وظاهره أيضًا: سواء أعادها للكمال أو لبطلانها، وليس كذلك؛ لأن المكروه إعادتها للكمال، كما قال البساطي، كأذانه يحتمل كما يكره أذان معيد صلاته.
وظاهره: أذن لها أولًا أم لا، وهو كذلك، وهاتان صورتان، ويحتمل كلامه صورة ثالثة، وهي أذان معيد لأذانه ولم يصل ما أذن له، وفي هذا الاحتمال شيء، انظره في الكبير.
[ما يسن في الإقامة: ]
وتسن إقامة منفردة، أي: مفردة الجمل، فيقول كل جملة من ألفاظها مرة واحدة، ونَبَّه بذلك على مذهب المخالف، وسنيتها آكد من سنية الأذان، وثني تكبيرها الأول والآخر على المشهور؛ لعمل أهل المدينة، لفرض: متعلق بـ (تسن)، وسواء كان لجماعة أو مفرد، فلا تسن لسنة، ولو راتبة، كـ: الوتر، والعيدين.
ولما كان الإقامة للوقتية والفائتة قال: وإن قضاء، ولو متعددًا؛ فإنه يقيم لكل واحدة، ونحوه في المدونة.
تنبيهات:
الأول: قال أشهب: خروج الوقت بفعلها يسقطها.
الثاني: فهم من قوله: (مفردة) أنه لو شفعها غلطًا لم تجزئ، وهو المشهور، ففي المدونة: من أراد الأذان فأقام، أو الإقامة فأذن أعاد.
الثالث: سكت عن كونها موقوفة أو معربة، الأول كونها موقوفة لابن العربي، والثاني: معربة رواية المصريين، وللمسألة نظائر، ذكرناها منظومة في الكبير.
стр. 492
[الصلاة دون إقامة: ]
وصحت صلاة تاركها سهوًا، بل ولو تركت عمدًا، زاد في المدونة: وليستغفر اللَّه.
سؤال:
صرح مالك بعدم وجوب الإقامة، وقال: "يستغفر تاركها"، وطلب المغفرة لا يكون إلا في ترك واجب وارتكاب محرم.
وجوابه:
ليس الاستغفار لتركها، بل لذنب ارتكبه التارك، كان سببًا لذلك؛ لأن، فعل المعصية سبب لترك الطاعة ولفعل المعصية، ودليله قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ. . .﴾ الآية؛ فترك الطاعة سبب للمعصية، قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾ الآية، ففيها فعل المعصية يسبب ترك الطاعة.
[إقامة المرأة: ]
وإن أقامت المرأة لنفسها سرًا فحسن عند ابن القاسم، وهو المشهور، وقولنا: (لنفسها) لأنها لا تقيم للجماعة، ومقابل المشهور: تكره إقامتها.
وظاهر كلامه: أن غير المرأة لا يسرها.
[القيام للإقامة: ]
وليقم أمر بالقيام أريد الصلاة إمامًا أو غيره معها أوّلها أو أثنائها أو بعدها بقدر الطاقة؛ لأن من الناس الضعيف والقوي، وقول البساطي: "الظاهر عود ضمير (معها) لقوله: (قد قامت الصلاة) بدليل قوله: (أو
стр. 493
بعدها) " بعيد (١)، والقريب قوله: ويصح أن يرجع للإقامة، ولم يعلم من كلام المؤلف حكم الأمر بالقيام، إلا أن التخيير مؤذن بالجواز.
* * *
стр. 494
جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر
للشيخ العلامة والإمام الفهامة أبي عبد اللَّه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي المالكي
(٠٠٠ - ٩٤٢ هـ = ٠٠٠ - ١٥٣٥ م)
حققه وخرج أحاديثه الدكتور أبو الحسن، نوري حسن حامد المسلاتي
الجزء الثاني
دار ابن حزم
стр. 495
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
٤ - ٤٤٦ - ٤١٦ - ٦١٤ - ٩٧٨ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
البريد الألكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com
стр. 496
جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر
(٢)
стр. 497
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 498
فصل شروط صحة الصلاة
ذكر فيه شرطين من شروط الصلاة، وأتبع ذلك للأذان لأن الصلاة كما يتوقف الدخول فيها على دخول الوقت يتوقف على شروطها، وذكر أحكام الرعاف هنا لأنه من الخبث، ومثله لصاحب الجواهر وجماعة، وذكره ابن الحاجب في كتاب الطهارة لأنه من إزالة النجاسة.
فقال: شرط الصلاة فرضًا كانت أو نفلًا، وقتية أو فائتة، ذات ركوع وسجود كـ: الخمس، أو لا، كـ: الجنازة وسجود التلاوة:
[١] طهارة حدث أصغر أو أكبر، ترابية أو مائية، فالطهارة واجبة شرطًا ابتداءً قبل الدخول فيها وبعده حتى لو أحدث في أثنائها عمدًا أو سهوًا أو سبقه الحدث بطلت طهارته.
[٢] وشرط لها أيضًا طهارة خبث ابتداء دوامًا لـ:
- جسده.
- وثوبه.
- ومكانه.
стр. 499
وقول البساطي: (قدم الخلاف: هل هي واجبة مع الذكر والقدرة، أو سنة؟
قيل: وهو مناف لما هنا). انتهى.
وقدمنا في إزالة النجاسة ما يدفع ما أشار إليه من التنافي، وهو الذي تلخص من كلامه في الموضعين، أن في حكم إزالتها ثلاثة:
- واجبة غير شرط.
- واجبة شرط بقيد الذكر والقدرة فيهما.
- وسنة.
[الرعاف في الصلاة: ]
ثم فرع على شرطية طهارة الخبث بقوله: وإن رعف قبلها، أي: قبل دخوله فيها، ودام رعافه، أي: ظن دوامه بالعادة، ورجا انقطاعه آخر الصلاة لآخر الاختياري، وصلى بحيث يوقعها قبل انتهاء القامة الأولى في الظهر، أو قبل القامتين في العصر.
وقيل: ما لم يخف فوات الضروري.
واستظهره الشارح تبعًا لابن عبد السلام؛ لأن الراعف معذور، واقتصر المصنف على الأول؛ لقوله في توضيحه: ظاهر كلام ابن رشد أن الأول هو المذهب؛ لتصديره به، وعطفه الآخر بقيل.
وبهذا يندفع قول الشارح: (لم أر من صرح بمشهوريته)، وقولنا: (رجا انقطاعه) تحرزًا عما لو علم أنه لا ينقطع بأن يصلي على حاله ولا يؤخر؛ إذ لا فائدة في التأخير.
أو حصل له الرعاف فيها، أي: فى أثنائها، كانت فرض عين أو كفاية أو سنة؛ ولذا بالغ بقوله: وإن عيدًا أو جنازة، وظن دوامه، أي: الرعاف له، أي: آخر الوقت الاختياري في فرض العين وفى غيره؛ لخوف الفوات أتمها على حاله.
стр. 500
واعتمد المؤلف على إطلاق ابن يونس حيث لم يقيد بكونه فعل شيئًا منها أولا.
تنبيهان:
الأول: قول الشارح: (يشير به لقول أشهب: إن خاف أن يخرج لغسل الدم أن تفوته الجنازة وصلاة العيد، وكان لم يكبر للجنازة شيئًا، ولا عقد ركعة من العيد فليمض كما هو على صلاة العيد والجنازة، ولا ينصرف) مناف لقول المصنف: (أو فيها)، إلا أن يحمل على أنه لم يكبر شيئًا غير تكبيرة الإحرام.
الثاني: قررنا كلامه هنا على ظاهره، مع أن فعل الذي في توضيحه في هذه عن ابن عبد السلام: إن ظن دوامه لآخر الضروري، وفي الاختياري نظر.
وابن هارون قال: يمكن أن يجري هنا القولان اللذان فيما إذا أصابه الرعاف قبل دخوله في الصلاة. انتهى.
[شرط الإتمام: ]
وأشار لشرط الإتمام بقوله: إن لم يلطخ فرش مسجد من حصره أو بسطه.
وفهم منه أنه إن لطخه ولو بقطرة خرج ولا يتمها فيه، صرح به الشارح في الصغير، وفي الأوسط: إن خشي تلوث فرش المسجد أومأ.
وفهم من قوله: (فرش مسجد) أنه لو لم يكن فرش، بل كان محصبًا أو ترابًا أو كان في غير مسجد كبيته مثلًا أتمها، وهو كذلك، ذكره الشرمساحي.
[فعل من يخشى الأذى: ]
وأومأ مهموز الأخير جوازًا لخوف تأذية بحصول ضرر في جسمه من زيادة ضرر رعافه، فتنصب المواد للوجه، أو ضرر بعينه كالأرمد إذا سجد
стр. 501
اتفاقًا، أو لخوف تلطخ ثوبه اتفاقًا، كما في المقدمات، أو جوازًا على قول ابن حبيب، أو عدمه على قول ابن مسلمة عند غير ابن رشد.
وظاهر كلامه الإيماء لخوف أحد هذين الأمرين، والذي في الذخيرة: اختلف في تفسير الضرر الذي يومئ لأجله:
- محمد: معناه لا في جسمه.
- وقال غيره: بل معتاده.
ويتضرر بالتلوث، كما قلنا في الطين الخضخاض، يصلي فيه قائمًا؛ ليسلم من التلويث، والدم أقبح من الطين، والأول أقيس، فإن العجز عن إزالة النجاسة لا يسقط وجوب الركوع والسجود، كما قلنا في العجز عن الستر في العورة.
لا لخوف تلطخ جسده، فلا يجوز له الإيماء اتفاقًا؛ لعدم فساده، ويركع ويسجد، وأما الثوب فلإفساده بالغسل ولتضرر به، وحيث أومأ ففي المدونة للركوع من قيام والسجود من جلوس.
وإن لم يظن دوامه لآخر الاختياري ورشح يسيرًا بحيث لم يقطر ولم يسل فتله.
البساطي: ولم يدعه ينزل عليه. انتهى. وفيه شيء مع ما فسروا به الرشح.
[كيفية الفتل: ]
ثم الفتل يكون بأنامل يسراه الخمس العليا، فيجعل أنملة كل أصبع منها في أنفه، ويحركها لينزل الدم عليها، ويتمادى على صلاته وجوبًا.
تنبيه:
على ما قلنا حمل المؤلف قول مالك وابن نافع في المجموعة: وفتلها بأنامله الأربع، قائلًا: وإبهامه، لكنه أطلق لليد فيها، وخصه المصنف باليسرى لأنها هي المعدة لذلك. انتهى.
стр. 502
وفي المجهول: أنه باليمنى. وظاهره الاقتصار على يد واحدة.
وقال أبو الحسن الصغير: إِن تخضب عليا أنامل اليسرى انتقل إلى عليا أنامل اليمنى.
وظاهر كلامه: أنه يصلي وهو في أنامله، وروى مالك عن سعيد بن المسيب (١) وسالم بن عبد اللَّه (٢) أنهما كانا يمسحان ثم يمضيان على صلاتهما ولا يمسان ماء.
وظاهره أيضًا: إمامًا كان أو مأمومًا، وهو كذلك، قاله ابن رشد. وظاهره: كان المسجد محصبًا أو مفروشًا.
وفي الطراز: هذا الفتل إنما شرع في محصب غير مفروش حتى ينزل المفتول في خلل الحصباء، أما المفروش فيخرج من أول ما يسيل أو يقطر أحسن؛ لأنه ينجس الموضع.
[القدر المعفو عنه: ]
فإن زاد عن درهم بعد انتقاله للأنامل الوسطى قطع صلاته؛ لحصول المنافي، كذا في رواية ابن زياد، ولا يجوز له التمادي ولا البناء بعد غسل الدم، فالكثير في هذه الرواية ما زاد على درهم، وهو مخالف لما قدمه في المعفوات: أن اليسير ما دون الدرهم، فيتلخص من كلامه قولان في حد اليسير، ويحتمل أنهم وسعوا هنا خاصة في العفو؛ لأنه محل ضرورة،
стр. 503
وهذه هي الحالة الأولى من الحالات الثلاث التي ذكرها في توضيحه للراعف، حيث قال:
الأولى: لا يسيل ولا يسقط فلا يجوز له أن يخرج، وإن قطع أفسد عليه وعليهم إن كان إمامًا.
الحالة الثانية مما في توضيحه: وكأنه سقط فيها من الكتاب هنا كأن سال أو قطر.
يدل عليه ذكر الشرط، وهو قوله: كإن لطخه، والتشبيه في الساقط راجع لحكم القطع فقط، لا له ولما قبله، كقوله في توضيحه: والثانية: أن يقطر أو يسيل ويتلطخ به فلا يجوز له التمادي، وإن لم يقدر الساقط كما ذكرنا، وإلا فكما قال البساطي: اللَّه أعلم بصحة هذا الكلام.
ولما رأى المصنف أن تلوث المسجد كتلطخه قال: أو خشي تلوث مسجد، أي: تلطخه، والثاء الأخيرة مثلثة، وغاير بينهما تفننًا.
تنبيهان:
الأول: قول البساطي: (ليس في كلامه ما يدل على أن المراد زنة الدرهم أو مساحته) هو كذلك، ولعله إنما سكت عنه كغيره لذكرهم في المعفوات أن المراد المساحة.
والثاني: لما كان مفهوم الشرط لا يعلم منه التخيير بين القطع والتمادي صرح به، فقال: وإلا بأن سال أو قطر ولم يتلطخ به فله القطع، وله التمادي، وهي الحالة الثالثة التي قال في توضيحه: الثالثة: أن يسيل أو يقطر ولم يتلطخ به فيجوز له القطع والتمادي.
ولما اختلف قول مالك هل البناء أفضل أو القطع أشار لاختيار الأول بقوله: وإذا غسل الدم ندب له البناء؛ لأن عليه الصحابة والتابعين وجمهور أصحاب مالك، وأخذ ابن القاسم بقوله الآخر، وهو: القطع، ورجح بأنه الذي يوجبه القياس والنظر.
стр. 504
[كيفية الخروج للبناء: ]
وإذا بنى فيخرج ممسكًا أنفه من أعلاه؛ خشية إبقاء الدم فيه، وحكمه حكم الطاهر، قاله ابن هارون، ونظر فيه ابن عبد السلام بأن المحل محل ضرورة.
تنبيه:
لعل المؤلف أطلق تبعًا لابن عبد السلام، وعليه فلا يعتبر تقييد الشارحين ومن تبعهما بما قاله ابن هارون. ليغسل الدم وبنى على ما تقدم له.
[شروط البناء: ]
ولما كان للبناء أربعة شروط أشار لأحدها بقوله: إن لم يجاوز أقرب مكان ممكن قرب، فإن جاوزه بطلت صلاته للزيادة، وأتى بـ (أقرب) مع (قرب)؛ لصدقه على قريب غيره أقرب منه، وعلى بعيد غيره أبعد منه.
ولثانيها بقوله: ولم يستدبر قبلة بلا عذر، فإن استدبرها لغير عذر بطلت، وله لم تبطل، قاله ابن العربي وسند.
تذييل:
تردد بعض مشايخي في قيد العذر، هل هو خاص بما يليه فقط، أو عام فيه وفيما قبله؟ ويتجه حينئذ سؤال، وهو: لم قيدوا في هذا أو هذين، وأطلقوا فيما بعد؟
وللثالث بقوله: ولم يطأ نجاسة رطبًا أو قشبًا.
وللرابع بقوله: ولم يتكلم أي: فإن تكلم ولو سهوًا بطلت في العمد والجهل اتفاقًا، وفي السهو عند ابن حبيب.
وأشار للقول بعدم البطلان بـ (لو)، وظاهر كلامه: أنه لا فرق بين أن يكون الكلام في ذهابه أو عوده، وهو كذلك على المشهور.
стр. 505
تنكيت:
غفل البساطي عن كون (سهوًا) معطوفًا على المفهوم المثبت، كما قررنا، فقال: "
تنبيه:
لا يظهر لقوله: (سهوًا) معنى؛ لأنها شروط عدمية، مجموعها ملزوم للصحة، وضد أحدها ملزوم لعدم الصحة، والمبالغة أنها تكون في هذا". انتهى. فتأمله.
وإذا اجتمعت للراعف هذه الشروط بنى إن كان بجماعة: إمامًا أو مأمومًا عند مالك وجميع أصحابه.
[الإمام الراعف: ]
واستخلف الإمام، قال القرافي: اتفاقًا وصار المستخلف بفتح اللام إمامًا له، فيصلي معه ما أدرك من صلاته بعد غسل الدم، ويلغز بها، فيقال: رجل صلى بعض صلاته إمامًا، وبعضها مأمومًا، وصحت صلاته، واللَّه أعلم.
تنبيه:
لم يبين هنا حكم الاستخلاف، وهو: الاستحباب في غير الجمعة، والوجوب فيها.
[بناء الفذ: ]
ولما كان في مفهوم الشرط خلاف مشهور في الفذ بيَّنه بقوله: وفي بناء الفذ، وهو قول مالك وظاهر المدونة عند جماعة، وعدم بنائه فيقطع، وهو قول ابن حبيب، وشهره الباجي، خلاف.
منشؤه هل رخصة البناء لحرمة الصلاة المنع من إبطال العمل، أو لتحصيل فضل الجماعة؟
стр. 506
[مسألة: ]
وإذا بنى من له البناء لم يعتد بشيء مما فعله قبل الرعاف إلا بركعة كملت بسجدتيها على المشهور، فيعتد بها، ويبتدئ من أول التي تليهما، فيشرع في القراءة، ولا يرجع لمحل السجود.
وقال عبد الملك ومحمد: يبني على ما مضى، ولا يبتدئها.
وصوروا المسألة فيما إذا رعف في الثانية أو الثالثة بعد أن سجد منها سجدة، وأشاروا إلى أن سبب الخلاف تعارض مكروهين تفريق آخر الركعة والزيادة في أفعال الصلاة.
ابن رشد: وكذلك الخلاف إذا رعف في الأولى، هل يبتدئ من أول القراءة أو من حيث وقف. انتهى. ولذلك لم يفرق المصنف بين الركعة الأولى وغيرها.
[مسألة: ]
وإذا غسل الراعف المأموم الدم أتم صلاته غير الجمعة مكانه الذي غسله فيه الدم وجوبًا، إن ظن فراغ إمامه من صلاته، وأمكن الإتمام فيه، بأن يكون صالحًا للصلاة، وتصح صلاته أصاب ظنه أو أخطأ، وعلق الحكم على الظن لتعذر العلم بفعل الإمام غالبًا.
ومفهومه: لو شك لزمه الرجوع، وسيصرح به.
تنبيه:
لو قال كابن الحاجب: (فراغ الإمام)؛ ليدخل في ذلك الإمام الراعف إذا استخلف لكان أحسن، إلا أن يقال: لما استخلفه صار إمامًا له.
وإلا يمكن الإتمام فيه لعدم صلاحيته فالأقرب من الأمكنة إليه، أي: إلى مكان غسل الدم مما يصلح أن يتم فيه، ولا يرجع لموضع صلاته؛ لأنه زيادة عمل فيها.
وإلا بأن لم يتم مكانه مع ظنه فراغ إمامه أو مكان الإتمام فيه، وإلا
стр. 507
أتمها في المكان الأقرب، بل رجع لمكان الإمام، بطلت صلاته، أصاب ظنه في فراغ إمامه أو أخطأ.
فإن وجده لم يفرغ لأنه إذا ظن فراغه ورجع صار كمتعمد الزيادة في صلاته.
وظاهره: ولو كان بمسجد مكة أو المدينة، وهو كذلك على المشهور.
[مسألة: ]
ورجع لزومًا إن ظن بقاءه، أي: بقاء إمامه أو شك في بقائه ليتم باقي صلاته، ولو كان ظنه أو شكه أنه بتشهد، أي: فيه على المشهور، ولا يشترط رجوعه لمكانه الذي كان يصلي فيه أولًا، بل إلى حيث يصح الاقتداء.
وإنما لزمه الرجوع مع الشك لأن الأصل لزوم متابعة الإمام، فلا يخرج عنه إلا بعلم أو ظن.
[مسألة: ]
ورجع في الجمعة للجامع مطلقًا وجوبًا، لكن مع ظن بقائه اتفاقًا، ومع ظن فراغه على المشهور، وأحرى الشك، لأول الجامع؛ لأنه شرط في صحتها، ولا يكلف الرجوع لمكانه منه.
البساطي: الألف واللام للعهد، أي: لجامعه الذي كان فيه، ويقتضي أنه إذا أوقعها بجامع غيره بعد فراغ الإمام لم يصح، وهو المشهور، ولابن شعبان تصح. انتهى.
وانظر إذا كانت صلاته خارج المسجد الجامع بشرطه، هل يعود لموضعه أو للجامع؟
وإلا بأن لم يرجع مع ظنه أو شكه في المسألتين -أعني مسألة غير الجمعة ومسألة الجمعة- بطلتا، أي: الصلاتين.
وإعادة الشارح ضمير (بطلتا) لما إذا جاوز المكان القريب الممكن في
стр. 508
ال مسألة الأولى، ولما إذا لم يرجع للجامع في هذه، غير ظاهر.
[مسألة: ]
وهذا إذا كان صلى مع الإمام ركعة من الجمعة، ولذا قال: وإن لم يتم معه ركعة بسجدتيها في الجمعة ابتدأ ظهرًا بإحرام جديد بأي مكان كان، كما نص عليه في النوادر؛ بناءً على أن الجمعة لا تتعدد.
تنكيت:
قول البساطي: (ومن الظاهر أن هذا إذا لم يجد من يصلي معه جمعة أخرى بالبلد، وأما إن كان فيها جمع وظن أو شك في إدراك جمعة في غير ذلك المسجد أنه يجب عليه طلب ذلك) فيه نظر، نعم يتمشى ما قال على القول بتعددها.
[مسألة: ]
وسلم المأموم وانصرف إن رعف بعد سلام إمامه، وأجزأته صلاته، ونحوه في المدونة.
وظاهر كلام المؤلف: سواء كان في جمعة أو غيرها، وهو كذلك، وإن قصره في توضيحه على الجمعة.
[مسألة: ]
لا إن رعف قبله، أي: قبل سلام إمامه وبعد فراغه من التشهد، فإنه لا يسلم، بل يذهب لغسل الدم، ثم يرجع، ويتشهد، واللَّه تعالى أعلم.
تنبيهات:
الأول: لم يقع هذا الفرع في نسخة البساطي، فقال: مفهوم الشرط: أنه إذا رعف قبل سلام إمامه أنه لا يسلم حتى يخرج ويغسل الدم، ثم يعود للجامع، وهو كذلك. انتهى.
وكان ينبغي له أن يقول: إنه مأخوذ من مفهوم الظرف، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 509
الثاني: لا يعلم من كلامه هل يعيد التشهد أم لا، ونص التهذيب إعادته، كما ذكرنا، ومثله في النوادر.
الثالث: قول ابن عبد السلام: (معناه إن لم يكن تشهد أولًا، وأما لو تشهد فإنه يعيد أولًا، وأما لو تشهد فإنه يعيد دون تشهد)، ومتابعة المصنف له في توضيحه، تعقبه ابن عرفة بنصها، واللَّه تعالى أعلم.
الرابع: وجه إعادة التشهد أن حقه أن يتصل بالسلام، والتشهد السابق حصل بينه وبين السلام عمل كثير: خروجه للغسل ورجوعه، أزال حكمه، واحتاج لتشهد غيره؛ ليتصل بالسلام.
[لا بناءَ بغير الرعاف: ]
ولا يبني أحد بغيره، أي: غير الرعاف، كحدث وجرح؛ لأن الأصل عدمه مع المنافي، ورد البناء في الرعاف، وبقي ما عداه على أصله، ونبه به على خلاف بعض العلماء في البناء بغيره، كظنه رعافًا فخرج لغسله فظهر له نفيه، فلا يبني، و [لا] (١) تبطل صلاته، فالتشبيه في عدم البناء.
تنبيه:
محل البناء في الرعاف إن اتحد، وأما لو رعف وخرج وغسل الدم ورجع لصلاته ثم رعف ثانية لم يبن، وتبطل صلاته، ذكره ابن فرحون.
[من ذرعه القيء: ]
ومن ذرعه بالذال المعجمة، أي: غلبه وسبقه قيء، وهو في صلاته لم تبطل صلاته ويتمها على المشهور.
وظاهره: نجسًا كان أو طاهرًا، قليلًا كان أو كثيرًا، ومفهوم (ذرعه) أنه لو تعمده بطلت، وهو كذلك، وسيصرح بهذا المفهوم في السهو.
стр. 510
تنكيت:
تعقب الشارح كلام المؤلف بقول صاحب الطراز القيء النجس الخارج عن صفة الطعام، مبطل على المشهور، وإن لم يتعمد.
والظاهر: يختلف فيه المتعمد وغيره، وكان حقه أن يقول: وفي بطلان صلاة من ذرعه القيء خلاف.
[اجتماع البناء والقضاء: ]
ثم بين حكم ما إذا اجتمع البناء مع القضاء، فقال: وإذا اجتمع بناء -وهو: ما فات المسبوق بعد دخوله مع الإمام- وقضاء -وهو: ما يأتي به عوضًا عما فاته قبل دخوله معه- لراعف في رباعية كعشاء مثلًا أدرك الوسطيين منها مع الإمام، وفاتته الأولى، ثم رعف في الرابعة، وخرج لغسل الدم ففاتته، قدم البناء عند ابن القاسم، واقتصر عليه المصنف، فيأتي بركعة بأم القرآن سرًا، ويجلس؛ لأنها آخرة إمامه، وإن لم تكن ثانيته هو، ثم يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرًا؛ لأنها أولى الإمام، وتلقب بأم الجناحين؛ لوقوع القراءة بأم القرآن وسورة في طرفيها.
تتمة:
مثل الراعف الغافل والناعس والمزحوم ونحوهم، قال ابن عبد السلام: وعليه فلو قال لكراعف لكان أشمل، وعند سحنون يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرًا من غير جلوس، ثم بركعة بأم القرآن فقط.
[مسألة: ]
أو أدرك إحداهما، وتحته صورتان:
الأولى: أن تفوته الأولى والثانية ويدرك الثالثة، وتفوته الرابعة بالرعاف، فعند ابن القاسم يأتي بركعة بأم القرآن فقط ويجلس؛ لأنها ثانيته ورابعة الإمام، ومن سنة القضاء أن يقوم له من جلوس، ثم يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرًا ولا يجلس؛ لأنها ثالثته وأولى الإمام، ثم يأتي بركعة كذلك ويجلس للسلام، فالسورتان متأخرتان عكس الأصل؛ ولذا سماها
стр. 511
بعضهم: المقلوبة، وعلى قول سحنون يأتي بركعة بأم القرآن ويجلس؛ لأنها ثانيته، وإن كانت أولى إمامه، ثم بركعة بأم القرآن وسورة ولا يجلس، كذا في التوضيح، وفي البساطي: (ويجلس)؛ لأنها ثانية إمامه، ولو كانت ثالثته، ثم بركعة بأم القرآن سرا، فصلاته كلها جلوس (١).
والصورة الثانية: أن تفوته الأولى، ويدرك الثانية وتفوته الثالثة والرابعة، فعند ابن القاسم يأتي بركعة بأم القرآن فقط ويجلس؛ لأنها ثانيته ثم بركعة بأم القرآن فقط ويجلس؛ لأنها رابعة إمامه، ثم بركعة بأم القرآن وسورة ويجلس، فصلاته كلها جلوس، وتسمى ذات الجناحين (٢)، وعند سحنون يأتي بركعة بأم القرآن وسورة ويجلس؛ لأنها ثانيته، ثم بركعتين بأم القرآن فقط.
[مسألة: ]
أو أدرك من فرضه أربع ركعات ثانية من فرضه ركعتان، وفاته الأولى، وبقي عليه الثالثة والرابعة، كحاضر أدرك ثانية صلاة مسافر، وحكمها كالتي قبلها على القولين.
وفي بعض النسخ: (لحاضر)، أي: إذا اجتمع بناءً وقضاء لحاضر، واللَّه أعلم.
تنكيت:
قال البساطي: في كون هذه مما اجتمع فيه البناء والقضاء على ما فسروهما نظر، إلا أن يقال: البناء ما ينبني على المدرك، والقضاء ما انبنى عليه المدرك.
[مسألة: ]
أو أدرك حاضر ثانية مسافر خوف بحضر، قسم الإمام فيه الناس طائفتين، فأدرك شخص مع الطائفة الأولى الركعة الثانية، وانصرف معهم،
стр. 512
ففاتته الأولى قبل الدخول مع الإمام، وركعتان بعده، فعند ابن القاسم يأتي بركعة بأم القرآن فقط ويجلس؛ لأنها ثانيته تغليبًا لحكم نفسه، ثم بركعة بأم القرآن فقط ويجلس؛ لأنها آخرة إمامه ثم بركعة بأم القرآن وسورة ويجلس، وتصير صلاته كلها جلوسًا.
وعند سحنون يأتي بركعة بأم القرآن وسورة ويجلس؛ لأنها ثانيته، ثم بركعتين بأم القرآن فقط، كذا قرره شارحه، ولم يصورها في توضيحه، بل قال: هو ظاهر.
وقوله: قدم البناء يحتمل رجوعه للصورة الأخيرة، ويقدر مثله في الأربع قبلها، ويحتمل عكسه، ووجه تقديمه على القضاء انسحاب حكم المأمومية عليه، فكان أولى بالتقديم منه، وجلس من اجتمع له البناء والقضاء في آخرة ركعات الإمام، ولو لم تكن ثانيته، كما في الصورة الأولى إذا أدرك الوسطيين وفاتته الأولى والرابعة.
وتقدم عن سحنون أنه لا يجلس، وأشار لخلافه بـ (لو)، وهذه المسائل الخمس لم يدخل المأموم فيها مع الإمام ثانيًا، وبقى عليه صور أخرى يدخل معه فيها ثانيًا:
- منها: أن يدرك الأولى ثم يرعف، وتفوته الثانية والثالثة، ثم يدرك الرابعة.
قال بعض الأندلسيين: هما بناء. وأطلق عليهما في المدونة القضاء.
- ومنها: أن تفوته الأولى ويدرك الثانية، وتفوته الثالثة ويدرك الرابعة، فالأولى قضاء بلا إشكال، واختلف في الثالثة: فعلى مذهب الأندلسيين البناء، وعلى مذهب المدونة القضاء.
- ومنها: أن يدرك الأولى ويرعف في الثانية، ويدرك الثالثة وتفوته الرابعة، فلا إشكال أن الرابعة بناء، واختلف في الثانية على القولين، انظرهما في الكبير.
واختلف هل يقدم فيها البناء على القضاء، وهو قول ابن القاسم، أو
стр. 513
القضاء على البناء، وهو مذهب المدونة وقول سحنون، واللَّه أعلم.
* * *
[فصل ذكر فيه حكم العورة، وحدها، وصفة الساتر، وما يتعلق بذلك]
وسميت السوأتان عورة لأن كشفهما يوجب خللًا في حرمة مكشوفهما، والمرأة عورة؛ لأنها يتوقع من رؤيتها وسماع كلامها خلل في الدين والعرض، وليس المراد بالعورة المستقبح؛ لأن المرأة الجميلة تميل إليها النفوس، وبهذا يظهر أن المرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل في حكم الستر، وسائر مسائل العورة تخرج على هذا المعنى، قاله في الذخيرة.
[كيفية ستر العورة: ]
وافتتح المصنف الكلام بالاستفهام على لسان سائل، فقال: هل ستر عورته -أي: المصلي المفهوم من السياق في أول الفصل الذي قبله، حيث قال: شرط الصلاة- بكثيف بمثلثة بعد الكاف صفة لمحذوف، أي: ثوب غليظ، وخرج به الرقيق غير الساتر؛ فإنه كالعدم.
[الستر بإعارة ونحوها: ]
وإن حصل الكثيف بإعارة بغير طلب، قال في الذخيرة: ويلزمه قبوله؛ للقدرة على الساتر، كـ: الماء للتيمم، أو طلب باستعارة ونحوها.
[الاستتار بالنجس: ]
ولا فرق بين كون الاستتار بطاهر أو نجس وحده، إِنْ: لم يجد غيره، وهو ظاهر في نجس الذات، فالمتنجس أولى؛ ففي الذخيرة: أو وجد جلد كلب أو خنزير أو ميتة فظاهر المذهب التستر به في غير الصلاة، وعلى قول عبد الملك في عدم الانتفاع بالنجاسة لا يلبسه.
стр. 514
وإذا أبحنا له الحرير أو الجلد النجس وجبت الصلاة به؛ لأنه مأذون فيه.
كحرير يصلي به إذا لم يجد غيره على المشهور؛ لأنه إنما منع خوف الكبر أو السرف، وهما منتفيان عند الضرورة.
[المفاضلة بين الحرير والنجس: ]
وهو -أي: الحرير- مقدم على النجس مع اجتماعهما عند ابن القاسم؛ لأن تركه ليس من شروطها، بخلاف ترك النجاسة، فقدم لخفته.
أصبغ: يقدم النجس.
[حكم الستر: ]
شرط في صحة الصلاة إن ذكر وقدر، إن لم يكن بخلوة، بل وإن كان بخلوة كان في ضوء أو ظلام للصلاة، لا فرض في نفسه، خلافًا للتونسي.
ابن عطاء اللَّه: المعروف من المذهب أن ستر العورة المغلظة من واجباتها، وشرط فيها مع العلم والقدر. انتهى.
أو سترها واجب غير شرط، وهو ظاهر قول صاحب القبس وعبد الوهاب أنه ليس من شروطها في ذلك.
خلاف، وعلى الأول إذا صلى بادي العورة لم تصح، وعلى الثاني تصح، ويعصي، ويعيد في الوقت.
تنبيهات:
الأول: انظر هل القول الثاني قيد بما قيد به الأول من الذكر والقدرة أو لا.
الثاني: جعل الشارح في مقابلة الأول الوجوب والندب، كما قال ابن
стр. 515
بشير عن المذاكرات، وحكايته الوجوب والسنية عن القاضي إسماعيل (١) وابن بكير، واستظهاره لذلك يحتاج لتشهير ذلك، حتى يعادلا الأول، واللَّه أعلم.
الثالث: كشف بعض العورة ككلها، أبو عمر: لإجماعهم على إعادة كاشف بعض عورته عمدًا.
[اختلاف العورة من شخص لآخر: ]
ولما كانت العورة تختلف باعتبار بعض الأشخاص مع بعض بيَّن ذلك بقوله: وهي من رجل مع رجل ما بين سرة وركبة، ومن أمة مع رجل أو امرأة إن لم يكن في الأمة شائبة حرية، بل وإن كان بشائبة، ويشمل أم الولد والمكاتبة والمعتقة لأجل وبعضها والمدبرة ما بين سرة وركبة، ولا يدخلان.
تكميل:
إذا خشي من الأمة الفتنة وجب الستر؛ لدفعها، لا لأنها عورة، ومن امرأة حرة مع المرأة: ما بين سرة وركبة على المشهور، وبين خبر هي.
стр. 516
تنبيه:
ظاهر كلام المصنف أنه لا فرق بين المسلمة مع المسلمة أو مع الكافرة، وهو الذي صححه ابن العربي في الأحكام، وهي طريقة، وذكر القرطبي في سورة النور وابن عطية أن المسلمة لا يحل لها أن تكشف شيئًا من بدنها بين يدي المشركة، إلا أن تكون أمة لها.
[عورة الحرة مع الأجنبي: ]
وعورة الحرة مع رجل أجنبي جميعها. الباجي: ودلالها وقصتها، غير الوجه والكفين؛ فإنهما غير عورة بالنسبة إلى الصلاة، وأما تحريم النظر لهما منها فلخوف الفتنة، لا لكونهما عورة.
وانظر: هل المراعاة في كون ما ذكر عورة اتصاله، أو هو عورة ولو انفصل، كما يقوله الشافعية.
[ما يبطل صلاة المرأة من كشف العورة: ]
وأعادت حرة صلاتها:
[١] لصدرها، أي: لأجل كشفه.
[٢] وكشف أطرافها، كـ: ظهور قدميها وكوعيها وشعرها.
[وقت الإعادة: ]
بوقت، سواء كانت عامدة أو ناسية أو جاهلة.
تنبيهان:
الأول: ليس في هذا معارضة لما قدمنا عن أبي عمر، لأن عورة الحرة ضربان:
- مخففة، كهذا.
- ومغلظة، وهو ما عداه، فلو صلت مكشوفة البطن أعادت أبدًا، واللَّه أعلم.
стр. 517
الثاني: في قوله: (بوقت) إجمال؛ لأن المراد فيه الاصفرار في الظهرين، والليل كله في العشاءين، ولكنه تركه لوضوحه وللعلم به.
[حكم الإعادة: ]
ككشف أمة فخذًا، تشبيه في حكم الإعادة في الوقت.
[كشف الرجل فخذه: ]
لا رجل، فلا يعيد لكشف فخذه، والعرف أن عورتها أغلظ؛ ولذا اتفقوا على كون فخذها عورة.
[حد العورة مع المحرم: ]
واختلفوا في فخذه وعورة الحرة مع محرم لها من الرجال كابنها غير الوجه والأطراف، كـ: القدمين والكوعين وشعر الرأس ونحوهما، فهي دون العورة بالنسبة للأجنبي، وفوقها بالنسبة للمرأة.
[ما تراه الحرة من الأجنبي: ]
وترى الحرة من الرجل الأجنبي ما يراه الأجنبي من محرمه، وهو: الوجه والأطراف؛ إذ ليس هو عورة بالنسبة له، وإن كان عورة بالنسبة لغيره، وقرره البساطي على أن عورة الرجل الأجنبي بالنسبة للمرأة غير عورتها بالنسبة له؛ فعورتها بالنسبة له ما عدا الوجه والكفين، كما تقدم، وعورته بالنسبة لها ما عدا الوجه والأطراف، كما أن عورتها محرمة بالنسبة له، كذلك هي. انتهى. وله بحث هنا انظره.
[ما ترى الحرة من المحرم: ]
وترى الحرة من المحرم لها ما عدا ما بين السرة والركبة، كرجل مع رجل مثله، وجوز البساطي فيه الوجهين السابقين من كون المراد العورة أو النظر، وكون المراد العورة بعيد من لفظ المصنف لوجهين:
الأول: مخالفة الأسلوب.
والثاني: التكرار بالنسبة للثاني.
стр. 518
[تغطية الأمة الرأس: ]
ولا تطلب أمة قن أو ذات شائبة، كـ: مكاتبة ومدبرة ومعتق بعضها بتغطية رأس في صلاتها وجوبًا ولا ندبًا، فيجوز لها أن لا تغطيه كالرجل، وإذا صلت بغيره لم تعد، ويحتمل أن لا تطلب به إيجابا، فيندب لها، واختاره ابن الجلاب.
تنبيه:
ذكر هذين الاحتمالين شيوخ المدونة في قولها: (شأن الأمة أن تصلي بغير قناع)، وعادة المصنف ذكر تأويلين في مثل هذا.
[ستر العورة بخلوة: ]
وندب سترها -أي: العورة- بخلوة في غير الصلاة، وأجاز الشارح عود الضمير للأمة.
[من يندب له ستر العورة: ]
وندب لأم ولد ولحرة صغيرة تؤمر بالصلاة ستر واجب على الحرة البالغة، كقول المدونة: ومن تؤمر منهن بالصلاة في الستر كالحرة البالغة.
[مسألة: ]
وأعادت صغيرة صلاتها إن راهقت -أي: قاربت البلوغ- الظهرين للاصفرار ككبيرة بالغة تعيدهما أيضًا للاصفرار، إن تركا القناع، وترك تاء التأنيث من (تركا) جائز؛ لاتصال الفعل بضمير الغائبتين؛ لتعليلهم وجوب التأنيث في: (هند قامت) بتوهم أن ثم فاعلًا مذكرًا منتظرًا لو ترك التأنيث؛ إذ يجوز أن يقال حينئذ: (هند قام أبوها)، فلما فقد شرط الوجوب بقي الجواز، ولتصريحهم بأن المثنى فى هذا المفرد (١).
ومفهوم: (إن راهقت) أن من دونها لا يعيد، وهو ظاهر، وللبساطي هنا تعقب، انظره والكلام معه في الكبير.
стр. 519
[القياس على مسائل فيها الإعادة بالوقت: ]
ثم شبه في حكم الإعادة في الوقت مسائل، فقال:
[١] كمصل بحرير، أي: فيه، وإن لم ينفرد الحرير، بل كان لابسًا له مع غيره، أو غير لابس للغير، كثوب كتان مثلًا، بل وإن انفرد الحرير بالصلاة فيه، وبالغ عليه لأن فيه قولًا بالإعادة أبدًا، فهو أشد.
وقولنا: (فيه) تحرز عما لو كان حاملًا له بكمه أو جبته، فإنه لا إعادة عليه.
[٢] أو مصل بنجس أو متنجس، قال الشارح: يعيد فيها وفي التي قبلها. بغير -أي: بغير الحرير والنجس الذي صلي فيه أولًا- وجعله البساطي متعلقًا بهذه الثانية، أي: صلي بنجس لابسًا لغيره معه، ثم رجع لتقرير الشارح.
تنبيه:
فرقوا بين كون الإعادة هنا للاصفرار ولذي العذر للغروب بأن صلاة ذي العذر فرض، فلا تمنع في وقت من الأوقات، والمصلي بنجس يشبه النفل فلا يفعل وقت الاصفرار.
[٣] أو صلي بمتنجس بوجود -أي: مع وجود- مطهِّر يطهره به، وأمكنه ذلك مع اتساع الوقت.
ثم بالغ بقوله: وإن صلى بنجس أو بمتنجس وظن عدم صلاته التي صلاها، بأن نسيها، وصلى ثانيًا بطاهر؛ إذ مع وجود ما يطهر به ثوبه، وصلى ثانيًا، ثم ذكر أنه كان صلاها أولًا بنجس أو متنجس، فإنه يعيد؛ لأن الثانية لم تقع جائزة، ونحوه للشارح.
[صلاة العاجز عن الستر: ]
لا عاجز عن الستر بطاهر أو حرير أو نجس صلى عريانًا، ثم وجد
стр. 520
ثوبًا في الوقت، فلا يعيد عند ابن القاسم، سواء قلنا الستر غير شرط، أو شرط مع الذكر والقدرة.
ابن عرفة: ولم يحك ابن رشد غيره.
المازري: المذهب يعيد في الوقت، وتبعوه. انتهى.
وما تبعوه عليه خلاف ما درج عليه المصنف، وأشعر قوله: (صلى عريانًا) بأنه أكملها، وهو كذلك؛ لأنه لو وجد ما يستر به أثناءها لاستتر، وإلا أعاد في الوقت، ذكره ابن عرفة.
[انقضاء الوقت بالأداء: ]
كفائته صلاها بمتنجس أو حرير أو عريانًا، ثم وجد ما يطهر به، أو ثوبًا طاهرًا، فلا يعيد، لانقضاء وقتها بفراغها، فهو تشبيه لإفادة الحكم.
[الثوب يصف أو يشف: ]
وكره محدد يصف عورته لرفقته، أو خفيف يشف، وسراويل مثلًا، لا الرقيق الصفيق الذي لا يصف إلا بريح، فلا يكره.
ولا فرق فيما يصف بين الصلاة وغيرها، وليس ذكره لذلك فيها موجبًا للحصر فيها، وحكمه بالكراهة لا يعلم منه هل يعيد أو لا؟ ونص في توضيحه على الإعادة، وعزاه للنوادر.
[انتقاب المرأة: ]
وكره انتقاب امرأة في صلاتها؛ لأنه من الغلو ككفت كلم، أي: تشميره، وكفت شعر -أي: ضمه- لصلاة، راجع للثلاثة.
[التلثم: ]
وكره تلثم بمثلثة قبل الميم، وظاهره: ولو لامرأة، وهو كذلك، قاله مالك.
يقال: لثمت المرأة تلثم لثمًا، والتثمت وتلثمت، إذا شدت اللثام، واللثام بالثاء: ما كان على طرف الأنف من النقاب، وأما اللتم بالمثناة
стр. 521
فالطعن في النحر كاللبت.
[متى يجوز التلثم ؟ ]
وإن خشيت المرأة رؤية رجل سدلته، الكراهة فى الرجل إن لم يكن ذلك زيه، كالتكرور والمغاربة.
[الاطلاع على ما لا يحل لحاجة: ]
ككشف مشتر، أي: مريد شراء أمة - صدرًا أو ساقًا أو معصم، ونحوه في تبصرة اللخمي، وفي بعض النسخ: (مستر) بسين مهملة كمصل بإزار يسدل طرفه، ويكشف صدره، وفي بعضها (مسدل)، وللبساطي هنا كلام، انظره في الكبير.
[اشتمال الصماء: ]
وكره صماء -أي: اشتمالها- وهي اللبسة المسماة بها، ابن عرفة: وهي أن يشتمل بثوب يلقيه على منكبيه، مخرجًا يده اليسرى من تحته. انتهى.
وفي الصحاح والقاموس: أن يرد الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن، فيعطفهما جميعًا.
بستر -أي: معه- بإزار مثلًا، وإلا يكن اشتمالها مع ساتر منعت؛ لوجود كشف العورة حينئذ، ولم يحك ابن عرفة غير الكراهة.
[الاحتباء: ]
كاحتباء، ابن عرفة: وهو إدارة الجالس بظهره وركبتاه (١) إلى صدره بثوبه معتمدًا عليه. انتهى.
والتشبيه لإفادة الحكم فيما بعد، وإلا فهو ممنوع حيث لا ستر معه، وبه صرح اللخمي، وجوز البساطي كون التشبيه فيما قبل (إلا)، فيكون مكروهًا مع عدم الساتر.
стр. 522
وظاهره: لا كراهة مع وجوده، والفرق على هذا التقرير بينهما ظاهر، وأما إن تعلق بما بعد (إلا) فيقتضي أن الاحتباء كاشتمال الصماء في التحريم دون الكراهة عند من له خبرة بتراكيب الكلام، وظاهر كلامهم على المعنى الأول. انتهى.
[حكم من صلى بحرير: ]
وعصى ذكر وصحت صلاته إن لبس حريرًا فيها مع وجود غيره؛ إذ لبسه لخالصه حرام ولو لحكه أو في جهاد، خلافًا لابن حبيب في الأول، ولابن الماجشون في الثاني.
تنكيت:
قال ابن عرفة: نَقْلُ ابْنِ الحاجبِ عدمَ صحتِها لا أعرفه. انتهى. وربما دخل في قوله لبس افتراشه للصلاة؛ لأنه لبس، وإجازة ابن الماجشون افتراشه والاتكاء عليه خلاف قول مالك.
ابن عرفة: قول ابن العربي: (يجوز للزوج الجلوس عليه تبعًا لزوجته) لا أعرفه.
وقوله: (حرير) يحتمل جميعه، ويحتمل ولو بعضه. ابن عرفة: في كراهة ما سداه حرير ثالثها: يجوز الخز لا غيره، ورابعها: منعهما ابن رشد.
الخز: ما لحمته وبر الإبل. انتهى. وانظر فيه عزو الأقوال الأربعة.
[لبس الذهب: ]
أو لبس ذهبًا فيها خاتمًا أو غيره، والظاهر: أن بعض الثوب ذهب كالحرير.
فائدة:
جمع ابن مالك لغات الذهب في بيتين، فقال:
نضر نضار نضير زبرج سيرا ... وزخرف عسجد عقيان الذهب
والتبر ما لم يفده وأشركوا ذهبا ... وفضة في سبيك هكذا العرب (١)
стр. 523
[الصلاة بالمسروق والنظر لمحرم: ]
أو سرق أو غصب فيها، أو نظر محرمًا فيها أي محرم كان، وهو أحد قولين ذكرهما المازري، وحذف (فيها) من الثلاثة الأول لدلالة هذا الرابع.
ويدخل في كلام المصنف من نظر عورة نفسه أو عورة إمامه أو غيرها.
ابن عرفة عن ابن سحنون: من نظر عورة إمامه أو نفسه بطلت صلاته، بخلاف غيرهما، ما لم يشغله ذلك، أو يتلذذ به.
تنبيه:
إن جعل (١) كلامه على إطلاقه في نظر العورة خالف ابن سحنون في نظر عورة غيرهما، إلا أن يقيد بما ذكر، واللَّه تعالى أعلم.
[صلاة غير واجد سترا: ]
وإن لم يجد مريد الصلاة عريانًا إلا سترًا لأحد فرجيه فقط: قبل، أو دبر، فثالثها يخير في ستر أيهما شاء، وثانيها: ستر القبل؛ لأنه أفحش، وهما معًا في الكافي، والأولى: ستر الدبر؛ لأنه أسوأ عوارًا، خصوصًا عند الركوع والسجود، قاله الطرطوشي.
ويفهم من كلام الطرطوشي تقديم الدبر، ومن كلام صاحب الكافي القبل، واللَّه أعلم.
وقول ابن عرفة: (من وجد ساترًا لأحد عورتيه أو بعضها) شامل لصورة كل إحداهما أو بعضهما.
وظاهر كلام المصنف: ولو كان الساتر طينًا أو حشيشًا، وهو كذلك، حكاه الطرطوشي.
[العاجز عن الساتر: ]
ومن عجز عن ساتر طاهر أو غيره صلى عريانًا، قال في الإرشاد:
стр. 524
قائمًا راكعًا ساجدًا، فإن اجتمعوا، أي: العراة المفهومين من (عريانًا) للصلاة بظلام فكالمستورين، يصلون قيامًا مع تقديم إمامهم، يركعون ويسجدون، وإن كان معهم نساء كذلك صلين خلف الرجال كذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾.
وإلا بأن لم يكونوا في ظلام بل في نهار أو ليل مقمر تفرقوا -أي: تباعدوا- إن أمكن، بحيث لا ينظر بعضهم بعضًا، وصلوا أفذاذًا.
فإن لم يمكن تفرقهم لعدو أو سبع صلوا جماعة قيامًا غاضين أبصارهم، يحتمل ويركعون ويسجدون وإمامهم وسطهم في الصف على ما اختاره عبد الحق وغيره من الشيوخ، ويحتمل يومئون بالركوع، والسجود أخفض منه، وعليه قرره البساطي.
فائدة:
قال الجوهري: يقال: (جلست وسط القوم) بالتسكين؛ لأنه ظرف، و: (جلست وسط الدار) بالتحريك؛ لأنه اسم، وكل موضع يصلح فيه بين فهو وسط بالسكون، وإن لم يصلح فيه فوسط بالتحريك، وربما سكن، وليس بالوجه.
زاد في القاموس: أن التحريك والإسكان فيما هو مصمت كالحلقة، فإذا كانت أجزاؤه متباينة فالإسكان فقط.
[مسألة: ]
فإن علمت قنة في صلاة بعتق سابق على صلاتها أو في أثنائها، بأن سمعته من مالكها مثلًا، مكشوفة رأس أو وجد عريان ثوبًا بعد الدخول في الصلاة استترا، أي: كل منهما إن قرب من الساتر، بحيث لا يكون عليه في تناوله فعل كثير.
و(استترا): جواب الشرط، وأتى به مذكرًا تغليبًا.
وإلا بأن لم يستترا مع قرب الساتر أعادا بوقت؛ لوجوب الستر عليهما حينئذ، ولم يعد أبدًا؛ لدخولهما بوجه مشروع.
стр. 525
ومفهوم (إن قرب) يحتمل أنه إن بعد تمادى، ويحتمل قطع، وهما قولان حكاهما في توضيحه.
قال: فإن بعد، فقيل: يتمادى، ويعيد، وقيل: يقطع. انتهى. وفرضها كابن الحاجب في منكشفة الرأس؛ لأنه أحسن من قول غيرهما: إذا افتتحت الصلاة بما لا يجزئ الحرة من اللباس.
[اشتراك العراة في ثوب: ]
وإن كان لعراة ثوب مشترك بينهم بملك أو إجارة أو بإعارة صلوا فيه أفذاذًا، إذا فرغ أحدهم أخذه الآخر إن اتسع الوقت لقدرتهم على الستر، ولا يجمع بهم إمامهم ليلًا أو نهارًا، فإن تنازعوا في التقدم أو ضاق الوقت، فقال: الظاهر في ذلك عدم القرعة.
[مسألة: ]
وإن كان الثوب لأحدهم ندب له إعارتهم إذا كان فيه فضل عن ستر عورته.
ابن عرفة: لو كان فيه فضل ستر عورته ففي جبره على صلاتهم واستحبابه قولا ابن رشد واللخمي.
الطراز: إن لم يكن معه غيره استحب دفعه لغيره.
* * *
فصل ذكر فيه استقبال القبلة وما يتعلق به
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
والشطر لغة: النصف والجهة، والثاني هو المراد هنا، قالوا: نزلت بعد أن صلى رسول اللَّه ﷺ نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر
стр. 526
شهرًا، بعد وقعة بدر بشهرين أو ثلاثة (١).
[شرط استقبال القبلة: ]
وعطف المصنف هذا الشرط على الشروط السابقة، فقال: وشرط مع الأمن استقبال عين الكعبة (٢)، أي: ذاتها يقينًا بجميع بدنه لا جهتها لمن بمكة؛ لأن القدرة على اليقين تمنع من الاجتهاد، لكونه معرضًا للخطأ.
القرافي: اتفاقًا.
فإذا صف صف مع حائطه فصلاة الخارج ببدنه أو بعضه عنها باطلة؛ لأنه مأمور بأن يستقبلها بجملته، فإذا لم يحصل له ذلك استدار.
قال: وكذلك الصف الطويل، بل بقربها يصلون دائرة أو قوسًا، إن قصروا عن الدائرة. انتهى.
وخرج بـ (الأمن) المسايفة حين الالتحام، وفهم من قوله: (عين) أنه لا
стр. 527
يصلي في سرب أو مطمر تحتها، وهو كذلك، قاله في الطراز.
[العجز عن استقبال العين: ]
فإن شق على من بمكة استقبال عينها، كـ: شيخ كبير يحتاج لصعود سطح، أو مريض عاجز، أو مربوط، ونحوه، ففي جواز الاجتهاد منه في طلب العين ويسقط عنه طلب اليقين ومنعه نظرًا لأن القدرة على اليقين تمنع من الاجتهاد نظر، وأشار به لقول ابن شاس.
وقد تردد المتأخرون في ذلك، ونحوه لابن الحاجب، وتبعهما المصنف، وكان حقه بأن يحكيه ترددًا على اصطلاحه، وللبساطي هنا شيء، انظره في الكبير.
[استقبال جهتها: ]
وإلا يكن بمكة أو يكون بها وعجز فالأظهر عند ابن رشد -أي: الذي اقتصر عليه في مقدماته، لا أنه استظهره- طلب جهتها التي هي فيها، لا سمتها، خلاف لابن القصار (١).
[كيفية استقبال الجهة: ]
وعلى اعتبار الجهة لا يقتصر على قدر جهة من جهاته، بل كاستقبال أجزاء الدائرة المحيطة بمركزها، فإذا تخيلنا الكعبة مركزًا خرج منه خطوط مجتمعة الأطراف في المركز، فكلما بعدت اتسعت؛ فلذلك كان الصف الطويل مستقبلًا اجتهادًا لا يقينًا وقطعًا، واللَّه أعلم.
تنبيه:
أعرب البساطي (اجتهادًا) تمييزًا محولًا عن الفاعل، أي: ويحصل ذلك الاجتهاد.
قال: وأعربه الشارح حالًا، وليس بواضح. انتهى.
[دليل استقبال الجهة: ]
كأن نقضت -أي: الكعبة- ولم يبق لها أثر؛ فإنه يجتهد في طلب الجهة.
[حكم المخالفة: ]
وبطلت صلاته إن خالفها، أي: الجهة التي ظهرت له بالاجتهاد مع
стр. 530
ظهور علاماتها عمدًا، وان صادف القبلة في الجهة التي خالف إليها، ويعيد أبدًا.
قال في الطراز: لتركه الواجب، كما لو صلى ظانًا أنه محدث، ثم تبين أنه متطهر.
تنبيه:
ما قررنا به كلامه نحوه للشارح، وقرره الشارح على أنه عرف جهة القبلة وصلى لغيرها متعمدًا، ثم تبين له أنه صلى إليها فباطلة، ويعيد أبدًا.
[الاستقبال في النافلة: ]
ولما قدم حكم استقبالها في الفرض شرع في ذكره في النافلة بقوله: وصوب: مبتدأ، أي: جهة. سفر قصر لراكب دابة، وهذا يتعلق ببدل، وإن تقدم عليه؛ لأنه يغتفر في الجار والمجرور مثل ذلك، فقط إن لم يكن الراكب بمحمل، بل وإن كان بمحمل بفتح الميم الأولى وكسر الثانية وعكسه وسكون الحاء: ما يركب فيه من شقذف أو غيره، بدل: خبر عن صوب، أي: عوض عن توجهه للقبلة.
وبالغ على المحمل لئلا يتوهم أنه كالسفينة ابتداءً ودوامًا في صلاة نفل لا فرض.
البساطي: صوب من عطف الجمل، أي: شرط استقبال القبلة كذا.
وأبيح صوب وان كان النّفل وترًا، وبالغ عليه لئلا يتوهم خروجه عن النّفل، إن لم يسهل ابتداء النّفل، بأن لا تكون معقولة ولا واقفة، بل وإن سهل الابتداء لها، بأن كانت كذلك، خلافًا لابن حبيب في إيجابه الاستقبال حينئذ.
وخرج بـ (سفر القصر) ما دونه، وسفر المعصية؛ فلا يتنفل عليها فيه، وإن كانت للقبلة؛ قصرًا للرخصة على موردها، وخرج بـ (راكب) الماشي حال مشيه؛ لعمل السلف، وبقوله: (فقط) السفينة.