Полный текст (3 498 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أن يصلوا فيه جماعة فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه وإنما كرهت ذلك لهم لأنه ليس مما فعل السلف قبلنا بل قد عابه بعضهم، وأحسب كراهية من كره ذلك منهم إنما كان لتفرقة الكلمة وأن يرغب رجل عن الصلاة خلف إمام الجماعة فيتخلف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصلاة؛ فإذا قضيت دخلوا فجمعوا فيكون بهذا اختلاف وتفرق الكلمة وفيهما المكروه وإنما أكره هذا في كل مسجد له إمام ومؤذن فأما مسجد بني على ظهر الطريق أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذن راتب ولا يكون له إمام راتب ويصلي فيه المارة ويستظلون فلا أكره ذلك؛ لأنه ليس فيه المعنى الذي وصفت من تفرق الكلمة وأن يرغب رجال عن إمامة رجل فيتخذون إمامًا غيره قال: وإنما منعني أن أقول: صلاة الرجل لا تجوز وحده وهو يقدر على جماعة بحال تفضيل النبي ﷺ صلاة الجماعة على صلاة المنفرد ولم يقل: لا تجزي المنفرد صلاته وأنا قد حفظنا أن قد فاتت رجالًا معه الصلاة فصلوا بعلمه منفردين وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا وأن قد فاتت الصلاة في الجماعة قومًا فجاؤوا المسجد فصلى كل واحد منهم منفردًا وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا في المسجد فصلى كل واحد منهم منفردًا وإنما كرهوا لئلا يجمعوا في مسجد مرتين".
وما علقه الشافعي عن الصحابة قد جاء موصولًا عن الحسن البصري قال: "كان أصحاب محمد ﷺ إذا دخلوا المسجد وقد صلي فيه صلوا فرادى"، رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٣).
وقال أبو حنيفة: "لا يجوز إعادة الجماعة في مسجد له إمام راتب".
ونحوه في "المدونة" عن الإمام مالك، وبالجملة فالجمهور على كراهة إعادة الجماعة في المسجد بالشرط السابق، وهو الحق، ولا يعارض هذا الحديث المشهور: "إلا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه"، وسيأتي في الكتاب (ص ٢٧٧)؛ فإن غاية ما فيه حض الرسول ﷺ أحد الذين كانوا صلوا معه ﷺ في الجماعة الأولى أن يصلي وراءه تطوعًا، فهي صلاة متنفل وراء مفترض، وبحثنا إنما هو في صلاة مفترض وراء المفترض، فاتتهم الجماعة الأولى، ولا يجوز قياس هذه على تلك؛ لأنه قياس مع الفارق من وجوه:
الأول: أن الصورة الأولى المختلف فيها لم تنقل عنه ﷺ لا إذنًا ولا تقريرًا مع وجود المقتضى في عهده ﷺ كما أفادته رواية الحسن البصري.
الثاني: أن هذه الصورة تؤدي إلى تفريق الجماعة الأولى المشروعة؛ لأن الناس إذا علموا أنهم تفوتهم الجماعة يستعجلون فتكسر الجماعة وإذا علموا أنها لا تفوتهم يتأخرون فتقل الجماعة وتقليل الجماعة مكروه وليس شيء من هذا المحذور في الصورة التي أقرها رسول اللَّه ﷺ فثبت الفرق فلا يجوز الاستدلال بالحديث على =стр. 807
تتمة:
قيدت المسألة بما إذا صلى في وقته المعتاد، فلو قدم أو أخر فلمتم الجمع، وليس حكمه حينئذ حكم الجماعة؛ لتفريطه.
الحواشي
(١٢٥) "، ثم رأيته صححه في غير هذا الكتاب.
ومهما يكن من أمر فإن الحافظ ﵀ قد قال في التلخيص (٣/ ١٨٥): "روى أحمد من طريق عبيد اللَّه بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة: أن رسول اللَّه ﷺ رأى رجلًا يصلي فقال: "إلا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه" فقام رجل يصلي معه فقال: "هذان جماعة" هذا عندي أمثل طرق هذا الحديث لشهرة رجاله وإن كان ضعيفًا، وقد رواه الطبراني من وجه آخر عن أبي أمامة".
وعلى افتراض صحته يحمل كما هو الظاهر على موافقة الإمام الراتب لقيام جماعة أخرى في مسجده، وإلا فلا.
ثم رأيت الحافظ أيضًا قد رجع إلى تصحيحه، فقال في الدراية (١/ ١٧٣): "حديث المفترض خلف المتنفل احتج من أجازه بقصة معاذ واحتج من منع بعموم قوله: فلا تختلفوا عليه، والحديثان متفق عليهما وقد نوزع كل في استدلاله بطول شرحه ومحله كتب الشروح واللَّه أعلم ويترجح الجواز بثبوت الأحاديث في صلاة الخوف وحديث إعادة الجماعة عن أبي سعيد أن النبي ﷺ أبصر رجلًا يصلي وحده فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه" أخرجه الترمذي وابن خزيمة والحاكم، وفي الباب عن أبي أمامة وأبي موسى والحاكم بن عمير ذكرها الترمذي، وعن أنس عند الدارقطني بسند جيد وعن عقبة بن مالك عنده بسند ضعيف، وعن سلمان عند البزار.стр. 808
تنبيه:
خرج بالإمام الراتب مؤذن راتب في مسجد لا إمام له راتب، فإن صلاته ليست كجماعة، وهو كذلك على أحد قولين، حكاهما ابن عرفة.
[الصلاة بعد الإقامة: ]
ولا تبتدأ صلاة فرض أو نفل بعد الإقامة؛ لما فيه من الطعن، ولا يعلم من كلامه عين الحكم، وهو محتمل للمنع؛ لخبر: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" (١) .
ابن عبد السلام: وهو ظاهر الأحاديث.
وهو محتمل للكراهة، وبه صرح ابن الحاجب، فقال: وإذا أقيمت كره النفل.
وتعقب تخصيصه بالنّفل، لكن أجيب بأنه غالب ما يقع.
[الإقامة وهو في صلاة: ]
ثم ذكر مفهوم: (لا تبتدأ)، فقال: وإن أقيمت عليه الصلاة، وهو في صلاة، نكّر ليشمل المقامة وغيرها: فرضًا أو نفلًا، مغربًا أو غيرها، يجب تقديمها عليها أو لا، قطع ما هو فيه، سواء عقد منه ركعة أو لا، إن خشي بتماديه فوات ركعة من صلاة الإمام.
وإلا بأن لم يخش فوات ركعة، وهو في نفل، أتم النافلة أو فريضة غيرها، كما لو أقيمت عليه العصر وهو في الظهر، ويخفف.
وظاهره عقد ركعة أو لا، وهو كذلك في المسألتين، كما صرح به في توضيحه عن مالك، ويوافقه قول البساطي: ظاهر كلامه: أنه يتم النافلة والفريضة الأخري، وإن لم يعقد، أي: سواء عقد أو لم يعقد. الحواشي
(١) رواه من حديث أبي هريرة: عبد الرزاق (٢/ ٤٥٦، رقم ٣٩٨٧)، ومسلم (١/ ٤٩٣، رقم ٧١٠)، وأبو داود (٢/ ٢٢، رقم ١٢٦٦)، والترمذي (٢/ ٢٨٢، رقم ٤٢١)، والنسائي (٢/ ١١٦، رقم ٨٦٥)، وابن ماجة (١/ ٣٦٤، رقم ١١٥١).стр. 809
وإلا تكن التي هو فيها نافلة ولا فريضة غير التي هو فيها، بل هي، كما لو أقيمت عليه عصر، وهو فيها، أي: ولم يخش فوات ركعة، انصرف في الثالثة التي لم يعقدها عن شفع، بأن يرجع ويجلس ويسلم؛ لأن السلام لا يكون إلا من جلوس، ويدخل مع الإمام. وإن عقد الثالثة، بأن رفع رأسه من ركوعها أضاف إليها أخرى؛ لأن أكمالها أكمل، ولا يجعلها نافلة.
وإطلاقه يقضي أن المغرب كغيرها، فلو أقيمت عليه المغرب وهو فيها، قد عقد ركعة شفعها، وهو قول ابن القاسم.
ابن الحاجب: وفي المغرب يقطع.
وقيل: كغيرها لو أقيمت عليه المغرب، وهو فيها، فإن أتم ركعتين، فالمشهور يتم وينصرف، كما لو قام للثالثة وأتمها.
وقيد الشارح كلام المصنف بغير المغرب؛ لمخالفته للمشهور، وهو واضح.
[حكم التشفيع: ]
ثم شبه لإفادة الحكم، فقال: كالأولى -أي: الركعة الأولى من الصلاة التي أقيمت عليه وهو فيها- إن عقدهما -أي: الركعة- أضاف إليها ركعة، وانصرف عن شفع، وأدرك الإمام.
ومفهوم الشرط إن لم يعقدها قطع؛ لعدم حصول جزء يعتد به، والفرق بين هذه وبين النفل في أنه تمادي، سواء عقد ركعة أو لا؛ لأن النفل إذا قطعه أبطله جملة، والفرض إذا قطعه أتى به على وجه أكمل.
[ما يحصل به القطع: ]
ويحصل القطع بسلام منها، أو مناف لها، ويدخل فيه رفضها، وإلا بأن لم يأت بسلام ولا مناف ودخل مع الإمام أعاد الصلاة التي دخل فيها؛ لأنه أحرم بصلاة، وهو في صلاة، فتبطلان معًا.
стр. 810
وقول الشارح: (لا يكفي الرفض؛ للاختلاف فيه) غير ظاهر؛ لأنه مبطل على المشهور.
[مسألة: ]
وإن أقيمت صلاة بمسجد أو ما بمنزلته على محصل الفضل في تلك الصلاة، بأن سبق له إيقاعها جماعة، وهو به -أي: بالمسجد- خرج منه للطعن على الإمام، ولم يصلها معه؛ لئلا يعيد ما صلاه مع جماعة، ولا يصلي فرضًا غيرها؛ لئلا يقع في النهي عن الصلاتين معًا.
وقولنا: (فرضًا)؛ لأنه لو صلى خلفه نفلًا جاز.
تنبيه:
قوله: (بمسجد) مخصوص بما عدا المساجد الثلاثة؛ فإنه لمن صلى في جماعة بغيرها أن يعيد في جماعة فيها على المذهب، لا غيرها، ذكره المشذالي عن ابن عرفة.
قال: ونقله ابن بشير عن ابن حبيب فقط قصور، وإلزام اللخمي عليه إعادة من جمع في غيرها فذًا فيها، يُرَدُ بأن جماعتها أفضل من فذها، وانظر بقية كلامه (١) . الحواشي
(١) قال الأجهوري: "تنبيهات: الأول: استثنى بعضهم من صلى في أحد المساجد الثلاثة مفردًا فإنه لا يعيد في غيرها في جماعة، وفي هذا الاستثناء نظر إذ من صلى فيها منفردًا لا يقال أنه لم يحصل فضل الجماعة إذ قد حصله مع زيادة، وحاصل ما يدل عليه كلام ابن عرفة إن من صلى في أحد الثلاث ولو مفردًا لا يعيد في غيرها جماعة ومن صلى في غيرها منفردًا يعيد فيها ولو مفردًا ومن صلى في غيرها جماعة يعيد فيها في جماعة ولا يعيدها مفردًا كما ألزمه اللخمي لمن قال: من صلى في غيرها جماعة يعيد فيها في جماعة، ولكن رده ابن عرفة حيث قال وإلزام اللخمي عليه إعادة جمع في غيرها فذًا فيها يرد بأن جماعتها أفضل من فذها وتمسك المازري معه بقوله فيها: من أتى أحد المساجد الثلاثة وقد جمع فيها راجيًا جماعة في غيره صلاته فذًا فيه أفضل منها جماعة في غيرها يرد بأنه لا يلزم من ترجيح فعل قبل فعل مفضول عنه جواز إعادته بعد فعل مفضوله، بل اللازم أحروية إعادة فذ فيه لأن الفذ يعيد في جماعة، ورده ابن بشير بأن الإعادة إنما وردت في العكس والموضع موضع عبادة مع =стр. 811
وأفهم قول المصنف: (وهو به) أنها لو أقيمت على محصل الفضل وهو بغيره لم يتعين عليه الخروج، بل يخير بينه وبين الجمع معهم، وهو
الحواشي
(١) = قوله أولًا هو القياس يناقض. انتهى. وتلخص أن من صلى الفريضة فيها ولو مفردًا لا يعيدها في غيرها ولو جماعة ومن صلاها في غيرها مفردًا فإنه يعيدها فيها ولو مفردًا ومن صلاها في غيرها جماعة أعادها فيها جماعة وهل يعيد مفردًا وعليه اللخمي ومن وافقه أولًا، وعليه ابن عرفة، وقد نظمت ما ذكر مع الإشارة لمعتمد ابن عرفة فقلت:
أمنع إعادة من صلى فريضة ... بمسجد المصطفى والقدس والحرم
وأن يصلي بغير مفردًا بعدن ... بها ولو مفردًا فأحفظه وأغتنم
ومن يصل به جمعًا يعيد بها جمعًا، وقيل: وفردا فرت بالنعم.
وقولي: (والقدس والحرم)، أي: وبمسجد القدس وبمسجد الحرام، وهو مسجد مكة. ومن المعلوم أن المراد المنع من الإعادة بغيرها، كما يرشد له المعني، والمقام وهو شامل للإعادة في غيرها جماعة.
وقولي: (ومن يصلي به جمعًا. . إلخ) أي: من يصلي بغير المساجد (لمن صلاها فيها مفردًا فيمنع من صلى فيها مفردًا من إعادتها في غيرها جماعة صح) الثلاث جماعة؛ فإنه يعيد فيها جماعة.
وقولي: (وقيل وفردًا. . إلخ) إشارة إلى ما ألزمه اللخمي، وقد علمت رده ونظمتها أيضًا، فقلت:
مصل بمسجد خير الورى ... أو القدس أو مكة يمتنع
إعادته بسواها ومرهب ... عكس لهذا تكن متبع
سوى أنه لا يصلي بها ... فرادى الذي بسواها جمع
وواحد هذي مع اللذ نفي ... كما في سواها فكن مستمع
وقولي: (ومره بعكس. . إلخ)، أي: أنه يؤمر بإعادة من صلى في المساجد الثلاثة بها، وهذا صادق بصور أربع استثنيت منها سورة، وهي ما صلى بغيرها جمعًا لا يعاد بها مفردًا.
وقولي: (جمع) بالبناء للمفعول والذي صنعه للمفعول"، أي: الفرض الذي جمع بسواها وقولي: وواحد هذي، أي: المساجد الثلاث وقولي مع اللذ بقي، أي: منها وقولي كما في سواها، أي: فما صلى في واحد منها فرادى يعاد جماعة فيه وفي باقيها وما صلى في واحد منها جماعة لا يعاد في واحد منها في جماعة ويبقى النظر في أمور؛ الأول: ما ذكرناه من أنه من صلى في غيرها جماعة يعيدها فيها جماعة قال ابن عرفة أنه المذهب والذي عليه اللخمي والفقيه سند خلافه وأنه لا يعيد على ظاهر المذهب".стр. 812
كذلك، إذا كان بأحد المساجد الثلاثة، وأما بغيرها فيخرج.
والفرق: كثرة الثواب فيها دون غيرها، وهو موافق لقول الحافظ ابن عرفة: إنه المذهب، ويعضده تعقبه على ابن بشير في عزوه النقل عن ابن حبيب فقط، فتأمله، واللَّه أعلم بالصواب.
[غير محصل الفضل: ]
وإلا يكن حصل الفضل بأن لم يكن صلاها، أي: وصلى ما قبلها، أو بأن صلاها منفردًا، أو صلاها مع صبي، وهي غير مغرب أو عشاء بعد وتر؛ لأن الكلام فيما يعاد، لزمته مع الإمام، وإن كانت صلاة الجماعة سنة، والإعادة معها مستحبة.
تتمة:
قال في الكافي (١) : من صلى وحده، وأدرك الناس في تلك الصلاة، الحواشي
(١) في "ن ٢": قال الفاكهاني، والصحيح ما أثبتناه كما هو في سائر النسخ، وما نسب للكافي مثبت فيه، قال ابن عبد البر فيه: "باب إعادة الصلاة في جماعة لمن صلى وحده وإعادة الجماعة في المسجد من صلى في جماعة فلا يعيد في جماعة إلا في المسجد الحرام أو مسجد النبي ﵇ لأن العلة -واللَّه أعلم- في إعادة المنفرد إدراك ما فاته من فضل الجماعة وسنتها والمصلي في جماعة قد أدرك ذلك كله فلا معنى لإعادته وقول رسول اللَّه ﷺ : "لا تعاد صلاة هي يوم واحد مرتين" معناه عندنا لمن صلى في جماعة أن لا يعيد في جماعة أخرى؛ لأن ذلك لو جاز في واحدة لجاز في أكثر إلى ما لا نهاية له وإنما أمر المنفرد بالإعادة في جماعة لانفرادهة فاستحال أن تقاس الجماعة عليه، وجمهور الفقهاء على مثل قول مالك في ذلك.
ومن صلى وحده ثم وجد جماعة تصلي تلك الصلاة بعينها في وقتها فحسن له أن يدخل فيصليها معهم ولو كان في مسجد أو غيره فأقيمت تلك الصلاة التي صلاها منفردًا لم يخرج حتى يصليها معهم وهذا في كل صلاة إلا المغرب وحدها ومن أهل المدينة من رأى أن تعاد المغرب وغيرها.
والأول: عندنا عليه العمل، لأن النافلة لا تكون وترًا في غير الوتر وإنما تكون مثنى مثنى ولا قول لمن قال من أصحابنا وغيرهم: يعيد المغرب ويشفعها بركعة ولا لمن قال: يعيدها ثانية فتكون ستة. =стр. 813
فلا يدخل معهم حتى يعلم أنها ليست آخر صلاتهم، صلى بذلك الإحرام ركعتين نافلة.
كمن لم يصلها، يحتمل التمثيل والتشبيه.
[الإقامة وهو محرم بها بالبيت: ]
ونبه على مفهوم: (وهو به) بقوله: وإن أقيمت بالمسجد وقد أحرم بها ببيته، فإنه يتمها فيه، ولم يلزمه قطعها؛ ليدخل مع الإمام، ونحوه في المدونة.
[شروط الإمامة: ]
ولما كان اجتماع المصلين على رجل يصلي بهم مطلوبًا؛ لخبر: "إذا أردتم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم" (١) ، وكان الإمام من توفرت فيه الحواشي
(١) رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٤٦، رقم ٤٩٨١)، وسكت عنه هو المذهبي.стр. 814
شروط: بعضها للصحة، وبعضها للكمال، بين ذلك مبتدئًا بشروط الصحة.
[شروط صحة الإمامة: ]
مشيرًا إليها بذكر نقائضها، فقال: وبطلت صلاة:
[الاقتداء بكافر: ]
[١] باقتداء بمن -أي: بإمام- بان -أي: ظهر- في أثنائها أو بعدها كافرًا؛ لأن شرطه أن يكون مسلمًا، وسواء أسر أو جهر، أسلم أو لا، كان آمنًا أو لا.
تنبيه:
قال المشذالي: المفهوم من قوة كلامهم كونه بشرًا، ولو فرضنا جنيًا مؤمنًا: فهل تصح الصلاة خلفه أو لا.
قال صاحب أحكام الجان (١) : تصح (٢) ؛ لأنه مكلف، وانظر بقية كلامه في الكبير. الحواشي
(١) هو: محمد بن عبد اللَّه الشبلي الدمشقي، أبو عبد اللَّه، بدر الدين بن تقي الدين، (٧١٢ - ٧٦٩ هـ = ١٣١٢ - ١٣٦٧ م): فاضل متفنن، من فقهاء الحنفية، ولد بدمشق، وكان أبوه (قيم الشبلية) فيها، ورحل إلى القاهرة، وولي قضاء طرابلس الشام سنة ٧٥٥ واستمر في القضاء إلى أن توفي بها.
وفي الدرر: قال ابن حبيب: كان يتثبت في أحكامه، ويحقق ما يبديه على ألسنة أقلامه، ويرابط في السواحل، ويلبس السلاح ويقاتل، وكان ذا محاضرة مفيدة ومنظوم ومنثور.
من كتبه (محاسن الوسائل إلى معرفة الأوائل - خ) و (آكام المرجان في أحكام الجان - ط)، و (تثقيف الألسنة بتعريف الأزمنة - خ) بخطه، سنة ٧٤٣ في خزانة لا له لي بإستنابول، الرقم ١٦٨٦ (كما في مذكرات الميمني - خ) و (الينابيع في معرفة الأصول والتفاريع - خ) في شسشربتي، (الرقم ٣٥٤٤). ينظر: الأعلام (٦/ ٢٣٤).(٢) قال في آكام المرجان في أحكام الجان، ص ٧٣: "الباب السادس والعشرون في حكم الصلاة خلف الجني، نقل ابن أبي الصيرفي الحراني الحنبلي في فوائده عن شيخه أبي البقاء العكبري الحنبلي أنه سئل عن الجن: هل تصح الصلاة خلفه؟ فقال: نعم لأنهم مكلفون والنبي ﷺ مرسل إليهم، واللَّه أعلم".стр. 815
ثم قال صاحب أحكام الجان: هل يدخل مؤمنهم الجنة أم لا؟ وأكثر أهل العلم على دخولهم فيها، والمأثور عن مالك والشافعي عدم دخولهم، وإنما هم في رياضها، بحيث يراهم المؤمنون ولا يرونهم.
وهل يرون اللَّه تعالى أو لا؟ قال عز الدين (١) في قواعده الصغرى: لا يرونه كما لا تراه الملائكة، وإنما الرؤية مختصة بالبشر، ولا يحكم بإسلام من بان كافرًا عند مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن كان بمسجد حكم بإسلامه؛ لأنه من شعار الإسلام، وإلا فلا (٢) . الحواشي
(١) هو: عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، عز الدين الملقب بسلطان العلماء، (٥٧٧ - ٦٦٠ هـ = ١١٨١ - ١٢٦٢ م): فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد. ولد ونشأ في دمشق، وزار بغداد سنة ٥٩٩ هـ فأقام شهرًا، وعاد إلى دمشق، فتولى الخطابة والتدريس بزاوية الغزالي، ثم الخطابة بالجامع الأموي، ولما سلم الصالح إسماعيل ابن العادل قلعة (صفد) للفرنج اختيارًا أنكر عليه ابن عبد السلام ولم يدع له في الخطبة، فغضب وحبسه. ثم أطلقه فخرج إلى مصر، فولاه صاحبها الصالح نجم الدين أيوب القضاء والخطابة ومكنه من الأمر والنهي. ثم اعتزل ولزم بيته، ولما مرض أرسل إليه الملك الظاهر يقول: إن في أولادك من يصلح لوظائفك. فقال: لا. وتوفي بالقاهرة.
من كتبه "التفسير الكبير" و"الالمام في أدلة الإحكام" وقواعد الشريعة - خ" و"الفوائد - خ" و"قواعد الإحكام في إصلاح الأنام - ط" فقه، وغير ذلك، وكان من أمثال مصر: "ما أنت إلا من العوام، ولو كنت ابن عبد السلام". ينظر: الأعلام (٤/ ٢١).(٢) نص ما فيه ص ٦٧، وما بعدها: "الباب الرابع والعشرون: في دخول مؤمنيهم الجنة: اختلف العلماء في مؤمني الجن هل يدخلون الجنة على أربعة أقوال:
أحدها: أنهم يدخلون الجنة وعليه جمهور العلماء وحكاه ابن حزم في الملل عن ابن أبي ليلى وأبي يوسف وجمهور الناس قال وبه نقول، ثم اختلف القائلون بهذا القول إذا دخلوا الجنة هل يأكلون فيها ويشربون؟ وساقه منذر بن سعد في تفسيره فقال: حدثنا علي بن الحسن حدثنا عبد اللَّه ابن الوليد العدني عن جويبر عن الضحاك فذكره. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن بجير حدثنا عبد اللَّه بن ضرار بن عمر وحدثنا أبي عن مجاهد أنه سئل عن الجن المؤمنين أيدخلون الجنة؟ قال: يدخلونها ولكن لا يأكلون ولا يشربون يلهمون من التسبيح والتقديس ما يجده أهل الجنة من لذة الطعام والشراب، وذهب الحارث المحاسبي إلى أن الجن الذين يدخلون الجنة يوم القيامة =стр. 816
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣١) ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقوله ﷺ : "من شهد أن لا إله إلا اللَّه خالصًا دخل الجنة" فكما أنهم يخاطبون بعمومات الوعيد بالإجماع فكذلك يكونون مخاطبين بعمومات الوعد بطريق الأولى، ومن أظهر حجة في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ(٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(٤٧) ﴾ إلى آخر السورة، والخطاب للجن والإنس فامتن عليهم سبحانه بجزاء الجنة ووصفها لهم وشوقهم إليها فدل ذلك على أنهم ينالون ما امتن عليهم به إذا آمنوا وقد جاء في حديث أن رسول اللَّه ﷺ قال لأصحابه لما تلا عليهم هذه السورة: "الجن كانوا أحسن ردًا وجوابًا منكم ما تلوت عليهم من آية إلا قالوا ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب" رواه الترمذي.
الوجه الثاني: ما استدل به ابن حزم من قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وبقوله تعالى: حاكيا عنهم ومصدقًا لمن قال ذلك منهم: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إلى آخر السورة. قال: صفة تعم الجن والإنس عمومًا لا يجوز البتة أن يخص منها أحد النوعين ومن المحال الممتنع أن يكون اللَّه تعالى يخبرنا بخبر عام وهو لا يريد إلا بعض ما أخبرنا به ثم لا يبين ذلك وهو ضد البيان الذي ضمنه اللَّه تعالى لنا فكيف وقد نص على أنهم من جملة المؤمنين الذين يدخلون الجنة ولا بد.
الوجه الثالث: روى منذر وابن أبي حاتم في تفسيريهما عن مبشر بن إسماعيل قال: تذاكرنا عند ضمرة بن حبيب أيدخل الجن الجنة؛ قال: نعم وتصديق ذلك في كتاب اللَّه تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ للجنيات والإنس للإنسيات. =стр. 817
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣١) ﴾ قالوا: فلم يذكر دخول الجنة فدل على أنهم لا يدخلونها لأن المقام مقام تبجح والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أنه لا يلزم من سكوتهم أو عدم علمهم بدخول الجنة نقية.
الوجه الثاني: إن اللَّه أخبر أنهم ولوا إلى قومهم منذرين فالمقام مقام إنذار لا مقام بشارة.
الوجه الثالث: أن هذه العبارة لا تقتضي نفي دخول الجنة بدليل ما أخبر اللَّه تعالى عن الرسل المتقدمة أنهم كانوا ينذرون قومهم العذاب ولا يذكرون لهم دخول الجنة كما أخبر عن نوح ﵇ في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، وهود =стр. 818
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 819
[الاقتداء بامرأة أو خنثى: ]
[٢، ٣] أو اقتدى بمن بان امرأة في فرض أو نفل لرجال أو نساء، أو بمن بان خنثى مشكلًا، وتصح صلاته هو لنفسه، وأما غير المشكل فالصحة إن حكم بذكوريته، والبطلان إن حكم بأنوثته، وظاهر كلامهم: وإن أم مثله.
[الاقتداء بمجنون: ]
[٤] أو بمن بان مجنونًا اتفاقًا؛ لأن شرطه العقل، وصلاته هو باطلة أيضًا.
[الاقتداء بفاسق بجارحة: ]
[٥] أو بمن بان فاسقًا بجارحة، كزان وشارب خمر، وسواء غاب عقل الشارب أو لا، كان واليًا تؤدى إليه الطاعة، أو لا.
وخرج بقوله: (بجارحة) الفاسق بالاعتقاد، كـ: حروري، وقدري، وسيأتي أن من اقتدى بحروري يعيد في الوقت.
[الاقتداء بمأموم: ]
[٦] أو بمن بان مأمومًا، فبطل عليهم دونه، ويشمل ذلك صورتين:
الحواشي
(١) = أي: خير الخليقة والملائكة من الخليقة، لا يقال: الملائكة من الذين آمنوا وعملوا الصالحات لأن هذا اللفظ مخصوص بمن آمن من البشر في عرف الشرع، فلا تندرج فيه الملائكة لعرف الاستعمال؛ فإن قيل الملائكة يرون ربهم كما تراه الأبرار. قلت: يمنع منه عموم عمومه في الملائكة الأبرار. انتهى. ما ذكره.
قلت: والبشر اسم لبني آدم وكنية آدم ﵊ أبو البشر كذا جاء مصرحا به في حديث الشفاعة في الصحيح قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر" فإذا استثنى المؤمنون من عموم قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وبقي على عمومه في الملائكة على ما قرره ابن عبد السلام فحينئذ يبقى على عمومه في الجن، واللَّه أعلم".стр. 820
- ما إذا كان مأمومًا في بعضها.
- وأما إذا كان مأمومًا معيدا لها لإيقاعهم فرضًا خلف نفل، وعلم منه أن شرطه تعمير ذمته بما يؤم فيه.
[الاقتداء بمحدث: ]
[٧] أو بمن بان محدثًا، إن تعمد ما يحدثه، وتبطل عليه وعليهم أيضًا إن علموا بذلك، أو إن علم موتمه بحدث بطلت على مؤتمه، علم هو به أو لا، فإن انتفى علمهما معًا، وكان محدثًا في نفس الأمر فصحيحة، ولو لم يقر المأموم، جمعة كانت أو غيرها.
[الاقتداء بعاجز: ]
[٨] وبطلت باقتداء بعاجز عن ركن من أركانها كالقيام مثلًا؛ لنقص الإمام عن مأمومه.
فائدة:
سئل أبو عبد اللَّه القوري (١) عن شيخ مقوس الظهر: هل يؤم السالمين من ذلك؟ فقال: نزلت وأفتيت فيها بالصحة؛ لما يوقف عليه من كلام ابن محرز، وأفتى شيخه أبو محمد عبد اللَّه العبدوسي (٢) ببطلان صلاة المقتدين الحواشي
(١) هو: محمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد يعرف بابن زرقون الأنصاري الإشبيلي، قال في الديباج: "وأصله من بطليوس، كنيته أبو عبد اللَّه، وزرقون لقب عن جد أبيه سعيد المذكور لقب بذلك لحمرة وجهه. .، وولي قضاء شلب وقضاء سبتة فحمدت سيرته ونزاهته، وكان أحد سروات الرجال حافظًا للفقه مبرزًا فيه يعترف له أبو بكر بن الجد بذلك مع البراعة في الأدب والمشاركة في قرض الشعر، صبورًا على الجلوس للأسماع مع الكبرة يتكلف ذلك وإن شق عليه. .، ومن تآليفه: كتاب الأنوار جمع فيه بين المنتقى والاستذكار، وكان الناس يرحلون إليه للأخذ عنه والسماع منه لعلو روايته. ومولده سنة اثنين وخمسمائة. وتوفي بإشبيلية في منتصف رجب سنة ست وثمانين وخمسمائة رحمه اللَّه تعالى".(٢) هو: عبد اللَّه بن محمد بن موسى أبو محمد العبدوسي، (٠٠٠ - ٨٤٩ هـ = ٠٠٠ - ١٤٤٦ م): فقيه مالكي، من أهل فاس، كان مفتيها ومحدثها، له رسائل وفتاوى، منها =стр. 821
به؛ لأنه راكع لا قائم، مستدلًا بقول الشاعر:
أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
أخبر أخبار القرون التي مضت ... أدب كأني كلما قمت راكع
وهذا الثاني يشهد له كلام قول المصنف: (وبعاجز عن ركن)، وظاهره: ولو كان المأموم عاجزًا عن ذلك الركن أيضًا؛ ولذا لم يستثن المؤلف إلا كالقاعد بمثله، إن كانت الكاف للتمثيل، وأما إن كانت للتشبيه فيحتمل كل عاجز عن مثله، فتصح المقوس للمقوسين، ونحو ذلك، انظر الكبير.
[مسألة: ]
أو عاجز عن علم تصح الصلاة به.
[الاستثناء من العجز: ]
ولما شمل قوله: (عاجز عن ركن) ما إذا كان المأموم عاجزًا عن مثل ذلك الركن، استثناه، فقال: إلا كالقاعد بمثله فجائز، وعبر بالجواز لتعلم صحتها دون كراهة، وإلا لقال: فلا تبطل.
وقوله: (كالقاعد بمثله) يحتمل التمثيل، فيشمل كل ركنين مماثلين، وهو الظاهر، إلا أنه قال في توضيحه: لم أر في إمامة الأخرس بمثله نصًا.
ويحتمل أنه استثنى القاعد بمثله، وسكت عما سواه؛ لمساواتهما.
[الاقتداء بأمي: ]
[٩] ثم عطف على البطلان قوله: أو باقتداء بأمي، إن وجد قارئ،
الحواشي
(٢٣٢٥) في خزانة تمكروت (بسوس) ونقل صاحب المعيار بعض فتاويه. وجمع أحد العلماء سيرته في "تأليف". ينظر: الأعلام (٤/ ١٢٧).
قلت: في هذا النقل شيء، إذ تأمل وفاة القوري والعبدوسي.стр. 822
سواء كان القارئ المأموم أو غيره.
ومفهوم الشرط: الصحة إن لم يوجد قارئ، وهو كذلك، وظاهر كلامه: أن ذلك ابتداء، فلا يقطع لإتيان قارئ، قاله ابن عرفة.
قال في الطراز: يقطع إن أتاه قارئ على قول ابن القاسم، إن لم يركع، أو بعد ثلاث من شفع إن ركع. انتهى، واللَّه أعلم.
فائدة:
سمي أميًا لبقائه على حال ولدته أمه عليه، لا يحسن قراءة ولا كتابة.
[إمام يقرأ بالشاذ: ]
[١٠] أو باقتداء بقارئ كقراءة عبد اللَّه بن مسعود (١) ؛ لشذوذها. الحواشي
(١) قال ابن الجزري في النشر (١/ ١٣، وما بعدها): "وقال الإمام أبو محمد مكي في مصنفه الذي ألحقه بكتابه (الكشف) له: فإن سأل سائل فقال: في الذي يقبل من القرآن الآن فيقرأ به؟ وما الذي لا يقبل ولا يقرأ به؟ وما الذي يقبل ولا يقرأ به؟
فالجواب: أن جميع ما روي في القرآن على ثلاثة أقسام:
قسم يقرأ به اليوم، وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال، وهن: أن ينقل عن الثقات عن النبي ﷺ ، ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن سائغًا، ويكون موافقًا لخط المصحف.
فإذا اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث قرئ به وقطع على مغيبه وصحته وصدقه؛ لأنه أخذ عن إجماع من جهة موافقة خط المصحف، وكفر من جحده.
قال: والقسم الثاني: ما صح نقله عن الآحاد، وصح وجهه في العربية، وخالف لفظه خط المصحف، فهذا يقبل، ولا يقرأ به لعلتين:
إحداهما: أنه لم يؤخذ بإجماع، إنما أخذ بأخبار الآحاد، ولا يثبت قرآن يقرأ به بخبر الواحد.
والعلة الثانية: أنه مخالف لما قد أجمع عليه، فلا يقطع على مغيبه وصحته وما لم يقطع على صحته لا يجوز القراءة به، ولا يكفر من جحده، ولبئس ما صنع إذا جحده.
قال: والقسم الثالث: هو ما نقله غير ثقة أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية، فهذا لا يقبل وإن وافق خط المصحف.
قال: ولكل صنف من هذه الأقسام تمثيل تركنا ذكره اختصارًا. =стр. 823
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣) ﴾ وقراءة ابن عباس ﴿وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وأما الغلام فكان كافرًا﴾، ونحو ذلك مما ثبت بروايات الثقات.
واختلف العلماء في جواز القراءة بذلك في الصلاة، فأجازها بعضهم؛ لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرؤون بهذه الحروف في الصلاة، وهذا أحد القولين لأصحاب الشافعي وأبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد.
وأكثر العلماء على عدم الجواز؛ لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي ﷺ ، وإن ثبتت بالنقل فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني، أو أنها لم تنقل إلينا نقلا يثبت بمثله القرآن، أو أنها لم تكن من الأحرف السبعة، كل هذه مآخذ للمانعين.
وتوسط بعضهم، فقال: إن قرأ بها في القراءة الواجبة وهي الفاتحة عند القدرة على غيرها لم تصح صلاته؛ لأنه لم يتيقن أنه أبي الواجب من القراءة لعدم ثبوت القرآن بذلك، وإن قرأ بها فيما لا يجب لم تبطل؛ لأنه لم يتيقن أنه أتى في الصلاة بمبطل لجواز أن يكون ذلك من الحروف التي أنزل عليها القرآن، وهذا يبتني على أصل، وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة، فهل يجب القطع بكونه ليس منها؟
فالذي عليه الجمهور أنه لا يجب القطع بذلك، إذ ليس ذلك مما وجب علينا أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعيًا وهذا هو الصحيح عندنا، وإليه أشار مكي بقوله: ولبئس ما صنع إذا جحده. وذهب بعض أهل الكلام إلى وجوب القطع بنفيه حتى قطع بعضهم بخطأ من لم يثبت البسملة من القرآن في غير سورة النمل، وعكس بعضهم فقطع بخطأ من أثبتها؛ لزعمهم أن ما كان من موارد الاجتهاد في القرآن فإنه يجب القطع بنفيه، والصواب أن كلا من القولين حق، وأنها آية من القرآن في بعض القراءات وهي قراءة الذين يفصلون بها بين السورتين، وليست آية في قراءة من لم يفصل بها، واللَّه أعلم.
وكان بعض أئمتنا يقول: وعلى قول من حرم القراءة بالشاذ يكون عالم من الصحابة وأتباعهم قد ارتكبوا محرمًا بقراءتهم بالشاذ، فيسقط الاحتجاج بخبر من يرتكب المحرم دائمًا وهم نقلة الشريعة الإسلامية، فيسقط ما نقلوه فيفسد على قول هؤلاء نظام الإسلام والعياذ باللَّه.
قال: ويلزم أيضًا أن الذين قرءوا بالشواذ لم يصلوا قط؛ لأن تلك القراءة محرمة والواجب لا يتأدى بفعل المحرم. =стр. 824
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وكان مجتهد العصر أبو الفتح محمد بن علي بن دقيق العيد يستشكل الكلام في هذه المسألة ويقول: الشواذ نقلت نقل آحاد عن رسول اللَّه ﷺ ، فيعلم ضرورة أنه ﷺ قرأ بشاذ منها وإن لم يعين.
قال: فتلك القراءة تواترت وإن لم تتعين بالشخص، فكيف يسمى شاذًا والشاذ لا يكون متواترا؟
قلت: وقد تقدم آنفا ما يوضح هذه الإشكالات من مآخذ من منع القراءة بالشاذ، وقضية ابن شنبوذ في منعه من القراءة به معروفة وقصته في ذلك مشهورة ذكرناها في كتاب الطبقات، وأما إطلاق من لا يعلم على ما لم يكن عن السبعة القراء، أو ما لم يكن في هذه الكتب المشهورة كالشاطبية والتيسير أنه شاذ، فإنه اصطلاح ممن لا يعرف حقيقة ما يقول كما سنبينه فيما بعد أن شاء اللَّه تعالى.
ومثال القسم الثالث مما نقله غير ثقة كثير مما في كتب الشواذ مما غالب إسناده ضعيف، كقراءة ابن السميفع وأبي السمال وغيرهما في ﴿ننُجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ ﴿ننحيك﴾: بالحاء المهملة، ﴿تكون لمن خلفك آية﴾ بفتح سكون اللام، وكالقراءة المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة ﵀ التي جمعها أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي ونقلها عنه أبو القاسم الهذلي وغيره، فإنها لا أصل لها، قال أبو العلاء الواسطي: إن الخزاعي وضع كتابًا في الحروف نسبه إلى أبي حنيفة فأخذت خط الدارقطني وجماعة أن الكتاب موضوع لا أصل له.
قلت: وقد رويت الكتاب المذكور ومنه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ برفع الهاء ونصب الهمزة، وقد راج ذلك على أكثر المفسرين ونسبها إليه وتكلف توجيهها، وإن أبا حنيفة لبريء منها، ومثال ما نقله ثقة ولا وجه له في العربية ولا يصدر مثل هذا إلا على وجه السهو والغلط وعدم الضبط ويعرفه الأئمة المحققون والحفاظ الضابطون وهو قليل جدًا، بل لا يكاد يوجد، وقد جعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع ﴿معائش﴾ بالهمز، وما رواه ابن بكار عن أيوب عن يحيى عن ابن عامر من فتح ياء ﴿أدري أقريب﴾ مع إثبات الهمزة، وهي رواية زيد وأبي حاتم عن يعقوب، وما رواه أبو علي العطار عن العباس عن أبي عمرو (ساحران تظاهرا) بتشديد الظاء، والنظر في ذلك لا يخفي، ويدخل في هذين القسمين ما يذكره بعض المتأخرين من شراح الشاطبية في وقف حمزة على نحو ﴿أسمايهم﴾ و ﴿أوليك﴾ بياء خالصة، ونحو ﴿شركاوهم﴾ و ﴿أحباوه﴾ بواو خالصة، ونحو ﴿بداكم﴾ و ﴿اخاه﴾ بألف خالصة، ونحو (را ى: را، وتراى: ترا، واشمازت: اشمزت، وفاداراتم: فادارتم) بالحذف في ذلك كله مما يسمونه التخفيف الرسمي ولا يجوز في وجه من وجوه العربية، فإنه إما أن يكون منقولًا عن ثقة ولا سبيل إلى ذلك فهو مما لا يقبل، إذ لا وجه له، =стр. 825
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وإما أن يكون منقولًا عن غير ثقة فمنعه أحرى ورده أولى، مع أني تتبعت ذلك فلم أجد منصوصًا لحمزة لا بطرق صحيحة ولا ضعيفة، وسيأتي بيان ذلك في بابه إن شاء اللَّه.
وبقي قسم مردود أيضًا وهو ما وافق العربية والرسم ولم ينقل البتة، فهذا رده أحق ومنعه أشد ومرتكبه مرتكب لعظيم من الكبائر، وقد ذكر جواز ذلك عن أبي بكر محمد بن الحسن بن مقسم البغدادي المقري النحوي، وكان بعد الثلاثمائة.
قال الإمام أبو طاهر بن أبي هاشم في كتابه البيان: وقد نبغ نابغ في عصرنا فزعم أن كل من صح عنده وجه في العربية بحرف من القرآن يوافق المصحف فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها، فابتدع بدعة ضل بها عن قصد السبيل.
قلت: وقد عقد له بسبب ذلك مجلس ببغداد حضره الفقهاء والقراء وأجمعوا على منعه، وأوقف للضرب فتاب ورجع وكتب عليه بذلك محضر كما ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد، وأشرنا إليه في الطبقات، ومن ثم امتنعت القراءة بالقياس المطلق وهو الذي ليس له أصل في القراءة يرجع إليه ولا ركن وثيق في الأداء يعتمد عليه كما روينا عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت ﵄ من الصحابة، وعن ابن المنكدر وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وعامر الشعبي من التابعين أنهم قالوا: القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول فاقرؤوا كما علمتموه، ولذلك كان الكثير من أئمة القراءة، كنافع وأبي عمرو يقول: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قرأت، لقرأت حرف كذا كذا وحرف كذا كذا.
أما إذا كان القياس على إجماع انعقد، أو عن أصل يعتمد فيصير إليه عند عدم النص وغموض وجه الأداء، فإنه مما يسوغ قبوله ولا ينبغي رده لا سيما فيما تدعو إليه الضرورة وتمس الحاجة مما يقوي وجه الترجيح ويعين على قوة التصحيح، بل قد لا يسمى ما كان كذلك قياسًا على الوجه الاصطلاحي، إذ هو في الحقيقة نسبة جزئي إلى كلي كمثل ما اختير في تخفيف بعض الهمزات لأهل الأداء وفي إثبات البسملة وعدمها لبعض القراء، ونقل ﴿كتابيه أني﴾ وإدغام ﴿ماليه هلك﴾ قياسًا عليه، وكذلك قياس ﴿قال رجلان، وقال رجل﴾ على ﴿قال رب﴾ في الإدغام كما ذكره الداني وغيره، ونحو ذلك مما لا يخالف نصًا ولا يرد إجماعًا ولا أصلًا مع أنه قليل جدًا كما ستراه مبينًا بعد أن شاء اللَّه تعالى، وإلى ذلك أشار مكي بن أبي طالب ﵀ في آخر كتابه التبصرة حيث قال: فجميع ما ذكرناه في هذا الكتاب ينقسم ثلاثة أقسام: قسم قرأت به ونقلته وهو منصوص في الكتب موجود، وقسم قرأت به وأخذته لفظا أو سماعًا وهو غير موجود في الكتب، وقسم لم أقرأ به ولا وجدته في الكتب ولكن قسته على ما قرأت به، إذ لا يمكن فيه إلا ذلك عند عدم الرواية في النقل والنص =стр. 826
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وهو الأقل.
قلت: وقد زل بسبب ذلك قوم وأطلقوا قياس ما لا يروى على ما روي، وما له وجه ضعيف على الوجه القوي، كأخذ بعض الأغبياء بإظهار الميم المقلوبة من النون والتنوين، وقطع بعض القراء بترقيق الراء الساكنة قبل الكسرة والياء، وإجازة بعض من بلغنا عنه ترقيق لام الجلالة تبعًا لترقيق الراء من ذكر اللَّه، إلى غير ذلك مما تجده في موضعه ظاهرًا في التوضيح مبينًا في التصحيح مما سلكنا فيه طريق السلف ولم نعدل فيه إلى تمويه الخلف، ولذلك منع بعض الأئمة تركيب القراءات بعضها ببعض وخطأ القارئ بها في السنة والفرض.
[تتمة فائدة في خلط القارئ القراءات الصحيحة: ]
قال الإمام أبو الحسن علي بن محمد السخاوي في كتابه جمال القراء: وخلط هذه القراءات بعضها ببعض خطأ.
وقال الحبر العلامة أبو زكريا النووي في كتابه التبيان: وإذا ابتدأ القارئ بقراءة شخص من السبعة فينبغي أن لا يزال على تلك القراءة ما دام للكلام ارتباط، فإذا انقضى ارتباطه فله أن يقرأ بقراءة آخر من السبعة والأولى دوامه على تلك القراءة في ذلك المجلس.
قلت: وهذا معنى ما ذكره أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه. وقال الأستاذ أبو إسحاق الجعبري: والتركيب ممتنع في كلمة وفي كلمتين إن تعلق أحدهما بالآخر وإلا كره.
قلت: وأجازها أكثر الأئمة مطلقًا وجعل خطأ مانعي ذلك محققًا، والصواب عندنا في ذلك التفصيل والعدول بالتوسط إلى سواء السبيل، فنقول: إن كانت إحدى القراءتين مترتبة على الأخرى فالمنع من ذلك منع تحريم، كمن يقرأ فتلقى آدم من ربه كلمات بالرفع فيهما، أو بالنصب آخذًا رفع آدم من قراءة غير ابن كثير ورفع كلمات من قراءة ابن كثير، ونحو ﴿وكفلها زكريا﴾ بالتشديد مع الرفع، أو عكس ذلك، ونحو ﴿أخذ ميثاقكم﴾ وشبهه مما يركب بما لا تجيزه العربية ولا يصح في اللغة، وأما ما لم يكن كذلك فإنا نفرق فيه بين مقام الرواية وغيرها، فإن قرأ بذلك على سبيل الرواية، فإنه لا يجوز أيضًا من حيث إنه كذب في الرواية وتخليط على أهل الدراية، وإن لم يكن على سبيل النقل، بل على سبيل القراءة والتلاوة، فإنه جائز صحيح مقبول لا منع منه ولا حظر، وإن كنا نعيبه على أئمة القراءات العارفين باختلاف الروايات من وجه تساوي العلماء بالعوام لا من وجه أن ذلك مكروه أو حرام، إذ كل من عند اللَّه نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين تخفيفًا عن الأمة، وتهوينا على أهل هذه الملة، فلو أوجبنا عليهم قراءة كل رواية على حدة لشق عليهم تمييز القراءة الواحدة وانعكس المقصود من التخفيف وعاد بالسهولة إلى التكليف، وقد روينا في المعجم =стр. 827
فتدخل جميع الشواذ؛ لأنها لعدم تواترها غير قرآن (١) ؛ فهو مدخل لكلام أجنبي في الصلاة، وهو الظاهر. الحواشي
(١) للإمام ابن الجزري في النشر (١/ ٩ - ١١) أيضًا كلام مهم في هذا الموضوع، رأيت ذكره لتقف على ما فيه بنفسك، فتعلم أين ما قاله مما يذكره الناس اليوم، وينسبونه إليه، يقول -رحمه اللَّه تعالى-: "كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، ونص عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب، وكذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي، وحققه الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه".
قال أبو شامة ﵀ في كتابه المرشد الوجيز: "فلا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى واحد من هولاء الأئمة السبعة، وبطلق عليها لفظ الصحة، وأن هكذا أنزلت، إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة، فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا عمن تنسب إليه، فإن القراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجتمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم.
قلت: وقولنا في الضابط ولو بوجه نريد به وجهًا من وجوه النحو، سواء كان أفصح أم فصيحًا مجمعًا عليه، أم مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح، إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية، فكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم ولم يعتبر إنكارهم، بل أجمع الأئمة المقتدى بهم من السلف على قبولها كإسكان ﴿بارئكم﴾ و ﴿يأمركم﴾ ونحوه، و ﴿سبأ﴾ و ﴿يا بني﴾، ﴿ومكر السيئ﴾ و ﴿ننجي المؤمنين﴾ في الأنبياء، والجمع بين الساكنين في تاءات البزي =стр. 828
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وإدغام أبي عمرو ﴿واسطاعوا﴾ لحمزة وإسكان ﴿نعما ويهدي﴾، وإشباع الياء في ﴿نرتعي، ويتقي ويصبر﴾ و ﴿أفئيدة من الناس﴾، وضم الملائكة اسجدوا، ونصب ﴿كن فيكون﴾، وخفض ﴿والأرحام﴾، ونصب ﴿ليجزى قوما﴾، والفصل بين المضافين في الأنعام، وهمز ﴿سأقيها﴾، ووصل ﴿وإن الياس﴾، وألف ﴿إن هذان﴾، وتخفيف ﴿ولا تتبعان﴾، وقراءة ﴿ليكة﴾ في الشعراء و"ص" وغير ذلك.
قال الحافظ أبو عمرو الداني في كتابه "جامع البيان" بعد ذكر إسكان ﴿بارئكم﴾ و ﴿يأمركم﴾ لأبي عمرو وحكاية إنكار سيبويه له، فقال -أعني الداني-: والإسكان أصح في النقل وأكثر في الأداء وهو الذي أختاره وآخذ به، ثم لما ذكر نصوص رواته.
قال: وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل والرواية إذا ثبت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة؟ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها.
قلنا: ونعني بموافقة أحد المصاحف ما كان ثابتًا في بعضها دون بعض كقراءة ابن عامر ﴿قالوا اتخذ اللَّه ولدا﴾ في البقرة بغير واو، ﴿وبالزبر وبالكتاب المنير﴾ بزيادة الباء في الاسمين ونحو ذلك، فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي، وكقراءة ابن كثير ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ في الموضع الأخير من سورة براءة بزيادة (من)، فإن ذلك ثابت في المصحف المكي، وكذلك ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، في سورة الحديد بحذف (هو)، وكذا ﴿سارعوا﴾ بحذف الواو، وكذا ﴿منهما منقلبا﴾ بالتثنية في الكهف، إلى غير ذلك من مواضع كثيرة في القرآن اختلفت المصاحف فيها فوردت القراءة عن أئمة تلك الأمصار على موافقة مصحفهم، فلو لم يكن ذلك كذلك في شيء من المصاحف العثمانية لكانت القراءة بذلك شاذة لمخالفتها الرسم المجمع عليه.
وقولنا بعد ذلك: ولو احتمالًا نعني به ما يوافق الرسم ولو تقديرًا، إذ موافقة الرسم قد تكون تحقيقًا وهو الموافقة الصريحة، وقد تكون تقديرًا وهو الموافقة احتمالًا، فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعًا نحو: ﴿السموات والصلحت واليل والصلوة والزكوة والربوا﴾، ونحو (لنظر كيف تعملون) (وجيء) في الموضعين حيث كتب بنون واحدة وبألف بعد الجيم في بعض المصاحف.
وقد توافق بعض القراءات الرسم تحقيقًا، ويوافقه بعضها تقديرًا، نحو ﴿ملك يوم الدين﴾ فإنه كتب بغير ألف في جميع المصاحف، فقراءة الحذف تحتمله تخفيفًا كما كتب ﴿ملك الناس﴾، وقراءة الألف محتملة تقديرًا كما كتب ﴿مالك الملك﴾، فتكون الألف حذفت اختصارًا، وكذلك ﴿النشأة﴾ حيث كتبت بالألف وافقت قراءة المد =стр. 829
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = تحقيقًا ووافقت قراءة القصر تقديرًا، إذ يحتمل أن تكون الألف سورة الهمزة على غير القياس كما كتب موئلًا.
وقد توافق اختلافات القراءات الرسم تحقيقًا نحو ﴿أنصار اللَّه، ونادته الملائكة، ويغفر لكم ويعملون وهيت لك﴾ ونحو ذلك مما يدل تجرده عن النقط والشكل وحذفه وإثباته على فضل عظيم للصحابة ﵃ في علم الهجاء خاصة، وفهم ثاقب في تحقيق كل علم، فسبحان من أعطاهم وفضلهم على سائر هذه الأمة.
وللَّه در الإمام الشافعي ﵁ حيث يقول في وصفهم في رسالته التي رواها عنه الزعفراني ما هذا نصه: وقد أثنى اللَّه ﵎ على أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم- في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول اللَّه -صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم- من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم اللَّه وهنأهم بما أثابهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، أدوا إلينا سنن رسول اللَّه ﷺ وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول اللَّه ﷺ عامًا وخاصًا وعزمًا وإرشادًا وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا.
قلت: فانظر كيف كتبوا الصراط والمصيطرون بالصاد المبدلة من السين، وعدلوا عن السين التي هي الأصل لتكون قراءة السين وإن خالفت الرسم من وجه قد أتت على الأصل فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام محتملة، ولو كتب ذلك بالسين على الأصل لفات ذلك وعدت قراءة غير السين مخالفة للرسم والأصل، ولذلك كان الخلاف في المشهور في (بسطة) الأعراف دون (بسطة) البقرة، لكون حرف البقرة كتب بالسين وحرف الأعراف بالصاد، على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفًا إذا ثبتت القراءة به ووردت مشهورة مستفاضة، ألا ترى أنهم لم يعدوا إثبات ياءات الزوائد وحذف ياء تسئلني في الكهف، وقراءة ﴿وأكون من الصالحين﴾ والظاء من بضنين ونحو ذلك من مخالفة الرسم المردود، فإن الخلاف في ذلك يغتفر، إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد وتمشيه صحة القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول، وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتى ولو كانت حرفًا واحدًا من حروف المعاني، فإن حكمه في حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم فيه، وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته.
وقولنا: وصح سندها، فإنا نعني به أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله كذا حتى تنتهي، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له غير معدودة =стр. 830
وأما حمل كلامه على شاذ يخلط فيه التفسير بالقرآن فبعيد؛ لعدم علم حكم ما عداه من الشاذ من كلامه، أو لزوم الصحة على اعتبار المفهوم، واللَّه أعلم.
تنبيهان:
الأول: خصّ ابن مسعود بالذكر لعظمته، وإلا فقراءة قتادة (١) كذلك، واللَّه -تعالى- أعلم.
الثاني: الشاذ عند ابن الحاجب في أصوله: ما وراء السبعة، وعند ابن الحواشي
(١) هو: قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، أبو الخطاب السدوسي البصري، (٦١ - ١١٨ هـ = ٦٨٠ - ٧٣٧ م): مفسر حافظ ضرير أكمه، قال الإمام أحمد ابن حنبل: قتادة أحفظ أهل البصرة، وكان مع علمه بالحديث، رأسًا في العربية ومفردات اللغة وأيام العرب والنسب، وكان يرى القدر، وقد يدلس في الحديث، مات بواسط في الطاعون. ينظر: الأعلام (٥/ ١٨٩).стр. 831
السبكي (١) : ما وراء العشرة.
[الاقتداء بعبد في جمعة: ]
[١١] أو باقتداء بصلاة عبد في جمعة، لعدم وجوبها عليه، فأشبه المتنفل، وأما غيرها فيصح الاقتداء به فيه.
[الاقتداء بصبي: ]
[١٢] أو باقتداء بصلاة صبي في فرض؛ لأنه متنفل، ولا يصح الفرض خلفه.
وانظر الكلام على صلاة عمرو بن مسلمة حيث أم قومه وهو ابن ست أو سبع في الكبير (٢) . الحواشي
(١) هو: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو نصر، (٧٢٧ - ٧٧١ هـ = ١٣٢٧ - ١٣٧٠ م): قاضي القضاة، المؤرخ، الباحث، ولد في القاهرة، وانتقل إلى دمشق مع والده، فسكنها وتوفي بها، نسبته إلى سبك من أعمال المنوفية بمصر، وكان طلق اللسان، قوي الحجة). انتهى. إليه قضاء في الشام وعزل، وتعصب عليه شيوخ عصره، فاتهموه بالكفر واستحلال شرب الخمر، وأتوا به مقيدًا مغلولًا من الشام إلى مصر، ثم أفرج عنه، وعاد إلى دمشق، فتوفي بالطاعون. قال ابن كثير: جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض مثله.
من تصانيفه "معيد النعم ومبيد النقم - ط"، و"جمع الجوامع - ط" في أصول الفقه، و"منع الموانع - ط" تعليق على جمع الجوامع، وله نظم جيد، أورد الصفدي بعضه في مراسلات دارت بينهما. ينظر: الأعلام (٤/ ١٨٥).(٢) روى ذلك البخاري (٤/ ١٥٦٤، رقم ٤٠٥١) وغيره، ونصه: "عن أبي قلابة عن عمرو بن سلمة، قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله؟ قال: فلقيته فسألته. فقال: كنا بماء ممر الناس وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون يزعم أن اللَّه أرسله أوحى إليه. أو أوحى اللَّه بكذا فكنت أحفظ ذلك الكلام وكأنما يقر في حدري وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبدر أبي قومي بإسلامهم فلما قدم قال: جئتكم واللَّه من عند النبي ﷺ حقًا فقال: "صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنًا". =стр. 832
وإمامة الصبي بغيره -أي: بغير الفرض - تصح بالبالغين (١) ، وإن لم تَجُز بفتح المثناة الفوقية وضم الجيم، وسيصرح بعد هذا بجواز إمامة الصبيان.
[الاقتداء بلاحن: ]
[١٣] وهل تبطل الصلاة باقتداء بلاحن في قراءته مطلقًا في الفاتحة وغيرها، غَيَّر اللحن المعنى أو لا، أو بلاحن في الفاتحة فقط.
ابن عبد السلام: وبه كان كثير ممن أدركنا يفتي.
خلاف في التشهير، على أنه قال في توضيحه: لا أعلم من شهر البطلان، نعم قال القابسي: هو الصحيح.
وربما أشعر قوله: (بلاحن) أن الخلاف يشمل اللحنة الواحدة، الحواشي
(١) قال ابن رشد في البيان (١/ ٣٩٥، وما بعدها): "وسئل عن الصبي المراهق أيؤم الناس في الصلوات؟ فقال لي: أما الصلوات المكتوبات التي هي الصلوات فلا، وأما في النوافل فالصبيان يؤمون الناس فيها. قيل أفيقدمون في رمضان؟ فقال: نعم لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: أجاز في هذه الرواية أن يؤم الصبي في النافلة وقيام رمضان، وهو استحسان على غير قياس مراعاة لقول من يرى صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة إمامه، فيجيز إمامة الصبي في الفريضة والنافلة، وللرجل أن يصلي الفريضة خلف من يصلي نافلة. والقياس على مذهبه في أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه، قوله في المدونة أن لا يؤم الصبي في النافلة. وما وقع من كراهة ذلك له في رسم حلف من سماع ابن القاسم، لأن نافلته وإن وافقت صلاة الصبي في كونها نافلة له على مذهب من يرى أنه مندوب إلى فعل الطاعات، فلا يأمن أن يصلي به على غير وضوء أو بغير نية، إذ لا حرج عليه في ذلك لكونه غير مكلف، وباللَّه التوفيق".стр. 833
بخلاف عبارة ابن الحاجب وابن عرفة وغيرهما: اللَّحَّان (١) . الحواشي
(١) قال الأجهوري: "وهل تبطل بلاحن مطلقًا، أي: في الفاتحة وغيرها أو في الفاتحة دون غيرها خلاف فهو محذوف من هنا لذكره بعد، والحاصل أن قوله وهل بلاحن مطلقًا أو في الفاتحة مسألة وقوله بعد أو بغير مميز بين ضاد إلخ مسألة وفي كل من المسألتين خلاف فلو قال (المص) وهل بلاحن مطلقًا أو في الفاتحة خلاف كغير مميز بين ضاد وظاء لكان أوضح وأخصر، وترك (المص) من المسألة الأولى القول بالصحة مطلقًا مع أنه أرجح من القولين اللذين ذكرهما؛ فإن فيما ستة أقوال القولين المذكورين في كلام (المص) وثالثها البطلان إن غير المعنى كضم تاء (أنعمت) لا إن لم يغيره كضم لام للَّه في (الحمد للَّه) أو كسر دال الحمد تبعًا لكسر لام للَّه، ورابعها: إن ذلك مكروه واختاره ابن رشد، وخامسها: يمنع ابتداءً مع وجود غيره ويصح بعد الوقوع وهو مختار اللخمي، وسادسها: تجوز ابتداءً قال (ح): والضعيف منها. السادس: وبقيتها مرجحة وإرجاحها قول من قال بالصحة مطلقًا وهو الرابع الذي اختاره ابن رشد والخامس الذي اختاره اللخمي فكان على (المص) ذكره فلو قال (المص) وفي بطلانها بلاحن مطلقًا ثالثها في الفاتحة لأفاد هذا لكن لا يخفى إن القول بالصحة لقائلين: أحدهما ابن رشد، والآخر اللخمي فهما متفقان على الحكم بالصحة وإن اختلفا في الحكم ابتداءً، فابن رشد يقول بالكراهة واللخمي يقول بالمنع ابتداءً مع وجود غيره، ولم يقبل ابن رشد بقوله مع وجود غيره فظاهره أن الحكم عنده ابتداءً الكراهة سواء وجد غيره أم لا، ثم إن محل هذه الأقوال فيمن عجز عن تعلم الصواب لضيق الوقت أو لعدم من يعلمه مع قبول التعليم فيهما وأيتم به من ليس مثله لعدم وجود غيره وأما من تعمد اللحن فصلاته وصلاة من اقتدى به باطلة بلا نزاع لأنه أتى بكلمة أجنبية في حلاته ومن فعله ساهيًا لا تبطل صلاته ولا صلاة من أقتدى به قطعًا بمنزلة من سهى عن كلمة فأكثر من الفاتحة أو غيرها، وإن فعل ذلك عجزًا بأن لا يقبل التعليم فصلاته وصلاة من اقتدى به صحيحة أيضًا قطعًا، لأنه بمنزلة إلا لكن كما يأتي وسواء وجد من يأتم به أم لا وسواء ضاق الوقت أم لا، وإن كان عجزه لضيق الوقت أو لعدم من يعلمه مع قبوله للتعليم فيهما فإن كان مع وجود من يأتم به؛ فإن صلاته وصلاة من يأتم به باطلة سواء كان مثل الإمام في اللحن أم لا وإن لم يجد من يأتم به فصلاته وصلاة من اقتدى به صحيحة إن كان مثله وإن لم يكن مثله بأن كان ينطق بالصواب في كل قراءته أو صوابه أكثر من صواب إمامه؛ فإنه محل الخلاف كما قدمنا فقد تبين بهذا أنه إذا كان عجزه لعدم من يعلمه مع قبوله للتعليم أو لضيق الوقت ولم يجد من يأتم به؛ فإن اقتدى من هو مثله به صحيح قطعًا وهذا مستفاد من تقييد كل من القول بما إذا لم يستو حالة المأموم مع الإمام؛ فإنه يفيد أنه إذا استوت حالتهما؛ فإن صلاته وصلاة من اقتدى به صحيحة قطعًا بمنزلة من اقتدى =стр. 834
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = بأمي لعدم وجود قادر، وحاصل ما يستفاد مما قررنا إن اللاحن عمدًا تبطل صلاته وصلاة من اقتدى به وسهوًا تصح صلاتهما وكذا عجزًا حيث كان لا يقبل التعليم وسواء كان المقتدي به مثله أو أقرأ منه وسواء ضاق الوقت أم لا وسواء وجد غير لاحني ائتم به أم لا لأنه بمنزلة الألكن؛ فإن قبله ووجد من يأتم به بطلت صلاته وصلاة من اقتدى به، وإن لم يجد من يأتم ممن ليس بلاحن؛ فإن وجد من يعلمه واتسع الوقت للتعليم فكذلك، وإن لم يجد من يعلمه أو ضاق الوقت عن التعليم؛ فإن ائتم به مثله وأولى منه صحة صلاته وإن كان ليس مثله فهذا محل الخلاف، وعلى هذا فمحل الخلاف في صحة صلاة من اقتدى باللاحن حيث كان يقبل التعليم ولم يجد من يعلمه أو وجده وضاق الوقت عن التعليم ولم يجد من يأتم به واقتداء بمن هو أقرأ منه.
تنبيهات:
الأول:
ما ذكرناه من محل الخلاف في العاجز الذي يقبل التعليم ولم يجد من يعلمه أو وجد وضاق الوقت عن التعليم ولم يجد من يأتم به وائتم من هو أقرأ منه هو الذي يجب المصير إليه وأما العاجز الذي لا يقبل التعليم فتصح صلاته وصلاة من اقتدى به كالألكن سواء وجد من يأتم به أم لا وسواء كان المؤتم مساويًا له في اللكنة أو ليس به لكنة أصلًا ومقتضى كلام (ح) أنه إنما يصح صلاته حيث لم يجد من يأتم به وإن في صحة صلاة من اقتدى به في هذه الحالة خلاف، وتبعه بعض الشراح وليس كذلك فيهما، وهذا خلاف ما يأتي للتوضيح في مسألة الضاد والظاء كما نبينه؛ فإن قلت: ما ذكرته: من أن العاجز الذي لا يقبل التعليم تصح صلاته مفردًا أو إمامًا ولو وجد من يأتم به لأنه من جملة الألكن، وقد ذكر (المص) جواز إمامة الألكن كما يأتي مخالف لما تقدم في قوله: فيجب تعلمها إن أمكن وإلا ائتم إذا جعلوا من جملة ما يدخل في قوله: وإلا ائتم من لا يقبل التعليم.
قلت: ذاك فيمن يجب عليه تعلم الفاتحة ليحفظها ولا يقبل ذلك وهذا فيمن يتعلم الصواب فيما يلحن فيه ولا يقبل ذلك، فهو يحفظ ما يطلب بقراءته في الصلاة والفرق بينهما جلي، فليتأمل وقولنا: وائتم به من هو أقرأ منه وأما لو ايتم به من هو مثله أو أدنى منه فتصح صلاته قطعًا كما تقدم هذا هو الذي يجب المصير إليه. والذي يظهر لي من كلامهم أن محل الخلاف فيمن يلحن معتقدًا أنه صواب أو معتقدًا الخطأ وهو عاجز عن إزالته وقت النطق به ولو كان تم من يعلمه واتسع الوقت، ويدل عليه قوله في توجيه القول الرابع وهو صحة صلاة اللاحن مطلقًا؛ لأن القارئ لا يقصد ما يقتضيه اللحن بل يعتقد بقراءته ما يعتقد فيها من لا يلحن، ومن الحجة في ذلك ما =стр. 835
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = روي أنه ﵊ مر بالموالي وهم يقرؤون ويلحنون فقال: "نِعْمَ ما تقرؤون" ومر بالعرب وهم يقرؤون ولا يلحنون فقال: "هكذا أنزل"، ويدل له ما أتي من قول الفاكهاني ومنشأ الخلاف بين القولين الأولين يعني: البطلان مطلقًا وعدمه مطلقًا هل اللحن يخرج الكلمة الملحونة عن كونها قرآنًا أولًا؛ فإن قلنا: يخرجها فكأنه متكلمًا في الصلاة متعمدًا فتبطل صلاته وصلاة من خلفه إن أمكنه التعليم وإن قلنا: إن ذلك لا يخرجها عن كونه قرآنا فتصح صلاته وصلاة من خلفه، ووجه القول بالتفرقة بين الفاتحة وغيرها تعارض الشوائب في الكلمة الملحونة فإن الناطق بها لم يقصد إلا القرآن فينبغي أن يغلب عليها حكم الكلام باعتبار الفاتحة لكونها ركنًا لا تصح الصلاة إلا بها وحكم القراءة باعتبار غيرها. انتهى. فقد جعل مبنى القول بالصحة كون اللحن لا يخرج ما وقع فيه اللحن عن كونه قرآنًا ولم يقيده بإمكان التعليم ولا سبعة الوقت وقيد القول بالبطلان بإمكان التعليم وهو يقدح فيما جعله (ح) ومن تبعه محل الخلاف فيمن يمكنه التعليم وضاق الوقت عنه ولم يجد من يعلمه.
الثاني: القول الأول في كلام (المص) مقيد بما إذا لم يستو حالة المأموم مع الإمام كما نقله ابن عرفة عن ابن يونس عن القاضي، والقول الثاني في كلام (المص) مقيد بذلك أيضًا كما نقله ابن يونس عن ابن اللباد.
قلت: وظاهر هذا الصحة حيث استوت حالتهما سواء وجد غير لاحن يؤثم به أم لا وبهذا يتبين لك أن قول بعض الشارحين بعد ما أشرنا إليه عن (ح) قلت فيخصص الخلاف في الاقتداء باللاحن بأن يكون الإمام عاجزًا عن الصواب والمقتدي عاجز عن الائتمام بغير اللاحن. انتهى. فيه نظر إذ يقتضي جريان الخلاف فيما إذا كان المأموم مساويا للإمام في اللحن حيث لم يجد من يأتم به مع أنه متفق على صحة صلاة كل منهما كما يستفاد من تقييد القول الأول والثاني وظاهره وجد غير لاحن يؤتم به أم لا، وإنما محل الخلاف حيث كان الإمام يلحن والمأموم لا يلحن أصلًا أو لحنه أقل من لحن الإمام وسواء في الحالتين وجد من يأتم به أم لا، والحاصل أنه يستفاد من القولين في كلام (المص) ومن تقييدهما بما ذكرنا الاتفاق على الصحة حيث استوت حالتهما سواء وجد غيره لاحن يؤتم به أم لا، ونحو هذا نحو ما قدمناه في القول الثاني والخلاف فيما إذا اختلفت حالتهما وسواء وجد غير لاحن يؤتم به أم لا، فكلام بعض الشارحين مخالف لهذا فلا يعول عليه وما ذكره (د) عن بعض شيوخه من أن القول بالصحة إذا استوت حالتهما ينبغي أن يقيد بعدم وجود غيرهما. انتهى. غير ظاهر واللَّه اعلم الثالث لا يخفي إن كلام (المص) في بطلان صلاة المقتدي باللحان وأما بطلان صلاته هو وصحتها فقد قدمناه".стр. 836
تنبيه:
تأمل قول البساطي: (يعني: وهل تبطل صلاة من اقتدى بلاحن في الفاتحة وغيرها، أو إنما تبطل في الفاتحة فقط، في ذلك خلاف في التشهير) مع قوله في التنبيهات التي ذكرها حيث قال: (الخلاف الذي أشار إليه أولًا إنما هو بين المطلق والمقيد)، كما قررناه، لا بين المبطل والمتصحح.
[الاقتداء بغير مميز بين ضاد وظاء: ]
[١٤] وهل تبطل صلاة مقتد بغير مميز بين ضاد وظاء، بأن يبدل الأولى بالثانية، أو عكسه، وهو قول ابن أبي زيد والقابسي، وعن صاحب الإشراق واللخمي الصحة، وانظر من شهره؟ خلاف في التشهير (١) . الحواشي
(١) قال الأجهوري: "ثم أشار (المص) للمسألة الثانية بقوله: (أو بغير مميزين ضاد وظاء)، أي: وهل تبطل صلاة المقتدي بغير مميزين ضاد وظاء حيث لم يستو حالتهما وهو قول الشيخين وصححه ابن يونس وعبد الحق، وأما صلاته هو فصحيحة إلا أن يترك ذلك عمدًا مع القدرة عليه أو يصح الاقتداء به وهو الذي حكى ابن رشد الاتفاق عليه، (خلاف) قال في توضحيه الذي لا يميز بين الضاد والظاء إن كان عاجزًا في الحال وللمستقبل بأن لا يقبل التعليم لطبعه فينبغي أن يكون كالألكن أو قادرًا في الحال فينبغي أن لا يختلف في بطلانها؛ لأنه كالمتلاعب أو عاجز في الحال قادرًا في الاستقبال؛ فإن اتسع الوقت للتعليم وجب عليه وإلا وجب الإتمام كما مر في عجز الفاتحة. انتهى.
قلت: يحمل محل الخلاف على من لم يجد من يأتم به وهو يقبل التعليم أو لم يجد من يعلمه أو ضاق الوقت وائتم به من ليس مثله إن وائتم به من هو أعلى منه في التمييز بين الضاد والظاء لعدم وجود غيره كما في مسألة السابقة، هذا وظاهر كلام (المص) جريان هذا الخلاف فيمن لم يميز بين الضاد والظاء في الفاتحة وغيرها وفي (ق) تقييده بمن لم يميز بينهما في الفاتحة.
تنبيهات:
الأول: والثاني: اللحن في تكبيرة الإحرام أشد من اللحن في قراءة الفاتحة؛ لأنه مجمع على اعتبارها في الصلاة بخلاف القراءة وهذا ما يفيده ما اختاره البرزلي راجع الشرح الكبير.
الثالث: يكره الاقتداء بلاحن لحنًا خفيًا كمظهر النون الخفية والتنوين عند الفاء والواو =стр. 837
ويحتمل أن المصنف لم يذكر في هذه الثانية غير البطلان، وبغير عطف على لاحن، ولو أراد الاحتمال الأول لصنع كابن الحاجب، فإنه بعد حكاية الخلاف في اللحان، قال: ومنه من لا يميز بين الضاد والظاء، وللمصنف في ذلك بحث، انظره في الكبير.
[زمن الإعادة: ]
وأعاد بوقت اختياري عند ابن القاسم في اقتداء بإمام كحروري (١) ، الحواشي
(١) نسبة إلى حروراء، وهم الخوراج، كما سيبين شارحنا بعد، قال في تاج العروس: " (وحروراء، كلولاء)، بالمد (وقد تقصر: ة) بالكوفة على ميلين منها، نزل بها جماعة خالفوا عليًا ﵁، من الخوارج.
(و) يقال: (هو حروري بين الحرورية)، ينتسبون إلى هذه القرية، (وهم نجدة) الخارجي (وأصحابه) ومن يعتقد اعتقادهم، يقال له: الحروري، وقد ورد أن عائشة =стр. 838
وقدري (١) ومعتزلي (٢) لفسقهم عند الأكثر. الحواشي
(١) القدرية على ضربين: نفاة القدر، ومثبتيه، والمراد هنا مثبتوه، أي: الغالون في إثباته، وهم الجبرية، ورئيسهم: الجهم بن صفوان السمرقندي، وهم في باب القدر يقولون: الكون كله بقضائه وقدره، فيكون محبوبًا مرضيًا، فالتدبير في أفعال الخلق كلها للَّه تعالى، وهي كلها اضطرارية، كحركات المرتعش، والعروق النابضة، وحركات الأشجار، وإضافتها إلى الخلق مجاز، وهي على حسب ما يضاف الشيء إلى محله دون ما يضاف إلى محصله.(٢) ظهرت هذه الفرقة في نهاية القرن الهجري الأول وبلغت شأوها في العصر العباسي الأول. يرجع اسمها إلى اعتزال إمامها واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري لقول واصل: "إن مرتكب الكبيرة ليس كافرًا ولا مؤمنًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين. ولما اعتزل واصل مجلس الحسن البصري وجلس عمرو بن عبيد، وتبعهما أنصارهما، قيل لهم: المعتزلة، ومنذ انضمام عمرو بن عبيد لواصل بن عطاء واعتزالهما الناس ظهر منهما آراء مبتدعة لم يكن عليها الأوائل عاداهما علماء السلف وحذّروا منهما، وأصولهم خمسة، وهي:
الأصل الأول: - العدل: والمراد به: أن اللَّه -جل وعلا- لا يخلق أفعال العباد، خيرًا كانت أو شرًا، وإنما العباد أنفسهم هم من يخلقون أفعالهم.
الأصل الثاني: التوحيد: والمراد به: نفي الصفات التي يثبتها أهل السنة والجماعة للَّه -تعالى- فالمعتزلة ينفون صفة العلم، والكلام، والبصر، والسمع، والحياة، وغيرها من الصفات، وقد ترتب عندهم على هذا الأصل قولهم: إن القرآن الكريم مخلوق.
الأصل الثالث: القول بالمنزلة بين المنزلتين: وهذا الأصل المراد به: أن المسلم إذا ارتكب كبائر الذنوب يخرج من دائرة الإسلام من دون أن يكون بكبيرته في دائرة الكفر، خلافًا للخوارج، بل يكون في منزلة بين منزلتي الإسلام والكفر، وهذه المنزلة يسمونها منزلة الفسق، وهي في أحكام الآخر كما منزلة الكفر توجب عندهم لصاحبها الخلود الأبدي في النار يوم القيامة. =стр. 839
وقيل: كفار (١) ، فيعيد أبدًا. الحواشي
(١) ظاهر ما في الشفا أن عدم الإعادة هو المذهب، ففيه (٢/ ٢٧٢، وما بعدها): "فصل: وأما من أضاف إلى اللَّه تعالى ما لا يليق به ليس على طريق السب ولا الردة وقصد الكفر، ولكن على طريق التأويل والاجتهاد والخطأ المفضي إلى الهوى والبدعة من تشبيه أو نعت بجارحة أو نفي حفة كمال، فهذا مما اختلف السلف والخلف في تكفير قائله ومعتقده.
واختلف قول مالك وأصحابه في ذلك، ولم يختلفوا في قتالهم إذا تحيزوا فئة، وأنهم يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا، وإنما اختلفوا في المنفرد منهم، فأكثر قول مالك وأصحابه ترك القول بتكفيرهم وترك قتلهم والمبالغة في عقوبتهم وإطالة سجنهم حتى يظهر إقلاعهم وتستبين توبتهم، كما فعل عمر ﵁ بصبيغ.
وهذا قول محمد بن المواز في الخوارج، وعبد الملك بن الماجشون، وقول سحنون في جميع أهل الأهواء، وبه فسر قوله مالك في الموطأ، وما رواه عن عمر بن عبد العزيز وجده وعمه من قولهم في القدرية يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا.
وقال عيسى ابن القاسم في أهل الأهواء من الإباضية والقدرية وشبههم ممن خالف الجماعة من أهل البدع والتحريف لتأويل كتاب اللَّه: يستتابون أظهروا ذلك أو أسروه فإن تابوا وإلا قتلوا وميراثهم لورثتهم.
وقال مثله أيضًا ابن القاسم في كتاب محمد في أهل القدر وغيرهم.
قال: واستتابتهم أن يقال لهم: اتركوأ ما أنتم عليه ومثله في المبسوط في الإباضية والقدرية وسائر أهل البدع.
قال: وهم مسلمون وإنما لرأيهم السوء وبهذا عمل عمر بن عبد العزيز.
قال ابن القاسم: (من قال إن اللَّه لم يكلم موسى تكليما) استتيب فإن تاب وإلا قتل.
وابن حبيب وغيره من أصحابنا يرى تكفيرهم وتكفير أمثالهم من الخوارج والقدرية والمرجئة، وقد روي أيضًا عن سحنون مثله فيمن قال ليس للَّه كلام أنه كافر. =стр. 840
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = واختلفت الروايات عن مالك، فأطلق في رواية الشاميين أبي مسهر ومروان بن محمد الطاطري: الكفر عليهم.
وقد شوور في زواج القدري، فقال: لا تزوجه؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ وروى عنه أيضًا: أهل الأهواء كلهم كفار.
وقال: من وصف شيئًا من ذات اللَّه تعالى وأشار إلى شيء من جسده يد أو سمع أو بصر قطع ذلك منه لأنه شبه اللَّه بنفسه.
وقال فيمن قال القرآن مخلوق كافر فاقتلوه.
وقال أيضًا في رواية ابن نافع: يجلد ويوجع ضربًا ويحبس حتى يتوب، وفي رواية بشر بن بكر التنيسى عنه يقتل ولا تقبل توبته.
قال القاضي أبو عبد اللَّه البرنكاني والقاضي أبو عبد اللَّه التستري من أئمة العراقيين جوابه مختلف يقتل المستبصر الداعية.
وعلى هذا الخلاف اختلف قوله في إعادة الصلاة خلفهم وحكى ابن المنذر عن الشافعي: لا يستتاب القدري وأكثر أقوال السلف تكفيرهم وممن قال به الليث وابن عيينة وابن لهيعة، روى عنهم ذلك فيمن قال بخلق القرآن وقاله ابن المبارك والأودي ووكيع وحفص بن غياث وأبو إسحاق الفزاري، وعلي بن عاصم في آخرين، وهو من قول أكثر المحدثين والفقهاء والمتكلمين فيهم وفي الخوارج والقدرية وأهل الأهواء المضلة وأصحاب البدع المتأولين، وهو قول أحمد بن حنبل، وكذلك قالوا في الوافقة والشاكة في هذه الأصول، وممن روى عنه معنى القول الآخر بترك تكفيرهم علي بن أبي طالب وابن عمر والحسن البصري وهو رأي جماعة من الفقهاء النظار والمتكلمين واحتجوا بتوريث الصحابة والتابعين ورثة أهل حروراء ومن عرف بالقدر ممن مات منهم ودفنهم في مقابر المسلمين وجرى أحكام الإسلام عليهم.
قال إسماعيل القاضي: وإنما قال مالك في القدرية وسائر أهل البدع يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا لأنه من الفساد في الأرض كما قال في المحارب: إن رأى الإمام قتله وإن لم يقتل قتله وفساد المحارب إنما هو في الأموال ومصالح الدنيا وإن كان قد يدخل أيضًا في أمر الدين من سبيل الحج والجهاد، وفساد أهل البدع معظمه على الدين وقد يدخل في أمر الدنيا بما يلقون بين المسلمين من العداوة.
فصل في تحقيق القول في إكفار المتأولين:
قد ذكرنا مذاهب السلف في إكفار أصحاب البدع والأهواء المتأولين ممن قال قولًا يؤديه مساقه إلى كفر هو إذا وقف عليه لا يقول بما يؤديه قوله إليه، وعلى اختلافهم اختلف الفقهاء والمتكلمون في ذلك؛ فمنهم من صوب التكفير الذي قال به الجمهور من السلف ومنهم من أباه ولم ير إخراجهم من سواد المؤمنين وهو قول أكثر الفقهاء =стр. 841
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = والمتكلمين، وقالوا: هم فساق عصاة ضلال ونورثهم من المسلمين ونحكم لهم بأحكامهم ولهذا قال سحنون: لا إعادة على من صلى خلفهم.
قال: وهو قول جميع أصحاب مالك المغيرة وابن كنانة وأشهب.
قال: لأنه مسلم وذنبه لم يخرجه من الإسلام، واضطرب آخرون في ذلك ووقفوا عن القول بالتكفير أو ضده واختلاف قولي مالك في ذلك وتوقفه عن إعادة الصلاة خلفهم منه وإلى نحو من هذا ذهب القاضي أبو بكر إمام أهل التحقيق والحق، وقال: إنها من المعوصات إذا القوم لم يصرحوا باسم الكفر وإنما قالوا قولًا يؤدي إليه واضطرب قوله في المسألة على نحو اضطراب قول إمامه مالك بن أنس حتى قاله في بعض كلامه: إنهم على رأي من كفرهم بالتأويل لا تحل مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم ولا الصلاة على ميتهم ويختلف في موارثتهم على الخلاف في ميراث المرتد وقال أيضًا: نورث ميتهم ورثتهم من المسلمين ولا نورثهم من المسلمين وأكثر ميله إلى ترك التكفير بالمآل، وكذلك اضطرب فيه قول شيخه أبي الحسن الأشعري وأكثر قوله ترك التكفير وأن الكفر خصلة واحدة وهو الجهل بوجود الباري تعالى.
وقال مرة: من اعتقد أن اللَّه جسم أو المسيح أو بعض من يلقاه في الطرق فليس بعارف به وهو كافر ولمثل هذا ذهب أبو المعالي ﵀ في أجوبته لأبي محمد عبد الحق وكان سأله عن المسألة فاعتذر له بأن الغلط فيها يصعب؛ لأن إدخال كافر في الملة واخراج مسلم عنها عظيم في الدين وقال غيرهما من المحققين: الذي يجب الاحتراز من التكفير في أهل التأويل فإن استباحة دماء المصلين الموحدين خطر والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطإ في سفك محجمة من دم مسلم واحد.
وقد قال ﷺ : "فإذا قالوها -يعني: الشهادة- عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه! فالعصمة مقطوع بها مع الشهادة ولا ترتفع ويستباح خلافها إلا بقاطع ولا قاطع من شرع ولا قياس عليه، وألفاظ الأحاديث الواردة في الباب معرضة للتأويل في جاء منها في التصريح بكفر القدرية.
وقوله: لا سهم لهم في الإسلام وتسميته الرافضة بالشرك وإطلاق اللعنة عليهم، وكذلك في الخوارج وغيرهم من أهل الأهواء فقد يحتج بها من يقول بالتكفير وقد يجيب الآخر بأنه قد ورد مثل هذه الألفاظ في الحديث في غير الكفرة على طريق التغليظ وكفر دون كفر وإشراك دون إشراك، وقد ورد مثله في الرياء وعقوق الوالدين والزوج والزور وغير معصية وإذا كان محتملًا للأمرين فلا يقطع على أحدهما إلا بدليل قاطع.
وقوله في الخوارج: هم من شر البرية وهذه صفة الكفار، وقال: شر قبيل تحت أديم السماء طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، وقال: "فإذا وجدتموهم فاقتلوهم قتل عاد"، =стр. 842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وظاهر هذا الكفر لا سيما مع تشبيههم بعاد فيحتج به من يرى تكفيرهم فيقول له الآخر: إنما ذلك من قتلهم لخروجهم على المسلمين وبغيهم عليهم بدليله من الحديث نفسه يقتلون أهل الإسلام، فقتلهم ههنا حد لا كفر وذكر عاد تشبيه للقتل وحله لا للمقتول، وليس كل من حكم بقتله يحكم بكفره، ويعارضه بقول خالد في الحديث: دعني أضرب عنقه يا رسول اللَّه، فقال: "لعله يصلى".
فإن احتجوا بقوله ﷺ : "يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم"، فأخبر أن الإيمان لم يدخل قلوبهم وكذلك قوله: "يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ثم لا يعودون إليه حتى يعود السهم على فوقه"، وبقوله: "سبق الفرث والدم" يدل على أنه لم يتعلق من الإسلام بشيء، أجابه الآخرون: أن معنى لا يجاوز حناجرهم لا يفهمون معانيه بقلوبهم ولا تنشرح له صدورهم ولا تعمل به جوارحهم، وعارضوهم بقوله: ويتمارى في الفوق وهذا يقتضي التشكك في حاله وإن احتجوا بقول أبي سعيد الخدري في هذا الحديث.
سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يخرج في هذه الأمة" ولم يقل (من هذه) وتحرير أبي سعيد الرواية وإتقانه اللفظ، أجابهم الآخرون: بأن العبارة بفي لا تقتضي تصريحًا بكونهم من غير الأمة بخلاف لفظة من - التي هي للتبعيض وكونهم من الأمة مع أنه قد روي عن أبي ذر وعلي وأبي أمامة وغيرهم في هذا الحديث: "يخرج من أمتي، وسيكون من أمتي"، وحروف المعاني مشتركة فلا تعويل على إخراجهم من الأمة، ولا على إدخالهم فيها بمن، لكن أبا سعيد ﵁ أجاد ما شاء في التنبيه الذي نبه عليه، وهذا مما يدل على سعة فقه المحابة وتحقيقهم للمعاني واستنباطها من الألفاظ وتحريرهم لها وتوقيهم في الرواية، هذه المذاهب المعروفة لأهل السنة ولغيرهم من الفرق فيها منالات كثيرة مضطربة سخيفة أقربها قول جهم ومحمد بن شبيب: إن الكفر باللَّه الجهل به لا يكفر أحد بغير ذلك، وقال أبو الهذيل: إن كل متأول كان تأوليه تشبيهًا للَّه بخلقه وتجويرًا له في فعله وتكذيبًا لخبره فهو كافر، وكل من أثبت شيئًا قديمًا لا يقال له اللَّه فهو كافر، وقال بعض المتكلمين: إن كان ممن عرف الأصل وبنى عليه وكان فيما هو من أوصاف اللَّه فهو كافر وإن لم يكن من هذا الباب ففاسق إلا أن يكون ممن لم يعرف الأصل فهو مخطىء غير كافر وذهب عبيد اللَّه بن الحسن العنبري إلى تصويب أقوال المجتهدين في أصول الدين فيما كان عرضة للتأويل وفارق في ذلك فرق الأمة إذ أجمعوا سواه على أن الحق في أصول الدين في واحد والمخطىء فيه آثم عاص فاسق وإنما الخلاف في تكفيره، وقد حكى القاضي أبو بكر الباقلاني مثل قول عبيد اللَّه عن داود الأصبهاني وقال وحكى قوم عنهما أنهما قالا ذلك في كل من علم اللَّه سبحانه من حاله استفراغ الوسع في طلب الحق من أهل =стр. 843
والحرورية: قوم خرجوا على علي بحروراء، نقموا عليه قضية الحكم، فكفروا بالذنب.
تكميل:
أفهم قوله: (كحروري) خروج البدعي المقطوع بكفره، المازري: كالقائل: إنه تعالى ليس بعالم (١) ، فيعيد أبدًا، وخروج المقطوع بعدم كفره، كصاحب هوى خفيف؛ فلا إعادة، وقد ذكر ابن رشد الأقسام الثلاثة. الحواشي
(١) من أولئك: الفرقة الخامسة من الروافض، وهم أصحاب شيطان الطاق يزعمون أن اللَّه عالم في نفسه ليس بجاهل ولكنه إنما يعلم الأشياء إذا قدرها وأرادها فأما قبل أن يقدرها ويريدها فمحال أن يعلمها إلا لأنه ليس بعالم ولكن الشيء لا يكون شيئًا حتى يقدره ويثبته بالتقدير والتقدير عندهم الإرادة.
والمعتزلة اختلفوا، هل يقال: إن البارىء لم يزل عالمًا قادرًا حيًا أم لا يقال ذلك على مقالتين، فقال قائلون: لم يزل اللَّه عالمًا قادرًا حيًا.
وزعم كثير من المجسمة أن البارىء كان قبل أن يخلق الخلق ليس بعالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا مريد، ثم أراد وإرادته عندهم حركته فإذا أراد كون شيء تحرك فكان الشيء لأن معنى أراد تحرك وليس الحركة غيره، وكذلك قالوا في قدرته وعلمه وسمعه وبصره أنها معان وليست غيره وليست بشيء لأن الشيء هو الجسم.
وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعًا لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير ولا قديم وعبروا عنه بأن قالوا: نقول عين لم يزل ولم يزيدوا على ذلك غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره؛ فأظهروا معناه بنفيهم أن يكون للبارىء علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك.стр. 844
[من تكره إمامته مطلقًا: ]
[١ - الأقطع: ]
وكره أقطع -أي: إمامته- ابن وهب: وإن حسنت حالته، وظاهره: قطع في جناية أو لا، وهو كذلك؛ لأن المأموم أقل منه، واقتصر الجلاب على عدم الكراهة، وبه صدر ابن الحاجب.
قال في التوضيح: وليس هو المذهب.
[٢ - الأشل: ]
وكره أشل، وهو يبس في اليد أو ذهابها، وأما شلل العين وهو ذهاب بصرها فليس مراده هنا.
تنبيه:
لا ينافي ما ذكره من الكراهة قول ابن بشير وابن عسكر: المشهور أنه لا يمنع الإجزاء.
[٣ - الأعرابي: ]
وكره أعرابي -أي: إمامته- لغيره من الحضريين، وإن كان الأعرابي أقرأ من الحضريين.
عياض: هو بفتح الهمزة: البدوي عربيًا أو أعجميًا.
البساطي: يحتمل كون ما عنده من القرآن أكثر، أو كونه أفصح وأقدر على مخارج الحروف، عالمًا تفاصيل ذلك.
تنبيه:
ما قررناه من رجوع ضمير غيره وأقرأ للأعرابي فقط مثله للشارح، وهو الذي يفهم من كلام ابن الحاجب وغيره، وجعله البساطي راجعًا للثلاثة، أي: أمّ كل مغايرًا له الصحيح في الأول والثاني، والحضري في الثالث.
стр. 845
قال: ولا يخفى وجه الكراهة في ذلك، إلا أن مفهومه نفي الكراهة في ذلك، إذا ساواه في وصفه، وهو الذي يظهر من الروايات. انتهى.
[٤ - ذو سلس: ]
وكره أن يؤم ذو سلس، يخرج منه بعد طهره ما يعفى عنه لشخص صحيح.
[٥ - ذو قروح: ]
وذو قرح سائل لصحيح للترخيص لهم في ذلك، والرخص لا تتجاوز محلها.
[٦ - من يُكْرَهُ: ]
وكره إمامة من يكره، لكارهيته، كرهه كلهم أو جلهم، ابن حبيب: أو ذو النهى والفضل منهم، وإن قلوا.
[من تكره إمامته في حال: ]
ولما قدم من تكره إمامته مطلقًا ذكر من تكره منه في حال بعد حال، فقال:
[١ - الخصي: ]
وكره ترتب خصي في الإمامة، قال في الصحاح: وهو بفتح الخاء، وجمعه خصيان، وخصيه بكسرهما، كذا هو مضبوط في نسخة ياقوت (١) بالقلم، وهو معتمد. الحواشي
(١) هو: ياقوت بن عبد اللَّه الرومي الحموي، أبو عبد اللَّه، شهاب الدين، (٥٧٤ - ٦٢٦ هـ = ١١٧٨ - ١٢٢٩ م): مؤرخ ثقة، من أئمة الجغرافيين، ومن العلماء باللغة والأدب. أصله من الروم. أسر من بلاده صغيرًا، وابتاعه ببغداد تاجر اسمه عسكر بن إبراهيم الحموي، فرباه وعلمه وشغله بالأسفار في متاجره، ثم أعتقه (سنة ٥٩٦ هـ) وأبعده. فعاش من نسخ الكتب بالأجرة، وعطف عليه مولاه بعد ذلك، فأعطاه شيئًا من المال واستخدمه في تجارته فاستمر إلى أن توفي مولاه، فاستقل بعلمه.
ورحل رحلة واسعة. انتهى بها إلى مرو (بخراسان) وأقام يتجر، ثم انتقل إلى =следующие страницы →