وراح يسب ويشتم، وأقسم أنه سيتحول إلى مذهب أهل السنة، فأخذت أُهدِّئُ به ثم أقسمت له أن المتعة حرام وبينت له الأدلة على ذلك.
إن المتعة كانت مباحة فى العصر الجاهلى، ولما جاء الإسلام أبقى عليها مدة، ثم حرمت يوم خيبر، لكن المتعارف عليه عند الشيعة، عند جماهير فقهائنا، أن عمر بن الخطاب هو الذى حرمها، وهذا ما يرويه بعض فقهائنا. والصواب فى المسألة أنها حُرمت يوم خيبر.
قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: " حرم رسول الله صلى اله عليه وآله يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة " انظر " التهذيب " (٢/١٨٦) ، " الاستبصار " (٣/١٤٢) ، " وسائل الشيعة " (١٤/٤٤١) .
وسئل أبو عبد الله ﵇: " كان المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله يتزوجون بغير بينة؟ قال: لا " انظر " التهذيب " (٢/١٨٩) .
وعلق الطوسى على ذلك بقوله: إنه لم يُرد من ذلك النكاح الدائم، بل أراد منه المتعة، ولهذا أورد هذا النص فى باب المتعة. لاشك أن هذين النصين حجة قاطعة فى نسخ حكم المتعة وإبطاله.
وأمير المؤمنين صلوات الله عليه نقل تحريمها عن النبى صلى الله عليه وآله، وهذا يعنى أن أمير المؤمنين قد قال بحرمتها من يوم خيبر، ولاشك أن الأئمة من بعده قد عرفوا حكم المتعة بعد علمهم بتحريمها، وهنا نقفُ بين أخبارٍ منقولة وصريحة فى تحريم المتعة، وبين أخبار منسوبة إلى الأئمة فى الحث عليها وعلى العمل بها.
وهذه مشكله يحتار المسلم إزاءها أيتمتع أم لا؟
إن الصواب هو ترك المتعة، لأنها حرام كما ثبت نقله عن أمير المؤمنين ﵇، وأما الأخبار التى نسبت إلى الأئمة؛ فلا شك أن نسبتها إليهم غير صحيحة، بل هي أخبار مفتراة عليهم، إذ ما كان للأئمة ﵈ أن يخالفوا أمراً حرمه رسول الله
стр. 1087
وسار عليه أمير المؤمنين من بعده، وهم ـ أي الأئمة ـ الذين تلقوا هذا العلم كابراً عن كابر، لأنهم ذرية بعضهم من بعض.
لما سئل أبو عبد الله ﵇: " كان المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله يتزوجون بغير بينة؟ قال: لا "، فلولا علمه بتحريم المتعة لما قال: لا، خصوصاً وأن الخبر صحيح فى أن السؤال كان عن المتعة، وأن أبا جعفر الطوسي راوى الخبر أورده فى باب المتعة كما أسلفنا.
وما كان لأبى عبد الله والأئمة من قبله ومن بعده أن يخالفوا أمر رسول الله صلوات الله عليه، أو أن يُحلَّوا أمرا حرمه، أو أن يبتدعوا شيئاً ما كان معروفا فى عهده ﵇.
وبذلك يتبّين أن الأخبار التى تحث على التمتع، ما قال الأئمةُ منها حرفاً واحداً، بل افتراها وتَقولَّها عليهم أناسٌ زنادقة، أرادوا الطعن بأهل البيت الكرام والإساءة إليهم، وإلا بِم تُفسر إباحتهم التمتع بالهاشمية، وتكفيرهم لمن لا يتمتع؟
مع أن الأئمة ﵈ لم يُنقل عن واحد منهم نقلُ ثابت أنه تمتع مرة أو قال بحلّية المتعة، أيكونون قد دانوا بغير دين الإسلام؟
فإذا توضح لنا هذا ندرك أن الذين وضعوا تلك الأخبار هم قوم زنادقة أرادوا الطعن بأهل البيت والأئمة ﵈، لأن العمل بتلك الأخبار فيه تكفير للأئمة ... فتنبه.
روى الكليني عن أبى عبد الله ﵇ أن امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب فقالت: " إنى زنيت، فأمر أن تُرجم، فأخبر أمير المؤمنين ﵇ فقال: كيف زنيت؟
فقالت: مررت بالبادية فأصابنى عطش شديد، فاستسقيت أعرابياً فأبى إلا إنْ مَكَّنتةُ من نفسى، فلما أجهدنى العطش وخفت على نفسى سقانى فأمكنته من نفسى، فقال أمير المؤمنين ﵇ تَزويجٌ ورب الكعبة ". (الفروع ٢ / ١٩٨) .
стр. 1088
إن المتعه كما هو معروف تكون عن تَراضٍ بين الطرفين وعن رغبة منهما.
أما فى هذه الرواية فإن المرأة المذكورة مضطرة ومجبورة، فساومها على نفسها مقابل شربة ماء، وليست هي فى حكم الزانية حتى تطلب من عمر أن يطهرها وفوق ذلك ـ وهذا مهم ـ أن أمير المؤمنين ﵇ هو الذى روى تحريم المتعة فى نقله عن النبى صلى الله عليه وآله يوم خيبر، فكيف يفتى هنا بأن هذا نكاح متعة؟! وفتواه على سبيل الحِلَّ والإقرار والرضا منه بفعل الرجل والمرأة؟
إن هذه الفتوى لو قالها أحد طلاب العلم لَعُدَّت سقطة، بل غلطة يعاب عليه بسببها، فكيف تنسب لأمير المؤمنين ﵇، وهو مَنْ هو فى العلم والفتيا؟
إن الذى نسب هذه الفتوى لأمير المؤمنين، إما حاقد أراد الطعن به، وإما ذو غرض وهوى، اخترع هذه القصة فنسبها لأمير المؤمنين ليضفى الشرعية على المتعة، كى يسوغ لنفسه ولأمثاله استباحة الفروج باسم الدين، حتى وإن أدى ذلك إلى الكذب على الأئمة ﵈، بل على النبى صلوات الله عليه.
إن المفاسد المترتبة على المتعة كبيرة ومتعددة الجوانب:
١ ـ فهي مخالفة للنصوص الشرعية لأنها تحليلُ لما حرم الله.
٢ ـ لقد ترتب على هذا، اختلاق الروايات الكاذبة ونسبتها إلى الأئمة ﵈، مع ما فى تلك الروايات من مطاعن قاسية لا يرضاها لهم من كان قلبه مثقال ذرة من إيمان.
٣ ـ ومن مفاسدها؛ إباحة التمتع بالمرأة المحصنة - أي المتزوجة - رغم أنها فى عصمة رجل دون علم زوجها، وفى هذه الحالة لا يأمن الأزواج على زوجاتهم، فقد تتزوج المرأة متعة دون علم زوجها الشرعي ودون رضاه، وهذه مفسدة ما بعدها مفسدة، انظر " فروع الكافى " (٥ / ٤٦٣) ، " تهذيب الأحكام " (٧ /٥٥٤) ، " الاستبصار " ... (٣/١٤٥) ،
стр. 1089
وليت شعرى ما رأي الرجل وما شعوره إذا اكتشف أن امرأته التى فى عصمته متزوجة من رجلٍ آخَر غيرهِ زواجَ متعة؟ !
٤ ـ والآباء أيضاً لا يأمنون على بناتهم الباكرات إذ قد يتزوجن متعة دون علم آبائهن، وقد يفاجأ الأب أن ابنته الباكر قد حملت، ... . لم؟ كيف؟ لا يدرى.... ممن؟ لا يدرى أيضاً، فقد تزوجت من واحد فمن هو؟ لا أحد يدرى لأنه تركها وذهب.
٥ ـ إن أغلب الذين يتمتعون، يبيحون لأنفسهم التمتع ببنات الناس، ولكن إذا تقدم أحد لخطبة بناتهم أو قريباتهم فأراد أن يتزوجها متعة، لَمَا وافق ولما رضي، لأنه يرى هذا الزواج أشبه بالزنى، وإن هذا عار عليه، وهو يشعر بهذا من خلال تمتعه ببنات الناس، فلا شك أنه يمتنع عن تزويج بناته للآخرين متعة، أي أنه يبيح لنفسه التمتع ببنات الناس وفى المقابل يحرم على الناس أن يتمتعوا ببناته.
إذا كانت المتعة مشروعة أو أمراً مباحاً، فلمَ هذا التحرج فى إباحة تمتع الغرباء ببناته وقريباته؟
٦ ـ إن المتعة ليس فيها إشهادُ ولا إعلان ولا رضا ولى أمر المخطوبة، ولا يقع شيىء من ميراث المتمتع للمُتمتَّع بها، إنما هي مستأجرة (١)
، كما نسب ذلك القول إلى أبى عبد الله ﵇، فكيف يمكن إباحتها وإشاعتها بين الناس؟
٧ ـ
стр. 1090
إن المتعة فتحت المجال أمام الساقطين والساقطات من الشباب والشابات فى لصق ما عندهم من فجور بالدين، وأدى ذلك إلى تشويه صورة الدين والمتدينين.
وبذلك يتبين لنا أضرار المتعة دينياً واجتماعياً وخلقياً، ولهذا حُرّمت المتعة، ولو كان فيها مصالح لما حُرّمت، ولكن لما كانت كثيرة المفاسد، حرّمها رسول الله صلى الله عليه وآله، وحرّمها أمير المؤمنين ﵇.
تنبيه
سألت الإمام الخوئى عن قول أمير المؤمنين فى تحريم المتعة يوم خيبر، وعن قول أبى عبد الله فى إجابة السائل عن الزواج بغير بينة أكان معروفاً على عهد النبى ﵇؟
فقال: إن قول أمير المؤمنين ﵇ فى تحريم المتعة يوم خيبر إنما يشمل تحريمها فى ذلك اليوم فقط لا يتعدى إلى ما بعده.
وأما قول أبى عبد الله للسائل، فقال الإمام الخوئى: إنما قال أبو عبد الله ذلك تقية وهذا متفق عليه بين فقهائنا.
قلت:
والحق أن قول فقهائنا لم يكن صائباً، ذلك أن تحريم المتعة يوم خيبر صاحبه تحريمُ لحوم الحمر الأهلية، وتحريم لحوم الحمر الأهلية جرى العمل عليه من يوم خيبر وإلى يومنا هذا وسيبقى إلى قيام الساعة.
دعوى تخصيص تحريم المتعة بيوم خيبر فقط دعوى مجردة لم يقم عليها دليل، خصوصاً وأن حرمة لحوم الحمر الأهلية والتى هي قرينة المتعة فى التحريم بقىَ العملُ عليها إلى يومنا هذا.
وفوق ذلك لو كان تحريم المتعة خاصاً بيوم خيبر فقط لورد التصريح من النبى صلى الله عليه وآله بنسخ تلك الحرمة، على أنه يجب أن لا يغيب عن بالنا
стр. 1091
أن علة إباحة المتعة هي السفر والحرب، فكيف تحرم فى تلك الحرب والمقاتل أحوج ما يكون إليها، خصوصاً وأنه فى غربة من أهله وما ملكت يمينيه، ثم تباح فى السلم؟
إن معنى قوله ﵇ إنها حُرّمت يوم خيبر، أي: إن بداية تحريمها كان يوم خيبر، وأما أقوال فقهائنا إنما هي تلاعب بالنصوص لا أكثر.
فالحق أن تحريم المتعة ولحوم الحمر الأهلية متلازمان، نزل الحكم بحرمتهما يوم خيبر وهو باق إلى قيام الساعة، وليس هناك من داع لتأويل كلام أمير المؤمنين ﵇ من أجل إشباع رغبات النفس وشهواتها فى البحث الدائم عن الجميلات والفاتنات من النساء للتمتع بهن والتلذذ باسم الدين وعلى حسابه.
وأما أن قول أبى عبد الله ﵇ فى جوابه للسائل كان تقية، أقول: إن السائل كان من شيعة أبى عبد الله، فليس هناك ما يبرر القول بالتقية، خصوصاً وأنه يوافق الخبر المنقول عن أمير المؤمنين ﵇ فى تحريم المتعة يوم خيبر.
إن المتعة التى أباحها فقهاؤنا تعطى الحق للرجل فى أن يتمتع بعدد لا حصرله من النسوة، ولو بألف امرأة وفى وقت واحد.
وكم من متمتع جمع بين المرأة وأمها، وبين المرأة وأختها، وبين المرأة وعمتها أو خالتها وهو لايدرى.
جاءتنى امرأة تستفسر منى عن حادثة حصلت معها، إذ أخبرتنى أن أحد السادة وهو السيد حسين الصدر كان قد تمتع بها قبل أكثر من عشرين سنة فحملت منه، فلما أشبع رغبته منها فارقها، وبعد مدة رزقت ببنت، وأقسمت أنها حملت منه هو، إذ لم يتمتع بها وقتذاك أحد غيره.
وبعد أن كبرت البنت وصارت شابة جميلة متأهلة للزواج، اكتشفت الأم أن ابنتها حبلى، فلما سألتها عن سبب حملها، أخبرتها البنت أن السيد المذكور استمتع بها فحملت منه، فدهشت الأم وفقدت صوابها، إذ أخبرت ابنتها أن هذا
стр. 1092
السيد هو أبوها، وأخبرتها القصة، فكيف يتمتع بالأم واليوم يأتى ليتمتع بابنتها التى هي ابنته هو؟ ثم جاءتنى مستفسرة عن موقف السيد المذكور منها ومن ابنتها التى ولدتها منه.
إن الحوادث من هذا النوع كثيرة جداً. فقد تمتع أحدهم بفتاة تبين لهم فيما بعد أنها أخته من المتعة، ومنهم من تمتع بامرأة أبيه.
وفى إيران الحوادث من هذا القبيل لا يستطيع أحد حصرها. وقد رأينا ذلك بقوله تعالى: "" وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ "" (النور: ٢٣) ، فمن لم يتمكن من الزواج الشرعي بسبب قلة ذات اليد، فعليه بالاستعفاف ريثما يرزقه الله من فضله كى يستطيع الزواج.
فلو كانت المتعة حلالاً لما أمره بالاستعفاف والانتظار ريثما تتيسر أمور الزواج بل لأرشده إلى المتعة كى يقضى وطره بدلاً من المكوث والتحرق بنار الشهوة.
وقال الله تعالى: "" وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ "" إلى قوله تعالى: "" ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "" (النساء ٢٥) .
فأرشد الذين لا يستطيعون الزواج لقلة ذات اليد أن يتزوجوا ما ملكت أيمانهم، ومن عجز حتى عن ملك اليمين؛ أمره بالصبر، ولو كانت المتعة حلالاً لأرشده إليها. ولابد لنا أن ننقل نصوصاً أخرى عن الأئمة ﵈ فى إثبات تحريم المتعة:
стр. 1093
عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن المتعة فقال: " لا تُدَنسْ نفسك بها " " بحار الأنوار " (١١٠ / ٣١٨) .
وهذا صريح في قول أبى عبد الله ﵇: إن المتعة تدنس النفس، ولو كانت حلالاً لما صارت في هذا الحكم، ولم يكتف الصادق ﵇ بذلك بل صرح بتحريمها:
عن عمار قال: قال أبو عبد الله ﵇ لي ولسليمان بن خالد: " قد حرمت عليكما المتعة " " فروع الكافى " (٢ / ٤٨) ، " وسائل الشيعة " (١٤ / ٤٥٠) .
وكان ﵇ يوبخ أصحابه ويحذرهم من المتعة فقال: " أما يستحى أحدكم أن يرى فى موضع، فيحمل ذلك على صالحى إخوانه وأصحابه؟ " " الفروع " (٢ / ٤٤) ، " وسائل الشيعة " (١٤ / ٤٥٠) .
ولما سأل على بن يقطين أبا الحسن ﵇ عن المتعه أجابه: " ما أنت وذلك؟ قد أغناك الله عنها " " الفروع " (٢ / ٤٣) ، " الوسائل " (١٤ / ٤٤٩) . نعم، إن الله تعالى أغنى الناس عن المتعة بالزواج الشرعي الدائم.
ولهذا لم ينقل أن أحداً تمتع بامرأة من أهل البيت ﵈، فلو كان حلالاً لفعلن، ويؤيد ذلك أن عبد الله بن عمير قال لأبى جعفر ﵇: " يسرك أن نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمك يفعلن؟ ـ أي يتمتعن ـ فأعرض عنه أبو جعفر ﵇ حين ذكر نساءه وبنات عمه " " الفروع " (٢ / ٤٢) ، " التهذيب " (٢ / ١٨٦) .
وبهذا يتأكد لكل مسلم عاقل أن المتعة حرام، لمخالفتها لنصوص القرآن الكريم وللسنة ولأقوال الأئمة ﵈.
والناظر للآيات القرآنية الكريمة والنصوص المتقدمة فى تحريم المتعة ـ إن كان طالباً للحق محباً له ـ لا يملك إلا أن يحكم ببطلان تلك الروايات التى تحث
стр. 1094
على المتعة لمعارضتها لصريح القرآن وصريح السنة المنقولة عن أهل البيت ﵈، ولما يترتب عليها من مفاسد لا حصر لها، بينا شيئاً منها فيما مضى.
إن من المعلوم أن دين الإسلام جاء ليحث على الفضائل وينهي عن الرذائل، وجاء ليحقق للعباد المصالح التى تستقيم بها حياتهم، ولا شك أن المتعة مما لا تستقيم بها الحياة؛ إن حققت للفرد مصلحة واحدة ـ افتراضاً ـ فإنها تسبب له مفاسد جمة، أجملناها فى النقاط الماضية.
إن انتشار العمل بالمتعة جر إلى إعارة الفرج، وإعارة الفرج معناها أن يعطى الرجل امرأته أو أمته إلى رجل آخر، فيحل له أن يتمتع بها أو أن يصنع بها ما يريد، فإذا ما أراد رجل ما أن يسافر أودع امرأته عند جاره أو صديقه أو أي شخص كان يختاره، فيبيح له أن يصنع بها ما يشاء طيلة مدة سفره. والسبب معلوم حتى يطمئن الزوج على امرأته لئلا تزنى فى غيابه (!!) .
وهناك طريقه ثانية لإعارة الفرج، إذا نزل أحد ضيفاً عند قوم وأرادوا إكرامه فإن صاحب الدار يعير امرأته للضيف طيلة مدة إقامته عندهم، فيحل له منها كل شئ، وللأسف يروون فى ذلك روايات ينسبونها إلى الإمام الصادق ﵇ وإلى أبيه أبى جعفر سلام الله عليه.
روى الطوسى عن محمد بن أبى جعفر ﵇ قال: قلت:
الرجلُ يُحُل لأخيه فرج جاريته؟ قال: نعم لا بأس به له ما أَحلَّ له منها " الاستبصار " (٣/ ١٣٦) .
وروى الكليني والطوسى عن محمد بن مضارب قال: قال لى أبو عبد الله ﵇: " يا محمد! خذ هذه الجارية تخدمك وتصيب منها، فإذا خرجت فارددها إلينا " " الكافى، الفروع " (٢ / ٢٠٠) ، الاستبصار " (٣ /١٣٦) .
قلت: لو اجتمعت البشرية بأسرها، فأقسمت أن الإمامين الصادق والباقر ﵉ قالا هذا الكلام ما أنا بمصدَّق.
стр. 1095
إن الإمامين سلام الله عليهما أجلُّ وأعظم من أن يقولا مثل هذا الكلام الباطل، أو يبيحا هذا العمل المقزز الذى يتنافى مع الخلق الإسلامي الرفيع، بل هذه هي الدياثة. ولا شك أن الأئمة سلامُ الله عليهم ورثوا هذا العلم كابرا عن كابر، فنسبة هذا القول وهذا العمل إليهما! إنما هو نسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فهو إذن تشريع إلهي.
فى زيارتنا للهند ولقائنا بأئمة الشيعة هناك كالسيد النقوى وغيره، مررنا بجماعة من الهندوس وعبدة البقر والسيخ وغيرهم من أتباع الديانات الوثنية، وقرأنا كثيراً، فما وجدنا ديناً من تلك الأديان الباطلة يبيح هذا العمل ويحله لأتباعه.
فكيف يمكن لدين الإسلام أن يبيح مثل هذا العمل الخسيس الذى يتنافى مع أبسط مقومات الأخلاق؟
زرنا الحوزة القائمية فى إيران فوجدنا السادة هناك يبيحون إعارة الفروج، وممن أفتى بإباحة ذلك السيد لطف الله الصافى وغيره، ولذا فإن موضوع إعارة الفروج منتشر فى عموم إيران، واستمر العمل به حتى بعد الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوى ومجىء آية الله العظمى الإمام الخمينى الموسوى، وبعد رحيل الإمام الخمينى أيضاً استمر العمل عليه، وكان هذا أحد الأسباب (١) التى أدت إلى فشل أول دولة شيعية فى العصر الحديث، كان الشيعة فى عموم بلاد العالم يتطلعون إليها، مما حدا بمعظم السادة إلى التبرؤ منها، بل ومهاجمتها أيضاً، فهذا
стр. 1096
صديقنا العلامة السيد موسى الموسوى سماها (الثورة البائسة) وألف كتباً وبحوثاً، ونشر مقالات فى مهاجمتها وبيان أخطائها.
وقال السيد جواد الموسوى: إن الثورة الإسلامية فى إيران ليس لها من الإسلام إلا الاسم.
وكان آية الله العظمى السيد محمد كاظم شريعتمدارى من أشد المعارضين لها، لما رآه من انحراف واضح عن جادة الإسلام.
وهناك كثير من السادة ممن أعرفهم معرفة شخصية انتقدوا حكومة الإمام الخمينى ونفروا منها.
ومما يؤسف له أن السادة هنا أفتوا بجواز إعارة الفرج، وهناك كثير من العوائل فى جنوب العراق وفى بغداد فى منطقة الثورة ممن يمارس هذا الفعل بناء على فتاوى كثير من السادة، منهم: السيستانى والصدر والشيرازى والطباطبائى والبروجردى وغيرهم، وكثير منهم إذا حل ضيفاً عند أحد منهم استعار امرأته إذا رآها جميلة، وتبقى مستعارة عنده حتى مغادرته.
إن الواجب أن نحذر العوام من هذا الفعل الشنيع، وأن لا يقبلوا فتاوى السادة بإباحة هذا العمل المقزز، الذى كان للأصابع الخفية التى تعمل من وراء الكواليس الدور الكبير فى دسه فى الدين ونشره بين الناس.
ولم يقتصر الأمر على هذا، بل أباحوا اللواطة بالنساء، ورووا أيضاً روايات نسبوها إلى الأئمة سلام الله عليهم، فقد روى الطوسى عن عبد الله بن أبى اليعفور قال: " سألت أبا عبد الله ﵇ عن الرجل يأتى المرأة من دبرها، قال: لا بأس إذا رضيت، قلت: فأين قول الله تعالى ""فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ""؟ فقال: هذا فى طلب الولد، فاطلبوا الولد من حيث أمركم الله، إن الله تعالى يقول: "" نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ "" " الاستبصار " (٣ / ٢٣٤) .
стр. 1097
وروى الطوسى أيضاً عن موسى بن عبد الملك عن رجل قال: " سألت أبا الحسن الرضا ﵇ عن إتيان الرجل المرأة من خلفها فى دبرها فقال:
أحلتها آية من كتاب الله؛ قول لوط ﵇: "" هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ""، فقد علم أنهم لا يريدون الفرج " " الاستبصار " (٣ / ٢٤٣) .
وروى الطوسى عن على بن الحكم قال: سمعت صفوان يقول: قلت للرضا ﵇: " إن رجلاً من مواليك أمرنى أن أسألك عن مسألة فهابك واستحيا منك أن يسألك، قال: ما هي؟ قال: للرجل أن يأتى امرأته فى دبرها؟ قال: نعم ذلك له " المصدر السابق ".
لا شك أن هذه الأخبار معارضة لنص القرآن إذ يقول الله تعالى "" وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ "" (البقرة: ٢٢٢) ، فلو كان إتيان الدبر مباحاً لأمر اعتزال الفرج فقط ولقال: (فاعتزلوا فروج النساء فى المحيض) ، ولكن لما كان الدبر محرماً إتيانه أمر باعتزال الفروج والأدبار فى محيض النساء، بقوله: "" وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ "" ... ثم بين الله تعالى بعد ذلك من أن يأتى الرجل امرأته فقال تعالى: "" فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ "" (البقرة: ٢٢٢) .
والله تعالى أمر بإتيان الفروج فقال: "" نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ "" (البقرة: ٢٢٣) ، والحرث هو موضع طلب الولد.
إن رواية أبى اليعفور عن أبى عبد الله مفهومها أن طلب الولد يكون فى الفروج لقوله فى قوله تعالى: "" نسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ""، هذا فى طلب الولد،
стр. 1098
كمفهوم الرواية تخصيص الفروج لطلب الولد، وأما قضاء الوطر والشهوة فهو فى الأدبار، وسياق الرواية واضح فى إعطاء هذا المفهوم.
وهذا غلط لأن الفروج ليست مخصصة لطلب الولد فقط، بل لقضاء الوطر والشهوة أيضاً، وهذا واقع العشرة بين الأزواج من لدن آدم ﵇ وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، وأبو عبد الله أجل وأرفع من أن يقول هذا القول الباطل.
ولو افترضنا جواز إتيان الدبر لما كان هناك معنى للآية الكريمة: ""فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ ""، لأنه قد علم ـ على الافتراض المذكور ـ أن الإتيان يكون فى القبل والدبر، وليس هناك موضع ثالث يمكن إتيانه. فلم يبق أي معنى للآية ولا للأمر الوارد فيها.
ولكن لما كان أحد الموضعين محرما لا يجوز إتيانه، والآخر حلالاً احتيج إلى بيان الموضع الذى يجب أن يؤتى، فكان أمر الله تعالى بإتيان الحرث، والحرث هو موضع طلب الولد، وهذا الموضع يؤتى لطلب الولد ولقضاء الوطر أيضاً.
أما الرواية المنسوبة إلى الرضا ﵇ فى إباحة اللواطة بالنساء واستدلاله بقول لوط ﵇:
أقول: إن تفسير الآية؛ قول الله تعالى: "" هَؤُلاءبَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ "" (هود: ٧٨) ، قد ورد فى آية أخرى فى قوله تعالى: "" وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ. أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ "" (العنكبوت: ٢٨) ، وقطع السبيل لا يعنى ما يفعله قُطاعُ الطرق وحدهم. لا، وإنما معناه أيضاً قطع النسل فى الإتيان فى غير موضع طلب الولد،
стр. 1099
أي فى الأدبار، فلو استمر الناس فى إتيان الأدبار ـ أدبار الرجال والنساء ـ وتركوا أيضاً طلب الولد لانقرضت البشرية وانقطع النسل.
فالآية الكريمة تعطى هذا المعنى أيضاً وبخاصة إذا لاحظنا سياق الآية مما قبلها. ولا مرية أن هذا لا يخفى على الإمام الرضا ﵇، فثبت بذلك كذب نسبة تلك الرواية إليه.
إن إتيان النساء فى أدبارهن لم يقل به إلا الشيعة، وبالذات الإمامية الاثنا عشرية.
اعلم أن جميع السادة فى حوزة النجف والحوزات الأخرى، بل وفى كل مكان، يمارسون هذا الفعل.
وكان صديقنا الحجة السيد أحمد الوائلى يقول بأنه منذ أن اطلع على هذه الروايات بدأ ممارسة هذا الفعل وقليلاً ما يأتى امرأة فى قبلها.
وكلما التقيت واحداً من السادة وفى كل مكان فإنى أسأله فى حرمة إتيان النساء فى الأدبار أو حله، فيقول لى بأنه حلال، ويذكر الروايات فى حليتها، منها الروايات التى تقدمت الإشارة إليها.
ولم يكتفوا بإباحية اللواطة بالنساء بل أباح كثير منهم حتى اللواطة بالذكور وبالذات المردان.
كنا فى أحد الأيام فى الحوزة فوردت الأخبار بأن سماحة السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوى قد وصل بغداد، وسيصل إلى الحوزة ليلتقى سماحة الإمام آل كاشف الغطاء، وكان السيد شرف الدين قد سطع نجمه عند عوام الشيعة وخواصهم، خاصة بعد أن صدر بعض مؤلفاته كالمراجعات، والنص والاجتهاد.
ولما وصل النجف زار الحوزة، فكان الاحتفاء به عظيماً من قبل الكادر الحوزى علماء وطلاباً، وفى جلسة له فى مكتب السيد آل كاشف الغطاء ضمت عدداً من السادة وبعض طلاب الحوزة، وكنت أحد الحاضرين، وفى أثناء هذه
стр. 1100
الجلسة دخل شاب فى عنفوان شبابه فسلم فرد الحاضرون السلام، فقال للسيد آل كاشف الغطاء:
سيد عندى سؤال: فقال له السيد: وجه سؤالك إلى السيد شرف الدين ـ فأحاله إلى ضيفه السيد شرف الدين تقديراً وإكراماً له ـ.
قال السائل: سيد أنا أدرس فى لندن للحصول على الدكتوراه، وأنا ما زلت أعزب غير متزوج، وأريد امرأة تعيننى هناك ـ لم يفصح عن قصده أول ... الأمر ـ.
فقال له السيد شرف الدين: تزوج ثم خذ زوجتك معك.
فقال الرجل: صعب على أن تسكن امرأة من بلادى معى هناك.
فعرف السيد شرف الدين قصده، فقال له: تريد أن تتزوج امرأة بريطانية إذن؟
قال الرجل: نعم، قال له شرف الدين: هذا لا يجوز، فالزواج باليهودية أو النصرانية حرام.
فقال الرجل: كيف أصنع إذن؟
فقال له السيد شرف الدين: ابحث عن مسلمة مقيمة هناك عربية أو هندية أو أي جنسية أخرى بشرط أن تكون مسلمة.
فقال الرجل: بحثت كثيراً فلم أجد مسلمات مقيمات هناك تصلح إحداهن زوجة لى.
وحتى أردت أن أتمتع فلم أجد، وليس أمامى خيار، إما الزنى وإما الزواج وكلاهما متعذر على.
أما الزنى فإني مبتعد عنه لأنه حرام، وأما الزواج فمتعذر على كما ترى، وأنا أبقى هناك سنة كاملة أو أكثر، ثم أعود إجازة لمدة شهر، وهذا كما تعلم سفر طويل، فماذا أفعل؟
стр. 1101
سكت (١) السيد شرف الدين قليلاً ثم قال:
إن وضعك هذا محرج فعلاً ... على أية حال أذكر أنى قرأت رواية للإمام جعفر الصادق ﵇، إذ جاء رجل يسافر كثيراً ويتعذر عليه اصطحاب امرأته أو التمتع في البلد الذى يسافر إليه، بحيث أنه يعانى مثلما تعانى أنت، فقال له أبو عبد الله ﵇: " إذا طال بك السفر فعليك بنكح الذكر " (٢) . هذا جواب سؤالك.
خرج الرجل وعليه علامات الارتياب من هذا الجواب، وأما الحاضرون ومنهم السيد زعيم الحوزة فلم ينبس أحد منهم ببنت شفة.
ضبط أحد السادة في الحوزة وهو يلوط بصبي أمرد من الدارسين في الحوزة. وصل الخبر إلى أسماع الكثيرين، وفى اليوم التالي، بينما كان السيد المشار إليه يتمشى في الرواق، اقترب منه سيد آخر من علماء الحوزة أيضاً ـ وكان قد بلغه الخبر ـ فخاطبه بالفصحى مازحاً: سيد ما تقول في ضرب الحلق (٣) ؟
فأجابه السيد الأول بمزاح أشد قائلاً له وبالفصحى أيضاً: يستحسن إدخال الحشفة فقط، وقهقه الاثنان بقوة!!؟؟
وهناك سيد من علماء الحوزة مشهور باللواطة، رأي صبياً يمشى مع سيد آخر من علماء الحوزة أيضاً، فسأله: من هذا الصبى الذى معك؟
стр. 1102
فاجابه: هذا ابنى فلان.
فقال له: لم لا ترسله إلينا لنقوم بتدريسه وتعليمه كى يصبح عالماً مثلك؟
فأجابه ساخراً: أيها السافل الحقير أتريد ان آتيك به لتفعل به (كذا وكذا) !؟
وهذه الحادثة حدثني بها أحد الثقات من أساتذة الحوزة (١) .
لقد رأينا الكثير من هذه الحوادث، وما سمعناه أكثر بكثير حتى أن صديقنا المفضال السيد عباس جمع حوادث كثيرة جداً ودونها بتفاصيلها وتواريخها وأسماء أصحابها، وهو ينوى إصدارها في كتاب أراد أن يسميه " فضائح الحوزة العلمية فى النجف "، لأن الواجب كشف الحقائق للعوام من الشيعة أولئك المساكين الذين لا يعلمون ما يجرى وراء الكواليس، ولا يعلمون ما يفعله السادة، فيرسل أحدهم امرأته أو بنته أو أخته لغرض الزيارة أو لطلب الولد أو لتقديم (مراد الحسين) ، فيستلمها السادة وخاصة إذا كانت جميلة ليفجروا بها ويفعلوا بها كل منكر!! ولا حول ولا قوة إلا بالله. انتهي بحث السيد حسين الموسوى من علماء الشيعة بالنجف.
стр. 1103
الفصل الثاني: الأحكام
بالرجوع إلى كتب الفقه عندهم نجد أثر عقيدتهم الباطلة التي نادى بها ابن سبأ تبدو فيما يأتى:
أولا: فى الذبائح:
يرى الرافضة حرمة ذبيحة الناصب بلا خلاف بينهم، واختلفوا في ذبيحة غير الجعفري: فقصر بعضهم الحل على ما يذبحه الجعفري الاثنى عشرى، ورأي الباقون كراهة ذبيحة المخالف.
ثانيا: فى الأطعمة:
يرون حرمة أكل الطين إلا طين قبر الحسين، فيزعمون أن فيه شفاء من كل داء، وأمنا من كل خوف، فيجوز الاستشفاء منه بقدر الحمصة المعهودة المتوسطة.
ثالثا: فى إحياء الموات من الأرض
اتفقوا على أن الموات للإمام خاصة لا يملكه أحد وإن أحياه ـ ما لم يأذن له الإمام، فيملكه ـ إن كان مسلماً ـ بالإحياء إذا أذن له الإمام. هذا بالنسبة لزمن حضور أئمتهم. وقالوا كذلك: كل أرض لم يجر عليها ملك مسلم، أو ليس لها مالك معين، فهي للإمام.
أما في زمن غيبة إمامهم فقد اختلفوا: فرأي بعضهم أن الأرض لمن أحياها، فإذا ظهر الثانى عشر ـ كما يعتقدون ـ كان له إقرار ملكية المحيى للأرض، أو إزالة يده (١) .
стр. 1104
رابعا: فى اللقطة
يرون أن اللقيط العبد، إذا لم يتول أحدا، فعاقله (١) ووارثه الإمام إذا لم يكن له وارث.
خامسا: فى الميراث
يرون من موانع الإرث الكفر، ولكنهم يفسرون الكفر، بقولهم: هو كل ما يخرج به معتقده من دين الإسلام: سواء أكان حربياً، أم ذمياً، أم مرتداً، أم على ظاهر الإسلام إذا جحد ما يعلم ثبوته من الدين ضرورة، كالخوارج والغلاة والنواصب.
وهم بعد هذا يختلفون في التوارث بين الجعفرية، وغيرهم، فأكثرهم يرى أن المسلمين يتوارثون وإن اختلفوا في المذاهب، ويذهب بعضهم إلى ان جاحد الإمامة لا يرث المؤمن، أي الجعفري الرافضي، على حين يرث المؤمن غيره كما يرث المسلم الكافر (٢) .
ويرون أن الابن الأكبر يأخذ بغير عوض بعض الأشياء الخاصة بالأب كمصحفه وسيفه، ولكن فريقا من الجعفرية يشترطون لهذه الحبوة ألا يكون الابن فاسد المذهب (٣) ، أي أن يكون جعفرياً رافضياً.
وفى الميراث بسبب الولاء يقولون بولاء الإمامة أي أن الإمام يرث من لا وارث له ـ ما عدا الزوجين ـ ومن في حكمه: كالمسلم والمرتد بغير وارث مسلم، والمقتول بغير وارث إلا القاتل، وهكذا. أما بالنسبة للزوجين: اختلف الجعفرية الاثنا عشرية عند انفراد أحدهما: فذهب بعضهم إلى أن الزوج - أو الزوجة - يأخذ نصيبه والباقى للإمام، وذهب آخرون إلى أن الإمام لا يرث وباقى
стр. 1105
التركة يرد على الوارث منهما، وفرق بعضهم بين زمن حضور أئمتهم وزمن الغيبة بالنسبة للزوجة، فقالوا بإرث الإمام الظاهر، وبالرد زمن الغيبة (١) .
واتفقوا على أن الإمام الظاهر يأخذ إرثه يصنع به ما شاء، واختلفوا في زمن الغيبة، فقيل: يحفظ للإمام لحين ظهوره، وقيل يصرف على المحتاجين من الجعفرية، وقيل كما ذكرنا في إحياء الموات: إنه ملك لفقهاء الشيعة الاثنى عشرية.
وهم متفقون على أن هذا المال لايعطى ـ مع الأمن ـ الحكام الجائرين، أي الحكام من غير الرافضة.
سادسا: فى القضاء
اتفق الإمامية الرافضة على أن القاضى لابد أن يكون منهم، وأن يكون بإذن الإمام لا بنصب العوام. وفى الغيبة يكون القضاء للفقيه الجعفري الجامع للشرائط (٢)
سابعا: فى الشهادات
لا يقبلون شهادة غير الرافضي، وأشرنا إلى هذا من قبل في الصيام.
ثامنا: في الحدود والتعزيرات
ذكرنا في الجهاد أن الحدود لا ينفذها إلا الإمام أو من نصبه، وفى زمان الغيبة يقيمها فقهاء الرافضة إذا أمنوا ويجب على الناس مساعدتهم.
стр. 1106
ونجد أثر عقيدة الإمامة هنا كذلك في قولهم: من زنى في زمان شريف، أو مكان شريف عوقب زيادة على الحد، فأثر الإمامة في تحديد الأزمنة والأمكنة الشريفة عندهم، وأشرنا إليها من قبل في الحديث عن الطهارة والصلاة، حيث وجدنا الغدير ومراقد الأئمة إلى غير ذلك مما يتصل بعقيدتهم.
ولعل أخطر أثر هنا قولهم بقتل من سب أحد أئمتهم وحل دمه لكل سامع إذا أمن (١) .
تاسعا: فى القصاص:
يقولون: لا يقتل مسلم بكافر، ولسنا في حاجة إلى التذكير بمفهوم الكفر عند الرافضة من الشيعة.
عاشراً: فى الديات:
يقولون: لا دية لأهل الكفر ما عدا الذمى، ولا تجب الكفارة بقتل الكافر.
ويرون أن الإمام ولى دم من لا ولى له. وأن الإمام يأخذ الدية من الأب الذى يقتل ولده عمدا وإذا لم يكن للولد من يرثه.
وبعد: فقبل أن ننتهي من كتب الفقه في هذا الباب، أورد هنا بعض ما ذكره عالم النجف المعاصر الشيخ على كاشف الغطاء في الولاية العامة للمجتهد، حيث أنه يكشف عن الاتجاه السائد في الوسط الجعفري في عصرنا، وإن كان كثيراً مما ذكره سبق مجيئه مبثوثاً في هذا الجزء، وسيأتى نظيره عن الخمينى في خاتمة الكتاب.
стр. 1107
قال كاشف الغطاء: " وقع النزاع بين الفقهاء في أن الولاية المجعوله للفقيه الجامع لشرائط المرجعية هي الولاية الخاصة في موارد مخصوصة: كالرجوع إليه في الفتيا، وقطع الخصومات، وكل مورد قام الدليل على ولاية الفقية فيه، بحيث لو شك في مورد أنه له الولاية فالأصل عدمها. أو أن المجعول للفقيه الولاية العامة، بمعنى أن المجعول له هو الولاية العامة المجعولة للإمام بحيث تكون الولاية ثابتة له في كل مورد إلا إذا قام الدليل على عدمها " (١) .
ثم قال: " والحق هو الثانى، وأن الفقيه الجامع للشرائط قد جعل الله له من الولاية ما جعله للإمام، فيثبت للفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة المقدار الثابت للإمام: من السلطة الدينية، والسلطة الزمنية، والولاية العامة لأمور الناس، والرياسة المكلفة، والزعامة الشاملة فيما يخص تدبير شئون المسلمين العامة: الداخلية والخارجية، الدينية والدنيوية، وما يرجع لمصالحهم، وما يتوقف عليه نظم البلاد وانتظام العباد ورفع الفساد بالنحو الذى هو ثابت للإمام في الموارد التي يكون للإمام الإذن فيها يكون للفقيه الإذن فيها، وفى الموارد التي يكون للإمام التصرف فيها يكون الفقيه ذلك.
والحاصل أنه قد جعل الله تعالى للفقيه الجامع الشرائط في عصر الغيبة الكبرى كل ما جعله تعالى للإمام بما هو إمام يرجع إليه فى شئون تدبير الملة دينا ودنيا، لا بما هو مبلغ لأحكام الله تعالى، فإنه بالصفة الثانية لابد من إظهار المعجزة لصدقه، والعصمة لعدم خطئه، وإزالة حب الدنيا عن نفسه، لرفع التهمة عنه في التبليغ، ولا بما يرجع لتعظيمه واحترامه ومحض إكرامه. وإنما جعل الله تعالى للفقيه كل ما جعله للإمام من حيث رياسته على كافة الأنام، وسلطنته على سائر العباد وإدارته لأمور الملة، وإمامته لقيادة الأمة، لتنفيذ القوانين الدينية، وتدبير الشئون الحيوية.
стр. 1108
والفقهاء عبروا عن هذه الحيثية للإمام بالولاية، وهي التي من آثارها الإفتاء والقضاء، وقبض ما يعود لمصالح المسلمين: كأموال الخراج، والمقاسمة، والأوقاف العامة والنذور، والجزية، والصدقات، ومجهول المالك، واللقطة قبل التعريف، وقبض ما يعود للإمام من الأموال: كحق الإمام والأنفال وإرث من لا وارث له (١) .
والتولى للوصايا مع فقد الوصى، وللأوقاف مع فقد المتولى، وحقظ أموال الغائبين واليتامى، والمجانين والسفهاء، والتصرف بما فيه المصلحة لهم حفظاً أو إدارة أو بيعا أو نحو ذلك، وجعل بيت المال، ونصب الولاة على الأمصار والوكلاء والنواب والعمال المعبر عنهم في لسان الفقهاء بالأمناء. وتجنيد الجنود والشرطة: للجهاد، ولحفظ الثغور ومنع التعديات وحماية الدين وإقامة الحدود على المعاصى والتعزيزات على المخالفات وإعاشتهم وتقدير أرزاقهم وتعيين رواتبهم. ونصب القضاء لرفع الخصومات وحمل الناس على مصالحهم الدينية والدنيوية: كمنع الغش والتدليس في المعايش والكاييل والموازين، وكمنع
стр. 1109
المضايقات في الطرقات، ومنع أهل الوسائط من تحميلها أكثر من قابليتها، والحكم على المبانى المتداعية بهدمها أو إزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة. وضرب السكة، وإمامة الصلاة، وإجبار الممتنع عن أداء الحقوق الخالقية والمخلوقية وقيامه مقامه في أدائها. وإجبار المحتكر والراهن على الأداء والبيع، وإجبار الشريك على القسمة، وإجبار الممتنع عن حضور مجلس الترافع والخصومة. وتسيير الحج، وتعيين يوم طلوع الأهلة، والجهاد في سبيل الله، وإصلاح الجسور وفتح الطرق وحفر الترع وصنع المستشفيات وسياسة الرعية وإعطاء الراية والعلم واللواء وتقسيم الغنيمة والأمر بالمعروف والنهي عن ... المنكر (١) .
هذا ما ذكره العالم الجعفري الإمامي المعاصر، وإذا كان ما جعله لأئمته غير صحيح ـ كما أثبتنا ـ فمن باب أولى أنه لا يثبت لفقهائهم، ولا خلاف بين الجعفرية حول جعل الولاية للأئمة وإنما الخلاف في جعلها للفقهاء (٢) ، فالفقهاء من جانبهم حاولوا إثباتها لأنفسهم ليقنعوا شيعتهم، ويبدو أنهم أقنعوهم.
وإذ كانت الحكومات تتولى هذه الولاية العامة فلا ضير، لأن الأموال ـ من الخمس وغيره ـ التي استحلها الفقهاء لأنفسهم جاءتهم وفيرة غزيرة، وأعتقد أنه لولا هذه الأموال لما ظل الخلاف قائما بين الجعفرية الرافضة وسائر الأمة الإسلامية إلى هذا الحد، فكثير من فقائهم يحرصون على إذكاء هذا الخلاف حرصهم على هذه الأموال. والله أعلم، ونسأله أن يطيب مطعمنا، ويهدينا الصراط المستقيم.
стр. 1110
وسائل الشيعة
بعد هذه النظرة وهذا العرض لما جاء في كتب فقه الرافضة تأثراً بعقيدتهم الباطلة في الأحكام نأتى إلى كتاب وسائل الشيعة لنرى ماذا فيه من الأبواب والروايات المفتراة.
في كتاب الصيد والذبائح
نجد " تحريم ذبائح الكفار من أهل الكتاب وغيرهم سواء سموا عليها أم لم يسموا إلا مع التقية " ـ (١٦ /٢٨٢) .
و" باب إباحة ذبائح أقسام المسلمين وتحريم ذبيحة الناصب والمرتد إلا للضرورة والتقية ". (١٦ / ٢٩٢) .
وأبواب في تحريم السمك إذا مات في الماء، أو خارج الماء إلا إذا أدركه الإنسان وهو يتحرك. (انظر ج ١٦ ص ٣٠٠: ٣٠٤) .
وفى كتاب الأطعمة والأشربة نجد تحريم السمك الذى ليس له قشور، وأنواع أخرى من السمك. (انظر ج ١٦ ص ٣٢٩ وما بعدها) .
و" باب تحريم أكل الطين والمدر " (١٦ / ٣٩١) .
و" باب عدم تحريم أكل طين قبر الحسين (ع) بقصد الشفاء.." ـ ... (١٦ / ٣٩٥) .
و" باب عدم جواز إطعام الكافر إلا ما استثنى " ـ (١٦ / ٤٢٩) ، وفى هذا الباب نجد قولهم: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد أحدا يقول: أنا أبغض محمدا وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وتبرءون من أعدائنا. ثم قال ﵇: أي الإمام الصادق: من أشبع عدوا لنا فقد قتل وليا لنا " (١٦ / ٤٣٠) .
و" باب استحباب اختيار إطعام الشيعة على إطعام غيرهم ". (١٦ / ٤٧٨) وفى الباب أن إطعام الشيعى أحب إلى أئمتهم من إطعام مائة ألف من غيرهم. (انظر ١٦ / ٤٧٩) .
و"
стр. 1111
باب استحباب الشرب من ماء الفرات، والاستشفاء به، وتحنيك الأولادبه " (١٧ / ٢١١) .
وفى الباب: " يصب فيه ميزابان من ميازيب الجنة ".
" لو كان بيننا وبينه أميال لأتيناه فنستشفى به "
" أما إن أهل الكوفة لو حنكوا أولادهم بماء الفرات لكانوا شيعة لنا "
" إن ملكا من السماء يهبط في كل ليلة معه ثلاثة مثاقيل مسكا من مسك الجنة فيطرحها في الفرات، وما من نهر في شرق الأرض ولا غربها أعظم بركة منه " (١٧ / ٢١١ ـ ٢١٢) .
و" باب الشرب من نيل مصر وماء العقيق وسيحان وجيجان، وكراهة اختيار ماء دجلة وماء بلخ للشرب ". (١٧ / ٢١٤) . وفيه: " نهران مؤمنان ونهران كافران، فالمؤمنان: الفرات ونيل مصر، وأما الكافران: فدجلة وماء بلخ " (١٧/٢١٥) .
و" باب استحباب ذكر الحسين ﵇، ولعن قاتله عند الشرب " (١٧ /٢١٦) .
وفى الباب أن من فعل هذا كتب الله له مائة ألف حسنة، وحط عنه مائة ألف سيئة، ورفع له مائة ألف درجة، وكأنما أعتق مائة ألف نسمة.
وفى كتاب الفرائض والمواريث نجد ما يأتى: " باب أن البنت إذا انفردت ورثت المال كله ... ". (١٧ / ٤٤١)
و" باب أنه لا يرث الإخوة ولا الأعمام ولا العصبة ولا غيرهم سوى الأبوين والزوجين مع الأولاد شيئا " (١٧ / ٤٤٤) .
وفى الباب الأول:
" ورث على ﵇ علم رسول الله ـ ﷺ ، وورثت فاطمة ﵍ تركته ".
стр. 1112
وأخبار البابين تدور حول عنوانيهما خلافا لما ثبت عن الرسول ـ ﷺ ، وأخذ به الصحابة الكرام ومن جاء بعدهم.
" وباب أن الإخوة يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس بشرط كونهم للأبوين أو أب، لا من الأم وحدها ". (١٧ / ٤٥٤) .
و" باب أنه إذا اجتمع الأعمام والأخوال فللأعمام الثلثان ولو واحدا، ويرثون بالتفاضل، وللأخوال الثلث ولو واحدا بالسوية ". (١٧ / ٥٠٤) .
وفيه: إن لها الربع، والباقى للإمام.
" وباب أن الزوجة إذا لم يكن لها منه ولد لا ترث من العقار والدور والسلاح والدواب شيئا ... ". (١٧ /٥١٧) .
والجزء الثامن عشر من وسائل الشيعة يبدأ بكتاب القضاء، وأوله أبواب صفات القاضى وما يقضى به، وهي أربعة عشر بابا، تقع في ١٥٣ صفحة. وجلها، إن لم يكن كلها، فيه الغلو والتطرف والضلال مثل الذى رأيناه في عقيدتهم في الإمامة، وذلك لاتصال القضاء بالإمامة.
ولا نستطيع هنا أن ننقل هذه الصفحات، ولكن نكتفى بذكر شيىء منها.
فالباب الأول هو " باب أنه يشترط فيه الإيمان والعدالة، فلا يجوز الترافع إلى قضاة الجور وحكامهم إلا مع التقية والخوف، ولا يمضى حكمهم وإن وافق الحق ". (ص ٢: ٥) .
وهم يحصرون الإيمان في الرافضة وحدهم دون المسلمين جميعا كما سبق في أكثر من موضع، ولهذا لا يجيزون الترافع إلى غيرهم وهو ما عبروا عنه بقضاة الجور وحكامهم. وفى الباب أكثر من رواية أن من ترافع إلى غيرهم كان ممن حاكم إلى الطاغوت، وبمنزلة من قال الله تعالى فيهم: "" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ""
стр. 1113
والثالث " باب أنه لا يجوز لأحد أن يحكم إلا الإمام أو من يروى حكم الإمام فيحكم به ". (ص ٦: ٩) .
وفيه ينسبون لأمير المؤمنين على كرم الله وجهه أنه قال: إن مجلس القضاء لا يجلسه إلا نبى، أو وصى نبى، أو شقى.
ويفترون الكذب كذلك على غيره أيضا، فيروون عن الإمام الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال: يغدو الناس على ثلاثة أصناف: عالم، ومتعلم، وغثاء: فنحن العلماء وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء.
وأنه استنكر أن يقضى بقضاء أبى بكر وعمر مع قضاء على، رضي الله تعالى عنهم جميعا ورضوا عنه.
والرابع " باب عدم جواز القضاء والإفتاء بغير علم بورود الحكم عن المعصومين ﵈ ". (ص ٩: ١٧) . وهنا يستمرون في الافتراء على الأئمة الأبرار، طعنا في الصحابة الكرام الأطهار: فمن المشهور أن زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - أعلم الأمة بالفرائض كما شهد له الرسول ﷺ فيما رواه الإمام أحمد في مسنده (٣ / ١٨٤، ٢٨١) ، فإذا بالرافضة يفترون الكذب على الإمام الباقر ﵁، وينسبون له أنه قال:
" أشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية ".
وفى الباب السادس يفترون روايات تفيد عدم جواز تقليد غير أئمتهم، وبطلان القياس حتى القياس الجلى قياس الأولوية، وعدم حجية الإجماع ما لم يدخل فيه قول الإمام، وعدم الأخذ بظاهر القرآن الكريم وتفسيره إلا ما نسبوه ـ كذبا - إلى أئمتهم. (ص ٢٠: ٤١) . وقد رأينا من قبل الرزايا والبلايا عند عرض كتب التفسير عندهم.
стр. 1114
والسابع " باب وجوب الرجوع في جميع الأحكام إلى الأئمة المعصومين ﵈ ". (ص ٤١: ٥٢) .
وفيه يذكرون تحريم العمل بقول العامة وطريقتهم، أي عامة المسلمين غير الرافضة.
والثامن " باب وجوب العمل بأحاديث النبى صلى الله عليه وآله والأئمة ﵈ المنقولة في الكتب المعتمدة وروايتها وصحتها وثبوتها " (ص ٥٢: ٧٥) .
والإشارات السابقة لما نقله صاحب كتاب الوسائل من تلك الكتب المعتمدة عندهم تبين مدى ما عليه هؤلاء الرافضة من الضلال، بل الكفر والزندقة، حيث يذهبون إلى تكفير هذه الأمة الوسط خير أمة أخرجت للناس بدءا بخير الناس بعد الرسول ـ ﷺ ـ أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما، وعن الصحابة الكرام البررة.
يا هؤلاء: كيف إذن يكون التقريب؟ ! انظروا إلى ما مضى وما سيأتى!
والتاسع " باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة وكيفية العمل بها ". ... (ص ٧٥: ٨٩) .
وفى الباب بيان الترجيح عند التعارض، ويكون بالأخذ بإجماعهم ـ أي الرافضة ـ والشهرة بينهم، ومخالفة العامة، أي عامة المسلمين غير الرافضة، ومخالفة المشهور عندهم، والأمر بسؤال علماء العامة عما لا نص فيه، والعمل بخلافهم: (انظروا: بخلافهم) ! .
وإلى دعاة التقريب أذكر بعض ما جاء من روايات هذا الباب منسوبة كذبا إلى الأئمة الأطهار:
في الرواية الأولي قال الراوى:
سألت أبا عبد الله ﵇: فإن كان الخبران عنكم مشهورين، قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة
стр. 1115
فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة، ووافق العامة. قلت: جعلت فداك، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة، ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة، والآخر مخالفا لهم، بأي الخبرين يؤخذ؟ فقال: ما خالف العامة ففيه الرشاد. فقلت: جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جمعيا؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم، فيترك ويؤخذ بالآخر ... إلخ.
وفي الرواية التاسعة عشرة، وكذلك في الثلاثين، والحادية والثلاثين، وغيرها: دعوا ما وافق القوم، فإن الرشد في خلافهم.
وفي الثالثة والعشرين:
قلت للرضا ﵇: يحدث الأمر لا أجد بدا من معرفته، وليس فى البلد الذى أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك؟ فقال: ائت فقيه البلد فاستفته من أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإن الحق فيه.
وفي الحاشية عقب أحد علمائهم المعاصرين ـ فقال:
من جمله نعماء الله على هذه الطائفة المحقة أنة خلى بين الشيطان وبين علماء العامة ليضلهم عن الحق في كل مسألة نظرية، فيكون الأخذ بخلافهم ضابطة للشيعة.
وفي الرواية الرابعة والعشرين:
قال أبو عبد الله ﵇: أتدرى لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامة؟ فقلت: لا أدرى. فقال: إن عليا ﵇ لم يكن يدين الله بدين إلا خالف عليه الأمة إلى غيره إرادة لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين ﵇ عن الشيء الذى لا يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له ضدا من عندهم ليلتبسوا على الناس.
стр. 1116
وفي الثانية والثلاثين:
والله ما جعل الله لأحد خيرة في اتباع غيرنا، وأن من وافقنا خالف عدونا، ومن وافق عدونا في قول أو عمل فليس منا ولا نحن منهم.
وفي السادسة والأربعين:
قال أبوعبد الله ﵇: ما سمعته منى يشبه قول الناس فيه التقية، وما سمعت منى لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه.
والحادي عشر " باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث من الشيعة فيما رووه عن الأئمة ﵈ من أحكام الشريعة " (ص ٩٨-١١١) .
والثالث عشر " باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من كلام الأئمة ﵈ " (ص١٢٩-١٥٢) .
والرابع عشر " باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر كلام النبي ـ صلي الله عليه وآله ـ المروى من غير جهة الأئمة ﵈ ما لم يعلم تفسيره منهم " (ص ١٥٢- ١٥٤) .
هذا عرض سريع مختصر جدا، ومنه ومن عناوين الأبواب الأخيرة يتبين لنا أنهم يرون وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى كتبهم في التفسير، وكتب الحديث المعتمدة عندهم، وقد قدمت دراسة وافية لهذه الكتب، وبينت ما فيها من ضلال وكفروزندقة. وهذه الكتب توجب مخالفة الأمة الإسلامية كلها عداهم، لو جعلنا الرافضة من هذه الأمة، واتضح هذا جليا حتى عند التعارض والترجيح وما ليس فيه نص.
وإذا كنا نرى وجوب عدم تكفير طائفة تنتسب للإسلام مادامت لم تجمع على الكفر، وعدم تكفير أشخاص بأعيانهم ما لم يتضح كفرهم، إلا أن الأخذ بهذه الكتب المشار إليها يؤدى حتما إلى الكفر.
ولذا لا نعجب عندما نجد أمثال الشيخ محب الدين الخطيب ﵀ يذهبون إلى أن الرافضة لهم دين آخر غير دين الإسلام.
стр. 1117
وفى الحدود التعزيرات نجد ما يأتي:
من أبواب حد الزنى:
الباب الثاني " باب ثبوت الإحصان الموجب للرجم في الزنى بأن يكون له فرج حرة أو أمة يغدو عليه ويروح بعقد دائم أو ملك يمين مع الدخول. وعدم ثبوت الإحصان بالمتعة " (ص ٣٥١: ٣٥٤) .
والثالث " باب عدم ثبوت الإحصان مع وجود الزوجة الغائبة، ولا الحاضرة التي لا يقدر على الوصول إليها، فلا يجب الرجم على أحدهما بالزنى" (ص٣٥٥: ٣٥٦)
والرابع " باب حد السفر المنافي للإحصان " (ص٣٥٦: ٣٥٧) .
وفيه: إذا قصر وأفطر فليس بمحصن.
والتاسع " باب أن غير البالغ إذا زنى بالبالغة فعليه التعزير وعليها الجلد لا الرجم وإن كانت محصنة، وكذا البالغ مع غير البالغة " (ص٣٦٢: ٣٦٣) .
والثاني والأربعون " باب أن من أراد أن يتمتع بامرأة فنسى العقد حتى واقعها لم يكن عليه حد " (ص٤١١: ٤١٢) .
ومن أبواب حد القذف:
" باب قتل من سب عليا ﵇، أو غيره من الأئمة ﵈، ومطلق الناصب مع الأمن " (ص٤٦١: ٤٦٤) .
وروايات الباب تنسب للأئمة ـ كذبا ـ أن من سب أحدهم فهو حلال الدم، ولكنها لا تقف عند هذا الحد، بل تضيف جرائم أكبر وأشد خطرا على أمة الإسلام، حيث تبيح دم كل من ليس على ملة الرافضة، وإليك كلامهم ننقله بنصه.
في الراوية الخامسة قال أحد رواتهم: " قلت لأبي عبد الله ﵇: ما تقول في قتل الناصب؟ فقال: حلال الدم، ولكنى أتقى عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه
стр. 1118
حائطا أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد به عليك فافعل. قلت: فما ترى في ماله؟ قال: نوّه ما قدرت عليه "
وفي الرواية السادسة: " إنى سمعت محمد بن بشير يقول: إنك لست موسى ابن جعفرالذى أنت إمامنا وحجتنا فيما بيننا وبين الله؟ فقال ـ أي الإمام: " لعنه الله ـ ثلاثا، أذاقه الله حر الحديد، قتله الله أخبث ما يكون من قتلة. فقلت له: إذا سمعت ذلك منه أوليس حلال لي دمه؟ مباح كما أبيح دم السباب لرسول الله ﷺ وآله والأمام؟ قال: نعم حل والله، حل والله دمه، وأباحه لك ولمن سمع ذلك منه ... فقلت: أرأيت إذا أنا لم أخف أن أغمر بذلك بريئا ثم لم أفعل ولم اقتله، ما على من الوزر؟ فقال: يكون عليك وزره أضعافا مضاعفة من غير أن ينقص من وزره شيىء ".
هذه بعض نصوصهم واضحة جلية في أن مجرد عدم الأخذ بقولهم في الإمامة يبيح دم المسلم، ويوجب قتله، ومن استطاع أن يقتله ولم يفعل كانت جريمته أكبر ممن أحل دمه.. هكذا!!
ومن أبواب حد المحارب
" باب قتل الدعاة إلى البدع " (ص ٥٤٢ ـ٥٤٣)
وبالطبع المراد بالبدع ما خالف ضلال الرافضة والذين هم أهل البدع والزندقة، فمن عض بالنواجذ على سنة رسول الله ـ ﷺ ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين كما أمر رسول الله ـ ﷺ ، أصبح عند هولاء الرافضة داعيا إلى البدع حلال الدم.
ومن أبواب حد المرتد
" باب حكم الزنديق والمنافق والناصب " (ص٥٥١-٥٥٢) .
وسبق بيان معنى الناصب عند الرافضة، فهو يشمل الأمة الإسلامية كلها التي لم تضل ضلالهم، ولم تأخذ بقول عبد الله بن سبأ في الوصي بعد النبي.
стр. 1119
وآخر الأبواب " باب جملة مما يثبت به الكفر والارتداد " (ص٥٥٧-٥٧٠) وهذا هو أكبر الأبواب، فيه سبع وخمسون رواية، والتفصيل هنا يبين ما سبق الإشارة إليه من أنهم يكفرون غيرهم بدءا من الصحابة الكرام، حملة الإسلام.
فالأمة كلها تقول بإمامة الشيخين الصديق والفاروق، رضي الله تعالى عنهما، ولا تقول بإمامه على ـ رضي الله تعالى عنه ـ إلا بعدهما، ولاتقول بخرافاتهم وأوهامهم وضلالاتهم في عقيدة الإمامة، وما تقوله الأمة يثبت به الكفر والارتداد وحل الدم والمال، عند هؤلاء القوم الذين رزئ بهم الإسلام.
ولننقل شيئا مما جاء في هذا الباب:
في الرواية الثانية نسب لموسى بن جعفر أنه قال عن ابنه على وهو في حجره بأنه الإمام من بعده: "من أطاعه رشد، ومن عصاه كفر ".
وفي الثامنة نسب للإ مام الصادق أنه قال بكفر من ادعى إماما ليست إمامته من الله، ومن جحد إماما إمامته من عند الله.
وإليه نسب في الحادية عشرة أنه قال: منا الإمام المفروض طاعته، من جحده مات يهوديا أو نصرانيا.
وفي الثانية عشرة أنه قال: مدمن الخمر كعابد وثن، والناصب لآل محمد شر منه.
إن الله تعالي جعل عليا ﵇ علما بينه وبين خلقه، ليس بينهم وبينه علم غيره: فمن تبعه كان مؤمنا، ومن جحده كان كافرا، ومن شك فيه كان مشركا.
وفي الرابعة عشرة: على باب هدى، من خالفه كان كافرا، ومن أنكره دخل النار.
وفي الخامسة عشرة: من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر.
وفي الثامنة عشرة: الإمام علم فيما بين الله وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمنا ومن أنكره كان كافرا.
والتاسعة عشرة تؤكد المعنى السابق، وتذكر عليا، ومن بعده الحسن.
стр. 1120
وفى العشرين: من شك فى كفر أعدائنا والظالمين لنا فهو كافر.
وفي الحادية والعشرين: لا يرد على علي بن أبي طالب ﵇ أحد ما قال فيه النبي صلى الله عليه وآله إلا كافر.
وفي الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين: حبنا إيمان، وبغضنا كفر.
وفي الخامسة والعشرين: لما نزلت الولاية لعلى ﵇ قام رجل من جانب الناس فقال: لقد عقد هذا الرسول لهذا الرجل عقدة لا يحلها إلا كافر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا جبرئيل ﵇.
وفي السابعة والعشرين ينسبون للنبي ﷺ أنه قال: الأئمة بعدى اثنا عشر، أولهم على بن أبي طالب، وآخرهم القائم.. المقر بهم مؤمن، والمنكر لهم ... كافر.
وفي التاسعة والعشرين: من أبغضنا وردنا أو رد واحدا منا فهو كافر بالله وبآياته.
وفي الثلاثين: كفر من قال رؤية الله تعالي بالبصر.
وفى الثانية والثلاثين: من المحتوم الذى لا تبديل له عند الله تعالى قيام قائمنا، فمن شك فيما أقول لقى الله وهو به كافر وله جاحد.
وفي الثالثة والثلاثين إلى التاسعة والثلاثين نجد تكفير من جحد إماما من أئمتهم، أو ادعى الإمامة من غير الرافضة.
وفي الأربعين نجدهم يكفرون إحدى فرق الشيعة التي خالفتهم، مع اشتراكها معهم في سبعة من الأئمة.
وفي الثانية والأربعين: من طعن في دينكم هذا فقد كفر.
وفي روايات كثيرة بعد هذا نجد تأكيد ما سبق من ربط الإيمان والكفر بقولهم في الإمامة، وما ذكرناه يكفي لبيان حقيقة هؤلاء القوم، ومدى خطرهم على الأمة الإسلامية.
стр. 1121
وفي الجزء التاسع عشر من الوسائل نجد القصاص والديات.
ومن أبواب القصاص " باب عدم ثبوت القصاص على المؤمن بقتل الناصب وتفسيره " (ص٩٩ـ١٠٠) .
ومعنى الباب واضح بعد ما سبق من أن مرادهم بالمؤمن من كان من الرافضة فقط، والناصب من كان من غيرهم.
وأكدوا هذا المعنى بما كرروه هنا من تفسير الناصب، وهو من نصب للشيعة الرافضة، ومن قدم الجبت والطاغوت واعتقد إمامتهما، وجاء هذا في بيان مفهوم الناصب عندهم الذي تحدثنا عنه من قبل، وتفسير الجبت والطاغوت بخير الناس بعد رسول الله ﷺ ، أي بالصديق والفاروق رضي الله تعالي عنهما، ولعن شانئيهم من أمثال هؤلاء الكفرة الزنادقة أتباع ابن سبأ.
أي أنهم يعتبرون الأمة كلها التي رضيت بإمامة الشيخين بعد رسول الله ﷺ ، يعتبرونها من النواصب الكفار حيث قدمت الجبت والطاغوت، ورضيت بإمامتهما.
ومن أبواب الديات " باب دية الناصب إذا قتل بغير إذن الإمام ". (ص ١٦٩: ١٧١) .
وفي الباب أن ديته شاة تذبح بمنى لأن القتل بغير إذن الإمام، فلو كان بإذن الإمام فلا شيىء على القاتل.
وفيه أيضا كيف كان القتل، حيث قال القاتل:
منهم من كنت أصعد سطحه بسلم حتى أقتله، ومنهم من دعوته بالليل على بابه فإذا خرج قتلته، ومنهم من كنت أصحبه في الطريق فإذا خلا لى قتلته.
ومن الأبواب " باب حكم ضمان الناصب وديته ". (ص٢٠٤: ٢٠٥) وهو كسابقه غير أنه جعل الدية هنا كبشا بدلا من الشاة.
стр. 1122
خاتمة الكتاب
هذا الكتاب بأجزائه الأربعة يقدم دراسة متكاملة علمية مجردة عن الهوى والتشهي بإذن الله ، الذى نسأله سبحانه وتعالي أن يجعله في ميزاننا يوم نلقاه.
وهذه الدراسة تبين حقيقة الشيعة الاثنى عشرية الرافضة، ففى الجزء الأول تناولنا عقيدتهم، والجزء الثانى يتصل بموقفهم من كتاب الله تعالي، والثالث كان موضوعه الحديث وعلومه وكتبه، وألحقنا به بحثا عن السنة، وهذا الجزء الرابع وهو الأخير ـ تناول الفقه وأصوله.
والسؤال الذي يتردد في أيامنا في أوساط المسلمين من غير الرافضة هو: لماذا مثل هذه الدراسة لموضوع أصبح في ذمة التاريخ، وإثارته تؤدى إلى الفرقة بين المسلمين في وقت نحن في أشد الحاجة إلى التعاون والتآزر والتآخى لنقف صفا وأحدا أمام أعداء الإسلام؟
وقد يبدو السؤال وجيها ولكن لا يردده إلا من لا يعرف حقيقة الشيعة الرافضة في عصرنا، ولهذا رأيت أن أبين في خاتمة الكتاب بعد الانتهاء من الدراسة كلها موقف علمائهم المعاصرين، فلو كان الأمر في ذمة التاريخ لما جاز إثارته من جديد، أما إذا كان الغلو والضلال، والدعوة إلى عقيدتهم الباطلة التي تعد هدما للإسلام من أساسه، إذا كان كل هذا هو ما نراه عند الشيعة الرافضة في عصرنا يصبح من فروض الكفاية بيان حقيقة هؤلاء القوم لنحذرهم ونتقى شرهم، ونكون على بصيرة من عوامل الهدم التي يلجئون إليها حتى نتمكن من الدفاع عن ديننا، وليتبين لعامة الشيعة غير الرافضة مدى تضليل علماء الرافضة لهم، تحت شعار حب آل البيت، وآل البيت الأطهار براء منهم. وبنظرة سريعة إلى جانب من
стр. 1123
وبنظرة سريعة إلى جانب من سيرة آل البيت يتضح بجلاء لأولى الألباب أن الرافضة أعداء آل البيت وإن زعموا كذبا وزورا أنهم أتباعهم وأحباؤهم.
انظر مثلا إلى تزويج على بن أبي طالب ابنته عمر بن الخطاب، ودلالة هذا التزويج، وإذا بالرافضة يقولون " ذاك فرج غصبناه " وهذا طعن وتجريح لعلى أكثر منه لعمر!
ولا شك أن الإنسان يختار أحب الأسماء إلى نفسه عند تسمية أولاده، وهذا أمر فطرى ليس موضوع جدل، وإذا رجعنا إلى أسماء آل البيت وجدنا من أبناء على ابن أبي طالب أبو بكر وعمر وعثمان، ومن أحفاده أبو بكر وعمر ابني الحسن، وعمر بن الحسين، وعمر بن على بن الحسين. ... فماذا يقول الرافضة في عصرنا؟
أهم أتباع آل البيت وأحباؤه أم أعداؤه وشانئوه؟ إذا كان بيان حقيقة الشيعة الرافضة فرض كفاية فقد يصبح فرض عين على بعض الشيعة من العلماء غير الرافضة.
وما حقيقة الشيعة الاثنى عشرية في عصرنا؟ أهم من معتدلي الشيعة أم من غلاة الرافضة؟
فلننظر إلى كبار علمائهم الذين بلغوا مرتبة " المرجع الأعلى " وتولوا توجيه الشيعة في عصرنا، وإلي غيرهم من علمائهم البارزين.
الحكيم والخوئي والخميني:
كان السيد محسن الحكيم المرجع الديني الأعلى للشيعة في العراق، وجاء بعده السيد أبو القاسم الخوئى. أما الخميني فقصته معروفة. هؤلاء الثلاثة الذين وجهوا الشيعة الاثنى عشرية في عصرنا ما دورهم الذى قاموا به؟
أجعلوا الرفض مسألة تاريخية، وحاربوا الغلو والتطرف والضلال الذى رأينا منه شيئا في الدراسة التي قدمناها في هذه الأجزاء الأربعة، ودعوا أتباعهم إلى
стр. 1124
الصراط المستقيم، أم أنهم ظلوا في طريق الضلال نفسه، ودعوا أتباعهم ليتبعوا سبيلهم؟
هذا ما نبينه في هذه الخاتمة ليحيا من حي عن بينه ويهلك من هلك عن بينة، وليتضح لكل مسلم أن هذا الكتاب ليس دارسة لموضوع أصبح في ذمة التاريخ، فما أكثر دعاته في عصرنا الذين يسلكون شتى الطرق لاحياء دعوة ابن سبأ، وما تصدير الثورة الذى نادى به الخميني وسعى إليه إلا إحياء لهذه الدعوة، ونشاطهم في أنحاء العالم معلوم ملحوظ، يخدعون المسلمين بزعمهم الكاذب بأنهم أتباع أهل البيت الأطهار، ويستغلون حاجتهم، ويغرون بالمال والنساء عن طريق ما يسمى زواج المتعة.
على كل حال لننظر إلى جهود وفكر الثلاثة الكبار الذين وجهوا الشيعة في عصرنا، وإلى غيرهم من علمائهم البارزين.
دعاء صنمي قريش:
سبق ذكر ما جاء متواترا عن على بن أبى طالب ﵁ من أن خير الناس بعد رسول الله ﷺ هو أبو بكر، ثم عمر، ورأينا ما يبين مدى حب علىّ للخلفاء الراشدين الثلاثة الذي سبقوه، مما يثبت بجلاء أن الرافضة أعداء آل البيت خلافا لزعمهم الكاذب.
فما موقف علمائهم المعاصرين، أتأسوا بعلي والحسن والحسين أم ظلوا في طريق الضلال والزندقة.
من الدعاء المشهور عند الرافضة ما يسمى بدعاء صنمي قريش، ويقصد هؤلاء الزنادقة بالصنمين الشيخين أبي بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله تعالي عنهما وأخزى أعداءهما:
في الجزء الثاني من هذا الكتاب (ص٢٣٥-٢٤١) تحدثنا عن كتاب بحار الأنوار للمجلسى، ونقلنا تكفيره لغير الرافضة، وتخصيصه بابا كاملا للخلفاء الراشدين الثلاثة جعل عنوانه " باب كفر الثلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم "
стр. 1125
مثل هذا السبئى الزنديق لا نعجب عندما يذكر دعاء صنمي قريش ويشرحه، ويفترى الكذب على أهل البيت الأطهار حيث يروى عن ابن عباس أن على بن أبي طالب كان يقنت به، وقال: أن الداعي به كالرامى مع النبي ﷺ في بدر وأحد وحنين بألف ألف سهم.
والدعاء لا يقف عند الشيخين بل يذكر ابنتيهما: أي أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة رضي الله تعالى عنهما، بل يذكر أنصارهما ويشمل أمة الإسلام كلها التي أحبت الشيخين، واقتدت بهما امتثالا لأمر رسول الله ﷺ فيما أخرجه أحمد والترمذى وابن ماجه والطبرانى: " اقتدوا باللذين من بعدى أبي بكر وعمر " (انظر كشف الخفاء ١/١٦٠) . وما جاء في الحديث الصحيح المشهور " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ " (انظر تخريجه للشيخ الألباني في صحيح ابن ماجه: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين)
وفي الجزء السابق مر قول الكليني في روضة الكافي بأن الشيخين كافران منافقان وأنهما صنما هذه الأمة.
وإليك نص دعاء هؤلاء الزنادقة الفجرة من الرافضة:
نص دعاء صنمى قريش
اللهم العن صنمي قريش وجبتيها وطاغوتيها وإفكيها، وابنتيهما، اللذين خالفا أمرك وأنكرا وحيك، وجحدا إنعامك، وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وحرفا كتابك، وعطلا أحكامك، وأبطلا فرائضك، وألحدا في آياتك، وعاديا أولياءك وواليا أعداءك، وخربا بلادك وأفسدا عبادك.
اللهم العنهما وأنصارهما فقد أخربا بيت النبوة، وردما بابه، ونقضا سقفه، وألحقا سماءه بأرضه، وعاليه بسافله، وظاهره بباطنه، استأصلا أهله، وأبادا أنصاره وقتلا أطفاله، وأخليا منبره من وصيه ووارثه، وجحدا نبوته، وأشركا بربهما، فعظم ذنبهما وخلدهما في سقر وما أدارك ما سقر؟ لا تبقي ولا تذر.