← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1507

مع الاثنى عشرية في الأصول والفروع

علي السالوس

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الأهم، فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه أو يحكى الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضاً، فإن صحح غير الصحيح عامداً فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالا متعددة لفظاً ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان، وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبى زور، والله الموفق للصواب. أقوال التابعين: إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين " كمجاهد بن جبر " فإنه كان آية في التفسير، كما قال محمد بن إسحاق: حدثنا إبان بن صالح عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمتة، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها، وبه قال الترمذى، قال: حدثنا الحسين بن مهدى البصرى، حدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة. قال: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئاً، وبه إليه قال: حدثنا ابن أبى عمر، حدثنا سفيان بن ... عيينة، عن الأعمش، قال: قال مجاهد: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم احتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا طلق بن غنام، عن عثمان المكى، عن ابن أبى مليكة، قال: رأيت مجاهداً سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، قال: فيقول له ابن عباس: اِكتب، حتى سأله عن التفسير كله، ولهذا كان سفيان الثورى يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. وكسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبى رباح، والحسن البصرى، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبى العاليه، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم، فتذكر أقوالهم في الآية، فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها

стр. 387

من لا علم عنده اختلافاً، فيحكيها أقوالا، وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشىء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينص على الشىء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي. وقال شعبه بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعنى أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشىء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك. التفسير بمجرد الرأى حرام: فأما " تفسير القرآن بمجرد الرأى فحرام، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ". حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عبد الأعلى الثعلبى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ". وبه إلى الترمذى قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثنى حسان بن هلال قال: حدثنا سهيل ـ أخو حزم القطعى، قال: حدثنا أبو عمران الجونى، عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : " من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ "، قال الترمذى هذا حديث غريب وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهل بن أبى حزم. وهكذا روى بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شددوا في أن يفسر القرآن بغير علم، وأما الذي روى عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن وفسروه بغير علم،

стр. 388

أو من قبل أنفسهم، وقد روى عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم، فمن قال في القرآن برأيه فقد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ؛ لأنه لم يأت بالأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر؛ لكن يكون أخف جرماً ممن أخطأ، والله أعلم. وهكذا سمى الله تعالى القذفة كاذبين، فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فالقاذف كاذب، ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، وتكلف ما لا علم له به. والله أعلم. ولهذا تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، كما روى شعبة عن سليمان عن عبد الله بن مرة عن أبى معمر، قال: قال أبو بكر الصديق: أي أرض تقلنى وأى سماء تظلنى إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم؟! وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمود بن يزيد، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمى، أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله: ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أي سماء تظلنى، وأى أرض تقلنى، إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ ـ منقطع. وقال أبو عبيد أيضاً: حدثنا يزيد، عن حميد، عن أنس، أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر. وقال عبد بن حميد: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن يزيد، عن ثابت، عن أنس قال: كنا عند عمر بن الخطاب، وفى ظهر قميصه أربع

стр. 389

رقاع، فقرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: ما الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف، فما عليك أن لا تدريه؟ . وهذا كله محمول على أنهما ﵄ إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب، وإلا فكونه نبتاً من الأرض ظاهر لا يجهل؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ . وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية عن ... أيوب، عن ابن أبى مليكة، أن ابن عباس سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها فأبى أن يقول فيها. إسناده صحيح. وقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبى مليكه، قال: سأل رجل ابن عباس عن: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فقال له ابن عباس: فما ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ؟ فقال الرجل إنما سألتك لتحدثنى فقال ابن عباس، هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما، فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم. وقال ابن درير: حدثنى يعقوب ـ يعنى ابن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن مهدى بن ميمون، عن الوليد بن مسلم، قال: جاء طلق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله فسأله عن آية من القرآن. فقال أحرج عليك إن كنت مسلماً لما قمت عنى، أو قال: أن تجالسنى، وقال مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال إنا لا نقول في القرآن شيئاً. وقال الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن. وقال شعبة عن عمرو بن مرة قال: سأل رجل سعيد ابن المسيب عن آية من القرآن، فقال: لا تسألنى عن القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شىء، يعنى عكرمة. وقال ابن شوذب: حدثنى يزيد بن أبى

стр. 390

يزيد قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع. وقال ابن جرير: حدثنى أحمد بن عبده الضبى، حدثنا حماد بن زيد حدثنا عبيد الله بن عمر، قال: لقد أدركت فقهاء المدينة وأنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع. وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث، عن هشام بن عروة قال: ما سمعت أبى تأول آية من كتاب الله قط. وقال أيوب وابن عون وهشام الدستوائى، عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلمانى عن آية من القرآن، فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل من القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد. وقال أبو عبيد: حدثنا معاذ، عن ابن عون عن عبيد الله بن مسلم بن يسار، عن أبيه، قال: إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده. حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه. وقال شعبة، عن عبد الله بن أبى السفر، قال: قال الشعبى: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله. وقال أبو عبيد: حدثنا هشيم، أنبأنا عمر بن أبى زائدة، عن الشعبى، عن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله. التفسير بالرأى عن علم: فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حرج عليه؛ ولهذا روى عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به فكذلك يجب فيما سئل عنه مما يعلمه؛ لقوله

стр. 391

تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ ، ولما جاء في الحديث المروى من طرق: " من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامه بلجام من نار ". وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان عن أبى الزناد، قال: قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله. والله أعلم. " انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية "

стр. 392

الفصل السادس: التفسير في القرن الثاني وفى القرن الثاني الهجرى بدأ عصر التدوين. ونحن نعلم أن خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز أمر بجمع السنة وتدوينها، وخلافته كانت في العام التاسع والتسعين من القرن الأول، وتوفى في العام الأول من القرن الثاني، وأول من استجاب له ابن شهاب الزهرى المتوفى سنة ١٢٤ هـ، وتبعه آخرون، وشاع التدوين في الطبقة التي تلى طبقته، وكان التفسير كما عرفنا باباً من أبواب السنة، ومن هنا كان جمعه وتدوينه. ولم يصلنا مما دُوِن في ذلك القرن إلا القليل: كموطأ الإمام مالك، ومسند الإمام الشافعى، ومسند أبى داود الطيالسى المتوفى سنة٢٠٤هـ، وكتاب الآثار لمحمد بن الحسن الشيبانى صاحب الإمام أبى حنيفة. غير أن هذا القرن شهد التفسير كعلم قائم بذاته، ونتحدث هنا عن ثلاثة كتب هي: التفسير الكبير لمقاتل بن سليمان المتوفى سنة ١٥٠ هـ، وتفسير يحيى بن سلام المتوفى سنة ٢٠٠ هـ، ومعانى القرآن لأبى زكريا يحيى بن زياد الفراء المتوفى سنة ٢٠٧ هـ. أولاً: تفسير مقاتل بن سليمان هذا أول تفسير يصلنا حتى الآن يفسر جميع أي القرآن الكريم، والراجح أن أحداً لم يسبقه في هذا المجال. وسفيان الثورى الذي توفى بعد مقاتل بأحد عشر عاماً طبع تفسيره في مجلد واحد، وهو أقرب ما يكون إلى تفسير مجاهد (١) ، مما يرجح أن طريقة تفسير بعض الآيات والكلمات هي التي كانت لا تزال سائدة

стр. 393

في القرن الثاني، وعلى الأخص في النصف الأول منه قبل أن ينتهى عصر التابعين. في القرن الثاني، وعلى الأخص في النصف الأول منه قبل أن ينتهى عصر التابعين. ومع سبق مقاتل، وضخامة تفسيره الذي يقع في أربعة مجلدات، إلا أن هذا التفسير لم يحتل مكانة علمية عند جمهور العلماء، وذلك لأن مقاتلاً مجروح؛ متهم بالكذب، والتجسيم، وكثرة النقل عن أهل الكتاب. وليس لهذا التفسير من قيمة إلا بمقدار صحة ما فهمه هو من معاني الآيات الكريمة، ولهذا قال الذهبى عنه: متروك الحديث، وقد لطخ بالتجسيم مع أنه كان من أوعية العلم، بحراً في التفسير. ويروى عن الشافعى ﵁ أنه قال: الناس كلهم عيال على ثلاثة: مقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى زهير ابن أبى سلمى في الشعر، وعلى أبى حنيفة في الكلام (١) . ثانياً: تفسير يحيى بن سلام المؤلف والكتاب: يحيى بن سلام بن أبى ثعلبة التميمى ـ مولى لهم ـ يكنى أبا ذكريا، بصرى، قدم مصر وصار إلى إفريقيا وسكنها، وحج منها، وتوفى بمصر بعد رجوعه من الحج في صفر سنة مائتين. قال ابن الجزرى في ترجمته ليحيى: صاحب التفسير. روى الحروف عن أصحاب الحسن البصرى عن الحسن ابن دينار وغيره. وله اختيار في القراءه من طريق الآثار. روى عن حماد بن سلمة، وهمام بن يحيى، وسعيد بن أبى عروبة.

стр. 394

قال الدانى: ويقال أنه أدرك من التابعين نحواً من عشرين رجلاً وسمع ... منهم، وروى عنهم. نزل المغرب، وسكن أفريقيا دهراً، وسمع الناس بها كتابه في تفسير القرآن، وليس لأحد من المتقدمين مثله، وكتابه الجامع. وكان ثقة ثبتاً، ذا علم بالكتاب والسنة، ومعرفة اللغة العربية، وكان صاحب سنة، وسمع منه بمصر عبد الله بن وهب، ومثله من الأئمة (١) . وفى ترجمته في لسان الميزان قال ابن حجر: حدث بالمغرب عن سعيد بن أبى عروبة ومالك وجماعة. ضعفه الدارقطنى. وقال ابن عدى: يكتب حديثه مع ضعفه، روى عنه بحر ابن نصر وغيره، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. وقال سعيد بن عمرو البردعى: قلت لأبى زرعة في يحيى بن سلام المغربى: فقال: لا بأس به، ربما وهم. وقال أبو حاتم الرازى: كان شيخا بصرياً وقع إلى مصر، وهو صدوق. وقال أبو العرب في طبقات القيروان: كان مفسراً، وكان له قدر ومصنفات كثيرة في فنون العلم، وكان من الحفاظ، من خيار خلق الله (٢) . نقرأ ما سبق عن يحيى وعن تفسيره، ولكن أين هذا التفسير؟ وما منهجه؟ ولماذا قيل: ليس لأحد من المتقدمين مثله؟ ما كنت أدرى عن هذا التفسير شيئاً. ونحن نعرف أن القرن الثاني شهد طائفة من الأئمة تكلموا في الجرح والتعديل، وكان لهذا أثره في جمع الأخبار، مع التصحيح والتضعيف والترجيح،

стр. 395

ولكن ما كنت أعرف أحداً سبق محمد بن جرير الطبري إلى هذا في مجال التفسير كعلم مستقل، مع أن الطبري عاش في القرن الثالث وتوفى أوائل الرابع" ٢٢٤: ٣١٠ " غير إني عندما قرأت كتاب " التفسير ورجاله " لعالم تونس الشيخ محمد الفاضل بن عاشور وجدته يتحدث عن تفسير يحيى بن سلام. وأورد هنا ما كتبه ذلك العالم الفاضل ليستفيد القارئ كما استفدت، وحتى تكون الحلقة متصلة عندما نأتى للحديث عن تفسير الطبري. منهج التفسير في النصف الثاني من القرن الثاني: تحدث الشيخ عن منهج التفسير في النصف الثاني من القرن الثاني الهجرى فقال: كانت أول التفاسير ظهوراً في النصف الثاني من القرن الثاني بعد كتاب عبد الملك بن جريج ـ التفاسير المتوخيه طريقة جمع الأقوال ـ بحسب ما انتهى إلى مؤلفيها من طرق الإسناد. وقد اقتضى ذلك لا محالة اشتمال الكتاب الواحد، في الآية الواحدة على أخبار متخالفة، وآثار متفاوتة الدرجات من حيث مظنة الثبوت لقوة الأسانيد وضعفها. فتطلب ذلك رجوعاً إلى تلك الأخبار بالنقض والتمحيص، ليوضع منها ما يوضع على بساط الطرح والتزييف، ويثبت منها ما يثبت على مدرجة الاعتماد والتحصيل. لا سيما وقد انتهى الكثير منها إلى المؤلفين متبعاً لتعاليق نقدية اتصلت بها وصارت ذيولا لها، منذ أن كانت متناقلة بالطريق الشفهى، قبل أن تدخل حيز التدوين. فأصبح موقف المؤلفين حيال تلك الأخبار، مثل موقف مصنفى السنة من مختلف الحديث، وموقف الفقهاء من متعارض فتاوى فقهاء الصحابة والتابعين، موقفاً يستدعى إدخال عناصر جديدة من المعارف المتصلة بتوضيح البحث، ثم

стр. 396

إدخال عنصر شخصى من النقد والتقدير، والإسقاط والتحصيل، أو الجمع والتأويل، ينتهى إلى حكم موضوعى فاصل بحسب اجتهاد المؤلف، وتقديره، تتخذ له تلك الأخبار المتخالفة أسانيد ومقومات للاستنتاج كما يتخذ مجموع البينات المتعارضة مع ما يتصل بها من وسائل الإثبات سنداً لقضاء القاضى. وكانت أهم العناصر المرجوع إليها، بالإضافة إلى عنصر الروايات الواردة، عنصرين يتصلان مباشرة باللفظ القرآنى: هما عنصر القراءة وعنصر الإعراب. حلقة الاتصال بين القرنين الأول والثالث: وبعد أن تحدث عن العنصرين، وصلة كل منهما بالتفسير، قال: " وإنه لمما يجدر التنبيه إليه في هذا المقام: أن الذين يشيرون إلى هذه الطريقة وخصائصها من الكاتبين حديثاً في تاريخ التفسير، يبادرون إلى ضرب المثل بتفسير محمد بن جرير الطبري، فيقطعون بذلك اتصال سلسلة التطور في الأوضاع التفسيرية بين القرن الأول والقرن الثالث بإضاعة الحلقة من تلك السلسلة التي تمثل منهج التفسير في القرن الثاني، لأن تفسير ابن جرير الطبري ألف في أواخر القرن الثالث، وصاحبه توفى أوائل القرن الرابع، والحال أن الحلقه التي يتم بها اتصال السلسلة وضاعت عن الكاتبين المحدثين في تاريخ التفسير: من المستشرقين وغير المستشرقين، هي حلقة أفريقية تونسية، بالوقوف عليها يتضح كيف تطور فهم التفسير عما كان عليه في عهد ابن جريج، إلى ما أصبح عليه في تفسير الطبري، ويتضح لمن كان الطبري مديناً له بذلك المنهج الأثرى النظرى الذي درج عليه في تفسيره العظيم. وإنما نعنى بهذا تفسيراً جليلاً من صميم آثار القرن الثاني، وهو أقدم التفاسير الموجودة اليوم على الإطلاق، ألف بالقيروان وروى فيها، وبقيت نسخته الوحيده بين تونس والقيروان، وهو الذي يعتبر مؤسس طريقة التفسير

стр. 397

النقدى، أو الأثرى النظرى التي سار عليها بعده ابن جرير الطبري واشتهر بها. ذلك هو تفسير يحيى بن سلام التميمى البصرى الأفريقى المتوفى سنة ٢٠٠، وهو تفسير يقع في ثلاثين جزءاً من التجزئة القديمة، أي في ثلاث مجلدات ضخمة، مبنى على إيراد الأخبار مسندة، ثم تعقبها بالنقد والاختيار. فبعد أن يورد الأخبار المروية مفتتحاً إسنادها بقوله: " حدثنا " يأتى بحكمه الاختيارى مفتتحاً بقوله: " قال يحيى "، ويجعل مبنى اختياره على المعنى اللغوى، والتخريج الإعرابى، ويتدرج من اختيار المعنى إلى اختيار القراءة التي تتماشى وإياه، مشيراً إلى اختياراته في القراءة بما يقتضى أن له رواية أو طريقاً لا يبعد أن تكون راجعة إلى قراءة أبى عمرو بن العلاء البصرى، لأن يحيى بن سلام بصرى النشأة، وإلى طريقه المختار في القراءة يشير في تفسيره بقوله: " والذى في مصحفنا ". وقد نص ابن الجزرى على أن هذا الكتاب سمع من مؤلفه بإفريقيا، وشهد بأنه كتاب ليس لأحد من المتقدمين مثله، وكذلك نقل عن إمام القراءات أبى عمرو الدانى أنه قال: " ليس لأحد من المتقدمين مثل تفسير ابن سلام ". وذلك ينطق بسبقه إلى طريقه، وابتكاره منهجاً. وقد تلقى هذا التفسير عن مؤلفه فقيه أفريقى هو أبو داود العطار المتوفى سنة ٢٤٤. وتوجد من هذا التفسير لبلادنا التونسية نسخة عظيمة القدر موزعة الأجزاء، نسخت منذ ألف عام تقريبا، منها: مجلد يشتمل على سبعة أجزاء بالمكتبة العبدلية بجامع الزيتونة الأعظم، وآخر يشتمل على عشرة أجزاء بمكتبة جامع القيروان، ومن مجموعهما يتكون نحو الثلثين من جملة الكتاب. ويوجد جزء آخر لعله يتمم بعض نقص النسخة، هو من المقتنيات الخاصة لبعض العلماء الأفاضل. ولعل فذاذة هذه النسخة التونسية هو الذي يعتذر به للذين أهملوا شأن ابن سلام في مراحل التفسير، وإن كان التعريف بها حاصلاً منذ أكثر من خمسين سنة،

стр. 398

في الجزء الأول من الفهرس التفصيلى للمكتبة العبدلية، وقد أخذت عنها صور لمعهد المخطوطات العربية، وكثير من دور الكتب في المشرق ... والمغرب " ا. هـ. من كلام الشيخ محمد الفاضل بن عاشور نرى أن التفسير في النصف الثاني من القرن الثاني لم يختلف عن الحديث في الاستفادة من الجرح والتعديل، وسلك منهج التصحيح والتضعيف والترجيح. ونسأل الله تعالى أن يهيئ لكتاب التفسير هذا من يحققه ويخرجه للمسلمين. ثالثاً: معاني القرآن للفراء الفراء وإملاء الكتاب: الفراء وهو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمى، ولد بالكوفة سنة ١٤٤ هـ، ونشأ بها وتربى على شيوخها، ومنزلته العلمية معروفة: لقب بأمير المؤمنين في النحو، وكان زعيم الكوفيين بعد الكسائى. واستقر به المقام في بغداد، وتوفى سنة ٢٠٧ هـ. وفى بداية الكتاب يقول راويه أبو عبد الله محمد بن الجهم بن هارون السمرى: " هذا الكتاب فيه معاني القرآن، أملاه علينا أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء ـ يرحمه الله ـ عن حفظه من غير نسخة، في مجالسه أول النهار من أيام الثلاثاوات والجمع في شهر رمضان، وما بعده من سنة اثنتين، وفى شهور سنة ثلاث، وشهور من سنة أربع ومائتين. قال: حدثنا محمد بن الجهم، قال: حدثنا الفراء، قال: تفسير مشكل إعراب القرآن ومعانية " ا. هـ.

стр. 399

الهدف والمنهج: ومن العنوان الذي اختاره الفراء يتضح الهدف من أماليه، فهو لا يريد تفسير القرآن الكريم آية آية، وإنما يقف عند بعض الآيات الكريمة ليفسر مشكل الإعراب والمعانى. ولذلك رأينا الكتاب يزخر بمناقشات نحوية مستفيضة، ووقفات لغوية. وهذا التفسير يعتمد على تمكن صاحبه من اللغة، ومعرفته بأساليبها، وإمامته في النحو، ومعرفته بلهجات العرب، وبالقراءات المختلفة. ولا نكاد نجد فيه اهتماماً بذكر الأخبار المروية عن الرسول ﷺ ، أو الصحابة أو التابعين. ومثل هذا التفسير لا يعد من التفسير المأثور، ولعله أول كتاب يصلنا في التفسير العقلى، وقيمته العلميه تستند إلى مدى التزامه بالمنهج العلمى المقبول لمثل هذا النوع من التفسير، وتمكنه من أدواته ووسائله. ولنذكر شيئا من هذا التفسير يوضح منهجه. بعد قول الفراء السابق " تفسير مشكل إعراب القرآن ومعانيه " قال: فأول ذلك اجتماع القراء وكتاب المصاحف على حذف الألف من ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ وفى فواتح الكتب، وإثباتهم الألف في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ... وأخذ يبين سبب هذا، ثم انتقل إلى تفسير أم الكتاب فقال: قوله تعالى: ﴿الْحَمْد للهِ﴾ . اجتمع القراء على رفع الحمد. وأما أهل البدو فمنهم من يقول: ﴿الْحَمْدَ للهِ﴾ ومنهم من يقول ﴿الْحَمْدِ للهِ﴾ . ومنهم من يقول ﴿الْحَمْدُ للهِ﴾ . فيرفع الدال واللام.

стр. 400

وقال: " فأما من نصب ... " وبين وجه كل من الحالات المذكورة. ثم قال: " عليهُم " و" عليهِم ": وهما لغتان، لكل لغة مذهب في العربية. وفصل في بيان سبب ضم الهاء وكسرها، ثم قال: وقوله تعالى: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ . بخفض " غير " لأنها نعت للذين. وبعد أن بين سبب ضبط كلمة " غير " قال: وأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ فإن معنى " غير " معنى " لا "، فلذلك ردت عليها " ولا " ... إلخ. وهكذا سار الفراء في تفسيره لفاتحة الكتاب (١) . وعند تفسير سورة النور قال: ومن سورة النور بسم الله الرحمن الرحيم: قوله: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ ترفع السورة بإضمار هذه سورة أنزلناها. ولا ترفعها براجع ذكرها لأن النكرات لا يبتدأ بها قبل أخبارها، إلا أن يكون ذلك جواباً؛ ألا ترى أنك لا تقول: رجل قام، إنما الكلام أن تقول: قام رجل. وقبح تقديم النكرة قبل خبرها أنها توصل ثم يخبر عنها بخبر سوى الصلة. فيقال: رجل يقوم أعجب إلىّ من رجل لا يقوم: فقبح إذ كنت كالمنتظر للخبر بعد الصلة. وحسن في الجواب؛ لأن القائل يقول: من في الدار؟ فتقول: رجل، وإن قلت: رَجُلٌ فيها فلا بأس؛ لأنه كالمرفوع بالرد لا بالصفة.

стр. 401

ولو نصبت السورة على قولك: أنزلناها سورة وفرضناها كما تقول: مجرداً ضربته كان وجهاً. وما رأيت أحداً قرأ به (١) . وفى سورة النمل قال الفراء: وقوله: ﴿إِنِّي لَا يخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ... ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فهذا مغفور له. فيقول القائل كيف صُير خائفاً؟ قلت: في هذه وجهان: أحدهما أن تقول: إن الرسل معصومة مغفور لها آمنة يوم القيامة. ومن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً يخاف ويرجو: فهذا وجه. والآخر أن تجعل الاستثناء من الذين تُركوا في الكلمة؛ لأن المعنى: لا يخاف المرسلون إنما الخوف على غيرهم. ثم استثنى فقال: إلا من ظلم فإن هذا لا يخاف، يقول: كان مشركاً فتاب وعمل حسناً فذلك مغفور له ليس بخائف. وقد قال بعض النحويين: إن " إلا " في اللغة بمنزلة الواو، وإنما معنى هذه الآية: لا يخاف لدى المرسلون ولا من ظلم ثم بدل حسناً، وجعلوا مثله قول الله: ﴿لِئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ ... ﴾ أي ولا الذين ظلموا. ولم أجد العربية تحتمل ما قالوا، لأنى لا أجيز قام الناس إلا عبد الله، وهوقائم؛ إنما الاستثناء أن يخرج الاسم الذي بعد إلا من معنى الأسماء قبل إلا. وقد أراه جائزاً أن تقول: عليك ألف سوى ألف آخر، فإن وضعت " إلا " في هذا الموضع صلحت وكانت " إلا " في تأويل ما قالوا. فأما مجردة قد استثنى قليلها من كثيرها فلا. ولكن مثله مما يكون في معنى إلا كمعنى الواو وليست بها.

стр. 402

قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ... ﴾ هو في المعنى: إلا الذي شاء ربك من الزيادة. فلا تجعل إلا " في منزلة " الواو ولكن بمنزلة سوى. فإذا كانت سوى في موضع إلا صلحت بمعنى الواو؛ لأنك تقول: عندى مال كثير سوى هذا، أي وهذا عندى؛ كأنك قلت: عندى مال كثير وهذا. وهو في سوى أنفذ منه في إلا لأنك قد تقول: عندى سوى هذا، ولا تقول: إلا هذا (١) . وفى سورة سبأ: وقوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ " ١٧ " هكذا قرأه يحيى وأبو عبد الرحمن أيضاً. والعوام: ﴿وَهَلْ يُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ . وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم﴾ موضع " ذلك " نصب بـ " جزيناهم ". يقول القائل: كيف خص الكفور بالمجازاة والمجازاة للكافر وللمسلم وكل واحد؟ فيقال: إن جازيناه بمنزلة كافأناه والسيئة للكافر بمثلها وأما المؤمن فيجزى لأنه يزاد ويتفضل عليه ولا يجازى. وقد يقال: جازيت في معنى جزيت، إلا أن المعنى في أبين الكلام على ما وصفت لك؛ ألا ترى أنه قد قال ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم﴾ ولم يقل ﴿جاَزَيْنَاهُم﴾ وقد سمعت جازيت في معنى جزيت وهى مثل عاقبت وعقبت، الفعل منك وحدك. وبناؤها ـ يعنى ـ فاعلت على أن تفعل ويفعل بك (٢) .

стр. 403

وأكتفى بهذا القدر، ولعله ـ مع قلته ـ يبين منهج الفراء في تفسيره، وقيمته العلمية. *****

стр. 404

الفصل السابع: القرن الثالث وتفسير الطبري القرن الثالث الهجرى يعتبر العصر الذهبى بالنسبة لتدوين السنة؛ فقد شهد ميلاد مسند الإمام أحمد والصحيحين: صحيح البخاري وصحيح مسلم، وسنن أبى داود، والترمذى، وابن ماجه، والنسائى، وغيرها من كتب السنة. ومع أننا رأينا التفسير علماً قائماً بذاته، إلا أن رجال الحديث كانوا يدونون الأخبار المتصلة بالتفسير مع غيرها من الأخبار، فكان هذا خيراً عظيماً بالنسبة للتفسير. وإلى جانب هذا فإن أعظم كتاب في التفسير ظهر في هذا القرن، وهو تفسير أبى جعفر محمد بن جرير الطبري، المسمى " جامع البيان عن تأويل أي القرآن ". الطبري: علمه وكتبه: الطبري هو: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير. وهو ـ كما قال الذهبى ـ الإمام العالم المجتهد، عالم العصر، صاحب التصانيف البديعة، من أهل آمل طبرستان. مولده سنة أربع وعشرين ومئتين، وطلب العلم بعد الأربعين ومئتين، وأكثر الترحال، ولقى نبلاء الرجال، وكان من أفراد الدهر علماً، وذكاء، وكثرة تصانيف، قل أن ترى العيون مثله (١) . كان ثقة، صادقاً، حافظاً، رأساً في التفسير، إماماً في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس، عارفاً بالقراءات وباللغة، وغير ذلك (٢) .

стр. 405

ونقل الذهبى وابن كثير وابن حجر قول الخطيب في تاريخه عن الطبري: كان أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه بمعرفته وفضله. وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره: فكان حافظاً لكتاب الله، عارفاً بالقراءات، بصيراً بالمعانى، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في " أخبار الأمم وتاريخهم "، وله كتاب: " التفسير " لم يصنف مثله ... إلخ (١) . وقال ابن كثير: روى الكثير عن الجم الغفير، ورحل إلى الآفاق في طلب الحديث، وصنف التاريخ الحافل، وله التفسير الكامل الذي لا يوجد له نظير، وغيرهما من المصنفات النافعة في الأصول والفروع، ومن أحسن ذلك تهذيب الآثار ... إلخ (٢) . وقال السيوطي: رأس المفسرين على الإطلاق، أحد الأئمة، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره ثم قال: وله التصانيف العظيمة، منها: " تفسير القرآن "، وهو أجل التفاسير، لم يؤلف مثله كما ذكره العلماء قاطبة، منهم النووى في تهذيبه، وذلك لأنه جمع فيه بين الرواية والدراية، ولم يشاركه في ذلك أحد لا قبله ولا بعده.. إلخ (٣) .

стр. 406

والطبرى ـ رأس المفسرين والمؤرخين ـ نجد في ترجمته (١) الحديث عن كتبه، ما تم منها وما لم يتم. وأهم كتبه التي مات قبل تمامها كتابه " تهذيب الآثار"، وهو مطبوع ميسر الرجوع إليه والحمد لله تعالى (٢) . عقيدة الطبري: الحديث عن الطبري وعن كتبه يطول كثيراً، والذى يعنينا أساساً هو تفسيره، ولكن ونحن في مجال التفسير المقارن بين الشيعة وأهل السنة نرى من اللازم بيان عقيدة هذا الإمام التي وقع ضجاج كبير حولها، حيث رماه بعضهم بأنه من الشيعة الإمامية، غير أن كتبه تثبت براءته. لما بلغه أن أبا بكر بن أبى داود تكلم في حديث غدير خم، عمل كتاب: " الفضائل "، فبدأ بفضل أبى بكر، ثم عمر، وتكلم على تصحيح حديث غدير خم، واحتج لتصحيحه، ولم يتم الكتاب. وفى الباب السابق ذكرت الروايات المختلفة لهذا الحديث، وبينت ما هو صحيح منها، وما هو مختلف فيه، وما هو ضعيف أو موضوع مصنوع في دار الضرب بالكوفة. ولا أدرى ما الذي صح عند الطبري؟ وربما صحح ما بينت ضعفه أو وضعه. وعندما رجعت لتهذيب الآثار رأيت عدم استبعاد هذا ... الاحتمال: ففى مسند على ﵁ يذكر حديث " أنا دار الحكمة وعلى بابها "، ويقول: " وهذا خبر عندنا صحيح سنده " ولكنه يضيف قوله " وقد يكون على

стр. 407

مذهب الآخرين سقيماً غير صحيح لعلتين " ثم يذكر تأييداً له حديثاً عن ابن عباس: " أنا مدينة العلم وعلى بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها " (١) . وتصحيح مثل هذه الآحاديث لا يعنى أنه من الإمامية وإلا لما تحدث عن فضل أبى بكر وعمر، فضلاً عن أن يبدأ بهما. ونراه في مسند على يروى أن قاتل الزبير استأذن على على فقال: ليدخل النار، سمعت النبي ﷺ يقول: " لكل نبي حوارى وإن حوارى الزبير بن العوام " (٢) ونحن نعرف تكفير الشيعة لمن قاتل علياً، وما رواه الطبري ينقض قولهم. وكان الطبري يكلم ابن صالح الأعلم، وجرى ذكر على ﵁، ثم قال الطبري: من قال إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامى هدى، أيش هو؟ قال: مبتدع. فقال ابن جرير إنكاراً عليه: مبتدع! مبتدع! هذا يقتل، من قال إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامى هدى يقتل يقتل (٣) . وقال الذهبى في ميزان الاعتدال " ٣ / ٤٩٨ " في ترجمة الطبري:. " ثقة صادق، فيه تشيع يسير، وموالاة لا تضر. أقذع أحمد بن على السليمانى الحافظ، فقال: كان يضع للروافض، كذا قال السليمانى: وهذا رجم بالظن الكاذب، بل ابن جرير من كبار أئمة الإسلام المعتمدين، وما ندعى عصمته من الخطأ، ولا يحل لنا أن نؤذيه بالباطل والهوى، فإن كلام العلماء بعضهم في بعض ينبغى أن يتأنى فيه، ولا سيما في مثل إمام كبير، فلعل السليمانى أراد الآتى:

стр. 408

محمد بن جرير بن رستم، أبو جعفر الطبري. رافضى ... ". وعقب ابن حجر فقال: " ولو حلفت أن السليمانى ما أراد إلا الآتى لبررت، والسليمانى حافظ متقن، كان يدرى ما يخرج من رأسه، فلا أعتقد أنه يطعن في مثل هذا الإمام بهذا الباطل، والله أعلم. وإنما رمى بالتشيع لأنه صحح حديث غدير خم، وقد اغتر شيخ شيوخنا أبو حيان بكلام السليمانى ... " (١) . هذه كلمة موجزة عن الطبري، وبعد حياة بارك الله تعالى فيها توفى سنة عشر وثلاثمائة، ودفن ببغداد. تفسير الطبري الثناء على الكتاب: ذكرنا آنفا بعض ما جاء في ترجمة أبى جعفر عن تفسيره القيم. ومما جاء عن هذا الكتاب أيضاً أن ابن جرير قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه! فقال: إنا لله! ماتت الهمم. فاختصر ذلك في نحو ثلاثة آلاف ورقة. ولما أراد أن يملى التفسير قال لهم نحواً من ذلك، ثم أملاه على نحو من قدر التاريخ. وقال الحاكم: سمعت أبا بكر بن بالويه يقول: قال لي أبو بكر بن خزيمة: بلغنى أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير؟ قلت: بلى، كتبته عنه إملاء. قال: كله؟ قلت: نعم. قال: أي سنة؟ قلت: من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين ومئتين. قال: فاستعاره منى أبو بكر، ثم رده بعد سنين، ثم قال: لقد نظرت فيه من أوله إلى آخره، وما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير.

стр. 409

وقال أبو محمد الفرغانى: لو ادعى عالم أن يصنف من كتاب التفسير لابن جرير عشرة كتب، كل كتاب منها يحتوى على علم مفرد مستقصى لفعل. وقال أبو حامد الإسفرايينى: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيراً. وقال السيوطي في الإتقان " ٢ / ١٩٠ ": ". . . وبعدهم ابن جرير الطبري، وكتابه أجل التفاسير وأعظمها، ثم ابن أبى حاتم، وابن ماجه، والحاكم، وابن مردويه، وأبو الشيخ ابن حبان، وابن المنذر، في آخرين، وكلها مسندة إلى الصحابة والتابعين وأتباعهم، وليس فيها غير ذلك، إلا ابن جرير؛ فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط، فهو يفوقها بذلك ". هذه بعض الأقوال التي تبين قيمة هذا الكتاب، ولكنها لا تغنى عن النظر في الكتاب نفسه لنبين منهجه وقيمته العلمية، فلننظر فيه. بيان الطبري لمنهجه: ذكر الطبري في مقدمة التفسير " ص ٦ " ما يلى: " ونحن ـ في شرح تأويله، وبيان ما فيه من معانيه ـ منشئون إن شاء الله ذلك، كتاباً مستوعباً لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه، جامعاً، ومن سائر الكتب غيره في ذلك كافياً، ومخبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة فيما اتفقت عليه منه، واختلافها فيما اختلفت فيه منه. ومبينو علل كل مذهب من مذاهبهم، وموضحو الصحيح لدينا من ذلك، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك، وأختصر ما أمكن من الاختصار فيه ". وفى المقدمة أيضا " ص ٧٣ " نجد " القول في الوجوه التي من قبلها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن "، ويذكر تحت هذا العنوان ما يبين أن مما أنزل الله تعالى من القرآن ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول ﷺ ، وأن منه ما لا يعلم

стр. 410

تأويله إلا الله الواحد القهار، وأن منه مايعلم تأويله كل ذى علم باللسان الذي نزل به القرآن. ثم يذكر أبو جعفر بعد هذا بعض الأخبار التي رويت بالنهى عن القول في تأويل القرآن بالرأى، ويعقب عليها " ص ٧٧: ٧٩ " وبعده نجد " ذكر الأخبار التي رويت في الحض على العلم بتفسير القرآن ومن كان يفسره من الصحابة " ... " ص ٨٠ ". ثم نجد " ذكر الأخبار عن بعض السلف، فيمن كان من قدماء المفسرين محموداً علمه بالتفسير، ومن كان منهم مذموماً علمه به " " ص ٩٠ " وبعد الأخبار نجد ما يأتى: قال أبو جعفر: قد قلنا فيما مضى من كتابنا هذا في وجوه تأويل القرآن، وأن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة: أحدها لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن جميع خلقه، وهو أوقاتُ ما كان من آجال الأمور الحادثة، التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة، مثل: وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك. والوجه الثاني: ما خص الله بعلم تأويله نبيه ﷺ دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول ﷺ لهم تأويله. والثالث منها: ما كان علمهُ عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا يُوصل إلى علم ذلك إلا من قبلهم. فإذا كان ذلك كذلك، فأحق المفسرين بإصابة الحق ـ في تأويل القرآن الذي إلى علم تأويله للعباد السبيلُ ـ أوضحهم حجة فيما تأول وفسر، مما كان تأويله إلى رسول الله ﷺ دون سائر أمته من أخبار رسول الله ﷺ الثابته عنه: إما من جهة النقل المستفيض، فيما وُجد فيه من ذلك عنه النقل المستفيض، وإما من جهة

стр. 411

نقل العدول الأثبات، فيما لم يكن فيه عنه النقل المستفيض، أو من جهة الدلالة المنصوبه على صحته؛ وأصحهم برهاناً ـ فيما ترجم وبين من ذلك ـ ممّا كان مُدركاً علمُه من جهة اللسان: إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائناً من كان ذلك المتأول والمفسر، بعد أن لا يكون خارجاً تأويله وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك، عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة ". " ص ٩٢: ٩٣ ". تفسير الطبري لختام فاتحة الكتاب: هذا بعض ما جاء في مقدمته المستفيضة، ولعله يوضح المنهج الذي ارتضاه الطبري لتفسيره. وأضيف هنا شيئاً من هذا التفسير قبل الحديث عنه، وقد يبدو ما أنقله غير مناسب لكثرة صفحاته، غير أنه تفسير آية كريمة واحدة هي الأخيرة من سورة الفاتحة، وما ذكره بعد تفسيرها، وأريد أن يشترك القارئ في الاستنباط حيث يجد نصاً بين يديه، ولهذا أهميته في مجال التفسير المقارن، وما أكثر ما في هذا النص من العلم والنفع! كما رأيت أن أذكر في الحاشية تخريج الأحاديث للشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى، ولكن سأكتفى بالنتائج دون التفصيل حتى لا يزداد المنقول. وإليك ما ذكره الطبري في تفسير قوله تعالى: ... ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ . القول في تأويل قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ : وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ... ﴾ ، إبانة عن الصراط المستقيم، أي الصراط هو؟ إذ كان كل طريق من طرق الحق صراطاً مستقيماً. فقيل لمحمد ﷺ :

стр. 412

قل يا محمد: أهدنا يا ربنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك، من ملائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين. وذلك نظير ما قال ربنا جلّ ثناؤه في تنزيله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ " سورة النساء: ٦٦: ٦٩ ". قال أبو جعفر: فالذى أمر محمد ﷺ وأمته أن يسألوا ربهم من الهداية للطريق المستقيم، هي الهداية للطريق الذي وصف الله جل ثناؤه صفته. وذلك الطريق، هو طريق الذين وصفهم الله بما وصفهم به في تنزيله، ووعد من سلكه فاستقام فيه طائعاً لله ولرسوله ﷺ ، أن يورده مواردهم، والله لا يخلف الميعاد. وبنحو ما قلنا في ذلك رُوى الخبر عن ابن عباس وغيره: ١٨٨ ـ حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ... ﴾ يقول: طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبدوك (١) . ١٨٩ ـ حدثنى أحمد بن حازم الغفارى، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن أبى جعفر، عن ربيع: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ ، قال: النبيون (٢) . ١٩٠ ـ

стр. 413

حدثنى القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ﴿أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ قال: المؤمنين (١) . ١٩١ ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: قال وكيع: ... ﴿أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ ، المسلمين. ١٩٢ ـ حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد في قوله ﴿صرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ... ﴾ ، قال: النبي ﷺ ومن معه (٢) . قال أبو جعفر: وفى هذه الآية دليل واضح على أن طاعة الله جل ثناؤه، لا ينالها المطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم، وتوفيقه إياهم لها. أوَلا يسمعونه يقول: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ ، فأضاف كل ما كان منهم من اهتداء وطاعة وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم؟ فإن قال قائل: وأين تمام هذا الخبر؟ وقد علمت أن قول القائل لآخر: ﴿ ... أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ مقتض الخبر عما أنعم به عليه، فأين ذلك الخبر في قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ... ﴾ ؟ وما تلك النعمة التي أنعمها عليهم؟ قيل له: قد قدمنا البيان ـ فيما مضى من كتابنا هذا ـ عن اجتزاء العرب في منطقها ببعض من بعض، إذا كان البعض الظاهر دالاً على البعض الباطن وكافياً منه. فقوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ... ﴾ من ذلك. لأن أمرَ الله جل

стр. 414

ثناؤه عباده بمسألته المعونة، وطلبهم منه الهداية للصراط المستقيم، لما كان متقدماً قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ... ﴾ ... ، الذي هو إبانه عن الصراط المستقيم وإبدال منه ـ كان معلوماً أن النعمة التي أنعم الله بها على من أمرنا بمسألته الهداية لطريقهم، هو المنهاج القويم والصراط المستقيم، الذي قد قدمنا البيان عن تأويله آنفاً. فكان ظاهرُ ما ظهر من ذلك ـ مع قرب تجاور الكلمتين ـ مغنياً عن تكراره. كما قال نابغة بنى ذبيان: كأنك من جمال بنى أُقْيشٍ ... يُقَعْقَعُ خلف رِجْليه بِشَن يريد: كأنك من جمال أقيش، جمل يقعقع خلف رجليه بشن، فاكتفى بما ظهر من ذكر " الجمال " الدال على المحذوف، من إظهار ما حذف. وكما قال الفرزدق بن غالب: ترى أرباقَهُمْ مُتقَلدِيها إذا صَدِى الحديدُ عَلَى الكُمَاةِ يريد: متقلديها هم، فحذف " هم "، إذ كان الظاهر من قوله أرباقهم، دالاً عليها. والشواهد على ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تحصى. فكذلك ذلك في قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ... ﴾ . ****** القول في تأويل قوله: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَليهِمْ﴾ : قال أبو جعفر: والقراءة مجمعة على قراءة " غير " بجر الراء منها والخفض يأتيها من وجهين: أحدهما: أن يكون " غير " صفة لـ " الذين " ونعتاً لهم فتخفضها. إذ كان ... " الذين " خفضاً، وهى لهم نعت وصفة. وإنما جاز أن يكون " غير " نعتاً لـ ... " الذين "، و" الذين "، معرفة و" غير " نكرة، لأن " الذين " بصلتها ليست بالمعرفة الموقته كالأسماء التي هي أماراتّ بين الناس، مثل زيد وعمرو وما أشبه ذلك، وإنما هي كالنكرات المجهولات، مثل الرجل والبعير وما أشبه ذلك. فلما كان " الذين " كذلك صفتها، وكانت " غير " مضافة إلى مجهول من الأسماء، نظير " الذين "، في أنه معرفة غير مؤقته، كما " الذين " معرفة غيرمؤقتة ـ جاز من أجل ذلك أن يكون ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ ... نعتاً لـ ﴿

стр. 415

الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ كما يقال: " لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل "، يراد: لا أجلس إلا إلى من يعلم، لا إلى من يجهل. ولو كان ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ معرفة موقتة، كان غير جائز أن يكون ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ لها نعتاً. وذلك أنه خطأ في كلام العرب ـ إذا وصفت معرفة موقتة بنكرة ـ أن تلزم نعتها النكرة إعراب المعرفة المنعوت بها، إلا على نية تكرير ما أعرب المنعوت بها. خطأ في كلامهم أن يقال: " مررت بعبد الله غير العالم "، فتخفض " غير " إلا على نية تكرير الباء التي أعربت عبد الله. فكان معنى ذلك لو قيل كذلك: مررت بعبد الله، مررت بغير العالم. فهذا أحد وجهى الخفض في ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ . والوجه الآخر من وجهى الخفض فيها: أن يكون " الذين " بمعنى المعرفة الموقتة، وإذا وُجِّه إلى ذلك، كانت " غير " مخفوضةٌ بنية تكرير " الصراط " الذي خُفض " الذين " عليها، فكأنك قلت: صراط الذين أنعمت عليهم، صراط غير المغضوب عليهم.

стр. 416

وهذان التأويلان في ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ ، وإن اختلفا في اختلاف معربيهما، فإنهما يتقارب معناهما. من أجل أن من أنعم الله عليه فهداه بدينه الحق، فقد سلم من غضب ربه، ونجا من الضلال في دينه. فسواء ـ إذ كان سبب قوله ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ غير جائز أن يرتاب، مع سماعه ذلك من تاليه، في أن الذين أنعم الله عليهم بالهداية للصراط غير غاضب ربهم عليهم، مع النعمة التي قد عظمت منته بها عليهم في دينهم؛ ولا أن يكونوا ضلآلا، وقد هداهم الحق ربهم. إذ كان مستحيلا في فطرهم اجتماع الرضا من الله جل ثناؤه عن شخص والغضب عليه في حال واحدة، واجتماع الهدى والضلال له في وقت واحد ـ أًوُصِفَ القوم؛ مع وصف الله إياهم بما وصفهم به من توفيقه إياهم وهدايته لهم، وإنعامه عليهم بما أنعم الله به عليهم في دينهم، بأنهم غير مغضوب عليهم ولا هم ضالون؛ أم لم يوصفوا بذلك. لأن الصفة الظاهرة التي وصفوا بها، قد أنبأت عنهم أنهم كذلك، وإن لم يصرح وصفهم به. هذا، إذا وجهنا ﴿غَيرِ﴾ إلى أنها مخفوضة على نية تكرير ﴿الصِّرَاطَ﴾ الخافض ﴿الَّذِينَ﴾ ، ولم نجعل ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ من صفة ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ ، بل إذا جعلناهم غيرهم. وإن كان الفريقان لا شك منعماً عليهما في أديانهما.

стр. 417

فأما إذا وجهنا ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ... ﴾ إلى أنها من نعت، ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم﴾ ، فلا حاجة بسامعه إلى الاستدلال، إذ كان الصريح من معناه قد أغنى عن الدليل. وقد يجوز نصب ﴿غَيرِ﴾ في ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ ، وإن كنت للقراءة بها كارهاً لشذوذها عن قراءة القراء. وإن ما شذ من القراءات عما جاءت به الأمة نقلا ظاهراً مستفيضاً، فرأى للحق مخالف، وعن سبيل الله وسبيل رسوله ﷺ وسبيل المسلمين متجانف. وإن كان له ـ لو كان جائزاً القراءة به ـ في الصواب مخرج. وتأويل وجه صوابه إذا نصبت: أن يوجه إلى أن يكون صفة للهاء والميم اللتين في ﴿عَلَيهِمْ﴾ ، العائدة على ﴿الَّذِينَ﴾ . لأنها وإن كانت مخفوضة بـ ﴿عَلَي﴾ فهى في محل نصب بقوله ﴿ ... أَنعَمتَ﴾ . فكان تأويل الكلام ـ إذا نصبت ﴿غَيرِ﴾ التي مع ﴿المغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ ـ: صراط الذين هديتهم إنعاما منك عليهم، غير مغضوب عليهم، أي لا مغضوبا عليهم ولا ضالين. فيكون النصب في ذلك حينئذ، كالنصب في ﴿غَيرِ﴾ في قولك: مررت بعبد الله غير الكريم ولا الرشيد، فتقطع " غير الكريم " من " عبد الله "، إذ كان " عبد الله " معرفة موقتة، و" غير الكريم " نكرة مجهولة. وقد كان بعض نحويى البصريين يزعم أن قراءة من نصب ﴿غَيرِ﴾ في ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ ، على وجه استثناء ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ من

стр. 418

معاني صفة ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ... ﴾ ، كأنه كان يرى أن معنى الذين قرأوا ذلك نصباً: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ... ﴾ إلا المغضوبَ عليهم ـ الذين لم تنعم عليهم في أديانهم ولم تهدهم للحق ـ فلا تجعلنا منهم. وكما قال نابعة بنى ذبيان: وقفت فيها أصيلا لا أسائلها ... عيت جواباً، وما بالربع من أحد إلا أوارى لأياً ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد والأوارى معلوم أنها ليست من عداد " أحد " في شىء. فكذلك عنده، استثنى ﴿غَيرِ المَغضوبِ عَلَيهِمْ﴾ من ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ... ﴾ ، وإن لم يكونوا من معانيهم في الدين في شىء. وأما نحويو الكوفيين، فأنكروا هذا التأويل واستخفوه. وزعموا أن ذلك لو كان كما قاله الزاعم من أهل البصرة، لكان خطأ أن يقال ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ ، لأن " لا " نفى وجحد، ولا يعطف بجحد إلا على جحد. وقالوا: لم نجد في شىء من كلام العرب استثناء يعطف عليه بجحد، وإنما وجدناهم يعطفون على الاستثناء بالاستثناء وبالجحد على الجحد، فيقولون في الاستثناء: قام القوم إلا أخاك وإلا أباك. وفى الجحد: ما قام أخوك ولا أبوك. وأما: قام القوم إلا أباك ولا أخاك. فلم نجده في كلام العرب. قالوا: فلما كان ذلك معدوماً من كلام العرب، وكان القرآن بأفصح لسان العرب نزوله، علمنا ـ إذ كان قوله ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ معطوفا على قوله ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ ـ أن ﴿غَيرِ﴾ بمعنى الجحد لا بمعنى الاستثناء، وأن تأويل من وجهها إلى الاستثناء خطأ. فهذه أوجه تأويل ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ ، باختلاف أوجه إعراب ذلك.

стр. 419

وإنما اعترضنا بما اعترضنا في ذلك من بيان وجه إعرابه ـ وإن كان قصدنا في هذا الكتاب الكشف عن تأويل أي القرآن لما في اختلاف وجوه إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله، فاضطرتنا الحاجة إلى كشف وجوه إعرابه، لتنكشف لطالب تأويله وجوه تأويله، على قدر اختلاف المختلفة في تأويله وقراءته. والصواب من القول في تأويله وقراءته عندنا، القول الأول، وهو قراءة ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ بخفض الراء من ﴿غَيرِ﴾ ، بتأويل أنها صفة لـ ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ ونعت لهم ـ لما قدمنا من البيان ـ إن شئت، وإن شئت فبتأويل تكرير ﴿صِرَاطَ﴾ كل ذلك صواب حسن. فإن قال قائل: فمن هؤلاء المغضوب عليهم، الذين أمرنا الله جل ثناؤه بمسألته أن لا يجعلنا منهم؟ قيل: هم الذين وصفهم الله جل ثناؤه في تنزيله فقال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ " سورة المائدة: ستين ". فأعلمنا جل ذكره ثمة، ما أحل بهم من عقوبته بمعصيتهم إياه. ثم علمنا، منة منه علينا، وجه السبيل إلى النجاة من أن يحل بنا مثل الذي حل بهم من المثلات، ورأفة منه بنا. فإن قال: وما الدليل على أنهم أولاء الذين وصفهم الله وذكر نبأهم في تنزيله، على ما وصفت؟ قيل: ١٩٣ ـ

стр. 420

حدثنى أحمد بن الوليد الرملى، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الرقى، قال: حدثنا سفيان بن عيينه، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبى، عن عدى ابن حاتم، قال: قال لي رسول الله ﷺ : المغضوب عليهم، اليهود (١) . ١٩٤ ـ حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت عباد بن حبيش يحدث، عن عدى بن حاتم، قال: قال لي رسول الله ﷺ : إن المغضوب عليهم اليهود (٢) . ١٩٥ ـ حدثنى على بن الحسن، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد ابن مصعب، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن مرى ابن قطرى، عن عدى بن حاتم، قال: سألت النبي ﷺ عن قول الله ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ قال: هم اليهود (٣) . ١٩٦ ـ حدثنا حميد بن مسعدة السامى، قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا الجريرى، عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا أتى رسول الله ﷺ وهو محاصر وادى القرى، فقال: من هؤلاء الذين تحاصر يا رسول الله؟ قال: هؤلاء المغضوب عليهم اليهود (٤) . ١٩٧ ـ حدثنى يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن سعيد الجريرى، عن عروة، عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا أتى رسول الله ﷺ ، فذكر نحوه. ١٩٨ ـ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن بديل العقيلى، قال: أخبرنى عبد الله بن شقيق: أنه أخبره من سمع

стр. 421

النبي ﷺ وهو بوادى القرى، وهو على فرسه، وسأله رجل من بنى القين فقال: يا رسول الله، من هؤلاء؟ ـ قال: المغضوب عليهم. وأشار إلى ... اليهود (١) . ١٩٩ ـ حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال حدثنا خالد الواسطى، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا سأل النبي ﷺ ، فذكر نحوه. ٢٠٠ ـ حدثنا أبو كريب، قال حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " غير المغضوب عليهم " يعنى اليهود الذين غضب الله عليهم (٢) . ٢٠١ ـ حدثنى موسى بن هرون الهمدانى، قال: حدثنا عمرو بن طلحة، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدى في خبر ذكره، عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس ـ وعن مرة الهمدانى عن ابن مسعود ـ وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ ، اليهود. ٢٠٢ ـ حدثنا ابن حميد الرازى، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد، قال: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ ... ﴾ ، قال: هم اليهود. ٢٠٣ ـ حدثنا أحمد بن حازم الغفارى، قال: حدثنا عبد الله، عن أبى جعفر، عن ربيع: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ ، قال: اليهود. ٢٠٤ ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين: قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ قال: اليهود.

стр. 422

٢٠٥ ـ حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن ... زيد: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ ، اليهود. ٢٠٦ ـ حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنى ابن زيد عن أبيه، قال: المغضوب عليهم اليهود. قال أبو جعفر: واختلف في صفة الغضب من الله جل ذكره: فقال بعضهم: غضب الله على من غضب عليه من خلقه، إحلال عقوبته بمن غضب عليه، إما في دنياه وإما في آخرته، كما وصف به نفسه جل ذكره في كتابه فقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ... ﴾ " سورة الزخرف: ٥٥ ". وكما قال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ " سورة المائدة: ٦٠ ". وقال بعضهم: غضب الله على من غضب عليه من عباده، ذم منه لهم ولأفعالهم، وشتم لهم منه بالقول. وقال بعضهم: الغضب منه معنى مفهوم كالذي يعرف من معاني الغضب، غير أنه ـ وإن كان كذلك من جهة الإثبات ـ فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم. لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات، ولكنه له صفة، كما العلم له صفة، والقدرة له صفة، على ما يعقل من جهة الإثبات، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد، التي معارف القلوب، وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها. القول في تأويل قوله: ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ :

стр. 423

قال أبو جعفر: كان بعض أهل البصرة يزعم أن: " لا " مع " الضالين " أدخلت تتميما للكلام، والمعنى إلغاؤها، ويستشهد على قيله ذلك ببيت العجاج: ما كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فعلَهُمُ ... وَالطيبَان أبو بَكْرِ وَلا عُمَرُ فجاز ذلك، إذ كان قد تقدم الجحد في أول الكلام. قال أبو جعفر: وهذا القول الآخر أولى بالصواب من الأول، إذ كان غير موجود في كلام العرب ابتداء الكلام من غير جحد تقدمه بـ " لا " التي معناها الحذف، ولا جائز العطف بها على " سوى " ولا على حرف الاستثناء. وإنما لـ " غير " في كلام العرب معان ثلاثة، أحدهما: الاستثناء، والآخر: الجحد، والثالث: سوى. فإذا ثبت خطأ أن تكون " لا " بمعنى الإلغاء مبتدأ، وفسد أن يكون عطفا على " غير " التي مع " المغضوب عليهم " لو كانت بمعنى " إلا " التي هي استثناء، ولم يجز أيضا أن يكون عطفا عليها لو كانت بمعنى " سوى "، وكانت " لا " موجودة عطفا بالواو التي هي عاطفة لها على ما قبلها ـ صح وثبت أن لا وجه لـ " غير " التي مع " المغضوب عليهم "، يجوز توجيهها إليه على صحة، إلا بمعنى الجحد والنفى، وأن لا وجه لقوله " ولا الضالين " إلا العطف على " غير المغضوب عليهم ". فتأويل الكلام إذا ـ إذ كان صحيحا ما قلنا بالذى عليه استشهدنا ـ اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، لا المغضوب عليهم ولا الضالين. فإن قال لنا قائل: ومن هؤلاء الضالون الذين أمرنا الله بالاستعاذة بالله أن يسلك بنا سبيلهم ونضل ضلالهم؟ قيل: هم الذين وصفهم الله في تنزيله فقال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ " سورة المائدة: ٧٧ ".

стр. 424

فإن قال: وما برهانك على أنهم أولاء؟ قيل: ٢٠٧ ـ حدثنا أحمد بن الوليد الرملى، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبى، عن عدى بن حاتم، قال: قال رسول الله ﷺ : " ولا الضالين "، قال: النصارى (١) . ٢٠٨ ـ حدثنا محمد بن المثنى، أنبأنا محمد بن جعفر، أنبأنا شعبة، عن سماك، قال: سمعت عباد بن حبيش يحدث، عن عدى بن حاتم، قال: قال لي رسول الله ﷺ إن الضالين النصارى. ٢٠٩ ـ حدثنى على بن الحسن، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد بن مصعب، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن مرى بن قطرى، عن عدى بن حاتم، قال: سألت النبيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قول الله: ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ ، قال: النصارى هم الضالون. ٢١٠ ـ حدثنا حميد بن مسعدة السامى، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا الجريرى، عن عبد الله بن شقيق أن رجلا أتى رسول الله ﷺ وهو محاصر وادى القرى، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الضالون، النصارى. ٢١١ ـ حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن سعيد بن الجريرى، عن عروة ـ يعنى ابن عبد الله بن قيس، عن عبد الله بن شقيق، عن رسول الله ﷺ ، بنحوه (٢) .

стр. 425

٢١٢ ـ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن بديل العقيلى، قال: أخبرنى عبد الله بن شقيق: أنه أخبره من سمع النبي ﷺ وهو بوادى القرى، وهو على فرسه، وسأله رجل من بنى القين، فقال: يا رسول الله، من هؤلاء؟ ـ قال: هؤلاء الضالون، يعنى النصارى. ٢١٣ـ حدثنا القاسم، قال حدثنا الحسين، قال: حدثنا خالد الواسطى، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا سأل النبي ﷺ وهو محاصر وادى القرى، وهو على فرس: من هؤلاء؟ قال: الضالون. يعنى النصارى. ٢١٤ ـ حدثنا محمد بن حميد: قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد: " ولا الضالين " قال: النصارى. ٢١٥ ـ حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عُمارة قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " ولا الضالين " قال: وغير طريق النصارى الذين أضلهم الله بِفِرْيَتهمْ عليه. قال: يقول: فألهِمنا دينك الحق، وهو لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حتى لا تغضب علينا كما غضبت على اليهود، ولا تضلنا كما أضللت النصارى، فتعذبنا بما تعذبهم به. يقول: امنعنا من ذلك برفقك ورحمتك وقدرتك. ٢١٦ ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: الضالين، النصارى. ٢١٧ ـ حدثنى موسى بن هرون الهمذانى، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدّىّ في خبر ذكره عن أبى مالك، وعن أبى صالح، عن ابن عباس ـ وعن مرة الهمذانى، عن ابن مسعود ـ وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : " ولا الضالين "، هم النصارى. ٢١٨ ـ حدثنى أحمد بن حازم الغفارى، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن أبى جعفر، عن ربيع: " ولا الضالين "، النصارى.
следующие страницы →