وقيل: المربض للبقر والمراح للغنم.
كمقبرة: مثلثة الموحدة، وهي تشبيه في الجواز، المازري: مشهور المذهب جوازها، وإن كان القبر بين يديه، إن لم تكن مقبرة مشرك، بل ولو لمشرك، وظاهره: عامرة كانت أو دارسة، تيقن نبشها أو عدمها، أو شكّ فيه، جعل بينه وبينها ما يحول كحصير أو لا، وهو كذلك، وأشار بلو للخلاف في مقبرة المشركين (١).
[٢] ومزبلة: بفتح الموحدة وضمها، موضع طرح الزبل.
[٣] ومجزرة: بكسر الميم، موضع الجزر، وهو الذبح والنحر، وتفتح زايها وتكسر.
стр. 457
[٤] ومحجة، قال في الصحاح: وهي جادة الطريق. قال في الذخيرة: كره في الكتاب الصلاة في قارعة الطريق لأرواث الدواب. . انتهى.
وفي الصحاح: قارعة الطريق أعلاه.
[شرط الصلاة فيما سبق: ]
إن أمنت هذه الأربعة المقبرة وما بعدها من النجس، تقديمها للأصل على الغالب، وإلّا بأن لم تؤمن نجاستها فلا إعادة أبدية على الأحسن إن لم تحقق.
قال الشارح في الصغير عن سند: وأن لا تلزمه الإعادة حسن حتى يتيقن أن موضع صلاته نجس. . انتهى. وعلى هذا فليس المراد بمقابل الأحسن في كلامه حسن، وإن وافق قول ابن حبيب: يعيد أبدًا.
[أماكن الكراهة: ]
وكرهت صلاة: [١] بكنيسة عند مالك، وظاهره: عامرة كانت أو داثرة؛ لأن الملائكة لا يدخلون بيتًا فيه كلب ولا صورة؛ ولأنها أسست على غير التقوى، وظاهره كالمدونة: بسط شيئًا طاهرًا أم لا، وهو رواية ابن حبيب، وقيد المازري المدونة ببسط ثوب طاهر.
وظاهره: صلى فيها اختيارًا أو لحاجة ضرورة حر أو برد أو مطر أو لا، وعن مالك الجواز كذلك (١).
ولم تعد صلاة صلاها فيها، لا في وقت ولا غيره، سند: إن عللنا
стр. 458
بالصور فلا يؤمر بالإعادة، وهو ظاهر المذهب، وفي الذخيرة: روى مالك عن عمر أنه كره دخول الكنائس والصلاة فيها، ومع ذلك لا يعاد في وقت ولا غيره. . انتهى.
وحكى ابن عرفة عن سماع أشهب الإعادة في الوقت ما لم يضطر، وحمل ابن رشد المدونة عليه.
[٢] وكرهت بمعطِن إبل: بكسر الطاء، واحد الأعطان، والمعاطن مباركها عند الماء لتشرب عللا، وهو الشرب الثاني بعد نهل، وهو الشرب الأول، وظاهره: ولو بسط شيئًا طاهرًا، وهو رواية ابن حبيب.
وظاهره: ولو لم يجد غيره. زاد ابن عبدوس في رواية ابن القاسم: ولو أمن المعطن من نجاسة الناس، وفي تعليل الكراهة أقوال، انظرها في الكبير.
وفي الإعادة أبدًا إن صلى بها، وهو قول ابن حبيب عامدًا أو جاهلًا والناسي في الوقت، أو في الوقت مطلقًا، وهو قول أصبغ: قولان، بناء على تعارض الأصل والغالب.
تنبيه:
وبما قررنا ظهر لك أنه ليس مراد المؤلف أن في الإعادة وعدمها قولين، وإن كان ذلك ظاهر كلامه.
وزاد في الذخيرة مواضع نُهِيَ عن الصلاة فيها، ذكرناها في الكبير.
[حكم تارك الصلاة: ]
ومن ترك صلاة فرضًا ممتنعًا قولًا أو فعلًا مع إقراره بها، فإنه لا يقر
стр. 459
على الترك، ويؤاخذ بها اتفاقًا، وأشار لوقت الواحدة بقوله: وأخر بالبناء للمفعول لبقاء ركعة بسجدتيها من الوقت الضروري لا المختار، وقتل بالسيف، أي: يضرب عنقه كما في سماع أشهب، لا نخسا حتى يفعل، أو يموت، كما قاله بعض المتأخرين.
حدًا لا كفرًا (١)، وظاهره كابن الحاجب بغير تخويف ولا ضرب ولا تهديد، وهو قول مالك، خلافًا لأصبغ، لكن في التوضيح: وعلى المذهب لا يقتل ابتداء بل يهدد ويضرب، صرح به ابن الجلاب، ثم ترك ذلك هنا، فيحتمل لترجيح قول مالك عنده، ويحتمل مع إرادة القيد.
تنبيه:
قوله: (ترك) يشمل التارك الآبي مع الإقرار، ويحتمل الأبي فقط، وفي التوضيح لابن عبد السلام: هذا في التارك الآبي خاصة، وأما إن انضم لذلك بعض الاستهزاء كقول بعض الأشقياء حين يؤمر بها: إذا دخلت الجنة فأغلق الباب خلفك، فإن أراد أن الصلاة لا أثر لها في الدين فلا يختلف في كفره، وإن أراد صلاة المنكر عليه خاصة، وأنها لم تنهه عن الفحشاء والمنكر فهو ممن اختلف فيه.
ثم بالغ على الممتنع فعلًا لا قولًا بقوله: ولو قال مع تماديه على الترك: أنا أفعل، ولم يفعل على ظاهر المذهب، وإذا قتل صلى عليه غير فاضل، أما الصلاة عليه فلإسلامه، وأما ترك أهل الفضل لها عليه فلردع غيره ويرثه ورثته، وزوجته في عصمته، ويدفن بمقابر المسلمين.
ولا يطمس قبره، بل يسنم كغيره من قبور المسلمين، لا فائتة امتنع من فعلها، فلا يقتل بها على الأصح، ورجحه المازري.
стр. 460
والتارك الجاحد لوجوبها عليه أو لركوعها أو لسجودها، ولو وافق على مشروعيتها: كافر اتفاقًا، بل حكى بعضهم الإجماع عليه، وسواء كان حديث إسلام أو لا.
خاتمة:
روى أبو هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من تهاون بصّلاته عاقبه اللَّه بخمس عشرة خصلة: ست منها في دار الدنيا، وثلاث عند الموت، وثلاث في قبره، وثلاث في القيامة، فأما التي في دار الدنيا:
فأولها: ينزع البركة من رزقه.
والثانية: ينزع اللَّه البركة من حياته.
والثالثة: يرفع اللَّه سيما الصالحين من وجهه.
والرابعة: لا حظ له في دعاء الصّالحين.
والخامسة: كل عمل يعمله من أعمال البر لا يؤجر عليه.
والسادسة: لا يرفع اللَّه دعاءه إلى السماء.
وأما التي تصيبه عند الموت: فيموت ذليلًا، جائعًا، عطشانًا، ولو سقي كلّ ماء في الدنيا لم يرو عطشه أبدًا.
وأما التي تصيبه في قبره: فيوكل اللَّه به ملكًا يزعجه إلى يوم القيامة، والثانية: تكون ظلمة في قبره.
والثالثة: تكون وحشة في قبره.
وأما التي في القيامة:
فأولها: يوكل اللَّه به ملكًا يسحبه على حر وجهه في عرصات القيامة.
والثانية: يحاسب حسابًا طويلًا.
والثالثة: لا ينظر اللَّه إليه يوم القيامة، ولا يزكيه، وله عذاب أليم.
فصل ذكر فيه أحكام الأذان والإقامة، وما يتعلق بكل منهما
وهو لغة: الإعلام، ومنه: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾، و: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، واصطلاحًا: الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة.
стр. 465
فائدة:
حكمة مشروعيته مشتملة على أمور ثلاثة:
أولها: هذا.
ثانيها: أن الدار دار إسلام.
ثالثها: اجتماع الناس للصلاة.
[حكم الأذان: ]
وأفاد حكمه بقوله: سُنَّ الأذان على المشهور بشروطه الآتية لجماعة لا لمنفرد، طلبت تلك الجماعة غيرها للصلاة، وسواء كانت بمسجد أو لا، كـ: أهل العمود، والركب، والرفقاء في السفر، وموضع اجتماع الأئمة: كعرفة، ومزدلفة، وإمام المصر يخرج لجنازة فتحضر الصلاة، فيصلي بأذان وإقامة، وخرج به جماعة لا تطلب غيرها، في فرض لا سنة، ولو راتبة كالعيدين، ولا نافلة.
ثم وصف الفرض بقوله: وقتيّ لها، أي: بالأصالة؛ ليخرج الفائتة، لأنه يزيدها تفويتًا، بل قال اللخمي: يكره.
فائدة:
لو كان الأذان يفيت الوقتية، لم يؤذن لها، ذكره ابن عرفة، وأشار بقوله: ولو جمعة إلى أنه سُنة فيها كغيرها، وللتنبيه على مخالفة استحسان اللخمي وجوبه؛ لتعلق الأحكام به، كوجوب السعي وتحريم البيع والشراء، وإن اختاره ابن عبد السلام.
[صفة الأذان: ]
وهو مثنى بضم الميم وفتح المثلثة وتشديد النون، أي: يذكر كل جملة منه مرتين إلا الأخيرة فقط.
المازري: لو أوتر الأذان لم يجزئه.
لا بفتح الميم وسكون المثلثة، المعدود عن اثنين اثنين؛ لاقتضائه
стр. 466
لتربيع التكبير، الذي يقوله أبو حنيفة والشافعي، ثم هو أحسن من قول غيره: (ليشفعه)؛ لصدقه على التربيع.
تنبيهات:
الأول: إنما لم يذكر ألفاظه لشهرتها.
الثاني: يؤتى بها مرتبة، فلو نكسها استأنف، حكاه الشارح في الصغير.
أشهب: لو قدم التشهد الثاني أجزأه عن الأول.
الثالث: ربما أشعر التَّرتيب هنا باشتراطه في صحة الإسلام، كما حكاه ابن عرفة، ومثله النووي في الوضوء من شرح المهذب عن القاضي أبي الطيب (١)، فلو آمن برسول اللَّه ﷺ قبل إيمانه باللَّه لم يصح إيمانه.
الرابع: حكي عن الحليمي (٢) أن المولاة بينهما غير شرط؛ فلو تراخى الإيمان بالرسالة عن الإيمان باللَّه مدة طويلة صح.
الخامس: إنما حدث ما يقول المؤذنون السلام عليه ﷺ عقب الأذان في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة في ربيع الآخر منها بعد أذان العشاء: ليلة
стр. 467
الإثنين، وليلة الجمعة، ثم بعد عشر سنين زيد عقب كل أذان إلا المغرب (١).
ولو الصلاة خير من النوم؛ فإنها مثناة، خلافًا لابن وهب في كونها
стр. 468
مرة واحدة، وظاهره: أنها تقال حضرًا وسفرًا، وهو كذلك، حكاه ابن يونس عن مالك، وليس في كلامه ما يشعر باختصاصها بالصبح، وكأنه اتكل على شهرة ذلك، خلافًا للنخعي (١) في قوله في أذان سائر الصلوات.
وظاهر كلامه: اختصاص التثويب بهذا اللفظ، ورأيت في شرح الكنز للقصراوي: وتثويب أهل كل بلد على ما يتعارف أهلها: إما بالتنحنح، أو بقول المؤذن: الصلاة خير من النوم؛ فإن المقصود الزيادة في الإعلام، وهي يتحصل بما يتعارفونه.
[محل الترجيع وصفته: ]
مرجع الشهادتين: مثناة؛ لعمل أهل المدينة، خلافًا لأبي حنيفة، قال مالك: العمل أثبت من الأحاديث (٢).
وكان محمد بن جرير (١) ربما قال له أخوه: لم لمْ تنظر لحديث كذا؟ فيقول: لم أجد الناس عليه.
стр. 477
النخعي: لو رأيت الصحابة يتوضؤون إلى الكوعين لتوضأت كذلك، وأقرأها ﴿إِلَى الْمَرَفِقِين﴾؛ لأنهم لا يتهمون في ترك السنن، وهم أرباب العلم، وأحرص الناس على أتباع رسول اللَّه ﷺ ، ولا يظن بهم أحد إلا ذو ريبة في دينه.
قال عبد الرحمن بن مهدي (١): السنة المتقدمة من سنن أهل المدينة خير من الحديث.
وظاهره: الترجيع، ولو كثر المؤذنون، وهو كذلك عن مالك، وعن مالك: إذا كثروا رجع الأول خاصة. ذكره المازري.
بأرفع من صوته بهما أولًا؛ لأن أذان أبي محذورة (٢) كان كذلك (٣)،
стр. 478
وعليه عمل الناس، وشهره ابن الحاجب، وعبر عنه ابن بشير بالصحيح.
وقيل عكسه.
عياض: وهو ظاهر المدونة والتلقين والجلاب.
مجزوم، أي: موقوف على آخر كل جملة، قاله شيوخ صقلية؛ لأنه لم يسمع إلا كذلك، لا يعرب، كما قاله شيوخ القيروان، حكاه المازري، وقال: الجميع جائز.
стр. 479
تنكيت:
قول البساطي: (وأنت خبير بما في قوله: (مجزوم) من الخروج على الاصطلاح) فيه قصور؛ لنص أهل اللغة على ذلك؛ قال في القاموس: جزم الرف سكنه، وعليه سكن. انتهى، واللَّه أعلم.
بلا فصل بين كلماته بقول أو فعل، ولو كان الفصل بإشارة لكلام، أو رده بالكلام، كان الكلام عمدًا، أو سهوًا.
ابن القاسم: إلا أن يخاف على صبي أو أعمى أو دابة أن يقع في بئر مثلًا؛ فيتكلم ويبني.
ابن ناجي: إلا أن يطول فيبتدئ، ولو كان لحفظ آدمي، نص عليه اللخمي.
وأشار بـ (لو) لمخالفة صاحب الوقار (١): لا بأس برده إشارة كالصلاة، وسيأتي في الفرق بينهما.
تنبيه:
وحيث منع من الرد مطلقًا فيرد بعد فراغه، كالمسبوق يرد على الإمام إذا أتم صلاته، وإن لم يكن حاضرًا، وتقدم قول اللخمي.
وبنى إن لم يطل، فيبتدئ ويستوي فيه السهو والعمد، وينهى من العمد.
стр. 480
تتمة:
قال ابن القاسم: لو نسي جله بنى بالقرب، وأقله كحيعلة مرة لا يضر.
[شرط وجوب الأذان: ]
غير مقدم على الوقت؛ إجماعًا؛ لأنه شرع للإعلام بدخول الوقت، ومتى قدم فات المقصود منه، إلا الصبح؛ فيقدم، إذ إنها على وقتها، والحصر يقتضي أن الجمعة كغيرها، وهو كذلك، ومثله لابن الحاجب، وكذا القرافي عن ابن حبيب: يؤذن لها قبل الزوال، ولا نصلي إلا بعده.
وابن ناجي: ولم يوجد لنقل غيره.
وإذا قدم فبسدس الليل الأخير على المشهور، وقال الشارح: الباء ظرفية فيه.
وظاهر منع البساطي أنها لم تثبت عنده؛ لقوله: (كأنه جواب شرط)، أي: فإذا قدم فما وقته؟ فقال: سدس الليل.
تنبيه:
انظر قول بعض مشايخي: (ينبغي أن يفهم كلام أهل المذهب على أن للصبح أذانين:
أحدهما: يفعل في أول الوقت، ولم ينبهوا عليه.
والآخر: هذا، ونبهوا عليه؛ لمخالفته للقواعد).
[شروط صحة الأذان: ]
وصحته، أي: شروطه التي لا يعتد بدونها، وهو أحسن من قول غيره، وصفة المؤذن لما يعطيه لفظ الصحة من انتفائه عند انتفائها، دون صفته:
[١] بإسلام: متعلق؛ فلا يصح من كافر، إذ لا يقتدى بإخباره، وتشهده لغو، ولذا لا يكون به مسلمًا، خلافًا لابن عطاء اللَّه.
стр. 481
تنكيت:
قول البساطي: (لهم خلاف في وقوع المشروط مع شرطه في زمن واحد، فانظر: هل يتخرج على القول بأنه يكون مسلمًا أنه يجزئ) غير ظاهر؛ لأن الإسلام عند قائله إنما حصل بالشهادتين، وبعضه تقدم عليها حال كفره.
فرع:
ابن عرفة: لو ارتد بعده لبطل. . انتهى. وإنما لم يذكره المصنف لأنه من عمله وقد بطل.
[٢] وعقل، فلا يصح من مجنون، وإخراج السكران بهذا القيد غير ظاهر، نعم يخرج بقولهم: يجب أن يكون المؤذن عدلًا، على بحث فيه؛ إذ قد يشرب سكرًا غير عالم، أو مكرهًا، واللَّه أعلم.
[٣] وذكورة، فلا يصح من أنثى، وإن اتصفت بما سبق؛ لأن صوتها عورة، أي: بإقدامها على محرم يمنع قولها، وانظر ما في هذه المسألة في الكبير.
[٤] وبلوغ، فلا يصح من صبي على المشهور، ففي المدونة: لا يؤذن ولا يؤم إلا من احتلم. وظاهره: ولو كان مع نساء، أو بموضع لا يوجد غيره، وهو كذلك.
وقيل: يؤذن.
وظاهره: ولو كان ضابطًا تابعًا للبالغ، وهو كذلك، خلافًا للخمي، وزاد الجزولي: الحرية، فلا يصح من رقيق لنقصه. . انتهى. وهو خلاف ظاهر كلام المصنف.
وزاد ابن عرفة: كونه عالمًا بالوقت ليقتدى به.
стр. 482
[ما يندب للمؤذن: ]
وندب:
[١] متطهر، مالك: إذ إنه على الوضوء أفضل. وقول المدونة: (لا بأس أن يؤذن غير متوضئ) هو لما غيره خير منه، ومخالفة المستحب هنا مكروهة؛ لتفسير اللخمي قول ابن القاسم: (لا يؤذن جنب)، أي: بالكراهة بذلك.
وظاهر كلام المصنف: ولو كان خارج المسجد، وهو كذلك، نص عليه ابن قداح.
[٢] صَيِّت، لأنه أبلغ في الإسماع، لكن بغير تطريب، فإنه مكروه لمنافاته الخشوع والوقار.
ابن رشد: كأذان مصر.
والكراهة على بابها ما لم يتفاحش، فيحرم قاله ابن ناجي، وزاد ابن عرفة: كونه أفضل أهل الحي.
[٣] مرتفع، ولو بربوة (١).
[٤] قائم، لأنه هو وما يليه (٢) أبلغ في الإسماع، ومفهومه: جوازه جالسًا، رواه أبو الفرج، وقول المدونة: (لا يؤذن قاعدًا إلا من عذر، فيؤذن لنفسه إن كان مريضًا)، قال ابن ناجي: على طريق التحريم. . انتهى. وكذا وقع في بعض نسخ: (إلا لعذر).
[٥] مستقبل القبلة، إلا لإسماع، فيدور لأجله، ونحوه في المدونة، وظاهره: جواز الدوران ولو حال الأذان، وهو كذلك.
وقيل: بعد فراغ الكلمة.
وقيل غير ذلك.
стр. 483
[٦] وتندب حكايته لسامعه، فيقول كقوله، وفائدة ذلك قوله ﷺ : "إذا قال المؤذن: اللَّه أكبر اللَّه أكبر. فقال أحدكم: اللَّه أكبر اللَّه أكبر. . إلى آخره دخل الجنة" (١).
كذا في مسلم، وفيه أيضًا: "من قال حين يسمع المؤذن يؤذن: أشهد أن لا إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رضيت باللَّه ربًا، وبالإسلام دينًا، غفر له ذنوبه" (٢).
وظاهر قوله في الحديث الأول إلى آخره أن لا يقتصر في الحكاية على منتهى الشهادتين، لمنتهى الشهادتين فقط، فلا يحكى ما بعدها، وخيره ابن القاسم وأشهب.
وأشعر قوله: (لسامعه) أن من أخبر لم يندب له حكايته، وهو كذلك، وظاهر قوله: (لسامعه) حكايته، ولو تكرر المؤذنون، وهو أحد القولين.
والآخر: لا يحكى غير الأول، واختاره المغربي.
стр. 484
وظاهره أيضًا: أن المؤذن يحكي مؤذنًا آخر سمعه، وهو كذلك على أحد القولين حكاهما صاحب الحلل.
ابن ناجي: ولا أعرفهما نصًا.
وهل يحكي أذان نفسه أو لا؟ قاله في الذخيرة، وعن ابن القاسم في الكتاب: إذا انتهى المؤذن إلى آخر الأذان يحكيه إن شاء، وهذا الفرع أهمله أبو سعيد. . انتهى.
وربما أشعر قوله: (حكايته) أنه لا يحكي الإقامة، وهو كذلك، وفي مختصر الواضحة يحكي.
مثنى كالمؤذن لا مربع التكبير بما عند المخالف، وقال الشارح: يكرر الحاكي الشهادة مرتين، ولا يرجع كما يرجع المؤذن عند مالك، وقال ابن القاسم: يرجع.
ولو كان السامع متنفلًا لا مفترضًا على المشهور.
قال صاحب الطراز: يحكيه بعد فراغه، فإذا حكاه المتنفل على المشهور فلا يتجاوز الشهادتين، فإن تجاوزها ففي بطلان صلاته وعدمه قولان، واستظهر سند البطلان.
قال المصنف: وهو مقتضى المذهب.
تنبيه:
قال عبد الحق: الفرق بين المتنفل يحكي الأذان والمعتكف لا يصلي على جنازة، وفي كلا الموضعين إدخال عمل على عمل هو فيه: أن الجنازة الخطاب بها كفاية، والحكاية على الأعيان.
[٧] وندب أذان فذ إن سافر، مفهوم الشرط: لا يستحب أذان لفذ حاضر ببيته أو غنمه، وهو كذلك، واستحبه (١) مالك وابن حبيب لمن
لا جماعة لم تطلب غيرها، فلا يندب لأهل الزوايا والربط، على المختار من الخلاف عند اللخمي، ومقابله يندب.
[ما يجوز في الأذان: ]
ولما ذكر شروط صحته ومستحباته ذكر ما استوى طرفاه، فقال: وجاز:
[١] أعمى، أي: أذانه اتفاقًا، إذا كان متبعًا لغيره، أو لمعرفة من يوثق به في الوقت، وكان ابن أم مكتوم (١) يؤذن للنبي ﷺ ، وعدد مؤذنيه ﷺ خمسة، ونظمهم البرماوي (٢)، فقال:
стр. 488
لخير الورى خمس من الغر أذنوا ... بلال (١) ندي الصوت بدأ يعين
وعمرو الذي أم لمكتوم أمه ... وبالقرظي اذكر سعدهم (٢) إذ يبين
وأوس أبو محذورة، وبمكة زياد ... الصدائي نجل حارث (٣) يعلن
стр. 489
فائدة:
أول مؤذن في الإسلام بلال، ولم يؤذن لأحد بعد النبي ﷺ غير مرة لعمر حين دخل الشام، فبكى الناس بكاءً شديدًا، وروى أبو بكر بن أبي شيبة وابن عبد البر أنه أذن لأبي بكر إلى أن مات، ولم يؤذن لعمر (١).
[٢] وجاز تعدده، أي: المؤذن في مسجد واحد، ويشمل كلامه تعدده في غير المسجد: في حضر أو سفر، في بر أو بحر، ونحوه في التهذيب، ويحتمل جواز تعدد الأذان في مساجد بلد، ولو متقاربة، أو واحدة فوق أخرى، ولو كفى مؤذن المسجد الواحد في الإعلام، وهو كذلك.
أشهب: أذان أحد بمسجدين متلاصقين أو متقاربين، أو أحدهما فوق الآخر لا يكفي عنه في الآخر.
[٣] وجاز ترتبهم يؤذنون واحدًا بعد آخر، وطائفة بعد طائفة، ما لم يؤد لخروج الوقت، إلا المغرب فلا يؤذن لها إلا واحد أو جماعة في مرة واحدة؛ لاتحاد وقتها.
[٤] وجاز جمعهم فيؤذنون بزمن واحد، كل منهم على أذانه نفسه، فيبتدئ حيث انتهى، غير معتد بأذان صاحبه، قال في التوضيح: ذكر الشيخ أبو عبد اللَّه بن الحاج أن هذا هو الذي أجازه علماؤنا، ولم يجيزوا أن يذكر الجميع لفظه. . انتهى. وهذا مفهوم قوله هنا: (جمعهم كل على أذانه)، وقولهم: (لم يجيزوا) محتمل الكراهة، والمنع مفهوم عبارة المصنف.
[٥] وجاز إقامة غير من أذن، نحوه في المدونة، [٦] وحكايته قبله بأن يسبقه الحاكي بعد أن يسمع صوته أوّلًا، وظاهره كان بطيئًا في أذانه أو لا، كان الحاكي في ذكر أو صلاة، وهو كذلك.
стр. 490
[٧] وجاز أجرة عليه وحده على المشهور، يخرجها الإمام من بيت المال أو غيره من آحاد الناس، أو أخذها عليه مع الصلاة مفروضة تبعًا له، رواه ابن القاسم؛ لإن الإجارة على الصلاة وحدها مكروهة، وروى علي: أنه لا بأس بها على الفرض لا النفل.
[كراهة الأجرة على الصلاة وحدها: ]
وكره أخذ الأجرة عليها وحدها، وظاهره: فرضًا أو نفلًا؛ ففي جُعل المدونة وأجرتها: كره مالك الإجارة على الحج وعلى الإمامة في الفرض والنفل وفي قيام رمضان.
ابن القاسم: وهو عندي في المكتوبة أشد كراهية.
[كراهة السلام على المؤذن: ]
وكره سلام عليه، أي: المؤذن، كملب في حج أو عمرة، ونحوه في التهذيب، زاد: ولا يرد على من سلم عليهما.
وظاهره: ولو بإشارة، وهو كذلك على المشهور.
ابن محرز معناه: وإذا فرغ رد.
والفرق بين الأذان والصلاة: أن المصلي لما منع من الكلام شرعت له الإشارة بدلًا منه، والمؤذن غير (١) ممنوع منه، لا لذات الكلام، بل لما يحصل من فساد نظام الأذان، ولو رد لم يبطل أذانه؛ ليسارته، وإن كان مكروهًا.
[إقامة الراكب: ]
وكره إقامة راكب؛ لأنه ينزل بعدها ويعقل دابته ويصلح متاعه، وفيه طول فصل بينها وبين الصلاة، والسنة اتصالهما، قاله في الذخيرة، أو إقامة معيد ثانيًا لصلاته سواء أذن لها ثانيًا أم لا.
стр. 491
وظاهره أيضًا: سواء أعادها للكمال أو لبطلانها، وليس كذلك؛ لأن المكروه إعادتها للكمال، كما قال البساطي، كأذانه يحتمل كما يكره أذان معيد صلاته.
وظاهره: أذن لها أولًا أم لا، وهو كذلك، وهاتان صورتان، ويحتمل كلامه صورة ثالثة، وهي أذان معيد لأذانه ولم يصل ما أذن له، وفي هذا الاحتمال شيء، انظره في الكبير.
[ما يسن في الإقامة: ]
وتسن إقامة منفردة، أي: مفردة الجمل، فيقول كل جملة من ألفاظها مرة واحدة، ونَبَّه بذلك على مذهب المخالف، وسنيتها آكد من سنية الأذان، وثني تكبيرها الأول والآخر على المشهور؛ لعمل أهل المدينة، لفرض: متعلق بـ (تسن)، وسواء كان لجماعة أو مفرد، فلا تسن لسنة، ولو راتبة، كـ: الوتر، والعيدين.
ولما كان الإقامة للوقتية والفائتة قال: وإن قضاء، ولو متعددًا؛ فإنه يقيم لكل واحدة، ونحوه في المدونة.
تنبيهات:
الأول: قال أشهب: خروج الوقت بفعلها يسقطها.
الثاني: فهم من قوله: (مفردة) أنه لو شفعها غلطًا لم تجزئ، وهو المشهور، ففي المدونة: من أراد الأذان فأقام، أو الإقامة فأذن أعاد.
الثالث: سكت عن كونها موقوفة أو معربة، الأول كونها موقوفة لابن العربي، والثاني: معربة رواية المصريين، وللمسألة نظائر، ذكرناها منظومة في الكبير.
стр. 492
[الصلاة دون إقامة: ]
وصحت صلاة تاركها سهوًا، بل ولو تركت عمدًا، زاد في المدونة: وليستغفر اللَّه.
سؤال:
صرح مالك بعدم وجوب الإقامة، وقال: "يستغفر تاركها"، وطلب المغفرة لا يكون إلا في ترك واجب وارتكاب محرم.
وجوابه:
ليس الاستغفار لتركها، بل لذنب ارتكبه التارك، كان سببًا لذلك؛ لأن، فعل المعصية سبب لترك الطاعة ولفعل المعصية، ودليله قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ. . .﴾ الآية؛ فترك الطاعة سبب للمعصية، قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾ الآية، ففيها فعل المعصية يسبب ترك الطاعة.
[إقامة المرأة: ]
وإن أقامت المرأة لنفسها سرًا فحسن عند ابن القاسم، وهو المشهور، وقولنا: (لنفسها) لأنها لا تقيم للجماعة، ومقابل المشهور: تكره إقامتها.
وظاهر كلامه: أن غير المرأة لا يسرها.
[القيام للإقامة: ]
وليقم أمر بالقيام أريد الصلاة إمامًا أو غيره معها أوّلها أو أثنائها أو بعدها بقدر الطاقة؛ لأن من الناس الضعيف والقوي، وقول البساطي: "الظاهر عود ضمير (معها) لقوله: (قد قامت الصلاة) بدليل قوله: (أو
стр. 493
بعدها) " بعيد (١)، والقريب قوله: ويصح أن يرجع للإقامة، ولم يعلم من كلام المؤلف حكم الأمر بالقيام، إلا أن التخيير مؤذن بالجواز.
* * *
стр. 494
جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر
للشيخ العلامة والإمام الفهامة أبي عبد اللَّه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي المالكي
(٠٠٠ - ٩٤٢ هـ = ٠٠٠ - ١٥٣٥ م)
حققه وخرج أحاديثه الدكتور أبو الحسن، نوري حسن حامد المسلاتي
الجزء الثاني
دار ابن حزم
стр. 495
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
٤ - ٤٤٦ - ٤١٦ - ٦١٤ - ٩٧٨ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
البريد الألكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com