ونفذ تدبير نصراني لمسلم؛ لأنه نوع من العتق، وسواء أسلم بعد التدبير أو قبله، أو اشتراه مسلمًا ثم دبره، وحكى اللخمي خلافًا في الأوجه الثلاثة.
وإذا قلنا بصحة تدبيره أوجر له عليه عند مسلم، حذرًا من استعلائه عليه بالخدمة، وله غلته.
تنبيه:
لو قال موضع (نصراني): (ذمي) ليشمل اليهودي لكان أحسن، ولكنه تبع لفظ المدونة.
وتناول التدبير للأمة الحمل معها، وقول الشارح: (يريد إن حملت به بعد التدبير) غير ظاهر.
كولد مدبر من أمته، أي: أمة العبد المدبر، التي حملت به بعده -أي: بعد تدبير أبيه- فيدخل في تدبير أبيه، فلو حملت به قبله كان رقًا لسيده.
قال الشارح: أو يوم التدبير.
وصارت أمة المدبر به -أي: بحملها الحاصل بعد تدبير أبيه- أم ولد للمدبر بالفتح، إن عتق الأب بموت سيده عنده مالك وابن القاسم، وأما قبله فلا، وإنما دخل ولد المدبرة قبل تدبيرها دون حملها من أبيه قبل تدبير أبيه؛ لأنه كجزء منها، حتى تضع، فإذا دبرها فقد دبره، وإذا دبر الأب لم يدخل تدبير الأم ولا حملها حتى تحمل بعد تدبير الأب.
قال ابن يونس: ما في ظهر المدبر من ولد قبل التدبير بمنزلة ما في بطن المدبرة قبل التدبير، فخروج النطفة من المدبر كولادة المدبرة، وولادة المدبرة كحمل أبيه المدبر.
وإذا قلنا ولد المدبر من أمته بمنزلة أبيه وضاق الثلث عليهما قدم الأب عليه في الضيق لتقدم تدبيره عليه.
стр. 3362
وقيل: يتحاصصان. وهو كالمشهور في مدبرين في كلمة واحدة.
وللسيد نزع ماله لنفسه ولغرمائه في الفلس لقوة الرق فيه، ومحل انتزاعه مما لم يمرض سيده فليس له انتزاعه في المسألتين، وله رهنه، وهو أحق به من الغرماء بعد موت السيد.
وظاهره: ولو كان التدبير سابقًا على الدين، وهو كذلك، وجازت كتابته؛ لأنها وإن كانت بيعا فمرجعها للعتق، وهي أقرب له من التدبير بدليل حرمة الوطء.
لا إخراجه لغير حرية؛ فلا يجوز، كرجوعه عن تدبيره أو بيعه على المشهور، ولو تخلق عن سيده.
وإن بيع فسخ بيعه إن لم يعتق، فإن نجز المشتري عتقه مضى بيعه وعتقه، وكان الولاء له، أي: لمعتقه، ولمالك: يفسخ البيع لانتقال الولاء للمدبر.
ثم شبه في منع البيع وفسخه إن وقع، ومضيه إن عتق، وانتقال الولاء بقوله: كالمكاتب، فلا يجوز بيع رقيقه؛ لثبوت الولاء للمكاتب، وإن بيع من غير عجز فسخ ما لم يفت بالعتق فيمضي، وولاؤه لمن أعتقه.
وإن جنى المدبر خير سيده في فدائه أو إسلامه فإن فداه بأرش جنايته بقي مدبر الحالة، وإلا بأن لم يفده أسلم خدمته للمجني عليه؛ ليستوفي منه الإرش تقاضيًا شيئًا فشيئًا، ولا يملك المجني عليه جميعها على المشهور.
وحاصه - أي: حاص المجني عليه الأول الذي أسلمت له الخدمة شخص آخر مجني عليه ثانيًا بعد إسلامه للأول بجميع إرش جنايته إن كان استخدمه، وإلا فكل منهما يحاصص بجميع جنايته، ورجع مدبرًا على حاله إن وفى الجناية أو الجنايتين، وإن عتق بموت سيده أتبع بالباقي من الإرش، أو عتق بعضه بحصته ورق باقيه لضيق الثلث اتبع في عتق منه بحصته.
وخير الوارث في إسلام ما رق منه للمجني عليه، أو فكه بقدر ما
стр. 3363
يخصه مما بقي من الإرش، وقاله الفقهاء السبعة.
تنبيه:
قال ابن المواز: إنما خير الوارث فيما بقي وكان السيد أسلمه لأنه إنما أسلم خدمته، فلما رق بعضه فهو غير ما أسلمه السيد، وقوم المدبر بماله، أي: معه يوم النظر، لا يوم موت سيده، فيقال: كم يساوي على أن من المال كذا عينًا أو عرضًا، أو كان قبل كذا نظر، فإن حمله ثلث السدس عتق، يتحمله ماله.
وإن لم يحمل الثلث إلا بعضه عتق، أي: عتق ذلك البعض ورق باقيه، وأقر ما له بيده، وبقي المال كله بيده، وإن كان لسيده دين مؤجل كخمسة عشر مثلًا على حاضر مليء، وفي بعض النسخ موضع (مليء): (موسر) بيع الدين بالنقد، أي: معجلًا لا مؤجلًا، فإن ساوي الدين عشرة، وقيمة المدبر عشرة، وسيد المدبر عشرة عتق كله، لخروجه من الثلث، وظهر لك أن مراده بالنقد المعجل لا العين؛ لأن الدين إذا كان عينًا إنما يقوم بالعروض.
ثم ذكر قسيم قوله حاضر، فقال: وإن كان الدين على غائب قربت غيبته استؤني، أي: انتظر قبضه ممن هو عليه، وإلا بأن لم يكن للسيد مال، أو له ولكنه على غائب بعيد الغيبة، أو على معسر بيع منه القدر الذي لم يحمله الثلث، فإن حضر المدين الغائب أو أيسر المعدم بعد بيعه عتق منه، أي: من المدبر بنسبة ذلك حيث كان بيد الورثة أو بيد مشتر، ولو تداولته الأملاك، وهو المعروف من قول مالك وأصحابه.
ومن قال لعبده: أنت حر قبل موتى بسنة، فهو عتق معتبر، وموته غير معلوم، وأول السنة غير معلوم، والحيلة في الخروج من ذلك أن ينظر: إن كان السيد مليئًا خدمه العبد، ولم يوقف من خدمته شيء، فإذا مات سيده نظر إلى حاله قبل موته بسنة، فإن صح في ذلك اتبع بالخدمة عن كل السنة؛ لأنه تبين أنه كان حرًا من أولها، وعتق من رأس المال؛ لأنه الآن تبين أنه معتق في الصحة، وإلا بأن كان السيد مريضًا من أول السنة فمن
стр. 3364
الثلث يكون عتقه؛ لأنه تبين أنه أعتقه في المرض، ولم يتبع سيده بشيء، وغلته لسيده؛ لأن كل من يخرج من الثلث فغلته لسيده، وإن كان السيد غير مليء وقف خراج سنة من أجرته، وحيز عن السيد والعبد، ثم بعد السنة إذا خدم العبد يومًا أو جمعة أو شهرًا يعطى السيد مما وقف من خراج أول السنة مما خدم نظيره من السنة الثانية عند ابن القاسم.
وبطل التدبير بقتل العبد المدبر سيده عمدًا؛ لاستعجاله ذلك قبل أوانه، فعوقب بحرمانه، ويقتل، فإن استحياه الورثة رق لهم، ولو قتله خطأ عتق في ماله، ولم يعتق في دينه، وكانت الدية عليه دينًا، ليس على عاقلته منها شيء؛ لأنه إنما فعل ذلك وهو رقيق.
تنكيت:
قول الشارح: (يعتق في المال، لا في الدية التي تؤخذ من عاقلته) سهو.
وبطل التدبير باستغراق الدين له، أي: لقيمته، وللتركة، كما لو ترك السيد عشرة، وقيمة المدبر خمسة، وعليه دين خمسة عشر؛ لأن القاعدة: إن ما خرج من الثلث فالدين مقدم.
وإن لم يستغرق الدين ذلك، أو لا دين، ولم يحمله بطل بعضه، أي: التدبير بمجاوزة الثلث؛ لأنه إنما يخرج منه كما لو كانت تركة سيده خمسة، وقيمته خمسة، ولا دين، فثلث التركة ثلاثة وثلث، وهي قيمة ثلثي المدبر، فيعتق ثلثاه، ويرق ثلثه.
والمدبر له حكم الرق يعتق فيما وجد من ماله حينئذ في خدمته وحدوده، ولا يقتل قاتله الحر.
ثم بالغ بأن هذا الحكم يستمر وإن مات سيده حتى يعتق فيما وجد من ماله حينئذ؛ لما تقدم؛ لأنه إنما ينظر لقيمته يوم النظر فيه، لا يوم الموت، ولا نظر إلى ما هلك من التركة قبل التقويم، ونحوه في المدونة.
وإن جمع شخص لعبده بين لفظين يكون بأحدهما مدبرًا وبالآخر معتقًا
стр. 3365
لأجل، فقال: أنت حر بعد موتي وموت فلان عتق من الثلث أيضًا، كالذي قبله، إن حمله الثلث، وإلا فمحمله، ولا يبطل حكم التدبير بجعله معتقًا لأجل، ونحوه في المدونة، وزاد: وكأنه قال: إن مات فلان فأنت حر بعد موتي، وإن مت أنا فأنت حر بعد موت فلان.
زاد ابن يونس: ولا الرجوع له فيه.
وإن قال في صحته لعبده: أنت حر بعد موت فلان بشهر مثلًا، فمعتق لأجل، وحكم المعتق لأجل أنه يخرج من رأس المال، يريد إذا قال ذلك السيد في صحته، أما إن قاله في مرضه فإنما يعتق بعد موت فلان من الثلث.
البساطي: وأطلق المؤلف اتكالًا على ما اشتهر من أن التبرعات في المرض مخرجها الثلث، واللَّه تعالى أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه المكاتب والكتابة، وما يتعلق بذلك، ولم يعرفها المؤلف، وانظر تعريف ابن عرفة في الكبير.
[حكمها: ]
وابتدأ المصنف بذكر حكمها، فقال: ندب مكاتبه أهل التبرع، خرج الصبي والمجنون والمحجور عليه.
[أركانها: ]
وأركانها أربعة:
- السيد.
- والعبد.
стр. 3366
- والصيغة.
- والعوض.
وأشار للأول بما ذكر، وقيل: حكمها الإباحة؛ ففي الموطأ: سمعت بعض أهل العلم إذا سئل عن ذلك يتلو: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، فحملها على الإباحة.
[مسألة: ]
وندب للسيد حط جزء آخرًا من نجومها لينسب إليه الولاء حقيقة، وخص الندب بالأخير وإن كان كل جزء كذلك لأنه بدليل مخصوص، وغيره بعموم: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾، وإطلاق الجزء يدل على عدم تحديده.
[مسألة: ]
ولا يجبر العبد عليها على المشهور، والمأخوذ منها -أي: من المدونة- الجبر، أخذه أبو اسحق من قولها: ومن كاتب عبده على نفسه وعلى العبد للسيد غائب لزم العبد الغائب، وإن أكره؛ لأن هذا يؤدي عنه، ويتبعه إن لم يكن ذا قرابة ممن يعتق على الحر بالملك.
[الركن الثاني: ]
وأشار للركن الثاني وهو الصيغة بقوله: بكاتبتك ونحوه، كـ: أنت مكاتب، و: بعتك نفسك بكذا لشيء يسميه، والمدونة ظاهرها عند عياض وغيره اشتراط التنجيم في العوض؛ لقولها: وإن كاتبه على ألف درهم ولم يضرب لها أجلًا نجمت.
وقولها: ولا تكون حالة وإن كره السيد، والكتابة عند الناس منجمة، وهو يعني بالناس الصحابة والتابعين.
وصحح خلاف، وأطلق في التنجيم؛ ليشمل ما قل، وما كثر.
[ضربا الغرر في العوض: ]
стр. 3367
ولما كان الغرر في الركن الثالث، وهو العوض على ضربين: جائزًا وممنوعًا، أشار لذلك بقوله: وجاز عند ابن القاسم بغرر كآبق وبعير شارد وثمر لم يبد صلاحه.
وعلى جنين من أجنة سائر الحيوان، وأجاز فيها الكتابة على وصف الحمران، وإن لم يصفهم، وله الوسط من الجنس كالنكاح.
وجاز على عبد فلان وعليه تحصيله، لا على لؤلؤ لم يوصف لكثرة التفاوت في أفراده.
ولا على عوض غير متمول شرعا كخمر وخنزير ونحوهما، فإن وقع مضي، ورجع لكتابة مثله عند ابن الماجشون.
وجاز للسيد فسخ ما عليه في شيء موخر، والتعجيل على إسقاط بض ما عليه، وهو ضع وتعجل، وسواء حل ما عليه أم لا، ففي الأول بيع بدين، وفي الثاني فسخ دين في دين؛ لتشوف الشارع للحرية.
أو كذهب يفسخه في ورق وعكسه؛ لأن الكتابة ليست كالديون الثابتة، ولا المعاوضة المحصنة عند مالك وابن القاسم.
وجاز مكاتبة ولي ما -أي: رقيق- لمحجوره: صبي أو مجنون أو سفيه بالغ بالمصلحة.
قال الشارح: لو قال (من) بدل (ما) لكان أحسن، فإن أكثر استعمال (ما) لغير العاقل، و (من) للعاقل.
وجاز للسيد عند ابن القاسم مكاتبة أمة وصغير، قالوا: والحد الذي يجوز كتابتها إليه بلوغ كل عشر سنين في فوقها، وإن كان بلا مال لهما، وبلا قوة على كسب، ومنع ذلك أشهب، وجاز عند مالك وأصحابه بيع كتابة جميعها.
وظاهر كلامه: جوازها للعبد أو للأجنبي.
أو بيع جزء منها كثمن وثلث ونحوهما، وهو قول ابن القاسم،
стр. 3368
واختاره جماعة من الأشياخ؛ إذ لا فرق بين كلها أو جزء منها، لا بيع نجم معين منها.
قال ابن عسكر: للجهالة. انتهى.
ولعل المعنى شراء النجم الرابع أو الخامس مثلًا، ولم يعلم قدره، وحيث جاز بيع كلها أو جزء منها. فإن وفى المكاتب ذلك للمشتري فالولاء للأول، وهو البائع؛ لانعقاده له، والمشتري قد استوفى ما اشتراه.
والا بأن عجز قبل الوفاء رق للمشتري، وجاز عند ابن القاسم وغيره إقرار مريض بقبضها في مرضه من مكاتبه إذا كاتبه في صحته.
[شرط صحة الإقرار: ]
وأشار إلى شرط صحة إقراره بقوله: إن ورث السيد غير كلالة، لا ولد له، ولا والد؛ لأنه لا يتهم حينئذ، فإن ورث كلالة (١) والثلث لا يحمله
стр. 3369
لم يصدق إلا ببينة، وإن حمله صدق؛ إذ لو أعتقه لجاز عتقه، وإن كاتبه في مرضه وأقر بقبضها فيه فإن حمله الثلث عتق ورث كلالة، أو لا كمبتدئ عتقه، وإن لم يحمله الثلث خير ورثته في إمضاء الكتابة، فإن أمضوا وإلا عتق منه محمل الثلث، كذا في المدونة.
تنبيه:
قد علمت أن في كلام المؤلف إجمالًا، حيث لم يفصل كون الكتابة في الصحة أو المرض، كما في المدونة.
وإذا كاتب المريض عبده في مرضه وقبض الكتابة ثم مات السيد جازت مكاتبة إن كانت بلا محاباة، وإلا بأن حابى كانت محاباته في ثلثه، فإن حملها مضت، وإلا مضي ما حمله، وإن لم يحمل منها شيئًا بطلت، ونحوه في المدونة.
وجازت مكاتبة جماعة أرقاء إذا كانوا لمالك واحد، وأما جماعة لملاك فلا يجوز؛ إذ لو عجز أحدهم أو مات أخذ سيده من مال صاحبه باطلًا، وإذا كان المالك واحدًا فتوزع الكتابة عليهم على قدر قوتهم وخدمتهم واجتهادهم على الأداء يوم العقد بينهم، لا على قدر قيمة كل واحد، ولا على عددهم، ولا على قوتهم من حيث القوة نفسها؛ إذ لا يلزم
стр. 3370
من ذلك القوة على التكسب، ولا تعتبر القوة بعد يوم العقد إن حصل تغيير بعده، وإن انعقد على صغير معهم عاجز عن الكسب من يوم الكتابة إلى انقضائها لم يتبع بشيء، قاله اللخمي.
وهم وإن زمن أحدهم حملاء بعضهم عن بعض مطلقًا اشترط ذلك عليهم أو لا، على المعروف من المذهب.
مالك: هي سنة الكتابة عندنا، بخلاف حمالة الديون، لا تلزم الحمالة فيها إلا بالشرط، وبسبب كونهم حملاء، فيؤخذ من المليء منهم الجميع؛ لأنه حكم الحمالة، وهو لا يعتق أحدًا منهم إلا بتمام أداء الجميع.
وأفهم قوله: (المليء) لو كانوا كلهم أملياء لم يكن للسيد أخذ أحدهم بما على حملتهم، وهو ظاهر المدونة، ومن أبي منهم فإنه يرجع على من أدي عنه بحكم التوزيع، وهو مذهب المدونة.
[شرط الرجوع: ]
وأشار لشرط الرجوع بقوله: إن لم يعتق على الدافع لو ملكه كالآباء والأمهات والأولاد والأخوات، وإن لم يكن زوجًا ملك، ولا يسقط عنهم لشيء بموت واحد منهم أو عجزه، ويرجع على من لم يعتق عليه من الأقارب لو ملكه كالعم ونحوه مما بينه وبينه توارث، وأحرى ذوا الأرحام.
[مسألة: ]
وجاز للسيد عتق قوي منهم على السعي إن رضي الجميع بذلك وقووا على الوفاء، فإن لم يقووا لم يفده رضاهم، وظاهره: ساواهم في القوة أو كان أقوى منهم أو أقل، وهو قول ابن القاسم.
فإن رد عتق قوي لعدم رضاهم بذلك ثم عجزوا عن الوفاء ورقوا صح عتقه؛ لأنه إنما رد لحقه، فإذا سقط حقهم نفذ عتقه، ونحوه في المدونة.
وجاز الخيار فيها للسيد أو العبد أو هما، وأطلق المؤلف، وقال في المدونة: يومًا أو شهرًا.
стр. 3371
وجازت مكاتبة شريكين عبدًا لهما اتفق ما لكل منهما، أو اختلف بمال واحد قدرًا وأجلًا واقتضاء على الشركة، فلو شرطا أن لكل أن يقتضي دون شريكه فسد الشرط، ورفعًا أخذ وكان بينه وبين شريكه رقبة العبد، سواء قبض الكتابة كلها أو بعضها، لا أحدهما لا يجوز كتابته دون شريكه، ولو أذن له، أو كاتباه على مالين مختلفين قدرًا وجنسًا، أو صفة أو أجلًا؛ لأنه يؤدي لعتق البعض دون تقويم، أو كاتباه على مال متحد قدرًا وجنسًا وصفة وأجلًا بعقدين فيفسخ عند ابن القاسم.
قال: وإن لم يعلم أحدهما بعقد الآخر.
وجاز رضا أحدهما بتقديم الآخر في قبض نجم حل ليأخذ الآخر النجم الذي بعده؛ إذ هو كالسلف، فإن وفى المكاتب فواضح، وإلا رجع الآخر لعجز من المكاتب بحصته على شريكه، وكان العبد بينهما كما كان، وهذا إذا رضي بتقديمة في نجم فقط، وأما إن رضي بتقديمه في حقه جميعه فتارة يكون بعد محله، وتارةً قبله.
والمسائل الثلاث في المدونة، ولنذكرها، قال في التهذيب: إن حل نجم من نجومها فقال أحدهما: بديني به وخذا لك النجم المستقبل ففعل ثم عجز العبد عن النجم الثاني فليرد المقتضي نصف ما قبض إلى شريكه لأن ذلك سلف منه له ويبقي العبد بينهم ولا خيار للمقتضي بخلاف القطاعة وهو كدين لهما على رجل منجمًا قيدًا أحدهما صاحبه ينجم على أن يأخذ هو النجم الثاني ثم فلس الغريم في النجم الثاني فليرجع صاحبه منه لأنه سلف منه وإن أخذ أحدهما من المكاتب جميع حقه بعد محلمه بإذن صاحبه وآخره صاحبه ثم عجز المكاتب فلا رجوع للذي أخر على المقتضي ويعود العبد بينهما وهو كغريم لهما قبض أحدهما حقه منه بعد محلمه وأخره الآخر ثم فلس الغريم فلا يرجع الذي آخره على المقتضي بشيء لأنه لم يسلف المقتضي شيئًا فيتبعه ولكنه تأخير لغريمه وإن تعجل أحدهما جميع حقه من النجوم قبل محلها بإذن شريكه ثم عجز المكاتب عن نصيب شريكه فهذا يشبه القطاعة وقيل ليس كالقطاعة وبعد ذلك إن عجز سلفًا من
стр. 3372
المكاتب فللمتعجل ومن القطاعة التي أذن فيها أحد الشريكين لصاحبه كالبيع لأنه. . سلفه في العبد إن عجز قال وبيعه. . لشريكه بخلاف عتقه أنه بيعه في العبد ولكنه كشراء العبد. . انتهى.
وفي كلام المصنف إجمال بالنسبة لهذا، فتأمله.
كإن قاطعه -أي: قاطع أحد الشريكين المكاتب بإذنه، أي: أذن شريكه من عشرين مؤجلة هي حصته في الكتابة على عشرة يأخذها معجلة عن عشرينه المؤجلة، فإن عجز المكاتب قبل قبض شريكه مثل ما قبض خير المقاطع بالكسر بين أمرين:
- رد ما -أي: الزائد الذي- قضى به شريكه ليتساويا، ويصير العبد مشتركًا بينهما، كما كان.
- وبين إسلام حصته رقا لشريكه، ولا رجوع له -أي: للمقاطع- على الآذن، وإن قبض الأكثر.
البساطي: ظاهره كالمدونة أن الإذن لا يرجع عليه بشيء مما أخذ، وأن المقاطع يدفع له نصف ما قبض.
فإن مات المكاتب عن مال أخذ الآذن مالى الذي كاتبه به جميعه، بلا نقص إن تركه -أي: المال- حلت بالكتابة أم لم تحل؛ لأنها تحل بالموت، ثم يكون ما بقي بين الذي قاطعه وبين شريكه على قدر حصصها في المكاتب.
وإلا بأن لم يترك مالًا فلا شيء له -أي: للآذن- على المقاطع، سواء قبض المقاطع كلها أو بعضها، قبض الآذن شيئًا أم لا، وعتق أحدهما نصيبه من المكاتبة وضع لما له، فإن كان بينهما نصفين سقط عنه نصف كل نجم، ولا يقوم عليه، إلا إن قصد بالوضع العتق تصريحًا، أو يفهم عنه ذلك، فيعتق الآن ويقوم عليه.
ثم شبه في المسابقة في وضع المال فقال: كـ: إن فعلت بفتح التاء أو ضمها فنصفك حر مكتابة.
стр. 3373
ثم فعل وضع النصف، ولا يمنع من وجوب التعليق على صفة ممكنة الكتابة، ورق كله إن عجز، وللمكاتب بلا إذن من سيده بيع واشتراء ومشاركة ومفاوضة؛ لما في كل منها من تنمية المال المؤدي لخلاصه من الرق.
وفي بعض النسخ: (ومفاوضة) وفي بعضها: (ومعاوضة)، والتي قررناه عليها أحسن منهما للاستغناء عنهما بالبيع والمشاركة.
وله مكاتبته لرقيقه لابتغاء الفضل، وإلا لم يجز، كما في المدونة.
تذييل:
لو عجز بعد كتابته لرقيقه أخذ السيد الأعلى من المكاتب الأسفل، وعتق إن وفي، وولاؤه للسيد الأعلي، وإن عتق السيد الأدنى بعد عجزه لم يرجع إليه الولاء.
وعليه استخلاف عاقد لأمته؛ لأنه لا يباشر ذلك لشائبة الرق، وربما أشعر استخلافه في الأمة بأن له تزويج عبده بغير إذن سيده، وهو كذلك إذا كان نظرًا عند ابن القاسم.
وقال أشهب: لا يزوجه إلا بإذنه.
وله إسلامها في جنايتها أو فداؤها إن جنت بالنظر، راجع لجميع ما قدمه.
وله سفر بغير إذنه، إذا كان لا يحل فيه نجم من كتابته، وليس له منعه منه، ولو كان صانعًا، خلافًا للخمي في منع الصانع من السفر.
وله إقرار بشيء في رقبته كقتل عمد، ولهم أن يقتصوا، فإن لم يقتصوا فلا شيء لهم في ماله ولا في رقبته إن عجز، كذا في جنياتها.
وله إسقاط شفعته، قال الشارح: يريد إذا كان نظرًا.
[ما لا يجوز فعله للمكاتب: ]
ولما بين ما يجوز للمكاتب فعله شرع في بيان ما لا يجوز له فعله من
стр. 3374
التبرعات، فقال: لا عتق بغير إذن سيده، فإن فعل رده.
ولما كان لا فرق بين عتق القريب والأجنبي بالغ بقوله: وإن قريبًا، ولفظ المدونة: لا ينبغي للمكاتب أن يشتري ولده أو أباه إلا بإذن سيده، ولا يبيعهم في عجزه، فإن عجز وعجزوا رقوا كلهم للسيد، وإن ابتاعهم بغير إذن لم يفسخ بيعهم، ولا يدخلون في كتابته، ولا يبيعهم، إلا أن يخشى عجزًا.
وليس له هبة من ماله ولا صدقة، وللسيد رد ذلك، وليس له تزويج، ظاهره: وإن رأى ذلك نظرًا؛ لأنه يعيبه إن عجز، ونحوه في المدونة، فإن تزوج بغير إذنه فإن أجازه جاز، وإن رده فسخ وترك لها ثلاثة دراهم.
وربما أشعر قوله: (تزويج) بجواز تسريه، وهو كذلك؛ إذ لا يعيبه ذلك كالنكاح.
وليس له إقرار بجناية خطأ، قال الشارح: لعله لمن يتهم عليه.
وليس له سفر بعد إلا بإذن عند ابن القاسم، وله تعجيز نفسه إن اتفقا هو وسيده على ذلك، ولم يظهر له مال فيرق بسبب جواز التعجيز إذا لم يكن له مال ظاهر دون إذن السلطان، ويمضي على المشهور.
المتيطي: وبه الحكم، وعليه العمل.
وبالغ على رقه بقوله ولو ظهر له مال صامت أخفاه، أو طرأ له، ولا يرجع عما كان رضي به، أو العكس، ونحوه في المدونة.
ومفهوم (اتفقا) أنهما لو اختلفا فطلب السيد تعجيزه وأبي هو أو العكس فليس تعجيز نفسه دون السلطان.
كأن عجز عن شيء مما كتب عليه عند المحل؛ لأن عجزه عن البعض كالجميع.
أو غاب عند المحل ولا مال له، ثم قدم، فإن ذلك تعجيز.
وحذف (عند المحل) من التي قبلها؛ لدلالة هذا عليه.
стр. 3375
وفسخ الحاكم كتابته حينئذ، وتلوم لمن يرجوه قبل الفسخ باجتهاده، ولا يتلوم لغيره ألبتة، كالقطاعة يتلوم فيها لمن يرجوه لا لغيره، والتلوم ثابت ولو شرط السيد على المكاتب عند عقد الكتابة خلافه -أي: خلاف التلوم- كشرطه إن عجز على نجم من نجومه فهو رقيق، وإن لم يؤد نجومه، ولا يعجزه إلا السلطان بعد اجتهاده له في التلوم.
وقبض الحاكم الكتابة إن غاب سيده، ولا وكيل له، ويخرج حرًا.
ثم بالغ على ذلك بقوله: وإن أراد المكاتب تعجيلها قبل محلها، وفسخت إن مات المكاتب وإن عن مال فيه وفاء بما عليه بموته قبل حصول حريته، ولذلك يأخذ السيد ماله بالرق، إلا الولد أو غيره كأجنبي دخل معه في الكتابة بشرط أو غيره عائد على الأجنبي.
والولد إما مع الشرط في الأجنبي، كما لو كانت أمته حاملًا لم يدخل حملها إلا بالشرط كما في المدونة، وفي العتبية يدخل، علم به أم لا، وإما بغير شرط، بل بمقتضي العقد، فكحدوث الولد بعد الكتابة، وأما دخول غير الولد بالشرط فواضح، وبمقتضى العقد كشراء المكاتب من يعتق عليه، فتؤدى حالة مما مات عنه، ولا يفسخ، ويعتق جميعه هو ومن معه في الكتابة.
وإذا فضل مما تركه شيء عن قدر الكتابة ورثه من معه فيها فقط دون من ليس معه فيها، فلا يرثه: حرًا كان أو عبدًا، وفي كتابة أخرى ولدًا أو غيره ممن يعتق عليه من آبائه وأبنائه وأخوته وأخواته على المشهور، فيتخرج الزوجة المكاتبة معه كما في المدونة، وإن مات المكاتب ولم يترك وفاء بالكتابة بأن لم يترك شيئًا أصلًا، وقوي ولده الذي معه في الكتابة على السعي على أدائها سعوا، وأدوها نجوما، وإن ترك شيئًا لا يوفي بها ترك متروكه للولد إن أمن وقوي على السعي.
ومفهوم الشروط: إن لم يؤمن ولم يقو لم يدفع له شيء، وهو كذلك، ثم إن كان معه في الكتابة أم ولد للمكاتب لها أمانة وقويت على السعي دفع لها ذلك تؤديه على النجوم.
стр. 3376
وإلى هذا أشار بقوله: كأم ولده، فإن لم يكن لها قوة، ولا هي مأمونة، أخذه السيد، فإن كان فيه ما يؤدي من النجوم إلى أن يبلغ الولد السعي لم يعجز الولد، وإن لم يكن فيه ما يؤدي إلى أن يبلغ السعي، وكان في ثمن أم ولد ما يؤدي إلى أن يبلغ السعي بيعت، ولم يعجز الولد، وإن كان لا يوفي بجميع ذلك كان الولد رقيقًا، حكاه اللخمي.
وإن وجد العوض الذي قبضه السيد عن الكتابة أو عن بعضها معيبا رده، ورجع عليه بمثله إن كان له مال، ولا يرجع قنا.
وقال بعض شراح هذا الكتاب: نحوه في المدونة، وزاد فيها: إن قدر، وإلا كان دينًا، ولا يرد العتق، ومثله للمصنف؛ لأن الكتابة إنما تكون بغير المعين، والأعواض غير العينة إذا اطلع فيها على عيب قضي بمثلها.
أو استحق العوض الذي دفعه المكاتب وقد كان كوتب عليه موصوفًا في ذمة المكاتب رجع السيد بقيمته إن كان له مال، وإلا رد مكاتبًا كما كان لا قنا، فنائب فاعل (استحق): (العوض في الكتابة). قال في التوضيح: إنما فرضها في المدونة وغيرها في القطاعة، ثم حكاه فيها عن أشهب، وابن نافع عن مالك.
ثم أفاد حكم هاتين المسألتين، وهما: إذا وجد العوض معيبًا أو استحق وهو موصوف بتشبيههما بقوله: كمعين من عبد أو ثياب أو غيرهما كاتبه عليه، ثم استحق، فإنه إن لم يكن للمكاتب ملك في المعين حقيقة ولا شبهة، بل غر سيده به، كما لو كان مودعًا عنده مثلًا فاستحق، فإنه يرجع مكاتبًا.
قال ابن رشد: اتفاقًا.
وإن لم يغر، بل كان مملوكًا له بشبهه، واستحق فإنه يرجع مكاتبا كما كان، إن لم يكن له مال، فإن كان له مال مضى عتقه، وأخذ منه قيمة المعين، ولا يرجع قنا، فقوله: (إن لم يكن له مال) راجع للمسائل الثلاث؛ ففي الأولى كما ذكرناه عن المدونة، وفي الثانية كما قال ابن نافع، والتشبيه في أنه لا يرجع قنا، وهذا التقرير منزل على ما في توضيحه لمن تأمله، وبه
стр. 3377
يندفع قول الشارح: (إنه أجمل في الجواب عن المسألة الأولى بالمثل والثانية القيمة)، وقول البساطي: (وبالجمة فإن كلامه غير مقيد).
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: إن هذه المسألة من مشكلات هذا المختصر.
قال: وقد كتب لي بعض الثقات كلام ابن مرزوق، ثم ذكره، وفيه طول واعتراض، فتركته لذلك.
ثم حكي عنه أنه رأى في بعض النسخ ما صورته: وإن وجد العوض معيبًا فمثله، أو استحق موصوفًا فقيمته، كمعين وإن بشبهة، وإن لم يكن له مال أتبع به دينًا.
قال: وهذا أقرب للاستقامة وموافقة النقل. انتهى. وإذا تأملت ما ذكره عن هذه النسخة رأيته موافقًا لما قررناه، وباللَّه تعالى التوفيق.
ومضت كتابة كافر نصراني أو غيره لمسلم ابتاعه كذلك، أو أسلم عنده، وهو أحد قولي مالك؛ لأنها نوع من العته، وله أيضًا يبطل.
وحيث مضت بيعت من مسلم، فإن عجز رق لمشتريه، وإن أدي عتق، وكان ولاؤه للمسلمين دون مسلمي ولد سيده، ولا يرجع لمعتقه إن أسلم، كأن كانت الكافر عبدًا كافرًا، ثم أسلم العبد، فإن كتابته تمضي اتفاقًا، إن بقي السيد على إلزام نفسه الكتابة، ولو طلب الرجوع عنها فظاهر المدونة منعه من ذلك، وإذا مضت فإنها تباع لمسلم.
وبيع معه -أي: مع كتابة المسلم- من دخل معه في عقده، فإن عجز رق لمشتريها، وإن أدعى عتق، وكان ولاؤه له، لثبوته له حين عقدها هو على دينه.
وكفّر المكاتب بالصوم إن وجبت عليه كفارة فيها صوم، ولا يطعم، ولا يعتق؛ لمنعه من إخراجه المال بغير عوض.
واشتراط السيد وطء المكاتبة عند العقد أو بعده ما دامت مكاتبة، وكذا المعتق لأجل.
стр. 3378
واستثناء حملها بأن يقول: حملها أو ما تلده زمن كتابتها رق لي لغو، وهو مذهب المدونة.
أو يشترط أن ما يولد لها من أمتها يكون له لغو، أو ما يولد لمكاتبه من أمته بعد الكتابة يكون رقًا له: ذكرًا كان المولود أو أنثى لغو، وهو مذهب المدونة.
أو اشتراط قليل كخدمة عليه للسيد إن وفى كتابته لغو، أي: يلغي الشرط في المسائل الخمس، وتبقى الكتابة على حالها، فـ (لغو) محذوف من المسائل الأربع قبله؛ لدلالة هذا عليه.
ومفهوم كلامه: لو كاتبه على مال وخدمة كثيرة لزمته.
وإن عجز المكاتب عن شيء مما كوتب عليه رق، وأعاد هذه ليرتب عليها قوله: أو عجز عن دفع أرش جناية منه على أجنبي رق ولا ينجم عليه الأرش، ويخير سيده بين إسلامه فيها أو فدائه بأرشها، وإن لم يعجز لم يرق، وإن جاوزت جناية قيمة رقبته، أو كانت دية فأكثر، ويبقى على كتابته.
ثم بالغ على عجزه عن الجناية بقوله: وإن كانت على سيده ولم يعجل الأرش رق كالقن إذا جني، يخير سيده، وأدب السيد أو وطىء مكاتبته، إلا أن يجهل فلا أدب ولا حد عليهما وإن طاوعته، للشبهة، بلا مهر، ولا يلزمه ما نقصها إن طاوعته ولو بكرًا، وعليه نقص لمكرهة، وقيده ابن يونس بالبكر، وأما وطء الأجنبي فعليه ما نقصها بكل حال؛ إذ قد تعجز فترجع للسيد معيبة، وهي بعد وطء السيد لها طائعة أو مكرهة على كتابتها.
وإن حملت خيرت عند مالك في البقاء على كتابتها على السيد، وتصير مستولدة ومكاتبة، ونفقتها في زمن كتابتها على السيد على الأرجح، ثم إن أدت نجومها عتقت، وإلا عتقت بموت السيد.
وبين انتقالها إلى أمومة الولد إلا الضعفاء معها أو أقوياء لم يرضوا، فلا خيار لها في المسألتين.
стр. 3379
وإن كان معها أقوياء رضوا حط عنهم حصتها إن اختارت الأمومة من المكتابة وكانت أم ولد، وإن قتل المكاتب وجبت قيمته فالقيمة للسيد، لا لورثته؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم.
واختلف في كيفية تقويمه: هل يقوم قنا، وهو مذهب المدونة عند جماعة؛ لأن الكتابة بطلت بقتله، بخلاف الجناية عليه فيما دون النفس فالأرش على أنه مكانه؛ لأن الكتابة لم تعطل لبقاء ذاته، أو يقوم مكاتبًا، وهو مذهب المدونة عند أبي عمران تأويلان، وهما روايتان عن مالك.
وإن اشترى المكاتب من أي قريبًا يعتق على سيده كأبيه مثلًا صح شراؤه، ولا يعتق على سيده؛ لأنه أحرز نفسه وماله، وعتق على سيده إن عجز، ورُقّ، والقول للسيد إن اختلف مع رقيقه في الكتابة بأن قال له: كاتبتني، وأنكر؛ لأن الأصل عدمها.
وكذا القول للسيد إن اختلفا في الأداء لجميع الكتابة أو بعضها؛ إذ الأصل عمارة الذمة مما عقدا عليه، إلا القدر والأجل والجنس فالقول للعبد في كل من الثلاثة إن اختلفا.
وإن أعانه جماعة بشيء يؤدي منه كتابته ففعل وفضلت فضلة فإن لم يقصدوا الصدقة عليه بما أعانوا به رجعوا بالفضلة إن شاءوا، وتحاصوا، وحللوه منها، ورجعوا على السيد أيضًا بما قبضه في الوجه الذي يكون لهم فيه الفضلة، إن عجز المكاتب، وإلا بأن قصدوا الصدقة عليه فلا رجوع لهم بالفضلة، ولا إن عجز، وعاد قنا.
وإن أوصى مريض لعبده بمكاتبة فكتابه المثل على قدر قوته وأدائه إن حملها، أي: حمل الكتابة أو رقبته الثلث، وإن لم يحملهما خير الوارث بين إجازة كتابة أو عتق محمل الثلث بتلا كما في بين إجازة كاتبته أو عتق محمل الثلث بتلاء كما في المدونة، وإن أوصى له مريض لمكاتبة بنجم معين من أولى نجومها أو وسطها أو آخرها قوم ذلك النجم وسائر النجوم بالنقد بقدر أجلها.
فإن حمل الثلث قيمته -أي: النجوم- جازت وصيته، وعتق منه ما
стр. 3380
كان بقدره، ويضع النجم بعينه، وإلا يحمل الثلث قيمته فعلى الوارث الإجازة للوصية له، أو عتق محمل الثلث من المكاتب، ويحظ عنه من كل نجم بقدر ما يعتق منه، لا من النجم المعين خاصة؛ لأن الوصية قد حالت عن وجهها لما لم يجزها الورثة.
وحذف تخيير الوارث من التي قبلها لدلالة هذا عليه.
وإن أوصى لرجل مثلًا بمكاتبة، فقال: اعطوا فلانًا المكاتب لزيد، أو أوصى له بما عليه من نجوم الكتابة، أو أوصى بعتقه زاد في المدونة أو بوضع ما عليه جازت وصيته إن حمل الثلث أقل الأمرين قيمة كتابته أو قيمة الرقبة على أنه مكاتب في خراجه وأدائه، قال في المدونة: جعل في الثلث أقل منهما.
أو إذا قال شخص لعبده: أنت حر على أن عليك ألفًا، ولم يقيد بالساعة ولا باليوم بل أطلق، أو قال له: أنت حر وعليك ألف لزم العتق معجلًا، ولزم المال للعبد معجلًا في المسألتين إن كان موسرًا، أو دينًا إن كان معسرًا، وهو قول مالك وأشهب.
وخير العبد في الالتزام في المال، ولا يعتق إلا بأدائه، والرد ويبقى قنا في قول السيد: أنت حر على أن تدفع إليّ ألفا مثلًا، وهو قول مالك وابن القاسم في المدونة.
أو: حر على أن تؤدي إليّ كذا، فلا يعتق إلا بالأداء اتفاقًا، وله الرد، ويبقى قنا.
أو: حر إن أعطيت ألفا أو نحوه، كـ: متى ما جئت، أو إن جئت، أو إذا ما جئت، أو متى ما، فالعبد مخير، لا يلزمه العتق إلا برضاه، ودفع المال، اللَّه أعلم.
* * *
стр. 3381
باب ذكر فيه أحكام أم الولد وما يتعلق بها
[ما تصير به الأمة أم ولد: ]
وتصير الأمة أم ولد باجتماع أمرين:
أشار لأحدهما بقوله: إن أقر السيد بوطيء لها، لا إن إدعته ولم يصدقها، ولا يمين عليه إن أنكر؛ لأنه من دعوى العتق.
ثم شبه بما لا يمين فيه فقال كأن استبرأ بحيضة ولم يطأ بعده، وأتت بعد الاستبراء بولد، ونفاه والحال أنها ولدت لستة أشهر فصاعدًا من يوم الاستبراء، فنص مالك على عدم اليمين، والاستبراء حيضة على المشهور.
وإلا بأن لم يدع الاستبراء من وطئه ولم تلد لستة أشهر لحق به ما أتت به من ولد، وكاتب به أم ولد، ولو [أتت، ] لأكثرة، قال في المدونة: لأقصى ما تلد النساء.
وأشار للأمر الثاني بقوله: إن ثبت إلقاؤه علقة ففوق ذلك عند ابن أشهب.
وقال ابن القاسم: تكون أم ولد بدم مجتمع إذا صب عليه الماء الساخن لا يذوب.
وهذا بخلاف ما قدمه في باب العدة أن العدة تنقضي بالدم المجتمع الذي إذا صب عليه الماء الساخن لا يذوب، ولو ثبت إلقاؤه بامرأتين شهدتا بذلك، فتكون به أم ولد عند ابن القاسم، ولو لم يكن معها، ومنعه سحنون وربيعة إن لم يكن معها، وأشار بـ (لو) لخلافهما.
ثم شبه في لحوق الولد ما لو أقر بالوطء ولم يستبرئ وأتت بسقط،
стр. 3382
وأنكر كونها أسقطته، وقالت: بل هو منك، أو رأى النساء أثر ذلك، فقال: كادعائها سقطًا علقه في فوقها رأين -أي: رأى النساء- أثره؛ لأنه لا يخفي، وإذا ثبت أنها ولدت بإقرار السيد بالوطء أو بثبوت إلقاء علقة فما فوقها أو سقطا رأى النساء أثره عتقت بموت سيدها من رأس المال وهذا جواب إن أقر.
تنكيت:
قول البساطي: (إنه لا يصلح جوابًا؛ لكونه وما بعده من أحكام أم الولد) غير ظاهر؛ إذ لا يمنع كونه حكما كونه جوابًا.
وكذا ولدها بعد الاستيلاد من غيره -أي: من غير السيد- يعتق من رأس المال؛ لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها؛ ولذا كانت له خدمتهم، والجناية عليهم وإجارتهم.
تنبيه:
قول البساطي: (لا حاجة للتقييد بكون الولد بعد الاستيلاد؛ لأن الضمير في ولدها لأم الولد) غير ظاهر؛ لصدقه على ولدها قبل الاستيلاد؛ ولذا قيد به ابن الحاجب.
ولا يرد عتقها دين سبق استيلادها، وأحرى اللاحق له، كاشتراء زوجته حاملًا، فإنها تصير بحملها منه أم ولد على المشهور، لا بولد من زوجها سبق، فلا تكون به أم ولد.
أو ولد حملت به من وطء شبهة بنكاح أو غلط، ثم اشتراها واطئها لم تكن به أم ولد، وأحرى إن سبق الشراء.
إلا أمة مكاتبة إذا حملت من سيد المكاتب فإنها تصير به أم ولد، وعليه قيمتها يوم حملت، ولا يحد للشبهة؛ إذ لا يجتمع الحد والنسب؛ فهو مخرج من قوله: (ولو وطء شبهة).
أو أمه ولده صغيرًا أو كبيرًا، إذا وطئها وحملت فإنها تكون به أم ولد، وتقوم عليه يوم الوطء موسرًا كان أو معسرًا، ولا قيمة عليه لولدها
стр. 3383
ولا حد، وكذا تقوم عليه إن لم تحمل.
وإذا وطىء الرجل أمته فأتت بولد لا يدفعه دعوى عزل للمني عن الفرج؛ لأن الماء سباق.
أو وطء بدبر أو بين فخذين إن أنزل، فلا يندفع لحوق الولد بدعواه ذلك.
وقيل: يندفع لفاسد المني بمباشرة الهواء.
وجاز لسيدها برضاها إجارتها رفيعة كانت أو لا، وهو كذلك، فإن أجارها بغير رضاها ففي الجلاب: يفسخ ما لم تنقض، فإن انقضت فاتت، ولا رجوع للمستأجر على السيد.
وجاز له عتق على مال يتعجله، وكذا في ذمتها برضاها، وإن من غيرها.
وله قليل خدمة وكثيرها في ولدها من غيره بعد الاستيلاد.
وله أرش جناية عليها، وفي بعض النسخ (عليهما)، أي: عليها وعلى ولدها من غيره.
وإن مات السيد قبل أخذ الأرش فلوارثه أخذه، وهو أحد قولي مالك وابن القاسم، ثم رجع إلى أنه لها، واستحسن.
وله الاستمتاع بها كالأمة، وله انتزاع مالها ما لم يمرض مرضًا مخوفًا؛ لأنه حينئذ انتزاعه للورثة.
وكره له تزويجها من غيره وإن برضاهما على هذا حملها الأكثر؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق، واتفق على منع بيعها، بل نقل سحنون الإجماع عليه، ومصيبتها بموت أو غيره، إن بيعت ماتت من بائعها لا من مشتريها.
ورد عتقها إن أعتقها، ويرد الثمن ويتبع به إن أعدم، وتعود أم ولد، فإن أولدها المبتاع لحقه الولد، ولا قيمة فيه، ولو زوجها المبتاع من عبده ردت مع ولدها على الأصح، ونفقتها لغو على الأظهر كخدمتها.
стр. 3384
وفديت وجوبًا على السيد؛ لتعذر إسلامها إن جئت بأقل الأمرين القيمة يوم الحكم على المشهور، زادت أو نقصت، وهل تقوم بمالها أو دونه قولان.
ولا يقوم ولدها معها، وإن ولدته بعد الجناية، والأرش أيهما أقل لزمه، ولا سبيل إلى رقها.
وإن قال رجل في رضه: هذه الأمة ولدت مني، ولم يعلم ذلك إلا من قوله، ولا ولد لها موجود صدق إن ورثه ولد وارث من غيرها.
ابن الحاجب: على الأصح.
وظاهره: كان الولد ذكرًا أو أنثى، وصارت أم ولد، وعتقت من رأس المال.
ومفهوم: (لا ولد لها) مفهوم موافقة.
وإن أقر مريض بإيلاد أمته لأمته في صحته، أو أقر بحصول عتق منه لها في صحته لم يعتق من ثلث؛ لأنه لم يقصد الوصية، ولا من رأس مال؛ لأن المريض لا يتصرف إلا في الثلث، وهذا قد أقر بما لا يعلم إلا منه.
وإن وطئ شريك أمة مشتركة فحملت غرم نصيب شريكه الآخر إن كان موسرًا؛ لأنه أفاتها عليه، فإن أعسر خير شريكه في إتباعه بالقيمة عن نصيبه في ذمته يوم الوطء، وهو مذهب المدونة، لا يوم الحكم، ولا يوم الحمل، واختار ابن المواز إن شاء يوم الحمل أو يوم الحكم.
أو بيعها -أي: بيع جزئها المقوم- لذلك، أي: لأجل القيمة، فإن كان فيه فضل لم يبع منها إلا ما يفي بقيمتها، أو يبقى باقيها بحساب أم ولد، ونحوه لابن الحاجب.
وإن لم يف نصف ثمنها بما لزم الواطىء من القيمة أتبعه بما يفي ونصف قيمة الولد؛ لأنه حر، وهذا هو المشهور، وإن لم تحمل خير
стр. 3385
شريكه الذي لم يطأها بين تقويمها على الواطيء وإبقائها للشركة، ولا شيء عليه لشريكه.
وقيل: يجبران على التقويم؛ لتتم له الشبهة، وهذا إذ وطئها أحدهما فقط.
وإن وطئاهما معًا حران أو عبدان، مسلمان أو كافران، أو أحدهما عبد أو ذمي والآخر حر [أو] مسلم بطهر واحد، وأتت بولد لستة أشهر فصاعدًا وادعاه كل منهما، فالقافة تدعى لهما، ولو كان أحد الشريكين ذميًا أو عبدًا، فمن ألحقته به منهما لحق به، مسلمًا كان أو ذميًا أو عبدًا، فان أشركتهما فيه فقالت: هو ابن المسلم والذمي فمسلم -أي: يحكم بإسلامه- وإلا إذا بلغ أحدهما عند ابن القاسم.
قال أصبغ: حد الموالاة الإثغار.
وإنما قلنا يوالي أحدهما لأنه لا يكون مشتركًا بينهما على المشهور، خلافًا لسحنون، ولا يكون إلا مسلمًا، وإن والى الذمي، وعلى قول ابن القاسم إذا قلنا يوالي من شاء فاختلف في نفقته وكسوته قبل الموالاة، فقال ابن القاسم وعيسى ومحمد بن عبد الحكم: ينفقان عليه جميعًا، فإن مات أحدهما أنفق عليه مما وقف له من ميراثه نصف نفقته.
فإن لم توجد فاقة فيترك إلى أن يبلغ فيوالي من شاء، ويحكم بإسلامه.
وقيل: يصبر إلى أن توجد الفاقة.
وورثاه معًا ميراث أب واحد، إن مات أولًا قبل لحوقه بأحدهما، كما لو تنازعه اثنان فيقسم بينهما، وإن ماتا قبل لم يرثهما.
ومفهوم: (بطهر) لو وطئها أحدهما بطهر بعده وأتت بولد ففي المدونة هو للآخر، إن وضعته لستة أشهر من مسيسه، وعليه لشريكه إن كان مليئًا نصف قيمتها فقط يوم الوطء أو يوم الحمل كيف شاء شريكه ولا صداق
стр. 3386
عليه ولا قيمة ولد في ملائه، وإن كان عديما أتبع بنصف قيمتها مع نصف قيمة الولد.
وحرمت على مرتد أم ولده زمان ردته حتى يسلم، فتعود تزول الحرمة، ويعود إليه رقيقه وماله، وإن قتل على ردته عتقت من رأس ماله، وهو مذهب المدونة، خلافًا لأشهب في عتقها بالردة، كما تطلق زوجته بذلك.
ووقعت أم ولده كمدبره إن فر لدار الحرب، نص عليها وعلى التي قبلها في المدونة.
ولا تجوز للسيد كتابتها، ويجوز له عتقها على مال يتعجله، فإن كاتبها فسخت الكتابة.
وعتقت إن أدت ما كوتبت به، وفات الفسخ، ولا ترجع فيما أدت إذا كان له انتزاع مالها، ما لم يمرض، وصرح في المدونة بأنها لا ترجع.
* * *
فصل
ذكر فيه الولاء، وهو أحد خواص العتق، فقال: الولاء ثابت لمعتق شرعًا، سببه زوال الملك بالحرية عن رقيق أعتقه بغير عوض تنجيزًا أو تعليقًا أو تدبيرًا أو استيلادًا أو عتقًا في فرض كالكفارة، أو أعتق عليه بقرابة أو سراية أو مثلة.
وإن كان ببيع للعبد من نفسه بعوض، بأن كاتبه أو قاطعه أو نحوه، أو بسبب عتق غير عنه بلا إذن منه على المشهور؛ إذ هو من التقديرات الشرعية التي أعطي فيها المعدوم حكم الموجود؛ لأنه يقدر دخوله في ملك المعتق عنه، وأنه أعتقه عنه بطريق التوكيل، وسواء كان ذلك في واجب كالكفارة أو تطوع.
стр. 3387
وقوله: (بلا إذن) داخل في حيز المبالغة، وبه يندفع قول البساطي تبعًا للشارح: ("بلا إذن" ليس بجيد، والأحسن لو قال: وإن بلا إذن، وأما مع الإذن فالولاء للمعتق عنه اتفاقًا).
أو أعتق العبد عبده ولم يعلم سيده بعتقه لعبده حتى عتق فالولاء للسيد دون المعتق إن كان استثني ماله، وأما إن لم يستثنه فالولاء للعبد دون سيده، وقرره الشارحان تبعًا لما في التوضيح من أن الولاء للعبد. انتهى. ويقيد ما ذكراه بما إذا لم يستثن ماله.
ثم استثني المؤلف من قوله: (الولاء لمعتق) قوله: إلا كافرًا أعتق عبدًا له مسلمًا، سواء ملكه مسلمًا، أو أسلم عنده ثم عتقه فالولاء له، ولو أسلم السيد الكافر بعد ذلك لم يرجع له الولاء على المعروف من المذهب؛ إذ لا سبيل لكافر على مسلم.
وإلا رقيقًا قنا أو ذا شائبة أعتق رقيقه فلا يكون عتقه سببًا للولاء، ولو عتق بعد ذلك أعتق بإذن سيده أولًا، إن كان السيد الأعلى ينتزع ماله، أي: مال عبده المعتق بكسر التاء.
واحترز بذلك عما ليس له انتزاع ماله، كالمدبر وأم الولد إذا مرض السيد، والمعتق إلى أجل إن قرب الأجل، والمعتق بعضه.
ومن قال لرقيقه: أنت حر عن المسلمين جاز عتقه اتفاقًا، والولاء لهم، ولو قال: وولاء لي.
وقيل: لمعتقه.
كسائبة، أي: قال له: أنت سائبة، وأراد به العتق، فإنه يعتق، وولاؤه للمسلمين عند مالك وعامة أصحابه.
وكره عتق السائبة؛ لأنه من فعل الجاهلية، وإن أعتق كافر عبده الكافر ثم أسلم العبد الذي أعتقه الكافر فولاؤه للمسلمين، ولا شيء لسيده الكافر، ما دام كافرًا؛ إذ لا يرث المسلم الكافر، فإن أسلم سيده عاد الولاء بإسلام السيد له، كذا في الموطأ والمدونة.
стр. 3388
وجر العتق -أي: سحب ولاء- ولد العبد المعتق بفتح التاء، وأولاد أولاده لمعتقه بالكسر وإن سفلوا: ذكورهم وإناثهم، كأولاد المعتقة بالفتح، وأولاد أولادها، فمن أعتق أمة في ولدته بعد العتق ينجر، وولاؤه لمعتقها، إن لم يكن لهم نسب من حر.
ثم استثنى من قوله: (جر ولد المعتق وولد المعتقة) بقوله: إلا لرق من الولد في بطن أمه لآخر، فلا يجر ولاء ولده، كمن زوج عبده لأمة آخر، ثم أعتقه والأمة حامل، ثم أعتقها سيدها فولدت لأقل من ستة أشهر من عتقها، فإن الأب لا يجر ولاء الولد؛ لأنه قد مسه الرق في بطن أمه لآخر.
أو إلا أن يمسه عتق لآخر، كمن أعتق عبدًا، وأعتق آخر ولد هذا العبد، فإن الأب لا يجر ولاء ولده لمعتقه، وجر الولاء معتقهما بالفتح، ومعتق معتقهما، أي: يسترسل عليهم وإن بعدوا، وأولادهم كذلك؛ لأن كل من أعتق رقيقًا ثبت ولاؤه عليه وعلى أولاده وأولاد أولاده ولمن سفلوا وعلى عتقائه وعتقاء عتقائه وإن بعدوا، وتبع المصنف الأكثر في تسمية ولاء الجر، والشافعية تسميه ولاء السراية، والخلف لفظي.
والتثنية في قوله: (معتقهما) باعتبار المعتق والمعتقة، وهو معطوف على ولد المعمول لحر.
وإن كانت الأم معتقة بالفتح وأبوها وجدها رقيقين فولاء ولدها لمعتقها وهو مولي أمه ما دام آباؤها أرقاء، ولكن لا يستقر فإن أعتق الجد بعد ذلك اتجر ولاؤه عن موالي أمه لموالي أبيه، ولكن لا يستقر.
وإن أعتق الأب بعد عتق الجد أو استلحق الأب من كان نفاه بلعان وكان المستلحق معتقًا رجع -أي: انجر الولاء لمعتقه من معتق لجد والأم.
وإذا تنازع معتق الأب ومعتق الأم في حمل الأم المعتقة هل كانت حاملًا يوم العتق أم لا القول لمعتق الأب أنها حملت بعد العتق؛ لأن الأصل عدم الحمل، فيكون الولاء له لا لمعتقها؛ لأنه عالم أنها كانت حاملًا قبل عتقها.
стр. 3389
واحترز بقوله: (دون ستة أشهر) عما لو وضعته لستة أشهر فأكثر، فإن ولاءه يكون لمعتق الأب.
تنبيهان:
الأول: قيده أبو محمد بما إذا لم تكن ظاهرة الحمل يوم العتق، فإن كانت ظاهرته فكما لو وضعته لأقل من ستة أشهر.
الثاني: قال اللخمي: اختلف إذا عتقت: هل يوقف الزوج عنها ليعرف أبها حمل أم لا؟ ففي المدونة: لا يوقف.
وفي المختصر: يكف حتى يتبين، واستحسن الوقف.
وإن شهد واحد لشخص بالولاء شهادة بنت أو اثنان شهدا بالجماع أنهما لم يزالا يسمعان أن مولاه أو ابن عمه لم يثبت له الولاء بذلك في المسألتين، لكنه يحلف في كل منهما ويأخذ المال بعد الاستيناء؛ لاحتمال أن يأتي له طالب، وهذا مذهب المدونة.
وزاد: ولا ينجر بذلك الولاء، وبه أخذ أصبغ.
وقدم عاصب النسب على عاصب الولاء، كابن العتيق وأبيه وأخيه وعمه وأبنائهم، ثم إن لم يكن له عاصب نسب ورثه المعتق بالولاء.
ثم إن لم يكن له مولى ورثه عصبته، أي: عصبة المعتق بالكسر، كالصلاة عليه إذا مات، ثم إن لم تكن للمعتق عصبة ورثه معتق معتقه، ثم عصبته، والولاء له ترثه أنثى مطلقًا إجماعًا، فإن ترك المعتق بالكسر أبناء وبنات ورث الابن الولاء دونها.
وهذا إن تباشره الأنثى بعتق منها أو جره إليها ولاء بولادة، بأن يكون ولدًا لمن أعتقه وإن سفل من ولد المذكور خاصة.
ولم ينبه على هذا هنا؛ لأنه قدم قريبا أن المرأة إنما تجر ولاء أولادها إذا لم يكن لهم نسب من حر.
стр. 3390
وإن اشترى ابن وبنت أباهما على السواء عتق عليهما بنفس الملك، ثم اشترى الأب عبدًا وأعتقه، فمات العبد بعد موت الأب ورث الابن والبنت أباهما بالنسب: (للذكر مثل حظ الأنثيين).
ثم بين ميراث العبد الذي أعتقه الأب بقوله: ورثه الابن خاصة بعصوبة النسب؛ لما تقدم أن عاصب النسب مقدم على معتق المعتق، وإن مات الابن أولًا -أي: قبل العبد، ثم مات العبد، وقد كان الأب مات قبل الابن- فللبنت النصف من ميراث العبد الذي أعتقه أبوها لعتقها -أي: لأجل عتقها- نصف المعتق بالكسر، وهو الأب، ولها أيضًا نصف النصف، وهو الربع لأنها معتقة نصف أبيه، أي: أب معتق النصف، فيصير لها ثلاثة أرباع المال.
ابن يونس: والربع الباقي لموال أم أخيها، إن كانت أمة معتقة، وإن كانت عارية فلبيت المال.
وإن مات الابن أولًا ثم مات الأب بعده فللبنت سبعة أثمان المال من أبيها النصف بالرحم، وهو النسب؛ إذ هو ميراثها منه، ولها أيضًا الربع بالولاء الذي لها في أبيها؛ لأنها أعتقت نصفه، ولها أيضًا نصف الربع الباقي، وهو الثمن بجره -أي: بجر الولاء- لأن الربع الباقي لأخيها، والحال أن أخاها مات قبل أبيها، فينتقل ما ثبت له لموالي أمه ومواليه هو وأخته، فلها نصف الربع، وهو الثمن، وبه كمل لها سبعة أثمان المال، ونصف الربع الباقي -وهو الثمن- لموالي أم أخيها إن كانت معتقة، أو لبيت المال إن كانت حرة، وهذه المسألة مشهورة في كتب الفرائض وغيرها، وتعرف بمسألة القضاة؛ لأنه غلط فيها أربعمائة قاض، فورثوا البنت فيها بالولاء، وميراث النسب مقدم على عصوبة الولاء، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 3391
باب ذكر فيه الوصايا وما يتعلق بها
ابن عبد السلام أشبه ما يقال في رسمها بحسب عرف الفقهاء ما ذكره بعض الحنفية: أنها تمليك مضاف لما بعد الموت بطريق التبرع.
ابن عرفة: هي في عرف الفقهاء لا الفرضيين عقد يوجب حقًا في ثلث عاقده يلزم بموته أو بنيابة عنه بعده.
وأما حكمها فقسمه اللخمي وابن رشد للأحكام الخمسة:
- فتجب إن كان عليه دين ونحوه.
- وتندب إن كان بقربة في غير الواجب.
- وتحرم لمحرم كالنياحة ونحوها.
- وتكره إن كانت بمكروه أو في مال فقير.
- وتباح إذا كانت بمباح من بيع أو شراء ونحو ذلك.
زاد ابن رشد: وكذلك ينقسم إنفاذها على الخمسة المذكورة.
[أركان الوصية: ]
ولها أركان أربعة:
- الموصي.
- والموصى له.
- والموصى به.
- والصيغة.
[الركن الأول: الموصي]
وأشار لأولها بقوله: صح إيصاء:
стр. 3392
[١] حر لا رقيق ولو بشائبة.
[٢] مميز: لا مجنون وصغير وسكران غير مميز كل حين الإيصاء.
[٣] مالك للموصى به ولأمر نفسه؛ فلا تصح من غيره، ويدخل فيه من أحاط الدين بماله.
إن لم يكن من اجتمعت فيه الشروط سفيهًا، بل وإن كان سفيهًا بالغًا مبذرًا، أو كان صغيرًا، قال مالك: كابن عشر سنين. وله: تسع. وله أيضًا: إذا أثغر وأمر بالصلاة وأدب عليها، وهذا أقل ما قيل.
ولابن الماجشون: إذا كان يافعًا مراهقًا، وهذا أكثر ما قيل.
البساطي: (وإن سفيهًا) متعلق بـ (حر) و (صغيرًا) متعلق بـ (مميز).
[وصية الصغير: ]
وهل محل صحة وصية الصغير إن لم يتناقض بتخليط في كلامهم مما يتعين به أنه لم يعرف ما ابتدأ به، وهو تأويل أبي عمران، أو محل إن أوصى بقربة أو صلة رحم، وأما إن جعلها فيما لا يحل كشرب خمر أو غيره فلا تصح، وهو تأويل اللخمي: تأويلان في فهم قولها: وتجوز وصية ابن عشر سنين فأقل مما يقاربها إذا أصاب وجه الوصية، ولم يكن فيه اختلاط.
[وصية الكافر: ]
وتصح الوصية ولو كان الموصي كافرًا جامعًا للشروط: حرًا مميزًا مالكًا.
ولما ذكر أن وصيته تصح خشي أن يتوهم عموم ذلك، فقال إلا أن يوصي بكخمر أو خنزير لمسلم مما لا يصح تملكه للموصى له.
ومفهومه: لو أوصى له لمن يصح تملكه له لصح، قال في التوضيح: وهو ظاهر المذهب.
стр. 3393
[الركن الثاني: الموصى له]
وأشار للركن الثاني، وهو الموصى له بقوله: لمن يصح تملكه للموصى له به شرعًا: بالغًا كان أو صبيًا أو مجنونًا، مسلمًا أو كافرًا، موجودًا أو غير بموجود، كمن سيكون من حمل ثابت، أو سيوجد.
قال بعضهم: وهو ظاهر إطلاق القاضي أبي محمد، فيوقف إلى أن يوضع، فيكون له إن استهل، وإن لم يستهل بطلت.
وإن وجد من ذلك الحمل متعدد وزع الموصى به لعدده؛ لصدق لفظ الحمل عليه، والذكر والأنثى في ذلك سواء.
[الركن الثالث: الصيغة]
وأشار للركن الثالث وهو الصيغة بقوله: بلفظ قصد به ذلك، لا بصيغة مخصوصة كما في بعض العقود والالتزامات.
ولما كان ذلك لا ينحصر في اللفظ قال: أو إشارة مفهمة، نحوه لابن الحاجب.
[مسألة]
وقبول الموصى له المعين شرط في وجوبها له، إن كان قبوله بعد الموت.
واحترز بـ (المعين) عن الفقراء أو المساكين أو المجاهدين.
واحترز بـ (بعد الموت) الموت عما قبله؛ فإنه وإن تم العقد وصح كان للموصي الرجوع، ولا يشترط فورية القبول.
فالملك ثابت له -أي: للموصى له- بالموت، والقبول كاشف لثبوته بالموت، في حدث بعد الموت وقبل القبول من غلة فللموصى له على المشهور من المذهب، وعبر عنه الشارح بالأصح، ومقابله: أنه لا يملكه إلا حين القبول، فالملك قبله لورثه الموصي.
стр. 3394
[مسألة: ]
وقوم الموصى به بغلة حصلت بعده، أي: بعد الموت عند أكثر الرواة.
سحنون: هو أعدل أقوال الأصحاب.
وهو قول ابن القاسم في المدونة، واختاره التونسي، ولابن القاسم أيضًا أنه يقوم بغير غله، ثم تتبعه، فلو أوصى لزيد بحائط يساوي مائة، وهو يساوي مقدار ثلث الموصي، وزاد بعد موته لأجل ثمرته عشرين، فعلى المشهور يكون له خمسة أسداس الحائط.
تنبيه:
قال الشارح: فيه نظر؛ لأن الأولى أن يكون له خمسة أسداس ومقدار ثلث العشرين الحاصلة من الغلة.
البساطي: وفيه نظر؛ لأنها تقوم على ملك الموصي، فليس له إلا ما يقابل المائة، وعلى مقابل المشهور يكون كله، وتتبعه غلته.
ولم يحتج رق -أي: ذو رق- في قبول ما أوصي به له لإذن من سيده، بل يقبله من غير إذنه، ويملكه الرقيق، ولسيده انتزاعه، إلا أن يعلم أن الموصي قصد به التوسعة على العبد كإيصاء بعتقه، أي: الرقيق، فلا يحتاج في نفوذه لقبوله، بل يعتق، ولو لم يقبل، إن حمله الثلث، أو ما حمل منه.
[مسألة: ]
وخيرت جارية أوصي بعتقها، وهي من جواري الوطء بين العتق عملًا بالوصية، والبقاء على الرق؛ لأن الغالب على جواري الوطيء الضياع بالعتق.
وإذا خيرت فاختارت أحد الأمرين العتق أو البقاء كان لها الانتقال عما اختارته للآخر، قاله ابن القاسم، لكنه قال: ما لم ينفذ فيها الذي
стр. 3395
اختارته، أو يكون ذلك بتنفيذ من السلطان، ولم يذكر المؤلف هذا، بل أطلق.
ولو أعتقها الورثة قبل أن تختار، فقال مالك: ليس لهم ذلك إن أحبت البيع، وكذلك إن قال: بيعوها ممن أحبت فأعتقوها، وأحبت البيع، رد عتقها أيضًا.
[مسألة: ]
وصح إيصاء لعبد وارثه -أي: وارث الموصي كابنه مثلًا- بتافه أو بكثير إن اتحد الوارث، بأن لم يكن معه وارث غيره؛ إذ الوصية له حينئذ غير ممنوعة، فعبده كهو، وليس للوارث انتزاعه من العبد.
ابن يونس: لأنه إن انتزعه لم تنفذ الوصية، ولو باعه كان للمشتري انتزاعه.
أو لم يتحد الوارث، ولكنه أوصى للعبد بتافه لا تلتفت إليه النفوس مما يظهر أنه أريد به العبد، ومفهومه: أنه لو تعدد الوارث أو لم يرد به العبد لم يصح في المسألتين، وهو كذلك، وللبساطي هنا مع الشارح كلام، انظره في الكبير.
تنكيت:
في قوله: (عبد وارثه) شيء؛ لأنه إن أراد به من فيه شائبة خرج المدبر والمكاتب، وإن أريد ولو بشائبة دخلًا، والمنقول: أن المدبر لا يجوز الإيصاء له بالكثير، ويجوز للمكاتب.
[مسألة: ]
وصح إيصاء لمسجد، نكره ليعم المسجد الحرام وغيره من المساجد.
قال الشارح: لما كان هذا كالمناقض لقوله أولًا لمن يصح تملكه، وكان المسجد لا يتصور فيه ذلك قال: وصرف الموصى به في مصالحه كوقوده وعمارته؛ لأنه مقصود الناس بالوصية بذلك، ولو أدخل الكاف على
стр. 3396
المسجد ليشمل القنطرة والصور ونحوهما لكان أحسن.
تنبيه:
قال ابن عبد السلام: اللام الداخلة على (مسجد) هي التي يزعم الفقهاء أنها لام الصرف، وليست لام الملك، والمال الموصى به لم يزل على ملك ربه.
[مسألة: ]
وصح إيصاء لميت علم الموصي بموته على المشهور، وصرف ذلك في دينه أو وارثه.
ظاهره: التخيير، وقول ابن الحاجب: (في دينه وإلا فلوارثه) ظاهره أنه لا يصرف للوارث إلا حيث لا دين، وما في النوادر عن أشهب: من أوصى لرجل قد مات وعلم بموته فذلك لورثته ولدين عليه، يقتضي مساواتهما، وبين العبارات الثلاث بون.
وفهم من قوله: (علم الموصي بموته) بطلانها إن لم يعلم، وقاله في المدونة؛ لأن الميت لا يصح تملكه.
[مسألة: ]
وصح إيصاء لذمي لصحة تملكه، وإطلاقه يشمل من له عليه يد أو جور أو غيره، قريبًا كان أو بعيدًا، وأجازها ابن القاسم على وجه الصلة، وأشهب للقرابة والأجنبيين بغير كراهة.
تنبيه:
نحو عبارة المؤلف لابن الحاجب، قال في التوضيح: يحتمل اعتبار المفهوم فيمنع للحربي، ولا يصح له، وهو قول أصبغ، ويحتمل أن لا يكون له مفهوم مخالفة لمساوات المسكوت عنه للمنطوق، وهو مقتضى كلام عبد الوهاب في الإشراف.
стр. 3397
[مسألة: ]
وصح إيصاء لقاتل علم الموصي بالسبب، أي: بسبب القتل كضربه ضربًا أدى لقتله، وعلم أنه هو الذي ضربه، ونحوه لابن الحاجب.
قال في التوضيح: بالسبب على حذف مضاف، أي: بذي السبب، أو على حذف معطوف، أي: بالسبب وصاحبه، وليس المراد تعلق السبب بنفس السبب.
وإلا بأن لم يعلم بالسبب بأن قال: اعطوا من قتلني بكذا فتأويلان في صحتها وبطلانها.
قال في المدونة: وإن أوصى له بعد أن ضربه وعلم به فإن كانت الضربة خطأ جازت الوصية في المال والدية، وأما في العمد فتجوز في ماله دون الدية؛ لأن قبول الدية فيه كما لم يعلم به.
فمفهوم قولها: (علم به) أن لو لم يعلم به بطلت، وقال محمد: تصح؛ لأن الوصية بعد الضرب، فلا يتهم على الاستعجال.
واختلف: هل ما قاله محمد خلاف لها، وهو حمل اللخمي وغيره، أو وفاق، وهو حمل ابن أبي زيد وغيره، فإذا علمت هذا ظهر لك معنى التأويلين في كلامه.
قال البساطي: لا أدري معنى التأويلين هنا.
[ما تبطل به الوصية: ]
وبطلت وصية بردة، وظاهره: وصية الموصي أو الموصي له، وهو كذلك.
وقال ابن مرزوق: وصية الموصي ظاهره كانت بعتق أو غيره غير ظاهر؛ لبطلان ما للوصي له بردته في حياة الموصي، كما ذكر ذلك صاحب الخصال.
ونكر المصنف ليعمهما، وظاهره البطلان ولو رجع للإسلام، وقال
стр. 3398
أصبغ: إن رجع للإسلام وكانت مكتوبة جازت، وإلا لم تجز. وكذلك لو أوصى بها وهو مرتد، وقيد الشارح كلام المؤلف بما إذا مات على ردته.
[الركن الرابع: الموصى به]
وأشار للركن الرابع -وهو الموصى به- بقوله: وبطلت في إيصاء بمعصية، كإيصاء بشراء خمر لمن يشربها، وكذلك لمن يقتل شخصا تعديا ونحوه، ويرجع المال للوارث.
قال بعض العلماء: ومن ذلك وصايا مستغرق الذمة.
[مسألة: ]
وبطلت لوارث كغيره؛ لخبر: "إن اللَّه أعطى لكل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث" (١).
وإطلاقه يشمل ثلاث صور:
- إيصاؤه لجميع الورثة بما يخالف حقوقهم.
- أو لبعض حقوق بعض. وهاتان باطلتان.
- أو أوصى لكل بقدر حقه من التركة، وهذه لا بطلان فيها؛ إذ لا معنى لوصيته، وقد يكون معنى بطلانها أنها غير مفيدة.
[مسألة: ]
وبطلت بزائد الثلث لأجنبي، والمعتبر في كون الموصى به زائدًا على الثلث أو قدره أو أنقص منه يوم التنفيذ.
وقول البساطي: (المذهب أن الوصية للوارث وبزائد الثلث صحيحتان
стр. 3399
متوقفتان على إجازة الوارث) غير ظاهر؛ لقول المؤلف: وإن أجيز ما أوصى به لوارث أو بزائد على الثلث فعطية، أي: ابتداء عطية من الوارث، تفتقر للحوز، قاله أبو الحسن، لا تنفيذ لما فعله الموصي.
ولو أوصى لوارث كابنه مثلًا بشيء دون بقية ورثته وقال: إن لم يجيزوا له فللمساكين مثلا بطلت؛ لأنه من باب الضرر، وظاهره: سواء أجازوا أم لا، وهو قول ابن القاسم، بخلاف العكس في ال مسألة ، وهو أن يقول: ثلث مالي مثلا للمساكين، إلا أن يجيزه الورثة لابني فصحيحة على المشهور.
[مسألة: ]
وتبطل برجوع فيها، ووسواء كانت بعتق أو غيره، في صحة أو سقم، وإن كان رجوعه بمرض، أي: فيه.
وظاهره: وإن اشترط عدم رجوعه، وهو كذلك، وصرح بعض الأشياخ بأنه المشهور.
ابن ناجي في شرحه للمدونة: وعليه العمل، وحكى بعض طلبة ابن علوان اختلاف فتوى متأخري التونسيين، إذ قال: مهما رجع كان رجوعه عنها تأكيدًا لها، وليس فيها نص لمالك، ولا لمتقدمي أصحابه، وأول من وقع النص عليها أبو إسحاق التونسي، وتبعه المازري، وتبعه تلميذه ابن مشكى، ونقلها عن ابن عبد الواحد الموثق.
والرجوع قد يكون صريحًا بقول، كأبطلتها، أو رجعت عنها، أو لا تنفذوها، أو لا تعملوا بها.
وبفعل مثل بيع لمعين أوصي له، إلا أن يسترده، وعتق وكتابة لعبد أوصى به، وإيلاد لموصى بها رجوع فالوطء ليس برجوع، وحصد زرع أوصى به ثم حصده.
وتعقب هذا الشراح جميعًا بأنه مخالف للمدونة، ففي المجموعة عن ابن القاسم: إذا أوصى بزرع فحصده أو بتمر فجذه أو صوف فجزه، فليس
стр. 3400
برجوع إلا أن يدرس القمح ويكتاله يدخله بيته، فهذا رجوع.
قال الباجي: يعني بالدرس والتصفية، انتقل اسمه عن الزرع إلى اسم القمح والشعير، فكان رجوعا.
وقوله: (اكتاله) تأكيد لقصده، وكذا إذا أدخله بيته، إنما يريد بلغ حد الاكتيال. انتهى.
وأشار المؤلف إلى أن الاكتيال يحصل بأحد أمرين:
- ما ينقل الملك كالبيع ونحوه.
- وما ينقل اسم الموصى به.
ولما قدم الأول شرع في الثاني، فقال: ونسج غزل عند ابن القاسم، وصوغ فضة خاتمًا أو سوارًا أو نحوهما، وحشو قطن، أطلق كابن الحاجب، وقال في التوضيح: ينبغي أن يقيد بما إذا حشي في الثياب، وأما في مخدة ونحوها فلا.
وذبح شاة ونحوها، وتفصيل شقة قميصا أو سراويل.
[قسما الإيصاء: ]
والإيصاء على قسمين: مقيد ومطلق، وأشار للأول: وإيصاء وقيده بمرض أو سفر انتفيا بأن زالا، قال: إن مت فيهما، أي: في مرض هذا، فصح فيه، أو قدم من ذلك السفر؛ لأن كلامه يفهم منه الرجوع، إن لم يكن بكتاب، بل وإن كان بكتاب، ومات يخرجه مزيده حتى صح أو قدم ومات من غير ذلك المرض أو غير ذلك السفر، أو أخرجه مزيده من يده ثم استرده بعدهما، أي: بعد صحته وقدومه، فهو رجوع تبطل به وصيته.
وظاهره: سواء شهد فيه أم لا، وهو كذلك على أحد القولين.
واحترز بقوله: (في مرضه) عما لو أوصى في صحته.
وأشار للقسم الثاني بقوله: ولو أطلقها واختلف الشارحان في فهمه:
- فقال بهرام: لم يقيد بمرض ولا سفر، بل قال: اعطوا فلانا كذا،