Полный текст (3 498 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
أنفه بوقت (١) ، وعليه دون جبهته أبدًا على المشهور. الحواشي
(١) قال الأجهوري: " (قوله): وأعاد لترك أنفه بوقت (ش) الراجح أن السجود على الأنف مستحب والإعادة مراعاة لمن يقول بوجوبه إذ المستحب لا تترتب الإعادة بتركه، كما يفيده كلامهم عند قوله وبمشغل عن فرض وعن بعيد في الوقت، (وقوله): بوقت، أي: اختياري كذا ينبغي؛ لأن السجود عليه مستحب على المشهور، وظاهر كلام (المص) هذا الحكم جار ولو ترك السجود عليه في سجدة واحدة من رباعية، (قوله): وسن على أطراف قدميه وركبتيه كيديه على الأصح، (ش) أشار بقوله وسن على أطراف قدميه وركبتيه لقول ابن القصار الذي يقوي في نفسي أن السجود على الركبتين وأطراف القدمين سنة. انتهى. وظاهره أنها سنة واحدة وكلام (المص) لا يأباه هذا، وقد تقرر أن البغداديين لا يفرقون بين السنة والمستحب فلا دلالة فيه للمصر، وأما الثالث فقال بعض الشارحين أشار به لقول سند: الأصح إعادة من ترك السجود على اليدين سنة، وقد يقال: بل فيه دلالة على ذلك لأن الأصل فيما يعاد لتركه من غير الفرائض إنما هو السنن وسيأتي وعن سنة يعيد في الوقت، أي: وإما عن مستحب فلا إعادة، ثم قال بعض الشارحين وفي الذخيرة ولو جلس بين السجدتين ولم يرفع يديه فالمشهور تجزيه. انتهى. وهو قول سحنون ويتخرج عليه سنية السجود عليها. انتهى.
وقوله: يتخرج عليه إلخ فيه نظر لكن مقتضي كلام (الشر) تسليم هذا التخرج.
وقول ابن عرفة: سمع يحيى قبض الساجد أصابعه على شيء أو لغير عذر عمدًا استغفر اللَّه منه ابن رشد إيجابه الاستغفار يدل على أنه سنة. انتهى. لا يدل على أن السجود على اليدين سنة بل على أن ترك قبض الأصابع سنة.
وكذا قول ابن عرفة ابن القاسم أرجو خفة ترك وضع يديه في سجوده لإمساكه عفان فرسه إن لم يجد بدًا ابن رشد هذا أحسن من سماع زياد ولا أحب له تعمده. انتهى. لا يدل على أن السجود عليها سنة أيضًا.
وقول شارح الرسالة في قول الرسالة: وتباشر بكفيك الأرض، أي: استحبابًا يدل على أن السجود عليهما مستحب وهو نحو قول ابن رشد ويكره ستر اليدين بالكمين من غير ضرورة حرًا وبردًا. انتهى.
والحاصل أنه ليس في هذه النصوص ما يفيد سنية السجود على اليدين فيه نظر، ثم إنه يفهم من كلام غير واحد أن قوله على الأصح راجع لقوله كيديه.
وفي (تت): وتعقب (الشر) على المص بأنه لم يقف على الخلاف في السجود على اليدين منصوصًا وإنما محرج على القولين ببطلان صلاة من لم يرفع يديه من السجدتين، وأقره البساطي فيه نظر؛ فإن العوفي ذكر الخلاف في ذلك، فقال: هل حكم اليدين في السجود حكم الوجه أو حكم الركبتين؟ والأكثر أن حكمها كالوجه. انتهى. =стр. 562
فرع:
في الطراز: لو رفع من الركوع فسقط على جنبه وانقلب على جبهته أجزأه عند أبي حنيفة، خلافًا للشافعي، ويتخرج في المذهب على قولين، قياسًا على من قرأ السجدة، فأهوى إليها، فركع ساهيًا. انتهى.
وذكر القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ أن سجود بني إسرائيل كان على شق واحد. انتهى. وانظر سبب كونه كذلك في بقية كلامه (١) . الحواشي
(١) قال القرطبي (١/ ٤٣٦، وما بعدها): "قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ هذه الآية تفسر معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١].
قال أبو عبيدة: المعنى زعزعناه فاستخرجناه من مكانه.
قال: وكل شيء قلعته فرميت به فقد نتقته.
وقيل: نتقناه رفعناه.
قال ابن الأعرابي: الناتق الرافع، والناتق الباسط، والناتق الفاتق. وامرأة ناتق ومنتاق: كثيرة الولد.
وقال القتبي: أخذ ذلك من نتق السقاء، وهو نفضه حتى تقتلع الزبدة منه.
قال: وقوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ قال: قلع من أصله.
واختلف في الطور، فقيل: الطور اسم للجبل الذي كلم اللَّه عليه موسى ﵇ وأنزل عليه فيه التوراة دون غيره، رواه ابن جريج عن ابن عباس. وروى الضحاك عنه: أن الطور ما أنبت من الجبال خاصة دون ما لم ينبت.
وقال مجاهد وقتادة: أي: جبل كان. إلا أن مجاهدًا قال: هو اسم لكل جبل بالسريانية، وقال أبو العالية. وقد مضى الكلام هل وقع في القرآن ألفاظ مفردة غير معربة من غير كلام في مقدمة الكتاب. والحمد للَّه. وزعم البكري أنه سمي بطور ابن =стр. 563
[ما يسن في السجود: ]
وسن السجود على أطراف قدميه، فيباشر بأصابعهما الأرض، ويجعل كعبيه أعلى، واحترز به عن السجود على ظهورهما.
وسن على ركبتيه، قال ابن القصار: والذي يقوى في نفسي أنه سنة، ثم شبه في الحكم قوله: كيديه، أي: يسن السجود عليهما على الأصح، تعقبه الشارح بأنه لم يقف على الخلاف في هذه، فانظره في الكبير.
والفريضة العاشرة: رفع منه، أي: من السجود، قال في توضيحه: اتفاقًا، تبعًا للمازري؛ إذ لو لم يرفع منه فهو سجدة واحدة، وإن طال. انتهى.
وحكى الشارح السنية عن مالك، وحكى ابن عرفة الخلاف في الوجوب والسنية.
والفريضة الحادية عشرة: جلوس سلام، أي: لأجله بقدر ما يعتدل ويسلم، وأما بقية جلوس السلام فسنة على المشهور، وعبارته أحسن من قول غيره: (قدر السلام من الجلسة الأخيرة).
الحواشي
(١) = إسماعيل ﵇، واللَّه تعالى أعلم.
القول في سبب رفع الطور:
وذلك أن موسى ﵇ لما جاء بني إسرائيل من عند اللَّه بالألواح فيها التوراة قال لهم: خذوها والتزموها. فقالوا: لا! إلا أن يكلمنا اللَّه بها كما كلمك. فصعقوا ثم أحيوا. فقال لهم: خذوها. فقالوا لا، فأمر اللَّه الملائكة فاقتلعت جبلا من جبال فلسطين طوله فرسخ في مثله، وكذلك كان عسكرهم، فجعل عليهم مثل الظلة، وأتوا ببحر من خلفهم، ونار من قبل وجوههم، وقيل لهم: خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل. فسجدوا توبة اللَّه وأخذوا التوراة بالميثاق. قال الطبري عن بعض العلماء: لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق. وكان سجودهم على شق، لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفًا، فلما ﵏ قالوا: لا سجدة أفضل من سجدة تقبلها اللَّه ورحم بها عباده، فأمروا سجودهم على شق واحد. قال ابن عطية: والذي لا يصح سواه أن اللَّه تعالى اخترع وقت سجودهم الإيمان في قلوبهم لا أنهم آمنوا كرهًا وقلوبهم غير مطمئنة بذلك".стр. 564
والفريضة الثانية عشرة: سلام إثر التشهد، فلا يقوم مقامه التكبير، خلافًا لابن شبلون.
[شرط صحة السلام: ]
وأشار لشرط إجزائه بقوله: عُرِّف بأل، فلا يجزئ ما عرف بالإضافة، كـ: سلامي، أو سلام اللَّه عليكم، ولا ما نكر على المشهور، ومقابله لابن شبلون، ولا ما نون مع التعريف، وهو كذلك على أحد قولين حكاهما الجزولي.
لا يقال: ظاهر كلام المصنف أنه يكفي السلام فقط، كما هو أحد قولين حكاهما الجزولي.
لأنا نقول: مراده السلام المعروف، وهو السلام عليكم.
تنبيه:
هذا اللفظ متعين، كان المصلي منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا، كان خلفه رجل أو امرأة فقط أو متعدد منهما أو من أحدهما، قاله الجزولي؛ إذ لا يخلو من مصحوب من الملائكة، وأقلهم الحفظة الذين لا يفارقونه.
وحكى الزناتي قولًا أنه بحسب المسلم عليه من أفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث، كما تقتضيه اللغة العربية.
[اشتراط الخروج به: ]
وفي اشتراط تجديد نية الخروج به منها كافتقار نية الإحرام لذلك، سند: وهو ظاهر المذهب. وعدم اشتراطه لانسحاب حكمها عليه، وشهره الفاكهاني في شرح الرسالة (١) : خلاف. الحواشي
(١) قال الأجهوري: " (قوله): وفي اشتراط نية الخروج به خلاف، (ش) أحدهما: أنه يشترط كافتقار تكبيرة الإحرام للنية، قال سند: وهو ظاهر المذهب، وثانيهما: عدم اشتراطها لانسحاب حكم النية في أول الصلاة عليه كانسحابها على بقية الأركان وشهره الفاكهاني في شرح الرسالة. انتهى. من (تت). =стр. 565
[ما يجزئ فيه: ]
ولما كان الأصل الإتيان في تسليمه الرد بالسلام المتقدم مع إجزاء غيره، قال: وأجزأ في تسليمه الرد على الإمام، وعلى من على اليسار، سلام عليكم مرتبًا كالأول، لكن غير معرف، أو وعليك السلام بالتقديم والتأخير والإفراد.
والفريضة الثالثة عشرة: طمأنينة على الأصح عند ابن الحاجب، وهي رجوع الأعضاء على حالها قبل في جميع الأركان.
والفريضة الرابعة عشرة: ترتيب أداء، فيقدم الإحرام على القراءة، ثم هي على الركوع، ثم هو على السجود، وهو على السلام.
قال في المقدمات: إجماعًا.
والفريضة الخامسة عشرة: اعتدال في الفصل بين الأركان على الأصح؛ لأنه قد يطمئن غير معتدل، وقد يعتدل غير مطمئن، وقد يجتمعان، فإن لم يعتدل وجبت الإعادة.
والأكثر من أهل المذهب على نفيه، أي: نفي وجوب الاعتدال، وأنه للكمال؛ ولذا قال ابن القاسم فيمن لا يعتدل في رفعه من الركوع والسجود: أجزأه، واستغفر اللَّه، أي: لعدم إتمام أركانها على الهيئة التي وردت بها السنة.
لا يقال: كان ينبغي له أن يقدم هذه على التي قبلها؛ ليعود (على الأصح) لهما.
الحواشي
(١) = قلت: كلام ابن عرفة يفيد أن الثاني هو المعتمد فإنه قال: وفي استحباب نية الخروج ولزومها قولًا المتأخرين وعزاهما ابن العربي للمعروف من المذهب وابن حبيب عن ابن الماجشون ولم يحك ابن رشد غير الأول. انتهى.
فرع: لو خرج من الظهر بنية العصر ففي بطلان صلاته قولان أصحهما البطلان انتهى.
أي: إن كان عمدًا أو إن كان سهوًا سجد للسهو وآتى بغيره".стр. 566
لأنَّا نقول: لو فعله لتوهم أن قوله: (والأكثر على نفيه) راجع للوجوب فيهما، وليس كذلك.
وأيضًا أخره لينبه على مقابل الأكثر هنا دون الأول؛ لأن الأكثر مظنة الشهرة.
وعد صاحب الجلاب الفرائض عشرة، وعدها عياض في قواعده عشرين.
والفريضة السادسة عشرة: يحتمل أنها:
- ترك الكلام.
- ونيته الخروج منها لسلام.
- أو الخشوع.
والأول أولى؛ للاتفاق على أن عمده لغير ضرورة مبطل، وعده العوفي من الشروط، وفيه تفصيل يطول ذكره، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، ويليه الثاني؛ لأنه أحد القولين المشهورين، وأما الثالث فالظاهر عدم فرضيته، وعلى القول بفرضيته لا تبطل الصلاة بعدمه، وإنما ينقص أجرها.
تتمة:
عد بعضهم فرائضها عشرين، فقال: عشرة متفق عليها في المذهب وغيره:
[١] الطهارة من الحدث.
[٢] ومعرفة دخول الوقت.
[٣] والنية.
[٤] والقيام للفرض.
[٥] والتوجه للقبلة.
стр. 567
[٦] والركوع.
[٧] والسجود.
[٨] والرفع منه.
[٩] وقدر ما يوقع فيه السلام من الجلوس الأخير.
[١٠] وترك الكلام.
وثلاث متفق عليها في المذهب:
[١] تكبيرة الإحرام.
[٢] وقراءة أم القرآن.
[٣] والسلام.
وتسع مختلف فيها في المذهب وغيره:
[١] طهارة الثوب.
[٢] والبدن.
[٣] والبقعة.
[٤] وستر العورة.
[٥] وترك الكلام (١) .
[٦] ورفع الرأس من الركوع.
[٧] والاعتدال في الفصل بين أركانها.
[٨] واستصحاب النية.
[٩] والخشوع فيها (٢) . الحواشي
(١) مكرر.(٢) كذا في سائر النسخ، وعد هذه الفرائض تسع، إلا إذا عددنا طهارة البدن وطهارة الثوب وطهارة المكان فرضًا واحدًا، واللَّه أعلم.стр. 568
تنبيه:
إنما اقتصر المصنف على الستة عشر المذكورة في كلامه لأنها أركان داخل الماهية، ولم يذكر الأربعة: الطهارة والاستقبال وستر العورة ومعرفة دخول الوقت لأنها شروط خارج الماهية، وذكرها في محالها، وإنما لم يذكر الخشوع وإن كان داخل الماهية للخلاف في فرضيته، والظاهر أن المذهب عنده عدمها، أو لأنه وإن كان فرضًا فالصلاة لا يبطلها عدمه، وإنما ينقص أجرها، واللَّه تعالى أعلم.
فائدة:
قال الشهاب القرافي: لفظ: (واللَّه أعلم) لا ينبغي أن توضع هي ونحوها إلا وينوي بها ذكر اللَّه تعالى، فإن استعمال ألفاظ الأذكار لا على وجه الذكر والتعظيم قلة أدب مع اللَّه، منهي عنه، بل ينوي معناها التي وضعت له لغةً وشرعًا. انتهى. واللَّه أعلم.
* * *
стр. 569
[سنن الصلاة]
وسننها -أي: الصلاة المفروضة-:
- سورة بعد الفاتحة لغير مؤتم في الركعة الأولى مرة، وفي الركعة الثانية مرة، ثنائية كانت الصلاة أو ثلاثية أو رباعية، حضرية أو سفرية، واعتمد هنا قوله في توضيحه: (ظاهر كلامهم أن السنة قراءة السورة؛ لأن كمالها سنة خفيفة)، على أنه قال قبله: (الظاهر: أن كمالها فضيلة، والسنية قراءة شيء مع الفاتحة)، بدليل أن السجود إنما هو دائر مع ما زاد على الفاتحة، لا على السورة، كما صرح به صاحب الإرشاد.
ومفهوم سورة: الاقتصار عليها، فلا يقرأ سورتين فأكثر، وإن جاز، وهو كذلك، بل هو الأفضل؛ للعمل.
وفهم من قوله: (سورة) أنه لو أعاد الفاتحة لم تحصل السنة، وهو كذلك، فيعيدها بعدها، ومن التقييد بالأولى والثانية أنها لا تسن في غيرهما، وهو كذلك.
وفهم منه أيضًا: أنه لو تركها في الأوليين لا يقرؤها في الأخريين، وهو كذلك.
تنبيهات:
الأول: ظاهر كلامه حصول السنة، ولو كرر السورة الأولى في الثانية، وقد ذكر ابن عرفة كراهته.
стр. 570
الثاني: عدل عن قول ابن الحاجب في الأوليين ليدخل ما ليس له أخريان، كـ: الصبح والجمعة والمقصورة، واللَّه أعلم.
الثالث: قيدنا الصلاة بالمفروضة لتخرج السنة والتطوع، فإن السورة ليست فيهما سنة؛ ولذا تعقب ابن عرفة ابن الحاجب تبعًا لابن شاس أن السورة سنة في السنة والنافلة، قائلًا: لا أعرفه.
والسنة الثانية: قيام لها، أي: للسورة، فهو مطلوب لغيره لا لنفسه.
والسنة الثالثة جهرًا، فله أن يسمع نفسه ومن يليه إذا أنصت له، والمرأة دونه في ذلك، ويرفع الإمام صوته ما أمكنه ليسمع الجماعة.
والسنة الرابعة سرًا أعلاه أن يسمع نفسه فقط، وأقله أن يحرك لسانه بالقراءة من غير أن يسمع نفسه، فإن لم يحرك لم يجزئه ذلك.
الطراز: السر ما لم يسمع بإذن أصلًا؛ لأن ذلك لتصحيح الحروف؛ إذ القراءة فعل اللسان؛ لأنها عبارة عن جمع الحروف باللسان؛ لأنها أخذت من القراءة، وهو الجمع، والإسماع زائد على أصل الكلام؛ لتحقق ثمرة الكلام، وهو الإفهام.
وعلى هذا الأصل يجري كل ما تعلق بالنطق، كـ: الطلاق، والعتاق، والاستثناء، وغيره.
وقال الهندواني (١) من الحنفية: السر أن يسمع نفسه؛ إذ مجرد حركة الحواشي
(١) قال في طبقات الحنفية (٢/ ٦٨): "ومحمد بن عبد اللَّه بن محمد أبو جعفر الهندواني البلخي الحنفي يقال له لكماله في الفقه: أبو حنيفة الصغير يروى عن محمد بن عقيل وغيره وتفقه على أبي بكر بن محمد بن أبي سعيد وأخذ عنه جماعة، عاش اثنتين وستين سنة وكان من الأعلام، توفي ببخارى في ذي الحجة سنة اثنتين وستين وثلاثمائة.
ومحمد بن عبد الرحمن بن علي بن أبي الحسن الومردي المعروف بشمس الدين بن الصائغ سمع الحديث بمصر والشام وبرع ودرَّس وأفاد، وصنف فأجاد فمن ذلك التعليقة في المسائل الدقيقة ومجمع الفرائد ومنغ الفوائد سبع عشرة مجلدة، والمباني =стр. 571
اللسان لا تسمى قراءة بدون الصوت، بل هي حمحمة ودندنة. انتهى.
ونحوه في أذكار النووي رحمهما اللَّه تعالى.
بمحلهما -أي: كل منهما بمحله- فيجهر بالصبح والجمعة، وأولتي المغرب والعشاء والشفع والوتر ونوافل الليل.
والسنة الخامسة: كل تكبيرة واحدة من جميع تكبيرات الصلاة، إلا الإحرام؛ فإن تكبيره فرض، كما تقدم، وصدر به في الشامل.
البساطي: والظاهر أن المصنف شهره. انتهى.
وفي ابن زرقون عن الأبهري: إن جميعه سنة واحدة، قال: وهو الصواب، وعليه جماعة الفقهاء بالأمصار.
وحمل الشارح كلام المصنف عليه، قائلًا: لم أر من الأشياخ من شهر الأول ولا رجحه، بل الأكثر أن جميعه سنة واحدة. انتهى.
وعليه فيقرأ (تكبيره) بالهاء، لا بالتاء.
تنكيت:
قول البساطي: (لم يبنوا فروعهم على واحد من القولين؛ لأنهم لم يجعلوا على تكبيرة واحدة سجودًا، وجعلوه في ترك ثلاث) غير ظاهر؛ لأنهم لم يقولوا بالسجود في كل سنة، وإنما هو في المؤكدة.
وكذا قوله: (وجعلوه في ترك ثلاث) ليس كذلك، بل المذهب السجود لترك تكبيرتين فأكثر، وأما ترك الثلاث فترك السجود القبلي فمبطل إذا طال.
الحواشي
(١) = في المعاني والمنهج القويم في قواعد تتعلق بالقرآن الكريم، وشرح ألفية ابن مالك وشرح مشارق الأنوار وشرح البردة، وكتاب الثمر الجني في الأدب السني، وغير ذلك. توفي يوم الثلاثاء ثاني عشر شعبان المكرم سنة سبع وسبعين وسبعمائة".стр. 572
والسنة السادسة: سمع اللَّه لمن حمده: عند الرفع من الركوع: لإمام، وفذ.
ابن ناجي: سنة باتفاق، وهل ذلك سنة واحدة أو كل واحدة سنة، يجري ذلك على الخلاف في التكبير. انتهى.
ومعنى سمع اللَّه لمن حمده تقبل منه.
والسنة السابعة والثامنة: كل لفظ تشهد: أول وثان، فهما سنتان.
والسنة التاسعة: الجلوس الأول جميعه عند الأكثر فيما فيه جلوس ثان، وحكى اللخمي وجوبه.
والسنة العاشرة: الجلوس الزائد على قدر السلام من الجلوس الثاني، وأما قدر ما يقع فيه منه فقد تقدم وجوبه، والواجب لا بد له من محل، ولا محل له إلا الجلوس إجماعًا، وما لا الواجب المطلق إلا له، وهو مقدور للمكلف فهو واجب.
والسنة الحادية عشرة: القدر الزائد على قدر الطمأنينة منها، وهو أحد القولين، والآخر: وجوبه.
والسنة الثانية عشرة: رد مقتد السلام على إمامه، أي: سلام الفريضة الذي عن يمين إمامه، ولا يجب هذا الرد كغيره في غيرها؛ لأن الإمام إنما قصد به الخروج من الصلاة.
وظاهر كلامه: أنه لا يشترط حضور الإمام، فيرد الإمام المسبوق، وهو الذي رجع إليه مالك، وأخذ به ابن القاسم.
وأشعر قوله: (إمامه) بأن هذا فيمن أدرك معه ركعة فأكثر، وإن لم يدرك إلا التشهد فلا يرد، لأنه ليس إمامًا له في صلاته، وهو كذلك، ولذا لا يسجد معه للسهو، قاله في الذخيرة.
وأشار للسنة الثالثة عشر بقوله: ثم رد على يساره وبه أحد، ولا يجمع في رده على الإمام والمأموم بتسليمة واحدة؛ تشريفًا للإمام.
стр. 573
وظاهره: ولو كان من على يساره غير مشارك له في صفة صلاته، كالصبي.
البساطي: وهو كذلك على المشهور.
والسنة الرابعة عشر: جهر تسليمة التحليل -وهي: الأولى- فقط، فلا يسن بغيرها، ووجه الجهر بها استدعاؤها للرد، وهو يفتقر للجهر.
تنبيه:
ظاهره: مساواة النساء الرجال، والفرض والسهو، ويسمع نفسه ومن يليه، ولا يجهر جدًا، وهو كذلك، ونحوه في المدونة.
[مسألة: ]
وإن سلم إمام أو مأموم أو فذ أولًا على اليسار ثم تكلم قبل رده على الإمام أو على يمينه لم تبطل صلاته، تعمد الخروج به أو لا؛ لأن كونه على اليمين سنة، لا يؤدي تركها للإبطال، كذا قال البساطي، وفيه نظر مع قول المؤلف فيما يأتي: إن التيامن مستحب.
والسنة الخامسة عشرة: سترة عند ابن حبيب، وقاله ابن عبد البر.
عياض: مستحبة، وعليه الأكثر.
وأشار لمن يؤمر بها بقوله: لإمام وفذ، لا مأموم اتفاقًا، إما لأن الإمام سترة له، أو سترته سُتْرَتَهُ.
[شروط السترة: ]
وأشار لشروطها -وهي خمسة- بقوله: إن خشيًا مرورًا بين أيديهما، وأما إن لم يخشيا لكونهما بصحراء لا يمر بهما أحد، أو على مكان مرتفع مثلًا، فلا تسن.
[صفة السترة: ]
وأشار لصفتها بقوله:
стр. 574
[١] بطاهر، لا نجس.
[٢] ثابت، لا كسوط.
[٣] غير مشغل للمصلي.
[قدر السترة: ]
وأشار لقدرها بقوله: في غلظ رمح وطول ذراع، لا ما دونهما، خلافًا لابن حبيب في قوله: لا بأس بما دون الرمح في الغلظ، ودون مؤخرة الرجل في الطول، ما لم ترق جدًا.
[ما لا يستتر به: ]
[١] لا دابة، إما لخوف زوالها، وإما لنجاسة بولها، وإما لهما، فهو مفهوم (طاهر) أو (ثابت) أو هما.
تنكيت:
أطلق الدابة، وفي العتبية: لا يستتر بالخيل والبغال والحمر؛ لأن أبوالها نجسة، بخلاف الإبل والبقر والشياه، ونحوه للجلاب.
ابن راشد: ولم يعلم منه عين الحكم، والظاهر الكراهة؛ لقول ابن رشد: إن استتر بالخيل والبغال والحمير أساء، ولا إثم على المار خلفها.
[٢] ولا حجر واحد؛ خشية التشبيه بعبدة الأصنام، فإن لم يجد غيره جعله يمينًا أو يسارًا، ولا يصمده صمدًا.
وأفهم التقييد بالواحد الجواز بالمتعدد، وهو كذلك، ولم يعلم من كلامه عين الحكم في هذه المسألة والتي قبلها، ونص المدونة في هذه: أكره أن يصلي للحجر الواحد، وأما أحجار متعددة فجائز.
[٣] ولا خط يخطه بالأرض من المشرق للمغرب، أو من القبلة لدبرها.
عياض: وقيل: من اليمين إلى اليسار، منعطف الطرفين، كالهلال.
стр. 575
وفي المدونة: الخط باطل (١) . الحواشي
(١) إشارة لتضعيف حديث الاستتار بالخط، وقد رأيت للشيخ الألباني -رحمه اللَّه تعالى- في ضعيف سنن أبي داود كلامًا نفيسًا هنا، فرأيت سرده لما فيه من فائدة فقهية وحديثية، قال (١/ ٢٣٩، وما بعدها): "١٠١ - باب الخطِّ إذا لم يجِدْ عصًا: ١٠٧ - عن أبي عمرو بن محمد بن حُريْثِ: أنه سمع جدهُ حريْثًا يحدث عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا صلّى أحدكم؛ فليجعلْ تِلْقاء وجْهِهِ شيئًا، فإن لم يجِدْ؛ فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا؛ فلْيخطّ خطًّا، ثم لا يضُرُّهُ ما مرّ أمامهُ".
قلت: إسناده ضعيف، وله علتان: جهالة أبي عمرو بن محمد بن حريث، وجده حُريْث. والاضطراب في إسناده اضطرابًا شديدًا؛ ولذلك قال الدارقطني: "لا يصح، ولا يثبت".
وقال أحمد: "ضعيف".
وقال النووي: "لم يثبت".
قال البغوي وغيره: هو حديث ضعيف.
وأشار إلى تضعيفه سفيان بن عيينة والشافعي والبيهقي وغيرهم".
وضعفه أيضًا ابن الصلاح والعراقي، وصت وجوه اضطرابه الرواية الآتية إسناده: حدثنا مُسدّد: ثنا بِشْرُ بن المُفضلِ: ثنا إسماعيل بن أُمية: حدثني أبو عمرو بن محمد بن حريث. . .
قلت: وهذا إسناد ضعيف، وله علتان؛ الأولى: جهالة أبي عمرو هذا وجده؛ ففي "التهذيب":
"قال الطحاوي: أبو عمرو وجده مجهولان، ليس لهما ذكر في غير هذا الحديث".
وقال الذهبي: "أبو عمرو بن محمد بن حريث لا يُعْرفُ".
وكذلك قال الحافظ في "التقريب" فيه، وفي جده حريث.
والأخرى: الاضطراب في إسناده، كما يأتي بيانه، وقد أورده ابن الصلاح في "علوم الحديث" من أمثلة الحديث المضطرب، وقال: "الاضطراب مُوجِبٌ ضعف الحديث؛ لإشعاره بأنه لم يضبط".
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٢٧٠) من طريق المصنف، ومن طريق أخرى عن مُسدد. . . به، وابن خزيمة(٨١٢) من طريق آخر عن بشر.
وقال البيهقي: "وكذلك رواه روح بن القاسم ووهيب وعبد الوارث عن إسماعيل. وابن عيينة في إحدى الروايتين عنه عن إسماعيل".
قلت: قد وصله عن ابن عيينة بالروايتين الإمام أحمد، فقال (٢/ ٢٤٩): ثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية عن أبي محمد بن عمرو بن حُريث العُذْرِيِّ -قال مرة: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث- عن جده. سمعت أبا هريرة. . . به. =стр. 576
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٨١١) .
وهنا قال: عن إسماعيل عن أبي محمد بن عمرو بن حريث. وكذا رواه ابن حبان في "صحيحه" (٢٣٥٥ - الإحسان).
قال البيهقي: "وهكذا رواه الشافعي والحميدي وجماعة عن سفيان".
قال: "ثم روى عنه أنه شك فيه".
ثم ساق هذه الرواية التي في الكتاب من طريق عثمان بن سعيد الدارمي: "سمعت عليًا -يعني: ابن عبد اللَّه بن المديني-. . . به أتم منه؛ ففيه: قال علي: قلت لسفيان: إنهم يختلفون فيه؛ بعضهم يقول: أبو عمرو بن محمد.
وبعضهم يقول: أبو محمد بن عمرو؟ فتفكر ساعة، ثم قال: ما أحفظه إلا أبا محمد بن عمرو.
قلت لسفيان: فابن جريج يقول: أبو عمرو بن محمد، فسكت سفيان ساعة، ثم قال: أبو محمد بن عمرو، أو أبو عمرو بن محمد. ثم قال سفيان: كنت أراه أخًا لعمرو بن حريث. =стр. 577
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقال مرة: العذْري.
قال علي: قال سفيان: كان جاءنا إنسان بصري كلم عتبة (وفي نسخة: عقبة) ذاك أبو معاذ، فقال: إني لقيت هذا الرجل الذي روى عنه إسماعيل.
قال علي: ذلك بعد ما مات إسماعيل بن أمية - فطلب هذا الشيخ حتى وجده.
قال عتبة: فسألته عنه؟ فخلطه علي.
قال سفيان: ولم تجد شيئًا يثمد هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه. قال سفيان: وكان إسماعيل إذا حدث بهذا الحديث يقول: عندكم شيء تشدونه به؟ ".
وفي الحديث وجه ثالث من الاضطراب؛ قال أحمد (٢/ ٢٤٩): ثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة. . . يرفعه فذكر معناه.
وقال عبد الرزاق: أنا معمر والثوري عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه. . . فذكر الحديث.
وقال في موضع آخر من "المسند" (٢/ ٢٦٦): ثنا عبد الرزاق. . . به، وأخرجه البيهقي من طريق الحسيْنِ بن حفص عن سفيان: حدثني إسماعيل بن أمية. . . به، وتابعهما حُميْدُ بن الأسود عن إسماعيل بن أمية. . . به؛ إلا أنه قال: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث بن سليْمٍ عن أبيه، أخرجه البيهقي، لكن تقدم أنه عند ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ: عن جده. .
قال الحافظ العراقي في شرح علوم الحديث: "فإما أن يكون قد اختلف فيه على حميد بن الأسود -في قوله: عن أبيه، أو عن جده-، أو يكون ابن ماجه قد حمل رواية حميد بن الأسود على رواية سفيان بن عيينة، ولم يبين الاختلاف الذي بينهما، كما يقع في الأسانيد".
وفي هذا الإسناد أوجه أخرى من الاضطراب، ذكرها الحافظ العراقي في شرح علوم الحديث (ص ١٠٥ - ١٠٦)، فمن شاء؛ فليراجعها فيه، ومن الممكن حصر هذا الاختلاف على إسماعيل بن أمية في موضعين من هذا الإسناد:
الموضع الأول: أبو عمرو بن محمد بن حريث. . أو: أبو محمد بن عمرو بن حريث.
والأول منهما هو الصحيح؛ لاتفاق جميع الرواة عن إسماعيل بن أمية عليه؛ إلا ابن عيينة في إحدى الروايتين عنه.
والموضع الآخر: عن جده. . أو: عن أبيه.
والأول: هو رواية الأكثرين عن إسماعيل -مثل بِشْرِ بن المُفضل وروْحِ بن القاسم ووُهيْبٍ وعبد الوارث وابن عيينة وحميد بن الأسود- في إحدى الروايتين عنهما-. =стр. 578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = والقول الثاني: هو رواية الثوري ومعمر وابن عيينة وحميد -في الرواية الأخرى-، ومثل هذا الاضطراب مما يصعب الترجيح فيه؛ فإن في كل من القولين أو الروايتين من المرجِّحات ما ليس في الأخرى.
فالرواية الأولى عن جده تترجح بكثرة رواتها -وهم بشر بن المفضل ومن معه-، والأخرى تترجح بأن من رواتها سفيان الثوري -وهو أحفظهم-؛ ولذلك رجحها بعضهم على الرواية الأولى، ونازع -بسبب ذلك- ابن الصلاح في ذكره الحديث مثالًا للمضطرب، ذلك لأن ابن الصلاح نفسه ذكر أنه إنما يسمى الحديث مضطربًا إذا تساوت الروايتان. فأما إذا ترجحت إحداهما على الأخرى فلا يسمى مضطربًا.
قال: "وهذا قد رواه الثوري -وهو أحفظ من ذكرهم- فينبغي أن ترجح روايته على غيرها، ولا يسميه مضطربًا".
وأيضًا؛ فإن الحاكم وغيره صحح الحديث المذكور، وكأن الحافظ ابن حجر ﵀ كان يذهب إلى هذا؛ فقد قال في التلخيص (٤/ ١٣٢): "قلت: وأورده ابن الصلاح مثالًا للمضطرب. ونوزع في ذلك، كما بينته في النكت. . . ".
وقال في "بلوغ المرام" (١/ ٢٠٤): "وصححه ابن حبان ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن"!
وأجاب عن ذلك شيخه الحافظ العراقي في "شرح علوم الحديث" -بعد أن أورد اعتراض المعترض على ابن الصلاح، الذي نقلنا معنى كلامه آنفًا- فقال: "والجواب: أن الوجوه التي يرجّح بها متعارضة في هذا الحديث: فسفيان الثوري -وإن كان أحفظ من سمّاه المصنف- فإنه انفرد بقوله: عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه. . وأكثر الرواة يقولون: عن جده -وهم بشر بن المفضل وروح بن القاسم ووهيب بن خالد وعبد الوارث بن سعيد-، وهولاء من ثقات البصريين وأئمتهم، ووافقهم على ذلك من حفاظ الكوفيين: سفيان بن عيينة. وقولهم أرجح: لوجهين:
أحدهما: الكثرة.
والثاني: أن إسماعيل بن أمية مكي، وابن عيينة كان مقيمًا بمكة، ومما يرجح به كون الراوي عنه من أهل بلده، وبكثرة الرواة أيضًا".
قال: "فتعارضت حينئذ الوجوه القتضية للترجيح، وانضم إلى ذلك جهالة راوي الحديث -وهو شيخ إسماعيل بن أمية-، فإنه لم يرو عنه -فيما علمت- غير إسماعيل بن أمية، مع هذا الاختلاف في اسمه واسم أبيه، وهل يرويه عن أبيه، أو عن جده، أو هو نفسه عن أبي هريرة؟ وقد حكى أبو داود في "سننه" تضعيفه عن ابن عيينة، فقال: قال سفيان: لم تجد شيئًا نشد به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه. وقد ضعفه أيضًا الشافعي والبيهقي. وقول من ضعفه أولى بالحق من تصحيح =стр. 579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الحاكم له، مع هذا الاضطراب والجهالة براويه".
قلت: وهذا هو الحق: أن الحديث ضعيف؛ لما ذكر. وان كان في تضاعيف كلام العراقي ما لا يخلو عن اعتراض، كقوله: "إن الثوري انفرد بقوله: عن أبي عمرو بن محمد عن أبيه"! مع أنه قد تابعه معمر، وسفيان بن عيينة -في إحدى الروايتين عنه- كما نقلناه في أول البحث عن "مسند أحمد".
ومن وجوه الاضطراب: ما علقه ابن حبان في ترجمة (محمد بن عمرو بن سعيد بن العاص) (٧/ ٣٩٨) عن أبيه عن أبي هريرة قال. . . فذكره موقوفًا عليه.
قال ابن حبان: "رواه يزيد بن هارون عن نصْرِ بن حاجب القرشي عن إسماعيل بن أمية".
قلت: وهذا الوجه منكر -أو شاذ على الأقل-، والعلة من نصْرٍ؛ فإنه مختلف فيه.
وقد قال النسائي فيه: "ليس بثقة".
وقد يؤكد هذا أنه خالف كل الثقات الذين قالوا: عن إسماعيل عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، أو: أبي محمد بن عمرو بن حريث؛ فقال هذا: عن محمد بن عمرو بن سعيد بن العاص! ثم إنه لو سلمنا أن الحديث غير مضطرب، ورجحنا رواية الثوري -أو المخالفين-: له، فإن العلة الأخرى، وهي الجهالة -لا تزال قائمة، ولذلك نرى أن قول الحافظ - فيما سبق-: "بل هو حسن"! غير حسن؛ لا سيما وقد عارضه جماعة من المتقدمين من الأئمة كما سلف؛ وقد ذكر هو نفسه في "التهذيب" عن أحمد أنه قال: "الخط ضعيف".
وقال الدارقطني: "لا يصح ولا يثبت".
وقال الشافعي في "سنن حرملة": "ولا يخط المصلي بين يديه خطًا؛ إلا أن يكون ذلك في حديث ثابت فيُتّبع". اهـ.
وقال مالك: "الخط باطل". كذا في "المدونة" (١/ ١١٣).
قلت: وفي قول الشافعي هذا رد على النووي؛ حيث قال في المجموع (٣/ ٢٤٨): "والمختار استحباب الخط؛ لأنه وإن لم يثبت الحديث؛ ففيه تحصيل حريم للمصلي، وقد قدمنا اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال -دون الحلال والحرام-، وهذا من نحو فضائل الأعمال"! !
قلت: وفيما قاله نظر من وجهين:
الأول: استحبابه الخط، مع اعترافه بضعف الحديث! وهذا أمر غريب؛ فإن الاستحباب حكم شرعي، لا بد له من دليل تقوم به الحجة، والحديث الضعيف لا يثبت به، أي: حكم شرعي. فلا جرم أن ذهب إمامه إلى عدم مشروعية الخط إلا أن يثبت الحديث. فلو أنه تبع إمامه في ذلك؛ لكان أصاب الحق. =стр. 580
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = اقول هذا؛ مع العلم أن ما ذهب إليه النووي كان مذهب الشافعي في القديم، ثم رجع عنه في الجديد إلى ما نقلناه عنه آنفًا، وذلك حين ظهر له ضعف الحديث، كما أشار إلى ذلك البيهقي.
والوجه الآخر: نفقه اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف! وهذا غير صحيح؛ فإن المسألة مختلف فيها على ثلاثة أقوال، ذكرها الشيخ القاسمي في "قواعد التحديث" (ص ٩٤) أولاها -وهي عندي أوْلاها-: أنه لا يعمل به مطلقًا، لا في الأحكام ولا في الفضائل، حكاه ابن سيد الناس في "عيون الأثر" عن يحيى بن معين، ونسبه في "فتح المغيث" لأبي بكر بن العربي.
وهو مذهب ابن حزم، كما صرح به في كتبه، منها: "الإحكام في أصول الأحكام" (١/ ١٣٦).
وكيف يجوز العمل به، وقد اتفقوا جميعًا على أن الحديث الضعيف لا يفيد إلا الظن -والظن المرجوح- وهو أكذب الحديث بشهادة النبي ﷺ ؟ ! وقد نعى اللَّه تعالى على قوم قبلنا عملهم بالظن، فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾؛ ولذلك نهى النبي ﷺ أمته عن رواية الحديث عنه إلا بعد العلم بصحته؛ فقال: "اتقوا الحديث عنِّي إلا ما علمتم"، أفيجيز لهم العمل به قبل أن يعرفوا صحته، وقد نهاهم عن روايته؟ ! اللهم! لا، وهذا بين لا يخفى، وقد مضى تفصيل القول في ذلك في المقدمة، على أن حديث الباب ليس من الفضائل، بل هو في الأحكام؛ لأن فيه الأمر بالخط، وهو يفيد الوجوب عند عدم القرينة، ولا قرينة هنا، وكأن النووي ﵀ لاحظ ما ذكرنا، فاحتاط في عبارته، فقال -كما تقدم-: "وهذا من نحو فضائل الأعمال"!
هذا؛ وقال النووي (٣/ ٢٤٦) -بعد أن عزا الحديث للمصنف وابن ماجه-: "قال البغوي وغيره: هو حديث ضعيف، وروى أبو داود في "سننه" عن سفيان بن عيينة تضعيفه، وأشار إلى تضعيفه الشافعي والبيهقي وغيرهما".
قلت: وأما ما نقله ابن التركماني وغيره عن ابن عبد البر، أنه قال في الاستذكار: "كان ابن حنبل وابن المديني يصححان هذا الحديث"! فلا أدري مقداره من الصحة والثبوت، ولا سيما وقد نقل الحافظ عن الخلال عن أحمد تضعيفه -كما سبق-.
فإن صح ما في "الاستذكار"، فيكون لأحمد فيه قولان، والصحيح منهما: ما سبق، لما نقلناه عن الحافظ العراقي. وقد نقل هو عن بعضهم أن الحاكم صححه أيضًا، ولعل ذلك في غير كتابه "المستدرك"؛ فإني لم أجد الحديث فيه! واللَّه أعلم.
ومما سبق من التحقيق؛ تعلم أن قول صاحب "التاج" (١/ ١٧٦) -في الحديث-:
"رواه أبو داود وأحمد بسند صحيح"! غير صحيح أيضًا؛ وإنما جاءه ذلك من تقليده =стр. 581
الطراز: وفي معنى الخط الحفرة تكون بين يدي المصلي أو النهر أو النار، وشبه ذلك مما لا ينصب قائمًا ويستتر لجرمه.
قال ابن رشد: وقد روي أن امرأة بالمدينة نظرت إلى ابن جريح (١) وقد خط خطأ يصلي إليه، فقالت: واعجبًا لهذا الشيخ وجهله بالسنة. فأشار إليها أن قفي، فلما قضى صلاته، قال: ما رأيت من جهلي؟
قالت: إنك تخط خطا وتصلي إليه، وقد حدثتني مولاتي، عن أمها، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنه قال: "الخط باطل؛ لأن العبد إذا كبر تكبيرة الإحرام سدت ما بين السماء والأرض"، فسألها أن تقفوه إلى مولاتها، ففعلت، فحدثته بذلك، وقالت له: أتجهل هذا، وأنت من علماء المدينة؟ !
فقال عند ذلك:
خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد
فقال: أتبيعيها مني أعتقها، فإنه ينبغي أن من حفظ شيئًا من العلم أن لا يرق.
فقالت له: ذلك إليها.
فعرض عليها، فقالت: لا حاجة لي بذلك؛ لأن مولاتي حدثتني عن أمها، عن أم سلمة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا اتقى العبد ربه، ونصح الحواشي
(١) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد وأبو خالد، (٨٠ - ١٥٠ هـ = ٦٩٩ - ٧٦٧ م): فقيه الحرم المكي. كان إمام أهل الحجاز في عصره. وهو أول من صنف التصانيف في العلم بمكة. رومي الاصل، من موالي قريش. مكي المولد والوفاة. قال الذهبي: كان ثبتًا، لكنه يدلس. ينظر: الأعلام (٤/ ١٦٠).стр. 582
مواليه، فله أجران" (١) ، ولا أحب أن أنقص أجري.
[الصلاة لظهر من يشغل: ]
وأشار لمفهوم (غير مشغل) بقوله: ولا لظهر امرأة أجنبية، ولو زوجته أمته (٢) ؛ لإثارتها بالفكر ما يشغل، وألحقوا بها المأبون في دبره. الحواشي
(١) هذا الحديث موضوع، وقصته تشهد بذلك، وشارحنا قد تلقفه من ابن رشد في البيان والتحصيل (١/ ٤٧٤)، ولم أر أحدًا من أهل الحديث قد رواه.(٢) ولا يعترض علينا بما في البخاري من اعتراض أمنا عائشة بقدميها بينه ﷺ وبين القبلة، وبما قاله ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٦٦، وما بعدها) في هذا الحديث ما نصه: "مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول اللَّه ﷺ ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتهما قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.
هذا من أثبت حديث يروى في هذا المعنى وقد روى القاسم عن عائشة مثله، حدثناه خلف بن قاسم قال حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن قال: حدثنا عبد اللَّه بن محمد البغوي قال: حدثنا عبيد اللَّه بن عمر القواريري قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا عبيد اللَّه بن عمر عن القاسم قال: بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن المراة تقطع الصلاة فقالت: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي فتقع رجلي بين يديه أو بحذائه فيضربها فأقبضها.
وحدثنا عبد اللَّه بن محمد قال: حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قالا: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن عبيد اللَّه قال: سمعت القاسم ابن محمد يحدث عن عائشة قالت: بئسما عدلتمونا بالحمار والكلب لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يصلي وأنا معترضة بين يديه فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فضممتهما إلي ثم يسجد.
وفيه من الفقه وجوه:
- منها أن المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها.
- ولا صلاة من مرت بين يديه، وهذا موضع اختلفت فيه الآثار. . ".
ذلك لأن ذلك قد كان لضيق المكان، فينبغي عدم إخراج الحديث من سياقه، يقول ابن رجب في فتح الباري (٢/ ٧٢٩): "وقد تقدم هذا الحديث في (باب: التطوع خلف المرأة) من رواية أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول اللَّه ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما. قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.
فدل على أن غمزها عند السجود كان لضيق المكان حيث كانت قدماها في موضع =стр. 583
زاد البساطي: والكافر.
[الصلاة لظهر محرم: ]
ولما لم يترجح عند المصنف في مفهوم (أجنبية) وهي المحرم شيئًا من القولين فيها، قال: وفي منع استتاره بظهر المحرم منه، كـ: أمه وأخته، وهو لمالك في العتبية، وجوازه في الجلاب وغيره: قولان.
الحواشي
(١) = سجوده، فكان يغمزها لتكف قدميها فيسجد في موضعهما، وكان ذلك في سواد الليل وظلمته، فلم يكن يدرك التنبيه منه بإشارة ونحوها، فلذلك احتاج إلى غمزها. ولم يجئ في حديثها هذا: بأي شيء كان يغمزها، وقد روي في حديث آخر، أنه كان إذا أراد أن يوتر غمزها برجله، وفي رواية: مسها برجله. ويأتي في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-.
واستدل بالحديث على أن مس النساء بغير شهوة لا ينقض الطهارة، كما هو قول مالك وأحمد في ظاهر مذهبه. ومن يقول: إن المس لا ينقض بكل حال، كما يقول أبو حنيفة وأحمد في رواية عنه".
وقال ابن حجر: (١/ ٥٨٨): " (قوله باب التطوع خلف المرأة)، أورد فيه حديث عائشة أيضًا بلفظ آخر وقد تقدم في باب الصلاة على الفراش من هذا الوجه ودلالة الحديث على التطوع من جهة أن صلاته هذه في بيته بالليل وكانت صلاته الفرائض بالجماعه في المسجد وقال الكرماني: لفظ الترجمة يقتضي أن يكون ظهر المرأة إليه ولفظ الحديث لا تخصيص فيه بالظهر، ثم أجاب بأن السنة للنائم أن يتوجه إلى القبلة والغالب من حال عائشة ذلك. انتهى. ولا يخفى تكلفه وسنة ذلك للنائم في ابتداءً النوم لا في دوامه لأنه ينقلب وهو لا يشعر، والذي يظهر أن معنى خلف المرأة وراءها فتكون هي نفسها أمام المصلي لا خصوص ظهرها ولو أراده لقال خلف ظهر المرأة، والأصل عدم التقدير، وفي قولها: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح إشارة إلى عدم الاشتغال بها ولا يعكر على ذلك كونه يغمزها عند السجود ليسجد مكان رجليها، كما وقع صريحًا في رواية لأبي داود لأن الشغل بها مأمون في حقه ﷺ ، فمن أمن ذلك لم يكره في حقه تنبيه الظاهر أن هذه الحالة غير الحالة التي تقدمت في صلاته ﷺ إلى جهة السرير الذي كانت عليه؛ لأنه في تلك الحالة غير محتاج لأن يسجد مكان رجليها ويمكن أن يوجه بين الحالتين بأن يقال: كانت صلاته فوق السرير لا أسفل منه كما جنح إليه الإسماعيلي فيما سبق لكن حمله على حالتين أولى، واللَّه أعلم".стр. 584
تنبيه:
سكت المصنف عن ذكر الاستتار بالرجل وحلق الطائفين وحلق المحدثين والصغير، وذكرناه في الكبير.
[حكم المار بين يدي المصلي: ]
وأشار لبيان حكم المار بين يدي المصلي لغير سترة أوْ لها بقوله: وأثم مار لى مندوحة -أي: سعة- في ترك المرور بين يديه، بأن لا يجعل له سترة، أوْ لا ينحاز شيء يصلي إليه، لخبر: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر" (١) .
وفهم من قوله: (له مندوحة) أن من لا مندوحة له لا إثم عليه.
[حكم المصلي المتعرض: ]
وأثم مصل تعرض للمرور بين يديه، بأن يصلي لموضع العادة المرور فيه، وهو يجد عنه مندوحة، فمن لم يتعرض لا إثم عليه، فالصور أربع:
- مار لا مندوحة له، ومصل تعرض، يأثم المصلي وحده.
- مار لا مندوحة له، ومصل لم يتعرض، لا إثم على واحد منهما.
- مار له مندوحة، ومصل تعرض، يأثمان.
- مار له مندوحة، ومصل لم يتعرض، يأثم المار فقط.
تنبيه:
ظاهر كلامه: أنه لا فرق بين مكة وغيرها، فقد سئل عن مكة والمرور بها بين يدي المصلي في المسجد: أترى أن يمنع فيها مثل ما يمنع في غيرها؟ الحواشي
(١) أخرجه مالك (١/ ١٥٤، رقم ٣٦٢)، وأحمد (٤/ ١٦٩، رقم ١٧٥٧٥)، ومسلم (١/ ٣٦٣، رقم ٥٠٧)، وأبو داود (١/ ١٨٦، رقم ٧٠١)، والترمذي (٢/ ١٥٨، رقم ٣٣٦)، وقال: حسن صحيح. والنسائي (٢/ ٦٦، رقم ٧٥٦)، وابن ماجه (١/ ٣٠٤، رقم ٩٤٥).стр. 585
قال: نعم، إني لأرى ذلك، كما إذا كان يصلي إلى عمود أو سترة.
وانظر إلى بيان القدر الذي يكون به مارًا بين يدي المصلي وسترته، وهل للمصلي أن يدرأه عند المرور؟ وحكم ما إذا درأه فمات، وقد قرب المصلي منها في الكبير.
والسنة السادسة عشرة: إنصات مقتد، أي: سكوته لأجل سماع ما يجهر فيه إمامه، وأطلق ليعم الفاتحة وغيرها، ومن يسمعه ومن لم يسمعه، إن لم يسكت إمامه، بل ولو سكت إمامه، أي: كان ممن يسكت بين التكبير والفاتحة كالشافعي، قاله في الذخيرة، وهو أحد قولي مالك، وهو المشهور.
وأشار بـ (لو) لقوله الآخر: إذا كان الإمام ممن يسكت بين التكبير والفاتحة قرأ من خلفه الفاتحة في سكتته.
* * *
[مندوبات الصلاة]
ولما فرغ من السنن ذكر المندوبات.
[قراءة المأموم في السرية: ]
فقال: وندبت قراءة مأموم إن أسر إمامه، وهو لمالك، وله أيضًا: لا يندب له ذلك.
[رفع اليدين: ]
كرفع المصلي يديه مع إحرامه في نقل الأكثر، وعده في الذخيرة من السنن كابن أبي زيد وابن رشد.
ومفهوم المعية: أنه لا يرفعهما عند الركوع، ولا عند الرفع منه على
стр. 586
المشهور، ولا عند القيام من اثنتين، خلافًا لابن وهب (١) . الحواشي
(١) ظاهر كلامه أن ابن وهب منفرد بذلك، وليس كذلك، بل نقل ذلك أيضًا أشهب، قال ابن رشد في البيان (١/ ٣٧٦): "وأما رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه، فمرة كرهه مالك، وهو مذهبه في المدونة ودليل هذه الرواية وما وقع في رسم الصلاة الأول من سماع أشهب من حكاية فعل مالك؛ ومرة استحسنه ورأى تركه واسعًا، وهو قول مالك في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب. وروى مثله عنه محمد بن يحيى السبائي؛ ومرة قال: إنه يرفع ولم يذكر في ترك ذلك سعة، وهو قوله في رواية ابن وهب عنه؛ ومرة خيِّر بين الأمرين.
والأظهر ترك الرفع في ذلك، لأن علي بن أبي طالب وعبد اللَّه بن عمر كانا لا يرفعان أيديهما في ذلك، وهما رويا الرفع عن النبي ﷺ في ذلك، فلم يكونا ليتركا بعد النبي، ﵇، ما رويا عنه إلا وقد قامت عندهما الحجة بتركه. وقد روي أيضًا عن النبي ﷺ الرفع عند القيام من الجلسة الوسطى وعند السجود والرفع منه، وذهب إلى ذلك بعض العلماء، ولم يأخذ مالك بذلك ولا اختلف قوله فيه، وباللَّه التوفيق".
وقال (١/ ٤١٣، وما بعدها): "رفع مالك يديه في افتتاح الصلاة نحو صدره لا يبلغ بهما منكبيه هو نحو قوله في المدونة: إنه يرفعهما في ذلك شيئًا خفيفًا، وله في المختصر أنه يرفعهما حذو منكبيه مثل ما في حديث ابن عمر عن النبي ﷺ ومثله في كتاب ابن شعبان.
قال ابن وهب: صليت مع مالك في بيته فرأيته يرفع يديه في أول ركعة، وكان إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه حذو منكبيه، وكان يقول: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين".
وقال: أكره أن أحمل الجاهل على ذلك، فيقول: إنه من فرض الصلاة.
وقد مضى القول في رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه في رسم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم".
وقال (١/ ٤٧٠): "وسئل عن الإمام إذا قال سمع اللَّه لمن حمده، أيرفع يديه؟ قال: نعم. يرفع يديه، ويرفع من وراءه أيديهم إذا قالوا سمع اللَّه لمن حمده.
قيل: أيرفع يديه إذا قال سمع اللَّه لمن حمده أم يرجئ ذلك حتى يقول ربنا ولك الحمد؟
فقال: إذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وكذلك يفعل من وراءه، وليس رفع الأيدي بلازم، وفي ذلك سعة.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها موعبًا في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم، ومضى منه شيء في أول رسم من هذا السماع، فلا معنى لإعادته شيء من ذلك". =стр. 587
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = تحقيق القول في رفع اليدين:
ولما اشتد نكير الأصحاب من المتأخرين على من يرفع يديه فى خفضه ورفعه، ورام بعضهم اتهام من يفعله بما لا يليق، حتى ظن بعض الحمقى ممن يتبع الظاهر أن المذهب المالكي معارض للسنة، آخذ بآراء الرجال، وكان لابن عبد البر وغيره من المحققين من الأصحاب ومن الأحناف كلام نفيس في هذه المسألة رأيت سرده للبيان والتذكير، فأقول: قال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٠٧، وما بعدها): "مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه واذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضًا وقال: "سمع اللَّه لمن حمده ربنا ولك الحمد" وكان لا يفعل ذلك في السجود.
هكذا رواية يحيى لم يذكر الرفع عند الركوع وتابعه من رواة الموطأ جماعة وروته أيضًا جماعة عن مالك فذكرت فيه رفع اليدين عند الافتتاح وعند الركوع وعند الرفع من الركوع وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب وهو الصواب.
وقد ذكرنا في التمهيد من تابع يحيى على روايته كما وصفنا ومن رواه كما ذكرنا بحمد اللَّه.
١٤٠ - وذكر عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن رسول اللَّه ﷺ كان يرفع يديه في الصلاة.
قال أبو عمر: معنى رفع اليدين عند الافتتاح وغيره - خضوع واستكانة وابتهال وتعظيم للَّه تعالى واتباع لسنة رسوله ﵇ وليس بواجب والتكبير في كل رفع وخفض أوكد منه، وقد قال بعض العلماء: إنه من زينة الصلاة.
ذكر ابن وهب قال: أخبرني عياض بن عبد اللَّه الفهري أن عبد اللَّه بن عمر كان يقول: لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي فيها وعن ابن لهيعة عن ابن عجلان عن النعمان بن أبي عياش كان يقال: لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي عند الافتتاح، وحين يريد أن يركع وحين يريد أن يرفع.
وقال عقبة بن عامر: له بكل إشارة عشر حسنات بكل إصبع حسنة وقد ذكرت الإسناد عن عقبة بن عامر بذلك في التمهيد.
واختلف العلماء في رفع الأيدي في الصلاة وعند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع وعند السجود والرفع منه بعد إجماعهم على جواز رفع الأيدي عند افتتاح الصلاة مع تكبيرة الإحرام.
فقال مالك فيما روى عنه ابن القاسم: يرفع للإحرام عند افتتاح الصلاة ولا يرفع في غيرها.
قال: وكان مالك يرى رفع اليدين في الصلاة ضعيفًا. =стр. 588
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقال: إن كان ففي الإحرام.
وهو قول الكوفيين أبي حنيفة وسفيان الئوري والحسن بن حي وسائر فقهاء الكوفة قديمًا وحديثًا وهو قول ابن مسعود وأصحابه والتابعين بها.
وقال أبو عبد اللَّه محمد بن نصر المروزي: لا أعلم مصرًا من الأمصار تركوا بأجمعهم رفع اليدين عند الخفض والرفع في الصلاة إلا أهل الكوفة فكلهم لا يرفع إلا في الإحرام.
وذكر ابن خواز بنداد قال اختلفت الرواية عن مالك في رفع اليدين في الصلاة فمرة قال: يرفع في كل خفض ورفع على حديث بن عمر ومرة قال: لا يرفع إلا في تكبيرة الإحرام، ومرة قال: لا يرفع أصلًا والذي عليه أصحابنا أن الرفع عند الإحرام لا غير.
قال أبو عمر: وحجة من ذهب مذهب ابن القاسم في روايته عن مالك في ذلك حديث ابن مسعود وحديث البراء بن عازب عن النبي ﵇ أنه كان يرفع عند الإحرام مرة لا يزيد عليها.
وبعض رواتهما يقول: كان لا يرفع في الصلاة إلا مرة، وبعضهم يقول: كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة.
وقد ذكرنا الحديثين من طرق في التمهيد وذكرنا العلة عن العلماء فيهما هنا.
وروى أبو مصعب وابن وهب عن مالك أنه كان يرفع يديه إذا أحرم وإذا ركع دياذا رفع من الركوع على حديث بن عمر وقد ذكرنا الأسانيد عنهم بذلك عن مالك في التمهيد.
ورواه أيضًا عن مالك الوليد بن مسلم وسعيد بن أبي مريم وقال ابن عبد الحكم: لم يرو أحد عن مالك مثل رواية: ابن القاسم في رفع اليدين.
قال محمد: والذي آخذ به أن أرفع على حديث ابن عمر.
وذكر أحمد بن سعيد عن أحمد بن خالد قال: كان عندنا جماعة من علمائنا يرفعون أيديهم في الصلاة على حديث ابن عمر ورواية من روى ذلك عن مالك وجماعة لا يرفعون إلا في الإحرام على رواية ابن القاسم فما عاب هؤلاء على هؤلاء ولا هؤلاء على هؤلاء.
وسمعت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد اللَّه بن هاشم يقول: كان أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم شيخنا يرفع يديه كلما خفض ورفع على حديث ابن عمر في الموطأ وكان أفضل من رأيت وأفقههم وأصحهم علمًا فقلت لأبي عمر: لم لا ترفع فنقتدي بك؟ قال: لا أخالف رواية ابن القاسم لأن الجماعة عندنا اليوم عليها ومخالفة الجماعة فيما أبيح لنا ليست من شيم الأئمة. =стр. 589
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقال الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وأبو ثور وإسحاق ومحمد بن جرير الطبري وجماعة أهل الحديث بالرفع على حديث ابن عمر إلا أن من أهل الحديث من يرفع عند السجود والرفع منه على حديث وائل بن حجر وعن النبي ﵇ في ذلك.
وقال داود بن علي: الرفع عند تكبيرة الإحرام واجب ركن من أركان الصلاة.
وأختلف أصحابه، فقال بعضهم: الرفع عند الإحرام وعند الركوع والرفع منه واجب.
وقال بعضهم: لا يجب الرفع عند الإحرام ولا غيره فرضًا لأنه فعله رسول اللَّه ﷺ ولم يأمر به.
وقال بعضهم: لا يجب الرفع إلا عند الإحرام
وقال بعضهم: هو وأجب كله لقوله ﵇: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
وحجة من رأى الرفع عند الركوع وعند الرفع منه حديث ابن عمر المذكور في هذا الباب عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن النبي ﵇ وهو حديث لا مطعن لأحد فيه.
وروى مثل ما روى ابن عمر من ذلك عن النبي ﵇ نحو ثلاثة عشر رجلًا من الصحابة ذكر ذلك جماعة من أهل العلم بالحديث والمصنفين فيه منهم أبو داود وأحمد بن شعيب والبخاري ومسلم، وأفرد لذلك بابًا أبو بكر أحمد ابن عمرو بن عبد الخالق البصري البزار وصنف فيه كتابًا أبو عبد اللَّه محمد بن نصر المروزي من كتابه الكبير أكثر فيه من الآثار وطول.
وروي الرفع في الخفض والرفع عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وأبو موسى وأبو سعيد وأبو الدرداء وأنس وابن عباس وجابر.
وروي عن الحسن البصري قال كان أصحاب رسول اللَّه يرفعون أيديهم في الصلاة إذا ركعوا وإذا رفعوا كأنها المراوح.
ولم يرو عن أحد من الصحابة ترك الرفع عند كل خفض ورفع ممن لم يختلف فيه إلا ابن مسعود وحده.
وروى الكوفيون عن علي مثل ذلك وروى عنه المدنيون الرفع من حديث عبد اللَّه بن رافع، وكذلك اختلف عن أبي هريرة فروى عنه أبو جعفر القارئ ونعيم المجمر أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ويكبر في كل خفض ورفع ويقول: أنا أشبهكم صلاة برسول اللَّه.
وروى عنه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أنه كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وهذه الرواية أولى لما فيها من الزيادة.
وأما قوله: أنا أشبهكم صلاة برسول اللَّه؛ فإنما ذكره أبو سلمة وغيره عنه في التكبير =стр. 590
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = في كل خفض ورفع على ما يأتي بعد أن شاء اللَّه.
وروي الرفع عند الركوع والرفع منه عن جماعة من التابعين بالحجاز والعراق والشام يطول الكتاب بذكرهم منهم: القاسم بن محمد وسالم والحسن وابن سيرين وعطاء وطاوس ومجاهد ونافع مولى ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وابن أبي نجيح وقتادة والحسن بن مسلم.
وقال بن سيرين: هو من تمام الصلاة.
وقال عمر بن عبد العزيز: إن كنا لنؤدب عليها بالمدينة إذا لم نرفع أيدينا.
وكان عمر بن عبد العزيز أيضًا يقول في ذلك: سالم، قد حفظ عن أبيه، وقد ذكرنا الأسانيد عن كل من ذكرنا بكل ما وصفنا في التمهيد.
وقال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يقول: رأيت معتمر بن سليمان ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وإسماعيل ابن علية يرفعون أيديهم عند الركوع وإذا رفعوا رؤوسهم.
وقيل لأحمد بن حنبل: نرفع عند القيام من اثنتين وبين السجدتين قال: لا أنا أذهب إلى حديث سالم عن أبيه ولا أذهب إلى وائل بن حجر لأنه مختلف في ألفاظه.
قال أبو عمر: قد ذكرنا حديث وائل بن حجر في التمهيد وقد عارضه حديث ابن عمر بقوله: وكان يرفع بين السجدتين.
وقيل لأحمد بن حنبل: يرفع المصلي عند الركوع فقال: نعم ومن يشك في ذلك كان ابن عمر إذا رأى رجلًا لا يرفع يديه حصبه.
قال أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت زيد بن رافع قال سمعت نافعا قال: كان ابن عمر إذا رأى من لا يرفع حصبه.
قال أبو عمر: كل من رأى الرفع وعمل به من العلماء لا يبطل صلاة من لم يرفع إلا الحميدي وبعض أصحاب داود ورواية عن الأوزاعي.
وذكر الطبري قال: حدثنا العباس بن الوليد بن زيد عن أبيه عن الأوزاعي قال: بلغنا أن من السنة فيما أجمع عليه علماء أهل الحجاز والبصرة والشام أن رسول اللَّه ﵇ كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر لافتتاح الصلاة وحين يكبر للركوع وحين يرفع رأسه منه إلا أهل الكوفة فإنهم خالفوا في ذلك أمتهم.
قيل للأوزاعي: فإن نقص من ذلك شيئًا. قال: ذلك نقص من صلاته.
قال أبو عمر: قد صح عن النبي ﵇ من حديث أبي هريرة وحديث رفاعة بن رافع في الذي أمره أن يعيد صلاته فقال له: "ارجع فصل فإنك لم تصل" ثم علمه فرائض الصلاة دون سننها قال له: "إذا أردت الصلاة فأسبغ الوضؤ واستقبل القبلة وكبر ثم اقرأ ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تطمئن رافعًا، ثم اسجد حتى تطمئن =стр. 591
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ساجدًا ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا" الحديث، فلم يأمره برفع اليدين ولا من التكبير إلا بتكبيرة الإحرام وعلمه الفرائض في الصلاة وسنبين هذا فيما بعد أن شاء اللَّه.
فلا وجه لمن جعل صلاة من لم يرفع ناقصة ولا لمن أبطلها مع اختلاف الآثار في الرفع عن النبي ﵇، واختلاف الصحابة ومن بعدهم واختلاف أئمة الأمصار في ذلك، والفرائض لا تثبت إلا بما لا مدفع له ولا مطعن فيه.
وقول الحميدي ومن تابعه شذوذ عند الجمهور وخطأ لا يلتفت أهل العلم إليه، وقد أوضحنا معاني هذا الباب وبسطناها فى التمهيد والحمد للَّه.
واختلفت الآثار عن النبي ﵇ في كيفية رفع اليدين في الصلاة فروي عنه أنه كان يرفع يديه مدًا فوق أذنيه مع رأسه روي عنه أنه كان يرفع يديه حذو أذنيه وروي عنه أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه.
وروي عنه أنه كان يرفعها إلى صدره، وكلها آثار معروفة مشهورة وأثبت ما في ذلك حديث ابن عمر هذا وفيه: "حذو منكبيه" وعليه جمهور التابعين وفقهاء الأمصار وأهل الحديث.
١٤١ - وقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه في الإحرام حذو منكبيه وفي غير الإحرام دون ذلك قليلًا.
وكل ذلك واسع حسن وابن عمر روى الحديث وهو أعلم بمخرجه وتأويله وكل ذلك معمول عند العلماء به".
وأدلة عدم الرفع من المدونة (١/ ١٦٦) هي:
" [١] قال وكيع عن سفيان الثوري عن عاصم عن عبد الرحمن بن الأسود وعلقمة قالا: قال عبد اللَّه بن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول اللَّه ﷺ ، قال: فصلى ولم يرفع يديه إلا مرة.
[٢] قال وكيع: عن ابن أبي ليلى عن عيسى أخيه والحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب: أن رسول اللَّه ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يرفعها حتى ينصرف.
[٣] قال وكيع: عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن قطاف النهشلي عن عاصم بن كليب عن أبيه أن عليًا كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود.
قال: وكان قد شهد معه صفين.
[٤] وكان أصحاب ابن مسعود يرفعون في الأولى ثم لا يعودون وكان إبراهيم النخعي يفعله".
وللحافظ جمال الدين الزيلعي تحقيق نفيس للمسألة، فأتى على ذكرها فقهًا وحديثًا، وأجاب جوابًا شافيًا عما هو حاصل الآن بين الفريقين، فقال -رحمه اللَّه تعالى- في =стр. 592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = نصب الراية (١/ ٣٠٩، وما بعدها): "الحديث الرابع: روى أبو حميد الساعدي، قال: كان النبي ﷺ إذا كبر رفع يديه إلى منكبيه، قلت: رواه الجماعة إلا مسلمًا من حديث محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ : منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول اللَّه ﷺ ، قالوا: ولم؟ ! فواللَّه ما كنت بأكثرنا له تبعة، ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فأعرض، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم كبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل، فلا يصب رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه، فيقول: "سمع اللَّه لمن حمده"، ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلًا، ثم يقول: اللَّه أكبر، ثم يهوي إلى الأرض، فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه، ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ثم يقول: "اللَّه أكبر"، ويرفع، ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى، وقعد متوركا على شقه الأيسر، قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي. انتهى. أخرجوه مختصرًا ومطولًا، وضعفه الطحاوي بما سيأتي في حديث رفع اليدين، وفي الجلوس.
ومن أحاديث الباب: ما أخرجه الأئمة الستة عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه، قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع من السجدتين. انتهى.
قال في الكتاب: وهذا محمول على حالة العذر.
قال الطحاوي في شرح الآثار: إنما كان رفعهم الأيدي إلى المناكب لعلة البرد، بدليل أن وائل بن حجر لما روى الرفع إلى الأذنين، قال في حديثه: ثم أتيته من العام المقبل، وعليهم الأكسية والبرانس، فكانوا يرفعون أيديهم إلى المناكب، قال: فتحمل أحاديث المناكب على حالة العذر، وتتفق الآثار بذلك، واللَّه أعلم. .
الحديث التاسع والثلاثون: يوجد في بعض نسخ الهداية -للشافعي- ما روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، قلت: أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن الزهري عن سالم عن أبيه عبد اللَّه بن عمر، قال: كان رسول اللَّه إذا قام للصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم كبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، فإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك، ولا يفعله حين يرفع رأسه =стр. 593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = من السجود. انتهى.
قال البخاري في كتابه المفرد في رفع اليدين: وروي عن أبي بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد أنه لم ير ابن عمر رفع يديه إلا في التكبيرة الأولى.
قال ابن معين: إنما هو توهم لا أصل له، أو هو محمول على السهو، كبعض ما يسهو الرجل في صلاته، ولم يكن ابن عمر يدع ما رواه عن النبي ﷺ مع ما رواه عن ابن عمر مثل طاوس. وسالم. ونافع. ومحارب بن دثار. وأبي الزبير أنه كان يرفع يديه، فلو صحت رواية مجاهد لكانت رواية هؤلاء أولى، ثم أخرج روايات هؤلاء المذكورين: أن ابن عمر كان يرفع يديه في الصلاة، واللَّه أعلم.
أحاديث أصحابنا: منها حديث تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة، قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم، كانها أذناب خيل شمس؟ ! اسكنوا في الصلاة"، أخرجه مسلم واعترضه البخاري في كتابه الذي وضعه في رفع اليدين، فقال: وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة، قال: دخل علينا رسول اللَّه ﷺ ، ونحن نرفع أيدينا في الصلاة، فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم، كأنها أذناب خيل شمس؟ ! اسكنوا في الصلاة"، وهذا إنما كان في التشهد لا في القيام، ففسره رواية عبد اللَّه ابن القبطية، قال: سمعت جابر بن سمرة، يقول: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ ، قلنا: السلام عليكم. السلام عليكم، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال: "ما بال هؤلاء يومنون بأيديهم، كأنه أذناب خيل شمس؟ ! ، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم ليسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله". انتهى.
وهذا قول معروف لا اختلاف فيه، ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضًا منهيًا عنه، لأنه لم يستثن رفعًا دون رفع، بل أطلق. انتهى. كلامه. ورواية عبد اللَّه ابن القبطية هذه أخرجه مسلم أيضًا، وفي لفظ النسائي، قال: "ما بال هولاء يسلمون بأيديهم، كأنها أذناب خيل شمس؟ ! "، الحديث.
ولقائل أن يقول: إنهما حديثان لا يفسر أحدهما بالآخر، كما جاء في لفظ الحديث الأول: دخل علينا رسول اللَّه ﷺ ، وإذا الناس رافعي أيديهم في الصلاة، فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم، كأنه أذناب خيل شمس؟ ! اسكنوا في الصلاة"، والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، إنما يقال ذلك لمن يرفع يديه أثناء الصلاة، وهو حالة الركوع والسجود، ونحو ذلك، هذا هو الظاهر، والراوي روى هذا في وقت، كما شاهده، وروى الآخر في وقت آخر، كما شاهده، وليس في ذلك بعد، واللَّه أعلم.
حديث آخر: أخرجه أبو داود، والترمذي عن وكيع عن سفيان الثوري عن عاصم بن =стр. 594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة، قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول اللَّه ﷺ ؟ فصلى، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة. انتهى.
وفي لفظ: فكان يرفع يديه أول مرة، ثم لا يعود، قال الترمذي: حديث حسن. انتهى. وأخرجه النسائي عن ابن المبارك عن سفيان به.
قال الشيخ تقي الدين في الإمام: وعاصم بن كليب أخرج له مسلم، وعبد الرحمن بن الأسود أيضًا أخرج له مسلم، وهو تابعي، وثقه ابن معين، وعلقمة، فلا يسأل عنه للاتفاق على الاحتجاج به. انتهى.
واعترض على هذا الحديث بأمور: -منها ما رواه الترمذي بسنده عن ابن المبارك، قال: لم يثبت عندي حديث ابن مسعود: أنه ﵇ لم يرفع يديه إلا في أول مرة، وثبت حديث ابن عمر أنه رفع عند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام من الركعتين، ورواه الدارقطني، ثم البيهقي في سننهما وذكره المنذري في مختصر السنن. ثم قال: وقال غير ابن المبارك: لم يسمع عبد الرحمن من علقمة. انتهى.
ومنها تضعيف عاصم بن كليب، نقل البيهقي في سننه عن أبي عبد اللَّه الحاكم أنه قال: عاصم بن كليب لم يخرج حديثه الصحيح، وكان يختصر الأخبار فيؤديها بالمعنى، وهذه اللفظة، ثم لا يعود غير محفوظة في الخبر. انتهى.
والجواب؛ أما الأول: فقال الشيخ في الإمام: وعدم ثبوت الخبر عند ابن المبارك لا يمنع من النظر فيه، وهو يدور على عاصم بن كليب، وقد وثقه ابن معين، كما قدمناه.
قال: وقول شيخنا أبي محمد المنذري: وقال غيره: لم يسمع عبد الرحمن من علقمة، فغير قادح أيضًا، فإنه عن رجل مجهول، وقد تتبعت هذا القائل فلم أجده، ولا ذكره ابن أبي حاتم في مراسيله، وإنما ذكره في كتاب الجرح والتعديل، فقال: وعبد الرحمن بن الأسود، دخل على عائشة، وهو صغير، ولم يسمع منها، وروى عن أبيه. وعلقمة، ولم يقل: إنه مرسل، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وقال: إنه مات سنة تسع وتسعين، وكان سنه سن إبراهيم النخعي، فإذا كان سنه سن النخعي، فما المانع من سماعه عن علقمة، مع الاتفاق على سماع النخعي منه؟ ! ومع هذا كله، فقد صرح الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب المتفق والمفترق -في ترجمة عبد الرحمن هذا-، أنه سمع أباه. وعلقمة. انتهى.
وقال ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام: ذكر الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: حديث وكيع لا يصح، والذي عندي أنه صحيح، وإنما المنكر فيه على وكيع زيادة: ثم لا يعود، وقالوا: إنه كان يقولها من قبل نفسه، وتارةً لم يقلها، وتارةً أتبعها الحديث، كأنها من كلام ابن مسعود، وكذلك قال الدارقطني: إنه حديث صحيح، إلا =стр. 595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = هذه اللفظة، وكذلك قال أحمد بن حنبل. وغيره، وقد اعتنى الإمام محمد بن نصر المروزي بتضعيف هذه اللفظة في كتاب رفع اليدين. انتهى. كلامه. قلت: قد تابِع وكيعًا على هذه اللفظة عبد اللَّه بن المبارك، كما رواه النسائي، وقد قدمناه، وأيضًا، فغير ابن القطان ينسب الوهم فيها لسفيان الثوري لا لوكيع، قال البخاري في كتابه -في رفع اليدين-: ويروى عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب، فذكره بسنده ومتنه، قال أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم: نظرت في كتاب عبد اللَّه بن إدريس عن عاصم بن كليب، فلم أجد فيه: ثم لم يعد.
قال البخاري: وهذا أصح، لأن الكتاب أثبت عند أهل العلم. انتهى.
فجعل الوهم فيه من سفيان، لأن ابن إدريس خالفه، وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: سألت أبي عن حديث رواه سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبد اللَّه أن النبي ﷺ قام فكبر، فرفع يديه، ثم لم يعد، فقال أبي: هذا خطأ، يقال: وهم فيه الثوري، فقد رواه جماعة عن عاصم، وقالوا كلهم: أن النبي ﷺ افتتح فرفع يديه، ثم ركع، فطبق، وجعلهما بين ركبتيه، ولم يقل أحمد ما روى الثوري. انتهى. فالبخاري. وأبو حاتم جعلا الوهم فيه من سفيان. وابن القطان، وغيره يجعلون الوهم فيه من وكيع، وهذا اختلاف يؤدي إلى طرح القولين، والرجوع إلى صحة الحديث لوروده عن الثقات، وأما الثاني: وهو تضعيف عاصم، فقد قدمنا أنه من رجال الصحيح، وأن ابن معين، قال فيه: ثقة، كما ذكره الشيخ في الإمام.
قال الشيخ: وقول الحاكم: إن حديثه لم يخرج في الصحيح، فغير صحيح، فقد أخرج له مسلم حديثه عن أبي بردة عن علي في الهدي، وحديثه عنه عن علي: نهاني رسول اللَّه ﷺ ، أن أجعل خاتمي في هذه. والتي يليها، وغير ذلك، وأيضًا فليس من شرط الصحيح التخريج عن كل عدل، وقد أخرج هو في المستدرك عن جماعة لم يخرج لهم في الصحيح، وقال: هو على شرط الشيخين، وإن أراد بقوله: لم يخرج حديثه في الصحيح، أي: هذا الحديث، فليس ذلك بعلة، وإلا لفسد عليه مقصوده كله من كتابه المستدرك. انتهى.
طريق آخر للحديث أخرجه الدارقطني، ثم البيهقي في سننهما. وابن عدي في الكامل عن محمد بن جابر عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللَّه، قال: صليت مع رسول اللَّه ﷺ . وأبي بكر. وعمر، فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة، قال الدارقطني: تفرد به محمد بن جابر، وكان ضعيفًا عن حماد عن إبراهيم، وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلًا عن عبد اللَّه من فعله غير مرفوع، وهو الصواب.
وقال البيهقي في سننه: وكذلك رواه حماد بن سلمة عن أبي سليمان عن إبراهيم عن =стр. 596
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ابن مسعود مرسلًا، وهذه الرواية أخرجها البيهقي في الخلافيات بسنده عن إبراهيم أن ابن مسعود كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه أول مرة، ثم لم يرفع بعد ذلك.
قال الحاكم: وهذا هو الصحيح، وإبراهيم لم ير ابن مسعود، والحديث منقطع، ومحمد بن جابر تكلم فيه أئمة الحديث، وأحسن ما قيل فيه: إنه يسرق الحديث من كلم من يذاكره، حتى كثرت المناكير والموضوعات في حديثه.
قال الشيخ: أما قوله: إنه كان يسرق الحديث من كل من يذاكره، فالعلم بهذه الكلية متعذر، وأما إن ذلك أحسن ما قيل فيه، فأحسن منه قول ابن عدي: كان إسحاق بن أبي إسرائيل يفضل محمد بن جابر على جماعة شيوخ هم أفضل منه، وأوثق، وقد روى عنه من الكبار: أيوب. وابن عون. وهشام بن حسان. والثوري. وشعبة. ابن عيينة. وغيرهم، ولولا أنه في ذلك المحل لم يرو عنه هؤلاء الذين هو دونهم، وقد خولف في أحاديث، ومع ما تكلم فيه فهو ممن يكتب حديثه، وممن تكلم فيه البخاري، قال فيه: ليس بالقوي، وقال ابن معين: ضعيف. انتهى.
ومن الناس القائلين بالرفع من سلك في حديث ابن مسعود هذا مسلك البحث والمناظرة، فقال: يجوز أن يكون ابن مسعود نسي الرفع في غير التكبيرة الأولى، كما نسي في التطبيق. وغيره، واستبعد أصحابنا هذا مثل ابن مسعود، واحتجوا بحديث أخرجه الدارقطني في سننه والطحاوي في شرح الآثار عن حصين بن عبد الرحمن، قال: دخلنا على إبراهيم النخعي فحدثه عمرو بن مرة، قال: صلينا في مسجد الحضرميين، فحدثني علقمة بن وائل عن أبيه أنه رأى النبي ﷺ ، يرفع يديه حين يفتتح، وإذا ركع، وإذا سجد، فقال إبراهيم: ما أرى أباه رأى رسول اللَّه ﷺ ، إلا ذلك اليوم الواحد، فحفظ عنه ذلك، وعبد اللَّه بن مسعود لم يحفظه، إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة. انتهى.
ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، ولفظه: أحفظ وائل، ونسي ابن مسعود؟ ! ورواه الطحاوي في شرح الآثار، وزاد فيه: فإن كان رآه مرة يرفع، فقد رآه خمسين مرة لا يرفع. انتهى. ذكر هذا الكلام كله ابن الجوزي في التحقيق.
قال صاحب التنقيح: قال الفقيه أبو بكر بن إسحاق، هذه علة لا يساوى سماعها، لأن رفع اليدين قد صح عن النبي ﷺ ، ثم عن الخلفاء الراشدين، ثم الصحابة والتابعين، وليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يستغرب قد نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف المسلمون فيه بعد، وهي المعوذتان، ونسي ما اتفق العلماء على نسخه، كالتطبيق، ونسي كيف قيام الاثنين خلف الإمام، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه، أن النبي ﷺ صلى الصبح يوم النحر في وقتها، ونسي كيفية جمع النبي ﷺ بعرفة، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض في =стр. 597
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣) ﴾ "، وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة، كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين.
وقال البخاري في كتابه -في رفع اليدين-: كلام إبراهيم هذا ظن منه، لا يرفع به رواية وائل، بل أخبر أنه رأى النبي ﷺ يصلي، وكذلك رأى أصحابه غير مرة يرفعون أيديهم، كما بينه زائدة، فقال: حدثنا عاصم ثنا أبي عن وائل بن حجر أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فرفع يديه في الركوع، وفي الرفع منه، قال: ثم أتيتهم بعد ذلك، فرأيت الناس في زمان برد، عليهم جل الثياب، تحرك أيديهم من تحت الثياب. انتهى.
وقال البيهقي في المعرفة: قال الشافعي: الأولى أن يؤخذ بقول وائل، لأنه صحابي جليل، فكيف يرد حديثه بقول رجل ممن هو دونه، وخصوصًا، وقد رواه معه عدد كثير. انتهى.
حديث آخر أخرجه أبو داود عن شريك عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب، قال: كان النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود. انتهى.
قال أبو داود: رواه هشيم. وخالد. وابن إدريس عن يزيد، لم يذكروا فيه: ثم لا يعود. انتهى. قال الشيخ في الإمام: واعترض عليه بأمور؛ أحدها: إنكار هذه الزيادة على شريك، وزعموا أن جماعة رووه عن يزيد، فلم يذكروها، قال الشيخ: وقد توبع شريك عليها، كما أخرجه الدارقطني عن إسماعيل بن زكريا ثنا يزيد بن أبي زياد به، نحوه وأنه كان تغير بآخره، وصار يتلقن، واحتجوا على ذلك بأنه أنكر الزيادة، كما أخرجه الدارقطني عن علي بن عاصم ثنا محمد بن أبي ليلى عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب، قال: رأيت النبي ﷺ حين قام إلى الصلاة كبر ورفع يديه حتى ساوى بهما أذنيه، فقلت: أخبرني ابن أبي ليلى أنك قلت: ثم لم يعد.
قال: لا أحفظ هذا، ثم عاودته، فقال: لا أحفظه.
وقال البيهقي: سمعت الحاكم أبا عبد اللَّه يقول: يزيد بن أبي زياد كان يذكر بالحفظ، فلما كبر ساء حفظه، فكان يقلب الأسانيد، ويزيد في المتون، ولا يميز، وقال الحاكم، ثم البيهقي عنه، بسنده عن أحمد بن حنبل، قال: هذا حديث واه قد كان يزيد بن أبي زياد يحدث به برهة من دهره، فلا يذكر فيه: ثم لا يعود، فلما لقن أخذه، فكان يذكره فيه.
قال الشيخ: ويزيد بن أبي زياد معدود في أهل الصدق، كوفي، يكنى أبا عبد اللَّه، ذكر أبو الحارث القروي، قال أبو الحسن: يزيد بن أبي زياد، جيد الحديث، وذكر مسلم =стр. 598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = في مقدمة كتابه صنفًا، فقال فيهم: إن الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، كعطاء بن السائب. ويزيد بن أبي زياد. وليث بن أبي سليم. الأمر الثاني: المعارضة برواية إبراهيم بن يسار عن سفيان ثنا يزيد بن أبي زياد -بمكة- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب، قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
قال سفيان: فلما قدمت الكوفة سمعته يقول: يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود، فظننتهم لقنوه، رواه الحاكم، ثم البيهقي عنه.
قال الحاكم: لا أعلم أحدًا ساق هذا المتن بهذه الزيادة عن سفيان بن عيينة غير إبراهيم بن بشار الرمادي، وهو ثقة، من الطبقة الأولى، من أصحاب ابن عيينة، جالس ابن عيينة نيفًا وأربعين سنة.
ورواه البخاري في كتابه في رفع اليدين: حدثنا الحميدي ئنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد بمثل لفظ الحاكم.
قال البخاري: وكذلك رواه الحفاظ ممن سمع يزيد قديمًا: منهم شعبة. والثوري. وزهير، وليس فيه: ثم لم يعد. انتهى.
وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء: يزيد بن أبي زياد كان صدوقًا، إلا أنه لما كبر تغير، فكان يلقن، فيتلقن، فسماع من سمع منه قبل دخوله الكوفة في أول عمره سماع صحيح، وسماع من سمع منه في آخر قدومه الكوفة ليس بشيء. انتهى.
طريق آخر لحديث البراء، أخرجه أبو داود عن وكيع عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء، قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ رفع يديه حين افتتح الصلاة، ثم لم يرفعهما حتى انصرف. انتهى.
قال أبو داود: هذا الحديث ليس بصحيح، وكأنه ضعفه بمحمد بن أبي ليلى، وذكره البخاري في كتابه - في رفع اليدين معلقًا، لم يصل سنده به.
ثم قال: وإنما روى ابن أبي ليلى، هذا من حفظه، فأما من روى عن ابن أبي ليلى من كتابه، فإنما حدث عنه عن يزيد بن أبي زياد، فرجع الحديث إلى تلقين يزيد، والمحفوظ ما روى عنه الثوري. وشعبة. وابن عيينة، قديمًا، ليس فيه: ثم لم يرفع. انتهى.
وقال الحازمي في كتابه الناسخ والمنسوخ: الوجه التاسع عشر: أن يكون أحد الروايتين لم يضطرب لفظه، فترجح خبره على خبر من اضطرب لفظه، لأنه يدل على ضبطه نحو حديث ابن عمر أنه ﵇ كان يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، واذا رفع، فإنه يروى عن ابن عمر من غير وجه، ولم يختلف عليه فيه، فهو أولى بالمصير من =стр. 599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = حديث البراء بن عازب: أنه ﵇ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود، لأنه يعرف بيزيد بن أبي زياد، وهو قد اضطرب فيه.
قال سفيان بن عيينة: كان يزيد بن أبي زياد يروي هذا الحديث، ولا يقول فيه: ثم لا يعود، ثم دخلت الكوفة فرأيته يرويه وقد زاد فيه: ثم لا يعود، لقنوه، فتلقن، . انتهى.
قال البيهقي في المعرفة: ويدل على أنه تلقنها، أن أصحابه القدماء لم يؤثروها عنه، مثل سفيان الثوري. وشعبة. وهشيم. وزهير. وغيرهم، وإنما أتى بها عنه من سمع منه بآخره، وكان قد تغير واختلط، وابن أبي زياد ضعفه ابن معين، وقد رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عبد الرحمن عن البراء. ومحمد بن أبي ليلى أضعف عند أهل الحديث من ابن أبي زياد، واختلف عليه في إسناده، فقيل هكذا، وقيل: عنه عن الحكم بن عتيبة عن ابن أبي ليلى، وقيل: عنه عن يزيد بن أبي زياد عن ابن ليلى، فعاد الحديث إلى يزيد.
قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: كان أبي ينكر حديث الحكم، وعيسى، ويقول: إنما هو حديث يزيد بن أبي زياد، وابن أبي ليلى سيِّئ الحفظ. وابن أبي زياد ليس بالحافظ. انتهى.
حديث آخر، أخرجه البيهقي في الخلافيات عن عبد اللَّه بن عون الخراز ثنا مالك عن الزهري عن سالم عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يرفع يديه، إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود. انتهى.
قال البيهقي: قال الحاكم: هذا باطل موضوع، ولا يجوز أن يذكر إلا على سبيل القدح، فقد روينا بالأسانيد الصحيحة عن مالك بخلاف هذا، ولم يذكر الدارقطني هذا في غرائب حديث مالك قال الشيخ: والخراز هذا بخاء معجمة، بعدها راء مهملة، آخره زاي معجمة.
حديث آخر، أخرجه البيهقي في الخلافيات أيضًا، أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن محمد بن إسحاق عن الحسن بن الربيع عن حفص بن غياث عن محمد بن أبي يحيى عن عباد بن الزبير: أن رسول اللَّه ﷺ ، كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه في أول الصلاة، ثم لم يرفعها في شيء حتى يفرغ. انتهى.
قال الشيخ في الإمام: وعباد هذا تابعي، فهو مرسل. انتهى.
حديث آخر، حديث: "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن"، وقد تقدم الكلام عليه.
حديث آخر، ذكر الحاكم أبو عبد اللَّه في كتاب المدخل إلى معرفة الإكليل في ذكر المجروحين تحت ترجمة جماعة وضعوا الحديث في الوقت لحاجتهم إليه.
قال: وقيل لمحمد بن عكاشة الكرماني: إن قومًا يرفعون أيديهم في الركوع، وبعد =стр. 600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = رفع الرأس من الركوع، فقال: حدثنا المسيب بن واضح ثنا عبد اللَّه بن المبارك عن يونس بن زيد عن الزهري عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من رفع يديه في الركوع، فلا صلاة له". انتهى. قال الحاكم: فكل من رزقه اللَّه فهما في نوع من العلم، وتأمل هذه الأحاديث علم أنها موضوعة على رسول اللَّه ﷺ . انتهى. وهذا الحديث رواه ابن الجوزي بإسناده في الموضوعات عن محمد بن عكاشة به، ثم نقل عن الدارقطني أنه قال: محمد بن عكاشة هذا كان يضع الحديث، ثم رواه ابن الجوزي من حديث المأمون بن أحمد السلمي ثنا المسيب بن واضح عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له". انتهى.
وكذلك رواه في كتاب التحقيق، ونقل في الكتابين عن ابن حبان أنه قال: مأمون هذا كان دجالًا من الدجاجلة، قال ابن الجوزي: وما أبله من وضع هذه الأحاديث الباطلة لتقاوم بها الأحاديث الصحيحة، فقد روى الرفع من الصحابة جماعة كثيرون، وسمى ستة وعشرين رجلًا، قال: ومن لم يكن الحديث صناعته لم ينكر عليه الاحتجاج بالأباطيل. انتهى.
الآثار في ذلك: روى الطحاوي، ثم البيهقي من حديث الحسن بن عياش عن عبد الملك بن أبجر عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن الأسود، قال: رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود.
قال: ورأيت إبراهيم. والشعبي يفعلان ذلك.
قال الطحاوي: فهذا عمر لم يكن يرفع يديه أيضًا إلا في التكبيرة الأولى، والحديث صحيح، فإن مداره على الحسن بن عياش، وهو ثقة حجة، ذكر ذلك يحيى بن معين عنه. انتهى.
واعترضه الحاكم: بأن هذه رواية شاذة لا يقوم بها حجة، ولا تعارض بها الأخبار الصحيحة عن طاوس بن كيسان عن ابن عمر أن عمر كان يرفع يديه في الركوع، وعند الرفع منه، وروى هذا الحديث سفيان الثوري عن الزبير بن عدي به، ولم يذكر فيه: لم يعد، ثم رواه الحاكم، وعنه البيهقي بسنده عن سفيان عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن الأسود أن عمر كان يرفع يديه في التكبير. انتهى. قال الشيخ: وما ذكره الحاكم فهو من باب ترجيح رواية لا من باب التضعيف، وأما قوله: إن سفيان لم يذكر عن الزبير بن عدي فيه: لم يعد، فضعيف جدًا، لأن الذي رواه سفيان في مقدار الرفع، والذي رواه الحسن بن عياش في محل الرفع، ولا تعارض بينهما، ولو كانا في محل واحد لم تعارض رواية من زاد برواية من ترك، والحسن بن عياش أبو محمد هو أخو أبي بكر بن عياش. =следующие страницы →