بسلاح أو غيره في زقاق أو دخل على حريمه في المصر حكم عليه بحكم الحرابة.
كمسقي السـ[ـيـ]ـكران لذلك، أي: لأخذ المال، وهو نبت دائم الخضرة، يؤكل حبه لتغييب العقل، ورقه يسمى (البنج) يشبه ورق البقل، وأشد منه نبت يسمى داتورة.
تنبيه:
ما ذكرناه من أن المصنف عرف المحارب مثله لابن هارون في كلام ابن الحاجب، ويحتمل أنه لم يرد تعريفًا، بل أراد به كلية يلزم اطرادها دون انعكاسها.
[أفعال المحاربين: ]
ومخادع الصبي وغيره من البالغين بأن يتحيل على كل حتى يصل به لموضع يتعذر فيه الإغاثة ليأخذ ما معه: محارب؛ لأنه من الغيلة.
وظاهره: سواء قتله أو لا، والذي في الجواهر والمستخرجة: (وقتله).
والداخل في ليل أو نهار في زقاق أو دار قَاتَلَ ليأخذ المال مكابرة، ومنع الاستغاثة بقوته، أو بوكيل على قتل من يستغيث: محارب عند مالك، خلافًا لابن الماجشون.
ومفهوم (ليأخذ المال) لو علم به بعد أن أخذه وخرج به وقاتل لخلاص نفسه وما أخذه ليس بمحارب، قاله اللخمي.
[مقاتلة المغدور المحارب: ]
وإذا قاتل لذلك فيقاتل بعد المناشدة جوازًا إن أمكن ذلك، بأن لا يعاجله، وأما إن عاجل بالقتال فلا يناشده.
وإطلاق أخذ المال يشمل القليل، وهو قول سحنون.
[عقوبة المحارب: ]
ثم أشار إلى عقوبة المحارب إذا قدر عليه قبل توبته بقوله: ثم يصلب حيًا، فيقتل مصلوبًا.
стр. 3327
تتمة:
لو حبسه الإمام ليصلبه فمات لم يصلبه، ولو قتله إنسان في السجن فله صلبه؛ لأن بقية حده، وسكت المصنف عن كونه ينزل بعد ثلاثة أيام، أو من ساعته، أو ينزل إلى أن يفنى، أو تأكله الكلاب، وعن الصلاة عليه وعدمها، وهل ينزل لها، أو يصلى عليه مصلوبًا، وعلى أنه ينزل هل يعاد للصلب أو لا، وفي الكل خلاف.
أو ينفى الحر لمثل فدك وخيبر كالزنا، ويحبس بها إلى أن تظهر توبته أو يموت؛ لأنه يجيء بعد سنة، وسكت عن كون الحر بالغًا عاقلًا لوضوحه.
أو تقطع يده [اليمنى] ورجله اليسرى ليكون القطع من خلاف، ولاء بكسر الواو والمد -أي: في فور واحد- فإن عاد ثانيًا فالباقيتان كذلك، ولو كانت يمينه شلاء أو ذهبت بقود أو جناية فيده اليسرى ورجله اليمنى فقط.
وبالقتل يجب قتله ولا يشترط المكافأة فيقتل، ولو بكافر أو عبد؛ لتناهي فساده على المشهور، ولا يشترط في وجوب القتل أيضًا مباشرته له، بل يقتل.
أو شارك فيه بإعانة، كـ: ضرب أو إمساك، ولو لم يعن بهما، بل بممالأة، كما في المدونة وغيرها.
ولا يسقط عنه القتل إذا قتل ولو جاء تائبًا على المشهور؛ لأن توبته لا تسقط عنه حقوق الآدميين، وليس للولي العفو؛ لأن قتله ليس قصاصًا، وإنما النظر للإمام؛ إذ لو أراد قطعه أو نفيه لم يكن للولي قصاص.
اللخمي: يقتل المحارب بالسيف وبالرمح، لا بصفة تعذيب، ولا يرمى من مكان مرتفع، والصلب قائمًا لا مكنوسًا، ويطلق يداه.
[ما يندب للإمام مع المحارب: ]
وندب للإمام مراعاة حال المحارب الذي لم يقتل فيعين لذي التدبير في الحروب والخلاص من شدائدها بحيث يصير مرجعًا في ذلك القتل،
стр. 3328
ولذي البطش والشجاعة القطع من خلاف؛ لدفع ضرره بذلك.
وتعين لغيرهما -أي: لغير من اتصف بأحدهما- ولمن وقعت منه فلتة مخالفة لظاهر حاله بل موافقة لغيره نادمًا على ذلك النفي والضرب؛ لكفاية ذلك في ردعه، والواو لا تقتضي ترتيبًا فيضربه وينفيه.
والتعيين في أحد العقوبات المتقدمة للإمام، فيفعل ما يرى أنه أقرب للصواب، لا بالهوى.
[مسألة: ]
لا لمن قطعت يده ونحوها ممن فقئت عينه أو جذع أنفه، وغرم كل -أي: كل واحد من المحاربين إذا ظفر به- عن الجميع جميع ما أخذوه؛ لأن كل واحد إنما قوي بأصحابه مطلقًا، أي: يغرم سواء جاء تائبًا أو لا.
[مسألة: ]
واتبع إن كان موسرًا من يوم حرابته ليوم أخذه بجميع ما جنى من أخذ مال أو صداق امرأة أكرهها أو قيمة عبد أو دية ذمي، وإن كان معسرًا وقت الحرابة أو موسرًا ثم أعسر ولم يتصل ملاؤه فلا يتبع، كالسارق.
وإن جاء تائبًا اتبع موسرًا أو معسرًا ودفع ما وجد بأيديهم من المال لمن طلبه إن ثبت أنه له، وإن لم يثبت دفع له بعد الاستيناء واليمين بغير حميل، لكن يضمنهم الإمام إياها إن جاء لها طالب، ويشهد عليهم.
أو دفع لمن ادعاه بشهادة رجلين من الرفقة على من حاربهم بقتل أو أخذ مال أو غيره إن كانا عدلين؛ إذ لا سبيل إليـ[ـه] غير ذلك، فيشهد بعضهم لبعض، ما لم يشهد شخص لابنه.
تنبيه:
قال المصنف: هذه الشهادة خارجة عن الأصل؛ إذ فيها العداوة، وفيها اشهد لي واشهد لك، وإنما جازت للضرورة؛ ولما فيها من حق اللَّه تعالى، والأموال تبع لها.
стр. 3329
[مسألة: ]
لا إن شهد اثنان لأنفسهما، فلا تقبل لاتهامها، أما لو قالوا كلهم عند الحاكم قتل منا كذا كذا رجلًا، وسلب منا كذا كذا رجلًا وكذا كذا جارية، والأحمال لفلان، والثياب لفلان، والجواري لفلان، فذلك جائز، ويجب به حد الحرابة، قاله مالك وابن القاسم وأشهب.
[مسألة: ]
ولو شهد اثنان على شخص يعرفان عينه أنه فلان المشتهر بها -أي: بالحرابة- أقام الإمام عليه حدها، وإن لم يشهدا عليه بمعاينة القتل والسلب وقطع الطريق، وسقط حدها بإتيان المحارب إلى الإمام طائعًا قبل الظفر به، أو ترك ما هو عليه من الفساد وإلقاء السلاح، وإن لم يأت الإمام، وهذا مذهب ابن القاسم.
وفهم من كلامه أن فراره ليس توبة، وهو كذلك.
خاتمة:
قال الباجي عن سحنون: لا يجوز أن يؤمن المحارب إن سأل الإمام، بخلاف المشرك؛ لأن المشرك يقر إذا أمن على حاله وبيده أموال المسلمين، ولا يجوز تأمين المحارب على ذلك، ولا أمان له، واللَّه أعلم.
* * *
باب ذكر فيه حد الشرب، وأشياء توجب الضمان، ودفع الصائل
[أولًا - حد الشرب: ]
فقال: يجب بشرب المسلم، لا الكافر: ذميًا أو حربيًا.
المكلف: لا الصبي والمجنون.
стр. 3330
ما: أي شيئًا أو الذي.
يسكر جنسه، كـ: خمر، وهو ما خامر العقل من عصير عنب أو فضيخ تمر أو زبيب أو عسل، وهو: النقيع أو حنطة أو شعير أو أرز أو ذرة.
طوعًا بلا عذر: لا إكراهًا.
وبلا ضرورة، كإساعة.
وسكت هنا عن جواز الإساعة أو حرمتها؛ لأنه قدم الإباحة في باب الأطعمة.
وقال أصبغ: يحرم.
وقال ابن عبد السلام: لا يبعد الوجوب.
وبلا ظنه غيرًا، أي: مغايرًا للمسكر، كأنه ظنه لبنًا أو ماء أو عسلًا، فشربه، ثم ظهر أنه مسكر، وسكر منه، فلا حد عليه، زاد أبو عمران: إذا كان مأمونًا لا يتهم.
ولم يذكره المؤلف، وأما عكسه وهو أن يشرب حلالًا كلبن يظنه خمرًا فحكى ابن عرفة عن عز الدين لا حد عليه، وتسقط عدالته، ومثل هذه الثلاثة وهي شربها مكرهًا أو لضرورة أو ظنها مباحًا داخل تحت قوله: (بلا عذر)، ولكنه عددها لنص بعض الأشياخ عليها.
وإن قل متعلق بقوله: (ما يسكر)، أي: إذا أسكر جنسه حد بشرب ما قل منه، ولا يشترط ظهور السكر منه، ولا علمه بوجوب الحد فيه؛ ولذا قال: أو جهل وجوب الحد مع علمه بالتحريم.
ولا يشترط أيضًا علمه بالتحريم، ولذا قال: وحرمة، أي: جهلها؛ لقرب عهد منه بالإسلام، أو كونه بدويًا لم يقرأ الكتاب ولم يعلمه، ويحمل مثل ذلك، فلا يرفع عنه الحد بذلك، قاله مالك؛ لأن الإسلام فشا، ولا
стр. 3331
أحد يجهل شيئًا من الحدود، وأما لو علم التحريم وجهل وجوب الحد لحد اتفاقًا.
ويحد شارب ما أسكر جنسه وإن لم يسكر به ولو حنفيًا يشرب نبيذ؛ لأنه يرى إباحته.
قال مالك: أحده، ولا أقبل شهادته.
وقال الشافعي: أحده، وأقبلها.
وصوب الباجي عدم حده، وصححه غير واحد من المتأخرين، وأشار إليه المؤلف بقوله: وصحح نفيه، أي: نفي الحد.
[مقدار حد الشرب ووقته: ]
ثم بين فاعل يجب المحذوف بقوله: ثمانون، ثم بين وقت ضربه الحد بقوله بعد صحوه اتفاقًا، لا قبله، فإن أخطأ الإمام فحده قبله أعاده.
[مسألة: ]
وتشطر حد الشارب بالرق أو ذا شائبة.
[شرط إقامة الحد على من مضى: ]
ثم أشار إلى شرط الحد على من اجتمعت فيه الشروط السابقة بقوله:
إن أقر بشرب.
أو شهدا، أي: اثنان عليه بشرب لما يسكر جنسه معاينة اتفاقًا فيهما، فإن رجع عن إقراره لشبهة فكالزنا.
أو شهد على شم للمسكر منه، وهو قول مالك وجمهور أهل الحجاز: إذا شهد اثنان بالشم عمل بشهادتهما وإن خولفا.
ابن عبد السلام: وهي تشبه ما لو اختلفوا في قيمة المسروق: هل يساوي ربع دينار أو أقل، فمذهب المدونة إعمال شهادة من شهد أنها ربع دينار، والشهادة على الفيء كالشهادة على الشرب، بل هي أقوى.
стр. 3332
[الشرب للإكراه: ]
وجاز الشرب للمسكر لإكراه؛ لقوله ﵊: "وما استكرهوا عليه" (١)؛ لصراحته في نفي الإثم، وكل فعل نفي عن فاعله الإثم استلزم الجواز.
[الإساغة: ]
وجاز إساغة لغصة صونًا لإحياء النفس، لا دواء، فلا يجوز بالمسكر، ولو طلاء لظاهر الجسد على الأصح عند ابن الحاجب، وعبر عنه ابن شاس بالمشهور.
تنبيه:
أشار بلو للخلاف في الطلاء، وللاتفاق على منعه في الباطن، وهو كذلك.
[كيفية إقامة الحد: ]
والحدود كلها بسوط لا عصى، وضرب البساطي: لا رمي ولا حذف انتهى. وهو واضح، لكن في غير رجم الزاني.
معتدلين على المشهور، كما تقدم في الزنا، قاعدًا لا قائمًا، ولا يمد.
بلا ربط وشديد، إلا أن يضطرب اضطرابًا لا يصل الضرب معه لموضعه، ويكون الضرب بظهره، أي: المحدود وكتفيه دون غيرهما، واستحسنه اللخمي.
وجرد الرجل والمرأة مما يقي الضرب من الثياب، وظاهره:
стр. 3333
تساويهما، وظاهر المدونة أن الرجل لا يترك عليه شيء.
وإذا حدث المرأة ندب جعلها في قفة حين الضرب، ولما بلغ مالكًا أن بعض الأمراء فعله أعجبه ذلك، زاد اللخمي: ويجعل تحتها تراب للستر.
تنبيه:
إذا حد الشارب خلي سبيله، ولو كان مشهورًا بفسق.
وقيل: يطاف بالمشهور، ويسجن.
[ما ليس فيه عقوبة محدودة من الجنايات: ]
ولما فرغ من الجنايات التي رتب فيها الشارع عقوبة معلومة مع تساوي الناس فيها، شرع في بيان ما ليس فيه عقوبة محدودة، بل مختلفة باختلاف الناس وعزر الإمام لمعصية اللَّه التي لا يتعلق بها حق لآدمي، كتعمد الفطر برمضان لغير ضرورة، وكالتفريط في الطهارة، وترك شيء مما يتعلق بالصلاة.
أو لحق آدمي، كشتمه أو ضربه، ولا يخلو عن حق اللَّه تعالى؛ إذ من حقه تعالى على كل مكلف ترك أذاه لغيره، لكن لما كان هذا القسم إنما ينظر فيه باعتبار حق الآدمي جعل قسيما للأول، فمن صدر منه شيء من ذلك عزره الإمام باجتهاده في أمرين:
أحدهما: حبسه، فلا يختص بسوط، وقضيب، ودرة، وحبل، ويد، ولو بقفا.
وثانيهما: أنه لا يقتصر على ما دون الحد، ولا ينتهي للقتل.
[الحبس: ]
وأشار للأول الأمرين بقوله: حبسًا -أي: يحبسه حبسًا- ويلوم لومًا بتوبيخ، فهما منصوبان على المصدرية، أو على نزع الخافض، أي: عزر بالحبس واللوم.
стр. 3334
وبالإقامة واقفًا على قدميه في الملأ، ويضرب ضربًا بالسوط أو غيره، كدرة ونحوها.
[التلوم: ]
وأشار لثانيهما بقوله وهو اجتهاده بحسب الوقائع بما يراه: وإن زاد على الحد على المشهور عند مالك وابن القاسم، أو أتى على النفس، قاله مطرف وغيره، وهذا مع ظن السلامة.
[ثانيا - أشياء توجب الضمان: ]
وإلا بأن لم يظن السلامة ضمن ما سرى إليه التعزير كطبيب جهل فداوى بغير علم، وأتلف بمداواته، فإنه يضمن، أو لم يجهل، ولكنه قصر عن القدر المطلوب في ذلك، فيقتص منه.
أو زاد عليه أو أخطأ فقلع سنًا مثلًا غير المأذون فيه أو قدم على فعل بلا إذن فأتلف، فإنه يضمن، ولو أصاب وجه العلم أو الصفة، أو فعل بغير إذن معتبر من صبي أو مجنون، ولو أذن له عبد بفصد أو حجامة أو ختان، الباء بمعنى في، فيضمن لعدم إفادة الإذن، قاله في الموازية.
تنبيه:
ظاهر كلام المصنف: أن الطبيب يضمن ذلك من ماله، وهو لمالك في العتبية.
وقيل: على العاقلة.
تتمة:
لو ادعى الطبيب الخطأ وذو الجناية العمد فالقول قول الطبيب، ولو فقأ الزوج عين زوجته والسيد عين عبده وادعت الزوجة والرقيق العمد والزوج والسيد الأدب، فرجع سحنون إلى أن القول قول مدعي الأدب.
وكتأجيج نار -أي: إهاجتها- في يوم وقت ريح عاصف فالضمان.
ظاهره: ولو مع البعد، وفي حرز البئر من المدونة: من أرسل في
стр. 3335
أرضه ماء أو نارًا فوصل إلى أرض جاره فأفسدت زرعه فإن كانت أرض جاره بعيدة يؤمن أن يصل ذلك إليها فتحاملت النار بريح أو غيرها فأحرقته فلا شيء عليه، وإن لم يؤمن وصول ذلك إليها لقربها فهو ضامن، وما قتلت النار من نفس فعلى عاقلة مرسلها، وكذلك الماء.
قال المصنف: فالعبرة على هذا إنما هي بالأمن وعدمه، ولم يقيد كلامه هنا بالأمن كما أنه المعتبر.
وكسقوط جدار -أي: حائط- يضمن صاحبه ما تلف بسببه بشروط ثلاثة:
أشار لأحدها بقوله: مال بعد بنائه مستقيمًا، وفهم ذلك من قوله مال؛ إذ هو محل الخلاف في الضمان وعدمه؛ إذ لو بناه مائلًا لضمن من غير تفصيل.
ولثانيها بقوله: وأنذر صاحبه بالإشهاد عليه، فإن لم يشهد عليه لم يضمن، ولو كان مخوفًا، قاله ابن عبد السلام، والمعنى بالإشهاد عند القاضي أو من له النظر.
وفهم من قوله: (صاحبه) أن الإشهاد على المرتهن أو المستأجر لا يفيد؛ إذ ليس له هدمه.
وأشار لثالثها بقوله: وأمكن تداركه بهدم أو تدعيم، فتراخى حتى سقط، أما لو بادر فسقط قبل التمكن من إزالته لم يضمن، ولو تقدم إليه.
أو عضه شخص في يده فسل المعضوض يده من العاض فقلع أسنانه أو بعضها ضمن ديتها على المشهور.
ومن اطلع على عورة شخص من شق باب أو نظر من كوة فقصد المنظور إليه عينه -أي: عين الناظر- ورماه متعمدًا ففقأها فالقود على الأصح؛ لإمكان الدفع بدونه.
وقال الشافعي والجمهور: لا ضمان.
стр. 3336
وإلا بأن لم يقصد عينه بل قصد زجره بحصاة ونحوها فصادفت عينه فلا ضمان، ولا شيء عليه.
وهذا مفهوم قصد عينه، وصرح به لئلا يفهم أنه إن لم يقتص منه فالدية، فدفع ذلك.
كسقوط ميزاب على شخص أو مال فلا شيء عليه؛ لأنه اتخذه حيث يجوز له.
قال المصنف: وينبغي أن تقيد هذه المسألة بما في مسألة الجدار.
أو بغت ريح بالغين المعجمة، أي: فجاؤها لنار أوقدها إنسان في وقت لا تسري فيه؛ لعدم الريح فعصفت الريح، وأتلفت نفسًا أو مالًا فلا ضمان؛ لأنه غير متعد، كحرقها شيئًا حال كونها قائمًا لطيفها خوفًا على نفسه أو داره فهدر.
[ثالثا - دفع الصائل]
وجاز دفع صائل مكلف أو صبي أو مجنون أو بهيمة، بعد الإنذار بالتخويف للفاهم منه، وأما غيره فلا يمكن إنذاره، ولا يفيد، والمدفوع عنه كل معصوم من نفس وأهل وبضع مما ليس بمال، وإن عن مال، ويدفع بالأخف فالأخف، ولا يقصد قتله ابتداء، فإن أدى للقتل فذلك.
وجاز قصد قتله أولًا، إن علم أنه لا يندفع إلا به، قاله القاضي أبو بكر.
تنبيه:
علم من هذا أن المراد بالجواز كونه مشروعًا؛ ليشمل الواجب؛ لأن الدفع قد يكون واجبًا، وإن كان الصائل بهيمة قبل قول قاتلها: إنها صالت عليه عند ابن القاسم.
ابن رشد: يريد مع يمينه.
لا جرح فلا يفعله الموصول عليه في الصائل إن قدر على الهرب منه
стр. 3337
بلا مضرة؛ ارتكابًا لأخف الضررين، وما أتلفته البهائم المأكولة اللحم وغيرها من الحوائط والزرع المأكولة الثمار وغيرها ليلًا فعلى ربها ضمانه، إن لم يزد على قيمتها بأن نقص عنها، أو ساواها، بل وإن زاد على قيمتها بقيمته على المشهور، وهو قول ابن القاسم.
ويقوم الرجاء والخوف أن لا يتم، وإن لم يبد صلاحه، ابن القاسم: ولا يستأنى بالزرع هل ينبت أو لا، كما يستأنى في سن الصغير، وعلى قول سحنون يستأنى.
لا ما أتلفته البهائم نهارًا، فلا يضمنه ربها، إن لم يكن معها راع يحفظها، والحال أنها سرحت بعد موضع المزارع، بأن أخرجها ربها عن مزارع القرية تركها بالمسرح، فلا ضمان عليه.
فلو أطلقها قبل خروجها عن مزارع القرية فضامن، وإن كان معها راع، وإلا بأن كان معها راع فعلى الراعي الضمان إن فرط.
ابن رشد: وعلى هذا حمل أهل العلم الحديث الوارد في ناقة البراء بن عازب دخلت حائط رجل من الأنصار فأفسدت فيه، فقضى رسول اللَّه ﷺ على أهل الحوائط بحفظها نهارًا، وما أفسدته ليلًا فعلى ربها (١).
* * *
باب
بين فيه العتق وأحكامه، وما يتعلق به، وهو لغة: الخلوص، وأجمعت الأمة على منع عتق غير الآدمي من الحيوان؛ لأنه السائبة المحرمة بالقرآن، وهو من أفضل الأعمال؛ ولذا شرع في كفارة القتل، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللَّه بكل
стр. 3338
إرب منها إربا منه من النار" (١).
زاد البخاري: "حتى الفرج بالفرج" (٢).
[تعريف العتق: ]
وعرفه ابن عرفة بأنه: رفع ملك حقيقي لا بسبي محرم عن آدمي حي.
خرج بـ (حقيقي) استحقاق عبد بحرية.
و(بسبي محرم) فداء المسلم من حربي سباه، أو ممن صار له منه. وبـ (آدمي) حيوان غير آدمي.
وبـ (حي) رفعه عنه بموته.
ولم يحده المؤلف.
[أركان العتق: ]
ولما كان له ثلاثة أركان:
- معتق.
- ومعتق بالكسر والفتح.
- وصيغة.
أشار الركن الأول بقوله: إنما يصح إعتاق مكلف، ولو سكرانًا على المشهور، لا صبي ومجنون، وإنما صح عتق السكران دون هبته؛ لتشوف الشارع للحرية.
ووصف المكلف بقوله: بلا حجر عليه بالنسبة لما حجر عليه فيه، فالزوجة والمريض محجور عليهما فيما زاد على الثلث، فيصح عتقهما في الثلث لا فيما زاد عليه.
стр. 3339
وبلا إحاطة دين بماله لما أعتق أو لبعضه، ودخل في المحجور عليه السفيه، فلا يصح عتقه، ولو أعتق فلم يرده الولي حتى خرج من الحجر لكان له رده.
وكذا لو حلف ثم حنث بعد خروجه من الولاية، وهو كذلك على أحد القولين، وأما عتقه لأم ولده فجائز، نص عليه في المدونة؛ إذ ليس له فيها إلا المتعة.
ولغريمه -أي: غريم من أحاط الدين بمال- رده لعتقه إن استغرق جمعه، أو بعضه إن لم يستغرقه، كعبد يساوي عشرين، والدين خمسة عشر، فيباع بقدره إن وجد من يشتريه كذلك، وإلا بيع جميعه.
إلا أن يعلم الغريم بالعتق ويطول ذلك مع سكوته، فلا رد له، وهل الطول أن يشتهر بالحرية وتثبت له أحكامها بالموارثة وقبول الشهادات لقاضي أربع سنين قولان لابن القاسم وابن عبد الحكم، أو إلا أن يفيد السيد مالًا يفي بالدين، ولم يرد العتق حتى أعسر، قال مالك: لا رد.
وأما لو تيقن بشهادة قاطعة أنه لم يزل عديما متصل العدم مع غيبة الغريم وعدم علمه لرد عتقه.
ولو رد العتق وأفاد السيد مالًا قبل بيع العبد أو أفاده بعد بيع السلطان على الخيار وهو معنى قوله: قبل نفوذ البيع لنفذ العتق؛ لأن بيع السلطان بيع خيار؛ لأنه منحل، قاله مالك.
وقال ابن نافع: يمضي البيع. واختاره اللخمي.
وأشار للركن الثاني، وهو: المعتق بالفتح بقوله: رقيقًا محضًا أو ذا شائبة حرية، مكاتب أو مدبر أو مبعض أو معتق لأجل أو أم ولده، لم يتعلق به حق لازم لمرتهن أو لمجني عليه أو لدين، وانظر تعريفه لابن عرفة في الكبير.
وأشار للركن الثالث، وهو: الصيغة الدالة على العتق بصريح أو كناية، وهي ضربان: ظاهرة وخفية بقوله: به -أي: الإعتاق- أو بفك الرقبة عن
стр. 3340
العبودية والتحرير وإن قيده بزمان، كـ: أنت حر في هذا اليوم، عتق أبدًا.
وعبر بالمصدر ليشعر بأن ما اشتق من هذه المصادر بمنزلتها، بلا قرينة مدح تصرف البيان الصريح عن ظاهره، فإن وجدت صرفته فلا يلزم به عتق، كمن عجب من عمل عبده أو من شيء رآه منه، فقال: ما أنت إلا حر، فلا شيء عليه في القضاء ولا في الفتيا.
أو بلا قرينة حلف بفتح الحاء المهملة وكسر اللام، كما قال اللخمي، أو قال العشار: لا أدعك إلا أن تقول: إن كانت أمة فهي حرة، فإن كان بغير نية العتق لم يلزمه شيء (١)، وإن نوى العتق وهو ذاكر أن له أن لا ينويه كانت حرة؛ لأنه لم يكره على النية.
أو قرينة دفع مكس؛ لقولها: من مر بعبده على عشار، فقال: هو حر، ولم يرد بذلك الحرية فلا عتق عليه فيما بينه وبين اللَّه تعالى، وإن قامت بينة لم يعتق أيضًا إذا علم أن السيد دفع عن نفسه ظلمًا؛ لأنه لم يكره على النية انتهى.
والفرق بين هذه ومسألة الحلف: أن هذه لا حلف فيها.
وبلا ملك لي عليك، أو لا سبيل لي عليك، فيعتق بأحد هذين اللفظين، فهما معطوفان على قوله: (فك الرقبة)، إلا أن يكون ذلك لجواب عن كلام قبله، وقال: لم أرد به العتق فيصدق.
[قسما الكناية: ]
وأشار لقسمي الكناية فللأول بقوله: وبكوهبت لك نفسك، أو أعطيتك نفسك، فيعتق بالبنية.
وللخفية بقوله: أو بكاسقني الماء بالنية، أو اذهب بالنية، أو اغرب
стр. 3341
بالنية، أي: صاحبًا لها، وحذفها من الأولين لدلالة هذه عليه، وانظر التعقب على المؤلف في المسألتين في الكبير.
[مسألة: ]
وعتق الرقيق على البائع دون المشتري ويرد ثمنه، إن علق هو، أي: مريد البيع، والمشتري -أي: مريد الشراء- فعلق البائع عتقه على البيع، فقال: إن بعته فهو حر، وعلق المشتري على الشراء، فقال: إن اشتريته فهو حر، فباعه له، ونحوه في المدونة، وهو المشهور، واختار ابن رشد.
واللخمي: عتقه على الأول.
والقول بعتقه على المشتري لأن العتق إنما يقع بعد حصول العبد في ملك المشتري.
[مسألة: ]
وعتق بالاشتراء الفاسد في قوله لعبد: إن اشتريتك فأنت حر، فاشتراه، كذلك في المدونة، وأفهم كلام المؤلف العتق بالاشتراء الصحيح، وهو كذلك من باب أولى، وشراء بعضه فاسد ككل، وهو كذلك في المدونة.
كأن اشترى العبد نفسه شراء فاسدًا، فيعتق ولا ينتقض البيع؛ لتشوف الشارع للحرية.
[مسألة: ]
وعتق على السيد الشقص، وقوم عليه باقيه، وعتق عليه المدبر وأم الولد، أي: ينجز عتقهما، وعتق عليه ولد عبده من أمته، أي: أمة العبد إن ولدوا قبل انعقاد اليمين، بل وإن ولدوا بعد انعقاد يمينه، كل ذلك إذا علق إن فعل كذا، فكل من يملكه حر، قال في توضيحه: بناءً على أن المضارع ظاهر في الحال.
قال الشارح وتبعه البساطي: لكن ظاهر كلامه كان على بر أو حنث، وهو خلاف ظاهر المدونة.
стр. 3342
[مسألة: ]
والإنشاء كالتعليق، فإذا قال في إنشائه: كل من يملكه حر عتق عليه الشقص، والمدبر وأم الولد وولد عبيده من إمائهم، وإن ولدوا بعد يمينه.
تنبيه:
جعل بعض من حشاه موضع الإنشاء الإماء، أي: وكذا تدخل الإماء في لفظ من يملك وما بعده.
وفي بعض النسخ: (والأنثى)، والمعنى: واحد.
وأما الإنشاء بالنون والشين فهو هنا ضلال مبين. انتهى.
[مسألة: ]
أو قال في تعليقه أو إنشائه: كل مملوك لي حر أو قال: رقيقي أو عبيدي أو ممالكي أحرار، فالحكم كذلك.
عياض: رقيقي يشمل الذكور والإناث، والمذهب أن عبيدي تختص بالذكر.
وقال فضل: يشملهما. وصوبه اللخمي مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وأما مماليكي فالذي رجع إليه سحنون شمولهما، وهو مذهب المدونة.
تنبيه:
قول البساطي: (ومما ينظر إذا جرى التخصيص غلبة لفظ المماليك على البيض، والعبيد على السود، كما هو عندنا، واختلف المفتون بها في وصية من أمير لمماليكه) انتهى.
وفيه نظر؛ وقد يقال: لا يحتاج لنظر؛ لأن الفتوى والحكم يدوران مع العرف كما صرح به القرافي وغيره.
стр. 3343
[مسألة: ]
لا عبيد عبيده، لا يدخلون في هذا التعليق، ولا هذا الإنشاء؛ لأن العبد عندنا يملك، ولا يملك السيد ملك العبد، إلا بعد الانتزاع.
ثم شبه فيما تقدم من عدم اللزوم فقال: كأملكه -أي: كل مملوك أملكه- أبدًا لما يستقبل فمقوم لم يلزمه شيء فيمن عنده ولا في غيره؛ لأنه لا يصدق عليه الآن أنه في ملكه بوجه، وسواء كان في غير يمين أو في يمين حنث بها، لما في تعميمه من الحرج والمشقة، إلا أن يعين زمنًا، كعشرين سنة، أو شخصًا كناصح، أو بلدًا كدمشق مثلًا، أو جنسًا كالصقالبة فيلزمه في المستقبل لعدم التعميم، ونحوه في المدونة.
[مسألة: ]
ووجب العتق بالنذر، معلقًا كإن فعلت كذا فعلى عتق رقبة، أو غير معلق عتق رقبة، ولم يقض عليه فيهما إلا ببت مين، كـ: عبدي هذا حر، وعبدي فلان حر، فيقضى عليه إن امتنع، وخرج به معين غير بت على عتق عبدي هذا إن فعلت كذا، فيؤمر له، ولا يقضى عليه.
[مساواة العتق الطلاق: ]
ولما كان العتق مساويًا للإطلاق في الخصوص والعموم بالنسبة للتعليق، فيلزم مع التخصيص، كـ: إن ملكت مرزوقًا فهو حر، أو: كل من أملكه من الحبش فحر، أو: من قرية كذا، أو: إلى عشرين سنة، ولا يلزم مع التعميم، كـ: كل مملوك أملكه حر، وكذلك الطلاق، قال: وهو في خصوصه وعمومه كالطلاق، ومساويًا له في منع لسيد أو زوج من وطء وبيع إن حلف بعتق أو طلاق، في صيغة حنث، كـ: إن لم يفعل كذا أو يصدق فأمته حرة، أو زوجته طالق، فيمنع من وطئها ومن بيع الأمة.
وفهم منه أن صيغة البر ليست كذلك، ونحوه في المدونة، ومساو للطلاق أيضًا في عتق عضو، كـ: يدك حرة مثلًا، فتعتق كلها، كـ: يدك طالق.
стр. 3344
تنبيهان:
الأول: هل يتوقف عتق الباقي على حكم، وهو مذهب المدونة.
اللخمي: وهو معروف المذهب.
أو لا؟ وهو ظاهر قولها: (وعتق عليه جميعه)، ولم يقيده بحكم ولا غيره.
الثاني: سكت عن مساواته له في تعليقه على الكلام والشعر ونحوهما مما تبين منه، ويجزي اللزوم وعدمه في ذلك على قولي أصبغ وسحنون السابق في الطلاق، وهو اللزوم عند أصبغ، ودرج عليه المصنف هناك، وعدمه وهو قول سحنون.
ومساو له في تمليكه العبد أمر نفسه أو تفويضه، كتمليك الزوجة أمر نفسها، وفي جوابه كالطلاق، ففي المدونة: من ملك عبده العتق أو فوض إليه، فقال العبد: اخترت نفسي. وقال: نويت به العتق، صدق وعتق؛ لأن هذا من أحرف الطلاق، وإن لم يرد العتق فلا عتق عند ابن القاسم.
وقال أشهب: يعتق، وإن لم ينو به العتق، كما يكون ذلك للمملكة طلاقا، وإن لم ترد الطلاق.
وحذف الطلاق من المسائل السابقة لدلالة هذا الأخير عليه.
[ما لا يساوي العتق فيه الطلاق: ]
إلا العتق لأجل فلا يساوي الطلاق لصحة الأجل فيه دون الطلاق؛ لأنه مع الأجل يشبه نكاح المتعة، فإن كانت أمة حرم وطؤها، وجاز له خدمتها؛ لإنهاء الأجل.
وإلا في قوله لأمتيه إحداكما حرة، ولا نية له فله الاختيار في عتق إحداهما عند المصريين، وكذا: رأس من رقيقي، بخلاف قوله لزوجتيه: إحداكما طالق ولا نية له، أو نسيها طلقتا معًا، وخيره المدنيون كالعتق.
стр. 3345
وفرق ابن المواز بأن العتق يتبعض ويجمع في أحدهم بالسهم، بخلاف الطلاق.
وكذا يخالف العتق والطلاق في قوله لأمته: إن حملت فأنت حرة فله وطؤها في كل طهر مرة حتى تحمل، وإذا حملت عتقت، وإذا قاله لزوجته حنث بوطئها أول مرة.
وإن جعل المالك عتقه لرقيقه مفوضًا لاثنين معًا لم يستقل أحدهما بعتقه، بل لا بد من اجتماعها عليه إن لم يكونا رسولين، فإن كانا رسولين عتق بعتق أحدهما، وكذلك الطلاق، وللبساطي هنا كلام ذكرناه في الكبير، انظره.
وإن قال لأمتيه: إن دخلتما الدار فأنتما حرتان، أو لزوجتيه: فأنتما طالقتان، فدخلت واحدة فقط، فلا شيء عليه فيهما، حتى يدخلا معًا جميعًا، لا في الداخلة؛ لاحتمال أن يريد إن اجتمعتا في الدخول، ولا في الأخرى لعدم دخولها عند ابن القاسم.
وقال أشهب: تعتق الداخلة فقط؛ لاحتمال إن دخلت أنت، وإن دخلت أنت، فجمع في اللفظ.
[مسألة: ]
وعتق على الشخص من أقاربه بنفس الملك بغير حكم على المشهور الأبوان وإن علوا مطلقًا من قبل الأب والأم، وكذا الولد ذكرًا كان أو أنثى أو خنثى وإن سفل مطلقًا كبنت وإن سفل ولدها.
وفي بعض النسخ: (لبنت) باللام بدل الكاف.
وكذا يعتق بالملك أخ أو أخت مطلقًا: شقيقًا أو لأب أو لأم دون أولادهم، ولا يعتق الأعمام والعمات، ولا الأخوال والخالات على المشهور، ونحوه في أوائل العتق الثاني من المدونة، وسواء كان ملك جميع جميع كل أو بعضهم.
ولما لم يتشرط في حصول الملك كونه بعوض، بالغ عليه بقوله: وإن
стр. 3346
حصل الملك بهبة أو صدقة أو وصيه، فإنه يعتق، إن علم المعطي، وهو الواهب ومن بعده أن المعطى له يعتق عليه، ولو لم يقبل ذلك، والولاء له عند ابن القاسم قبل أو لم يقبل، وكان يقول: إذا لم يقبل فالولاء لسيده.
ومفهوم الشرط: أن الواهب وما بعده إن لم يعلم أنه ممن يعتق عليه فإنه يباع، وهو كذلك، وهذا إذا حصل أحد الأمور الثلاثة في جميعه، فإن حصل في بعضه، فأشار له بقوله: ولا يكمل في جزء لم يقبله كبير لأمر نفسه، وإنما يعتق عليه ذلك الجزء فقط، ولم يسر في باقيه، وكان الباقي للواهب أو غيره.
ومفهومه: أنه يكمل عليه إن قبله، وهو كذلك.
أو قبله ولي صغير أو لم يقبله لم يكمل عليه في الحالين، أي: يعتق وإن لم يقبل الهبة والصدقة، والوصية وسط.
لا إن ملكه كله أو بعضه بإرث أو شراء وعليه دين فيباع في الدين؛ إذ لا يستقر على ملكه حتى يعتق عليه عند ابن القاسم.
[مسألة: ]
ثم عطف على قوله: (بنفس الملك)، فقال: وعتق على السيد وجوبًا بالحكم عند مالك وابن القاسم، واختاره اللخمي، وعند أشهب بنفس المثلة من غير حكم إن عمد لشين، وخرج بالعمد لشين الخطأ، والعمد على وجه المداواة، والعمد لا على قصد الشين؛ لأن الغالب من الإنسان الشقة على ماله.
وظاهر كلام ابن الحاجب كظاهر المدونة: أن مطلق العمد كاف في العتق بالمثلة.
برقيقه متعلق بحصول مقدر إن عمد حصول شين برقيقه القن أو من فيه شابة، أو رقيق رقيقه، ويدخل في ذلك معتقه لأجل، أو برقيق ولده الصغير، ويقوم عليه رقيق ولده إن كان موسرًا، وإلا لم يقوم عليه.
ابن القاسم: وهو كما لو أعتقه.
стр. 3347
[مسألة: ]
وولده السفيه كالصغير غير سفيه فاعل (عمد)، وغير عبد وذمي بعبده الكافر، فإن مثل واحد من الثلاثة برقيقه لم يعتق عليه عند ابن القاسم.
وقال أشهب: يعتق عليه.
واحترزنا بالذمي عن المعاهد، فلا يعتق عليه، إلا أن يسلم العبد، فيمثل به بمثلة بضم الميم وسكون المثلثة وفتح وضم المثلثة وضمهما، وهي من أسباب العتق عند مالك وكثير.
وغير زوجة ومريض مثل برقيقهما أو رقيق رقيقهما لا يعتق بمثلتهما زائد الثلث، بل في ثلثها، ومدين لا يعتق رقيقه الذي مثل به.
[أمثلة المثلة: ]
ثم ذكر أمثلة تحصل بها المثلة، فقال: كقلع ظفر؛ لأنه مما لا يخلف غالبًا.
عياض: اتفاقًا.
أو قطع بعض أذن عمدًا قصد لشين، أو قطع بعض جسد، ظاهره: من أي موضع كان، أو قلع سن واحدة فأكثر، أو سحلها، أي: يردها بالمبرد لزوال منفعتها بذلك، أو خرم أنف نص مالك على العتق به.
أو حلق شعر أمة رفيعة أو حلق لحية عبد تاجر، وأما غير الرفيعة وغير التاجر، فقال مالك: لا يعتقان بذلك؛ لسرعة عود ذلك.
أو وسم وجه بنار بأن كتب فيه أبق مثلًا، لا غيره، أي: الوجه بالنار، كفعل ذلك بذراعه، أو داخل جسده، فلا يعتق بذلك، وفي غيرهما، أي: غير النار فيه، أي في الوجه كوسمه في وجهه بمداد أو إبرة على ما يفعله الناس دتولان: بالعتق لابن وهب، وعدمه لأشهب؛ لأنه قد يفعله على وجه الجمال، وألمه قليل.
стр. 3348
[مسألة: ]
والقول للسيد في دعوى نفي العمد الموجب للعتق بالمثلة على الأصح عند ابن الحاجب، واستحسنه اللخمي.
وقال أشهب: القول للعبد.
فائدة:
قال ابن بشير: شروط العتق بالمثلة ستة:
- كون الممثل عاقلًا.
- بالغًا.
- مسلمًا.
- حرًا.
- رشيدًا.
- غير مديان.
ونظمتها، فقلت:
شروط الممثل ست (١) أتت ... عن ابن بشير فخذ موثقا
بلوغ وعقل وحرية ... ورابعها مسلم مرتقا
ورثه ولا دين في ذمة ... متى اختل شرط فلا يعتقا
لا في دعوى السيد عتق بمال، وقال العبد: مجانًا؛ فالقول للعبد بيمينه، وهو لابن القاسم في المدونة.
أشهب: قول السيد، ويحلف.
[مسألة: ]
ولما تكلم فيما إذا اعتق عليه ذكر ما إذا أعتق وأعتق عليه، فقال: وبالحكم على السيد جميعه، أي: العبد إن عتق جزءًا منه.
стр. 3349
ظاهره: ولو قل، وسواء كان كربع مثلًا، أو كيد أو رجل، والباقي له ويوقف حكم الباقي على الحكم على المشهور، وهو مذهب المدونة.
وقيل: لا يوقف على حكم، وهو ظاهرها.
كأن بقي الجزء الآخر لغيره، وقيل: إن كان الباقى لغيره فلابد من الحكم.
[شروط عتق الباقي: ]
ثم ذكر شروط عتق الباقي على الشريك المعتق فقال: إن دفع القيمة لشريكه يومه، أي: يوم الحكم المفهوم مما قال، وبالحكم وهو قول مطرف وجماعة، وعلى الرواية التي فيها العتق بالسراية، فيقوم يوم العتق على كل حال.
قال في الجواهر: الخاصة الأولى من خواص العتق السراية، فمن أعتق بعض عبده سرى إلى الباقي، وفي عتقه بالسراية أو بالحكم روايتان. انتهى.
تنكيت:
إذا علمت هذا ظهر لك أن قول البساطي: (يوم العتق) غير ظاهر.
ثم أشار للشرط الثاني بقوله: إن كان المعتق مسلمًا والشريك والعبد كذلك، أو الشريكان مسلمين والعبد كافرًا، والمعتق مسلمًا والشريك كافر، والعبد مسلم أو كافر، فهذه أربع صور.
أو العبد يكون مسلمًا والسيدان ذميين، أو المعتق وحده ذمي، وهاتان صورتان.
وتلخص من المنطوق ست صور، والتقويم في جميعها، وفهم من تقييد المعتق والعبد بالإسلام أنهما لو كانا كافرين فلا تقويم، سواء كان الشريك ذميًا أو مسلمًا عند ابن القاسم، وهاتان صورتان، ولا تقويم فيهما، إلا أن يترافعوا إلينا في أولاهما، وبهاتين الصورتين صارت الصور ثمانية.
стр. 3350
وأشار للشرط الثالث بقوله: أو أيسر ببعضهما، أي: ببعض القيمة، وأعسر بباقيها، فمقابلها من حصة الشريك، يعتق ويرق للشريك باقيها.
ومفهوم الشرط: أنه لا يلزم التقويم على المعسر، وهو كذلك، وسيأتي.
ويعتبر في تلك القيمة الموسر بها أو بعضها أن تكون فصلت عن متروك المفلس، أي: عما يترك له شرعًا، ككسوة لا بد له منها، وعيشه الأيام، كما في المدونة، وفسرت في الواضحة بالشهر ونحوه، ويدخل فيها ما له من دين على حاضر مليء أو قريب كالحاضر، ويدخل عبده الآبق وتمرة لم تطب إن قرب أمدها.
وأشار للشرط الرابع بقوله: إن حصل عتقه باختياره، لا جبرًا كإرثه من يعتق عليه.
وأشار للشرط الخامس بقوله: إن ابتدأ العتق لإفساده الرقبة بإحداثه فيها، لا إن كان العبد حر البعض، كما لو كان ثلثه حرًا، وثلثاه لاثنين فأعتق أحدهما نصيبه، فلا تقويم عليه.
وإن كان معتق الجزء متعددًا موسرًا كثلاثة مثلًا أعتق الأول نصيبه، ثم الثاني قوم نصيب الثالث على الأول خاصة؛ لأنه المبتدئ للتبعيض.
وإلا بأن أعتقا دفعة واحدة قوم عليهما اتفاقًا، وإذا قوم عليهما فعلى قدر حصصهما على المشهور، لا على عددهما إن أيسر، وإلا بأن كان أحدهما معسرًا فعلى الموسر، يقوم الجميع، كما لو انفرد.
وعجل عتق الجزء وقوم في ثلث مريض أعتق شقصًا من قن باقيه له أو لغيره.
ثم وصف الثلث بكونه مالًا مأمونًا بقوله: أمن، ونحوه في المدونة، ولم يقوم على ميت باقي رقيق عتق جزؤه في صحته، ولم يعلم بذلك حتى مات؛ لانتقال المال لوارثه، ولا تقويم عليه؛ لأنه لم يعتقه، وهذا حيث لم يوص بتكميل العتق، وأما إن أوصى كمل عليه في ثلثه.
стр. 3351
وفي وصايا المدونة: لا يقوم ميت، ولا على ميت، ومثاله: إذا أعتق أحد الشريكين حصة من عبد فمات العبد أو المعتق قبل التقويم.
وقولنا: (لم يوص بتكميل العتق) تحرزًا عما لو أوصى بعتق نصيبه بعد موته، فإنه لا يكمل عليه في ثلث ولا غيره.
قال ابن الحاجب: على الأصح.
وقوم المعتق بعضه كاملًا؛ لأن تقويم البعض ضرر بالشريك، ويقوم بماله على ربه قن لا عتق فيه؛ لأن العتق عيب فيه، وهو قد أدخله بعتقه، فعليه قيمة نصيب شريكه سالمًا بماله، إذ بعتق بعضه امتنع انتزاعه؛ لأنه يتبعه ما لم يستثنه السيد، وإنما يكمل عليه بعد امتناع شريكه من عتق نصيبه، ونقض له -أي: لأجل التقويم- على المعتق الموسر بيع حصل منه، أي: من الشريك الآخر في نصيبه، وسواء باع عالمًا بالعتق، أو جاهلًا به.
وأجاز الشارح عود ضمير (منه) للعبد المعتق، أو الجزء الباقي.
وإذا أعتق الموسر مثلًا وأعتق الشريك الآخر بعده لأجل أو دبر أو كاتب نقض تأجيل الثاني أو تدبيره أو كتابته، وقوم على المبتل ذلك.
الشيخ أبو إسحق: ولو كان الأول معسرًا جاز ذلك.
وخير الشريك الذي لم يعتق بين عتق نصيبه وتقويمه على شريكه، وإذا خير فإنه لا ينتقل بعد اختياره أحدهما.
ظاهره: سواء كان اختياره من نفسه أو تخيير المعتق أو الحاكم.
كذا حكم ببيعه -أي: بجواز بيع حصة شريك المعتق- لعسره -أي: عسر المعتق- مضي، ولا يقوم عليه إن أيسر بعد ذلك.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: إن الذي في النسخة الصحيحة: (وإذا حكم بمنعه) ضد إجازته، والضمير المضاف إليه عائد على التقويم، فهو مختصر قول ابن الحاجب.
стр. 3352
وإذا حكم بسقوط التقويم لإعساره فلا تقويم بعد كقبله -أي: كعسره قبل العتق- ثم أيسر، فقام شريكه عليه حين أيسر لم يقوم عليه بشرطين:
أشار لأحدهما بقوله: إن كان بين العسر حين العتق، والناس يعلمون ذلك، وأن شريكه إنما ترك التقويم عليه؛ لأنه لو خاصم لم يقوم عليه لعسره.
وأشار للشرط الثاني بقوله: وحضر العبد، أما لو كان غائبًا ولم يقدم حتى أيسر المعتق لقوم عليه.
وظاهره: عدم التقويم ولو علم موضعه وصفته؛ لأنه لا بد من انتقاد قيمته، والنقد في بيع الغائب لا يجوز.
ابن الكاتب: وكذلك العبد المفقود.
[أحكام المعتق بعضه قبل التقويم: ]
وأحكامه -أي: العبد المعتق بعضه- قبله -أي: قبل التقويم- كالقن في شهادته وجنايته وحدوده وغلته، ولا يلزم استسعاء العبد المعتق بعضه لعتق بقية نفسه.
قال مالك: وعليه العمل. خلافًا لأبي حنيفة في قوله: يستسعي غير مشفوق عليه.
والمعتق بعضه لا يلزمه قبول مال الغير على الأصح، ولا يلزمه تخليد القيمة في ذمة المعتق المعسر برضا الشريك إلى حصول اليسار على الأصح عند ابن الحاجب.
[مسألة: ]
ومن أعتق حصته لأجل كشهر مثلًا من قن مشترك قوم عليه الآن ليعتق جميعه عنده -أي: عند الأجل- لأن المقصود تساوي الحصتين، فلا يعجل عتق نصيب المعتق الآن؛ لأنه خلاف الواقع، ولا نصيب شريكه؛ لأنه تابع.
стр. 3353
وظاهره: قرب الأجل أم بعد، ولأصبغ عن ابن القاسم وأشهب: إلا أن يكون الأجل بعيدًا فيؤخر التقويم إلى حلوله.
إلا أن يبت الثاني عتق نصيبه فنصيب الأول باق على حاله، وإلى هذا رجع ابن القاسم.
[مسألة: ]
وإن دبر شريك حصته تقاوياه، أي: المدبر بالكسر وشريكه، ولا يكمل على المدبر على المشهور، وفسر مطرف المقاواة بأن يقوم قيمة عبد، ثم يقال للمتمسك: أتسلمه بهذه القيمة أم تزيد، فإن زاد قيل للمدبر: أتسلمه بهذه القيمة أم تزيد، وهكذا حتى يقف على أحدهما؛ ليرق كله إن وقف على الشريك أو يدبر كله إن أوقف على المدبر.
وعن مالك: يقوم على المدبر، ويكون كله مدبرًا، تنزيلًا للتدبير منزلة العتق.
وظاهره: دبر بإذن شريكه أو بغير إذنه، كان المدبر موسرًا أم لا.
[مسألة: ]
وإن ادعى المعتق عيبه، أي: عيب العبد المعتق عيبًا خفيًا كالسرقة والإباق لتقل قيمته، ولا بينة له على ذلك، وقال شريكي: يعلم ذلك، ولم يصدقه، فله -أي: للمعتق- استحلافه، واختاره أصبغ.
[مسألة: ]
وإن أذن السيد أن يعتق جزءًا من عبد مشترك بين العبد وغيره، أو لم يأذن له، ولكن أجاز السيد عتق عبده جزءًا قوم نصيب الشريك في مال السيد، الأعلى؛ لأنه المعتق حقيقة؛ لأن الولاء له، فإن كان عند السيد ما يوفي بقيمة الجزء فواضح، وإن احتيج لبيع العبد المعتق بكسر التاء إذا لم يكن عند السيد ما يوفي القيمة سع العبد؛ ليكمل منه الجزء الباقي، وهذه المسألة يلغز بها، فيقال: بيع السيد في قيمة عبده، وذكرنا المسألة في الكبير نظما.
стр. 3354
[مسألة: ]
وإن أعتق شخص أول ولد تلده أمته فولدت ولدين في بطن غلامين أو جاريتين أو غلامًا وجارية عتق أولهما خروجًا، حيًا كان أو ميتًا، ولم يعتق الثاني ولو مات الأول؛ لأنه لا يقع على الثاني أول، ونحوه في المدونة.
[مسألة: ]
وإن أعتق جنينا في بطن أمته، أو دبره وهي حامل فماتت به من ذلك الحمل فحر في الأولى، ومدبر في الثانية.
وفي بعض النسخ: (أو مدبر) فيكون لفًا ونشرًا مرتبًا، وإن تأخر وضعه لأكثر الحمل، وتقدم الخلاف في أكثره: هل هو أربع سنين أو خمس، وهما مشهوران.
إلا لزوج مرسل عليها، ولا يعلم هل هي حامل أم لا، فلأقله، فلا يخرج حرًا أو مدبرًا إلا ما وضعته لأقل من أقل مدة الحمل، وهو ما دون ستة أشهر، ونحوه في المدونة، زاد فيها: كالمواريث إذا مات رجل فولدت أمه بعد موته من غير أبيه ولدًا فهو أخوه لأمه، وإن وضعته في ستة أشهر من يوم موته لم يرثه، وإن كان لأقل ورث.
[مسألة: ]
وبيعت من أعتق السيد جنينها إن سبق العتق في جنينها دين على سيدها؛ لأنها حينئذ كالأمة التي أعتقت مع تقدم الدين على عتقها؛ ففي المدونة: والذي يعتق ما في بطنها في صحة السيد لا تباع وهي حامل إلا في قيام دين استحدثه قبل عتقه أو بعده فتباع، إذا لم يكن له غيرها.
ورق جنينها؛ إذ لا يجوز استثناؤه، البساطي: فإن قلت: قول المؤلف: (إن سبق العتق دين) ظاهر في مخالفة قوله في المدونة: (إلا في قيام دين استحدثه قبل عتقه أو بعده)، في الجواب؟
قلت: المقتضي لجواز بيعها هو سبق الدين على العتق، لكن عتق ما
стр. 3355
في بطنها قبل تعلق الدين بالسيد مساو لتعلق الدين الذي بعد ما في بطنها قبل الولادة، فنبه المؤلف على الأصل، وفي المدونة على توهم من عساه أن يخرج.
وأما قوله ولا يستثنى ببيع أو عتق الظاهر أنه قصد اختصار ما في المدونة، فإنه لما ذكر فيها أن جنينها يرق، استدل عليه بأنه لا يجوز استثناؤه من بيع ولا عتق، أي: لا يجوز أن يبيع الأم، دون الجنين ولا عتقها دونه. انتهي، أي: كلام البساطي.
[مسألة: ]
ولم يجز اشتراء ولي: أب أو غيره من يعتق على ولد صغير تحت ولايته بماله، أي: بمال الصغير؛ لأن فيه إتلاف ماله، وإن فعل لم يعتق عليه.
وفي نسخة الشارح إسقاط ولد، وكذا عند البساطي، وهو ثابت بخط الأقفهسي من أصل المؤلف، وكأن الشارحين فهما أن الولد للولي، وليس كذلك، بل المراد ما قررناه من أنه تحت حجره وولايته.
[مسألة: ]
ولا يجوز شراء عبد لم يوذن له من يعتق على سيده، ومفهومه: أن المأذون له يجوز شراؤه من يعتق على سيده، وهو كذلك، وإن دفع عبد مالًا عبد لمن يشتريه به، فان قال اشترني لنفسك، وفعل فلا شيء عليه، أي: على المشتري من الثمن ثانية، إن استثنى مالي، أي: مال العبد؛ لأن البيع صحيح، وصار المال للمشتري، وإلا بأن لم يستثن ماله غرمه، أي: الثمن للبائع مرة ثانية.
وبيع فيه -أي: في الثمن- ولا رجوع له -أي: للمشتري- على العبد بما غرمه لسيده؛ لأنه إنما اشتراه لنفسه، والولاء له، أي للمشتري.
قال الشارح: أي إذا خرج حرًا.
стр. 3356
[مسألة: ]
وإن دفع العبد المال لمن يشتريه، وقمال: اشترني لنفسي وفعل فحر بمجرد الشراء لملكه لنفسه بالعقد الصحيح، وولاؤه للبائع، ولا شيء لمشتريه منه، وهذا بشرط إن استثنى المشتري ماله، قاله محمد ابن المواز؛ لأنه إذا لم يستثنه فهو للبائع، ولا يمكن أن يعتق بمال البائع، ولهذا قال: وإلا بأن لم يستثنه رق، أي: بقي على رقه لبائعه.
وهذا تقرير المتن على ما رأيناه في نسخة تلامذة المؤلف.
[أوجه القرعة: ]
وإن أعتق عبيدًا ستة مثلًا، أي بتل عتقهم في مرضه، ولم يحملهم الثلث أفرع بينهم إذا رد الزائد على الثلث؛ لخبر عمران بن حصين في صحيح مسلم أن رجلًا أعتق ستة مملوكين، ولم يكن له غيرهم، فدعا بهم رسول اللَّه ﷺ فجزأهم، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة (١)، وقال له قولًا شديدًا؛ لتصرفه في غير الثلث، وهو غير جائز.
فائدة:
في العتق بالقرعة أمران:
أحدهما: دفع ضرر الورثة؛ إذ لو أعتق من كل واحد ثلثه لنقصت لثمانهم.
ثانيهما: لحق العبيد؛ إذ لو أعتق ثلثهم بغير قرعة لسقط حق بعضهم.
تتمة:
اختلفت الرواية في القول الشديد، ففي النسائي عن عمران أيضًا في القضية أنه ﷺ قال: "لقد هممت أن لا أصلي عليه".
стр. 3357
وفي أبي داود أنه قال: لو حضرت قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين.
قال المصنف: ويحتمل أن يريد الوجهين.
وأشار إلى أن القرعة تكون على أربعة أوجه، هذا أحدها، وأشار لثانيها بقوله: أو أوصى بعتقهم إن لم يسهم، بل قال: عبيدي، ولو سماهم، كفلان وفلان، ولم يحملهم الثلث في الصورتين أقرع بينهم.
وأشار لثالثها بقوله: أو أوصى بعتق ثلثهم، والثلث لا يحملهم أقرع بينهم، قال المصنف: وكذا إذ ابتل عتق الثلث.
وأشار لرابعها: أو أوصوا بعدد سماه من كثر، كخمسة من عشرين مثلًا، والعدد الذي سماه يحمله الثلث أقرع بينهم، كالقسمة السابقة في بابها.
ابن عرفة: القسمة هنا لقب لتعيين مبهم في العتق له بخروج اسم من مختلط به ممتنع، فيه قصد عينه.
وما ذكره المصنف من جريان القرعة في هذه الوجوه الأربعة قال: نص عليها ابن القاسم في الموازية.
إلا أن يرتب فلا قرعة، والترتيب بأحد وجهين:
- أما بالزمان، كـ: اعتقوا فلانًا قبل فلان.
- أو في وقت كذا، والآخر في وقت كذا.
وأما بأداة من أدوات الترتيب، كـ: فلان ثم فلان، فيتبع ذلك، ويقدم السابق، ثم الذي يليه إلى أن ينتهي ما سمى الثلث، أو يقول في وصيته: اعتق ثلث كل، يحتمل كل واحد، أو كلهم، أو يقول: أنصافهم أو أثلاثهم فيتبع، ونحوه في المدونة، وللشارحين فيه كلام، انظره في الكبير.
[مسألة: ]
ومن أعتق عبده أو أعتق عليه وللعبد دين على سيده تبع سيده بدين له
стр. 3358
عليه إن لم يستثن السيد ماله، ولو مجملًا.
ابن يونس: بأن يقول حين العتق: اشهدوا أني قد انتزعت الدين الذي لعبدي، أو أني أعتقته على أن ماله لي، فيبقى المال لسيده، ويكون ذلك انتزاعًا لما في ملك العبد.
[مسألة: ]
ورق إن ادعى شخص أنه عبده إن شهد للمدعي شاهد واحد برقه، وحلف المدعي على ذلك؛ لأن العبد مال، فيثبت بالشاهد واليمين، أو شهد شاهد واحد على تقدم دين على العتق وحلف المشهود له على ذلك رق العتيق مع الشاهد واليمين، قاله مالك.
فإن لم يأت بشاهد فليس له تحليف المدعي عليه، قاله ابن القاسم.
وحذف (حلف) من الأول لدلالة الثاني.
[مسألة: ]
وإذا ادعى شخص إرث آخر بالولاء أو النسب استؤني بالمال إن شهد له بالولاء أو النسب واحد شهادة بت، وحلف مع الشاهد، فإنه يقتضي له بالمال، إن لم يأت من هو أولى منه، وإنما قبل الواحد مع اليمين لرجوع ذلك إلى المال، وإن كان أصله وهو الولاء هنا لا يثبت إلا بشاهدين.
أو اثنان بالسماع أنهما لم يزالا يسمعا أنه مولاه، أو أنهما لم يزالا يسمعان أنه وارثه، وحلف بدفع المال له مع شهادتهما، فإن لم يأت للمال مستحق بعد الاستثناء قضي له به، ومذهب ابن القاسم ثبوت المال دون النسب والولاء؛ لاحتمال كون الأصل واحدًا في شهادة السماع.
[مسألة: ]
وإن شهد أحد الورثة ولدًا أو غيره أقر الولد أن أباه أعتق عبدًا، وأنكر ذلك بقية الورثة في المسألتين، وشهادة الشاهد، ولا إقرار، لم يجز هذا العبد ولم يقوم عليه، أي: على الشاهد، ولا على المقر؛ لأنه إقرار
стр. 3359
على الغير، ولا يقبل في العتق واحد، وإنما قبل في الولاء باعتبار الفرع، وهو المال، وهنا ليس كذلك.
تنبيه:
لو كان في التركة عبيد فقسموا، أو وقع العبد المشهود بعتقه للشاهد بعتقه، قالوا: يعتق عليه.
البساطي: فيه نظر إن قلنا إن القسمة بيع.
[مسألة: ]
وإن شهد على شريكه في رقيق بعتق نصيبه، أي: نصيب المشهود عليه، فنصيب الشاهد في الرقيق المشهود بحريته حر، بعد تقويمه على شريكه، إن أيسر شريكه؛ لاعتراف الشاهد أنه لا يستحق غير القيمة.
والأكثر من الروايات على نفيه، أي: نفي العتق على الشريك الموسر.
ثم شبه ذلك بما هو متفق عليه في أنه لا يعتق نصيب الشاهد عليه فقال: كعسره، أي: عسر المشهود عليه بالعتق، وهو لأشهب، ولا فرق بين يسره وعسره، واللَّه أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه التدبير وما يتعلق به، ورسمه المصنف بقوله: تعليق مكلف، فخرج بتعليق التنجيز، وبالمكلف المجنون والصغير، ولو ميز، وهو كذلك، وشمل السكران.
قال المصنف: الأقرب لزومه كعتقه.
رشيد به خرج السفيه المولى عليه؛ فإن تدبيره غير نافذ، اتسع ماله أو لا، وخرج المهمل أيضًا على المشهور، والمشهور عن ابن القاسم جوازه.
стр. 3360
والمرأة غير ذات الزوج كالرجل وأشار لذات الزوج بقوله: وإن كان زوجة في زايد الثلث مع الحجر عليها فيها عند مالك في أحد قوليه، وبه قال ابن القاسم، ولو لم يكن لها مال غيره.
العتق: مفعول (تعليق) بموته -أي: المعلق بالكسر- وخرج به العتق لأجل.
ولما كان هذا شاملًا للوصية أخرجها بقوله: لا على وصية، أي: لا على وجه يفهم منه الوصية.
ولما قدم أن التدبير على وجه الوصية غير لازم، وله الرجوع عنه، بيّن أن هذا ما لم يفهم منه إرادة التدبير، كما يأتي، فيصرف له، فمن الأول: كإن مت من مرضي هذا فأنت مدبر، أو إن مت من سفري هذا، أو أنت مدبر بعد موتي؛ لأن كلامه يقتضي أن له الرجوع إن لم يحصل ذلك، فكان ذلك قرينة صارفة عن التدبير في أحد قولي ابن القاسم.
ولما كانت هذه الألفاظ ظاهرة في الوصية قيدها بقوله: إن لم يرده، أي: إن لم تصحبه قرينة تدل عليه، كـ: إن مت فعبدي حر، لا يغير عن حاله، ولا رجوع لي فيه.
ووقع في نسخة الشارح زيادة: (ولم يعلقه)، يعني: فإن وقع معلقًا فحكمه حكم التدبير.
قال ابن القاسم: إن قال: إن كلمت فلانًا فأنت حر بعد موتي، فكلمه، لزمه عتقه بعد موته.
أو قال: هو حر بعد موتي بيوم أو شهر أو أكثر فوصية من الثلث؛ لمخالفته للتدبير بكونه غير معلق على الموت، إلا أن يريد التدبير فيصرف له؛ فهو معطوف على المسائل السابقة.
ثم ذكر صريحه بقوله: بدبرتك، أو أنت مدبر، أو حر، أو عن دبر مني، وهذه الصيغ الثلاثة متعلفة بقوله: (تعليق)، وإن اقترن بها ما يصرفها للوصية، كقوله: ما لم أرجع عن ذلك، أو أفسخه، أو غيره صارت وصية.
стр. 3361
ونفذ تدبير نصراني لمسلم؛ لأنه نوع من العتق، وسواء أسلم بعد التدبير أو قبله، أو اشتراه مسلمًا ثم دبره، وحكى اللخمي خلافًا في الأوجه الثلاثة.
وإذا قلنا بصحة تدبيره أوجر له عليه عند مسلم، حذرًا من استعلائه عليه بالخدمة، وله غلته.
تنبيه:
لو قال موضع (نصراني): (ذمي) ليشمل اليهودي لكان أحسن، ولكنه تبع لفظ المدونة.
وتناول التدبير للأمة الحمل معها، وقول الشارح: (يريد إن حملت به بعد التدبير) غير ظاهر.
كولد مدبر من أمته، أي: أمة العبد المدبر، التي حملت به بعده -أي: بعد تدبير أبيه- فيدخل في تدبير أبيه، فلو حملت به قبله كان رقًا لسيده.
قال الشارح: أو يوم التدبير.
وصارت أمة المدبر به -أي: بحملها الحاصل بعد تدبير أبيه- أم ولد للمدبر بالفتح، إن عتق الأب بموت سيده عنده مالك وابن القاسم، وأما قبله فلا، وإنما دخل ولد المدبرة قبل تدبيرها دون حملها من أبيه قبل تدبير أبيه؛ لأنه كجزء منها، حتى تضع، فإذا دبرها فقد دبره، وإذا دبر الأب لم يدخل تدبير الأم ولا حملها حتى تحمل بعد تدبير الأب.
قال ابن يونس: ما في ظهر المدبر من ولد قبل التدبير بمنزلة ما في بطن المدبرة قبل التدبير، فخروج النطفة من المدبر كولادة المدبرة، وولادة المدبرة كحمل أبيه المدبر.
وإذا قلنا ولد المدبر من أمته بمنزلة أبيه وضاق الثلث عليهما قدم الأب عليه في الضيق لتقدم تدبيره عليه.
стр. 3362
وقيل: يتحاصصان. وهو كالمشهور في مدبرين في كلمة واحدة.
وللسيد نزع ماله لنفسه ولغرمائه في الفلس لقوة الرق فيه، ومحل انتزاعه مما لم يمرض سيده فليس له انتزاعه في المسألتين، وله رهنه، وهو أحق به من الغرماء بعد موت السيد.
وظاهره: ولو كان التدبير سابقًا على الدين، وهو كذلك، وجازت كتابته؛ لأنها وإن كانت بيعا فمرجعها للعتق، وهي أقرب له من التدبير بدليل حرمة الوطء.
لا إخراجه لغير حرية؛ فلا يجوز، كرجوعه عن تدبيره أو بيعه على المشهور، ولو تخلق عن سيده.
وإن بيع فسخ بيعه إن لم يعتق، فإن نجز المشتري عتقه مضى بيعه وعتقه، وكان الولاء له، أي: لمعتقه، ولمالك: يفسخ البيع لانتقال الولاء للمدبر.
ثم شبه في منع البيع وفسخه إن وقع، ومضيه إن عتق، وانتقال الولاء بقوله: كالمكاتب، فلا يجوز بيع رقيقه؛ لثبوت الولاء للمكاتب، وإن بيع من غير عجز فسخ ما لم يفت بالعتق فيمضي، وولاؤه لمن أعتقه.
وإن جنى المدبر خير سيده في فدائه أو إسلامه فإن فداه بأرش جنايته بقي مدبر الحالة، وإلا بأن لم يفده أسلم خدمته للمجني عليه؛ ليستوفي منه الإرش تقاضيًا شيئًا فشيئًا، ولا يملك المجني عليه جميعها على المشهور.
وحاصه - أي: حاص المجني عليه الأول الذي أسلمت له الخدمة شخص آخر مجني عليه ثانيًا بعد إسلامه للأول بجميع إرش جنايته إن كان استخدمه، وإلا فكل منهما يحاصص بجميع جنايته، ورجع مدبرًا على حاله إن وفى الجناية أو الجنايتين، وإن عتق بموت سيده أتبع بالباقي من الإرش، أو عتق بعضه بحصته ورق باقيه لضيق الثلث اتبع في عتق منه بحصته.
وخير الوارث في إسلام ما رق منه للمجني عليه، أو فكه بقدر ما
стр. 3363
يخصه مما بقي من الإرش، وقاله الفقهاء السبعة.
تنبيه:
قال ابن المواز: إنما خير الوارث فيما بقي وكان السيد أسلمه لأنه إنما أسلم خدمته، فلما رق بعضه فهو غير ما أسلمه السيد، وقوم المدبر بماله، أي: معه يوم النظر، لا يوم موت سيده، فيقال: كم يساوي على أن من المال كذا عينًا أو عرضًا، أو كان قبل كذا نظر، فإن حمله ثلث السدس عتق، يتحمله ماله.
وإن لم يحمل الثلث إلا بعضه عتق، أي: عتق ذلك البعض ورق باقيه، وأقر ما له بيده، وبقي المال كله بيده، وإن كان لسيده دين مؤجل كخمسة عشر مثلًا على حاضر مليء، وفي بعض النسخ موضع (مليء): (موسر) بيع الدين بالنقد، أي: معجلًا لا مؤجلًا، فإن ساوي الدين عشرة، وقيمة المدبر عشرة، وسيد المدبر عشرة عتق كله، لخروجه من الثلث، وظهر لك أن مراده بالنقد المعجل لا العين؛ لأن الدين إذا كان عينًا إنما يقوم بالعروض.
ثم ذكر قسيم قوله حاضر، فقال: وإن كان الدين على غائب قربت غيبته استؤني، أي: انتظر قبضه ممن هو عليه، وإلا بأن لم يكن للسيد مال، أو له ولكنه على غائب بعيد الغيبة، أو على معسر بيع منه القدر الذي لم يحمله الثلث، فإن حضر المدين الغائب أو أيسر المعدم بعد بيعه عتق منه، أي: من المدبر بنسبة ذلك حيث كان بيد الورثة أو بيد مشتر، ولو تداولته الأملاك، وهو المعروف من قول مالك وأصحابه.
ومن قال لعبده: أنت حر قبل موتى بسنة، فهو عتق معتبر، وموته غير معلوم، وأول السنة غير معلوم، والحيلة في الخروج من ذلك أن ينظر: إن كان السيد مليئًا خدمه العبد، ولم يوقف من خدمته شيء، فإذا مات سيده نظر إلى حاله قبل موته بسنة، فإن صح في ذلك اتبع بالخدمة عن كل السنة؛ لأنه تبين أنه كان حرًا من أولها، وعتق من رأس المال؛ لأنه الآن تبين أنه معتق في الصحة، وإلا بأن كان السيد مريضًا من أول السنة فمن
стр. 3364
الثلث يكون عتقه؛ لأنه تبين أنه أعتقه في المرض، ولم يتبع سيده بشيء، وغلته لسيده؛ لأن كل من يخرج من الثلث فغلته لسيده، وإن كان السيد غير مليء وقف خراج سنة من أجرته، وحيز عن السيد والعبد، ثم بعد السنة إذا خدم العبد يومًا أو جمعة أو شهرًا يعطى السيد مما وقف من خراج أول السنة مما خدم نظيره من السنة الثانية عند ابن القاسم.
وبطل التدبير بقتل العبد المدبر سيده عمدًا؛ لاستعجاله ذلك قبل أوانه، فعوقب بحرمانه، ويقتل، فإن استحياه الورثة رق لهم، ولو قتله خطأ عتق في ماله، ولم يعتق في دينه، وكانت الدية عليه دينًا، ليس على عاقلته منها شيء؛ لأنه إنما فعل ذلك وهو رقيق.
تنكيت:
قول الشارح: (يعتق في المال، لا في الدية التي تؤخذ من عاقلته) سهو.
وبطل التدبير باستغراق الدين له، أي: لقيمته، وللتركة، كما لو ترك السيد عشرة، وقيمة المدبر خمسة، وعليه دين خمسة عشر؛ لأن القاعدة: إن ما خرج من الثلث فالدين مقدم.
وإن لم يستغرق الدين ذلك، أو لا دين، ولم يحمله بطل بعضه، أي: التدبير بمجاوزة الثلث؛ لأنه إنما يخرج منه كما لو كانت تركة سيده خمسة، وقيمته خمسة، ولا دين، فثلث التركة ثلاثة وثلث، وهي قيمة ثلثي المدبر، فيعتق ثلثاه، ويرق ثلثه.
والمدبر له حكم الرق يعتق فيما وجد من ماله حينئذ في خدمته وحدوده، ولا يقتل قاتله الحر.
ثم بالغ بأن هذا الحكم يستمر وإن مات سيده حتى يعتق فيما وجد من ماله حينئذ؛ لما تقدم؛ لأنه إنما ينظر لقيمته يوم النظر فيه، لا يوم الموت، ولا نظر إلى ما هلك من التركة قبل التقويم، ونحوه في المدونة.
وإن جمع شخص لعبده بين لفظين يكون بأحدهما مدبرًا وبالآخر معتقًا
стр. 3365
لأجل، فقال: أنت حر بعد موتي وموت فلان عتق من الثلث أيضًا، كالذي قبله، إن حمله الثلث، وإلا فمحمله، ولا يبطل حكم التدبير بجعله معتقًا لأجل، ونحوه في المدونة، وزاد: وكأنه قال: إن مات فلان فأنت حر بعد موتي، وإن مت أنا فأنت حر بعد موت فلان.
زاد ابن يونس: ولا الرجوع له فيه.
وإن قال في صحته لعبده: أنت حر بعد موت فلان بشهر مثلًا، فمعتق لأجل، وحكم المعتق لأجل أنه يخرج من رأس المال، يريد إذا قال ذلك السيد في صحته، أما إن قاله في مرضه فإنما يعتق بعد موت فلان من الثلث.
البساطي: وأطلق المؤلف اتكالًا على ما اشتهر من أن التبرعات في المرض مخرجها الثلث، واللَّه تعالى أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه المكاتب والكتابة، وما يتعلق بذلك، ولم يعرفها المؤلف، وانظر تعريف ابن عرفة في الكبير.
[حكمها: ]
وابتدأ المصنف بذكر حكمها، فقال: ندب مكاتبه أهل التبرع، خرج الصبي والمجنون والمحجور عليه.
[أركانها: ]
وأركانها أربعة:
- السيد.
- والعبد.