شهرًا، بعد وقعة بدر بشهرين أو ثلاثة (١).
[شرط استقبال القبلة: ]
وعطف المصنف هذا الشرط على الشروط السابقة، فقال: وشرط مع الأمن استقبال عين الكعبة (٢)، أي: ذاتها يقينًا بجميع بدنه لا جهتها لمن بمكة؛ لأن القدرة على اليقين تمنع من الاجتهاد، لكونه معرضًا للخطأ.
القرافي: اتفاقًا.
فإذا صف صف مع حائطه فصلاة الخارج ببدنه أو بعضه عنها باطلة؛ لأنه مأمور بأن يستقبلها بجملته، فإذا لم يحصل له ذلك استدار.
قال: وكذلك الصف الطويل، بل بقربها يصلون دائرة أو قوسًا، إن قصروا عن الدائرة. انتهى.
وخرج بـ (الأمن) المسايفة حين الالتحام، وفهم من قوله: (عين) أنه لا
стр. 527
يصلي في سرب أو مطمر تحتها، وهو كذلك، قاله في الطراز.
[العجز عن استقبال العين: ]
فإن شق على من بمكة استقبال عينها، كـ: شيخ كبير يحتاج لصعود سطح، أو مريض عاجز، أو مربوط، ونحوه، ففي جواز الاجتهاد منه في طلب العين ويسقط عنه طلب اليقين ومنعه نظرًا لأن القدرة على اليقين تمنع من الاجتهاد نظر، وأشار به لقول ابن شاس.
وقد تردد المتأخرون في ذلك، ونحوه لابن الحاجب، وتبعهما المصنف، وكان حقه بأن يحكيه ترددًا على اصطلاحه، وللبساطي هنا شيء، انظره في الكبير.
[استقبال جهتها: ]
وإلا يكن بمكة أو يكون بها وعجز فالأظهر عند ابن رشد -أي: الذي اقتصر عليه في مقدماته، لا أنه استظهره- طلب جهتها التي هي فيها، لا سمتها، خلاف لابن القصار (١).
[كيفية استقبال الجهة: ]
وعلى اعتبار الجهة لا يقتصر على قدر جهة من جهاته، بل كاستقبال أجزاء الدائرة المحيطة بمركزها، فإذا تخيلنا الكعبة مركزًا خرج منه خطوط مجتمعة الأطراف في المركز، فكلما بعدت اتسعت؛ فلذلك كان الصف الطويل مستقبلًا اجتهادًا لا يقينًا وقطعًا، واللَّه أعلم.
تنبيه:
أعرب البساطي (اجتهادًا) تمييزًا محولًا عن الفاعل، أي: ويحصل ذلك الاجتهاد.
قال: وأعربه الشارح حالًا، وليس بواضح. انتهى.
[دليل استقبال الجهة: ]
كأن نقضت -أي: الكعبة- ولم يبق لها أثر؛ فإنه يجتهد في طلب الجهة.
[حكم المخالفة: ]
وبطلت صلاته إن خالفها، أي: الجهة التي ظهرت له بالاجتهاد مع
стр. 530
ظهور علاماتها عمدًا، وان صادف القبلة في الجهة التي خالف إليها، ويعيد أبدًا.
قال في الطراز: لتركه الواجب، كما لو صلى ظانًا أنه محدث، ثم تبين أنه متطهر.
تنبيه:
ما قررنا به كلامه نحوه للشارح، وقرره الشارح على أنه عرف جهة القبلة وصلى لغيرها متعمدًا، ثم تبين له أنه صلى إليها فباطلة، ويعيد أبدًا.
[الاستقبال في النافلة: ]
ولما قدم حكم استقبالها في الفرض شرع في ذكره في النافلة بقوله: وصوب: مبتدأ، أي: جهة. سفر قصر لراكب دابة، وهذا يتعلق ببدل، وإن تقدم عليه؛ لأنه يغتفر في الجار والمجرور مثل ذلك، فقط إن لم يكن الراكب بمحمل، بل وإن كان بمحمل بفتح الميم الأولى وكسر الثانية وعكسه وسكون الحاء: ما يركب فيه من شقذف أو غيره، بدل: خبر عن صوب، أي: عوض عن توجهه للقبلة.
وبالغ على المحمل لئلا يتوهم أنه كالسفينة ابتداءً ودوامًا في صلاة نفل لا فرض.
البساطي: صوب من عطف الجمل، أي: شرط استقبال القبلة كذا.
وأبيح صوب وان كان النّفل وترًا، وبالغ عليه لئلا يتوهم خروجه عن النّفل، إن لم يسهل ابتداء النّفل، بأن لا تكون معقولة ولا واقفة، بل وإن سهل الابتداء لها، بأن كانت كذلك، خلافًا لابن حبيب في إيجابه الاستقبال حينئذ.
وخرج بـ (سفر القصر) ما دونه، وسفر المعصية؛ فلا يتنفل عليها فيه، وإن كانت للقبلة؛ قصرًا للرخصة على موردها، وخرج بـ (راكب) الماشي حال مشيه؛ لعمل السلف، وبقوله: (فقط) السفينة.
стр. 531
[الصلاة في السفينة: ]
ثم ذكر حكم الصلاة في السفينة، فقال: لا لراكب سفينة، فإن صوبها ليس قبلة، فلا يتنفل فيها إلا للقبلة، فيدور لجهة القبلة إذا دارت لغيرها.
تنبيه:
وقع في بعض النسخ هنا لفظة (معها)، فاختلف الشارحان في ضميره، فأعاده الشارح للسفينة، والبساطي للقبلة، أي: يدور مصاحبًا لها، كـ: (جاء زيد والنيل).
[شرط الدوران: ]
إن أمكن دورانه، وإلا يمكن دورانه فكالدابة، يصلي حيث توجهت، ولا يدور.
ابن القاسم: وتجزئه صلاته.
وهو المشهور.
[الفرق بين السفينة والدابة: ]
وأشار المصنف للفرق بين السفينة والدابة بإمكان الدوران وعدمه.
[سبب منع التنفل فيها: ]
ولما قدم أن التنفل لا يجوز في السفينة إلا إذا دار معها بشرطه، ذكر اختلاف شيوخ المدونة في فهم قولها: (لا يتنفل في السفينة إيماء، وحيث ما توجهت به مثل الدابة)، فقال: وهل محل منع التنفل في السفينة لغير القبلة إن أومأ، وأما إن ركع وسجد فحيث توجهت السفينة من غير دوران معها، وهو فهم ابن التبان (١) وأبي إبراهيم، أو منعه فيها لغير القبلة مطلقًا،
стр. 532
سواء صلى إيماء أو ركع وسجد، وهو فهم أبي محمد وابن هارون؟ تأويلان.
تنكيت:
تلخص مما نقلناه أن التأويلين على منع الإيماء في السفينة، وهو كذلك.
الشرمساحي: وفي التنفل في المركب لغير القبلة للضرورة قولان، وعلى الجواز لا بد أن يسجد، بخلاف الدابة، فإنه يومئ. انتهى.
فقول البساطي في تقرير تأويل ابن التبان في يومئ فاسد، فإنه قال: اختلف في قوله في السفينة يدور معها، هل هو إذا أومأ، وأما إن ركع وسجد فلا، وهو تأويل ابن التبان، أو مطلقًا، وهو قول أبي محمد.
ونحو ما قرره البساطي ما تبعه فيه بعض مشايخي.
стр. 533
[تقليد المجتهد غيره: ]
ولا يقلد مجتهد مجتهدًا غيره؛ لأن القدرة على الاجتهاد تمنع من التقليد، فالاجتهاد واجب.
[تقليد المحراب: ]
ولا يقلد مجتهد محرابًا ببلد خراب، ليس فيه أحد، كما قال ابن القصار، إلا محرابًا لمصر من الأمصار، فيقلده المجتهد.
وظاهره: ولو كان المصر خرابًا، والذي في توضيحه عن ابن القصار بعدما قدمناه عنه: والبلد العامر الذي تكون فيه الصلاة، ويعلم أن إمام المسلمين نصب محرابه، أو اجتمع أهل البلد على نصبه، فإن العالم والعامي يقلدونه؛ لأنه علم أنه لم يبن إلا بعد اجتهاد العلماء في ذلك. انتهى.
ومفهوم (مجتهد) أن العامي يقلد أيَّ محراب كان، وسيأتي، وانظر ما حكيناه عن الذخيرة في الكبير.
فائدة:
رأيت للعلامة الشهاب الأبشطي (١) الشافعي-﵀ المصر: كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، والقرية: عبارة عن مجمع الناس للإقامة والاستيطان.
[إذا كان المجتهد أعمى: ]
وإن كان المجتهد أعمى، وحيث لم يقلد سأل عن الأدلة التي يستدل بها على القبلة، وقلد غيره، أي: غير المجتهد من المقلدين، كـ: الأعمى العاجز.
стр. 534
[شروط المقلَّد: ]
[١] مكلفًا لا كافرًا ولا صبيًا؛ لعدم الوثوق من بخبرهما، وليس في كلامه ما يخرج الفاسق، فلو قال: (عدلًا)، بدل (مكلفًا) لكان أحسن.
[٢] عارفًا بطرق الاجتهاد، فلا يقلد الجاهل بها.
[تقليده المحراب: ]
أو قلد محرابا تقدم أي محراب كان، وظاهر كلامه التخيير.
[تعذر ما سبق: ]
فإن لم يجد غير المجتهد مجتهدًا يقلده، ولا محرابًا، فإنه يتخير جهة من الجهات ويصلي إليها، ويسقط عنه الطلب إذا فعل مقدوره، ولا تفريط عنده، قاله ابن عبد الحكم.
أو تخير -بالحاء المهملة- مجتهد، بأن خفيت عليه أدلة القبلة، كـ: محبوس ببيت مظلم، أو لسحاب، أو مطر، لا يمكن معه النظر في أدلتها، تخير -بالخاء المعجمة- جهة من الجهات الأربع، وصلى إليها صلاته مرة واحدة، قاله ابن عبد الحكم.
وصدر به المصنف لأنه قول الكافة، ثم ذكر قول ابن مسلمة الذي استحسنه ابن عبد الحكم بقوله: ولو صلى الصلاة الواحدة أربعًا -أي: أربع مرات- لكل جهة مرة احتياطًا لحسن (١)، أي: لكان مذهبا حسنا.
وأشار لاختيار اللخمي له بقوله: واختير، ولما لم يجزم به ابن الحكم قولًا، أتى باختيار اللخمي بصيغة الفعل، ويدخل في كلامه المجتهد تلتبس عليه الأدلة.
وقول البساطي عن ابن القصار: إنه يقلد المحراب، ليس كذلك، إنما
стр. 535
قال ابن القصار: إن صلى لا إعادة عليه.
[الخطأ في القبلة: ]
وان تبين لمصل خطأ في القبلة بصلاة -أي: فيها- بأن استدبر أو شرق أو غرب قطع غير أعمى وغير منحرف يسيرًا، فأما الأعمى المنحرف ولو مستدبرًا وغيره ممن انحرف يسيرًا فيستقبلانها، ويكملان صلاتهما، إذا كانا بغير مكة، وظاهر كلامه: سواء تبين الخطأ لمجتهد أو غيره.
وإن تبين خطأ في القبلة بعدها -أي: بعد فراغه منها- أعاد في الوقت المختار.
وفرق في الذخيرة بينها وبين التي قبلها بأن ظهور الخطأ في أثنائها كظهور الخطأ في الدليل قبل بت الحكم، فيجب الاستئناف إجماعًا، وبعدها كظهوره بعد بت الحكم، فلا يؤمر.
[حكم الناسي: ]
وهل يعيد الناسي، البساطي: نسي أنه مطلوب أن يستقبل في صلاته أبدًا؛ لتفريطه، وهو قول القابسي، وإليه ذهب ابن يونس، قائلًا: والرواية فيه كذلك.
ابن رشد: وهو الأصح.
وشهره ابن الحاجب، أو في الوقت، وقاله ابن رشد عن المشهور. خلاف.
[حكم الجاهل: ]
وسكت عن إعادة الجاهل، وفي كونها أبدًا وشهره ابن الحاجب، أو في الوقت: قولان، لابن الماجشون وابن حبيب، أو بأنها أحرى بالنسبة للناسي؛ لأن الجاهل في العبادة كالعامد.
[صلاة السنة في الكعبة: ]
وجازت سنة فيها، أي: الكعبة السابق ذكرها، كـ: الوتر، وأحرى
стр. 536
النافلة المؤكدة، كـ: الفجر؛ إذ هو رغيبة، وأحرى النافلة غير المؤكدة، وهو قول ابن عبد الحكم، وجعله في توضيحه مقابلًا للمشهور، والمشهور مذهب المدونة، ففيها: (لا يُصلَّى في الحجر ولا في الكعبة فريضة ولا ركعتا الطواف الواجب ولا الوتر ولا ركعتا الفجر، فأما غير ذلك فلا بأس)، ومشى هنا على خلافه.
[صلاتها في الحجر: ]
وجازت سنة في الحجر؛ لأنه جزء منها، لأن من لم يطف به بمنزلة من لم يطف بجميعها، لأي جهة، ظاهره: من جميع جهاتها، وعلى هذا تجوز الصلاة في البيت، ولو لجهة بابه مفتوحًا، وفي الحجر مستدبرًا للبيت، وهو في الثانية غير ظاهر؛ لأنه يصير حينئذ غير مستقبل لشيء من البيت.
وقول البساطي: (لأنه مستقبل بعضا منه على كل حال يدل على أن قوله: لأي جهة متعلق بالحجر)، وفيه ما قدمناه.
وقول الشارح: (ولو صلى لبابها) يدل على أن قوله: (لأي جهة) متعلق بالكعبة، ولو قدمه المصنف على قوله: (وفي الحجر) لاندفع ما قلنا.
وربما أشعر قوله: (في الحجر) بأنها إليه غير جائزة، ابن عرفة: اللخمي لا نص في الصلاة إليه.
فقيل: باطلة؛ لعدم القطع بأنه منه، والحق أن ستة أذرع منه تواتر.
وقول عياض: (المقصود استقبال بنائه لا بقعته، ولو كان البقعة لاتفقوا على أن استقبال الحجر يبطلها، ولو تيقن كونه منه). انتهى.
وظاهر كلام عياض الصحة فيما قابل الستة الأذرع.
[الفرض فيها: ]
لا فرض، فلا يجوز فيها، وإذا فعل في أحدهما فيعاد في الوقت عند مالك، والقياس أبدًا كابن حبيب.
стр. 537
[تأويل ما في المدونة: ]
وأُوِّل قول المدونة من صلى في الكعبة أعاد في الوقت بالنسيان؛ لتشبيهه لها بقولها: (كمن صلى لغير القبلة)، أي: وحكم من صلى لغيرها ناسيًا الإعادة في الوقت، وعامدًا أبدًا، وهذا فهم ابن يونس وجماعة، وبالإطلاق -أي: حملت عليه ناسيًا كان أو عامدًا، وهذا فهم عبد الوهاب واللخمي وابن عات.
والتشبيه في مطلق الإعادة؛ لأن المصلي داخلها مستقبل ضرورة.
[الصلاة على ظهر الكعبة: ]
وبطل فرض على ظهرها، فيعاد أبدًا على المشهور؛ بناءً على أن الأمر بالبناء، وظاهره: ولو كان بين يديه قطعة من [سطحها] (١)، وهو كذلك.
تنبيه:
لم يذكر ابن الحاجب بطلانها، وإنما قال: (والصلاة على ظهرها أشد).
فقال المؤلف: الأشدية على المشهور؛ لأنه هناك يعيد في الوقت، وهنا أبدًا.
ومفهوم (فرض) جواز النّفل، وهو كذلك على ما في الجلاب.
[صلاة الفرض ركوبًا: ]
كالراكب الصحيح الآمن اختيارًا، فيبطل فرضه، ويعيده أبدًا؛ ولذا قال: إلا لالتحام في قتال عدو، فيصح فرضه راكبًا، ولو لغيرها، وخرج بالالتحام صلاة القسمة في القتال؛ فإن الاستقبال شرط فيها.
أو لأجل خوف من شيء يفترسه كسبع وفهد وذئب إن نزل عن دابته،
стр. 538
فيصلي راكبًا إيماءً، وإن صلى لغيرها، أي: القبلة، وإن أمن المصلي على الدابة بشرطه أعاد الخائف صلاته بوقت.
ابن فرحون: الاختياري، بخلاف العدو.
تنبيه:
فرق الباجي بين السباع والعدو بأن خوف العدو متيقن بخلاف السبع ونحوه، ولو استوى تيقن الخوفين أو ظنهما لاستوى حكمهما.
وفرق عبد الحق بأن العدو مراده النفس، واللص مراده المال، والسباع ربما تفرقت وذهبت عنه، وربما قدر على الانحراف عن موضعها، ولا تتبعه، والعدو ليس كذلك غالبًا، فكان حكمه أشد.
وإلا لخضاض من الماء، وهو: الذي لا يغمره ولا يمنعه من السجود فيه والجلوس، إلا في إضرار ثيابه، لا يطيق النزول به، ويخشى خروج الوقت، فيودي فرضه راكبا للقبلة (١).
ومفهومه: أن من يطيق النزول به يلزمه أن ينزل، ويؤديها قائمًا، يومئ للسجود أخفض من الركوع، ونحوه في الرسالة، وأعاد الاستثناء لخوف اللبس بالفاصل، وهو الإعادة في الوقت.
أو إلا لمرض لا يطيق النزول معه عن الدابة للأرض، ويؤديها -أي: والحال أن يؤدي الفريضة- عليها -أي: على الدابة- في محمله كالأرض، فهما متساويان، وهو يشمل صورتين:
الأولى: إذا كانت الصلاة إيماء على الأرض وعلى الدابة.
стр. 543
والثانية: إذا كان يركع ويسجد عليهما، وحمله الشارح على الثانية، وأعربه حالًا؛ لأنها قيد فيما قبلها، فلو انتقت هذه الحالة لم يجز إيقاع الفرض على الدابة، ويحتمل أن يكون جملة استئنافية.
فلها -أي: للقبلة- بأن يوجه الدابة إليها، وفهم منه أنه لو كان أداؤه لها بالأرض أتم منه بالمحمل لتعينت بالأرض، وهو كذلك.
وفيها -أي: المدونة- كراهة الأخير، أي: فرض المريض المؤدي له على الدابة كالأرض، وانظر نص المدونة وتأويلها في الكبير.
* * *
فصل ذكر فيه فرائض الصلاة، وسننها
ومندوباتها، وما يتعلق بذلك.
[أولًا- فرائض الصلاة: ]
فقال: فرائض الصلاة ست عشرة فريضة:
الأولى: تكبيرة الإحرام لإمام وفذ ومأموم؛ لخبر: "تحريمها التكبير" (١)، أي: لا يدخل في حرمتها إلا به، وإضافة التكبير للإحرام يقتضي أنها غيره، وهو كذلك.
ابن العربي: الإحرام نية.
ابن يونس: ولا يحملها الإمام عن المأموم كما يحمل عنه الفاتحة؛ لأن الأصل عدم حملها، جاءت السنة بحمل الفاتحة، وبقي ما عداها على أصله.
стр. 547
فائدة:
قال ابن بشير في كتابه التحرير: أقوال الصلاة كلها ليست فرضًا، إلا ثلاثة:
- تكبيرة الإحرام.
- والفاتحة.
- والسلام.
وأفعالها كلها فرائض، إلا ثلاثة:
- رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام.
- والجلسة الوسطى.
- والتيامن عند السلام.
زاد في المقدمات: والاعتدال؛ فإنه مختلف فيه. انتهى. ونظمت المسائل الست، وزدت المسائل الخمس المختلف في فرضيتها وسنيتها، فقلت:
وأقوال الصلاة الفرض منها ... ثلاث ليس فيها ما يزاد
فإحرام سلام والمثاني ... لفذ والإمام كذا نفاد
وكل الفعل فرض لا ثلاث ... تيامنك السلام إذا يراد
ورفع يد مع الإحرام صفة ... لا وسط جلسة وفقًا أفادوا
وخذ خمسًا أتاك الخلف فيها ... بسنة أم بفرض تستفاد
طهارة بقعة ستر وثوب ... ورفع من ركوع لا يجاد
وفصل الاعتدال بين ركن ... وآخر فاحفظنها كي تساد
والفريضة الثانية: قيام لها، فلا يكبر جالسًا ولا راكعًا، وإن فعل لم يجزئه؛ للعمل.
إلا لمسبوق فتأويلان في وجوب قيامه لها وعدم وجوبه في فهم قول
стр. 548
المدونة: وإذا كبر للركوع ونوى به العقد أجزأه.
الباجي وابن بشير: التكبير له إنما هو حال الانحناء.
قالا: وهو ظاهر.
وقال غيرهما: معناها كبر قائمًا.
ابن المواز: لو كبر منحنيا لم تصح له تلك الركعة.
وشهره في التنبيهات، وكان ينبغي للمؤلف أن يذكر المشهور، وينبه على التأويلين.
سؤال:
ما الفرق بين صحة إيقاع الإحرام منحنيًا عند من حمل المدونة عليه، وعدم صحة إيقاع السلام قائمًا؟
الجواب:
إن الركوع يصدق عليه القيام لصحة وصفه بأنه قائم غير مستقيم القيام، والسلام لا يصدق عليه أنه أوقعه جالسًا.
[ما يقال للإحرام: ]
وإنما يجزئ للإحرام في الصلاة اللَّه كبر، وإن أعجميًا، لا: اللَّه أجل وأعظم، ولا: الأكبر، ولا: الكبير، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي وأبي يوسف، وإنما لم يجزئ للعمل، والمحل محل توقيف ولا يجزئ مرادفه من لغة أو لغتين، كـ: خذ، أي: أكبر، ولو أسقط حرفًا واحدًا لم يجزئه، ولو كان بلسانه عارض يمنع الراء لم يسقط عنه التكبير؛ لأن كلامه يعد تكبيرًا عند العرب، ولو كان مقطوع اللسان لا ينطق إلا بالباء سقط عنه.
[العجز عن الإحرام: ]
فإن عجز المصلي عن النطق بها مع قدرته على النطق بغيرها سقط عنه النطق بها.
стр. 549
قال الأبهري وعبد الوهاب: ويكتفي بالنية والعاجز عن النطق جهة تكفيه النية اتفاقًا.
والفريضة الثالثة: نية الصلاة المعينة، فيقصد عند الدخول فيها إيقاعها بعينها: ظهرًا أو عصرًا أو غيره؛ لأنها في الذمة كذلك، وأخرج به الفرض المطلق.
تنبيه:
ظاهر كلام المؤلف عدم افتقار كل جزء من أجزائها أو عدد من أعداد ركعاتها إلى نية، بل تنسحب النية على جميع أركانها حكمًا.
وقيل: يفتقر وجوبًا.
والقولان في المذهب، حكاهما ابن بزيزة (١). انتهى.
قال القرافي عن بعض الفضلاء: إن نوى الفريضة لزم أن لا يثاب على السنن والفضائل لعدم قصدها، وإن نواهما لزم نية الصلاة سننًا وفروضًا حتى يثاب على الجميع، وأنتم لا تقولون به.
وأجيب بأنه ينوي الفرض فيثاب على سننه وفضائله لاندراجهما في النية تبعًا؛ لأنه قد استقر أن لكل فرض خاص سنة خاصة، أي: وفضائل كذلك.
[التلفظ بالنية: ]
ولفظه -أي: تلفظه بما يقصده- واسع غير مضيق فيما يعبر به عنه، كذا قرره البساطي. انتهى. فلا فرق بين قوله: (أصلي الصبح) مثلًا، أو:
стр. 550
(أصلي فريضة الصبح)، أو: (أدائها).
وقال الشارح: الأولى عدم النطق به، فإن نطق لم يضر، وهو عين قوله: (ولفظه واسع). انتهى.
ونحو هذا قول بعض مشايخي: ينبغي أن يتلفظ بقصده، بأن يقول: نويت فرض الوقت مثلًا؛ لأن النية محلها القلب، فلا مدخل للسان فيها، فإن تلفظ فواسع، وقد خالف الأولى. انتهى.
ويحتمل إن ترك اللفظ في النية والإتيان به واسع، فهما متساويان.
[تخالفُ النية واللفظ: ]
وإن تخالفا -أي: نيته ولفظه- فالعقد، وهو: النية، تعتبر دون اللفظ، كـ: ناوٍ ظهرًا تلفظ بعصر مثلًا، قال في الإرشاد: الأحوط الإعادة.
[نقض النية: ]
والرفض -بأن يحدث ما ينافي نيته أولًا ويناقض جزمها، كـ: نيته الخروج في الحال أو أثنائه- مبطل، هذا كالصوم، بخلاف الوضوء والحج، وتقدم الفرق في الوضوء.
ثم شبه في البطلان، فقال: كسلام تيقن إيقاعه عقب اثنتين من رباعية مثلًا، وأتمها بنفل، أو ظنه -أي: السلام من اثنتين- فأتم بنفل فيهما، بطلت صلاته في الأولى، ومحل البطلان في الثانية إن طالت قراءته ولو لم يركع، أو ركع ولم يطل.
وإلا بأن انتفى ما تقدم بأن لم يتم بنفل في الأولى، ولم تطل قراءته، ولم يركع في الثانية، فلا تبطل، وفيه إجمال يأتي بيانه.
[مسائل لا تبطل الصلاة فيها: ]
ثم شبه في عدم الإبطال خمس مسائل، فقال:
[١] كأن لم يظنه -أي: السلام- من فرضه، بأن ظن أنه في نافلة من غير أن يعتقد السلام، فالمشهور الإجزاء، وعدمه صححه الجلاب.
стр. 551
[٢] أو عزبت النية، بأن غفل عنها بعد الإتيان بها في محلها، لم تبطل صلاته، وسواء كان عزوبها لأمر دنيوي تقدم صلاته، أو طرأ له فيها، وهو كذلك، خلافًا لابن العربي في إبطالها بدنيوي تقدمها.
[٣] أو لم ينو عدد الركعات على الأصح؛ لأن كل صلاة تستلزم عدد ركعاتها.
[٤، ٥] أو الأداء أو ضده، وهو: القضاء، لم تبطل إذا لم ينوهما، بل أطلق، لأن كونها وقتية يستلزم كونها أداء، وكونها فائتة يستلزم كونها قضاء.
وبما ذكرنا في صدر هذه المسائل الخمس يندفع قوله الشارح: لو قال: "كأن غربت" لكان أحسن؛ لأن المعنى: وإلا فلا تبطل صلاته، كأن عزبت نيته.
والفريضة الرابعة: نية اقتداء المأموم بصلاة إمامه، فان لم ينوه ولكن تابعه بغير نية بطلت صلاته.
قال ابن عبد السلام: كان بعض أشياخنا يقول: هذا الشرط لا بد منه، ولكنه لا يلزم التعرض إليه بما يدل عليه مطابقة؛ إذ هناك ما يدل عليه التزامًا، كـ: انتظار المأموم إمامه بالإحرام، ولو سئل حينئذ عن سبب الانتظار لأجاب بأنه مأموم، وما قاله ظاهر. انتهى.
وتخصيص المأموم مخرج للإمام، فلا تجب عليه نية الإمامة، وقد استثنوا من ذلك خمس مسائل ينوي الإمام فيها الإمامة، ستأتي في شروط الاقتداء.
تنبيه:
قال بعض مشايخي: قد أشكل على بعض مشايخنا الجمع بين هذا وذاك، لما قيل له: كيف تجعلون الاقتداء تارةً ركنًا، وتارةً شرطًا، والركن
стр. 552
داخل الماهية، والشرط خارجها؟ ! وأجاب بأنه: لا إشكال؛ لاختلاف الجهة، وذلك أن ركنيتها مأخوذة بالنسبة للصلاة، وشرطيتها بالنسبة للاقتداء، وهذا جلي من كلامهم. انتهى.
وفيه شيء، وقد يقال: إن المصنف أشار بما هنا وهناك إلى قولين بالركنية والشرطية.
[مسألة في الائتمام: ]
وجاز له -أي: للمأموم- دخول في الصلاة على ما أحرم به الأمام، ظاهره: العموم؛ لقول الطراز: إذا أحرم بما أحرم به إمامه.
قال أشهب: يجزئه.
اللخمي عن الموازية: أجاز أشهب في كتاب محمد أن يدخل على نية الإمام، وإن لم يعلم في أي صلاة هو، ومعتمد الجواز إهلال علي وأبي موسى ﵄ في حجة الوداع بما أهل به رسول اللَّه ﷺ ، ولنا في هذه المسألة بحث، وهو: أنه إن نوى حجًا مطلقًا صح وانصرف لفرض إجماعًا، ولا كذلك الصلاة، وأيضًا الإفراد في الحج أفضل عندنا، وعلمنا أنه ﷺ إنما يفعل الأفضل، وأيضًا المقيس عليه ذكر المصنف فيه قولين بغير ترجيح، وكان ينبغي أن يكون المقيس كذلك، وبقي هنا كلام، انظره في الكبير.
[مما تبطل به النية: ]
وبطلت نية بسبقها لتكبيرة الإحرام إن كثر السبق، فسبقها مضاف للفاعل، أي: تسبق هي، والمفعول محذوف، والا بأن لم يكثر السبق فخلاف في البطلان وعدمه، الأول لابن الجلاب وتلميذه عبد الوهاب، وعليه فيشترط مقارنة النية للتكبير، والثاني لابن رشد وابن عبد البر وابن عات، وهو ظاهر المذهب، وعليه فلا تشترط المقارنة.
تنبيه:
تلخص من كلامه أن للنية أحوالًا:
стр. 553
- مقارنتها، ولا إشكال فيه، قال المصنف: ومعناه أنه لا يجوز الفصل بين النية والتكبير، لا أنه يشترط أن تكون مصاحبة للتكبير.
- وتقدمها كثيرًا، وأطلق البطلان فيه كابن الحاجب، وقدره بعض مشايخي بعدم الاستصحاب، والخلاف في اليسير (١)، ولم يقيده المصنف بالاستصحاب، وقيده به ابن الحاجب.
قال المصنف: إذ الاستصحاب نية.
- وتأخرها، قال في توضيحه: ولا خلاف في عدم إجزائه.
والفريضة الخامسة: فاتحة، أي: قراءتها في الفرض دون غيرها من القرآن، خلافًا لأبي حنيفة، ودون قراءة جملة، خلافًا لابن زياد في قوله: من صلى ولم يقرأ لا إعادة عليه، ورواه عن مالك، وخلافًا لابن شبلون في
стр. 554
عدم فرضية الفاتحة؛ لقوله بسقوط فرضيتها لحمل الإمام لها، وهو لا يحمل فرضا، وأما قراءتها في النّفل فسنة على المشهور، نص عليه البرزلي.
فائدة:
سميت فاتحة لأنها فاتحة الكتاب، كتسمية مكة أم القرى؛ لأنها أصلها، وتسمى: سورة الحمد، والسبع المثاني، والصلاة، والوافية بالفاء، والواقية بالقاف، والكافية، والشافية، والأساس، وأم القرآن، فهذه عشرة أسماء.
وتسمى أيضًا: الكنز، والدعاء، وتعليم المسألة، والشفاء؛ لخبر: "هي شفاء لكل داء" (١).
وهي سبع آيات اتفاقًا، لكن بعضهم عد البسملة دون ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وبعضهم عكس.
[ما يشترط في قراءتها: ]
بحركة لسان، لا في نفسه دون حركته؛ إذ ليس بقراءة، بدليل جوازه للجنب.
وأفهم كلامه: أنه لو قطع لسانه أو كان أخرس لم تجب عليه القراءة في نفسه، وهو كذلك، خلافًا لأشهب.
стр. 555
قال في الطراز: والوجوب على إمام وفذ، لا مأموم؛ لخبرة "قراءة الإمام قراءة المأموم" (١)، ويحصل فرضها بحركة اللسان وإن لم يسمع نفسه، خلافًا للشافعية.
والفريضة السادسة: قيام لها -أي: للفاتحة- لا لنفسه في حق الإمام والفذ، فلو عجز عنه سقط، ولو قدر في أثنائها وجب، ولو عجز عن بعضها فهل يجلس ليكملها، أو يفعل ما يقدر عليه؟ خلاف (٢).
وقيل: القيام واجب مستقل.
وفائدة الخلاف إذا عجز عن الفاتحة وقدر عليه، وأما المأموم فلا يجب عليه قيام لها.
ابن يونس: لما جوزوا له ترك القراءة خلف الإمام جاز له ترك القيام.
стр. 556
[حكم تعلم الفاتحة: ]
وإذا قلنا بوجوبها في الصلاة فيجب تعلمها إن أمكن، بأن اتسع الوقت، وقبل التعلم، ووجد معلمًا، وإلا يمكن ذلك ائتم وجوبًا بمن يحسنها إن وجده على الأصح، فان صلى منفردًا مع إمكانه بطلت عند محمد وسحنون.
فرع:
لو سمعها في أثناء صلاته فحفظها، قال المازري: لا نص، ثم حكى عن ابن سحنون عن أبيه وبعض أصحابنا يتم صلاته، كعاجز عن القيام قدر عليه أثناءها.
[سقوطها والقيام لها: ]
فإن لم يمكنا أعاد الشارح ضميره لمن لا يجد من يعمله أو وجد وضاق الوقت أو لم يضق ولكن لم يقبل حينئذ ولم يمكن الإتمام لعدم من يقتدي به، فالمختار من الخلاف عن اللخمي سقوطهما، أي: الفاتحة والقيام لها السابق في قوله: (وقيام لها)، وهو ظاهر صنيعه في توضيحه.
وقال البساطي: حمل الشارح ضمير (يمكنا) على التعليم والائتمام، أي: وإن لم يمكن التعليم والائتمام، فقولان: السقوط لغير بدل، والسقوط لبدل، وهو ما تيسر من الذكر، واختار اللخمي الأول.
فيظهر من هذا التقرير أن ضمير سقوطهما للفاتحة وبدلها، أي: وهو الائتمام، وعلى هذا فكلامه قلق. انتهى. وانظر بقيته في الكبير.
تتمة:
قال ابن عرفة: لو أحصر عنها في أثنائها فرجًا عودها في الوقت أو بعده كمتقدم رجا رفع رعاف حدث فيها.
[بدل القراءة: ]
وندب لمن سقطت عنه القراءة فصل -أي: يقف وقوفًا ما- بين
стр. 557
ركني تكبيره وركوعه، ولا يعوض القراءة بمعناها في لغته اتفاقًا.
تنبيه:
ظاهر كلام المؤلف: أنه لا يستحب الذكر بدل القراءة، واختار اللخمي خلافه، وكأنه لم يقو عنده، فلم ينبه عليه، وإن قال بعض أئمتنا بوجوبه.
فرع:
قال أشهب: لو قرأ في صلاته شيئًا من التوراة والانجيل والزبور فقد أفسدها، وهو كالكلام، وكذا لو قرأ شعرًا فيه تسبيح وتحميد لم يجزئه.
[محل وجوب الفاتحة: ]
واختلف: هل تجب الفاتحة في كل ركعة، وشهره ابن شاس، وصححه في التلقين، وتبعه ابن الحاجب، وهو رأي جماعة، أو الوجوب في الجل، وهو لأبي عمر عن ابن القاسم، وشهره في الإرشاد، القرافي: وهو ظاهر المذهب؟ خلاف.
على أن المصنف في توضيحه ضعف الثاني، وفهم من قوله: (الجل) أن المتروك منه القراءة ثلاثية أو رباعية، وأنه لو تركها في ركعة من ثنائية أو في اثنتين من رباعية لم يكن الحكم كذلك، على أنه حكى في توضيحه في ذلك قولين عن ابن عطاء اللَّه:
- أشهرهما يتمادى، ويسجد قبل السلام، وهو مذهب المدونة.
- وثانيهما لأصبغ وابن عبد الحكم: يلغي ما ترك من القراءة، ويسجد بعد السلام.
стр. 558
[حكم ترك بعضها: ]
وإن ترك آية منها، ولم يمكنه تلافيها، سجد قبل سلامه، ولا تبطل (١).
стр. 559
والفريضة السابعة: ركلوع، وهو لغة: انحناء الظهر، وشرعًا: أقله أن ينحني، ويضع يديه على آخر فخذيه -بحيث تقرب راحتاه -وهما: بطنا كفيه، والجمع راح بغير تاء- فيه -أي: في انحنائه المفهوم من ركوع- من ركبتيه-، فما دونه لا يسمى ركوعًا شرعًا.
[أكمل الركوع: ]
وأشار لأكمله بقوله: وندب تمكينهما -أي: راحتيه- منهما -أي: ركبتيه- فلا يطبق، ويستحب نصبهما -أي: ركبتيه- بأن يقيمهما معتدلتين، قاله ابن فرحون، أي: فلا يبرزهما.
فقول البساطي: (يبرزهما قليلًا مستويتين؛ ليمكن وضع كفيه عليهما) غير ظاهر.
تنبيه:
لا ينكس رأسه بحيث يكون أعلى ظهره أخفض من أسفله، ولا عكسه، بل يجعله مستويًا؛ لخبر: "لا يذبح الرجل في الركوع كما يذبح الحمار" (١).
стр. 560
تذييل:
لو لم يضعهما على ركبتيه لم يسم ركوعًا، قاله الباجي، وأفتى أبو يوسف الزغبي (١) أحد شيوخ ابن ناجي بالبطلان، وحكى عن شيخه الغبريني (٢) الإجزاء، وأنه مستحب، وأنه كان يفتي به.
واختلف فتوى شيخه أبي محمد الشبيبي (٣) بالبطلان، ثم الصحة. انتهى. ومشى المصنف هنا على استحبابه.
والفريضة الثامنة: رفع منه -أي: من الركوع- فإن لم يرفع وجبت الإعادة على المشهور.
والفريضة التاسعة: سجود، وهو لغة: الانخفاض إلى الأرض على جبهته فيمس بها الأرض، أو ما اتصل بها، كـ: سرير.
تنبيه:
أطلق الجبهة وأراد بعضها، لقول عياض: لا يشترط تمكين جميعها، بل بعضها كاف. ومثله لابن عبد السلام.
[حكم السجود على الجبهة فقط: ]
وأعاد صلاته إن سجد على جبهته فقط، وإعادته لترك السجود على
فرع:
في الطراز: لو رفع من الركوع فسقط على جنبه وانقلب على جبهته أجزأه عند أبي حنيفة، خلافًا للشافعي، ويتخرج في المذهب على قولين، قياسًا على من قرأ السجدة، فأهوى إليها، فركع ساهيًا. انتهى.
وذكر القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ أن سجود بني إسرائيل كان على شق واحد. انتهى. وانظر سبب كونه كذلك في بقية كلامه (١).
стр. 563
[ما يسن في السجود: ]
وسن السجود على أطراف قدميه، فيباشر بأصابعهما الأرض، ويجعل كعبيه أعلى، واحترز به عن السجود على ظهورهما.
وسن على ركبتيه، قال ابن القصار: والذي يقوى في نفسي أنه سنة، ثم شبه في الحكم قوله: كيديه، أي: يسن السجود عليهما على الأصح، تعقبه الشارح بأنه لم يقف على الخلاف في هذه، فانظره في الكبير.
والفريضة العاشرة: رفع منه، أي: من السجود، قال في توضيحه: اتفاقًا، تبعًا للمازري؛ إذ لو لم يرفع منه فهو سجدة واحدة، وإن طال. انتهى.
وحكى الشارح السنية عن مالك، وحكى ابن عرفة الخلاف في الوجوب والسنية.
والفريضة الحادية عشرة: جلوس سلام، أي: لأجله بقدر ما يعتدل ويسلم، وأما بقية جلوس السلام فسنة على المشهور، وعبارته أحسن من قول غيره: (قدر السلام من الجلسة الأخيرة).
стр. 564
والفريضة الثانية عشرة: سلام إثر التشهد، فلا يقوم مقامه التكبير، خلافًا لابن شبلون.
[شرط صحة السلام: ]
وأشار لشرط إجزائه بقوله: عُرِّف بأل، فلا يجزئ ما عرف بالإضافة، كـ: سلامي، أو سلام اللَّه عليكم، ولا ما نكر على المشهور، ومقابله لابن شبلون، ولا ما نون مع التعريف، وهو كذلك على أحد قولين حكاهما الجزولي.
لا يقال: ظاهر كلام المصنف أنه يكفي السلام فقط، كما هو أحد قولين حكاهما الجزولي.
لأنا نقول: مراده السلام المعروف، وهو السلام عليكم.
تنبيه:
هذا اللفظ متعين، كان المصلي منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا، كان خلفه رجل أو امرأة فقط أو متعدد منهما أو من أحدهما، قاله الجزولي؛ إذ لا يخلو من مصحوب من الملائكة، وأقلهم الحفظة الذين لا يفارقونه.
وحكى الزناتي قولًا أنه بحسب المسلم عليه من أفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث، كما تقتضيه اللغة العربية.
[اشتراط الخروج به: ]
وفي اشتراط تجديد نية الخروج به منها كافتقار نية الإحرام لذلك، سند: وهو ظاهر المذهب. وعدم اشتراطه لانسحاب حكمها عليه، وشهره الفاكهاني في شرح الرسالة (١): خلاف.
стр. 565
[ما يجزئ فيه: ]
ولما كان الأصل الإتيان في تسليمه الرد بالسلام المتقدم مع إجزاء غيره، قال: وأجزأ في تسليمه الرد على الإمام، وعلى من على اليسار، سلام عليكم مرتبًا كالأول، لكن غير معرف، أو وعليك السلام بالتقديم والتأخير والإفراد.
والفريضة الثالثة عشرة: طمأنينة على الأصح عند ابن الحاجب، وهي رجوع الأعضاء على حالها قبل في جميع الأركان.
والفريضة الرابعة عشرة: ترتيب أداء، فيقدم الإحرام على القراءة، ثم هي على الركوع، ثم هو على السجود، وهو على السلام.
قال في المقدمات: إجماعًا.
والفريضة الخامسة عشرة: اعتدال في الفصل بين الأركان على الأصح؛ لأنه قد يطمئن غير معتدل، وقد يعتدل غير مطمئن، وقد يجتمعان، فإن لم يعتدل وجبت الإعادة.
والأكثر من أهل المذهب على نفيه، أي: نفي وجوب الاعتدال، وأنه للكمال؛ ولذا قال ابن القاسم فيمن لا يعتدل في رفعه من الركوع والسجود: أجزأه، واستغفر اللَّه، أي: لعدم إتمام أركانها على الهيئة التي وردت بها السنة.
لا يقال: كان ينبغي له أن يقدم هذه على التي قبلها؛ ليعود (على الأصح) لهما.