[مسألة: ]
وعنه -أي: الإمام- في كتاب الرجم منها في الرجل من تزوج امرأة وطال سكنه معها بعد الدخول، فشهد عليه بالزنا، فقال: لم أطأها منذ دخلت بها، يسقط عنه الحد؛ للشبهة ما لم يقر به، أي: بالوطء، أو ما لم يولد له، فيرجم حينئذ.
وأولًا ما في الموضعين على الخلاف -أي: بالوطء- لاختلاف الجواب، والمسألة واحدة، واختلف: هل تقييد مسألة النكاح بما في الرجم، ويطرح ما في النكاح، وهو قول يحيى بن عمر؛ لقوله: إن مسألة الرجم خير من مسألة النكاح، أو بالعكس، وإليه ذهب سحنون، أو ما في الموضعين وفاق، وهما مسألتان، وإليه ذهب جماعة، ولهم في كيفية التوفيق أوجه، أشار لأحدها بقوله: إنما حدث لخلاف الزوج في الأولى فقط دون الثانية، حيث ادعى الوطء فضعف إنكارها، ومسألة الزوج لم تخالفه الزوجة، فقوي إنكاره، ولو خادعته لاتفقت المسألتان في عدم القبول، كإنفاقهما في القبول لو وافقها الزوج، واختار ابن يونس هذا الوجه.
وأشار لثانيها بقوله: أو إنما حدت لأنه -أي: الزوج- إذا حصل له مانع الوطء يسكت غالبًا، أو يخفيه؛ لأنه عيب، وهي لا تسكت عن عيبه لو كان، ورد بأنه لو لم يكن وطأها لم تسكت.
ولثالثها بقوله: أو لأن الثانية التي قبل فيها قول الزوج مدتها قصيرة لم تبلغ عشرين سنة كالأولى، ولو بلغها لم يقبل قول الزوج كالزوجة: تأويلات أربع.
[مسألة: ]
وإن وجدت امرأة مع رجل وقالت: زنيت معه، وادعى هو الوطء، والزوجية، ولا بينة، حُدَّا، أو وجدا ببيت وأقرا به -أي: بالوطء- وادعيا النكاح، ولا بينة ولا فشو يقوم مقامها، حُدا؛ لأن الأصل عدم السبب المبيح، وقيده بعض الشيوخ بغير الطارئين.
стр. 3292
أو ادعاه -أي: الرجل النكاح- وصدقته هي ووليها، وقالا لم نشهد إذ ذاك ونحن نشهد الآن، حُدَّا؛ لإرادتهما إسقاط حد قد وجب، إلا أن يكون أمر قد عرف وسمع، فيجوز، ولا يثبتان على ذلك حتى يأتنفا نكاحًا جديدًا بعد الاستبراء.
وحذف (حُدَّا) من الأوليين لدلالة الثالثة عليهما، وهذه المسائل الثلاث في المدونة.
* * *
باب ذكر فيه حد القذف، وحكمه، وما يتعلق به
[تعريفه: ]
وهو بالذال المعجمة، وأصله: الرمي بالحجارة ونحوها، ثم استعمل مجازًا في الرمي بالمكاره، وسماه اللَّه تعالى رميًا، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾، وسمي فرية؛ لأنه من الافتراء والكذب، وهو من الكبائر والموبقات؛ ولعظمه أوجب الحد، ولو نسب شخص غيره للكفر لم يحد.
وحده المؤلف بقوله: قذف المكلف من إضافة المصدر لفاعله، شرط مركب من شرطين:
- العقل.
- والبلوغ.
فلا حد على صبي ولا على مجنون قذف غيره.
[شروط المقذوف: ]
ثم ذكر شروط المقذوف بقوله:
- حرًا، فلا حد على مكلف رمى رقيقًا.
стр. 3293
- مسلمًا، فلا يحد قاذف كافر.
[نوعا القذف: أولًا- قطع النسب: ]
ثم ذكر المقذوف به كونه بنفي نسب: صريحًا أو ما يقوم مقامه، كـ: الإشارة في حق الأخرس، ومثل له البساطي بغير الصريح بقوله: يا ابن فلان، لمن لا ينسب إليه.
عن أب أو جد لأب، كـ: لست ابن فلان، أو ليس فلان جدك؛ لثبوت الأبوة بالحكم وغلبة الظن، أو للتنويع لا للتشكيك؛ لأن الحد لا يقبل الشك.
لا بنفي عن أم لتيقن الأمومة، فعلم كذبه بنفيه عنها، ولا حد بنفي نسب إن نبذ به ما دام منبوذًا، فإن استلحقه أحد ولحق به انتفى كونه منبوذًا، وحد قاذفه حينئذ، سواء نفاه عن أبيه فقط، أو عن أمه أو عنهما.
وأما إذا قال له: يا ولد زنا، حد؛ لاحتمال كونه لرشدة، بكسر أوله، خلاف الزانية.
[النوع الثاني من القذف: ]
ولما كان القذف نوعين:
أحدهما: قطع النسب، وقدمه.
- والثاني: الرمي بالزنا عطفه على قوله: (بنفي)، فقال: أو بزنا، ويدخل فيه اللواط؛ لأنه أحد نوعيه.
[شروط متعلقة بالمقذوف: ]
ثم ذكر شروط حد المقذوف بقوله: إن كلف، فلا حد على قاذف صبي أو مجنون، وعف عن ما قذفه به، وعفته تحصل عن وطء يوجب الحد، فمن رمى رجلًا بوطء خيمة أدب أدبًا وجيعًا؛ إذ لا حد على من أتاها.
стр. 3294
فائدة:
كل ما لا يقام فيه الحد ليس على من رمى به رجلًا حد الفرية.
بآلة، فقاذف المجبوب قبل بلوغه والعنين لا حد عليه؛ لتبين كذبه، فلا معرة.
وبلغ المقذوف الذكر بلوغ التكليف، فهو معطوف على (كلف)، وكرره ليرتب عليه قوله: كان بلغت الأنثى الوطء، فيحد قاذفها حينئذ، ولا يشترط بلوغها حد التكليف.
تنبيه:
قال في التوضيح: إن اشتراط البلوغ في اللواط إنما هو في حق الفاعل لا المفعول به، وهو أولى من البنت في ذلك؛ للحوق المعرة.
أو مجهولًا: معطوفا على (نبذ)، أي: منسيًا، وفي بعض النسخ (محمولًا) موضع (مجهولًا)؛ إذ لا يعلم صحة انتسابهم إلى آبائهم، بدليل أنهم لا يتوارثون، فمن نفاهم عن آبائهم لم يتحقق بذلك قطعه عن نسبهم.
تنبيه:
تلخص من كلامه أنه يراعى في القذف سبع خصال: اثنان في القاذف:
- البلوغ.
- والعقل.
وخمسة في المقذوف:
- البلوغ.
- والعقل.
- والإسلام.
- والحرية.
стр. 3295
- والعفة عما رمي به.
واثنان في المقذوف به:
- كونه وطءًا يلزم به الحد.
- أو نفي نسب المقذوف عن أب أو جد.
وإن ملاعنة وابنها داخلان في حيز الإثبات، فمن رماها بالزنا فيما لوعنت بسببه، أو قال لابنها: إنه ولد زنا بسبب نفي النسب حد؛ لأنه لم يثبت قطعًا، ولو ثبت لرجمت.
أو عرض بالقذف غير أب حد إن أفهم القذف بتعريضه لقرائن خصام ونحوه.
وظاهره: ولو زوجًا لزوجته، وهو كذلك.
[حد الحر: ]
يوجب ثمانين جلدة، هذا خبر قوله: (قذف المكلف)، ولا يتكرر الجلد على القاذف.
[حكم تكرر القذف: ]
ولو كرر مرة فأكثر لواحد أو جماعة قبل الحد أو في أثنائه قذفهم مجتمعين أو متفرقين في مجلس أو مجالس قاموا مجتمعين أو مفترقين، وهو كذلك، خلافًا لبعض الأصحاب، انظر الكبير.
إلا بعده، أي: إلا أن يكون تكراره بعد الحد، فيعاد الحد عليه على الأصح، ولا فرق في التكرير بين التصريح به أو لا، كأن يقول بعد الحد: ما كذبت عليه، ولقد صدقت؛ لأنه قذف مؤتنف.
[حد الحر: ]
ويوجب القذف على العبد نصفه -أي: الحد- وهو أربعون على المشهور.
стр. 3296
[أمثلة القذف غير الصريح: ]
ولما قدم أنه لا فرق بين التصريح والتعريض، ذكر أمثلة غير صريحة في القذف، وفي الحد فيها خلاف، ذكرها لبيان الراجح فيها، فقال: كلست بزان، أو رنا فرجك أو يدك أو رجلك ونحوه، أو زنت عينك.
وقال أشهب: لا حد عليه.
أو قال لامرأة: زنيت، وذكر مع ذلك ما يدفع الحد، فقال: مكرهة حد في الأجنبية ولاعن في زوجته.
ابن القاسم: لو قال لزوجته: زنيت، وأنت صبية أو نصرانية أو مكرهة لاعن؛ لأنه قاذف أو معرض.
أو أنا وأنت عفيف الفرج، فالمثال الأول على أنه معطوف على (لست بزان)، والثاني على (زنت عينك)، أو قال لعربي ما أنت بحر، أو قال له: يا رومي، أو يا نبطي، أو يا بربري، أو يا قبطي، حد؛ لأنه قطع نسبه، كان نسب لعمه، أو زوج أمه، فقال له: يا بن فلان، وفلان عمه حد؛ إذ لا بنوة له عليه حقيقة ولا مجازًا، بخلاف ما لو نسبه إلى جده، فلا حد، وسواء جد الأب أو الأم؛ لأنه كالأب يحرم عليه ما نكح، وسواء كان ذلك في مشاتمة أو غيرها، وهو كذلك عند ابن القاسم.
وقال أشهب: يحد في المشاتمة.
وكأن قال شخص في حق نفسه: أنا نَغِل بفتح النون وكسر الغين المعجمة، والعامة تسكن الغين، الجوهري: هو فاسد النسب.
وقال الزبيدي: هو ولد الزانية.
أو قال: إنه ولد زنا حد لقذف أمه، ولو قال لغيره: يا نغل، حد.
أو قال: كيا قحبة، أو يا فاجرة أو يا عاهرة، حد.
أو قال لرجل: يا قرنان حد لزوجته، إن طلبته؛ لأنه عند الناس زوج الفاعلة.
стр. 3297
اللخمي: إن لم يكن له زوجة عوقب، وحد لها.
أو قال لآخر: يا ابن منزلة الركبان أو ذات الراية، حد؛ لأن المرأة كانت في الجاهلية إذا أرادت الفاحشة أنزلت الركبان.
البساطي: وكأنه قال: يا ابن الخائنة.
فائدة:
قال في الذخيرة: ضابط هذا الباب الاشتهارات العرفية، والقرائن الحالية، فمتى فقدا حلف، أو وجد أحدهما حد، وإن انتقل العرف وبطل بطل الحد، ويختلف ذلك بحسب الأعصار والأمصار، وبهذا يظهر أن يا ابن ذات الراية ومنزلة الركبان لا يوجب في هذا الزمان حدًا، وأنه لو اشتهر لفظ م ما لا يوجب الحد الآن في القذف أوجب الحد.
أو قال: فعلت بها، واعتذر لإرادة دفع الحد بقوله: في عكنها حد عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب.
[ما لا يوجب الحد: ]
لا إن نسب جنسًا لغيره، وإن أبيض لأسود، فلا حد، كقوله لفارسي: يا رومي، أو يا حبشي، أو لبربري: يا فارسي، أو يا حبشي، قاله في المدونة.
إن لم يكن من نسبه لغير جنسه من العرب، كقوله لعربي: لست من العرب، إلا أن يكون له أب أو جد من ذلك الجنس في الصفة فلا حد.
أو قال مولى لغيره: أنا خير منك، لا حد؛ لأن وجوه الخيرية كثيرة في الدين والخلق وغيرهما.
أو قال لآخر: ما لك أصل ولا فصل، لا حد، ولو في مشاتمة، خلافًا لابن الماشجون: يحد في المشاتمة.
تنبيه:
كذا قرره البساطي، وأجاز الشارح فيه وجهين:
стр. 3298
- نفي الحد لمالك.
- والحد لأصبغ.
أو قال لجماعة: أحدكم زان، فلا حد، سواء قاموا جميعًا أو واحد منهم، وقاله ابن المواز.
وظاهره: ولو ادعى إرادته، وفي الجواهر: إلا أن يتبين أنه أراد.
[عود على ما يحد به من القول: ]
وحد في مأبون، إن كان المقول له لا يتأنث في كلامه، وحد في قوله لمسلم: يا ابن النصراني أو الأزرق أو الأسود أو الأعور أو الأقطع أو الأحمر عند ابن القاسم، إن لم يكن في آبائه أحد كذلك متصف بذلك الوصف، أما لو كان فيهم فلا حد؛ لأنه لم يرد نفيه.
وحد في قوله: مخنث بكسر النون وفتحها إن لم يحلف أنه ما أراد قذفه، فإن حلف لم يحد وبطل، ونحوه في المدونة.
[ما فيه الأدب: ]
وأدب في قوله لآخر: يا ابن الفاسقة أو الفاجرة، نحوه في المدونة، أو قال لآخر: يا حمار ابن الحمار أدب.
البساطي: الذي في المدونة وكلام المؤلف اتفقا بالنسبة إلى يا فاسق يا فاجر، فهل لا بد من جمعهما، أو يكفي أحدهما، ووقع هكذا اتفاقًا.
قلت: يكفي أحدهما في النكال؛ لأنه إذا كفى في يا ابن، فمن غير ابن أحرى.
وفي المدونة: يا حمار ابن الحمار إنه يكفي في النكال كل واحد، بخلاف كلام المؤلف.
أو أنا عفيف، أو إنك عفيفة أدب، أو قال لآخر: يا فاسق أو يا فاجر أدب.
стр. 3299
[اجتماع حدي الزنا والقذف: ]
وإن قالت زوجة أو غيرها: بك جوابا لزنيت حدت للزنا؛ لاعترافها، والقذف، إلا أن ترجع فتحد للقذف، ولأصبغ يحدان، وليس لأحدهما الرجوع.
[حد الولد أباه: ]
والمولود المقذوف من أبيه له حد أبيه إن صرح بقذفه، وفسق الولد، أي: حكم بفسقه إن حده، وله ترك وذلك.
واستشكل الحد؛ لأن إباحة القيام تقتضي عسر المصيبة، وأجيب بأن التفسيق لا يلزم كونه من معصية بحصوله بالمباح.
[ما فيه الخيار: ]
ثم عطف على ما فيه الخيار بقوله: وللمقذوف القيام به على من قذفه، وإن علمه من نفسه، أي: علم منها صدور ما رمي به، وليس للقاذف أن يحلف المقذوف أنه لم يصدر منه ما رمي به، كوارثه له القيام بحد مورثه إن مات قبل استيفائه، ولم يعف ولم يوص لآخر بالقيام دون غيره.
اللخمي: وليس للموصي العفو وأراد بالوارث من يرث في الجملة، وإن لم يرث الآن، وهو قول ابن القاسم.
وإن قذف بعد الموت فلوارثه القيام بحده.
[الوارث الذي له القيام: ]
ثم بين الوارث الذي له القيام دون غيره بقوله: من ولد وولده وإن سفل، وأب وأبيه وإن علا، فلا قيام لزوج ولا زوجة، وإن كانا وارثين، ولا لغيرهم من الأخوة والأخوات والعصبة والنساء، ونحوه في كتاب محمد.
وفهم من قوله: (وارث) أن القريب لا يقوم مقامه بحد الغائب، وإن بعدت غيبته، وهو كذلك، ونحوه في المدونة.
стр. 3300
ولكل القيام به، وإن حصل من هو أقرب، أي: ولكل القيام بالحد ومن قام فيهم به كان له ذلك؛ لأنه عيب ومعرة يلحق الجميع.
[محل العفو: ]
وللمقذوف العفو عن قاذفه قبل بلوغ الإمام أو صاحب الشرطة والحرس، كما قال في المدونة؛ إذ ليس في الحد عفو إن بلغ واحد منهم.
أو بعده -أي: بعد بلوغ الإمام - إن أراد المقذوف سترًا على نفسه، وإن قذف القاذف أيضًا في أثناء حده المحدود [له] (١) أو [لـ] (٢) ـغيره ابتدئ الحد لهما، أي: للمقذوفين، إلا أن يبقى من الحد شيء يسير فيكمل الحد الأول، ثم يستأنف الحد الثاني.
محمد: واليسير كالعشرة أسواط والخمسة عشر.
* * *
باب ذكر فيه السرقة ولم يعرفها
[حكم السرقة: ]
وهي محرمة كتابًا وسنة وإجماعًا.
[حد السرقة: ]
وبدأ بما يترتب عليها فقال: تقطع يد السارق اليمنى من كوعها، وتركه لشهرته.
وظاهره: ولو كان السارق أعسر، وهو كذلك، وبدأ باليمنى لأنها المباشرة للمسروق غالبًا.
стр. 3301
وتحسم بالنار لينقطع الدم، وعلل لخوف الهلاك؛ لأن الحسم من حق السارق، لا من تمام الحد، وحكى بعض الشافعية أنه من تمامه (١).
تنبيه:
ما في العمدة لابن عسكر تحسم بالزيت ليس مخالفًا لما هنا؛ لأنه يغلى في النار، ثم تجعل فيه، وروي أن سارقًا سرق شملة، فقال ﵊: "اقطعوه واحسموه" (٢).
إلا لشلل -أي: فساد في اليمنى- قال الشارح: ولا يكون إلا في اليدين.
أو نقص أكثر الأصابع، كثلاث منها، فرجله اليسرى، أي: ينتقل إلى قطعها، ظاهره: ولو كانت الشلاء منتفعًا بها، وهو كذلك، خلافًا لابن وهب في قوله: تقطع الشلاء إن انتفع بها، ولأبي مصعب في قطعها مطلقًا.
وظاهر كلامه: كان النقص خلقة أو قطعًا، وفهم من قوله: (أكثر) قطع الناقصة أصبعًا أو أصبعين، وهو كذلك.
ومحي قطع رجله اليسرى ليده اليسرى، أي: لأجل قطع يده اليسرى،
стр. 3302
وإنما قلنا ذلك لأن ظاهر كلامه أن مالكًا كان يقول أولًا: إذا كانت يد السارق اليمنى شلاء قطعت يده الشلاء، ثم رجع فقال: تقطع رجله اليسرى، وليس كذلك، بل الأمر كما قلنا.
ثم إن سرق السالم الأعضاء الذي قطعت يده اليمنى ثانيًا قطعت رجله اليسرى ثم إن سرق مرة ثالثة قطعت يده اليسرى، ثم إن سرق مرة رابعة قطعت رجله اليمنى، والقطع في الرجل من مفصل الكعبين كالحرابة، وقاله الأئمة؛ لأنه الذي مضى به العمل، وعن علي من معقد الشراك في الرجل ليبقى عقبه ليمشي عليه، ثم إن سرق بعد الرابعة عزر وحبس ولا يقتل خلافًا لأبي مصعب (١).
стр. 3303
[مسألة: ]
وإن تعمد إمام أو غيره كجلاد قطع يسراه -أي: يد السارق اليسرى- أولًا مع علمه أن السنة قطع اليمنى فالقود ثابت للسارق على المتعمد، وللمقطوع العفو والدية في ماله، والحد باق إذا لم يقع القطع عن السرقة، ولو دلس السارق على الإمام أو على الجلاد فقولان بالإجزاء وعدمه.
[مسألة: ]
وإن قطع الإمام أو غيره اليسرى خطأ أجزأ، ورجع إليه مالك.
ابن الماجشون: لا يجزئ، وتقطع اليمنى أيضًا.
стр. 3304
تنبيه:
ما ذكره من الإجزاء مبني على أن البداءة باليمني مستحبة، ولا يتأتى على قول ابن الماجشون أنها واجبة.
وعلى إجزاء قطع اليسرى خطأ لو [قطع ثانيا] (١) فرجله اليمنى عند ابن القاسم ليقع القطع من خلاف، خلافًا لابن نافع: تقطع اليسرى؛ لأن قطع اليد اليسرى كان خطأ.
[سرقة الطفل من الحرز: ]
ولا يختص القطع بسبب سرقة المال فقط، بل يكون أيضًا بسرقة طفل حر لا يعقل ما يراد منه.
ولما كان حرزه مخالفًا لحرز المال قال: من حرز مثله، كدار أهله، وبه قال الفقهاء السبعة، وكذا لو كان مع خادمه الحافظ له، وقيدنا الطفل بالحر لأنه سيذكر سرقة العبد.
[مقدار ما يقطع به: ]
وإن كان المسروق عينًا قطع فيه أو ربع دينار من الذهب (٢)، لا بدونه، وإن لم يساو الربع فما دونه ثلاثة دراهم فضة، أو بسرقة ثلاثة دراهم فضة، سواء ساوت ربع دينار أو لا، وسواء كانت لواحد أو اثنين؛ لأنها نصاب، ويلغز بها.
خالصة من غش، وتبع في اشتراط الخلوص ابن رشد، إلا أن يكون النحاس الذي فيه يسيرًا.
وظاهر المؤلف وشارحيه: أن الخلوص يختص بالدراهم، ولم يشترط الجلاب وابن الحاجب وصاحب الإرشاد وكثير خلوصها، وهو ظاهر قول ابن المواز.
стр. 3305
ونبه المؤلف بقوله: (ثلاثة دراهم) على خلاف الشافعي في أن النصاب ربع دينار، وعلى خلاف أبي حنيفة في أنه عشرة دراهم.
أو كان المسروق غير الدراهم والدنانير فالمشهور اعتبار ما يساويها -أي: الثلاثة دراهم الخالصة- وإن لم تساو ربع دينار؛ لأنها أعم، إذ يقوم لها القليل والكثير، وتكون المساواة بالبلد المسروق منها، سواء كانت معاملتهم بالدراهم أو الدنانير أو العرض أو بهما، كان أحدهما أغلب أم لا، كذا قال معظم شيوخ أهل المذهب، وهو نص المدونة.
تتمة:
قال في المدونة: يقومها أهل العدل والنظر.
قيل: فإن اختلف المقومون؟
قال: إن اجتمع عدلان بصيران على أن قيمتها ثلاثة دراهم قطع، ولا يقطع بتقويم رجل واحد.
ابن رشد: معناه في الاختيار، لا أنه لا يجوز إلا ذلك؛ لأن كل ما يبتدئ فيه القاضي بالسؤال فالواحد يجزي؛ لأنه من باب الخبر، لا الشهادة.
ولمالك: إن قومت بثلاثة دراهم وبدونها لم يقطع.
وقد سأل المعري (١) عن الفرق بين إلزام الجاني عليها خمسمائة دينار وقطعها في ربع دينار، حيث قال:
يد بخمس مبين عسجد فديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السكوت ... له فنستعيذ ببارينا من النار (٢)
فأجابه القاضي عبد الوهاب بجواب بديع فقال:
وقاية النفس أغلاها وأرخصها ... صيانة المال فافهم حكمة الباري
стр. 3306
[وروي عنه بيت غير هذا:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها ... ذل الخيانة فافهم حكمه البارئ] (١)
شرعًا؛ لأن التقويم إنما يعتبر بالمنفعة الشرعية، فلا قطع في آلة اللهو لمنفعتها، إلا أن يساوي خشبها بعد كسرها ثلاثة دراهم، ولا فرق في المنفعة الشرعية بين ما أصله الإباحة ثم ملك أو غيره؛ ولذا قال: وإن كماء وحطب وملح، إذا حيزت، وفاكهة خضراء، خلافًا لأبي حنيفة في عدم القطع فيما أصله الإباحة، وفي الأشياء الرطبة المأكولة، كفاكهة.
[مسألة: ]
ويقطع في سرقة جارح قيمته ثلاثة دراهم لتعليمه -أي: لأجل تعليمه المسك لصاحبه- لا قيمته في نفسه؛ لأن التعليم ليس من الباطل.
وأشار بذلك إلى دخول المعاني في التقويم، ويلزم عليه القطع بموضع دون آخر.
أشهب: يقوم على أنه غير معلم.
اللخمي: والأول أحسن.
[مسألة: ]
ثم عطف على قوله: (لتعليمه) أو جلده -أي: يقطع فيه- بعد ذبحه، أي: لا يساوي ذلك لنفسه، بل إما لتعليمه، وإما لجلده عند ابن القاسم، إذا كانت قيمته نصابًا.
أشهب: يعتبر قبل ذبحه.
وما درج عليه المؤلف نحوه في المدونة، وظاهر هذا: أن اعتبار التقويم إنما يكون بعد الذبح، وظاهرها كالمصنف وابن الحاجب أنه لا فرق بين العادية غيرها، وقيدها أبو عمران بالعادية التي تراد لجلودها، وأما غير
стр. 3307
العادية كالهر فيقطع سارقها، ولم يعتبره المصنف.
[مسألة: ]
أو جلد ميتة مأكول أو غيره يقطع سارقه بعد الربع، إن زاد دبغه نصابًا على قيمته يوم دبغه، كما لو كان جميعه يساوي خمسة دراهم: درهمين قبل دبغه لو كان يباع للانتفاع به، وخمسة بعد دبغه، وفهم منه: أنه لا قطع فيه قبل دبغه، وهو كذلك في المدونة.
تنبيه:
تأمل قول البساطي: (أنت إذا تأملته وجدت التقويم إنما يقع على جملته الآن؛ لأن الأصل من غير دبغ كالعدم).
[مسألة: ]
أو ظنا أن الدراهم أو الذهب المسروقين فلوسًا لا تبلغ نصابًا، ثم تبين أنه أحدهما، أو الثوب المسروق الذي لا يساوي ثلاثة دراهم ظن فارغًا فإذا فيه نصاب فضة أو ذهب مصرور مثلًا قطع.
[مسألة: ]
ثم ذكر حكم ما إذا اشترك اثنان مثلًا في سرقة نصاب كمجنون شارك مكلفًا، أو شركة صبي في سرقة النصاب قطع المكلف وحده، لا إن شارك المكلف أب سارق أو أم (١) فلا قطع على من شاركهما لدخوله مع من له
стр. 3308
شبهة في المال، والمراد بالأب هنا المباشر؛ لأنه سيذكر الجد.
تنبيه:
ما قررناه من أن الأب مشارك لغيره في السرقة نحوه للشارح في الكبير، وقرره في الصغير بما إذا انفرد وسرق من مال ابنه فلا قطع عليه، والأول هو الصواب.
[مسألة: ]
ولا طير لا يساوي ثلاثة دراهم إلا لإجابته إذ ادعى كبعض البلابل أو العصافير؛ إذ ليس غرضًا شرعيًا.
[مسألة: ]
ولا قطع إن تكمل إخراج النصاب بمرار في ليلة أو يوم عند ابن القاسم، سواء كان المسروق طعاما أو غيره، توالى إخراجه في فور أو لا،
стр. 3309
طال زمان ذلك أو قصر، فهي ست صور.
[مسألة: ]
أو اشتركا -أي: السارقان- في حمل لنصاب، وأخرجاه من حرزه لم يقطع واحد منهما بشرط مركب أو شرطين:
أحدهما: ثبوتي.
والآخر: عدمي.
وأشار لأحدهما بقوله: إن استقل كل منهما بحمله.
ولثانيهما بقوله: ولم ينبه نصاب، فإن كان كل منهما لا يستقل بحمله قطعًا؛ لأنها حينئذ كالسارق الواحد، ومع القدرة كسارقين، ولو ناب كلا (١) منهما نصاب قطعًا، وكذا لو كانوا جماعة، والمسروق كله نصاب قطعوا كلهم.
[بقية شروط القطع: ]
ولما قدم أن شرط المسروق الذي يقطع سارقه كونه نصابًا أفاد بقية الشروط عاطفًا لها بالجر على طفل أو ربع دينار، فقال: ملك غير، فلا قطع على سارق ملكه، سواء تعلق به حق لغيره كمرهون، أو لا كـ: موروث أو موهوب قبل خروجه من الحوز.
تنبيه:
يدخل في ملك غير السارق من سرق من سارق؛ فإنه لا يقطع، وهو كذلك في المدونة.
ويقطع من أقر بسرقة نصاب أو ثبت ذلك عليه ولو كذبه ربه، بأن قال: لم يسرقه، وإنما هو له، أو أودعته إياه.
стр. 3310
قال في الذخيرة: لأن الإقرار سبب لا يسقطه إلا سبب شرعي، وقوله ذلك ليس سببًا شرعيًا (١).
تتمة:
يبقى المسروق في هذه ال مسألة بيد السارق، فإن عاد المقر له به وصدقه قُبِلَ.
[مسألة: ]
أو أخذ السارق ليلًا ومعه مال من بيت شخص، وادعى الإرسال لأخذه قطع، ولو صدقه ربه، ويحمل تصديق ربه على الرحمة، وصدق السارق إن أشبه ما ادعاه من الإرسال، ولم يقطع، كان عرف منه انقطاع إليه، ودخل من مدخل الناس، وخرج من مخرجهم غير مستتر.
لا بسرقة ملكه من مرتهن عنده، ولا من مستأجر له، فلا قطع، ولا في كملكه للمسروق قبل خروجه به من الحرز، بأن ورثه مثلًا.
ومفهوم الظرف القطع إن تجدد ملكه له بعد خروجه من الحرز؛ لأن الحد قد ترتب، فلا يرتفع.
[وصف المسروق الموجب القطع: ]
ثم وصف الملك المسروق بقوله: محترم، ولذا:
[سرقة الخمر: ]
لا قطع على سارق خمر، ولو لذمي، لكن للذمي قيمتها.
[سرقة الملاهي: ]
ولا قطع في آلة لهو كعود ومزمار وطنبور إلا أن يساوي خشبه بعد
стр. 3311
كسره نصابًا عند ابن القاسم، وعنه القطع في قيمة الدف والكبر صحيحًا؛ لأنه أرخص في اللعب بهما (١).
[سرقة الكلب: ]
ثم عطف على: (لا خمر)، فقال: وكلب مطلقًا، أذن في اتخاذه أو لا، وهو مذهب ابن القاسم، خلافًا لأشهب في المأذون.
[سرقة الأضحية: ]
ولا قطع في سرقة أضحية بعد ذبحها؛ إذ لا تورث مالًا، لكن للأكل ولا تباع في فلس، بخلاف سرقتها بعد تعيينها فيقطع اتفاقًا، وبخلاف سرقة لحمها من فقير تصدق بها عليه فالقطع اتفاقًا، فلو أهدي لغني وسرق منه فمفهوم كلامه لا قطع.
[شرط المسروق المحترم: ]
ثم نعت المسروق المحترم بكونه تام الملك لا شبهة له -أي: السارق- فيه، فلا قطع على ذي الشبهة القوية كالسيد من مكاتبه، وأما الشبهة الحقيرة فيقطع معها.
وأشار لذلك بقوله: وإن من بيت مال أو من الغنيمة التي هو من أهلها، إذا حيزت؛ لأنها إنما تستحق بالقسمة.
وبالغ على بيان الخلاف، وتقدم كلام عبد الملك في الغنيمة.
[السرقة من الشركة: ]
أو سرق من مال شركت بينه وبين غيره فيقطع بشرطين: الأول: إن
стр. 3312
حجب عنه المال، كما لو كان بيد غيرهما، أو بيد غير السارق، وحجر عن السارق، فلو لم يحجب عنه كما لو كانا يتصرفان فلا قطع، ولو غلقا عليه.
والثاني: أن يكون قد سرق فوق حقه نصابًا، كتسعة من اثني عشر مثلًا، لا ثمانية فما دونها، خلافًا لابن الماجشون ومن وافقه في قطعه إن سرق ستة؛ لأنه إنما أخذها على أن نصيبه باق في الستة الأخرى، لا على وجه المقاسمة.
لا الجد؛ فإنه لا يقطع في سرقته من مال ولد ولده، ولو كان جدًا لأم، والمراد الجنس، وسواء انفرد واحد بها أو اشترك اثنان منهم فيها.
[السرقة من جاحد حق عليه أو من مماطل: ]
ولا يقطع من سرق من جاحد لحق قدره فدون، أو من غريم مقر به مماطل لحقه؛ لأن له شبهة في مالهما، وظاهره كان ما سرقه من جنس حقه أم لا، وَقَيْدُ بعضِ الشيوخ كونه من جنس حقه، ومن غير جنسه يقطع، نظر فيه المصنف؛ ولذا لم يعتبره.
[شرطا القطع: ]
ويجب القطع بسرقة نصاب خرج من حرز، لا بنقله من موضع منه لآخر.
[معنى الحرز: ]
وبيّن الحرز بقوله: بأن لا يعد الواضع فيه مضيعًا لما وضع فيه عرفًا.
وإن أخرجه السارق من الحرز ولم يخرج هو وأخذه داخل الحرز قطع، وشهره ابن الحاجب، وشك مالك في المدونة في قطعه بعد أن قال: يقطع.
وأبرز الضمير؛ لأن الصفة إذا جرت على غير من هي له وجب إبرازه مع الإلباس اتفاقًا، ومع غيره عند البصريين.
стр. 3313
[لا قطع في المستهلك: ]
أو ابتلع السارق درًا يساوي نصابًا، أو مالًا يتغير ذهبًا أو دراهم، وخرج من الحرز قطع؛ إذ يصدق عليه أنه أخرج نصابًا من حرزه، وليس ابتلاعه استهلاكًا له.
وفهم من تمثيله بالدر أنه لو أكل طعامًا في الحرز نصابًا لم يقطع، وهو كذلك، بل يؤدب ويضمنه.
[الإدهان: ]
أو أدهن في الحرز بما يحصل منه ما قيمته نصابًا (١)، لو سلت (٢) قطع.
[مسألة: ]
أو أشار إلى شاة بالعلف فخرجت فأخذها قطع؛ لأنه في معنى من أخرجها، وهو قول مالك وابن القاسم.
[القبر حرز: ]
أو اللحد، البساطي: الظاهر أنه معطوف على تفسير الحرز، أي: الحرز مما لا يعد الواضع فيه مضيعًا، أو ما وضع فيه ميت.
والحاصل: أن القبر حرز للميت وما عليه، وإن كان في الصحراء، وعبر باللحد عن القبر، ولبعض من تكلم على هذا المحل كلام ذكرناه في الكبير.
[الخباء حرز: ]
أو الخباء: واحد الأخبية، وهو المراد في عرفنا بالخيمة، أو سرق ما فيه؛ لأنه لما ضربه صار منزلًا، فهو حرز لنفسه ولما فيه، كان أهله فيه أو لا.
стр. 3314
[الحانوت حرز: ]
أو سرق من حانوت يقطع.
[فناء الخباء والحانوت حرز: ]
أو من فنائهما -أي: الخباء والحانوت- وكذا من تابوت صيرفي، يقوم عنه ويتركه ليلًا أو نهارًا، مبنيًا كان أو غير مبني، إلا أن ينقلب به في كل ليلة، فلا قطع، قاله ابن القاسم.
[المحمل حرز: ]
أو سرق من [على] (١) محمل قيمته نصابًا (٢)؛ لأنه حرز لنفسه ولما فيه.
[ظهر الدابة حرز: ]
أو سرق من ظهر دابة غرارة، أو ما فيها أو ثوب، ونحوه في المدونة، وسواء كانت واقفة أو سائرة، ليلًا أو نهارًا، إن لم يغب عنهن أصحابهن، بل وإن غيب عنهن.
[الجرين حرز: ]
أو بسرقة تمر بجرين فيقطع، والجرين: موضع التمر الذي يجف فيه.
[ساحة الدار حرز: ]
أو سرق من ساحة دار، أي: قاعتها، وتسمى أيضًا: عرصة، إذا أخذ سارق منها شيئًا قطع؛ لأنها حرز بالنسبة لأجنبي، والمراد به من ليس له
стр. 3315
سكنى بالأصالة أو التبعية، إن حجر عليه في دخولها، وجعل ابن رشد الدور ستة أقسام، والمصنف يشير إليها، وعبارته هذه تشمل دارين:
- منها دار سكناه وحده، لم يأذن فيها لأحد، فهذه كل من سرق منها نصابًا وإخراجه منها قطع اتفاقًا.
- ودار مشتركة بين ساكنيها، محجرة على الناس، فمن سرق من سكانها من بيت صاحبه قطع، إذا أخذ وقد خرج بسرقته إلى قاعتها اتفاقًا، وإن لم يخرج بها عن الدار، ولا أدخلها بيته، ولا خلاف في عدم قطع من سرق منهم من قاعتها نصابًا، وإن أدخله بيته، أو أخرج به عن الدار، إلا أن يكون الذي سرق من قاعتها دابة من مربطها المعروف لها، وما أشبه ذلك من الأحكام فحكمه حكم السارق من بيت من بيوتها، وسيأتي الكلام على بقية الدور.
[السرقة من السفينة: ]
ولما قيد القطع في السارق من الساحة، وعلم منه أن غيره لا يقطع، شبه السفينة به في الوجهين، فقال: كالسفينة يقطع أجنبي سرق منها وخرج به، كان رب المسروق على متاعه أو غائبا عنه، وكذا إن لم يخرج به منها وربه معه، وإن سرق منها ما هو بها من أحد، وهو على متاعه قطع، وإن لم يخرج به منها، وإن سرقه في غيبة ربه لم يقطع.
[السرقة من الخان (١): ]
أو ساحة خان يقطع من سرق منها؛ لأنه حرز بالنسبة للأثقال كالإعدال دون ما خف، فلا قطع فيه؛ لأنه غير حرز بالنسبة له، وأما بيوت الخان فمن سرق منها وأخذ قبل أن يخرج من بابه قطع.
[بيت الزوجية: ]
وأشار للدار الثالثة بقوله: أو زوج ذكر أو أنثى يقطع كل منهما بسرقته
стр. 3316
من مال الآخر، فيما حجر عنه من بيوت الدار، وعبد الزوج كهو، وأمة المرأة كهي، وأتى بضمير زوج مذكرًا مراعاة للفظة.
[الموقف حرز: ]
أو موقف دابة يقطع سارقها منه، سواء وقفت لبيع أو غيره للحفظ، ونحوه في المدونة.
[القبر حرز: ] (١)
أو قبر حرز للكفن، فيقطع سارقه منه، قريبًا كان أو في الصحراء، وبه صرح ابن الحاجب.
وقال الشارح: إنها مكررة.
[البحر حرز: ]
أو بحر حرز لمن رمي به لكفن، فيقطع سارقه؛ لأنه إنما رمي به على وجه الحفظ، فأشبه القبر، فلو أخذ من القبر غير الكفن كمال دفن معه، فظاهر كلامه عدم القطع، والتزمه القرافي في الذخيرة لمن أورد على المذهب، قائلًا: لأن القبر ليس حرزًا معتادًا للمال.
قال: وكذا لو كفن في زائد على المعتاد لا قطع على سارقه.
[حكم سرقة السفينة: ]
ولما قدم حكم سرقه ما في السفينة ذكر حكم سرقتها نفسها، فقال: أو سفينة بمرساة واقفة يقطع سارقها.
[حضرة الصاحب حرز: ]
أو سرقة كل شيء بحضرة صاحبه يقطع؛ لأن حضرته حرز له، كان صاحبه نائمًا أو لا، كان المسروق فوقه أو تحته أو في كمه أو جيبه أو بازائه.
стр. 3317
وأصل ذلك سارق رداء صفوان بن أمية (١)، لما قيل له من لم يهاجر هلك، فقدم المدينة، ونام في المسجد، وتوسد رداءه، فأخذه سارق، فأخذه صفوان، وجاء به إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأمر بقطع يده.
فقال صفوان: لم أرد هذا يا رسول اللَّه، هو عليه صدقة.
فقال رسول اللَّه ﷺ : "فهلا قبل أن تأتيني به" (٢).
[المطمر ونحوه حرز: ]
أو سرق طعامًا من مطمر، وهو: حفرة تجعل في الأرض لخزن الطعام، وهال عليه التراب حتى يساوى الأرض، فيقطع إن قرب، لا إن بعد على المنقول، وتعقب قول ابن الحاجب: (والمطامير في الجبال وغيرها حرز) بأنه غير منقول.
[الربط حرز: ]
أو سرق بعيرًا أو غيره من قطار، وهو: ربط الإبل أو غيرها بعضها ببعض، فيقطع السارق إن حل منها شيئًا، ولو لم يبن، وقول المدونة (٣): (وبان به) لا مفهوم له (٤).
стр. 3318
[ما في حكم القطار حرز: ]
ونحوه، نحو القطار: سوقها مجموعة.
[مسائل متفرقة توجب القطع: ]
أو أزال باب المسجد عن موضعه، ولو لم يخرجه، أو أزال سقفه عن محله قطع فيهما.
أو أخرج قناديله منه قطع، كان عليها غلق أو لا، ليلًا أو نهارًا، وبه قال ابن الماجشون وأصبغ، خلافًا لأشهب؛ للإذن له في دخوله.
أو أخرج حصرة عند مالك وابن القاسم.
أو أخرج بسطه إن تركت به قطع، إن تركت به قيد في البسط فقط.
أو حمام يقطع السارق منها، إن دخل للسرقة، لا ليتحمم.
أو نقب الحمام وسرق منها.
أو تسور حائطًا وسرق منها.
أو بحارس لم يأذن له في تقليب؛ لما سرقه من الثياب، وسواء أقام الحارس صاحب الحمام أو صاحب الثياب، وأما لو أوهم الحارس أن له ثيابًا فأذن له في التقليب فلا قطع عليه فيما أخذه؛ لأنه خائن.
ابن رشد: وحيث قلنا يقطع صدق مدعي الخطأ فيما ادعي عليه أنه سرقه.
أو حمل عبدًا لم يميز وسرقه قطع.
стр. 3319
أو ميز، لكنه خدعه، كما لو كان أعجميًا فراطنه، وقال: اشتريتك مثلًا، وأما إن كان كبيرًا لا يخدع فلا قطع.
أو أخرجه -أي: النصاب- في ذي الإذن العام لمحله، أي: لآخر الإذن العام، فاللام للغاية، أي: إخراجه إلى منتهى الإذن العام فيقطع.
وهذه إحدى الدور الستة التي نص ابن رشد على عدم القطع فيها، كدار العالم والطبيب المأذون للناس في دخولها، ويقطع من سرق من بيوتها المحجورة، وما حملناه عليه من كلام ابن رشد نحوه للبساطي.
وأعاد الشارح في الكبير ضمير (محله) للسارق، وفي الأوسط والصغير لمحل الموضع المأذون فيه على العموم، قال: لأنه أخرج من حرز إلى غير حرز.
قال: وفيه نظر، ونحوه في الصغير من غير تنظير.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: إن في بعض النسخ: (أو أخرجه في ذي الإذن العام عن محله)، وهذه هي الصواب. انتهى. ولم نر هذه النسخة، ولعلها اصطلاح.
[مسائل لا قطع فيها: ]
لا دار ذات إذن خاص لبعض الناس، كـ: ضيف، أو داخل في صنيع، أو مرسل لأخذ حاجة منها فسرق مما -أي: من بيت- حجر عليه في دخوله، وإن خرج به من جميعه، أي: من جميع البيت فلا قطع عليه، وهو مذهب المدونة والموازية؛ لأنه خائن، لا سارق.
وأشار بالمبالغة لمخالفة ما حكاه عبد الحق، وتأوله على المدونة، ونسبه لمالك القطع إن خرج به من جميع الدار.
ولا إن نقله من موضع لآخر في حرزه ولم يخرجه، فلا قطع، وتقدمت.
стр. 3320
ولا قطع سارق فيما على صبي أو معه من حلي أو ثياب ونحوه، أي: نحو الصبي من مجنون.
وقيد ابن الحاجب مسألة الصبي بما إذا لم يكن معه حافظ؛ لأنه لو كان معه لكان حرزًا، زاد في التوضيح: وأن لا يضبط ما معه، وأن لا يكون بدار أبيه التي لم يؤذن للسارق في دخولها، وأهمل هذه القيود هنا.
ولا قطع على داخل في حرز، تناول منه الخارج؛ لأن معونته في الحرز، ويقطع الخارج إن أدخل يده في الحرز.
قال ابن القاسم: وإن أخرجه الداخل قطع وحده.
ولا يقطع إن اختلس، بأن أخذ على غير وجه الاختيار، بل مغافلة، أي: يأتيه بما يشغله.
أو كابر، بأن تناوله من صاحبه، ثم ادعى أنه ملكه؛ إذ ليس سرقة ولا حرابة ولا غصب.
أو هرب به بعد أخذه في الحرز؛ لأنه لم يخرج به على وجه السرقة، وكذا لو رآه معه في الحرز، وذهب ليأتي بمن يشهد عليه، ولو ليأتي من أخذه فلم يأت حتى ذهبت لم يقطع عند ابن القاسم.
أو أخذ دابة أوقفها صاحبها بباب مسجد أو أوقفها في سوق بغير حافظ.
وسكت عن التقييد به للعلم به مما سبق في قوله: (وكل شيء بحضرة صاحبه)، ويحتمل أنها واقفة بباب السوق، وحذف باب من الأول لدلالة الثاني عليه، وقرره البساطي على الأول.
أو أخذ ثوبا منشورًا على حائط دار بعضه داخلها وبعضه بالطريق، فلا قطع؛ تغليبًا لجانب درء الحد بالشبهة، وظاهره: جذبه من الطريق أو من الدار.
ثم عطف بالجر على (ما) من قوله أو: (ما على صبي)، فقال: أو
стр. 3321
ثمر بمثلثة من نخل أو غيره معلق على رؤوس الشجر من أصل خلقته.
قال مالك: لا قطع عليه.
إلا بغلق عليه للحفظ، ففي قطعه كما ألزمه اللخمي لقول ابن المواز: (لو دخل سارق دارًا فسرق من ثمرها المعلق على رؤوس النخل أو كان مجذوذًا في منزله لقطعت يده) يلزم على هذا إذا كان النخل أو الكرم أو غيره من الثمار عليه غلق احتيط به من السارق أو كان لا غلق عليه وعليه حارس أن يقطع، وعدم قطعه وهو لابن الماجشون قولان.
البساطي: وفي إلزام اللخمي لابن المواز ما فيه، فالخلاف ليس بين ابن المواز وابن الماجشون؛ لأنهما قالا بعدم القطع، وإنما الخلاف بين ما ألزم به اللخمي ابن المواز وبين ابن الماجشون، فتأمل انتهى.
ثم عطف على قوله: (لا قطع في ثمر إلا بغلق فقولان) وإلا بعد حصده يقطع إن كدس، أي: جمع في مكان لشبهه بما في الجرين، فإن لم يكدس بل بقيت ثمرة كل شجرة تحتها فلا قطع؛ لشبهه بما فوقها، والأول القطع مطلقًا، كدس أو لا، والثاني عدم القطع كدس أو لا.
تنبيه:
تلخص من كلامه -منطوقًا، ومفهومًا- أن للثمرة أربعة أحوال:
- على رؤوس الشجر من غير غلق.
- أو على رؤوسها بغلق.
- أو تجذ وتوضع بمكان لتنقل إلى الجرين.
- أو تنقل إلى الحرس.
وعلم حكم كل منها.
ولا يقطع إن نقب فقط، ولم يخرج شيئًا من الحرز؛ لأن غايته أنه هتكه، أما لو أخرج منه شيئًا ولو بعود قطع، قاله في الذخيرة.
وإن التقيا بأيديهما في المناولة وسط النقب قطعًا، أو ربطه الداخل
стр. 3322
بحبل أو غيره فجبذه الخارج وأخرجه من الحرز قطعا عند ابن القاسم.
تنبيه:
أشعر كلامه بأن الداخل لو قربه للنقب وأخرجه الخارج لم يكن الحكم كذلك، وهو كما أشعر، والحكم قطع الخارج وحده.
[شرط القطع: ]
وشرطه -أي: القطع أو السارق-:
[١] التكليف، والمراد به: العقل والبلوغ، فلا يقطع صبي، ولو مراهقًا، ولا مجنون مطبق، ولا من يفيق أحيانًا، إذا سرق في حال جنونه، وفي حال إفاقته يقطع، إذا أفاق.
وإذا وجد التكليف فيقطع الحر والعبد والذمي والحربي والمعاهد، والذكر والأنثى، وإن لم يترافعا إلينا؛ لأنه من رفع المظالم، وإن سرقوا لمثلهم، أو كل منهم للآخر؛ لأن السرقة من الفساد في الأرض، فلا يقر عليها، والحد حق للَّه فقط، لا حق فيه للمسروق منه.
إلا الرقيق يسرق لسيده فلا قطع عليه؛ لخبر: "عبدكم سرق متاعكم" (١).
[٢] وثبتت السرقة بـ:
[أ] إقرر إن طاع في الإقرار اتفاقًا، وإلا بأن أكره على الإقرار بوعيد أو سجن أو قيد أو ضرب فلا يلزمه شيء، ولو أخرج سرقة أو عين القتيل، إلا أن يقر بذلك بعد الإكراه أمنًا، ونحوه في المدونة.
وقبل رجوعه عن الإقرار إن كان الرجوع لشبهة، كـ: أخذت مالي المودع، أو من الغاصب، ونحوه، أو ظننت ذلك سرقة، ولو رجع بلا شبهة، كـ: كذبت في إقراري.
стр. 3323
وفي نسخة الشارحين: (بلا بينة) موضع (بلا شبهة) فصورها الشارح على أن مراده قبل رجوعه مطلقًا، سواء كان مؤاخذًا بإقرار أو بينة، ويحتمل كان رجوعه بحضرة بينة أم لا، وفيه نظر. انتهى.
وفي الشارح في الكبير بعد أن ذكر الاحتمال الثاني قال: إلا أن إطلاق الرجوع عليه إذا كان مع البينة مجازا؛ إذ لم يصدر منه قبل ذلك شيء حتى يقال: إنه رجع عنه، لكنه لو قال: يقبل عذره، لكان أحسن. انتهى.
وقرره البساطي بأنه أقر بالسرقة، ثم قال: سرقت وديعتي أو مالي الذي اغتصبه مني، ولم أسرق له شيئًا، قبل رجوعه عن السرقة، وانقطع عنه القطع، انظر بقية كلامه في الكبير.
وإن قال شخص لآخر: سرقت لي مالا، فأنكر والمدعى عليه متهم ورد اليمين المتوجهة عليه على الطالب، فحلف الطالب.
[ب] أو شهد على السارق بالسرقة رجل وامرأتان.
[ج] أو شهده بها شاهد واحد وحلف معه المدعي.
[د] أو أقر السيد معه.
فالغرم بلا قطع في المسائل الأربع، وكذا قرر البساطي الرابعة قائلًا: ينظر من نقلها كذلك.
ثم قال: وقد يتحمل له تحملًا بعيدًا، وذكره، فانظره، وقررها الشارح على أن العبد أقر من غير إشهاد عليه بذلك، واستشكل غرمه بإقراره؛ لأنه إنما عليه القطع.
تنبيه:
قال بعض من تكلم على هذا المحل إن الذي في أكثر النسخ التي وقفت عليها: (أو أقر السيد بالغرم، بلا قطع، وإن أقر العبد فالعكس). انتهى.
стр. 3324
ولم نر شيئًا من هذه النسخ التي ذكر.
[مسألة: ]
وإذا عاق عن القطع عائق مما سبق أو غيره وجب على السارق رد المال المسروق إن لم يقطع مطلقًا، باقيًا كان أو تالفًا، باختياره أو بغيره، نصابًا كان الباقي أو دونه، سرقه من حرز أو غيره، أو قطع رد إن أيسر -أي: استمر يساره- إليه -أي: إلى أن يقطع- من الأخذ.
فلو أعسر فيما بين الأخذ والقطع وقتا ما سقط وجوب الغرم، وسقط الحد للسرقة، وهو القطع، إن سقط العضو بعد وجوب قطعه بسماوي.
وفهم من قوله: (بسماوي) أنه لو قطع بجناية منه على غيره لم يسقط، وهو كذلك.
تنكيت:
ما حكاه الشارح في الأوسط والصغير عن ابن شاس أنه لو سرق ولا يمين له سقط الحد مشكل، وأما ما في الكبير عن الجواهر فلا إشكال فيه، ونصه: "فلو سرق فسقطت يمناه سقط الحد"، قال مالك وغيره: ولا يقطع منه شيء؛ لأن القطع قد كان وجب فيها.
[التوبة لا تسقط الحد: ]
لا بتوبة وعدالة وجدا بعد حصول موجب الحد، فإنهما لا يسقطان.
[التقادم لا يسقط الحد: ]
وإن طال زمانهما، ونبه به على خلاف.
[تداخل الحدود: ]
وتداخلت حدود وجبت على شخص إن اتحد الموجب، أي: قدر ما يوجب كل منهما، كقذف وشرب؛ إذ موجب كل منهما ثمانون، فيدخل كل في الآخر، ويحدهما حدًا واحدًا، وكذا لو سرق وقطع يمين آخر.
أو تكررت موجباتها، كسرقة مرارًا قبل الحد، أو شربه مرارًا كذلك،
стр. 3325
ونحوه في المدونة، وإن ضرب في شرب خمر، أو أقيم عليه حد الزنا، فهو لما كان قبل من ذلك، فإن فعل شيئًا بعد ذلك أقيم عليه حده، واللَّه أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه الحرابة، وما يتعلق بها، واختلف في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية هل سبب نزولها في المشركين الحربيين، أو قوم من أهل الذمة نقضوا عهدا بينهم وبين رسول اللَّه ﷺ ، أو الغرينين المرتدين، أو قطاع الطريق من المسلمين، أقوال، والأخير منها لمالك وغيره من فقهاء الأمصار، وعليه المحققون، وهو الصحيح والمستحسن؛ لاتفاق الكل على أن حكم المرتد والكافر القتل لا القطع والنفي، وعلى أن الناقض للعهد ليس حكمه القطع.
[تعريف المحارب: ]
وعرف المصنف المحارب المفهوم منه الحرابة بقوله: المحارب قاطع طريق، وهو جنس يشمل المحارب وغيره.
ولما كان الطريق أعم بين أحد فرديه بقوله لمنع سلوك، سواء كان الممنوع خاصًا، كفلان الشامي أو المصري مثلًا، أو عامًا كلا أدع أحدًا يمر للشام أو لمكة مثلًا، وهو فصل مخرج لمن منع من بينه وبينه عداوة مثلًا، فلا يسمى محاربًا.
وأشار للفرد الثاني بقوله: أو قطعها لأجل أخذ مال مسلم، وكذمي أو معاهد؛ لعصمه مالهما، وهو أحرى بالنسبة لما قبله، على وجه يتعذر معه الغوث؛ ككونه بفلاة المار بها قليل، ومشهر السلاح لأخذ المال [محارب] (١)، وإن انفرد بمدينة، ففي المدونة: من كابر رجلًا على ماله
стр. 3326
بسلاح أو غيره في زقاق أو دخل على حريمه في المصر حكم عليه بحكم الحرابة.
كمسقي السـ[ـيـ]ـكران لذلك، أي: لأخذ المال، وهو نبت دائم الخضرة، يؤكل حبه لتغييب العقل، ورقه يسمى (البنج) يشبه ورق البقل، وأشد منه نبت يسمى داتورة.
تنبيه:
ما ذكرناه من أن المصنف عرف المحارب مثله لابن هارون في كلام ابن الحاجب، ويحتمل أنه لم يرد تعريفًا، بل أراد به كلية يلزم اطرادها دون انعكاسها.
[أفعال المحاربين: ]
ومخادع الصبي وغيره من البالغين بأن يتحيل على كل حتى يصل به لموضع يتعذر فيه الإغاثة ليأخذ ما معه: محارب؛ لأنه من الغيلة.
وظاهره: سواء قتله أو لا، والذي في الجواهر والمستخرجة: (وقتله).
والداخل في ليل أو نهار في زقاق أو دار قَاتَلَ ليأخذ المال مكابرة، ومنع الاستغاثة بقوته، أو بوكيل على قتل من يستغيث: محارب عند مالك، خلافًا لابن الماجشون.
ومفهوم (ليأخذ المال) لو علم به بعد أن أخذه وخرج به وقاتل لخلاص نفسه وما أخذه ليس بمحارب، قاله اللخمي.
[مقاتلة المغدور المحارب: ]
وإذا قاتل لذلك فيقاتل بعد المناشدة جوازًا إن أمكن ذلك، بأن لا يعاجله، وأما إن عاجل بالقتال فلا يناشده.
وإطلاق أخذ المال يشمل القليل، وهو قول سحنون.
[عقوبة المحارب: ]
ثم أشار إلى عقوبة المحارب إذا قدر عليه قبل توبته بقوله: ثم يصلب حيًا، فيقتل مصلوبًا.
стр. 3327
تتمة:
لو حبسه الإمام ليصلبه فمات لم يصلبه، ولو قتله إنسان في السجن فله صلبه؛ لأن بقية حده، وسكت المصنف عن كونه ينزل بعد ثلاثة أيام، أو من ساعته، أو ينزل إلى أن يفنى، أو تأكله الكلاب، وعن الصلاة عليه وعدمها، وهل ينزل لها، أو يصلى عليه مصلوبًا، وعلى أنه ينزل هل يعاد للصلب أو لا، وفي الكل خلاف.
أو ينفى الحر لمثل فدك وخيبر كالزنا، ويحبس بها إلى أن تظهر توبته أو يموت؛ لأنه يجيء بعد سنة، وسكت عن كون الحر بالغًا عاقلًا لوضوحه.
أو تقطع يده [اليمنى] ورجله اليسرى ليكون القطع من خلاف، ولاء بكسر الواو والمد -أي: في فور واحد- فإن عاد ثانيًا فالباقيتان كذلك، ولو كانت يمينه شلاء أو ذهبت بقود أو جناية فيده اليسرى ورجله اليمنى فقط.
وبالقتل يجب قتله ولا يشترط المكافأة فيقتل، ولو بكافر أو عبد؛ لتناهي فساده على المشهور، ولا يشترط في وجوب القتل أيضًا مباشرته له، بل يقتل.
أو شارك فيه بإعانة، كـ: ضرب أو إمساك، ولو لم يعن بهما، بل بممالأة، كما في المدونة وغيرها.
ولا يسقط عنه القتل إذا قتل ولو جاء تائبًا على المشهور؛ لأن توبته لا تسقط عنه حقوق الآدميين، وليس للولي العفو؛ لأن قتله ليس قصاصًا، وإنما النظر للإمام؛ إذ لو أراد قطعه أو نفيه لم يكن للولي قصاص.
اللخمي: يقتل المحارب بالسيف وبالرمح، لا بصفة تعذيب، ولا يرمى من مكان مرتفع، والصلب قائمًا لا مكنوسًا، ويطلق يداه.
[ما يندب للإمام مع المحارب: ]
وندب للإمام مراعاة حال المحارب الذي لم يقتل فيعين لذي التدبير في الحروب والخلاص من شدائدها بحيث يصير مرجعًا في ذلك القتل،
стр. 3328
ولذي البطش والشجاعة القطع من خلاف؛ لدفع ضرره بذلك.
وتعين لغيرهما -أي: لغير من اتصف بأحدهما- ولمن وقعت منه فلتة مخالفة لظاهر حاله بل موافقة لغيره نادمًا على ذلك النفي والضرب؛ لكفاية ذلك في ردعه، والواو لا تقتضي ترتيبًا فيضربه وينفيه.
والتعيين في أحد العقوبات المتقدمة للإمام، فيفعل ما يرى أنه أقرب للصواب، لا بالهوى.
[مسألة: ]
لا لمن قطعت يده ونحوها ممن فقئت عينه أو جذع أنفه، وغرم كل -أي: كل واحد من المحاربين إذا ظفر به- عن الجميع جميع ما أخذوه؛ لأن كل واحد إنما قوي بأصحابه مطلقًا، أي: يغرم سواء جاء تائبًا أو لا.
[مسألة: ]
واتبع إن كان موسرًا من يوم حرابته ليوم أخذه بجميع ما جنى من أخذ مال أو صداق امرأة أكرهها أو قيمة عبد أو دية ذمي، وإن كان معسرًا وقت الحرابة أو موسرًا ثم أعسر ولم يتصل ملاؤه فلا يتبع، كالسارق.
وإن جاء تائبًا اتبع موسرًا أو معسرًا ودفع ما وجد بأيديهم من المال لمن طلبه إن ثبت أنه له، وإن لم يثبت دفع له بعد الاستيناء واليمين بغير حميل، لكن يضمنهم الإمام إياها إن جاء لها طالب، ويشهد عليهم.
أو دفع لمن ادعاه بشهادة رجلين من الرفقة على من حاربهم بقتل أو أخذ مال أو غيره إن كانا عدلين؛ إذ لا سبيل إليـ[ـه] غير ذلك، فيشهد بعضهم لبعض، ما لم يشهد شخص لابنه.
تنبيه:
قال المصنف: هذه الشهادة خارجة عن الأصل؛ إذ فيها العداوة، وفيها اشهد لي واشهد لك، وإنما جازت للضرورة؛ ولما فيها من حق اللَّه تعالى، والأموال تبع لها.
стр. 3329
[مسألة: ]
لا إن شهد اثنان لأنفسهما، فلا تقبل لاتهامها، أما لو قالوا كلهم عند الحاكم قتل منا كذا كذا رجلًا، وسلب منا كذا كذا رجلًا وكذا كذا جارية، والأحمال لفلان، والثياب لفلان، والجواري لفلان، فذلك جائز، ويجب به حد الحرابة، قاله مالك وابن القاسم وأشهب.
[مسألة: ]
ولو شهد اثنان على شخص يعرفان عينه أنه فلان المشتهر بها -أي: بالحرابة- أقام الإمام عليه حدها، وإن لم يشهدا عليه بمعاينة القتل والسلب وقطع الطريق، وسقط حدها بإتيان المحارب إلى الإمام طائعًا قبل الظفر به، أو ترك ما هو عليه من الفساد وإلقاء السلاح، وإن لم يأت الإمام، وهذا مذهب ابن القاسم.
وفهم من كلامه أن فراره ليس توبة، وهو كذلك.
خاتمة:
قال الباجي عن سحنون: لا يجوز أن يؤمن المحارب إن سأل الإمام، بخلاف المشرك؛ لأن المشرك يقر إذا أمن على حاله وبيده أموال المسلمين، ولا يجوز تأمين المحارب على ذلك، ولا أمان له، واللَّه أعلم.
* * *
باب ذكر فيه حد الشرب، وأشياء توجب الضمان، ودفع الصائل
[أولًا - حد الشرب: ]
فقال: يجب بشرب المسلم، لا الكافر: ذميًا أو حربيًا.
المكلف: لا الصبي والمجنون.
стр. 3330
ما: أي شيئًا أو الذي.
يسكر جنسه، كـ: خمر، وهو ما خامر العقل من عصير عنب أو فضيخ تمر أو زبيب أو عسل، وهو: النقيع أو حنطة أو شعير أو أرز أو ذرة.
طوعًا بلا عذر: لا إكراهًا.
وبلا ضرورة، كإساعة.
وسكت هنا عن جواز الإساعة أو حرمتها؛ لأنه قدم الإباحة في باب الأطعمة.
وقال أصبغ: يحرم.
وقال ابن عبد السلام: لا يبعد الوجوب.
وبلا ظنه غيرًا، أي: مغايرًا للمسكر، كأنه ظنه لبنًا أو ماء أو عسلًا، فشربه، ثم ظهر أنه مسكر، وسكر منه، فلا حد عليه، زاد أبو عمران: إذا كان مأمونًا لا يتهم.
ولم يذكره المؤلف، وأما عكسه وهو أن يشرب حلالًا كلبن يظنه خمرًا فحكى ابن عرفة عن عز الدين لا حد عليه، وتسقط عدالته، ومثل هذه الثلاثة وهي شربها مكرهًا أو لضرورة أو ظنها مباحًا داخل تحت قوله: (بلا عذر)، ولكنه عددها لنص بعض الأشياخ عليها.
وإن قل متعلق بقوله: (ما يسكر)، أي: إذا أسكر جنسه حد بشرب ما قل منه، ولا يشترط ظهور السكر منه، ولا علمه بوجوب الحد فيه؛ ولذا قال: أو جهل وجوب الحد مع علمه بالتحريم.
ولا يشترط أيضًا علمه بالتحريم، ولذا قال: وحرمة، أي: جهلها؛ لقرب عهد منه بالإسلام، أو كونه بدويًا لم يقرأ الكتاب ولم يعلمه، ويحمل مثل ذلك، فلا يرفع عنه الحد بذلك، قاله مالك؛ لأن الإسلام فشا، ولا