← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1507

مع الاثنى عشرية في الأصول والفروع

علي السالوس

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

منصور، والدارمى، ومسانيد إسحاق بن راهويه، وبقى بن مخلد، والبزار، وأبى يعلى. غير أن ذاك القرن ضم أيضاً من حاول هدم السنة المطهرة. ننظر مثلاً إلى كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، فنراه جعل كتابه فى الرد على أعداء أهل الحديث، والجمع بين الأخبار التى ادعوا عليها التناقض والاختلاف، والجواب عما أوردوه من الشبه على بعض الأخبار المتشابهة أو المشكلة بادئ الرأى. ولا يكتفى ابن قتيبة بالرد على الشبه، وبيان سوء فهم من أثاروا تلك الشبه، وإنما يتحدث عن الأشخاص أنفسهم الذين أثاروها حتى يعرف القارئ سبب عدائهم لأهل الحديث. فيذكر منهم النظام ويقول: وجدنا النظام شاطراً من الشطار، يغدو على سكر، ويروح على سكر، ويبيت على جرائرها، ويدخل فى الأدناس، ويرتكب الفواحش والشائنات ... إلخ. وذكر أن النظام خرج على إجماع الأمة، وطعن فى أبى بكر وعمر وعلى وابن مسعود وأبى هريرة، ثم عقب ابن قتيبة بعد هذا بقوله: هذا هو قوله ـ أى النظام ـ فى جلة أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضى عنهم، كأنه لم يسمع بقول الله فى كتابه الكريم: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ إلى آخر السورة، ولم يسمع بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) . وبعد حديثه عن النظام، ورده عليه يقول: ثم نصير إلى قول أبى هذيل العلاف فنجده كذاباً أفاكاً ... إلخ.

стр. 807

وهكذا استمر ابن قتيبة فى كتابه. وكان أسوأ وأشد خطراً من هؤلاء الذين تحدث عنهم، قوم اتخذوا لأنفسهم سنة خاصة تختلف عن مفهوم السنة عند الأمة، فأشركوا مع الرسول ﷺ فى العصمة ووجوب الاتباع أشخاصاً اعتبروهم أئمة طائفتهم، ووضعوا الأخبار فى ظلمات هذا المفهوم، وفى ظلماته أيضاً كتبوا فى الجرح والتعديل. شهد القرن الثالث ثلاثة من كتب هؤلاء، وبالرجوع إليها نجد أنها تطعن فى خير الناس: صحابة رسول الله ﷺ ، رضى الله عنهم ورضوا عنه، وتذكر أن القرآن الكريم حرف نصاً ومعنى، وجاء الطعن والقول بالتحريف فى روايات مفتراه، اعتبروها صحيحة بمقياسهم. وألف كتاب رابع لتلميذ لأحد أصحاب الكتب الثلاثة، واعتبر هذا الكتاب الكتاب الأول فى الحديث عندهم، وعندما قرأته وجدت صاحبه قد ضل ضلالاً بعيداً، ووضع من المفتريات ما لا يستطيع أن يتصوره أى مسلم. وعندما رجعت لكتب الجرح والتعديل عندهم وجدت آثار هذه الظلمات: فصاحب الكتاب الرابع ثقة الإسلام! وشيخه ليس ثقة فحسب، بل كل من وثقهم وروى عنهم فهم ثقات! ولا يعتبر الحديث صحيحاً إلا إذا كان الرواة كلهم جميعاً من طائفتهم. والجرح عندهم سيئ للغاية، ولذلك أكتفى بالإشارة السريعة. فأذكر هذه النماذج: عثمان بن عفان الأموى خليفة العامة: ضعيف. عبد الله بن عمر بن الخطاب: الخبيث، ضعيف. عبد الرحمن بن عوف: من أضعف الضعفاء. المغيرة بن شعبة: صحابى فى غاية الضعف. محمد بن أبى بكر بن أبى قحافة: من أجلاء الثقات، وتربى فى بيت سوء. معاوية بن أبى سفيان: زندقته أشهر من كفر إبليس.

стр. 808

هذه نماذج قليلة، نجد منها أكثر من عشرة آلاف فى كتاب واحد، وهى مع قلتها تكشف ضلال هؤلاء فى جرحهم وتعديلهم. وأذكر هنا أن أحد هذه الكتب الثلاثة التى رزئ بها القرن الثالث وصل إليه المستشرقون، فاعتمدوا عليه فى طعنهم فى القرآن الكريم، وهكذا أخذ أعداء الله سلاحهم فى الطعن فى الإسلام من قوم انتسبوا للإسلام. وأذكر أيضاً أن معاوية بن أبى سفيان، وهو من الأمناء، أحد كتاب الوحى لرسول الله ﷺ ، قام ابن الوزير اليمانى من الشيعة الزيدية، بتتبع أحاديثه، فوجد أن ما صح عنه من أحاديث الأحكام ثلاثون حديثاً كلها صحيحة مروية من طرق أخرى ليس فيها معاوية، كما لم يصح أى حديث عنه، فيه طعن فى على بن أبى طالب ـ رضى الله تعالى عنهم جميعاً. ولعل فى هذا ما يدمغ أولئك الطاعنين. ***** فى عصر السيوطى وفى هذه العجالة التى لا تهدف إلى الحصر والاستقصاء، ننتقل من القرن الثالث إلى القرن التاسع، فنرى الإمام السيوطى يؤلف كتاباً تحت عنوان " مفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة ". وبين سبب تأليف كتابه فقال: اعلموا ـ يرحمكم الله ـ أن من العلم كهيئة الدواء، ومن الآراء كهيئة الخلاء، لا تذكر إلا عند داعية الضرورة، وإن مما فاح ريحه فى هذا الزمان وكان دارساً ـ بحمد الله تعالى ـ منذ أزمان وهو أن قائلاً رافضياً زنديقاً أكثر فى كلامه أن السنة النبوية والأحاديث المروية ـ زادها الله علواً وشرفاً ـ لا يحتج بها، وأن الحجة فى القرآن خاصة، وأورد على ذلك حديث: " ما جاءكم عنى

стр. 809

من حديث فاعرضوه على القرآن , فإن وجدتم له أصلاً فخذوا به وإلا فردوه. " (١)

стр. 810

هكذا سمعت الكلام بجملته منه، وسمعه منه خلائق غيرى، فمنهم من لا يلقى لذلك بالاً، ومنهم من لا يعرف أصل هذا الكلام، ولا من أين جاء. فأردت أن أوضح للناس أصل ذلك، وأبين بطلانه، وأنه من أعظم المهالك. فاعلموا ـ رحمكم الله ـ أن من أنكر كون حديث النبى ﷺ قولاً كان أو فعلاً بشرطه المعروف فى الأصول حجة، كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء الله من فرق الكفرة. روى الإمام الشافعى ـ رضى الله عنه ـ يوماً حديثاً، وقال إنه صحيح، فقال له قائل: أتقول به يا أبا عبد الله؟ فاضطرب وقال: يا هذا! أرأيتنى خارجاً من كنيسة؟ أرأيت فى وسطى زناراً؟ أروى حديثاً عن رسول الله ﷺ ولا أقول به؟ وأصل هذا الرأى الفاسد أن الزنادقة وطائفة من الرافضة ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن، وهم فى ذلك مختلفو المقاصد، فمنهم من كان يعتقد أن النبوة لعلى وأن جبريل ﵇ أخطأ فى نزوله إلى سيد المرسلين ﷺ ، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ومنهم من أقر للنبى ﷺ بالنبوة، ولكن قال: إن الخلافة كانت حقاً لعلى ... إلخ. ثم قال السيوطى بعد ذلك: وهذه آراء ما كنت أستحل حكايتها، لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد الذى كان الناس فى راحة منه من أعصار.

стр. 811

وقد كان أهل هذا الرأى موجودين بكثرة فى زمن الأئمة الأربعة فمن بعدهم، وتصدى الأئمة الأربعة وأصحابهم فى دروسهم ومناظراتهم للرد عليهم، وسأسوق إن شاء الله جملة من ذلك، والله الموفق (١) . والكتاب طبع فى ستين ومائة صفحة، فارجع إليه. الطاعنون فى العصر الحديث وننتقل بعد هذا إلى عصرنا الحديث، حيث زادت الطامة، وكثر الطاعنون، وهم أصناف: فمنهم بقايا الفرق، وأشرت إلى بعضهم آنفاً. وهم لا يكتفون بما فى كتبهم من ضلال. ولكنهم من وقت لآخر يثيرون ما يريدون به هدم السنة: كالطعن فى صحابى جليل راوية، أو راو أجمعت الأمة على توثيقه. أو كتاب صحيح تلقته الأمة بالقبول ... إلخ ومنهم من يطعن لجهله ما يتصل بالسنة، فيتشكك ويشكك فى ثبوتها. وهو لا يدرى أن البشرية كلها فى تاريخها الطويل لم تعرف علماً نقل من جيل إلى جيل بالدقة التى نقل بها حديث رسول الله ﷺ . ولو رجع إلى كتب مصطلح الحديث، وعلم الرجال، وشروح السنة لاستراح وأراح. ومنهم من دفعه هذا الجهل إلى القول بأن القرآن الكريم وحده يكفى، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وقوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ . وهذا جهل بالكتاب والسنة معاً، ووقوع فيما حذر منه الله ، ورسوله ﷺ ، وردة إلى قول الطائفة التى ذكرها الإمام الشافعى. ولو أن هؤلاء قرأوا حوار الشافعى، وتدبروا ما ذكرنا من آيات كريمة، وأحاديث شريفة، لأدركوا

стр. 812

مدى ضلالهم وبعدهم عن سواء السبيل. والعجيب أن هؤلاء أسموا أنفسهم بالقرآنيين، والقرآن نفسه يشهد على بطلان دعواهم. ومنهم من جعل عقله حكماً لرفض أحاديث صحت سنداً ومتناً، بل فى أرقى مراتب الصحاح، كالأحاديث الثابتة المتعلقة بالغيبيات مثل الجنة، والنار، وعلامات الساعة، والملائكة، والجن. ومن المعلوم أن النقل الصحيح لا يتعارض مع العقل السليم، ولكن كيف نقيس الغائب على الشاهد، وكيف نحكم العقل فى أمور لا نعرف شيئاً عنها، إلا بالنقل الصحيح، فمتى ثبت النقل لزم التسليم. أحيانا ترى جاهلاً مغروراً يقف أمام حديث متفق عليه ويقول: هذا مرفوض عقلا! وكان عليه أن يسأل نفسه: أكان البخارى ومسلم وأحمد وغيرهم بلا عقول؟ بل أعاشت الأمة أربعة عشر قرناً بغير عقل حتى جاء بعقله ليستدرك عليها؟ ! ومن أسوأ الطاعنين فى عصرنا المستشرقون، وأشد منهم خطراً تلامذتهم المقلدون التابعون لهم. والمستشرقون طعنوا فى القرآن الكريم نفسه كما أشرت من قبل، أما السنة فقد أنكروا وجود سنة يتصل سندها إلى الرسول ﷺ ، وقالوا بأن أقصى اتصال الأسانيد ينقطع ويتوقف عند نهاية القرن الأول. ومعنى ذلك أن السنة بحسب زعمهم تعتبر اختراعاً من اختراعات المسلمين المتأخرين، أرادو أن يثبتوا أحكاماً فنسبوها للرسول ﷺ . ثم لم ينسوا أن يطعنوا فيمن كان لهم دور كبير فى السنة، فمثلا طعنوا فى أبى هريرة الصحابى الجليل رضى الله تعالى عنه، الذى روى عنه أكثر من ثمانمائة من الصحابة والتابعين، وهو كما قال الإمام الشافعى " أثبت من روى الحديث فى دهره "، وطعنوا فى ابن شهاب الزهرى، الإمام الحجة الثبت، أول من استجاب لعمر بن عبد العزيز فى جمع السنة ... . وهكذا. ثم ظهر اتجاه آخر عندهم، اعتبره بعضهم هدماً للفكر الاستشراقى، ولذلك ثاروا على القائلين به، مع أنه فى النهاية يصل إلى البهتان نفسه.

стр. 813

ويقوم هذا الاتجاه الخبيث على الاعتراف أولاً بأن السنة لها أصل، وذلك حتى يضلل جهلة المسلمين بالتظاهر بأنه لا ينكر وجود أصل للسنة، ولكن بعد هذا الاعتراف تأتى محاولة الهدم، فيقولون: إن المدارس الإسلامية الأولى لم تستطع أن تحدد ما يعتبر من أقوال محمد وما لا يعتبر من أقواله، لأن السند لم يكن معروفاً عندهم، فكانت كلمة سنة تعنى الرأى المقبول لدى جمهور علماء المدرسة، ثم نسبوا هذه الأقوال المقبولة لدى المدرسة إلى الصحابة حتى تكون أكثر قبولاً، ثم نسبوها بعد ذلك إلى الرسول ﷺ (١) . ومعنى هذا أنهم يريدون أن يصلوا فى النهاية إلى التشكيك فى السنة كلها. هؤلاء القوم لا يعرفون الإسناد، فكتبهم المقدسة ذاتها بغير إسناد، ولذلك فهى محرفة مزورة، ولكن لا شك أنهم قرأوا عن جمع السنة وتنقيتها، وشروط رجال الحديث، وعرفوا أن الأمة الإسلامية فاقت الخلق جميعاً بهذا الإسناد، ولكن ماذا ننتظر من مستشرق يهودى أو صليبى حاقد على الإسلام وأهله، مريد هدمه ما استطاع إلى ذلك سبيلا؟ فلا ننتظر من أعداء الإسلام إلا مثل هذه المحاولات، وإن كنا مطمئنين تماماً إلى أنهم لن يصلوا إلى ما يريدون، فالله لم يترك حفظ القرآن الكريم كما ترك غيره للأحبار والرهبان فضيعوه، وإنما تعهد بحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ كما تعهد ببيانه ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ، ومن تمام حفظ القرآن الكريم حفظ السنة المطهرة وهى المبينة له.

стр. 814

أهذا مفكر إسلامى ؟ ! الأمر العجيب الغريب حقاً أن نجد من المسلمين من يردد قول المستشرقين، ومن يصبح لهم تبعاً، ومن يعجب بأقوالهم فيذكرها منسوبة إليهم، أو يذكرها وينسبها لنفسه! ذكر المرحوم الدكتور مصطفى السباعى أن الدكتور على حسن عبد القادر عندما ألف كتاباً، وذكر فيه شبه المستشرقين، وطعنهم فى الإمام الزهرى، فثار عليه الأزهر، قال له الأستاذ أحمد أمين: " إن الأزهر لا يقبل الآراء العلمية الحرة، فخير طريقة لبث ما تراه مناسباً من أقوال المستشرقين ألا تنسبها إليهم بصراحة، ولكن ادفعها إلى الأزهريين على أنها بحث منك، وألبسها ثوباً رقيقاً لا يزعجهم مسها، كما فعلت أنا فى فجر الإسلام وضحى الإسلام "! والشيخ السباعى ﵀ ناقش المستشرقين وأتباعهم، وبين تهافت وسخف أقوالهم فى كتابه " السنة ومكانتها فى التشريع الإسلامى "، غير أنه لم يعش ليرى ثمرة غرس أحمد أمين، فقد ربى أبناءه فى هذه البيئة التى تتضح من نصيحته الدكتور عبد القادر، ولا شك أنه نصح ابنه نصائح أدهى وأمر، ولذلك جاء الابن أسوأ بكثير من أبيه. أخذ حسين بنصيحة أبيه أحمد أمين فى سرقة كلام المستشرقين، لكنه لم يختر ما يراه مناسباً بل لم يتردد فى أخذ أى شىء عندهم، ولا مانع من أن يزيد: ولذلك نراه يطعن فى القرآن الكريم وفى عقائد المسلمين، وهذا ما لم يفعله أبوه. وفى السنة يقول ما قاله المستشرقون تماماً! ويضيف إضافات تدل على جهله التام، وافترائه إلى غير حد. ولنذكر شيئاً قليلاً مما قاله:

стр. 815

أولاً: زعمه أن الشريعة قاصرة وأن الرسول غير معصوم !! للكاتب مقالات منشورة فى مجلات لها اتجاهات معلومة، وجمع أكثر هذه المقالات فى كتاب، إذا حملت نفسك على قراءته، وتصبرت ولم تقف عند المقدمات الخادعة، أدركت يقيناً أنك أمام مؤامرة خبيثة لئيمة لهدم الإسلام: وإن كنت ممن رزئ بقراءة هذا الكتاب، غير أننى سأقتصر على ذكر نماذج منه تكفى لكشف المؤامرة، وبيان حقيقة التآمر. وما جاء فى الكتاب لا يحتاج إلى مناقشة؛ فهو بعيد عن المنهج العلمى، والكاتب ينسب نفسه للإسلام ثم ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فكيف يناقش؟ مع غير المسلمين طالت المناقشات التى أثبتت حقائق الإسلام، ودمغت أباطيل خصومه، ودحضت شبههم، ولكن كيف تكون مثل هذه المناقشات مع من أطلق عليه المزيفون " المفكر الإسلامى، والكاتب الإسلامى"؟! أيمكن أن نتصور مسلماً يقول: إن القرآن الكريم جاء بشريعة قاصرة لا تصلح لكل زمان ومكان، وأرسل بها رسول غير معصوم؟ قال الكاتب فى ص ٤٣: قد كان هذا القرآن وحده كافياً لأن يحكم أوضاع المجتمع الإسلامى فى صورته الأولى، وأن ينظم شئونه الدينية والاجتماعية والسياسية، بيد أنه ما انقضت فترة وجيزة على وفاة النبى حتى كان العرب قد انطلقوا من بيدائهم ... وباتوا يحكمون شعوباً شديدة التباين فى عاداتها وأخلاقها وبيئاتها وحضارتها عن أهل شبه الجزيرة، وأسسوا مدناً جديدة، أو سكنوا مدناً قائمة تزخر بسكان هم الآن فى حاجة إلى شريعة أكثر تعقيداً، وأوفى تفصيلاً من تلك التى كانت صالحة لأن تحكم مجتمعاً فى بساطة مجتمع مكة والمدينة وعن اتخاذ السنة مصدراً ثانياً للشريعة قال فى ص ٤٤:

стр. 816

إزاء هذا التوسع الجغرافى الهائل، وإزاء ضغط الظروف التاريخية الجديدة دائبة التغير، واختلاف المكان والزمان، تلمس المسلمون وفقهاؤهم الدليل ... الهادى ومع أن الرسول لم يدع قط أنه معصوم من الخطأ إلا حين يملى أو يتلو آيات ربه، بل ونبهه القرآن ذاته إلى أخطاء بدرت منه، فقد افترض أنصار الالتزام بالسنة أن العناية الإلهية إنما كانت توجه كل عمل أتى به، وكل كلمة صدرت عنه منذ بعثه الله رسولاً إلى قومه إلى أن مات. ومن ثم فقد رأوا أن أحكام السنة ملزمة فى الحالات التى لم يرد بصددها حكم قرآنى. ومما ذكره الكاتب هنا تظهر آراؤه الآتية: ١ ـ إنكار صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، فالقرآن الكريم جاء بشريعة قاصرة، لا تصلح لغير المجتمع الأول فى مكة والمدينة. ٢ ـ الرسول ﷺ أرسل إلى قومه، أى أنه لم يرسل إلى الناس كافة. ٣ ـ الرسول ﷺ غير معصوم، فلا يجب اتباعه. ٤ ـ الذين رأوا وجوب اتباع الرسول ﷺ هم طائفة فقط من المسلمين أسماهم الكاتب " أنصار الالتزام بالسنة ". وهذه الآراء تعارض الكتاب والسنة، وتنكر ما أجمعت عليه خير أمة أخرجت للناس، وما هو معلوم من الدين بالضرورة. والدراسة الموجزة السابقة فيها ما يكفى لبيان هذا، ومناقشة علماء الأمة لأعدائنا أبطلت مثل هذه المفتريات، ولكن العجب كل العجب أن تصدر هذه الآراء ممن ينسب نفسه أو ينسبه أحد إلى الإسلام! ثانياً: التشكيك فى كتاب الله المجيد يقول الكاتب فى ص ٣٨: صحيح أننا نعلم أن الصحابى عبد الله بن مسعود ـ وكان يعتبر نفسه أحد الثقات الكبار فى القرآن ـ ذهب إلى أن نسخة القرآن التى أقرها الخليفة عثمان بن

стр. 817

عفان محرفة غير كاملة، واتهم زيد بن ثابت وأصحابه ممن جمعوا القرآن باستبعاد آيات تلعن الأمويين، غير أن هذا الاتهام غير مقبول، فقد كان على بن أبى طالب والكثيرون غيره من الصحابة أحياء وقت قيام زيد بمهمته، ولم نسمع أن أحدهم أيد زعم ابن مسعود، واحتج على استبعاد آيات. ثم يقول فى ص ٤٨: وقد اتهمه ـ أى عثمان بن عفان رضى الله عنه ـ هؤلاء الخصوم بأنه قد حذف من مصحفه خمسمائة كلمة أوردتها مصاحف أخرى كمصحف الصحابى الجليل عبد الله بن مسعود. وفى الصفحة ذاتها يقول: وقد حكى عن عبد الله بن مسعود أنه كان شديد الخشية من أن يغير من نص كلمات الرسول، فكان لا يحدث عنه إلا أضاف قوله: " والحديث إما فوق ذلك وإما قريب من ذلك، وإما دون ذلك. " ثم يقول فى ص ٨٣: وقد أبى بعض مفكرى اليونان وروما الأقدمين ـ مثل فيثاغورث ونومابومبيليوس ـ أن يخلفوا نصوصاً تكبل فكر التابعين، فأحرقوا قبيل وفاتهم ما كتبوا أو أوصوا بأن تدفن كتاباتهم معهم، حتى يتيحوا لكل جيل فى كل قطر أن يخرج بفكر يناسب عصره وبيئته. وقد يقال إن نبى الإسلام أيضاً لم يأمر بجمع القرآن، بدليل أن الخليفة أبا بكر تردد حين عرض ابن الخطاب عليه الفكرة، قائلاً لعمر إنه لايستطيع أن يقدم علي ما لم يقدم عليه النبى، ولا أوصى به قبل وفاته. غير أن الافتراض الأساسى فى الدين ـ أى دين ـ هو أن تعاليمه الواردة في النص المقدس صالحة للكافة في كل زمان ومكان.

стр. 818

ويقول فى الصفحات من١٣١ إلى ١٣٣: كان الشكل الغالب للملكية فى شبه جزيرة العرب فى الجاهلية وفى زمن رسول الله ﵇ هو الملكية المنقولة دون العقارية. وكان يمكن للبدوى أن يحمل راحلته كل ما يملكه وينتقل به من موطن إلى موطن سعياً وراء الماء والكلأ. وبالتالى فقد كان الاعتداء على السارى فى الصحراء بسرقة ناقته بما تحمل من ماء وغذاء وخيمة وسلاح، فى مصاف قتله. لذلك كان من المهم للغاية أن تقرر الشريعة عقوبة حازمة رادعة بالغة الشدة لجريمة السرقة فى مثل هذا المجتمع. أما وقد دخل الإسلام مجتمعات تعرف شكلاً من الملكية أهم من الملكية المنقولة، وأصبح سلب الرجل قربة مائة لا يعنى أمراً جللاً، فقد يجد المجتمع عقوبة لجريمة السرقة غير العقوبة فى المجتمع البدوى، دون أن يكون اختياره للعقوبة الثانية خروجاً على الإسلام وروحه. بالعكس، فإن الالتزام بروح الإسلام يقتضى منا اختيار هذه العقوبة الثانية، حيث إنها ـ فى المجتمع غير البدوى ـ تحقق نفس النتائج المرجوة التى توخاها الإسلام فى المجتمع البدوى. إن الشاعر يقول: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا بمعنى أن المعاملة الواحدة فى حالتين مختلفتين ستسفر حتماً عن نتيجتين متنافرتين. فى حين يعلم أى معلم صبيان مثلاً أن هناك وسائل متباينة لمعاملة صبية مختلفى الطباع والمستوى، للوصول إلى نتيجة واحدة، وهى التلقى الحسن للعلم. وكذلك بالنسبة للحجاب الذى فرض فى المدينة حيث كان النساء يلقين من المتسكعين من شبان المدينة كل مضايقة وعبث كلما خرجن وحدهن إلى الخلاء، فنزلت آية ﴿يَا أَيُّها النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن

стр. 819

جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (سورة الأحزاب ٥٩) ، وذلك حتى يميز الشبان بين المحصنات وغير المحصنات. وقد يعزز من رأيى هذا: أن أحكاماً قرآنية معينة نسختها أحكام قرآنية تالية، حين تغيرت أوضاع المسلمين بالهجرة وانتشار الإسلام والفتح، وغير ذلك من التطورات التى حدثت خلال أقل من ربع قرن، واستلزمت مع ذلك نسخاً لبعض الأحكام. إن تسليمنا بأن روح الإسلام هى التى ينبغى أن تكون الهادى للسلوك، لن يدع مجالاً لاتهام الإسلام بمنافاة مقتضيات العصر والتطورات التاريخية التى حدثت بعد القرن السابع الميلادى. كذلك لن تكون الحكومات والفقهاء حينئذ فى حاجة إلى النفاق والمداراة، والالتواء والسفسطة، وغض الطرف عن تفسير ما يقعون فيه من تناقض حين يقررون مثلاً إلغاء الرق الذى أباحه الإسلام، أو يستبدلون عقوبة الحبس بعقوبة قطع يد السارق التى نصت عليها أحكام الشريعة. كذلك سيؤدى الأخذ بهذا المنحى من التفكير إلى الحد من عدد المتخلين من أبنائنا المثقفين عن الإسلام بأسره بدعوى أن الديانات والتقاليد إنما هى للمتاحف والسياح لا لمواجهة احتياجات العصر، وسيكون من الأسهل إقناعهم بأن هذه الديانات والتقاليد ليست عقبة فى سبيل التقدم، وإنما يمكن أن تكون وسيلته" أ. هـ. هذه أقوال الكاتب منقولة بنصها، ومنها نلحظ ما يأتى: ١ ـ أنه لجأ إلى التشكيك فى كتاب الله العزيز بطريقة خبيثة خادعة: فهو فى الصفحة الثامنة والثلاثين ينسب لابن مسعود القول بالتحريف، ونسبة هذا لابن مسعود من المفتريات التى لا أصل لها، فهو كغيره من الصحابة _ رضى الله تعالىعنهم وأرضاهم ـ يعرف كيف كتب الوحى بعد نزوله مباشرة بأمر الرسول ﷺ وإملائه، ويعرف معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ

стр. 820

لَحَافِظُونَ﴾ (٩: الحجر) ، وقوله عزوجل: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ (٦٤: يونس) . وقوله ﵎: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٤١ ـ ٤٢: فصلت) . وقوله جلت قدرته: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (١٦ ـ ١٩ القيامة) . ويعرف ابن مسعود كغيره كيف جمع القرآن الكريم بعد الرسولصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من السطور والصدور ليكون بين دفتين فى مصحف واحد. ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن القرآن الكريم وصلنا متواتراً كما أنزل على الرسول ﷺ ، دون تغيير أو تحريف أو تبديل، أوإسقاط أو زيادة. من أنكر هذا فقد كذب كتاب الله العزيز نفسه. ولكن الكاتب يورد الكذب على ابن مسعود كأنه شىء ثابت مسلم حيث يقول " صحيح أننا نعلم ... إلخ ". ثم بعد هذه الفرية يظهر نفسه كأنه مدافع عن كتاب الله تعالى رافض (لزعم) ابن مسعود. وبعد عشر صفحات يذكر أن مصحف الصحابى الجليل عبد الله بن مسعود فيه خمسمائة كلمة ليست فى مصحف عثمان، وهو الذى نقل منه مصاحف المسلمين اليوم، ثم يضيف أن هذا الصحابى الجليل كان شديد الخشية من أن يغير من نص كلمات الرسولصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وهكذا يحاول أن يصل إلى هدفه، فابن مسعود بلا شك له مكانته عند المسلمين قاطبة. وهو إذا كان يتحرى الدقة بالنسبة لكلمات الرسولصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمن باب

стр. 821

أولى أن يكون موقفه من القرآن الكريم، ولذلك فعنده خمسمائة كلمة ليست عند المسلمين اليوم. وظهور الكاتب كالمدافع فى المرة الأولى يساعده فى الوصول الى هدفه، فهو أولاً يحاول أن يبعد عن نفسه تهمة الكفر والردة إذا ظهر مشككاً فى كتاب الله تعالى غير مؤمن به فألصق التهمة بالصحابى الجليل، تهمة التشكيك، فإذا أخذ أى مسلم بروايات الكاتب فليس عليه من حرج أن يكون كالصحابى الجليل ابن مسعود الذى يعرف من قوله " كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نعلم ما بهن , ونعمل بهن، فتعلمنا العلم والعمل جميعا " وإذا قال أحد: القرآن محرف أو سقط منه ما سقط فعلى مسلمى العصر أن يقبلوا قوله، فهو منسوب لصحابى يجلونه، وليس لهم أن يكفروا القائل، أو أن يحكموا بردته، وإلا كان حكماً بكفر وردة الصحابى الجليل ٢ ـ ماذكره فى الصفحة الثالثة والثمانين يكشف عن خبيئة نفسه تجاه النصوص: فالنصوص تكبل فكر التابعين، لذلك أحسن أولئك المفكرون صنعاً بإحراق الكتابات أو دفنها حتى يتيحوا لكل جيل فى كل قطر أن يخرج بفكر يناسب عصره وبيئته. وإذا كان لايستطيع أن يصرح بوجوب إحراق أو دفن القرآن الكريم حتى لانتكبل بالنص، ونشرع لأنفسنا ما يناسب عصرنا وبيئتنا، إذا كان لا يستطيع هذا (المسلم) أن يصرح بهذا، فإنه يقوله بطريقته الملتوية الخبيثة: وقد يقال إن نبى الإسلام أيضاً لم يأمر بجمع القرآن ... إلخ، فهذا موقف المفكرين، ومثله موقف الرسول ﷺ ، فالاعتصام بالكتاب العزيز، فضلاً عن السنة المطهرة، السبب فى أننا لم نستطع أن نختار ما يناسب جيلنا وبيئتنا، حيث كبلتنا النصوص. ومن قبل ذكر أن القرآن الكريم جاء بشريعة ناقصة غير عامة، فلم تستطع أن تسير المجتمع خارج مكة والمدينة، وهنا يقول قولته، وبعد هذا يصرح بوجوب ترك أحكام شرعية نص عليها القرآن الكريم، وهكذا يحاول أن يصل إلى

стр. 822

الهدف ولكن كما جاء فى ص ١٤٣ " هذه المواقف تبدو عند تسطيرها للنشر وقد تقنعت بألف قناع، وإذا هذه الآراء وقد أقدمت على إيصالها إلى جمهور المؤمنين تظهر مقمطة فى قماط المومياء، تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، وكأنما هى تسعى فى آن واحد إلى أن تكشف عن نفسها وتستتر، وتسفر عن وجهها وتحتجب " ثم يحاول أن يهدم إيمان المسلمين بأن الإسلام الذى جاء بخير كتاب أنزل صالح لكل زمان ومكان، فيقول " غير أن الافتراض الأساسى فى الدين ـ أى دين ـ هو أن تعاليمه الواردة فى النص المقدس صالحة للكافة فى كل زمان ومكان " ومعلوم أن هذا الافتراض غير صحيح إلا فى الإسلام، فكل نبى جاء إلى قومه خاصة وجاء خاتم النبيين إلى الناس عامة، والكاتب يسوى بين الإسلام وغيره، ويجعل الصلاحية مجرد افتراض فى جميع الديانات. ٣ ـ فى الصفحات الثلاث الأخيرة بعد أن مهد بأباطيله السابقة، يصل إلى ما يرمى إليه وهو ترك العمل بكتاب الله تعالى، ولكن لا يريد أن يعلن أنه خرج عن الإسلام كلية. وإنما هو مصلح دينى ثائر، ولذلك يظل حريصاً على اللجوء إلى الخداع والأساليب الملتوية الخبيثة، فهو عندما يأتى إلى حد السرقة، وأمرالله تعالى القطعى الثبوت القطعى الدلالة، فلا مجال فيه لاجتهاد مجتهد ولا تأويل متأول، نراه يتحدث عن البدوى والملكية المنقولة دون العقارية ويترك مجتمع مكة والمدينة الذى تحدث عنه من قبل. وكأن الإسلام جاء بهذا الحكم للسرقات التى هى فى مصاف القتل فى المجتمع البدوى، وأما غيره فحكم الله لا يصلح ولا يتناسب. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ولو أن الكاتب لم ينسب نفسه للإسلام لنبهناه إلى منهج القرآن الكريم حيث ينص على مبادئ عامة كلية لا جزئية فيما يتغير تبعاً للزمان والمكان كالمبادئ التى تتصل بالحكم، ويفصل فيما هو ثابت لا يتغير كأحكام الميراث وبعض ما يتصل بالزواج والفرقة بين الزوجين، والحدود والقصاص وغير ذلك مما يعرفه المسلمون.

стр. 823

فالسارق هو السارق فى أى زمان وأى مكان، وقطع الرسول ﷺ فى مجن لا تصل قيمته إلى دينار واحد، وليس المجن فى ذاته أمراً جللاً ولكن ذات السرقة هى الأمر الجلل، والمرأة المخزومية التى سرقت لم تسرق مثل ما تحدث عنه وأراد أن يبرر به إبطال حكم الله تعالى. ومما يؤكد عموم الحكم المعلوم قول الرسول ﷺ " وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها " ثم أمر بقطع يد المخزومية. وتنفيذ حكم الله تعالى يعنى صلاح الناس ودرء المفاسد، فهو الخالق ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ولو أن حكم السرقة كان لمجتمع محدود فى زمن محدود لما جاء بهذا العموم والتأكيد، فالله عزوجل الذى أرسل خاتم رسله كافة للناس بشيراً ونذيراً كان يعلم مدى انتشار الإسلام إلى يوم القيامة، والبيئات التى سيدخلها هذا الدين. ولو أن الكاتب لم ينسب نفسه للإسلام لبينا له الفرق بين الحد والتعزير , وكيف أن الحدود وضعت لهذا العدد القليل من الجرائم للحفاظ على الضرورات التى كفلها الإسلام ولا تقوم حياة ولاتصلح بغيرها، أما ماعدا هذه الجرائم فقد شرع الإسلام لها العقوبة التعزيرية، وهذه العقوبة التى شرعها القرآن الكريم وبينتها السنة النبوية المطهرة، وطبقها سلفنا الصالح، ومن تبعهم بإحسان، هذه العقوبة التعزيرية هى التى يمكن أن تختلف تبعاً لاختلاف الأحوال والزمان والمكان. وقول الكاتب " فقد يجد المجتمع عقوبة لجريمة السرقة غير العقوبة فى المجتمع البدوى " يبين أن الحكم ليس لله ، فليس هو المشرع وحده، وإنما المجتمع هو الذى يصنع الأحكام لنفسه، وأن هذا الحكم للمجتمع البدوى فقط، وليس حكماً إلهياً لكل الناس فى كل زمان ومكان. ومع أن هذا كفر صريح، حاول الكاتب أن يوهم المسلمين بأن هذا هو الإسلام، فأضاف " دون أن

стр. 824

يكون اختياره للعقوبة الثانية خروجاً عن الإسلام وروحه، وبالعكس فإن الالتزام بروح الإسلام يقتضى منا اختيار هذه العقوبة الثانية ". وإذا كان الكاتب يعتبر نفسه من المسلمين فإنا نسأله: ما ضوابط الإسلام؟ وعلى أى أساس تختار العقوبة الثانية؟ ومن الذى يختارها؟ ولماذا جعل الله لعقوبة السرقة حداً ولم يجعلها من العقوبات التعزيرية مثل معظم العقوبات؟ وإذا قال ربنا : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ﴾ وقال أحد: لا، لا نقطع، فهل يكون مؤمناً بالله خاضعاً لحكمه؟ ولو جاز هذا فى السرقة، أفليس من الجائز أن يقال فى أى حكم آخر؟ وإذا كانت أحكام الله لا تنفذ فما الفرق بيننا وبين الكفار والمشركين الذين لا يتلقون حكماً من الله تعالى وإنما يضعون الأحكام لأنفسهم؟ ٤ ـ فى حديثه عن الحجاب يؤكد ما أراده آنفاً، وهو ترك العمل بكتاب الله المجيد، فيذكر سبب نزول الآية التاسعة والخمسين من سورة الأحزاب، وكأنى به لا يدرى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، سواء أجهل هذا أم تجاهله فقد أراد إبطال العمل بكتاب الله العزيز: فجعل حكم السرقة لا يتعدى المجتمع البدوى فى زمن قصير محدود، والحجاب لا يتعدى مجتمع المدينة فى زمن محدود أيضاً، فالافتراض الذى ذكره من قبل ليضل به، وهو افتراض الصلاحية لكل زمان ومكان، يأتى هنا ليؤكد بطلان هذا الافتراض. والآية الكريمة التى ذكرها تتحدث عن التغطية بالجلباب، وهو الرداء فوق الخمار، وفسرها ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ بقوله: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن فى حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة.

стр. 825

ولم يشر الكاتب إلى الآية الكريمة التى ذكرت الخمار ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ، وأظنه قرأ تفسيرها وعرف ما فعلته الصحابيات ـ رضى الله تعالى عنهن ـ من الاستجابة الفورية لأمر الله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ . والصحابيات ـ رضى الله تعالى عنهن، خير جيل عرفته البشرية، وضعن الخمر على رءوسهن ونحورهن عندما نزل الأمر الإلهى، وغطين الوجوه من فوق رءوسهن بالجلابيب. ونهاهن الرسول ﷺ عن لبس النقاب والقفازين أثناء الإحرام، فكن يلبسن هذا وهن غير محرمات، فإذا أحرمن خلعن النقاب والقفازين. وروى أبو داود تحت باب فى المحرمة تغطى وجهها عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قالت: " كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا جاوزنا كشفناه ". والأمر بالحجاب واضح وصريح، وطبقته الصحابيات فور نزوله، وأجمعت عليه أمة الإسلام خلال أربعة عشر قرناً من الزمان، ووقع الخلاف فقط فى الجزء المعفو عنه ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ولكن الخلاف لا يتعدى الوجه والكفين فى هذا الاستثناء. ومع هذا أراد الكاتب أن يشكك فى هذا الأمر المستقر نصاً وإجماعاً فقال فى حاشية ص ١٣١ " وقد اختلف المفسرون حول آيات الحجاب وما إذا كانت تخاطب نساء النبى وحده، أم تلزم المسلمات طرا " ولا أدرى من أين اختلق هذا الاختلاق؟ وهل عمى عن قراءة الآية الكريمة التى ذكرها هو نفسه عند الحديث

стр. 826

هنا عن الحجاب وفيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ﴾ نعم ﴿ ... فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ . ثم يضيف فرية أخرى حيث يقول فى حاشيته " وعلى أى الأحوال فقد كانت كل من سكينة بنت الحسين بن على وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله من السافرات "، هكذا يقول هذا المفترى، ولو كان مسلماً حقاً وقرأ خبراً ساقطاً مثل هذا لكان عليه أن يرد هذا الإفك لكنه يأتى به كشىء مؤكد لينتقل منه إلى إفك جديد، فيهاجم المفسرين الأولين، ويذكر أنهم هم الذين فرضوا على كل نساء المسلمين ما فرضه القرآن على نساء النبى وبناته، ومرة أخرى أعمى هذا المفترى الكذاب عن قراءة] وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ﴾ بعد قوله تعالى ﴿قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ ؟! وإذا كان هذا (المسلم) حزيناً لأن المرأة المسلمة التزمت بحجاب فرضه عليها ـ بحسب إفكه ـ المفسرون، وليس الوحى المنزل، فما الذى يريده حتى يذهب حزنه؟ نرى الإجابة على هذا السؤال فى بداية حديثه عن الموضوع الذى ذكر فيه الحجاب، وهو تحت عنوان" فرص نجاحنا فى إقامة مجتمعنا على أسس إسلامية ". قال فى ص ١٢٤: " كان تطوير الحضارة الأوربية، بصفة عامة تطوراً متصلاً متجانساً ". ثم قال فى ص ١٢٦: " لقد جاء تحرير المرأة فى الغرب ـ حريتها الجنسية (أى والله هكذا قال: الجنسية!) وحقوقها السياسية واستقلالها الاقتصادى ـ ثمرة لقرون طويلة من التطور والكفاح، وجاء فى مجتمعاتنا الإسلامية لا نتيجة لفكر أصيل عميق الجذور ... إلخ. ثم يضرب مثلاً لحرية المرأة العربية التى وصلت إليها دون تطور متصل متجانس ودون فكر أصيل عميق الجذور، ولذلك فهى حرية بعيدة عن روح

стр. 827

الحضارة الغربية، يضرب هذا المثل بالفتاة العربية المرتدية البكينى على شاطىء البحر!! هكذا تتضح إجابة السؤال. والمسلمون يعرفون أن المرأة فى الإسلام شرع لها ربها كل ما يناسبها من الحقوق، فأخذت من الاستقلال الاقتصادى ما لم تصل إليه المرأة فى الغرب، وأخذت من الحقوق السياسية ما يتناسب معها ولا يخرجها عن طبيعهتا، غير أنها لم تأخذ ـ لا هى ولا الرجل ـ الحرية الجنسية التى أخذها سادة الكاتب الغربيون بل أربابه. والإسلام أوصل عقوبة الزنى إلى حد الرجم، ولما ترك الناس شرع الله ووضعوا لأنفسهم القوانين، لم يروا الزنى جريمة فى ذاته، فالمتزوجة مثلاً إذا زنت فإنها لا تعاقب بأى عقوبة فضلاً عن الرجم ما دام الزوج رضى بمعاشرتها، أما إذا لم يرض ورغب فى عقوبتها، فأقصى حكم هو أن تحبس سنتين، وغير المتزوجة إذا زنت فهى لم تعتد على حقوق أحد، ولم ترتكب جريمة، وإنما لها حريتها الجنسية!! هكذا اختار الناس ما يناسب عصرهم، ولا يمكن أن يكون هذا باسم الإسلام إلا إذا أحرقت النصوص ودفنت حتى لا تكبل مثل هذا (المفكر الإسلامى والمصلح الدينى!!) فيعيدها جاهلية باسم روح الإسلام، بل كان أهل الجاهلية أقل فجوراً، وفسقاً من سادته الغربيين، وما زلنا نذكر القول المشهور: أو تزنى الحرة؟! وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول " تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا أبداً، كتاب الله وسنة نبيه ". ليس عجيباً أن نجد من ينادى بالحرية الجنسية، فقد وجدنا من ينادى بحرية الشذوذ الجنسى، ولكن العجيب الغريب أن نجد من يجعل هذا من الأسس الإسلامية التى يريد أن يقوم عليها مجتمعنا الحديث، والأشد غرابة ونكراً أن ينسب القائل نفسه أو أن ينسبه أحد إلى الإسلام، فما بالك إذا قيل بأنه مفكر إسلامى؟! إلا إذا كانت المعانى اضطربت، فأريد باللقب أنه مفكر فى هدم الإسلام ومحاربته وإفساد المجتمع المسلم.

стр. 828

٥ - معلوم أن النسخ لا يكون إلا بأمر الله عزوجل، ولا نسخ بعد انقطاع الوحى. والكاتب بعد حديثه عن حرق النصوص أو دفنها يأتى إلى نسخها، والنتيجة واحدة، وهى ترك العمل بكتاب الله العزيز ما دام النسخ ليس من حق الله وحده. ويحاول أن يزين هذا الضلال، ضلال ترك العمل بكتاب الله العزيز بقوله " إن تسليمنا بأن روح الإسلام هى التى ينبغى أن تكون الهادى للسلوك لن يدع مجالاً لاتهام الإسلام بمنافاة مقتضيات العصر والتطورات التاريخية التى حدثت بعد القرن السابع الميلادى ". ومعنى هذا أن نصوص القرآن لا تصلح بعد ذلك القرن فقد فقدت صلاحيتها منذ ثلاثة عشر قرناً، وعلينا أن نحل مكانها ما أسماه بروح الإسلام، وحينئذ يكون حكماً إسلامياً شرعياً استبدال عقوبة الحبس بعقوبة قطع يد السارق التى نصت عليها أحكام الشريعة. لا يخفى علينا ما كتبه بعض أعلام المسلمين عن صلاحية الإسلام للتطبيق فى كل زمان ومكان، وعن الحدود وأثر تطبيقها فى المجتمع، وعن حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، ورد الشبهات التى أثارها أعداء الإسلام، ولكن هذا الكاتب لا يسلك مسلك المسلمين، بل يردد أقوال أعداء الإسلام وخصومه بل أكثر مما قاله الأعداء! وانظر إلى إشارته إلى الرق، وإلى إشارته الأخيره من أن الإسلام الذى استمدت أحكامه من النصوص، إنما هو للمتاحف والسياح لا لمواجهة احتياجات العصر، مما جعل الكثير من المسلمين المثقفين يتخلون عن الإسلام بأسره. فهو لا يريد الإسلام الذى ارتضاه الله لنا ديناً، وإنما يريد إسلاماً عصرياً، يبيح مثلاً الحرية الجنسية لا الاستعفاف، والبكينى لا الحجاب. والرد عليه يطول جداً، وهو مسطور فى كتب كثيرة، ولكن الذى أريده هنا أن أبين موقفه من القرآن الكريم.

стр. 829

وبعد هذا البيان لنا أن نتساءل: أمسلم هو؟ أم أنه حزين لأن الله عزوجل قد حفظ القرآن وحفظ دينه؟ ولنا أيضاً أن نتساءل: لمصلحة من النفخ فيمن يحاول أن يهدم الإسلام؟ وكيف بمجلات تصدر فى بلاد الإسلام تفسح صدورها وصفحاتها لمثله وتلقبه بالمفكر الإسلامى؟! ثالثاً: موقفه من السنة المطهرة أوامر الله ﵎ جاءتنا فى كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله الأمين، والسنة وحى، وهى كالقرآن فى وجوب الاتباع، وذكرت ما بين هذا من قبل. والمستشرقون من اليهود والصليبيين والملاحدة، والحاقدون على الإسلام والمسلمين، حاولوا أن يدكوا صرح الإسلام بالطعن فى الوحى من الكتاب ... والسنة، وأهداف هؤلاء واضحة معلومة فلا عجب من مسلكهم، ولكن إن تعجب فعجب أن تجد ممن ينتسبون إلى الإسلام من مدهم بمعاول الهدم، ومن أصبح لهم تابعاً وبوقاً يردد أقواهم على أنها العلم الصحيح لا البهتان العظيم. فذلك على بن إبراهيم القمى، المتوفى سنة ٣٠٧ هـ، وهو من الفرق الإسلامية، له كتاب فى التفسير، بينت ما به من ضلال وزيغ فى الباب السابق، وعندما طعن المستشرقون فى كتاب الله العزيز اعتمدوا على تفسير القمى كما صرح بهذا المستشرق اليهودى جول تسيهر. وهذا كاتبنا يردد أقوال سادته، ولكن لأن الأمر يتعلق بكتاب الله المجيد لجأ إلى طريقته التى أشرت إليها آنفاً. وأحمد أمين لم يأخذ بأقوال المستشرقين فى القرآن الكريم، ولكن أخذ شيئاً من أقوالهم فى السنة المطهرة ونسبه لنفسه كما صرح فى نصيحته للدكتور على حسن عبد القادر. أما شجرته الخبيثة، ابنه حسين، فقد كان أسوأ من المستشرقين وأشد خطراً. ولم يتورع أن يأخذ عنهم أى شىء قالوه فى السنة، بل أضاف من الأكاذيب والمفتريات ما لا يليق بذى بقية من دين، أو مسكة من عقل.

стр. 830

وقد رأينا فريته بأن الشريعة الإسلامية قاصرة، والرسول غير معصوم، وهذا القول بداية حديثه عن السنة، ولو صح فلا سنة إذن عند المسلمين! ولا حاجة لكتبها، ولا وزن للصحيحين ولا لكتب السنن الأربعة ولا لغيرها، فالحديث إذا ثبت ثبوت التواتر، وقطعنا بأنه قول الرسول الكريم، فما قيمة هذا الحديث إذا كان لرجل غير معصوم؟ وإذا كان الكفار لا يرونه معصوماً لأنهم لا يرونه رسولاً، فكيف ينطق بهذا الكفر من ينسب نفسه أو ينسبه أحد إلى الإسلام؟ والله عزوجل تعهد بحفظ كتابه المجيد نصاً وبياناً، وكان من تمام حفظ الكتاب حفظ السنة، ولهذا هيأ الله ﵎ من يحفظ سنة رسوله المصطفى، فلم تعرف البشرية فى تاريخها علماً نقل من جيل إلى جيل بالدقة التى نقلت بها السنة المطهرة. قال الإمام مسلم فى كتاب التمييز (ص١٧١) وهو كتابه فى العلل: " واعلم، رحمك الله، أن صناعة الحديث، ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم، إنما هى لأهل الحديث خاصة، لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفين دون غيرهم. إذ الأصل الذى يعتمدون لأديانهم السنن والآثار المنقولة، من عصر إلى عصر من لدن النبى ﷺ إلى عصرنا هذا. فلا سبيل لمن نابذهم من الناس، وخالفهم فى المذهب، إلى معرفة الحديث ومعرفة الرجال من علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار، من نقال الأخبار وحمال الآثار. وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم حتى ينزلوهم منازلهم فى التعديل والتجريح. وإنما اقتصصنا هذا الكلام، لكى ننبه من جهل مذهب أهل الحديث ممن يريد التعلم والتنبه، على تثبيت الرجال وتضعيفهم، فيعرف ما الشواهد عندهم، والدلائل التى بها ثبتوا الناقل للخبر من نقله، أو سقطوا من أسقطوا منهم، والكلام فى تفسير ذلك يكثر " ا. هـ. بمثل هذا نقل إلينا الكثير من حديث رسول الله ﷺ . وأصحاب كتب الحديث منهم من لم يلتزم بالوقوف عند الصحيح، وإنما نقل الصحيح وغير الصحيح،

стр. 831

وفى بعض الكتب نجد أحاديث موضوعة، ولكن الجهابذة من الأئمة الأعلام وضعوا من الشروط وألفوا من الكتب ما يجعل علماء أى عصر يستطيعون معرفة درجة كل حديث، وأى مسلم يستطيع أن يدرك هذه الحقائق متى عرف كيف دونت السنة من قبل عصر التدوين إلى ما بعده، وبالاطلاع على ما كتب فى علوم الحديث، والجرح والتعديل. والذين أثاروا الشبه حول السنة تصدى لهم من بين زيفها وبطلانها، ورأينا كلام الإمام الشافعى الممتع المقنع الذى هدى الله تعالى به من حاوره بعد الضلال. وفى عصرنا بين كثير من العلماء أباطيل المستشرقين، أما الكاتب فنراه يأخذ بهذه الأباطيل، ويأخذ أيضاً بنصيحة أبيه، فيسطو على أقوالهم وينسبها لنفسه. بل سطا على أبيه (!!) فيما أخذه عنه عن المستشرقين، فلم يرده لأبيه ولا للمستشرقين. وأقوال المستشرقين التى أشرت إليها من قبل يرددها حيث يقول: " وقد شرع الجيل التالى للصحابة، جيل التابعين، يجمع روايات أقوال النبى وأفعاله. مما كان شائعاً فى عصره، واتخذ من هذه السنة مصدراً ثانياً للشريعة " ويقول بعد هذا: " ثم بذلت المحاولات بعد ذلك من أجل رفع أحكام السنة إلى مصاف الأحكام القرآنية فيما يتصل بالتشريع، وقيل إن النبى إنما استنها بأمر من الله تعالى، وأنها نزلت عليه كما أنزلت آيات الذكر " ـ ثم يقول: "أدرك الفقهاء أنه ما من فرصة أمام الرأى لأن يصادف القبول لدى جمهور المؤمنين ما لم يستند إلى سنة متواترة، أو يزعم أن له أصلاً فى الحديث، ومن ثم فقد لجأ الفقهاء والعلماء إلى تأييد كل رأى يرونه صالحاً ومرغوباً فيه بحديث يرفعونه إلى النبى ". هكذا ردد الكاتب أباطيلهم فرحاً بنسبتها لنفسه، منفذاً بحمق وجهل وصية أبيه، وهذا المسلم أما عرف موقف الصحابة الكرام من السنة المطهرة، وكيف أن أبا بكر الصديق توقف فى أحكام حتى وجدها فى السنة كمسألة الجدة.

стр. 832

والفاروق عدل من أحكام عندما بلغته السنة؟ وغير الشيخين من الصحابة رضى الله عنهم ورضوا عنه، الذين اعتصموا بالكتاب والسنة معاً، فلا إسلام بدونهما، ولا حكم إلا لهما، فكيف إذن يقول مسلم بأن السنة ليست مصدراً من مصادر التشريع وإنما لجأ إلى هذا التابعون، والفقهاء والعلماء هم الذين كذبوا على الله ورسوله فاختلقوا السنة؟ ! كيف يقول هذا مسلم؟ ولكن لا غرابة بعد أن عرفنا رأيه فى القرآن الكريم نفسه. ولوضع الأحاديث واستباحة الكذب على رسول الله ﷺ أسباب كثيرة تحدث عنها العلماء. وكان من نتائج هذا ما رأيناه من جهود الأئمة الأعلام لحفظ السنة المطهرة، وتنقيتها من هذا الزيف. ومنذ وقت مبكر بدأ النظر فى الإسناد، فكما قال ابن سيرين: ما كانوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم. أى أن الإسناد بدأوا ينظرون فيه فى عهد الخليفة الثالث ذى النورين رضى الله عنه عندما وقعت الفتنة، فإذا كان الراوى من ذوى الأهواء أو المجروحين لم يؤخذ عنه الحديث. وقال ابن سيرين أيضاً: لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. فليس الأمر كما قال المستشرقون وأبواقهم من أن السنة وضعت فى القرن الثانى، فالواقع العملى وكتب السنة، تشهد بكذبهم، ومن فضل الله على المسلمين أن وفق هؤلاء الأئمة، فكشفوا الوضّاعين، وبينوا علامات الوضع فى السند، وعلاماته فى المتن، وذكروا لنا كثيراً من هذه الأحاديث الموضوعة أفردت لها مؤلفات للتحذير منها، ونبه على بعضها فى مؤلفات أخرى جمعت بين الموضوع وغيره. والكاتب لا يسلك المنهج العلمى فى كلامه عن أسباب الوضع، وإنما يأخذ شيئاً قليلاً من الأسباب الحقيقية ويخلطه بكلام المستشرقين، فيطعن فى أئمة أثبات أعلام، بل فى صحابة كرام بررة، ويبدو مضطرباً كاللص وهو يأخذ من هنا

стр. 833

وهناك، فيضرب أمثلة للوضع بأحاديث موضوعة وأخرى صحيحة، قد تصل إلى أعلى مراتب الصحيح، بعضها وصل إلى مرتبة التواتر، وفى موضع يطعن فى الإسناد ويقول: كان الاهتمام بالمتن، وفى موضع آخر يطعن فى المتن، ويقول: كان الاهتمام بالإسناد دون المتن. ويتحدث عن تزييف الأسانيد الصحيحة، وأن أى أحد يستطيع أن يقوم بهذا، وهو كلام يدل على جهل تام بعلم الإسناد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. والرد على ما بثه الكاتب من سموم وأكاذيب ومفتريات، يحتاج إلى سفر ضخم، ولكن بحسبنا أن نكشف حقيقته، ونبين موقفه من السنة الشريفة عند الله وعند المؤمنين، كما بينا موقفه المخزى من كتاب الله المجيد. ويمكن أن يذكر هنا أقوال علماء الإسلام فى السنة المطهرة، وأقوال المعاصرين منهم فى الرد على المستشرقين الذين سرق الكاتب أكاذيبهم وشبههم، وواضح أن هذا يطول جداً، ولذلك نكتفى بذكر بعض الأمثلة، ونكتفى أيضاً بأخذ هذه الأمثلة من كتاب السنة ومكانتها فى التشريع الإسلامى للشيخ الدكتور مصطفى السباعى ﵀، فقد أبطل باطل المستشرقين وأحمد أمين أبى الكاتب وناصحه الأمين. بدأ الدكتور السباعى حديثه عن السنة مع المستشرقين بعرض تاريخى لأغراض المستشرقين، وبين مدى خطر هؤلاء وأثرهم السيئ على من خدع بهم من المثقفين المسلمين. ثم قال ﵀: ننتقل من هذه المقدمة الضرورية إلى بيان موقف المستشرقين من السنة وشبههم التى أثاروها حولها، والتى تأثر بها كثير من الكتاب المسلمين كما رأيت، ولعل أشد المستشرقين خطراً وأوسعهم باعاً، وأكثرهم خبثاً وإفساداً فى هذا الميدان، هو المستشرق اليهودى المجرى " جولد تسيهر ".

стр. 834

وذكر خلاصة قوله فى السنة وتشكيكه بها، ثم أخذ يفصل الجواب لهذه الخلاصة، دون تتبع لكل فقرة من الفقرات. فإن كتابه كما قال ـ يضيق عن الرد التفصيلى، وللعلم فإن الكتاب اقترب من خمسمائة صفحة. هل كان الحديث نتيجة لتطور المسلمين؟ قال الدكتور السباعى ﵀ تحت عنوان: هل كان الحديث نتيجة لتطور المسلمين: " يقول جولد تسيهر: إن القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة للتطور الدينى والسياسى والاجتماعى للإسلام فى القرنين الأول والثانى! ولا ندرى كيف يجرؤ على مثل هذه الدعوى، مع أن النقول الثابتة تكذبه " وأخذ يثبت كذب هذا المفترى الحاقد. أما ابن أحمد أمين فقد أخذ الفرية وصاغها بأسلوبه كأنه صاحبها. الأمويون وعلماء المدينة: وانتقل الدكتور السباعى بعد هذا للرد على افتراءات اليهودى الحاقد حول دور الأمويين وعلماء المدينة فى وضع الأحاديث، وأن العلماء الأتقياء استجازوا الكذب دفاعاً عن الدين. والمفتريات الذى ذكرها الدكتور السباعى وبين بطلانها وتهافتها أخذها (المفكر الإسلامى) كأنها من بنات أفكاره. الإمام الزهرى: قبل أن يتحدث الدكتور السباعى عن الإمام الزهرى ومكانته فى التاريخ، ليدفع الباطل قال ﵀: ـ وهنا نجد من حقنا وواجبنا أن نزيح الستار عن مؤامرة هذا اليهودى المستشرق على أكبر إمام من أئمة السنة فى عصرة، بل على أول من دون السنة من التابعين، لنرى ما فيها من لؤم وخبث ودس وتحريف، وإنها لخطة مبيتة من

стр. 835

هذا المستشرق أن يهاجم أركان السنة واحداً بعد الآخر، فلقد هاجم أكبر صحابى روى الحديث عن رسول الله ﷺ وهو أبو هريرة رضى الله عنه. وسترى كيف ناقشنا هذه الاتهامات التى أوردها الأستاذ أحمد أمين فى فجر الإسلام وتابع فيها المستشرق احتساباً لغير وجه الله تعالى، حتى إذا فرغ من تهديم أبى هريرة على زعمه جاء هنا لهدم ركن السنة فى عصر التابعين، حتى إذا تم له انهارت السنة بعد أن وجه إليها المعاول من ناحيتين، ناحية رواتها وأئمتها، وناحية الشك بها جملة، كما ترى صنيعه هنا، ولكن الله غالب على أمره، ولابد للحق من هزيمة الباطل مهما أوى الباطل إلى ظل ظليل وركن متين " (ص ٢٠٦) . والمؤامرة التى دبرها المستشرق وتابعه أحمد أمين فى جزء منها، أعادها كاملة غير منقوصة (المصلح الدينى!) ابن أحمد أمين " والله يعلم المصلح من المفسد ". حديث لا تشد الرحال: المثل الذى أراد الكاتب أن يصل به إلى هدفه السيئ فى الطعن فى الإمام الزهرى، العلم الثبت الحجة العدل الضابط الذى لم يطعن فيه أحد قبل اليهودى المستشرق، وهو حديث " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... " وقال: حين أراد الخليفة عبد الملك بن مروان بن الحكم صد الناس عن الحج إلى مكة خشية أن يجبر عدوه عبد الله بن الزبير الحجاج الوافدين من الشام على مبايعته خليفة للمسلمين، أسند إلى الزهرى ـ وهو الفقيه التقى الصالح ـ مهمة البحث عن حديث (أو اختلاق حديث) يضع الحج إلى بيت المقدس، بمثابة الحج إلى مكة، فكان إذا اشتكى الناس من خطر الحج إلى مكة أجابهم عبد الملك بقوله: هذا ابن شهاب الزهرى يحدثكم أن رسول الله ﷺ قال: لا تشد الرحال.. إلخ. واختلاق أن الإمام ابن شهاب الزهرى ـ وحاشاه ـ اختلق هذا الحديث هو من كلام اليهودى الخبيث المفترى، وذكر الدكتور السباعى هذه الفرية وقال: " فهذا

стр. 836

لعمرى عجب من أعاجيب الافتراء والتحريف والتلاعب بحقائق التاريخ " ثم أخذ يفند هذا الافتراء بأدلة منها سن الزهرى آنذاك، وأن نصوص التاريخ قاطعة بأنه فى عهد الزبير لم يكن يعرف عبد الملك ولا رآه بعد، وأهم من هذا أن الحديث روته كتب السنة كلها، وهو مروى عن طرق مختلفة غير طريق الزهرى: فقد أخرجه البخارى عن أبى سعيد الخدرى من غير طريق الزهرى، ورواه مسلم من ثلاث طرق إحداها من طريق الزهرى، وثانيتها من طريق جرير عن ابن عمير عن قزعه عن أبى سعيد، وثالثتها عن طريق ابن وهب عن عبد الحميد بن جعفر ابن عمران بن أبى أنس عن سلمان الأغر عن أبى هريرة، أى أن الإمام الزهرى لم ينفرد برواية الحديث كما زعم المستشرقون. ومع أن هذه الأدلة وغيرها تثبت سخف هذا الافتراء الذى اختلقه اليهودى، إلا أن هذا المسلم ابن أحمد يذكر الفرية كحقيقة مسلمة دون نسبتها لمفتريها الأول، ودون نظر إلى الأدلة الواضحة البينة، ودون أن يعبأ بعقول المسلمين ومشاعرهم تجاه إمام أجمعت الأمة على إمامته وعلمه وفضله. حديث اتخاذ الكلب للزرع: ـ روى ابن عمر رضى الله عنهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية انتقص من أجره كل يوم قيراطان، فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة رضى الله عنهـ يزيد فى الرواية (أو كلب زرع) ، فقال ابن عمر: " إن لأبى هريرة زرعاً ". اعتبر جولد قول ابن عمر نقداً لأبى هريرة، وقال أحمد أمين: " وهذا نقد من ابن عمر لطيف فى الباعث النفسى ". وذكر الدكتور السباعى حديث أبى هريرة الذى ذكر فيه اتخاذ الكلب للزرع، وأشار إلى الكتب التى أخرجته كالصحيحين وغيرها، ثم قال: قد تعرض الشراح لزيادة أبى هريرة ومن وافقه فيها، وبينوا مراد ابن عمر من مقالته تلك فى أبى هريرة. قال الحافظ ابن حجر فى " فتح البارى " بعد أن بين

стр. 837

أن مراد ابن عمر تثبيت رواية أبى هريرة: " وقد وافق أبا هريرة على ذكر الزرع سفيان بن زهير وعبد الله بن مغفل، وهو عند مسلم. " وقال النووى عند قول ابن عمر، إن لأبى هريرة زرعا: " ليس هذا توهيناً لرواية أبى هريرة ولا شكا فيها، بل معناه أنه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه، والعادة أن المبتلى بشىء يتقنه عن غيره ويتعرف من أحكامه ما لا يعرف غيره، وقد ذكر مسلم هذه الزيادة وهى اتخاذه للزرع من رواية ابن مغفل ومن رواية سفيان بن زهير. وذكرها أيضا من رواية ابن الحكم واسمه عبد الرحمن بن أبى نعيم البجلى عن ابن عمر. فيحتمل أن ابن عمر لما سمعها من أبى هريرة وتحققها عن النبى ﷺ رواها عنه بعد ذلك، وزادها فى حديثه الذى كان يرويه بدونها، ويحتمل أنه تذكر فى وقت أنه سمعها من النبى ﷺ فرواها، ونسيها فى وقت، فتركها. والحاصل أن أبا هريرة ليس منفردا بهذه الزيادة، بل وافقه جماعة من الصحابة فى روايتها عن النبى ﷺ ، ولو انفرد بها لكانت مقبولة مرضية مكرمة. ". وقال الدكتور السباعى بعد بيان الإمام النووى: هذا هو الوضع الصحيح للمسألة، ومنه تعلم أنه ليس فيها تكذيب ابن عمر لأبى هريرة فى تلك الزيادة، وبيان الباعث النفسى على اختلاقها ونسبتها إلى النبى ﷺ ، وكيف يتصور هذا من ابن عمر وهو الذى اعترف بأن أبا هريرة كان أحفظهم لحديث رسول الله ﷺ ؟ وسيأتى معنا مزيد بيان لمكان أبى هريرة فى نفس ابن عمر ونفوس الصحابة جميعاً. أم كيف يذكرالأئمة قول ابن عمر ويخرجونه فى صحاحهم لو كان تكذيباً منه لأبى هريرة؟ أم كيف يعمل الفقهاء برواية أبى هريرة ويبنون عليها أحكامهم لو كان مراد ابن عمر تكذيبها وإنكارها؟ . الواقع أنه ليس فى الأمر شىء من هذا، ولكن أمانة صاحب " فجر الإسلام " أبت عليه إلا أن يرى فيما صنع ابن عمر نقداً لطيفاً ... لأبى هريرة ... وبياناً للباعث له على هذه الزيادة، وتأبى عليه أمانته العلمية أيضا إلا أن يرشدنا إلى

стр. 838

موضوع هذا النقد من كتب الحديث، فيقول فى ذيل الصحيفة " انظر النووى على مسلم "، وأنت سمعت كلام النووى فهل سمعت فيه رائحة التكذيب من ابن عمر لأبى هريرة؟ بل ألم تره يرد على ما قد يخطر بالبال ردا قوياً واضحاً؟ ولك أن تتساءل بعد هذا: أهو لم يفهم عبارة النووى؟ أم فهمها ولكنه آثر رأى المستشرق اليهودى جولد تسيهر؟ (ص ٢٨٧ ـ ٢٨٩) . وابن أحمد أمين الذي ترعرع في هذه البيئة، جاء بعد كل هذا ليقول: روى البخارى حديثاً يأمر النبى فيه بقتل كل الكلاب إلا كلاب الصيد، فلما قيل لعبد الله بن عمر: إن أبا هريرة يضيف إلى الحديث عبارة " أو الزرع " رد ساخراً بأن أبا هريرة إنما أضافها بعد أن أصبح صاحب مزرعة! كذب الصالحين وتدليس المحدثين: ـ ذكر الدكتور السباعى هنا كلاماً للمستشرق اليهودى، ثم فنده، ومما قاله: " أما ما نقله جولد تسيهر من قول وكيع عن زياد بن عبد الله البكائى من أنه كان مع شرفه فى الحديث ـ كذوباً ـ فهذه إحدى تحريفات هذا المستشرق الخبيث، فأصل العبارة كما وردت فى التاريخ الكبير للإمام البخارى: وقال ابن عقبة السدوسى عن وكيع: هو (أى زياد بن عبد الله) أشرف من أن يكذب. فأنت ترى أن وكيعا ينفى عن زياد بن عبد الله الكذب مطلقاً لا فى الحديث فحسب، وأنه أشرف من أن يكذب، فحرفها هذا المستشرق اليهودى إلى أنه كان مع شرفه فى الحديث كذوباً. وهكذا تكون أمانة هذا المستشرق. هذا ما قاله الدكتور السباعى ﵀، أما حسين أحمد أمين فيقول: تحدث وكيع عن زياد بن عبد الله قائلاً: " إنه كان يكذب فى الحديث مع شرفه ". " وحسين لم ينسب هذا لليهودى حتى يمكن أن يقال مثلاً بأنه لم ينتبه لتحريفه وتضليله، ولكنه يذكر هذا كحقيقة يعرفها هو. فما أعظم أمانة اليهودى المستشرق وحسين معاً! وما أنبل هدفهما!!

стр. 839

وذكر الدكتور السباعى ما نقله المستشرق عن يزيد بن هارون " إن أهل الحديث بالكوفة فى عصره ما عدا واحداً كانوا مدلسين ". ثم أخذ الشيخ يبين المراد باصطلاح التدليس عند المحدثين، والمقبول منه والمرفوض، والكلام فى التدليس مفصل فى كتب مصطلح الحديث، والمدلسون معروفون، والكلام عنهم مفصل فى كتب الجرح والتعديل. وهذا المفكر المسلم كان أسوأ وأقبح من اليهودى اللعين، ويبدو أنه يجهل مفهوم التدليس، فبنى على ما قرأه لسيده المستشرق اليهودى قولاً يهدم ـ فى زعمه ـ كل صحيح ثابت ثبوت الجبال فى زعمه. فقال: " أما الإسناد الذى من شأنه أن يكسب القول وقاراً وينيله التصديق، فكان أمره هيناً وشكلياً محضاً، فبوسع أى مختلق أن يدلس حديثاً ويصدره بسلسلة ذهبية من الإسناد، يراعى فيها الاتصال بين المحدث وكاتب الحديث، أو حتى دون أن يراعيه ". (ص ٥١) فالكاتب يريد أن يهدم الإسناد الذى فاق به المسلمون البشرية جمعاء فيذكر هذا القول الجاهل. فالسلسلة الذهبية هى ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، ولا تكون ذهبية إلا إذا كان من سمع من الإمام مالك عدلاً ضابطاً ثقة، وعادة لا يكون واحداً هو الذى سمع وإنما يكون الإمام أثبته فى الموطأ أو حدث به تلامذته، أو مجموعة من المسلمين. وإذا جاء مختلق ـ كما يقول الجاهل (المفكر المسلم!!) وقال: حدثنى مالك، فإن الحديث يكون موضوعاً غير مقبول لوجود هذا المختلق، فالحديث يحمل على أقل درجة فى رجال الإسناد. فإذا وجدنا حديثاً متصل الإسناد، وكل رواته فى أعلى مراتب التوثيق والعدالة والضبط ما عدا واحداً؛ وهذا الواحد مختلق، فالحديث يحمل على هذه الدرجة السفلى، فيحكم عليه علماء الحديث بأنه موضوع لا يجوز الاحتجاج به ولا يحل كتابته إلا على سبيل التحذير.

стр. 840

وإذا كان الإسناد غير متصل وخلا من الوضاعين، فالحديث مع هذا لا يكون صحيحا، فما بالك إذا كان فيه مختلق. وبعد: فلعل فى هذا ما يكفى لبيان موقف هذا الكاتب من سنة الرسول ﷺ ، واشتراكه فى المؤامرة الدنيئة التى حاكها المستشرقون، وأنه قام بدوره بغير هدى ولا علم ولا إسلام. رابعاً: موقفه من عقائد المسلمين موقف غير المسلمين من عقائدنا معلوم معروف، سواء أكانوا كفاراً أم يهود أم نصارى، أما أن نتحدث عن موقف كاتب من عقائدنا وهو منسوب لنا فهذا أمر غريب حقاً. ولكن ماذا نقول والإسلام فى تاريخه الطويل رزئ بمن انتسب إليه وحاول أن يهدمه من الداخل. وكان هؤلاء خطرهم أشد ممن عادى الإسلام صراحة، ومن هنا ندرك قول الحق ﵎: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ . وما سبق يبين موقفه من عقيدة المسلمين في كتاب ربهم، وسنة نبيهم، والشريعة التامة الكاملة العامة. ومن العقائد الأساسية في الإسلام الإيمان بالقضاء والقدر، ولكنه يتحدث عن هذا الإيمان كنزعة لا عقيدة إسلامية، ثم يرد هذه النزعة عند البدوي إلي حياته في الصحراء وليس إلي إيمانه بالله ، أما هذه النزعة عند غير البدوي فيفسرها بقوله الفاجر: " ليس المسئول عن ذلك وحده اتصال الغازي البدوي به، وإنما لابد من إرجاعه كذلك إلي شكل الحكم الاستبدادي الذي ساد كافة الأقطار الإسلامية، والذي خلق للريفي وقاطن المدينة موقفاً شبيهاً بالموقف الذي يتعرض له البدوي في الصحراء ". (ص١٣٦) .

стр. 841

فالإيمان بقضاء الله تعالي وقدره لا يراها هذا (المصلح الديني!) عقيدة إسلامية مردها دخول الإيمان في القلوب، وإنما هي أثر من آثار سوء طبيعة البادية، وسوء الحكم في غيرها. ومعني هذا أنه لا يري الإيمان بقضاء الله ولا قدره متي عاش الإنسان في بيئه غير بدوية، وفي ظل حكم غير مستبد. ولعله هنا ينظر إلي سادته الغربيين فيقرهم علي عدم إيمانهم بالقضاء والقدر. ولذلك يقول بعد قليل في صفحة ١٣٩: " قد يكون بوسع الألماني أو السويسري أن يخطط من الآن لإجازة سنوية يقضيها في جزيرة مايوركا بعد خمس سنوات خلال النصف الثانى من شهر حزيران. أما عن عباد الله في أقطارنا، فلا تقولن لشئ إنى فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ". ولا أدري ممن يسخر وهو يذكر آيات كريمة يرددها عباد الله، وهي قوله تعالى في سورة الكهف (٢٣: ٢٤) : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ . وهل الإيمان بالمشيئة الإلهية يمنع التخطيط؟ وهل التخطيط يمنع المشيئة الإلهية؟ ويبقي أن نسأل: أيعتبر مسلماً من يستهزئ بقول الله تعالي، ولا يؤمن بمشيئته ولا بقضائه وقدره؟ خامساً: قوله الكذب بوثنية المسلمين !! الإسلام دين التوحيد الخالص، تلك حقيقة يعرفها كل مسلم، وكل من يدرس الإسلام دراسة صحيحة. ولكن كاتبنا المسلم يرى غير هذا! اقرأ معى قوله في صفحة ٨٤: " وقد كان أشق ما فرضته عليهم الأديان السماوية تجريد مفهوم الرب:

стр. 842

فالعبادة في العالم القديم لم تكن بالتى يمكن تحليلها دون وثن أو صورة، وكانت آلهة الأقدمين دوماً محسوسة مجسدة، صنماً كانت أو كوكباً أو ملكاً أو ظاهرة طبيعية. فكان لابد إذن من مرور قرون طويلة حتى يرسخ هذا المفهوم الجديد للإله في الأذهان. غير أن الإحساس ظل قائماً لدى عامة البشر بالفجوة الهائلة التي باتت تفصل بينهم وبين إلههم، حتى إن صور لهم هذا الإله على أنه أب لهم، أو أقرب إليهم من حبل الوريد. وكان أن نشأت لديهم حاجة (وثنية) ملحة إلى ملء هذه الفجوة بأية وسيلة، أو اجتيازها بأية حيلة، وهى حاجة نفسية رأى بعض رجال الدين من الحكمة أن يستجيبوا لها بقدر محدود خشية أن تنصرف العامة عن الدين بأسره، أو حرصاً على بقاء سلطانهم، وسرعان ما حلت التماثيل الدينية والأيقونات مكان الوثن، وتقديس الأولياء محل عبادة الآلهة والملوك والأسلاف ". هذا ما قاله بالنص! وفكر في قوله: " فكان لابد إذن من مرور قرون طويلة حتى يرسخ هذا المفهوم الجديد للإله في الأذهان "، وما دام الأمر يحتاج إلى مرور قرون طويلة فعلى أقل تقدير يكون الصحابة رضى الله عنهم وأرضاهم، والتابعون لهم بإحسان، يكون خير الناس هؤلاء وثنيين! فإذا شهد الله وهو يخاطب هؤلاء المسلمين ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ . قال الكاتب: لا، بل كانت عندهم حاجة وثنية ملحة، وهى حاجة نفسية! التخلص منها يحتاج إلى مرور قرون طويلة حتى يؤمنوا بإله واحد أحد فرد صمد لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار. وطعنه في سلفنا الصالح لا يعنى أنه يريد أن يبرئ الخلف، وأن الوثنية انتهت بعد هذه القرون الطويلة، وإنما ينتقل من فرية إلى فرية، ليصل إلى ما رسمه

стр. 843

لنفسه إرضاء لسادته، أو ما رسمه له سادته من أعداء الإسلام فيتحدث عن الذين دخلوا فى دين الله أفواجاً فى البلاد التى فتحها المسلمون، ويصور الجزيه كما صورها الأعداء، ويرى أن الذين دخلوا فى الإسلام دخلوا بمعتقداتهم القديمة، وخدعوا المسلمين الفاتحين، بل أثروا في الدين نفسه، وأقرهم عدد من الفقهاء على وثنيتهم، وعلى هدم أركان إسلامية. وهذا الكاتب عنده جرأة عجيبة على الكذب والافتراء على الأموات وعلى الأحياء على السواء، اقرأ مثلاً قوله في صفحة ٩٨: " فإن نحن قلنا بعد كل هذا إن شطراً من العامة في صعيد مصر يرى أن الطواف سبع مرات بقبر الشيخ القناوى بقنا (وهو طواف يبادر إليه الكثيرون فور وصولهم إلى تلك المدينة) ، فيه غناء عن أداء فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، وإن قلنا إن عدداً من الفقهاء قد أيد هذا الرأى استنكاراً منه لفكرة أن يفقر البعض نفسه بتحميل ما لايطيق من نفقات الحج إلى مكة، ثم إن نحن افترضنا بعد ذلك أن هذا الشيخ أسطورة، وأن القبر إنما أقيم على طلل معبد إله من آلهة القدماء المصريين، لوصلنا إذن إلى نتيجة غربيه وهى أن العامة قد أحلت محل ركن من أركان الإسلام الخمسة طقساً وثنياً خالصاً يرجع إلى زمن الفراعنة. وبهذا تكون شعوب الأقطار المفتوحة قد أفلحت في خداع الفاتحين " هذا كلامه عن أمر لا يزال موجوداً! ونسأل هنا: أين الكثيرون الذين يطوفون بالقبر سبعاً؟ ومَنْ مِنْ المسلمين رأي أن هذا يغني عن الحج؟ وما أسماء هؤلاء الفقهاء الذين أيدوا هذا الرأي وأحلوا الطقس الوثني محل ركن من أركان الإسلام؟ بل ما اسم فقيه واحد من هذا العدد؟ أي قارئ يستطيع أن يدرك مدى صفاقة هذا الكاتب في اختلاقه للأكاذيب ووضعه للإفك، ولكن انظر إلي ما يكشف عن خبيئة نفسه عندما يقول " استنكاراً منه لفكرة أن يفقر البعض نفسه بتحمل ما لا يطيق من نفقات الحج إلي مكة ".

стр. 844

ومعلوم أن الحج فرض علي المستطيع فقط ﴿وَلِلّهِ عَلَى الناسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ . فكان يكفى أن يبين هذا العدد من الفقهاء حكم الله تعالي، ولكن المفتري يري أنهم استنكروا فكرة الحج المكلف، فاستبدلوا به الطقس الوثنى. ومن كلام هذا الكاتب يتضح هدفه، فلا إسلام في أى عصر: فالعرب ظلوا علي وثنيتهم بعد دخولهم في الإسلام، والبلاد التي دخلها الإسلام ظل أهلها علي وثنياتهم القديمة وإن خدعوا الفاتحين وتظاهروا باعتناق الإسلام، ويضرب مثلاً لذلك بعامة من المصريين، وعدد من فقهائهم، لا يزالون علي وثنيتهم الفرعونية حتي عصرنا الحاضر. وهكذا يرضى الكاتب سادته وأربابه من دون الله، ويسخط الله ورسوله والمؤمنين. أبو هريرة رضي الله تعالي عنه وجدنا مؤامرة المستشرقين في محاولة هدم السنة المطهرة، وذلك بالتشكيك فيها جملة، والطعن في رواتها من الأئمة الأعلام. والكاتب غذي بهذا التضليل، فردده وزاد عليه. ورأينا فريته بأن الفقهاء والعلماء بعد عصر الصحابة هم الذين اخترعوا السنة. ولكن شياطينه زينت له أن هذا وحده لا يكفي، فأراد أن يطعن في خير جيل من خير أمة أخرجت للناس، شهد الله تعالي لهم، وشهد الرسول ﷺ . ولذلك أراد أن يكون الطعن هنا بأسلوبه الملتوي الخبيث. أثني علي بعضهم وشهد لهم، ولكن هذا يذكرنا بقول الله :

стр. 845

﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ . وانتقل الكاتب من هذا الثناء إلي الطعن في بقية الصحابة الكرام ليقول بأنهم هم جذور المأساة: مأساة وضع واختلاق الأحاديث، أي أن هذا الجيل المثالي الغرة في جبين البشرية كلها، هو الذي بدأ الكذب علي الرسول ﷺ !! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ . وهذا الكذاب الأشر لا يجد ما يؤيد به كذبته إلا ما ذكره المستشرق اليهودى، ثم أبوه أحمد أمين بعد هذا، وهو حديث كلب الزرع الذي سبق بيان ما يتصل به. وراوية الإسلام الأول كثير في عصرنا من سلك مسلك اليهودى المستشرق في الطعن فيه. وفي المؤتمر الثانى لجمعية إحياء التراث الإسلامي الذي عقد بالكويت في شوال سنة ١٤٠٥ هـ، وخصص للسنة المطهرة، ألقيت محاضرة عن منزلة السنة وشبهات حول الحديث، وبعد المحاضرة ظهر أثر حملات التشكيك في أسئلة الحاضرين، وظهرت الحيرة فيما يتصل بهذا الصحابى الجليل. ولا أستطيع هنا أن أقدم ترجمة له، فسيرته العطرة أفردها أكثر من عالم في كتاب أو أكثر، وأكتفي بذكر بعض الحقائق من باب الذكرى، فإنها تنفع المؤمنين، حتي يعرف القارئ الكريم من قال فيهم الإمام ابن خزيمة " إنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمي الله قلوبهم فلا يفهمون معاني الأخبار ". إسلامه: عاش أبو هريرة أكثر من ثلاثين سنة قبل إسلامه. ثم هداه الله عزوجل وشرح صدره للإسلام فى عام خيبر. والمعروف أن الرسول ﷺ صار إلى خيبر فى المحرم، وتم فتحها فى صفر فى العام السابع من الهجرة، وقد شهدها أبو
следующие страницы →