← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1507

مع الاثنى عشرية في الأصول والفروع

علي السالوس

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فالإمامية الرافضة كلهم يدخلون الجنة ولا يدخل النار منهم أحد (١) ، وهم وحدهم دون غيرهم المغفور لهم (٢) وغير الجعفرى كافر (٣) ولا توبة بغير الولاية (٤) والناصب شر ممن ينتهك المحارم كلها (٥) لا يبالى صلى أم زنى (٦) وأبو حنيفة ناصب (٧) . وحضور مساجد غير الجعفرية الاثنى عشرية والمشى إليها كفر بالله العظيم إلا من مشى إليها وهو عارف بضلالهم (٨) . ويروى الكلينى عن الإمام الكاظم: " إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم فما كان لهم من ذنب بينهم وبين الله حتمنا على الله في تركه لنا فأجبنا إلى ذلك، وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه منهم، وأجابوا إلى ذلك، وعوضهم الله " (٩) ويروى عن أبى جعفر بأن على بن أبى طالب ينزل أهل الجنة منازلهم ويزوجهم، ويدخل أهل النار النار، وأبواب الجنة والنار إليه (١٠) .

стр. 772

وبمثل هاتين الروايتين يريد الكلينى أن يؤكد ما ذهب إليه من حديثه عن الجعفرية ومخالفيهم. والكلينى الذى سلك مسلك شيخه القمى فى محاولة التشكيك فى كتاب الله تعالى، والطعن فى الصحابة الكرام، نراه هنا يعود مرة أخرى للطعن فى نقلة الشريعة، وحملة رسالة الإسلام بعد الرسول ﷺ ، وقد مر شىء منه فى الصفحات السابقة، ولكن المتصفح لروضة الكافى يجد الكثير من هذا الطعن، مثال هذا: ما رواه من أن المسلمين ارتدوا بعد الرسول ﷺ إلا ثلاثة هم: المقداد وأبو ذر وسلمان، وأنهم أصبحوا أهل جاهلية، وبمثابة من عبد العجل، وكل حاكم قبل القائم فهو طاغوت يعبد من دون الله (١) . وما رواه من أن الشيخين كافران منافقان سخرا من الرسول ﷺ واستهزءا به ورمياه بالجنون وأنهما صنما هذه الأمة (٢) . وما رواه كذلك هذا المفترى الضال الزنديق: من أن أبا بكر أضمر وهو فى الغار أن الرسول ﷺ ساحر، وأن أول عداوة بدت منه للرسول ﷺ فى على، وأول خلاف منه على رسول الله ﷺ كان بقبا فى الهجرة، وأول من بايعه إبليس حيث جاء على هيئة شيخ كبير (٣) . وإلى جانب ما سبق نرى الكلينى متأثراً بعقيدته الباطلة فى الإمامة عندما يأتى بروايات لها صلتها بالموضوعات التاريخية، فإلى جانب الحديث عن البيعة أو النص على الأئمة كما رأينا نرى موضوعات أخرى فمثلاً:

стр. 773

ذكرنا فى الجزء السابق شيئاً عن خرافة السفيانى (١) ونجد هنا ذكراً له فى عدد من الروايات (٢) . والشيعة الإمامية يسمون الرافضة لسبب تاريخى معروف (٣) ولكن الكلينى يروى أن الله تعالى سماهم بهذا الاسم (٤) . واسم الجعفرية نسبة إلى الإمام جعفر، فنرى الكلينى هنا يرى أن الجنة فيها نهر يقال له جعفر على شاطئه الأيمن درة بيضاء فيها ألف قصر، فى كل قصر ألف قصر لمحمد وآل محمد ﷺ (٥) . وهكذا نرى روضة الكافى لا تكاد تقل عن أصوله تأثراً بعقيدة الإمامة. وبعد هذا العرض لأصول الكافى وروضته نستطيع أن نقول: ١ ـ إن الكلينى اتخذ من السنة بمفهومها عنده وسيلة لإثبات عقيدته فى الإمامة ورأيه فى الأئمة وما يتصفون به. ووسيلة كذلك لبيان بطلان ما ذهب إليه غير الجعفرية الذين لم يأخذوا بعقيدته فى الإمامة، وأنهم مهما تعبدوا فهم فى النار، فعبادتهم غير مقبولة فى زعم الكلينى، على حين أن الجعفرية جميعاً بغير استثناء سيدخلون الجنة ولا تمسهم النار مهما ارتكبوا من الموبقات والآثام، ومهما كان خطؤهم فى حق الله تعالى أو فى حق عباده.

стр. 774

والكلينى من أجل هذا كله نراه يفترى آلاف الروايات وينسبها للرسول ﷺ ولآل بيته الأطهار. وفى بحثنا للإمامة فى الجزء الأول عندما وصلنا إلى دلالة السنة اعتمدنا على ثمانية كتب لم نضم إليها كتاب الكافى، وأظننى الآن لست فى حاجة لتأييد وجهة نظرى. ٢ ـ والكلينى اتخذ من السنة كذلك وسيلة لتحريف كتاب الله تعالى نصاً ومعنى، وقد نهج هنا منهج شيخه على بن إبراهيم القمى، صاحب التفسير الضال المضل الذى تحدثنا عنه فى الجزء السابق، ونهج منهجه كذلك فى الطعن فى الصحابة الكرام: نقلة الشريعة وحملة رسالة الإسلام بعد الرسول ﷺ . وخص بمزيد من الطعن الذين تولوا الخلافة الراشدة قبل الخليفة الرابع الإمام على رضى الله تعالى عنهم أجمعين وأرضاهم. ٣ ـ والكلينى أقدم على ما لا يقل خطورة وضلالاً عن القول بتحريف القرآن الكريم ونقصه حيث افترى على الله الكذب فزعم أنه جل شأنه أنزل كتباً من السماء بخط إلهى تؤيد فرقته الجعفرية. ٤ ـ والكلينى يضمن كتابه بعض الأحداث التاريخية، ويذكرها بحسب هواه، ويفسرها بما يشتهى، وبما يشبع غيه وضلاله. رابعاً ـ فروع الكافى وبقية الكتب قلنا إن الفروع من الكافى تشتمل على الروايات المتصلة بالأحكام الفقهية وهى بهذا تلتقى مع كتاب الصدوق " فقيه من لا يحضره الفقيه " وكتابى الطوسى " التهذيب والاستبصار ". وبعد أن انتهينا من الحديث عن أثر عقيدة الإمامة فى أصول الكافى وروضته لسنا فى حاجة إلى التوسع فى بيان أثر الإمامة فى الفروع والكتب الثلاثة ما دامت هذه كلها متعلقة بالفقه، فالفقه خصصناه بالجزء الرابع، والآراء التى تأثرت

стр. 775

بالإمامة تعتمد بصفة عامة على ما جاء فى هذه الكتب. إذن يمكن القول بأن أثر الإمامة فى الفقه يبين إلى حد كبير أثر الإمامة فى فروع الكافى والكتب الثلاثة الأخرى. ولنأخذ مثلاً أثر الإمامة فى " كتاب الحج " كما نراه فى الفقه وفى كتب الحديث الأربعة عند الجعفرية. فأما الفقه فنجد أنهم يرون أن غير الجعفرى الإمامى إذا حج ثم صار جعفرياً فيستحب أن يعيد الحج. ولا يصح للجعفرى أن ينوب فى الحج عن غير الجعفرى إلا إذا كان أباه، وفى الزيارة يستحب استحباباً مؤكداً زيارة الأئمة، وفى الدعاء يستحب أن يكون بالأدعية المأثورة، إلى غير ذلك مما سيظهر من دراستنا للحج فى الجزء اللاحق. وننظر إلى ما كتبه المحمدون الثلاثة ـ أصحاب الكتب الأربعة فى كتاب الحج من كتبهم فنراهم يذكرون ما يدل على هذه الأحكام: فيروى الثلاثة عن الإمام الصادق: عن رجل حج ولا يدرى، ولا يعرف هذا الأمر ثم من الله عليه بمعرفته والدينونة به أعليه حجة الإسلام؟ فقال: قد قضى فريضة الله عزوجل والحج أحب إلي (١) . وفى " باب الحج عن المخالف " (٢) يروى الكلينى عن وهب قال: قلت لأبى عبد الله: " أيحج الرجل عن الناصب؟ فقال: لا، فقلت: فإن كان أبى؟ قال: فإن كان أباك فنعم ". ويروى أن الإمام الهادى كتب " لا يحج عن الناصب ولا يحج به ".

стр. 776

وفى فضل الزيارة وثوابها يروى الكلينى والقمى أن الرسول ﷺ قال للحسن: يا بنى من زارنى حياً أو ميتاً، أو زار أباك أو زار أخاك أو زارك كان حقاً علي أن أزوره يوم القيامة فأخلصه من ذنوبه (١) . ويرويان عن أبى جعفر أنه قال: " من تمام الحج لقاء الإمام " (٢) . ويروى الكلينى والطوسى عن يونس بن أبى وهب قال: " دخلت المدينة فأتيت أبا عبد الله فقلت: جعلت فداك، أتيتك ولم أزر أمير المؤمنين؟ قال: بئس ما صنعت، لولا أنك من شيعتنا ما نظرت إليك، ألا تزور من يزوره الله مع الملائكة، ويزوره الأنبياء ويزوره المؤمنون " (٣) . ويروى القمى والطوسى عن الإمام الصادق قال: " إن الله ﵎ يبدأ إلى زوار قبر الحسين بن على بن أبى طالب عشية عرفة، قيل له: قبل نظره إلى أهل الموقف؟ قال نعم، قيل وكيف ذلك؟ قال: لأن فى أولئك أولاد زنى وليس فى هؤلاء أولاد زنى " (٤) . ويروى القمى عن البيزنطى قال: قرأت كتاب أبى الحسن الرضا: أبلغ شيعتى أن زيارتى تعدل عند الله تعالى ألف حجة. قال: قلت لأبى جعفر ـ يعنى ابنه ـ ألف حجة؟ قال: إى والله وألف ألف حجة لمن زاره عارفاً بحقه (٥) . ويروى الثلاثة عن الإمام الصادق: يا سدير تزور قبر الحسين فى كل يوم؟ قلت: جعلت فداك لا. قال: فما أجفاكم! قال: فتزورونه فى كل جمعة؟ قلت: لا قال: فتزورونه فى كل شهر؟ قلت لا: قال فتزورونه فى كل سنة: قلت قد يكون ذلك. قال: يا سدير ما أجفاكم للحسين! أما علمت أن لله عزوجل ألفى ألف

стр. 777

ملك شعث غبر يبكون ويزورونه لا يفترون؟ وما عليك يا سدير أن تزور قبر الحسين فى كل جمعة خمس مرات وفى كل يوم مرة؟ قلت: جعلت فداك إن بيننا وبينه فراسخ كثيرة. فقال لى: اصعد فوق سطحك ثم تلتفت يمنة ويسرة ثم ترفع رأسك إلى السماء ثم تنحو نحو القبر وتقول: السلام عليك يا أبا عبد الله السلام عليك ورحمة الله وبركاته. تكتب لك زورة، والزورة حجة وعمرة (١) . وروى الكلينى عن بشير الدهان قال: قلت لأبى عبد الله: " ربما فاتنى الحج فأعرف (٢) عند قبر الحسين فقال: أحسنت يا بشير، أيما مؤمن أتى قبر الحسين عارفاً بحقه فى غير يوم عيد كتب الله له عشرين حجة وعشرين عمرة مبرورات مقبولات، وعشرين حجة وعمرة مع نبى مرسل أو إمام عدل، ومن أتاه فى يوم عيد كتب الله مائة حجة ومائة عمرة ومائة غزوة مع نبى مرسل أو إمام عدل. (٣) قال: قلت له: كيف لى بمثل الموقف؟ قال: فنظر إلى شبه المغضب ثم قال لى: يا بشير إن المؤمن إذا أتى قبر الحسين يوم عرفة واغتسل من الفرات ثم توجه إليه كتب الله له بكل خطوة حجة بمناسكها، ولا أعلمه إلا قال: وغزوة (٤) . وذكر الكلينى بعد هذا عشر روايات لم يقل فضل زيارة قبر الحسين فى إحداها عن عشرين حجة، وفى أكثر من رواية قال: من أتى قبر أبى عبد الله عارفاً بحقه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (٥) .

стр. 778

وبالنسبة للأدعية المأثورة روى الثلاثة فيما يقال عند زيارة قبر أمير المؤمنين: السلام عليك يا ولى الله، أنت أول مظلوم، وأول من غصب حقه.. جئتك عارفاً بحقك، مستبصراً بشأنك معادياً لأعدائك ومن ظلمك.. لعن الله من خالفك، ولعن الله من افترى عليك وظلمك، ولعن الله من غصبك، ولعن الله من بلغه بذلك فرضى به، أنا إلى الله منهم برىء. لعن الله أمة خالفتك وأمة جحدتك وجحدت ولايتك، وأمة تظاهرت عليك، وأمة قتلتك، وأمة حادت عنك وخذلتك. الحمد لله الذى جعل النار مثواهم وبئس الورد المورود، وبئس ورد الواردين، وبئس الدرك المدرك. اللهم ألعن قتلة أنبيائك، وقتلة أوصياء أنبيائك بجميع لعناتك، وأصلهم حر نارك، اللهم العن الجوابيت والطواغيت والفراعنة واللات والعزى والجبت وكل ند يدعى من دون الله، وكل مفتر. اللهم العنهم وأشياعهم وأتباعهم وأولياءهم وأعوانهم ومحبيهم لعناً كثيراً. أشهد أنك جنب الله، وأنك باب الله، وأنك وجه الله الذى يؤتى منه، وأنك سبيل الله. أشهد أن من قاتلكم وحاربكم مشركون، ومن رد عليكم فى أسفل درك من الجحيم (١) . ومما رواه القمى عند زيارة قبر الحسين: " بكم تنبت الأرض أشجارها وبكم تخرج الأشجار أثمارها، وبكم تنزل السماء قطرها، وبكم يكشف الله الكرب، وبكم ينزل الله الغيث، وبكم تسبح الأرض التى تحمل أبدانكم. لعنت أمة قتلتكم، وأمة خالفتكم، وأمة جحدت ولايتكم، وأمة ظاهرت عليكم، وأمة شهدت ولم تنصركم، الحمد لله الذى جعل النار مأواهم وبئس الورد المورود " (٢) .

стр. 779

هذه بعض روايات كتاب الحج التى بدا فيها أثر الغلو فى عقيدة الإمامة. وكان لهذه الروايات صداها فى الفقه الجعفرى، ولكن نجد روايات أخرى يبدو فيها هذا الأثر، أثر الغلو فى العقيدة، ولا أثر لها فى الفقه. مثال هذا ما رواه الكلينى عن الحارث عن أبى جعفر قال: " كنت دخلت مع أبى الكعبة، فصلى على الرخامة الحمراء بين العمودين فقال: بهذا الموضع تعاقد القوم إن مات رسول الله ﷺ أو قتل ألا يردوا هذا الأمر فى أحد من أهل بيته أبدا. قال: قلت: ومن كان؟ قال: كان الأول والثانى وأبو عبيدة بن الجراح وسالم بن الحبيبة (١) . وما رواه أيضاً عن حسان الجمال قال: حملت أبا عبد الله من المدينة إلى مكة، فلما انتهينا إلى مسجد الغدير نظر إلى ميسرة المسجد فقال: ذلك موضع قدم رسول الله ﷺ حيث قال: من كنت مولاه فعلى مولاه. ثم نظر إلى الجانب الآخر فقال: ذلك موضع فسطاط أبى فلان وفلان وسالم مولى أبى حذيفة وأبى عبيدة الجراح. فلما رأوه رافعاً يديه قال بعضهم: انظروا إلى عينيه تدور كأنهما عينا مجنون، فنزل جبرئيل بهذه الآية: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٢) . وبعد: فهذه الأمثلة القليلة توضح الاتجاه العام لتأليف هذه الكتب تأثراً بعقيدة الإمامة؛ وما يقال عن أثر الإمامة فى الفقه الجعفرى أقل مما يقال عن

стр. 780

أثرها فى هذه الكتب الأربعة، ففى الكتب مزيد من التأثر بالغلو فى عقيدة الإمامة، ومزيد من الكفر والضلال والزندقة. وإذا كان هؤلاء أعداء الإسلام الذين أرادوا هدمه من الداخل كما يتضح بجلاء من كتبهم وآرائهم ومعتقداتهم فمن الواضح البين أنهم اتخذوا شعار حب آل البيت الأطهار ستاراً لهدفهم وعدائهم، ومن اللازم الذى لا ينفك أبداً أن عداءهم للإسلام وأهله يستتبع عداءهم لآل البيت الأطهار، وهذا العداء يظهر من وقت لآخر من حيث أرادوا كتمانه: انظر مثلاً إلى زواج عمر بن الخطاب ابنة على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنهم، وما سبق من قولهم " ذاك فرج غصبناه "، وقولهم بأن علياً وافق خوفاً من تهديد عمر! إن أمة الإسلام تعرف علياً الشجاع المقدام الذى لا يخشى أحداً إلا الله عزوجل، والرافضة يصورونه هنا جباناً ذليلاً مهاناً!! وانظر إلى عثمان بن عفان ذى النورين، وهو من آل البيت، وزواجه من ابنتى الرسول ﷺ ، فلم يراع الرافضة مكانتهما من أبيهما ﷺ ، وأخذوا يتحدثون عنهما بعبارات ساقطة، بل شكوا فى نسبهما كما بينا فى الجزء الأول. ثم انظر إلى حب آل البيت الأطهار للخلفاء الراشدين الثلاثة رضى الله تعالى عنهم: فهذا على بن أبى طالب يختار أسماء الثلاثة لثلاثة من أبنائه، وهم أبو بكر الذى قتل بين يدى أخيه الحسين، وعمر، وعثمان الذى قتل أيضاً مع أخيه الحسين. ومن أحفاد على بن أبى طالب: أبو بكر بن الحسن الذى قتل بين يدى عمه الحسين، وعمر بن الحسن الذى قتل كذلك مع أخيه وعمه الحسين. وعمر بن الحسين الذى قتل بين يدى أبيه.

стр. 781

(انظر معجم رجال الحديث للخوئى، ففيه ترجمة هؤلاء جميعاً) . أفترى رافضة الأمس أو اليوم يسمون أحد أسماء هؤلاء الثلاثة؟ أم أنهم ـ لعنهم الله تعالى ـ لا يذكرون أى اسم من الأسماء الثلاثة إلا مع اللعن والتكفير؟! كسر الصنم أو تحطيم الصنم العالم الشيعى المعروف آية الله العظمى البرقعى هاله موقف إخوانه الشيعة من كتاب الكافى، على الرغم مما فيه. وقد بينت أنه قائم على هدم الإسلام كله، بكتابه الكريم، وسنته المشرفة المطهرة، وحماته الصحابة الكرام البررة، متخذاً منهج ابن سبأ اللعين. فآية الله العظمى البرقعى هاله تقديس إخوانه الشيعة لهذا الكتاب، فألف كتاباً كبيراً أسماه: كسر الصنم، أو تحطيم الصنم والمقصود بالصنم هنا كتاب الكافى، ولقد أحسن كثيراً فى اختيار العنوان؛ فالرافضة بالنسبة لهذا الكتاب كعبدة الأصنام بالنسبة للصنم، فكما حطمت الأصنام يجب أن يحطم هذا الكتاب الصنم! (١)

стр. 782

فلعل الشيعة يثوبون إلى رشدهم، ويتنبهون إلى هذا الخطر بعد أن نبههم عالم من أكبر علمائهم، نسأل الله جلت قدرته أن يتوب عليهم ليتوبوا.

стр. 783

ملحق الجزء الثالث: السنة بيان الله تعالى على لسان رسوله ﷺ - بحث نشر في مجلة السيرة والسنة بجامعة قطر

стр. 784

تقديم الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. والحمد لله الذى لا يؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة منه، توجب على مؤدى ماضى نعمه بأدائها: نعمة حادثة يجب عليه شكره بها. ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته. الذى هوكما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه. أحمده حمداً كما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله. وأستعينه استعانة من لا حول ولا قوة إلا به. وأستهديه بهداه الذى لا يضل من أنعم به عليه. وأستغفره لما أزلفت وأخرت، استغفار من يقر بعبوديته، ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله (١) . أما بعد: فقد نزل القرآن الكريم مفرقاً فى ثلاث وعشرين سنة، قال تعالى فى سورة الإسراء: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾ (٢) .

стр. 785

والرسول ﷺ . عندما يقرأ القرآن الكريم على الناس فإنما يقرأ، ويبين مراد الله تعالى. وكان منهج الصحابة. رضى الله تعالى عنهم ـ كما قال ابن مسعود: " كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نعلم ما بهن، ونعمل بهن، فتعلمنا العلم والعمل جميعاً. " وكانوا يأخذون عن الرسول ﷺ ما يخفى عليهم من هذا العلم. وفى العهد المكى الذى نزلت فيه سورة الإسراء، نزل قوله تعالى فى الآية التاسعة والثمانين من سورة النحل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ . وفى الآية الرابعة والأربعين من سورة النحل أيضاً نزل قوله : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ . فما البيان الذى جاء به القرآن الكريم؟ وما بيان الرسول ﷺ ؟ وما العلاقة بين البيانين؟

стр. 786

بيان الكتاب والسنة أولاً: من القرآن الكريم ما جاء البيان نصاً لا يحتاج إلى بيان آخر: كقوله ﵎: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) . فحرف الواو كما يأتى للجمع قد يأتى للإباحة، فيحتمل أن يكون المتمتع مخيراً بين صيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع، فمنع هذا الاحتمال بمزيد البيان ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ . ومثل هذه الآية الكريمة ما يعرف فى أصول الفقه: بالمحكم، أو المفسر. إذا كان التفسير من القرآن الكريم نفسه، وهو كثير. وما كان قطعى الدلالة لا يحتمل التأويل، وهو أكثر. ثانياً: فى الآية الكريمة السابقة ذكر العمرة والحج، ولكن كيف نؤديهما؟ فى قوله : ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ بيان أن الصلاة مفروضة، وأن الزكاة مفروضة ولكن ما عدد الصلوات المفروضة؟ وكيف تؤدى؟ وما مواقيتها؟ إلى غير ذلك مما يتعلق بالصلاة، وكذلك ما يتعلق بالزكاة.

стр. 787

كل هذا بينه الله على لسان نبيه ﷺ ، فأنزل الله عزوجل ـ الذكر بإحكام الفرض، وترك للرسول ﷺ بيان ما أنزل. وهذا أمر واضح جلى لا يحتاج إلى وقفة؛ فلا يستطيع أحد أن ينكره. ومثل هذا بيان ما كان ظنى الدلالة، محتملاً للتأويل، كمطلق يقيد، وعام يخصص، إلى غير ذلك مما هو معلوم مشهور. ثالثاً: جاءت السنة المطهرة بما ليس فيه نص من كتاب الله ﵎، وبيان الرسول ﷺ إنما هو عن الله تعالى؛ فقد بين القرآن الكريم وجوب طاعة الرسول ﷺ . " فكل من قَبِل عن الله فرائضه فى كتابه، قبل عن رسول الله سننه، بفرض الله طاعة رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه. ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل، لما افترض الله من طاعته. فيجمع القبولُ لما فى كتاب الله ولسنة رسول الله، القبولَ لكل واحد منهما عن الله، وإن تفرقت فروع الأسباب التى قبل بها عنهما " (١) . والآيات الكريمة التى تبين وجوب طاعة الرسول ﷺ ، وأنها من طاعة الله عزوجل، وتحذر من مخالفة أمر الرسول ﷺ ، هذه الآيات كثيرة، نكتفى هنا بذكر بعضها. القرآن الكريم يأمر بطاعة الرسول ﷺ ويحذر من معصيته قال الله : ﴿ ... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ . (٧: الحشر) .

стр. 788

وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ (٥٩ النساء) . وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (٣٦: ... الأحزاب) . وقال: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ (٨٠: النساء) . وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (١٠: الفتح) . وقال: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (٦٥: النساء) . وقال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ ... أَلِيمٌ﴾ (٦٣: النور) .

стр. 789

وقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٥١ ـ ٥٢: النور) فهذه الآيات الكريمة فرضت طاعة الرسول ﷺ مقرونة بطاعة الله عزوجل، ومذكورة وحدها، وحذرت من يعصى أمر رسول الله، وحكمت عليه بالضلال المبين، وبعدم الإيمان، فطاعة الرسول الكريم طاعة الله ﵎. إذن بيان لسنة من بيان كتاب الله العزيز. السنة وحى ولا يكون مثل هذا للرسول ﷺ إلا إذا كان معصوماً لا ينطق عن الهوى، وهو ما بينه القرآن الكريم حيث قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣، ٤: النجم) . وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾ (٥٢، ٥٣: الشورى) . وفى آيتين كريمتين: إحداهما تخاطب الرسول ﷺ ، والأخرى تخاطب المؤمنين، جاء البيان بأن الله أنزل الكتاب والحكمة، وسيأتى فى كلام للإمام الشافعى إثبات أن الحكمة هى السنة. والآيتان هما قوله تعالى:] وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (١١٣: النساء) .

стр. 790

وقوله عزوجل: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ... ﴾ (٢٣١: البقرة) . وإذا كان القرآن الكريم وحياً منزلاً أمرنا باتباعه، والتعبد به وتلاوته، فإن السنة المطهرة من الوحى المنزل الذى أمرنا باتباعه دون التعبد والتلاوة. وروى عن الرسول ﷺ ما يبين وجوب طاعته، ويحذر من معصيته. فقد روى أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجه والحاكم أن الرسول ﷺ قال: " لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمرى، مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدرى، ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه ". وفى رواية لهم أيضاً: " يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته، يحدث بحديثى، فيقول: بينى وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله " (١) . وفى خطبته الشريفة فى حجة الوداع حث على التمسك بالكتاب والسنة حيث قال: " وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، أمراً بيناً، كتاب الله وسنة نبيه " (٢) .

стр. 791

وروى أبو داود فى مراسيله عن حسان بن عطية قال: " كان جبريل ﵇ ينزل على رسول الله ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن " (١) . وروى الدارمى عن محمد بن كثير، عن الأوزاعى، عن حسان قال: " كان جبريل ينزل على النبى ﷺ بالسنة كما ينزل عليه القرآن " (٢) ورواه الخطيب البغدادى فى الكفاية (ص ١٢) بسنده عن حسان بن عطية أيضاً. اعتصام السلف بالسنة كان السلف الصالح متمسكاً بسنة الرسول ﷺ تمسكهم بالقرآن الكريم، فالكل وحى واجب الاتباع. ففى صحيح البخارى نجد " كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة " ومما جاء فى هذا الكتاب: " وكانت الأئمة بعد النبى ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم فى الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره، اقتداء بالنبى ﷺ ".

стр. 792

ويوضح ما سبق ما رواه الإمام الدارمى فى باب التورع من الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة. من هذه الروايات أن أبا بكر الصديق ـ رضى الله تعالى عنه ـ كان إذا ورد عليه الخصم نظر فى كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضى بينهم قضى به، وإن لم يكن فى الكتاب وعلم من رسول الله فى ذلك الأمر سنة قضى به، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتانى كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فى ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذى جعل فينا من يحفظ عن نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله جمع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به. وموقف الصديق من ميراث الجدة معلوم مشهور، حيث توقف " لا أجد لك فى كتاب الله شيئاً " إلى أن بلغه حكم رسول الله ﷺ ، فأعطاها السدس. ومن روايات سنن الدارمى أيضاً أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، كتب إلى شريح " إذا جاءك شىء فى كتاب الله فاقض به ولا يلتفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس فى كتاب الله فانظر سنة رسول الله فاقض بها، فإن جاءك ما ليس فى كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به ". ومنها أن ابن عمر لقى جابر بن زيد فقال له: " يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة، فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت ". ومنها أن عبد الله بن مسعود قال: " أتى علينا زمان لسنا نقضى ولسنا هنالك، وإن الله قد قدر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون، فمن عرض له قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما فى كتاب الله ، فإن جاءه ما ليس فى كتاب الله فليقض بما قضى به رسول الله، فإن جاءه ما ليس فى كتاب الله ولم يقض به رسول الله فليقض بما قضى به الصالحون ".

стр. 793

ومما يبين ما جاء فى كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيح البخارى ما رواه هو ومسلم وأحمد وغيرهم، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: أذكر الله امرأ سمع النبى ﷺ فى الجنين شيئاً؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين جارتين لى، يعنى ضرتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنيناً ميتاً، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرة، فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره. وقال غيره: إن كدنا أن نقضى فى مثل هذا برأينا. وروى الإمام الشافعى بسنده عن سعيد بن المسيب: " أن عمر بن الخطاب قضى فى الإبهام بخمس عشرة، وفى التى تليها بعشر، وفى الوسطى بعشر، وفى التى تلى الخنصر بتسع، وفى الخنصر بست ". ثم قال الشافعى: لما كان معروفاً ـ والله أعلم ـ عند عمر أن النبى قضى فى اليد بخمسين، وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع، نزلها منازلها، فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف، فهذا قياس على الخبر. فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم، فيه: أن رسول الله قال: " وفى كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل "، صاروا إليه ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم ـ والله أعلم ـ حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله. وفى الحديث دلالتان: أحدهما: قبول الخبر والآخر: أن يقبل الخبر فى الوقت الذى يثبت فيه، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر الذى قبلوا. ودلالة على أنه لو مضى أيضاً عمل من أحد من الأئمة، ثم وجد خبر عن النبى ﷺ يخالف عمله، لترك عمله لخبر رسول الله. ودلالة على أن حديث رسول الله يثبت بنفسه، لا بعمل غيره بعده.

стр. 794

ولم يقل المسلمون قد عمل فينا عمر بخلاف هذا بين المهاجرين والأنصار، ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافه ولا غيركم، بل صاروا إلى ما وجب عليهم من قبول الخبر عن رسول الله، وترك كل عمل خالفه. ولو بلغ عمر هذا صار إليه، إن شاء الله، كما صار إلى غيره فيما بلغه عن رسول الله، بتقواه لله، وتأديته الواجب عليه فى اتباع أمر رسول الله، وعلمه، وبأن ليس لأحد مع رسول الله أمر، وأن طاعة الله فى اتباع أمر رسول الله. ثم أيد الإمام الشافعى قوله السابق، فروى بسنده أن عمر بن الخطاب كان يقول: " الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا "، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه: " أن يورث امرأة أشيم الضبابى من ديته، فرجع إليه عمر " (١) . ولمكانة السنة عند الصحابة الكرام، وجدنا منهم من يرحل لطلب حديث واحد. روى البخارى فى الأدب المفرد بسنده عن ابن عقيل، " أن جابر بن عبد الله حدثه، أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبى ﷺ . فابتعت بعيراً، فشددت إليه رحلى شهراً، حتى قدمت الشام. فإذا عبد الله بن أنيس، فبعثت إليه أن جابراً بالباب. فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم. فخرج فاعتنقنى. قلت: حديث بلغنى لم أسمعه، خشيت أن أموت أو تموت ... إلخ " (٢) . وروى الحميدى فى مسنده (١ / ١٨٩) ، وبسنده عن عطاء بن أبى رباح قال: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر، وهو بمصر، يسأله عن حديث سمعه

стр. 795

من رسول الله ﷺ ، لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيره وغير عقبة، فلما قدم أتى منزل مسلمة بن مخلد الأنصارى، وهو أمير مصر، فأخبر به، فجعل فخرج إليه فعانقه، ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ ، لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيرى وغير عقبة، فابعث من يدلنى على منزله. قال: فبعث معه من يدله على منزل عقبة، فأخبر عقبة به فعجل فخرج إليه فعانقه، وقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ ، لم يبق أحد سمعه غيرى وغيرك فى ستر المؤمن. قال عقبة: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من ستر مؤمناً فى الدنيا على خزية ستره الله يوم القيامة ". فقال له أبو أيوب: صدقت. ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعاً إلى المدينة، فما أدركته جايزة مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر. هذان مثلان، فيهما من الدلالة ما يكفى ويغنى، والرحلة فى طلب الحديث معلومة مشهورة. حوار الإمام الشافعى لفرقة ضلت إذن كان السلف الصالح متمسكاً بسنة رسول الله ﷺ ، تمسكهم بكتاب الله العزيز، غير أن فرقة شذت فى عصر الإمام الشافعى، فردت سنة رسول الله ﷺ ، ورأت أنها لا تقدم مع الكتاب الذى أنزله الله تبياناً لكل شىء. وأشار الإمام الشافعى إلى هذه الفرقة، وذكر حواره مع واحد منها فى كتاب جماع العلم، فى الجزء السابع من كتابه الأم (ص ٢٥٠) . وقد بدأ الإمام كتاب جماع العلم بقوله: لم أسمع أحداً نسبه الناس، أونسب نفسه إلى علم، يخالف فى أن فرض الله اتباع أمر رسول الله ﷺ ، والتسليم لحكمه، بأن الله لم يجعل لمن

стр. 796

بعده إلا اتباعه. وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله تعالى علينا، وعلى من بعدنا وقبلنا، فى قبول الخبر عن رسول الله ﷺ واحد لا يختلف فى أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله ﷺ ، إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى. ثم قال ﵀ وجزاه خيراً: باب حكاية قول الطائفة التى ردت الأخبار كلها قال الشافعى رحمه الله تعالى: قال لى قائل ينسب إلى العلم بمذهب أصحابه: أنت عربى، والقرآن نزل بلسان من أنت منه، وأنت أدرى بحفظه، وفيه لله فرائض أنزلها، لو شك شاك ـ قد تلبس عليه القرآن بحرف منها ـ استتبته، فإن تاب وإلا قتلته. وقد قال الله فى القرآن: ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ . فكيف جاز عند نفسك، أو لأحد فى شىء فرض الله ـ أن يقول مرة: الفرض فيه عام، ومرة: الفرض فيه خاص، ومرة: الأمر فيه فرض، ومرة: الأمر فيه دلالة، وإن شاء: ذو إباحة؟ وأكثر ما فرقت بينه من هذا عندك حديث ترويه عن رجل عن آخر عن آخر، أو حديثان أو ثلاثة، حتى تبلغ به رسول الله ﷺ . وقد وجدتك ومن ذهب مذهبك لا تبرءون أحداً لقيتموه وقدمتموه فى الصدق والحفظ، ولا أحداً لقيت ممن لقيتم ـ: من أن يغلط وينسى ويخطئ فى حديثه. بل وجدتكم تقولون بغير واحد منهم: أخطأ فلان فى حديث كذا، وفلان فى حديث كذا. ووجدتكم تقولون، لو قال رجل لحديث أحللتم به وحرمتم من علم الخاصة: لم يقل هذا رسول الله ﷺ ، إنما أخطأتم أو من حدثكم، وكذبتم أو من حدثكم ـ: لم تستتيبوه، ولم تزيدوا: على أن تقولوا: بئس ما قلت.

стр. 797

أفيجوز أن يفرق بين شىء من أحكام القرآن، وظاهره واحد عند من سمعه ـ: يخبر من هو كما وصفتم فيه؟ وتقيمون أخبارهم مقام كتاب الله، وإنكم تعطون بها وتمنعون بها؟ قال: فقلت: إنما نعطى من وجه الإحاطه، أو من جهة الخبر الصادق، وجهة القياس. وأسبابها عندنا مختلفة، وإن أعطينا بها كلها فبعضها أثبت من بعض. قال: ومثل ماذا؟ قلت: إعطائى من الرجل بإقراره، وبالبينه، وإبائه اليمين وحلف صاحبه. والإقرار أقوى من البينة، والبينة أقوى من إباء اليمين ويمين صاحبه. ونحن وإن أعطينا عطاء بها واحداً فأسبابها مختلفة. قال: وإذا قمتم على أن تقبلوا أخبارهم، وفيهم ما ذكرت من أمركم بقبول أخبارهم، وما حجتكم فيه على من ردها؟ فقال: لا أقبل منها شيئاً إذا كان يمكن فيه الوهم، ولا أقبل إلا ما أشهد به على الله، كما أشهد بكتابه، الذى لا يسع أحداً الشك فى حرف منه. أو يجوز أن يقوم شئ مقام الإحاطة وليس بها؟ فقلت له: من علم اللسان الذى به كتاب الله وأحكام الله، دله علمه بهما على قبول أخبار الصادقين عن رسول الله ﷺ ، والفرق بين ما دل رسول الله ﷺ على الفرق بينه من أحكام الله. وعلم بذلك مكان رسول الله ﷺ . إذ كنت لم تشاهده خبر الخاصة وخبر العامة. قال: نعم. قلت: فقد رددتها إذ كنت تدين بما تقول! قال: أفتوجدنى مثل هذا، مما تقوم بذلك الحجة فى قبول الخبر؟ فإن أوجدته كانت أزيد فى إيضاح حجتك، وأثبت للحجة على من خالفك، وأطيب لنفس من رجع من قوله لقولك. ـ

стр. 798

فقلت: إن سلكت سبيل النصفة، كان فى بعض ما قلت دليل على أنك مقيم من قولك على ما يجب عليك الانتقال عنه. وأنت تعلم أن قد طالت غفلتك فيه عما لا ينبغى أن تغفل من أمر دينك. قال: فاذكر شيئاً إن حضرك؟ قلت: قال الله عزوجل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ . قال: فقد علمنا أن الكتاب كتاب الله، فما الحكمة؟ قلت: سنة رسول الله ﷺ . قال: أفيحتمل أن يكون يعلمهم الكتاب جملة، والحكمة خاصة، وهى أحكامه؟ قلت: تعنى بأن يبين لهم عن الله عزوعلا مثل ما بين لهم فى جملة الفرائض، من الصلاة والزكاة والحج وغيرها، فيكون قد أحكم فرائض من فرائضه بكتابه، وبين كيف هى لسان نبيه ﷺ . قال: إنه ليحتمل ذلك. قلت: فإن ذهبت هذا المذهب فهى فى معنى الأول قبله، الذى لا تصل إليه إلا بخبر عن رسول الله ﷺ . قال: فإن ذهبت مذهب تكرير الكلام؟ قلت: وأيهم أولى به إذا ذكر الكتاب والحكمة: أن يكونا شيئين أو شيئاً واحداً؟ قال: يحتمل أن يكونا كما وصفت، كتاباً وسنة، فيكونا شيئين، ويحتمل أن يكونا شيئاً واحداً.

стр. 799

قلت: فأظهرهما أولاهما فى القرآن دلالة على ما قلنا، وخلاف ما ذهبت إليه. قال: وأين هى؟ قلت: قول الله عزوجل: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ فأخبر أنه يتلى فى بيوتهن شيئان. قال: فهذا القرآن يتلى، فكيف تتلى الحكمة؟ قلت: إنما معنى التلاوة أن ينطق بالقرآن والسنة، كما ينطق بها. قال: فهذه أبين فى أن الحكمة غير القرآن من الأولى. وقلت: افترض الله علينا اتباع نبيه ﷺ . قال: وأين؟ قلت: قال الله عزوجل: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ . وقال عزوجل: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ . وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . قال: ما من شئ أولى بنا أن نقوله فى الحكمة: من أنها سنة رسول الله ﷺ ، ولو كان بعض ما قال أصحابنا: أن الله أمر بالتسليم بحكم رسول الله ﷺ ، وحكمته إنما هو مما أنزله ـ لكان من لم يسلم، له أن ينسب إلى التسليم لحكم رسول الله ﷺ .

стр. 800

قلت: لقد فرض الله عزوجل علينا اتباع أمره فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ . قال: إنه لبين فى التنزيل أن علينا فرضاً أن نأخذ الذى أمرنا به، وننتهى عما نهانا رسول الله ﷺ . قال: قلت: والفرض علينا وعلى من هو من قبلنا ومن بعدنا واحد؟ قال: نعم. قلت: فإن كان ذلك علينا فرضاً فى اتباع أمر رسول الله ﷺ : أنحيط أنه إذا فرض علينا شيئاً فقد دلنا على الأمر الذى يؤخذ به فرضه؟ قال: نعم. قلت: فهل تجد السبيل إلى تأدية فرض الله عزوجل فى اتباع أوامر رسول الله ﷺ ، أو أحد قبلك أو بعدك، ممن لم يشاهد رسول الله ﷺ إلا بالخبر عن رسول الله ﷺ ؟ وإن فى أن لا آخذ ذلك إلا بالخبر لما دلنى على أن الله أوجب على أن أقبل عن رسول الله ﷺ . ***** قال: وقلت له أيضاً: يلزمك هذا فى ناسخ القرآن ومنسوخه. قال: فاذكر منه شيئاً؟ قلت ـ قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ .

стр. 801

وقال فى الفرائض: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ . فزعمنا بالخبر عن رسول الله ﷺ أن آية الفرائض نسخت الوصية للوالدين والأقربين. فلو كنا ممن لا يقبل الخبر فقال قائل: الوصية نسخت الفرائض، هل نجد الحجة عليه إلا بخبر عن رسول الله ﷺ ؟ ! قال: هذا شبيه بالكتاب والحكمة، والحجة لك ثابتة بأن علينا قبول الخبر عن رسول الله ﷺ . وقد صرت إلى: قبول الخبر لزم للمسلمين، لما ذكرت وما فى مثل معانيه من كتاب الله. وليست تدخلنى أنفة من إظهار الانتقال عما كنت أرى إلى غيره، إذا بانت الحجة فيه، بل أتدين بأن على الرجوع عما كنت أرى إلى ما رأيت الحق. ولكن أرأيت العام فى القرآن، كيف جعلته عاماً مرة، وخاصاً أخرى؟ قلت له: لسان العرب واسع. وقد تنطق بالشىء عاماً تريد به الخاص فيبين فى لفظها. ولست أصير فى ذلك بخبر إلا بخبر لازم. وكذلك أنزل فى القرآن، فبين فى القرآن مرة، وفى السنة أخرى. قال: فاذكر منها شيئاً؟ قلت: قال الله عزوجل: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ . فكان مخرجاً بالقول عاماً يراد به العام. وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . فكل نفس مخلوقه من ذكر وأنثى فهذا عام يراد به العام.

стр. 802

وفيه الخصوص: وقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . فالتقوى وخلافها لا تكون إلا للبالغين غير المغلوبين على عقولهم. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ . وقد أحاط العلم أن كل الناس فى زمان رسول الله ﷺ لم يكونوا يدعون من دونه شيئاً، لأن فيهم المؤمن. ومخرج الكلام عاماً فإنما أريد من كان هكذا. وقال: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ دل على أن العادين فيه أهلها دونها. وذكرت له أشياء مما كتبت فى (كتابى) (١) . فقال: هو كما قلت كله. ولكن بين لى العام الذى لا يوجد فى كتاب الله أنه أريد به خاص؟ قلت فرض الله الصلاة. ألست تجدها على الناس عاماً؟ قال: بلى. قلت: وتجد الحيض مخرجات منه؟ قال: نعم. وقلت: وتجد الزكاة على الأموال عامة، وتجد بعض الأموال مخرجاً منها؟ قال: بلى.

стр. 803

قلت: وتجد الوصية للوالدين منسوخة بالفرائض؟ قال: نعم. قلت: وفرض المواريث للآباء وللأمهات والولد عاماً، ولم يورث المسلمون كافراً من مسلم، ولا عبداً من حر، ولا قاتلاً ممن قتل: بالسنة؟ قال: نعم. ونحن نقول ببعض هذا. قلت: فما دلك على هذا؟ قال: السنة. لأنه ليس فيه نص قرآن. قلت: فقد بان لك فى أحكام الله تعالى فى كتابه فرض الله طاعة رسوله، والموضع الذى وضعه الله به، من الإبانة عنه: ما أنزل خاصاً وناسخاً ومنسوخاً؟ قال: نعم. وما زلت أقول بخلاف هذا، حتى بان لى خطأ من ذهب هذا المذهب. ولقد ذهب فيه أناس مذهبين: أحد الفريقين لا يقبل خبراً، وفى كتاب الله البيان. قلت: فما لزمه؟ قال: أفضى به ذلك إلى عظيم من الأمر، فقال: من جاء بما يقع عليه اسم " صلاة " وأقل ما يقع عليه اسم " زكاة " فقد أدى ما عليه، لا وقت فى ذلك، ولو صلى ركعتين فى كل يوم، أو قال: فى كل أيام! وقال: ما لم يكن فيه كتاب الله فليس على أحد فيه فرض! وقال غيره: ما كان فيه قرآن يقبل فيه الخبر! فقال بقريب من قوله فيما ليس فيه قرآن. فدخل عليه ما دخل على أو قريب منه. ودخل عليه أن صار إلى قبول الخبر بعد رده. وصار إلى أن لا يعرف ناسخاً ولا منسوخاً، ولا خاصاً ولا عاماً. والخطأ ومذهب الضلال فى هذين المذهبين واضح، لست أقول بواحد منهما. ولكن هل من حجة فى أن تبيح المحرم بإحاطة بغير إحاطة؟ قلت: نعم.

стр. 804

قال: ما هو؟ قلت: ما تقول فى هذا، لرجل إلى جنبى، أمحرم الدم والمال؟ قال: نعم. قلت: فإن شهد عليه شاهدان بأنه قتل رجلاً وأخذ ماله، فهو هذا الذى فى يديه؟ قال: أقتله قوداً، وأدفع ماله الذى فى يديه إلى ورثة المشهود له. قال: قلت: أو يمكن فى الشاهدين أن يشهدا بالكذب والغلط؟ قال: نعم. قلت: فكيف أبحت الدم والمال، المحرمين بإحاطة ـ: بشاهدين، وليسا بإحاطة؟ قال: أمرت بقبول الشهادة. قلت: أفتجد فى كتاب الله تعالى نصاً أن تقبل الشهادة على القتل؟ قال: لا. ولكن استدلالاً أنى لا أؤمر بها إلا بمعنى. قلت: أفيحتمل ذلك المعنى أن يكون لحكم غير القتل، ما كان القتل يحتمل القود والدية؟ قال: فإن الحجة فى هذا: أن المسلمين إذا اجتمعوا أن القتل بشاهدين فقلنا: الكتاب محتمل لمعنى ما أجمعوا عليه، وأن لا تخطئ عامتهم معنى كتاب الله، وإن أخطأ بعضهم. فقلت له: أراك قد رجعت إلى قبول الخبر عن رسول الله ﷺ ، والإجماع دونه؟ ! قال: ذلك الواجب على. وقلت له: أتجدك إذا أبحت الدم والمال المحرمين بإحاطة ـ: بشهادة، وهى غير إحاطة؟ قال: كذلك أمرت.

стр. 805

قلت: فإن كنت أمرت بذلك على صدق الشاهدين فى الظاهر، فقبلتهما على الظاهر، ولا يعلم الغيب إلا الله، وإنا لنطلب فى المحدث أكثر مما نطلب فى الشاهد، فنجيز شهادة بشر لا نقبل حديث واحد منهم. ونجد الدلالة على صدق المحدث وغلطه ممن شركه من الحفاظ، وبالكتاب والسنة. ففى هذا دلالات. ولا يمكن هذا فى الشهادات. قال: فأقام على ما وصفت من التفريق فى رد الخبر، وقبول بعضه مرة ورد مثله أخرى، مع ما وصفت فى بيان الخطأ فيه، وما يلزمهم اختلاف أقاويلهم. وفيما وصفنا ههنا، وفى الكتاب قبل هذا ـ دليل على الحجة عليهم وعلى غيرهم. فقال لى: قد قبلت منك أن أقبل الخبر عن رسول الله ﷺ ، وعلمت أن الدلالة على معنى ما أراد بما وصفت من فرض الله وطاعته، فأنا إذا قبلت خبره فعن الله قبلت ما أجمع عليه المسلمون فلم يختلفوا فيه، وعلمت ما ذكرت من أنهم لا يجتمعون ولا يختلفون إلا على حق، إن شاء الله تعالى ... إلخ. ***** بعد الإمام الشافعى هذا هو حوار الإمام الشافعى الذى هدى من حاوره بعد ضلال، ولكن هداية هذا الرجل لا تعنى عدم ضلال الطائفة. ويأتى القرن الثالث، الذى توفى الإمام الشافعى فى العام الرابع من بدايته، ليكون العصر الذهبى لجمع السنة وتنقيتها وتدوينها، حيث دون مسند الإمام أحمد، والصحيحان، وكتب السنن الأربعة، وغيرها من الكتب الأخرى: كسنن سعيد بن

стр. 806

منصور، والدارمى، ومسانيد إسحاق بن راهويه، وبقى بن مخلد، والبزار، وأبى يعلى. غير أن ذاك القرن ضم أيضاً من حاول هدم السنة المطهرة. ننظر مثلاً إلى كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، فنراه جعل كتابه فى الرد على أعداء أهل الحديث، والجمع بين الأخبار التى ادعوا عليها التناقض والاختلاف، والجواب عما أوردوه من الشبه على بعض الأخبار المتشابهة أو المشكلة بادئ الرأى. ولا يكتفى ابن قتيبة بالرد على الشبه، وبيان سوء فهم من أثاروا تلك الشبه، وإنما يتحدث عن الأشخاص أنفسهم الذين أثاروها حتى يعرف القارئ سبب عدائهم لأهل الحديث. فيذكر منهم النظام ويقول: وجدنا النظام شاطراً من الشطار، يغدو على سكر، ويروح على سكر، ويبيت على جرائرها، ويدخل فى الأدناس، ويرتكب الفواحش والشائنات ... إلخ. وذكر أن النظام خرج على إجماع الأمة، وطعن فى أبى بكر وعمر وعلى وابن مسعود وأبى هريرة، ثم عقب ابن قتيبة بعد هذا بقوله: هذا هو قوله ـ أى النظام ـ فى جلة أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضى عنهم، كأنه لم يسمع بقول الله فى كتابه الكريم: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ إلى آخر السورة، ولم يسمع بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) . وبعد حديثه عن النظام، ورده عليه يقول: ثم نصير إلى قول أبى هذيل العلاف فنجده كذاباً أفاكاً ... إلخ.

стр. 807

وهكذا استمر ابن قتيبة فى كتابه. وكان أسوأ وأشد خطراً من هؤلاء الذين تحدث عنهم، قوم اتخذوا لأنفسهم سنة خاصة تختلف عن مفهوم السنة عند الأمة، فأشركوا مع الرسول ﷺ فى العصمة ووجوب الاتباع أشخاصاً اعتبروهم أئمة طائفتهم، ووضعوا الأخبار فى ظلمات هذا المفهوم، وفى ظلماته أيضاً كتبوا فى الجرح والتعديل. شهد القرن الثالث ثلاثة من كتب هؤلاء، وبالرجوع إليها نجد أنها تطعن فى خير الناس: صحابة رسول الله ﷺ ، رضى الله عنهم ورضوا عنه، وتذكر أن القرآن الكريم حرف نصاً ومعنى، وجاء الطعن والقول بالتحريف فى روايات مفتراه، اعتبروها صحيحة بمقياسهم. وألف كتاب رابع لتلميذ لأحد أصحاب الكتب الثلاثة، واعتبر هذا الكتاب الكتاب الأول فى الحديث عندهم، وعندما قرأته وجدت صاحبه قد ضل ضلالاً بعيداً، ووضع من المفتريات ما لا يستطيع أن يتصوره أى مسلم. وعندما رجعت لكتب الجرح والتعديل عندهم وجدت آثار هذه الظلمات: فصاحب الكتاب الرابع ثقة الإسلام! وشيخه ليس ثقة فحسب، بل كل من وثقهم وروى عنهم فهم ثقات! ولا يعتبر الحديث صحيحاً إلا إذا كان الرواة كلهم جميعاً من طائفتهم. والجرح عندهم سيئ للغاية، ولذلك أكتفى بالإشارة السريعة. فأذكر هذه النماذج: عثمان بن عفان الأموى خليفة العامة: ضعيف. عبد الله بن عمر بن الخطاب: الخبيث، ضعيف. عبد الرحمن بن عوف: من أضعف الضعفاء. المغيرة بن شعبة: صحابى فى غاية الضعف. محمد بن أبى بكر بن أبى قحافة: من أجلاء الثقات، وتربى فى بيت سوء. معاوية بن أبى سفيان: زندقته أشهر من كفر إبليس.

стр. 808

هذه نماذج قليلة، نجد منها أكثر من عشرة آلاف فى كتاب واحد، وهى مع قلتها تكشف ضلال هؤلاء فى جرحهم وتعديلهم. وأذكر هنا أن أحد هذه الكتب الثلاثة التى رزئ بها القرن الثالث وصل إليه المستشرقون، فاعتمدوا عليه فى طعنهم فى القرآن الكريم، وهكذا أخذ أعداء الله سلاحهم فى الطعن فى الإسلام من قوم انتسبوا للإسلام. وأذكر أيضاً أن معاوية بن أبى سفيان، وهو من الأمناء، أحد كتاب الوحى لرسول الله ﷺ ، قام ابن الوزير اليمانى من الشيعة الزيدية، بتتبع أحاديثه، فوجد أن ما صح عنه من أحاديث الأحكام ثلاثون حديثاً كلها صحيحة مروية من طرق أخرى ليس فيها معاوية، كما لم يصح أى حديث عنه، فيه طعن فى على بن أبى طالب ـ رضى الله تعالى عنهم جميعاً. ولعل فى هذا ما يدمغ أولئك الطاعنين. ***** فى عصر السيوطى وفى هذه العجالة التى لا تهدف إلى الحصر والاستقصاء، ننتقل من القرن الثالث إلى القرن التاسع، فنرى الإمام السيوطى يؤلف كتاباً تحت عنوان " مفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة ". وبين سبب تأليف كتابه فقال: اعلموا ـ يرحمكم الله ـ أن من العلم كهيئة الدواء، ومن الآراء كهيئة الخلاء، لا تذكر إلا عند داعية الضرورة، وإن مما فاح ريحه فى هذا الزمان وكان دارساً ـ بحمد الله تعالى ـ منذ أزمان وهو أن قائلاً رافضياً زنديقاً أكثر فى كلامه أن السنة النبوية والأحاديث المروية ـ زادها الله علواً وشرفاً ـ لا يحتج بها، وأن الحجة فى القرآن خاصة، وأورد على ذلك حديث: " ما جاءكم عنى

стр. 809

من حديث فاعرضوه على القرآن , فإن وجدتم له أصلاً فخذوا به وإلا فردوه. " (١)

стр. 810

هكذا سمعت الكلام بجملته منه، وسمعه منه خلائق غيرى، فمنهم من لا يلقى لذلك بالاً، ومنهم من لا يعرف أصل هذا الكلام، ولا من أين جاء. فأردت أن أوضح للناس أصل ذلك، وأبين بطلانه، وأنه من أعظم المهالك. فاعلموا ـ رحمكم الله ـ أن من أنكر كون حديث النبى ﷺ قولاً كان أو فعلاً بشرطه المعروف فى الأصول حجة، كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء الله من فرق الكفرة. روى الإمام الشافعى ـ رضى الله عنه ـ يوماً حديثاً، وقال إنه صحيح، فقال له قائل: أتقول به يا أبا عبد الله؟ فاضطرب وقال: يا هذا! أرأيتنى خارجاً من كنيسة؟ أرأيت فى وسطى زناراً؟ أروى حديثاً عن رسول الله ﷺ ولا أقول به؟ وأصل هذا الرأى الفاسد أن الزنادقة وطائفة من الرافضة ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن، وهم فى ذلك مختلفو المقاصد، فمنهم من كان يعتقد أن النبوة لعلى وأن جبريل ﵇ أخطأ فى نزوله إلى سيد المرسلين ﷺ ، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ومنهم من أقر للنبى ﷺ بالنبوة، ولكن قال: إن الخلافة كانت حقاً لعلى ... إلخ. ثم قال السيوطى بعد ذلك: وهذه آراء ما كنت أستحل حكايتها، لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد الذى كان الناس فى راحة منه من أعصار.
следующие страницы →