: لواطًا.
стр. 3281
أو إتيان ميتة على المشهور، لدخوله في: (فرج آدمي)، غير زوج -أي: زوجة- لأنه شبهة، ولا خصوصية للزوجة، بل وكذلك الأمة.
أو صغيرة يمكن وطؤها؛ لحصول اللذة كالكبيرة، وأما من لا يمكن وطؤها فكالجرح لا يحد واطئها.
فائدة:
هذه إحدى المسائل الخمس التي لا حد عليها إن وطئت، وموطوءة الصبي، والمكرهة، والنائمة، والمجنونة، ونظمتها، فقلت:
موطؤة لصبي ثم مكرهة ... وذات جن وذات النوم فاتئد
لا حد إن وطئت منهم واحدة ... كذا الصبية فاحفظهن واعتمد
أو وطء مستأجرة لوطء أو غيره، كخدمة، أو وطء مملوكة تعتق على الواطىء، ولا يستقر ملكه عليها، كأمه وإن علت، وابنته وإن سفلت، وأخته من كل جهة؛ إذ ليس ملك هؤلاء شبهة تدرأ الحد.
أو وطء مملوكة يعلم حريتها في نفس الأمر، كوطئه من ليست بزوجة ولا ملك يمين، أو تزوج امرأة محرمة عليه بصهر مؤبد، كابنة زوجته المدخول بها، أو أم زوجته المدخول بها، فيحد بوطء الثانية لتأبيد تحريمها.
أو وطء خامسة عالمًا بالتحريم، ودخل بها، فيحد، أو وطء مرهونة أو مودعة؛ لأنهما عندنا كالمستأجرتين، وليس تسليط المرتهن على بيع المرهونة في الجملة شبهة تدرأ الحد.
تنبيه:
وهذا ما لم يأذن الراهن في وطئها؛ لأن الإذن في الوطء كالتحليل، ووإنما لم يذكره هنا اعتمادًا على ما قدمه في الرهن.
أو وطء ذات مغنم له فيها نصيب قبل القسم، خلافًا لعبد الملك، وأطلق مع أن ذلك مقيد بالجيش الكبير، وأما سرية يسيرة فلا حد اتفاقًا.
أو وطء حربية إذا وطئها بدار الحرب، وأما إن أخرجها من دار
стр. 3282
الحرب لبلاد الإسلام ثم وطئها فلا حد اتفاقًا.
أو وطء مبتوتة قبل زوج عالمًا بالتحريم، وإن كان وطؤه بعدة من طلاقه الذي طلقها فيه، فيحد.
وهل الحد إن لم يبت في مرة، بل في مرات متفرقات، أو وإن أبت في مرة بلفظ البت، أو الثلاث؛ لضعف من قال بإلزام الواحدة في الثلاث، وإنما يحد في المفترقات، وأما في مرة فلا عالمًا أو جاهلًا لقوة الخلاف في البتة، هل هي واحدة أو لا، وهو قول أصبغ تأويلان.
وظاهر المدونة خلاف تأويل أصبغ.
أو وطء مطلقة منه واحدة أو اثنتين قبل البناء ظنًا منه أنه لا يبينها إلا الثلاث فيحد، زاد في المدونة: إلا أن يعذر بجهل.
أو وطء معتقة له بلا عقد فيحد، والقيد راجع لها وللمطلقة قبل البناء، كأن يطأهما مملوكها فيحد؛ إذ لا ملك له فيها باتفاق، قاله اللخمي.
أو مكنت عاقلة مجنونًا من وطئها فتحد، وعكسه يحد هو، بخلاف وطء الصغيرة فلا حد، إلا أن يجهل الواطئ في جميع هذه المسائل العين الموطوءة بأن يجد امرأة نائمة بمنزله فيظنها زوجته أو أمته فلا حد، أو الحكم بأن يعلم عين الموطوءة، لكن جاهل للحرمة، فلا يحد إن جهل مثله ذلك؛ لقرب عهده بالإسلام.
[لا العذر بالجهل: ]
ثم استثنى من صور الجهل، فقال: إلا الزنا الواضح الذي لا يجهلما إلا النادر فيحد، ولا يعذر به كدعوى المرتهن حل وطء المرهونة.
[السحاق: ]
ثم أخرج من مقدر قبل قوله: (وإن لواطًا) الداخل في الزنا بقوله: لا فعل مساحقة: بكسر الحاء وفتحها، إذ ليس فيه إيلاج، فليس بوطء لغة ولا شرعًا ولا عرفًا، وأدب فاعله اجتهادًا عند ابن القاسم كسائر العقوبات، فقد
стр. 3283
يقع ذلك من واحدة فلتة، ومن أخرى عادة، كبهيمة يؤدب واطئها اجتهادًا، وهي كغيرها ممن لم يفعل بها ذلك في الذبح والأكل للحمها.
وللشافعي قول بقتلها، وهو لخوف الإتيان بولد مشوه، أو لأن بقاءها يذكر الفاحشة، فيعير بها قولان: أصحهما الثاني.
[ما لا يدخل في الزنا: ]
ولا يدخل في حد الزنا من حرم وطئه من زوجة أو أمة لعارض، كحيض ونفاس وصيام، أو مشتركة لا حد على شريك وطئها؛ لشبهة الملك، أو مملوكة معتدة لا حد عليه في وطئها، ونحوه لابن الحاجب والمدونة أو مملوكة لا تعتق، كعمته أو خالته، والأدب في ذلك كله بحسب اجتهاد الحاكم.
أو وطئ بنتًا على أم لم يدخل بها، أي: بالأم، فلا يحد بوطء البنت، وإن كان العقد عليها بعد العقد على أمها حرام مفسوخ، لكنه حلال في الجملة.
وكذا وطء امرأة على خالتها؛ لأنه يشبه التحريم لعارض، أو وطىء أختًا تزوجها على أختها، لا يحد؛ لوصف كل منهما بالحل في الجملة.
وهل عدم الحد في وطء الأخت على أختها مطلقًا سواء كانت من رضاع أو نسب وهو لأصبغ والتونسي وإنما عليه الأدب فقط، أو إلا أخت النسب ففيها الحد فقط؛ لتحريمها بالكتاب، وأما أخت الرضاع فبالسنة، وتحريم الكتاب أقوى؟ تأويلان، والثاني ذكره عبد الحق عن بعض شيوخه.
فائدة:
قال بعض الأشياخ: كل ما كان تحريمه بالكتاب ففيه الحد، وبالسنة لا حد فيه.
أو كأمه محللة أحلها له قريب أو أجنبي أو زوجته، فوطئها فلا حد عليه لشبهة الملك بالتحليل جاهلًا كان أو عالمًا على المشهور، ومراعاة لقول عطاء.
стр. 3284
وقومت عليه، سواء حملت أو لا؛ لتتم له الشبهة، ويقدر أنه وطىء ملكه، ويلزم التقويم وإن أبيا: المحلل والمحلل له لما يلزمه على تركه من صحة ما قصداه من عارية الفروج، وتؤخذ قيمتها من الواطىء إن كان مليئًا، وإن كان عديمًا بيعت عليه إن لم تحمل، وله الفضل، وعليه النقص، وإن حملت فالقيمة في ذمته.
أو مكرهة لا حد عليها اتفاقًا، أو مبيعة بغلاء بالمد لجوع ووطئت لا حد عليها.
مالك: وهي وزوجها معذوران.
والأظهر كأن ادعى شراء أمة، وأنكر البائع البيع، ونكل البائع عن اليمين، وحلف الواطئ أنه اشتراها، فلا حد عليه؛ لتبين أنه وطئ ملكه، وهو قول ابن القاسم، واختاره ابن راشد.
تنبيه:
ما ذكرناه هو الذي في أكثر النسخ، وفي نسخة البساطي: (وإن ظهر) بدل (الأظهر)، أي: وإن ظهر الملك، كأن ادعى شراء. . إلى آخره، وعلى هذه النسخة لا يعلم ما لابن رشد في المسألتين من الاختلاف.
والمختار عند اللخمي من الخلاف أن الزاني المكرَه بفتح الراء كذلك، لا حد عليه، وعليه المحققون.
عياض: والأكثر من أهل المذهب على خلافه، فيحد، أكرهه السلطان أو غيره المزني بها أو غيرها.
تتمة:
إن كان المكره بالكسر هي الزانية فلا مهر، وإن كان غيرها فمهرها على الزاني.
ابن عرفة: ويرجع هو على من أكرهه.
стр. 3285
[ما يثبت به الزنا: ]
ولما تكلم على ما هو زنا وما ليس بزنا، أتبعه بالكلام على الأسباب التي تعرف بها تلك الحقيقة، وهي ثلاثة ذكرها في الموطأ.
وأشار لأحدها بقوله: وثبت الزنا: بإقراره من الزاني على نفسه رجلًا أو امرأة مرة واحدة، إذا لم يرجع عنه اتفاقًا، واشترط أحمد وأبو حنيفة أربعًا، إلا أن يرجع عن إقراره، فتقبله، ولا حد عليه مطلقًا، سواء رجع شبهة أو لا كتكذيبه نفسه.
أو إلا أن يهرب وإن في أثناء الحد؛ لأن هروبه كرجوعه، ولا فرق بين كونه في أوائل الحد أو بعد مضي أكثره.
وأشار لثاني الأسباب بقوله: وبالبينة، وتقدم كونها أربعة، وما يتعلق بذلك في باب الشهادة، وإذا قامت البينة به على امرأة وادعت البكارة أو الرتق، فلا يسقط الحد عنها بشهادة أربع نسوة ببكارتها أو رتقها، وهو مذهب المدونة.
وأشار للسبب الثالث بقوله: أو ظهر بحمل في غير متزوجة: حرة أو أمة، وفي غير ذات سيد مقر به، أي: بالوطء، وأما إن كان منكرًا له حدت.
ولو ادعت من ظهر حملها أنها مغصوبة لم يقبل دعواهما الغصب بلا بقرينة تدل على صدقها، كما لو جاءت تدمى عند النازلة مستغيثة على المشهور.
[أنواع الحد: ]
ولما كان الحد ثلاثة أنواع:
- رجم فقط لا جلد معه.
- وجلد مع تغريب.
- وجلد فقط.
стр. 3286
[أولًا- الرجم فقط: ]
ذكرها بادئًا بالأول، فقال: يرجم المكلف: لا المجنون والصبي، ولو مراهقًا على المشهور.
الحر: لا العبد.
المسلم: لا الكافر على المشهور، ولو زنى بمسلمة.
إن أصاب: أي وطئ.
وعبر بالإصابة لأنه لا يشترط كمال الوطء، بل يكفي مغيب الحشفة أو قدرها من مقطوعها.
بعدهن: أي أصاب زوجته بعد اتصافه بأنه مكلف حر مسلم، ثم زنا بعد ذلك ولا يكون بالإصابة.
بنكاح: لا بملك.
ثم وصف النكاح بقوله؛ لازم، لا بما فيه خيار حكمي، كنكاح العبد وذي العيب.
تنكيت:
تعقب البساطي قول الشارح: (كنكاح العبد بغير إذن سيده) بأنه هو هنا انتهى.
وبيانه أن من شرط الإحصان الحرية والعبد، وإن لم يتعد في نكاحه، بل كان بإذن سيده، لا يكون محصنًا.
وقد يجاب عن الشارح بأن هذا إنما يتمشى على قول ابن القاسم بأنه لا يحصن واحد منهما، وأما على قول أشهب أن السيد إن أجازه كان إحصانًا، وإلا فلا.
ثم وصف النكاح بقوله: صح على ما قرره الشارحان من أن فاعله النكاح.
стр. 3287
وقال غيرهما: هو الوطء المعبر عنه بالإصابة؛ لأن لفظ اللزوم يستلزم الصحة، فلو عاد له لزم التكرار، ولزم الإحلال أيضًا، بشرط من شروط الإحصان، وهو كون الإصابة مباحة، لا في الحيض؛ لأن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا عند ابن القاسم، وهو المشهور.
[صورة الرجم: ]
بحجارة متعلق بـ (يرجم) معتدلة على المشهور، خلافًا لابن شعبان في قوله: يرجم بأكبر حجر يقدر الرامي على حمله، وهو خلاف للمشهور، كما حمله ابن عبد السلام، أو وفاق كما حمله ابن عرفة، قائلًا: لأن مراده سرعة الإجهاز عليه، ولا يختص الرمي بالظهر، بل بمواضع المقاتل: الظهر وغيره، ومن السرة إلى فوق، ويجتنب الوجه واليدان والرجلان؛ إذ هو من التعذيب.
ولم يعرف مالك بداءة البينة بالرجم، ثم الإمام يليها، ثم الناس، كلائط يرجم مطلقًا فاعلًا ومفعولًا أحصنا أم لا، وإن كانا عبدين، أو حرين، أو حرًا وعبدًا، أو كافرين، أو مسلمًا وكافرًا.
تنبيه:
الإطلاق في كلامه مخصوص بغير المكره والصغير، فلا رجم على واحد منهما.
[ثانيًا- الجلد: ]
وأشار للنوع الثاني بقوله: وجلد البكر الحر المسلم البالغ العاقل مائة.
اللخمي: بسوط بين سوطين: لا جديد ولا بال، وضرب بين ضربين في زمن بين زمنين من رجل بين رجلين لا بالقوي ولا بالضعيف، ولا يضع سوطًا فوق سوط.
وتشطر الجلد للرق ذكرًا كان أو أنثى، وإن قل جزء رقه، كالمبعض والمدبر والمكاتب وأم الولد والمعتق لأجل؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ﴾، والعبد في معنى الأمة من باب أولى، ولا فرق.
стр. 3288
وتحصن كل من الزوجين دون صاحبه بالعتق والوطء بعده [فيه دون صاحبه الذي لم يعتق إذا وطىء بعد العتق، ويقع ذلك في بعض النسخ، ونصها: والوطء والإحصان أخص من التحليل، لكثرة شروطه؛ إذ يشترط فيه الحرية، وقال (كل) لأن التحصين قد يكون في أحد الجانبين دون الآخر، وهو أربع نظائر، ذكرها في الإرشاد الجلاب، وذكرت في الكبير نظمًا ونثرًا] (١).
[ثالثا - الجلد والتغريب: ]
وأشار للنوع الثالث من أنواع الحد بقوله: وغرب الذكر لينقطع عن معاشه وتلحقه الذلة بغير بلده، لا الأنثى؛ إذ في تغربها إعانة على الفساد، أو تعريضها له، وإن غربت مع محرم غرب من ليس بزان، أو مع غيره خولف، لخبر: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم" (٢).
الحر فقط، لا الرقيق: ذكرًا كان أو أنثى؛ لحق السيد في الخدمة، فيتأذى بالتغريب غير الجاني، ويستمر محل التغريب عامًا كاملًا، وأجره في حمله ومؤنته لموضع تغريبه عليه في ماله؛ لأنه من متعلق جنايته، فإن لم يكن له مال فمن بيت المال، وانظر إن لم يكن بيت مال، أو كان ولم يتوصل إليه، ولا يبعد في تغريبه، بحيث يتعذر منفعة ماله إليه، بل كفدك وخيبر من المدينة الشريفة.
وفدك: بدال مهملة، وهل هي مدينة أو قرية من قرى خيبر، الأول لعياض، والثاني للجوهري.
وهل بينها وبين المدينة يومان أو ثلاث مراحل؟ خلاف، ونفى رسول اللَّه ﷺ من خيبر، ونفى عمر لكل منهما، وعلي من الكوفة للبصرة.
стр. 3289
وإذا غرب فيسجن سنة بموضع تغريبه، ابن القاسم: ويحسب من يوم يسجن.
تتمة:
ظاهره: أنه يخلى بعد العام إن لم تظهر توبته، وهو كذلك، بخلاف المحارب حتى تظهر توبته.
وظاهره كابن الحاجب: أن من لا يغرب لا يسجن، فلا يسجن المرأة ولا الرقيق، فإن عاد المغرب إلى بلده قبل تمام السنة أخرج ثانيًا.
قال في التوضيح: وهو الذي يؤخذ من الجواهر.
تنبيه:
قال: (أخرج) ولم يقل: (أعيد)؛ لأن الإعادة تقتضي تعيين موضعه الذي كان فيه أولًا، وأخرج لا تقتضي ذلك، ويحتمل أن يريد إن عاد إلى الزنا ثانيًا حد وجلد وغرب، وعليه اقتصر ابن راشد.
تنبيهات:
الأول: قال في التوضيح: انظر إذا أعيد: هل يبني على ما تقدم، أو يستأنف، والظاهر البناء. انتهى.
وما استظهره من البناء سبقه إليه ابن عسكر في معتمده، وحكاه صاحب الشامل ترددًا.
الثاني: قال ابن عبد السلام: انظر لو زنى في المكان الذي نفي إليه، أو زنى الغريب بغير بلده، هل يكون سجنه في المكان الذي فيه تغريب؟
الثالث: ظاهر كلامه: أنه يخرج حين عوده، ولو بقى من السنة قليل.
[مسألة: ]
وتؤخر الزانية المتزوجة لحيضة استبراء، ولا ترجم عقب زناها؛ لاحتمال كونها حاملًا، إن لم يقل الزوج كنت استبرأتها.
стр. 3290
[مسألة: ]
ويؤخر بالجلد من هو حده، وينتظر به اعتدال الهواء بالمد، ولا يجلد في برد وحر مفرطين؛ خوف الهلاك، والتأخير للبرد نص عليه مالك، وألحق به ابن القاسم في المدونة الحر.
[من له إقامة الحد: ]
وأقامه الحاكم، أي: الحد مطلقًا في حر أو عبد، وأقامه السيد في رقيقه: ذكرًا أو أنثى؛ لخبر: "أقيموا الحدود على ما ملكت إيمانكم" (١).
تنبيه:
أطلق في الحد، وفي ابن الحاجب حد الزنا والخمر والقذف، قال في التوضيح: ولا يقيمه في السرقة وغيرها إلا الوالي، وهذا إن لم يتزوج رقيق السيد بغير ملكه -أي: ملك السيد- حرًا أو عبدًا، فإن تزوج بغير علمه لم يقمه عليه حينئذ إلا الإمام؛ لحق الآخر من الزوجين، وحق سيده.
وإذا كان رقيقًا في الفراش وما يحدث فيه من الولد، وإلى كونه بالطريقة المذكورة قال: بغير علمه، وهو مذهب المدونة، وأحد الروايتين، والأخرى: يقيمه بعلمه.
[مسألة: ]
وإن أنكرت امرأة الوطء بعد إقامتها مع زوجها عشرين سنة، ثم زنت ولم يكن منها إنكار لترك الوطء قبل ذلك، وخالفها الزوج، وأقر بوطئها، فالحد واجب عليها، لا يزيله إنكارها؛ لأنها محصنة، وهذه مسألة نكاح المدونة.
стр. 3291
[مسألة: ]
وعنه -أي: الإمام- في كتاب الرجم منها في الرجل من تزوج امرأة وطال سكنه معها بعد الدخول، فشهد عليه بالزنا، فقال: لم أطأها منذ دخلت بها، يسقط عنه الحد؛ للشبهة ما لم يقر به، أي: بالوطء، أو ما لم يولد له، فيرجم حينئذ.
وأولًا ما في الموضعين على الخلاف -أي: بالوطء- لاختلاف الجواب، والمسألة واحدة، واختلف: هل تقييد مسألة النكاح بما في الرجم، ويطرح ما في النكاح، وهو قول يحيى بن عمر؛ لقوله: إن مسألة الرجم خير من مسألة النكاح، أو بالعكس، وإليه ذهب سحنون، أو ما في الموضعين وفاق، وهما مسألتان، وإليه ذهب جماعة، ولهم في كيفية التوفيق أوجه، أشار لأحدها بقوله: إنما حدث لخلاف الزوج في الأولى فقط دون الثانية، حيث ادعى الوطء فضعف إنكارها، ومسألة الزوج لم تخالفه الزوجة، فقوي إنكاره، ولو خادعته لاتفقت المسألتان في عدم القبول، كإنفاقهما في القبول لو وافقها الزوج، واختار ابن يونس هذا الوجه.
وأشار لثانيها بقوله: أو إنما حدت لأنه -أي: الزوج- إذا حصل له مانع الوطء يسكت غالبًا، أو يخفيه؛ لأنه عيب، وهي لا تسكت عن عيبه لو كان، ورد بأنه لو لم يكن وطأها لم تسكت.
ولثالثها بقوله: أو لأن الثانية التي قبل فيها قول الزوج مدتها قصيرة لم تبلغ عشرين سنة كالأولى، ولو بلغها لم يقبل قول الزوج كالزوجة: تأويلات أربع.
[مسألة: ]
وإن وجدت امرأة مع رجل وقالت: زنيت معه، وادعى هو الوطء، والزوجية، ولا بينة، حُدَّا، أو وجدا ببيت وأقرا به -أي: بالوطء- وادعيا النكاح، ولا بينة ولا فشو يقوم مقامها، حُدا؛ لأن الأصل عدم السبب المبيح، وقيده بعض الشيوخ بغير الطارئين.
стр. 3292
أو ادعاه -أي: الرجل النكاح- وصدقته هي ووليها، وقالا لم نشهد إذ ذاك ونحن نشهد الآن، حُدَّا؛ لإرادتهما إسقاط حد قد وجب، إلا أن يكون أمر قد عرف وسمع، فيجوز، ولا يثبتان على ذلك حتى يأتنفا نكاحًا جديدًا بعد الاستبراء.
وحذف (حُدَّا) من الأوليين لدلالة الثالثة عليهما، وهذه المسائل الثلاث في المدونة.
* * *
باب ذكر فيه حد القذف، وحكمه، وما يتعلق به
[تعريفه: ]
وهو بالذال المعجمة، وأصله: الرمي بالحجارة ونحوها، ثم استعمل مجازًا في الرمي بالمكاره، وسماه اللَّه تعالى رميًا، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾، وسمي فرية؛ لأنه من الافتراء والكذب، وهو من الكبائر والموبقات؛ ولعظمه أوجب الحد، ولو نسب شخص غيره للكفر لم يحد.
وحده المؤلف بقوله: قذف المكلف من إضافة المصدر لفاعله، شرط مركب من شرطين:
- العقل.
- والبلوغ.
فلا حد على صبي ولا على مجنون قذف غيره.
[شروط المقذوف: ]
ثم ذكر شروط المقذوف بقوله:
- حرًا، فلا حد على مكلف رمى رقيقًا.
стр. 3293
- مسلمًا، فلا يحد قاذف كافر.
[نوعا القذف: أولًا- قطع النسب: ]
ثم ذكر المقذوف به كونه بنفي نسب: صريحًا أو ما يقوم مقامه، كـ: الإشارة في حق الأخرس، ومثل له البساطي بغير الصريح بقوله: يا ابن فلان، لمن لا ينسب إليه.
عن أب أو جد لأب، كـ: لست ابن فلان، أو ليس فلان جدك؛ لثبوت الأبوة بالحكم وغلبة الظن، أو للتنويع لا للتشكيك؛ لأن الحد لا يقبل الشك.
لا بنفي عن أم لتيقن الأمومة، فعلم كذبه بنفيه عنها، ولا حد بنفي نسب إن نبذ به ما دام منبوذًا، فإن استلحقه أحد ولحق به انتفى كونه منبوذًا، وحد قاذفه حينئذ، سواء نفاه عن أبيه فقط، أو عن أمه أو عنهما.
وأما إذا قال له: يا ولد زنا، حد؛ لاحتمال كونه لرشدة، بكسر أوله، خلاف الزانية.
[النوع الثاني من القذف: ]
ولما كان القذف نوعين:
أحدهما: قطع النسب، وقدمه.
- والثاني: الرمي بالزنا عطفه على قوله: (بنفي)، فقال: أو بزنا، ويدخل فيه اللواط؛ لأنه أحد نوعيه.
[شروط متعلقة بالمقذوف: ]
ثم ذكر شروط حد المقذوف بقوله: إن كلف، فلا حد على قاذف صبي أو مجنون، وعف عن ما قذفه به، وعفته تحصل عن وطء يوجب الحد، فمن رمى رجلًا بوطء خيمة أدب أدبًا وجيعًا؛ إذ لا حد على من أتاها.
стр. 3294
فائدة:
كل ما لا يقام فيه الحد ليس على من رمى به رجلًا حد الفرية.
بآلة، فقاذف المجبوب قبل بلوغه والعنين لا حد عليه؛ لتبين كذبه، فلا معرة.
وبلغ المقذوف الذكر بلوغ التكليف، فهو معطوف على (كلف)، وكرره ليرتب عليه قوله: كان بلغت الأنثى الوطء، فيحد قاذفها حينئذ، ولا يشترط بلوغها حد التكليف.
تنبيه:
قال في التوضيح: إن اشتراط البلوغ في اللواط إنما هو في حق الفاعل لا المفعول به، وهو أولى من البنت في ذلك؛ للحوق المعرة.
أو مجهولًا: معطوفا على (نبذ)، أي: منسيًا، وفي بعض النسخ (محمولًا) موضع (مجهولًا)؛ إذ لا يعلم صحة انتسابهم إلى آبائهم، بدليل أنهم لا يتوارثون، فمن نفاهم عن آبائهم لم يتحقق بذلك قطعه عن نسبهم.
تنبيه:
تلخص من كلامه أنه يراعى في القذف سبع خصال: اثنان في القاذف:
- البلوغ.
- والعقل.
وخمسة في المقذوف:
- البلوغ.
- والعقل.
- والإسلام.
- والحرية.
стр. 3295
- والعفة عما رمي به.
واثنان في المقذوف به:
- كونه وطءًا يلزم به الحد.
- أو نفي نسب المقذوف عن أب أو جد.
وإن ملاعنة وابنها داخلان في حيز الإثبات، فمن رماها بالزنا فيما لوعنت بسببه، أو قال لابنها: إنه ولد زنا بسبب نفي النسب حد؛ لأنه لم يثبت قطعًا، ولو ثبت لرجمت.
أو عرض بالقذف غير أب حد إن أفهم القذف بتعريضه لقرائن خصام ونحوه.
وظاهره: ولو زوجًا لزوجته، وهو كذلك.
[حد الحر: ]
يوجب ثمانين جلدة، هذا خبر قوله: (قذف المكلف)، ولا يتكرر الجلد على القاذف.
[حكم تكرر القذف: ]
ولو كرر مرة فأكثر لواحد أو جماعة قبل الحد أو في أثنائه قذفهم مجتمعين أو متفرقين في مجلس أو مجالس قاموا مجتمعين أو مفترقين، وهو كذلك، خلافًا لبعض الأصحاب، انظر الكبير.
إلا بعده، أي: إلا أن يكون تكراره بعد الحد، فيعاد الحد عليه على الأصح، ولا فرق في التكرير بين التصريح به أو لا، كأن يقول بعد الحد: ما كذبت عليه، ولقد صدقت؛ لأنه قذف مؤتنف.
[حد الحر: ]
ويوجب القذف على العبد نصفه -أي: الحد- وهو أربعون على المشهور.