فالإيمان بقضاء الله تعالي وقدره لا يراها هذا (المصلح الديني!) عقيدة إسلامية مردها دخول الإيمان في القلوب، وإنما هي أثر من آثار سوء طبيعة البادية، وسوء الحكم في غيرها.
ومعني هذا أنه لا يري الإيمان بقضاء الله ولا قدره متي عاش الإنسان في بيئه غير بدوية، وفي ظل حكم غير مستبد.
ولعله هنا ينظر إلي سادته الغربيين فيقرهم علي عدم إيمانهم بالقضاء والقدر. ولذلك يقول بعد قليل في صفحة ١٣٩:
" قد يكون بوسع الألماني أو السويسري أن يخطط من الآن لإجازة سنوية يقضيها في جزيرة مايوركا بعد خمس سنوات خلال النصف الثانى من شهر حزيران. أما عن عباد الله في أقطارنا، فلا تقولن لشئ إنى فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ".
ولا أدري ممن يسخر وهو يذكر آيات كريمة يرددها عباد الله، وهي قوله تعالى في سورة الكهف (٢٣: ٢٤) : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ .
وهل الإيمان بالمشيئة الإلهية يمنع التخطيط؟ وهل التخطيط يمنع المشيئة الإلهية؟ ويبقي أن نسأل: أيعتبر مسلماً من يستهزئ بقول الله تعالي، ولا يؤمن بمشيئته ولا بقضائه وقدره؟
خامساً: قوله الكذب بوثنية المسلمين !!
الإسلام دين التوحيد الخالص، تلك حقيقة يعرفها كل مسلم، وكل من يدرس الإسلام دراسة صحيحة.
ولكن كاتبنا المسلم يرى غير هذا!
اقرأ معى قوله في صفحة ٨٤:
" وقد كان أشق ما فرضته عليهم الأديان السماوية تجريد مفهوم الرب:
стр. 842
فالعبادة في العالم القديم لم تكن بالتى يمكن تحليلها دون وثن أو صورة، وكانت آلهة الأقدمين دوماً محسوسة مجسدة، صنماً كانت أو كوكباً أو ملكاً أو ظاهرة طبيعية. فكان لابد إذن من مرور قرون طويلة حتى يرسخ هذا المفهوم الجديد للإله في الأذهان.
غير أن الإحساس ظل قائماً لدى عامة البشر بالفجوة الهائلة التي باتت تفصل بينهم وبين إلههم، حتى إن صور لهم هذا الإله على أنه أب لهم، أو أقرب إليهم من حبل الوريد. وكان أن نشأت لديهم حاجة (وثنية) ملحة إلى ملء هذه الفجوة بأية وسيلة، أو اجتيازها بأية حيلة، وهى حاجة نفسية رأى بعض رجال الدين من الحكمة أن يستجيبوا لها بقدر محدود خشية أن تنصرف العامة عن الدين بأسره، أو حرصاً على بقاء سلطانهم، وسرعان ما حلت التماثيل الدينية والأيقونات مكان الوثن، وتقديس الأولياء محل عبادة الآلهة والملوك والأسلاف ".
هذا ما قاله بالنص! وفكر في قوله: " فكان لابد إذن من مرور قرون طويلة حتى يرسخ هذا المفهوم الجديد للإله في الأذهان "، وما دام الأمر يحتاج إلى مرور قرون طويلة فعلى أقل تقدير يكون الصحابة رضى الله عنهم وأرضاهم، والتابعون لهم بإحسان، يكون خير الناس هؤلاء وثنيين!
فإذا شهد الله وهو يخاطب هؤلاء المسلمين ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ .
قال الكاتب: لا، بل كانت عندهم حاجة وثنية ملحة، وهى حاجة نفسية! التخلص منها يحتاج إلى مرور قرون طويلة حتى يؤمنوا بإله واحد أحد فرد صمد لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.
وطعنه في سلفنا الصالح لا يعنى أنه يريد أن يبرئ الخلف، وأن الوثنية انتهت بعد هذه القرون الطويلة، وإنما ينتقل من فرية إلى فرية، ليصل إلى ما رسمه
стр. 843
لنفسه إرضاء لسادته، أو ما رسمه له سادته من أعداء الإسلام فيتحدث عن الذين دخلوا فى دين الله أفواجاً فى البلاد التى فتحها المسلمون، ويصور الجزيه كما صورها الأعداء، ويرى أن الذين دخلوا فى الإسلام دخلوا بمعتقداتهم القديمة، وخدعوا المسلمين الفاتحين، بل أثروا في الدين نفسه، وأقرهم عدد من الفقهاء على وثنيتهم، وعلى هدم أركان إسلامية.
وهذا الكاتب عنده جرأة عجيبة على الكذب والافتراء على الأموات وعلى الأحياء على السواء، اقرأ مثلاً قوله في صفحة ٩٨: " فإن نحن قلنا بعد كل هذا إن شطراً من العامة في صعيد مصر يرى أن الطواف سبع مرات بقبر الشيخ القناوى بقنا (وهو طواف يبادر إليه الكثيرون فور وصولهم إلى تلك المدينة) ، فيه غناء عن أداء فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، وإن قلنا إن عدداً من الفقهاء قد أيد هذا الرأى استنكاراً منه لفكرة أن يفقر البعض نفسه بتحميل ما لايطيق من نفقات الحج إلى مكة، ثم إن نحن افترضنا بعد ذلك أن هذا الشيخ أسطورة، وأن القبر إنما أقيم على طلل معبد إله من آلهة القدماء المصريين، لوصلنا إذن إلى نتيجة غربيه وهى أن العامة قد أحلت محل ركن من أركان الإسلام الخمسة طقساً وثنياً خالصاً يرجع إلى زمن الفراعنة. وبهذا تكون شعوب الأقطار المفتوحة قد أفلحت في خداع الفاتحين "
هذا كلامه عن أمر لا يزال موجوداً! ونسأل هنا: أين الكثيرون الذين يطوفون بالقبر سبعاً؟
ومَنْ مِنْ المسلمين رأي أن هذا يغني عن الحج؟ وما أسماء هؤلاء الفقهاء الذين أيدوا هذا الرأي وأحلوا الطقس الوثني محل ركن من أركان الإسلام؟ بل ما اسم فقيه واحد من هذا العدد؟
أي قارئ يستطيع أن يدرك مدى صفاقة هذا الكاتب في اختلاقه للأكاذيب ووضعه للإفك، ولكن انظر إلي ما يكشف عن خبيئة نفسه عندما يقول " استنكاراً منه لفكرة أن يفقر البعض نفسه بتحمل ما لا يطيق من نفقات الحج إلي مكة ".
стр. 844
ومعلوم أن الحج فرض علي المستطيع فقط ﴿وَلِلّهِ عَلَى الناسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ .
فكان يكفى أن يبين هذا العدد من الفقهاء حكم الله تعالي، ولكن المفتري يري أنهم استنكروا فكرة الحج المكلف، فاستبدلوا به الطقس الوثنى. ومن كلام هذا الكاتب يتضح هدفه، فلا إسلام في أى عصر: فالعرب ظلوا علي وثنيتهم بعد دخولهم في الإسلام، والبلاد التي دخلها الإسلام ظل أهلها علي وثنياتهم القديمة وإن خدعوا الفاتحين وتظاهروا باعتناق الإسلام، ويضرب مثلاً لذلك بعامة من المصريين، وعدد من فقهائهم، لا يزالون علي وثنيتهم الفرعونية حتي عصرنا الحاضر.
وهكذا يرضى الكاتب سادته وأربابه من دون الله، ويسخط الله ورسوله والمؤمنين.
أبو هريرة رضي الله تعالي عنه
وجدنا مؤامرة المستشرقين في محاولة هدم السنة المطهرة، وذلك بالتشكيك فيها جملة، والطعن في رواتها من الأئمة الأعلام.
والكاتب غذي بهذا التضليل، فردده وزاد عليه. ورأينا فريته بأن الفقهاء والعلماء بعد عصر الصحابة هم الذين اخترعوا السنة. ولكن شياطينه زينت له أن هذا وحده لا يكفي، فأراد أن يطعن في خير جيل من خير أمة أخرجت للناس، شهد الله تعالي لهم، وشهد الرسول ﷺ . ولذلك أراد أن يكون الطعن هنا بأسلوبه الملتوي الخبيث. أثني علي بعضهم وشهد لهم، ولكن هذا يذكرنا بقول الله :
стр. 845
﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ .
وانتقل الكاتب من هذا الثناء إلي الطعن في بقية الصحابة الكرام ليقول بأنهم هم جذور المأساة: مأساة وضع واختلاق الأحاديث، أي أن هذا الجيل المثالي الغرة في جبين البشرية كلها، هو الذي بدأ الكذب علي الرسول ﷺ !! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ .
وهذا الكذاب الأشر لا يجد ما يؤيد به كذبته إلا ما ذكره المستشرق اليهودى، ثم أبوه أحمد أمين بعد هذا، وهو حديث كلب الزرع الذي سبق بيان ما يتصل به. وراوية الإسلام الأول كثير في عصرنا من سلك مسلك اليهودى المستشرق في الطعن فيه.
وفي المؤتمر الثانى لجمعية إحياء التراث الإسلامي الذي عقد بالكويت في شوال سنة ١٤٠٥ هـ، وخصص للسنة المطهرة، ألقيت محاضرة عن منزلة السنة وشبهات حول الحديث، وبعد المحاضرة ظهر أثر حملات التشكيك في أسئلة الحاضرين، وظهرت الحيرة فيما يتصل بهذا الصحابى الجليل.
ولا أستطيع هنا أن أقدم ترجمة له، فسيرته العطرة أفردها أكثر من عالم في كتاب أو أكثر، وأكتفي بذكر بعض الحقائق من باب الذكرى، فإنها تنفع المؤمنين، حتي يعرف القارئ الكريم من قال فيهم الإمام ابن خزيمة " إنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمي الله قلوبهم فلا يفهمون معاني الأخبار ".
إسلامه:
عاش أبو هريرة أكثر من ثلاثين سنة قبل إسلامه. ثم هداه الله عزوجل وشرح صدره للإسلام فى عام خيبر. والمعروف أن الرسول ﷺ صار إلى خيبر فى المحرم، وتم فتحها فى صفر فى العام السابع من الهجرة، وقد شهدها أبو
стр. 846
هريرة وأسهم له الرسول ﷺ ، ومعنى هذا أن أبا هريرة رضى الله عنه أسلم فى بداية العام السابع. وقد عاش فى الإسلام خمسين عاماً، أو يزيد؛ لأنه مات سنة ٥٩ هـ على الأشهر، وقيل بأنه مات قبل هذا بعام أو عامين.
عريف أهل الصفة:
عندما أسلم لزم الرسول ﷺ ولم يفارقه مدة أربع سنوات إلا قليلاً. وساعد على هذه الملازمة أنه كان من أهل الصفة، ذلك المكان المظلل فى مسجد الرسول ﷺ الذى كان يعتبر أول مدرسة فى المدينة المنورة، ومثوى لفقراء المسلمين.
وبارك الله عزوجل لأبى هريرة فى هذه الفترة الزمنية القصيرة التى صحب فيها رسول الله ﷺ ، فحفظ الكثير من الحديث النبوى الشريف حتى أصبح أشهر من لجأ إلى الصفة وأعلم من تخرج فى تلك المدرسة وعريفها، بفضل دعاء الرسول ﷺ ، وتفرغه وإخلاصه وجده فى طلب العلم.
قال ابن عبد البر فى الاستيعاب (٤ / ٢٠٨) :
" أسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول الله ﷺ . ثم لزمه وواظب عليه رغبة فى العلم، راضياً بشبع بطنه، فكانت يده مع يد رسول الله ﷺ ، وكان يدور معه حيث دار. وكان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ . وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار؛ لاشتغال المهاجرين بالتجارة، والأنصار بحوائطهم.
فقد شهد له رسول الله ﷺ بأنه حريص على العلم والحديث. وقال له: يا رسول الله، إنى قد سمعت منك حديثاً كثيراً، وأنا أخشى أن أنسى. فقال: ابسط رداءك. قال فبسطته، فغرف بيده فيه، ثم قال: ضمه، فضممته، فما نسيت شيئاً بعد ".
حديث بسط الرداء:
стр. 847
وحديث بسط الرداء ذكره البخارى فى كتاب المناقب من صحيحه، فى باب ملحق بباب علامات النبوة، ولفظ الحديث الشريف: " قلت: يا رسول الله، إنى سمعت منك حديثاً كثيراً فأنساه. قال: فأبسط رداءك، فبسطته، فغرف بيده فيه، ثم قال: ضمه، فضممته، فما نسيت حديثاً بعد ".
وذكره الحميدى فى مسنده (٢ / ٤٨٣) ، وزاد: " وقام آخر فبسط رداءه، فقال النبى ﷺ : سبقك بها الغلام الدوسى ".
روى الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: " إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﵌، وتقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله ﵌ مثل حديث أبى هريرة؟ وإن إخوتى من المهاجرين كان يشغلهم الصفق فى الأسواق، وكنت ألزم الرسول ﷺ على ملء بطنى، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا. وكان يشغل إخوتى من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرأ مسكيناً من مساكين الصفة أعى حين ينسون؛ وقد قال رسول الله ﷺ فى حديث يحدثه: إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضى مقالتى هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول، فبسطت نمرة على، حتى إذا قضى رسول الله ﷺ مقالته جمعتها إلى صدرى، فما نسيت من مقالة رسول الله ﷺ تلك من شئ ". وفى رواية " فما نسيت شيئاً سمعته بعد ".
ويعقب الحافظ ابن حجر على هذا الخبر فيقول: " وهو من علامات النبوة، فإن أبا هريرة كان أحفظ من كل من يروى الحديث فى عصره، ولم يأت عن أحد من الصحابة كلهم ما جاء عنه ".
وفى موضع آخر يقول: " والحديث المذكور من علامات النبوة، فإن أبا هريرة كان أحفظ الناس للأحاديث النبوية فى عصره ". (
стр. 848
انظر قوله الأول فى تهذيب التهذيب ١٢ / ٢٦٦، والآخر فى الإصابة ٤ / ٢٦٨، وراجع شرحه: فتح البارى) .
شهادة الرسول ﷺ :
أما شهادة خير البشر ﷺ لأبى هريرة التى أشار إليها ابن عبد البر فإنا نرى ما يبينها فى حديث شريف. ففى الجزء الثالث من المستدرك (ص ٥٠٩) نقرأ ما يأتى: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدورى، ثنا أبو النضر، ثنا أبو الأحوص، عن زيد العمى، عن ابى الصديق الناجى، عن أبى سعيد الخدرى ـ رضى الله عنه ـ قال: قال رسول الله ﵌: " أبو هريرة وعاء العلم "
ولم يتكلم الحاكم على الحديث، قال الذهبى فى تلخيص المستدرك (١ / ٣) : " لم أره يتكلم عن أحاديث جمة، بعضها جيد وبعضها واه ".
والذهبى الذى تعقب الحاكم فى كثير من الأحاديث، وبين أنها ضعيفة أو موضوعه، لم يشر إلى أى وهى فى إسناد هذا الحديث الشريف. وربما كان هذا كافياً لقبوله، حيث إنه من أحاديث الفضائل؛ فقد ثبت عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة أنهم قالوا: "إذا روينا فى الحلال والحرام شددنا، وإذا روينا فى الفضائل ونحوها تساهلنا ".
(راجع ص ١١ من كتاب: القول المسدد فى الذب عن المسند لابن حجر) . والذهبى نفسه قال فى سير أعلام النبلاء (٢ / ٥٩٤) : " كان حفظ أبى هريرة الخارق من معدودات النبوة "، واستدل باحاديث أشار إلى صحتها، وذكر من الأدلة ما يثبت ما ذهب إليه هو وغيره من الأئمة، ثم ذكر
стр. 849
هذا الحديث الشريف ولكن بلفظ: " أبو هريرة وعاء من العلم " بزيادة " من " وهذا يدل على قبوله وعدم رفضه، وإن لم ينص على صحته (١) .
стр. 850
ومن النظر فى رجال الإسناد نرى أن الحديث صحيح أو حسن على الأقل عند بعض الأئمة، وعند أكثرهم يعتبر ضعيفاً لا يحتج به فى الحلال والحرام، ولكن يكتب، وموضع الخلاف مرده إلى وجود زيد العمى، ومثله إن لم يحتج بحديثه، أخذ به فى الفضائل ونحوها، أى أن هذا الحديث يقبل من حيث الإسناد.
أما المتن فله ما يعضده، ويشهد بصحته، وقد يكفى ما سبق من الأحاديث الشريفة الأخرى، وما بينته من الدلالات، وما أثبته الأئمة من أن حفظ أبى هريرة من علامات النبوة، ولكن فلنزد الأمر وضوحاً وتأكيداً.
فى كتاب العلم فى صحيح البخارى نجد " باب حفظ العلم ". ونقرأ أحاديث الباب فنراها كلها تتعلق بحفظ أبى هريرة وحده.
ويأتى الحافظ فى الفتح ليفسر مسلك الإمام البخارى فيقول: " لم يذكر فى الباب شيئاً عن غير أبى هريرة، وذلك لأنه كان أحفظ الصحابة للحديث، قال الشافعى رضى الله عنه: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث فى عصره وقد كان ابن عمر يترحم عليه فى جنازته ويقول: كان يحفظ على المسلمين حديث النبى ﷺ .
هكذا فليكن الحفظ:
ومما يثبت حفظه ما رواه الحاكم بسنده: " حدثنا الزعيزعه كاتب مروان بن الحكم، أن مروان دعا أبا هريرة، فأقعدنى خلف السرير، وجعل يسأله، وجعلت أكتب حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به فأقعده وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر ".
وصحح الحاكم الخبر، ووافقه الذهبى. (انظر المستدرك ٣ / ٥١٠) .
стр. 851
وذكره الذهبى فى سير أعلام النبلاء (٢ / ٥٩٨) ثم عقب بقوله: " قلت: هكذا فليكن الحفظ. قال الشافعى: أبو هريرة ... إلخ. ".
وذكره ابن حجر فى الإصابة (٤ / ٢٠٥) ، وابن كثير فى البداية والنهاية (٨ / ١٠٦) .
وبين لنا زيد بن ثابت رضى الله تعالى عنه سبب حفظ أبى هريرة رضى الله تعالى عنه:
حدث محمد بن قيس بن مخرمة أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت رضى الله تعالى عنه يسأله عن شئ فقال له زيد: " عليك بأبى هريرة فإنى بينما أنا وأبو هريرة وفلان فى المسجد ذات يوم ندعو الله تعالى ونذكره، إذ خرج علينا النبى ﷺ حتى جلس إلينا، فسكتنا فقال: عودوا للذى كنتم فيه. قال زيد: فدعوت أنا وصاحبى قبل أبى هريرة، وجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إنى اسألك ما سألك صاحباى، وأسألك علماً لا ينسى. فقال رسول الله ﷺ : آمين. فقلنا يا رسول الله ونحن نسأل الله تعالى علماً لا ينسى، فقال: سبقكم بها الغلام الدوسى ". قال ابن حجر: " أخرجه النسائى بسند جيد فى العلم من كتاب السنن ". (الإصابة ٤ / ٢٠٨، وذكره فى التهذيب ١٢ / ٢٦٦) وأخرجه الحاكم فى المستدرك (٣ / ٥٠٨) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ولكن الحاكم رواه عن طريق حماد بن شعيب، فتعقبه الذهبى وقال: قلت: حماد ضعيف. وفى سير أعلام النبلاء (٢ / ٦٠٠) ذكر هذا الخبر وقال: " أخرجه الحاكم، لكن حماد ضعيف ".
وفى موضع آخر من السير (٢ / ٦١٦) ذكر الخبر بإسناد آخر، فيه الفضل بن العلاء بدلاً من حماد، ثم قال: " تفرد به الفضل بن العلاء، وهو صدوق ".
стр. 852
وفى موضع ثالث (٢ / ٦٨) قال الذهبى: " وفى سنن النسائى أن أبا هريرة دعا لنفسه: اللهم إنى أسألك علماً لا ينسى. فقال النبى ﷺ . آمين ".
شهادة ابن عمر:
وابن عمر رضى الله تعالى عنهما بين حفظ أبى هريرة وعلمه وفضله، أما الذين ذكروا أنه كذبه وسخر منه فقد وقعوا فى خطأ جسيم، حيث أخذوا من الأخبار ما يشتهون وتركوا منها ما يثبت ما لا يريدون.
ولننظر مثلاً إلى هذا الخبر الصحيح عن ابن عمر نفسه، فإنه: مر بأبى هريرة وهو يحدث عن النبى ﷺ أنه قال: من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط أعظم من أحد. فقال له ابن عمر: أبا هر، انظر ما تحدث عن رسول الله ﷺ !!
فقام إليه أبو هريرة، حتى انطلق به إلى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، أنشدك بالله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان؟ فقالت: اللهم نعم. فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يشغلنى عن رسول الله ﷺ غرس الودى ولا صفق بالأسواق، إنى إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمة يعلمنيها، وأكلة يطعمنيها.
فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ ، وأعلمنا بحديثه ".
(انظر الخبر، وبيان الشيخ شاكر لصحة إسناده، فى المسند للإمام أحمد ج ٦ ص ٢١٣، حديث رقم ٤٤٥٣ ط دار المعارف) .
والخبر انتهى بشهادة ابن عمر، ولكن الطاعنين يذكرون الجزء الأول فقط!! أما غيرهم فإما أن يذكر الخبر كاملاً، أو يكتفى بذكر الشهادة، فهى المقصود من إيراد الخبر.
стр. 853
فالحاكم يذكر الخبر كاملاً فى المستدرك (٣ / ٥١٠ ـ ٥١١) ، ويقول: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
والذهبى فى تلخيص المستدرك يكتفى بشهادة ابن عمر، ويعقب بقوله: ... " صحيح " وفى سير أعلام النبلاء، يذكر الخبر بتمامه، ويقول: رواته ثقات ... (٢ / ٦١٧) . وفى موضع آخر (٢ / ٦٢٩) يذكر الشهادة وحدها. ويضيف ابن حجر شهادة أخرى، وهى قول ابن عمر: " أبو هريرة خير منى وأعلم بما يحدث ". (الإصابة ٤ / ٢٠٨، وتهذيب التهذيب ١٢ / ٢٦٧) . وذكر أيضاً أن ابن عمر قال: " أكثر أبو هريرة. فقيل لابن عمر: هل تنكر شيئاً مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجبنا. فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: ما ذنبى إن كنت حفظت ونسوا ". (انظر الإصابة ٤ / ٢٠٩) .
حفظ ونسوا
ومراجعة بعض الصحابة الكرام لأبى هريرة يرجع فى الغالب الأعم إلى حفظ أبى هريرة ونسيان غيره؛ فحفظه من معجزات النبوة كما رأينا، ويرجع إلى أنه سمع ما لم يسمعوه.
روى الحاكم بسنده عن محمد بن عمرو بن حزم: أنه قعد فى مجلس فيه أبو هريرة، يحدثهم عن رسول الله ﷺ ، ينكره بعضهم، ويعرفه البعض، حتى فعل ذلك مراراً، فعرفت يومئذ أن أبا هريرة أحفظ الناس عن رسول الله ﷺ . ولم يعقب الذهبى على هذا الخبر. (انظر المستدرك ٣ / ٥١١) .
ولكن الذهبى فى سير أعلام النبلاء (٢ / ٦١٧) ذكر الخبر وقال: رواه البخارى فى تاريخه، وهو عن محمد بن عمارة بن حزم الأنصارى، وفيه: " أنه قعد فى مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ ، بضعة عشر رجلاً، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبى ﷺ بالحديث، فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه، فيعرفه بعضهم، ثم يحدثهم بالحديث، فلا
стр. 854
يعرفه بعضهم، ثم يعرفه، حتى فعل ذلك مراراً قال: فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول الله ﷺ ".
وروى الترمذى والحاكم أن طلحة رضى الله تعالى عنه سئل عن كثرة أحاديث أبى هريرة فقال:
" والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع وعلم ما لم نعلم. إنا كنا قوماً أغنياء لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتى رسول الله ﷺ طرفى النهار ثم نرجع، وكان هو مسكيناً لا مال له ولا أهل، وإنما كانت يده مع رسول الله ﷺ وكان يدور معه حيثما دار، فما نشك أنه قد علم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع ".
وهذا الخبر ذكره أيضاً البخارى فى التاريخ وأبو يعلى (انظر تحفة الأحوذى ٤ / ٣٥٣) والذهبى فى السير (٢ / ٦٠٥، ٦٠٦، وفى حاشية ٦٠٦ بيان لصحة الإسناد) وابن كثير فى البداية والنهاية (٨ / ١٠٩) ، وابن حجر فى أكثر من كتاب، وزاد فى الإصابة (٤ / ٢٠٩) قول طلحة: " قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا ". وقال ابن كثير فى البداية والنهاية (٨ / ١٠٩) : " قال شعبة، عن أشعث بن سليم، عن أبيه، قال: سمعت أبا أيوب يحدث عن أبى هريرة، فقيل له: أنت صاحب رسول الله ﷺ ، وتحدث عن أبى ... هريرة؟ ! فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإنى إن أحدث عنه أحب إلى من أحدث عن رسول ﷺ يعنى ما لم أسمعه منه ". والخبر أخرجه الحاكم فى المستدرك (٣ / ٥١٢) ، وذكره الذهبى فى السير (٢ / ٦٠٦) . وقال ابن حجر فى الإصابة (٤ / ٢٠٥) : قال وكيع فى نسخته: حدثنا الأعمش عن أبى صالح قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد ﷺ . وأخرجه البغوى من رواية أبى بكر بن عياش عن
стр. 855
الأعمش بلفظ: ما كان أفضلهم ولكنه كان أحفظ. (وانظر المستدرك ٣ / ٥٠٩، سير أعلام النبلاء ٢ / ٥٩٧) وابن حجر بعد أن ذكر عدة أخبار تبين حفظ وفضل هذا الصحابى الجليل، قال: والأخبار فى ذلك كثيرة (الإصابة ٤ / ٢٠٨) .
وابن كثير ذكر قول أبى صالح بلفظ: " كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ . ولم يكن بأفضلهم ". (البداية ٨ / ١٠٦) . وفى موضع سابق (٨ / ١٠٤) قال ابن كثير: " قد لزم أبو هريرة رسول الله ﷺ بعد إسلامه فلم يفارقه فى حضر ولا سفر، وكان أحرص شىء على سماع الحديث منه وتفقه عنه، وكان يلزمه على شبع بطنه ". ثم ذكر حديثاً رواه الإمام أحمد وفيه: " قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببنى وأمى إلى عباده المؤمنين، فقال: اللهم حبب عبدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم إليهما، قال أبو هريرة: فما خلق الله من مؤمن يسمع بى ولا يرانى أو يرى أمى إلا وهو يحبنى ".
ثم عقب الحافظ ابن كثير على هذا الحديث بقوله:
وقد رواه مسلم من حديث عكرمة عن عمار نحوه. وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس. قد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من روايته من إيراد هذا الخبر عنه على رؤوس الناس في الجوامع المتعددة في سائر الأقاليم في الإنصات يوم الجمعة بين يدى الخطبة والإمام على المنبر، وهذا من تقدير الله العزيز العليم، ومحبة الناس له رضى الله عنه.
من أسباب كثرة مروياته:
وهكذا نرى أن أبا هريرة رضى الله تعالى عنه قد بورك في الفترة الزمنية القصيرة التي شرف فيها بصحبة خير البشر ﷺ ، وإلى جانب هذا فقد بارك الله له في باقى عمره في الإسلام حيث استطاع أن يعوض كثيراً مما فاته، فلم يكتف بالرواية عن رسول الله ﷺ وروى عن كبار الصحابة الذين
стр. 856
أدركهم مثل: أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وأبى بن كعب - أستاذ مدرسة التفسير بالمدينة في عصر التابعين - وأسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ وأم المؤمنين عائشة، وغيرهم من الصحابة الكرام البررة رضى الله تعالى عنهم، وكان هذا من أسباب كثرة مروياته، حيث امتد عمره بعد عصر النبوة، واحتاج الناس إلى علمه.
أما الذين رووا عنه فما أكثرهم!!!
قال الإمام البخارى: روى عنه نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم. (سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٦٨، والبداية والنهاية ٨ /١٠٣، والاستيعاب ٤ /٢٠٩، والإصابة ٤ /٢٠٥، وأضاف ابن حجر: وكان أحفظ من روى في عصره) .
ترى: أيمكن أن يروى عنه مثل هذا العدد، وأن يثقوا به ويلجأوا إليه ما لم يجدوا عنده العلم الصحيح النافع. والكلم الطيب الثابت عن رسول الله ﷺ . وليس هذا فحسب، فإنه وجد في عصر لم يشع فيه التدوين، وقل من دون السنة الشريفة، ومع هذا بالبحث نجد أن عشرة قد دوَّنوا بعض ما سمعوا منه، وأول صحيفة كاملة وصلتنا هي صحيفة همام بن منبه كتبها عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه. (انظر من كتب عنه في ص ٩٧: ٩٩ من كتاب الدكتور محمد الأعظمى: دراسات في الحديث النبوى) .
ونتيجة لهذا الاهتمام المشكور بالرواية عن هذا الصحابى الجليل وصلنا من الأخبار التي رويت عنه (٥٣٧٤) ، روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من هذه الأخبار (٣٨٤٨) ، واتفق الشيخان على (٣٢٥) ، وانفرد الإمام البخارى بثلاثة وتسعين، والإمام مسلم بتسعة وثمانين ومائة.
стр. 857
وهذه الروايات التي زادت على خمسة آلاف إنما هي بالمكرر، وذكر الدكتور الأعظمى في كتابه: أبو هريرة في ضوء مروياته (ص٧٦) بأن أحاديثه في المسند والكتب الستة هي ١٣٣٦ حديثاً فقط، وذلك بعد حذف الأسانيد المتكررة.
وهذا القدر يستطيع طالب عادى أن يحفظه في أقل من عام، فما بالك بمن كان حفظه من معجزات النبوة.
والفرق بينهما أن الطالب يبذل مجهوداً ليحفظ، ثم من طبيعته النسيان، أما الإعجاز فظهر في الحفظ بالسماع وعدم النسيان.
من شهادات الأئمة
أحب أن أختم هذه الكلمة الموجزة بذكر شئ من أقوال بعض الأئمة والحفاظ:
قال الإمام الشافعى فى الرسالة (ص ٢٨١) : " أبو هريرة أحفظ من روى الحديث فى دهره ".
وقال الحاكم فى مستدركه (٣ / ٥١٢) : " قد تحريت الابتداء من فضائل أبى هريرة رضى الله عنه؛ لحفظه لحديث المصطفى ﷺ ، وشهادة الصحابة والتابعين له بذلك، فإن كل من طلب حفظ الحديث من أول الإسلام وإلى عصرنا هذا فإنهم من أتباعه وشيعته، إن هو أولهم، وأحقهم باسم الحفظ ".
ثم قال: وفى الصفحة التالية ذكر اسماء الصحابة الذين رووا عنه، وعددهم ثمانية وعشرون، منهم: زيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصارى، وأبى بن كعب، وغيرهم من أكابر الصحابة رضى الله عنهم.
وقال بعد ذكرهم
" فأما التابعون فليس فيهم أجل ولا أشهر وأشرف وأعلم من أصحاب أبى هريرة، وذكرهم فى هذا الموضع يطول لكثرتهم، والله يعصمنا من مخالفة رسول رب العالمين، والصحابة المنتخبين، وأئمة الدين من التابعين ومن بعدهم من أئمة
стр. 858
المسلمين، رضى الله عنهم أجمعين، فى أمر الحافظ علينا شرائع الدين أبى هريرة رضى الله عنه ".
وقال الذهبى فى سير أعلام النبلاء
" كان حفظ أبى هريرة الخارق من معجزات النبوة ". (٢ / ٥٩٤) " احتج المسلمون قديماً وحديثاً بحديثه " (٢ / ٦٠٩) " إليه المنتهى فى حفظ ما سمعه من الرسول ﷺ وأدائه بحروفه. " (٢ / ٦١٩)
" قد كان أبو هريرة وثيق الحفظ، ما علمنا أنه أخطأ فى حديث ". (٢ / ٦٢١)
" ... فهو رأس فى القرآن، وفى السنة، وفى الفقه ". (٢ / ٦٢٧)
وقال ابن كثير فى البداية والنهاية (٨ / ١١٠)
" قد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم ".
خاتمة
هذا هو أبو هريرة وعاء العلم، فكيف نجد فى عصرنا من ينسب نفسه للإسلام ويعرض عن قول رسول الله ﷺ ، والصحابة والتابعين، والأئمة الأعلام الهداة المهديين، ويأخذ بقول الضالين المضلين؟ !
هذا المسلك يفسره العلامة المرحوم الشيخ أحمد شاكر فيقول:
" وقد لهج أعداء السنة، أعداء الإسلام، فى عصرنا، وشغفوا بالطعن فى أبى هريرة، وتشكيك الناس فى صدقه وفى روايته. وما إلى ذلك أرادوا، وإنما أرادوا أن يصلوا ـ زعموا ـ إلى تشكيك الناس فى الإسلام، تبعاً لسادتهم المبشرين. وإن تظاهروا بالقصد إلى الاقتصار على الأخذ بالقرآن، أو الأخذ بما صح من الحديث ـ فى رأيهم، وما صح من الحديث فى رأيهم إلا ما وافق
стр. 859
أهواءهم وما يتبعون من شعائر أوربة وشرائعها. ولن يتورع أحدهم عن تأويل القرآن، إلى ما يخرج الكلام عن معنى اللفظ فى اللغة التى نزل بها القرآن، ليوافق تأويلهم هواهم وما إليه يقصدون!!
وما كانوا فى أول من حارب الإسلام من هذا الباب، ولهم فى ذلك سلف من أهل الأهواء قديماً. والإسلام يسير فى طريقه قدماً، وهم يصيحون ما شاءوا، لا يكاد الإسلام يسمعهم، بل هو إما يتخطاهم لا يشعر بهم، وإما يدمرهم تدميراً.
ومن عجب أن تجد ما يقول هؤلاء المعاصرون، يكاد يرجع فى أصوله ومعناه إلى ما قال أولئك الأقدمون! بفرق واحد فقط: أن أولئك الأقدمين، زائغين كانوا أم ملحدين، كانوا علماء مطلعين، أكثرهم ممن أضله الله على علم!!
أما هؤلاء المعاصرون، فليس إلا الجهل والجرأة، وامتضاغ ألفاظ لا يحسنونها، يقلدون فى الكفر، ثم يتعالون على كل من حاول وضعهم على الطريق القويم!! " ا. هـ. (المسند للإمام أحمد بشرحه ١٢ / ٨٤ ـ ٨٥)
رحم الله تعالى أبا هريرة جزاء ما قدم للإسلام وأهله وجعلنا من محبيه، وجمعنا معه فى واسع جنته.
هذا الصوت نعرفه
هذا الكاتب لم يكتف بما جنته يداه، وما سطره فى كتابه من كفر صريح، بل استمر فى غيه وضلاله، وركز هجومه على أحكام الله تعالى التى شرعها لعباده ورضيها لهم بنص كتابه المجيد. فسخر من آيات الله عزوجل، وما جاءت به من أحكام، كجعل شهادة الرجل كشهادة امرأتين.
والذين تصدوا لبيان ضلال الكاتب منهم من ذكر اسمه متأذياً، ومنهم من رأى ألا يذكر اسم اللعين.
وقد اعجبتنى كلمة الأستاذ ثروت أباظة تحت عنوان:
" هذا الصوت نعرفه "، وأحب أن أختم الموضوع بذكر شىء منها.
стр. 860
بدأ الأستاذ كلمته بقوله:
تصبح الشهرة عند بعض الناس نشيدة حياه، وأملاً يتخطفهم الموت فى سبيلها، ويبذلون من أجل رنينها كل ما يشرف الإنسان أن يتحلى به، حتى إذا أعيتهم الوسائل، ووقفت دون مقاصدهم العراقيل، بذلوا دينهم وإيمانهم، وأعلنوا إلحادهم مجاهرين به غير مخافتين.. صارخين به غير هامسين، يحدوهم الأمل الحقير أن يعود عليهم الكفر بما لم يدركوه فى ستار الإيمان.
ولقد نعرف بعض هؤلاء اليوم، ولقد عرفنا أشباهاً لهم من قبل. ومنهم من عاصرناه. ومنهم من أكرمنا الله بعدم رؤيته، أو العيش معه فى زمن واحد.
وربما لا يكون هؤلاء الملحدون شيوعيين. فالقاعدة المنطقية تقول: إن كل شيوعى ملحد وليس كل ملحد شيوعياً. فقد يكون الملحد إذن غير شيوعى، بل قد يكون رأسمالياً متطرفاً. ولكنه يظل مع ذلك ملحداً كافراً زنديقاً.
وقد يصيب الملحد بإلحاده نصيباً من الشهرة، ولكنه ينسى أن الشهرة ليست فى ذاتها نوعاً من الشرف، بل قد تكون لوناً من حقارة الشأن وتفاهة الفكر وهوان الشأن.
إن نوع الشهرة هو الذى يدعو الجمهور إلى احترام الشهير وليست الشهرة فى ذاتها..
فالناس لا تحترم القاتل الشهير ولا اللص الحقير مهما يكن بعيد الصيت.. ولا المرتشى الوضيع مهما يكن ذا منصب خطير. ونصيب الملحد ذى الشهرة أن يدوسه الناس بالأقدام، ويرجموه بالحجارة
ثم قال:
ومن هؤلاء من أدرك أن الهجوم على العباد مهما يكونوا أعلاماً خفاقة لن يصل بهم إلى الشهرة التى بها يحلمون وبمجدها يهيمون، فقالوا وما لنا لا نهاجم الدين نفسه ونعلن عدم إيماننا بكلام الله وهو الله؟ فما دامت مهاجمة الكتاب لم تأت لنا إلا بالشهرة المؤقته فلابد أن مهاجمة كلام الله ستأتى لنا بالشهرة الثابتة!
стр. 861
وظهرت كتب ملحدة صريحة فى إلحادها، وثار بها الناس وأصاب أصحابها الشهرة، ولكنها كانت شهرة نجسة بخيسة مرغت أسماءهم فى الدنس أياماً ثم زالت عنهم الشهرة وبقى لهم الدنس.
وتعلم الملحدون ألا يعلنوا إلحادهم، واستفادوا من الدرس الذى رأوه رأى العين فيمن سبقهم.. ... ..
ثم قال:
ولكن رأينا فى الزمن الأخير بعض من لا نذكره، ومن يعف القلم عن أن يخط حروف اسمه، يعلن إلحاده فى وقاحة نعرفها لسابقيه فى الإلحاد.
وانتقل الأستاذ ثروت أباظة بعد هذا لما أثاره هذا الكاتب فقال:
والقضية التى ساقها هذا الملحد ليعلن بها عن إلحاده قضية متهاوية لا تحتمل أى نقاش. فالأمر فيها واضح غاية الوضوح، وقد شرحها الله تعالى بمحكم آياته
ولكنه الملحد الجاهل يهاجم النص القرآنى فى جهالة رعناء ساذجة سذاجة ينفر منها الأطفال. ولو أننا قبلنا أن نناقش القضية لعقدنا مقارنة لا تنعقد بين كلام الله ـ وهو الله ـ وبين رأى فطير حقير لا يجوز له أن يذكر أو يناقش.
وقد نسى هذا الجاهل فى حمأة جنونه بالشهرة أن هذا القرآن مر بألف وأربعمائة عام وتزيد، وحفظه مئات الملايين، وناقشه الأئمة الهداة.. وناقشه أيضاً الملحدون الباحثون عن الشهرة وتهجموا على قدسيته، فإذا بالقرآن الكريم يقف شامخاً سابقاً ميسوراً على الهداة، متأنياً إباء الجبال الشم على الملحدين الزنادقة، لم يستطيعوا أن يهزوا حرفاً من حروفه بتشكيك، أو يهزوا كلمة من محكم كلامه لأى أثر من حيرة.
ومن هؤلاء الذين قرأوا القرآن علماء فى شتى ألوان العلوم: منهم علماء فى اللغة ومنهم علماء فى الفقه.. ومنهم علماء فى المنطق، ومنهم علماء فى علم الكلام، ومنهم من ولى القضاء، ومنهم رجال الشرع.. وهيهات أن يحيط
стр. 862
بالباحثين فى كتاب الله تحديد.. إنه معروض على الأزمان وعلماء هذه الأزمان على مدى ألف وأربعمائة عام.
أولم يقدر هذا الملحد الجديد أن الذى عرض له تعرض لملايين البحوث، ولم يقل واحد منهم بما قال، لهوان ما قال وضآلته أن يثبت لتفكير على قدر ضئيل من الاستقامة.
ومهما يكن مقدار جهلك فأنت تعلم هذا علم يقين.. ومهما يكن مقدار جهلك فأنت تعلم مقدار سخافة الرأى الذى سقته.. وأنت لا شك تقدر مدى الغضب الذى أثرته فى نفوس المسلمين كافة بما تقول.. وأنت أيضاً لا شك أردت أن تثير هذا الغضب بأمل منك سقيم أن تنال به ما تهفو إليه نفسك المريضة الساقطة من شهرة.. وقسماً لن أنيلك ما تصبو إليه من الشهرة المريضة وأنا أكتب هذا الحديث متوجهاً إلى علمائنا الأفاضل ألا يحاول أحد منهم أن يجعل منك صاحب رأى فيناقشه، فما تبقى أنت إلا أن يناقشك كرام الفقهاء وينزلوا بك سخطهم لتنال به شهرتك.
وقد تفضل عالم جليل وتنازل وتناول رأيك بالتفنيد دون أن يذكر اسمك أو اسم مجلتك الحمراء الرعناء. وإنى أرى أنك أهون من هذا الذى فعل الشيخ الجليل. وعلى كل حال فحسبك هذا النقاش بل هو فوق الحسب.. وإنى أكاد أثق أن الفقهاء لن يذكروك بعد ذلك أبداً فإنهم ـ لا شك ـ أدركوا مقصدك، وإنهم من الذكاء واللماحية بحيث يجعلونك تعود من جولتك الملحدة بالخيبة وسوء المآب (١) .
ولا شك أنك تعلم أن مثلك لا غفران له عند الله، فقد أشركت وما لمشرك غفران، ولو لم تنل إلا بعدك عن رحمة لكان هذا فى ذاته أوفى عقاب لو كنت
стр. 863
تملك من العقل صبابة.. ولكن من أين لك بها؟ ! وهل لمن يقدم على ما أقدمت عليه أى نصيب من عقل أو إحساس أو منطق أو فكر أو خلق؟
لقد صدمت الشعور العام لكل المسلمين، ولو أنك فعلت هذا وقلت شيئاً يستحق النقاش لقلنا ملحد ولكنه يحاول أن يفكر، أما أن تصنع هذا من أجل الشهرة وحدها بعد أن أخطأتها في كل ميدان سعيت إليها فيه فتلك إذن كبرى الكبائر.. وليكونن عقابك في الدنيا خزياً وفى الآخرة ناراً لا تموت فيها ولا تحيا.
ربنا سبحانك وتعاليت وتقدست أسماؤك ... وما هم إلا عبادك وأنت وحدك تعلم الكافر منهم، وتعلم من اهتدى ... وأنت العدل المطلق القاهر على العباد الواحد القيوم الحق ... سبحانك لا تحاسبنا بما أتى السفهاء منا، فإنهم يا الله لا يعلمون ... وأنت وحدك سبحانك من يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ... تعاليت..
стр. 864
الجزء الرابع في أصول الفقه والفقه
مقدمة
إن الحمد كله لله، نحمده سبحانه وتعالي ونستعينه ونستهديه ونشكره أن وفقنا - بعظيم فضله وكرمه ومنه - إلى إنجاز هذا العمل الخالص لوجهه الكريم، ونسأله أن ينفع به المسلمين، وينير به الطريق أمام الذين ضلوا وتأثروا بأباطيل الرافضة، وأن يجعله في ميزاننا يوم نلقاه سبحانه وتعالي، ونصلى ونسلم على رسوله المصطفي خير البشر، وعلى آله الأطهار، وصحبه الكرام الأبرار، وعلى من اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فمنذ عدة سنوات وأنا أتضرع إلى الله جلت قدرته لتحقيق هذا الهدف الكبير، هدف إخراج موسوعة علمية تبين للمسلمين حقيقة الشيعة والرافضة، وتناقش ما يتصل بالأصول والفروع في ضوء الكتاب والسنة والأدلة المعتبرة، كما تناقش أدلتهم الباطلة، وما يثيرونه من شبه واهية تمتلئ بها المئات من كتبهم المنتشرة بين المسلمين، وهذه الكتب غالباً توزع مجاناً، وتهدى إلى كل من يستطيعون الإهداء إليه لنشر عقيدتهم الباطلة، وآرائهم الضالة، ومن أوضح الأمثلة على ذلك كتاب المراجعات.
فالحمد الكثير والشكر والثناء العظيم لله المنعم الوهاب الذي أعانني على الانتهاء من الجزء الرابع بعد أن أعانني على الانتهاء من الأجزاء الثلاثة السابقة.
والجزء الأول تكفل بعقيدة الإمامة والعقائد التابعة للشيعة الاثنى عشرية، والثاني كان في التفسير المقارن وأصوله وكتبه، والجزء الثالث تناول الحديث وعلومه وكتبه، دراسة مقارنة.
أما آخر أجزاء الموسوعة، وهو هذا الجزء الرابع، فيشتمل على أصول الفقه والفقه، دراسة مقارنة أيضاً.
стр. 865
أصول الفقه عند الشيعة الاثنى عشرية أربعة هي: الكتاب، والسنة، والإجماع والعقل، وتحدثنا عما يتصل بالكتاب والسنة في الجزأين الثاني والثالث، ولذلك اكتفيت هنا بالإشارة السريعة إلى ما سبق بيانه ثم تحدثت عن الإجماع والعقل، وجعلت أصول الفقه في الباب الأول، أما الفقه فقد خصصته ببابين، يليهما خاتمة للكتاب كله بأجزائه الأربعة.
والغاية من البابين الثاني والثالث أن نستخرج الأحكام الفقهية التي ذهب إليها الجعفرية الاثنا عشرية تأثراً بعقيدتهم في الإمامة، أي أنها أحكام لا تصح إلا بصحة الإمامة التي يعتقدونها.
والجزء الأول تكفل بمناقشة الإمامة، وانتهينا منه إلى أن عقيدة الإمامة عند الجعفرية الاثنى عشرية لا مستند لها من كتاب ولا سنة، وأن الأدلة أثبتت غير ما ذهبوا إليه، وما دمنا قد انتهينا من بحثنا إلى هذه النتيجة فلا حاجة إذن إلى مناقشة ما نذكره من الآراء الفقهية المرتبطة بالإمامة عندهم، فما بنى على باطل فهو باطل.
وقد يقال: إن هذه الآراء الفقهية ربما يكون لها أدلة استندوا إليها، وهذا يستدعى مناقشة الأدلة، فنقول: إن الآراء التي ستذكر في هذا الجزء لها أدلتها عندهم فعلاً ولكن الأدلة هي أيضاً أثر من آثار الإمامة، أي أنها مبنية على العقيدة التي أثبتنا عدم صحتها، مثال هذا ما ذكرناه في أواخر الجزء الثاني عن أثر الإمامة في الحج: من حيث الأحكام، والروايات التي وردت في كتب السنة عند الجعفرية الرافضة، وقد رأينا أن واضعي الروايات أكثر غلواً من واضعي الآراء الفقهية، وقد أثبتنا في الجزء الثالث أن جميع الأخبار المتصلة بأئمتهم الاثنى عشر وضعت في عصور متأخرة.
فالآراء الفقهية التي تعتبر نتيجة التأثر أو الغلو في عقيدة الإمامة لا مستند لها من كتاب أو سنة، وإنما تستند إلى روايات ينسب أكثرها للأئمة، ومع أن الأدلة أثبتت عدم صحة إمامتهم بالطريقة التي يذهب إليها الجعفرية الرافضة، إلا أن
стр. 866
الأئمة كانوا من التقوى والصلاح، من وجهة نظرنا، بحيث إننا نراهم أجل من أن يأتوا بمثل هذه الروايات المفتراة، وإنما افتراها على الأئمة غلاة الجعفرية الرافضة الضالون، المضلون، كما افتروا الكذب على الرسول ﷺ .
ومع أنه يكفي أن نذكر الآراء الفقهية التي ذهب إليها الجعفرية الرافضة تأثراً بعقيدتهم في الإمامة، ولا حاجة لمناقشتها، غير أنني ناقشت بعض النقاط بشيء من التفصيل في الفصلين الأول والثاني من الجزء الثاني كنموذج للمناقشات التفصيلية حتى لا يطول بنا الحديث، وبعد الفصلين اكتفيت بالإشارة إلى أهم ما جاء في فقههم تأثراً بعقيدتهم الباطلة، ثم ذكرت بعض الأخبار التي وضعوها لتأييد باطلهم (١) .
وبتحديد هذه الآراء الفقهية نرى أن بقية الفقه الجعفري يمكن أن ينظر إليه كسائر المذاهب الفقهية، فتقبل الأحكام أو ترفض في ضوء الأدلة (٢) ، وبذا نكون قد أوضحنا بعض معالم الطريق أمام دعاة التقريب، وهذا الفقه الذي تأثر واضعوه بعقيدتهم الباطلة، وبنى على ترجيح ما خالف جمهور المسلمين وإن وافق الكتاب والسنة، هذا الفقه لا يمكن معه التقريب إلا إذا تخلى الرافضة عن باطلهم.
وفي مقدمة كتابى " فقه الشيعة الإمامية ... " ذكرت أنني اعتمدت على ثلاثة كتب لبيان الأحكام عند الجعفرية الاثنى عشرية:
الأول: المختصر النافع في فقه الإمامية، ألفه أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلى الملقب بالمحقق.
стр. 867
الثاني: الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية لزين الدين الجبعى العاملى الملقب بالشهيد الثاني، واللمعة الدمشقية لمحمد بن جمال الدين مكى العاملى الملقب بالشهيد الأول.
وذكرت ما يبين مكانة هذين الكتابين عند الجعفرية الاثنى عشرية.
الثالث: مفتاح الكرامة شرح قواعد العلامة لمحمد الجواد بن محمد الحسين العاملى، والمقصود بالعلامة الحسن بن يوسف بن المطهر الحلى.
ويعتبر هذا الكتاب من أكبر الموسوعات في الفقه الجعفري، أخذت منه ما تركه الكتابان الأولان، ورأيت أن لا حاجة إلى ذكره، وهو ليس بكثير، ولهذا كنت أشير إلى صفحاته فيما استخرجه منه.
هذا ما سلكته لتحديد أحكام الطهارة والصلاة في ذلك الكتاب، وهنا سأستند إلى هذه الكتب الثلاثة أيضاً مع إضافة مرجع جديد هو " مستمسك العروة الوثقى " للسيد محسن الطباطبانى الحكيم، مرجع الجعفرية بالعراق قبل الخوئى، والكتاب موسوعة فقهية عصرية فهو يبين ما عليه الجعفرية الرافضة في عصرنا (١) ، وسوف أسلك نفس الطريقة في عدم ذكر صفحات ما هو موجود في الكتابين الأولين لكثرة المنقول منهما وسهولة استخراجه، ونكتفي بالإشارة إلى موضع ما نأخذه من الموسوعتين إلى جانب بعض الكتب الأخرى كالخلاف للطوسى وغيره (٢) .
وهذان البابان مقسمان حسب تقسيم الفقه عند الجعفرية الاثنى عشرية، قال الأستاذ محمد تقى القمي: " جرت العادة عند المؤلفين من فقهاء الإمامية أن يقسموا
стр. 868
الموضوعات الفقهية إلى أربعة أقسام (العبادات، العقود، الإيقاعات، الأحكام) ولعل وجه الحصر أن المبحوث عنه في الفقه إما أن يتعلق بالأمور الأخروية؛ أي معاملة العبد ربه، أو الأمور الدنيوية: فإن كان الأول فهو عبادات، أما الثاني فإما أن يحتاج إلى صيغة أولاً، فغير المحتاج إلى صيغة هو الأحكام كالديات والميراث والقصاص والأطعمة، وما يحتاج إلى صيغة فقد يكون من الطرفين أو من طرف واحد: فمن طرف واحد يسمى الإيقاعات كالطلاق والعتق، ومن الطرفين يسمى العقود، ويدخل فيها المعاملات والنكاح، وتبدأ العبادات بكتاب الطهارة كمقدمة للعبادات " (١) .
وبعد: فلقد بذلت ما استطعت لإخراج هذه الموسوعة العلمية بالصورة التي ترضي الله ، وترفع سخطه، ولقد أمسكت القلم عن التجريح فضلاً عن التكفير إلا إذا وجدت من يكفر أو يفسق خير البشر بعد رسول الله ﷺ ، وهم أبو بكر الصديق وعمر الفاروق – ﵄ وحشرنا معهما بفضله وكرمه، وخير جيل عرفته البشرية في تاريخها، وهو جيل الصحابة الكرام البررة، رضي الله تعالي عنهم ورضوا عنه، فمن طعن في هؤلاء الذين شهد لهم الله تعالي، والرسول ﷺ ، وهم نقلة الإسلام والقرآن الكريم والسنة المطهرة، من طعن في هؤلاء فاعلم أنه زنديق أراد أن يجرح شهودنا كما قال الإمام أبو زرعة، وإذا لعنا هؤلاء الزنادقة أتباع عبد الله بن سبأ اللعين، فإننا لا نكون خرجنا على المنهج العلمي، بل اتبعنا سنة رسول الله ﷺ كما روى ذلك شيعي غير رافضي، وهو الحاكم في مستدركه، بسنده الذي صححه ووافقه الذهبي ـ عن الرسول ﷺ ـ أنه قال: " إن الله تبارك وتعالي اختارني، واختار لي أصحاباً، فجعل لي منهم
стр. 869
وزراء وأنصاراً وأصهاراً، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل " (٣/٦٣٢) .
ولا شك أن الرافضة لن يرضوا عن هذه الموسوعة، وهذا يذكرنا بقول الحق تبارك وتعالي: "" وَلَن تَرضي عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ "".
يكفي إذن أن نرضي الله ، والمؤمنين من جمهور المسلمين، ومن الشيعة غير الرافضة المعتدلين غير الغلاة.
هذا ما أردته، فإن كنت قد أصبت فهذا من الله جلت قدرته وعظمته، وإن كنت قد أخطأت فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ومما أمرنا بتلاوته:
"" ... رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ". (سورة البقرة) .
"" رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ "" (٨٩: الأعراف) .
و" سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " (الصافات) .
стр. 870
الباب الأول: أصول الفقه
стр. 871
الفصل الأول: القرآن الكريم
القرآن الكريم هو المصدر الأول من مصادر التشريع الإسلامي، وهذا بلا شك لا خلاف حوله، فهو كتاب ربنا .
وفي الجزء الثاني تحدثت عن هذا المصدر بالتفصيل، حيث قسمت الجزء إلى قسمين:
الأول عن القرآن الكريم وعلومه عند جمهور المسلمين، حتى نتبين الفرق بين منهجهم ومنهج الشيعة الاثنى عشرية.
والقسم الثاني جعلته للحديث عن هذا المصدر عند الشيعة الجعفرية الاثنى عشرية، ومن الدراسة ظهر تأثرهم تأثراً كبيراً بعقيدتهم الباطلة في موقفهم من القرآن الكريم، ولا حاجة إلى أن نعيد الحديث مرة أخرى، ولكن أوجز هنا ما يبين منهجهم، وأثر عقيدتهم في تناولهم لهذا المصدر وأثر هذه العقيدة الباطلة ظهر فيما يأتي:
أولاً:
اعتبروا القرآن الكريم قرآناً صامتاً، والإمام قرآناً ناطقاً، ودوره بالنسبة للقرآن الصامت كدور النبي ﷺ سواء بسواء، فله بيان القرآن الكريم، وتقييد مطلقه، وتخصيص عامه، بل نسخه عند فريق منهم، وما دام القرآن الكريم صامتاً فلابد من الرجوع إلى القرآن الناطق حتى يوضح مراد الله تعالي، ولهذا قال الإخباريون من الجعفرية ـ وهم قلة: لا يجوز العمل بظاهر القرآن الكريم، وقال جمهور الجعفرية ـ وهم الأصوليون ـ بحجية الظواهر، ولكنهم قالوا: لا يجوز الاستقلال في العمل بظاهر الكتاب بلا مراجعة الأخبار الواردة عن أئمتهم.
стр. 872
ثانيا:
لما لم يجدوا من ظاهر القرآن الكريم ما يؤيد عقيدتهم لجئوا إلى التأويل، وقالوا بباطن القرآن، وتوسعوا في القول بالباطن إلى غير ما حد حتى أن فريقاً منهم اعتبر ثلث القرآن فيهم، وثلثه في عدوهم، وبذلك أخضعوا كتاب الله العزيز لأهوائهم، وحرفوه ليصبح أقرب ما يكون إلى كتاب من كتب الفرق، ولم يفترقوا كثيراً عن الإسماعيلية الباطنية.
ثالثا:
غلاة الجعفرية عز عليهم أن يخلوا القرآن الكريم من نصوص ظاهرة صريحة تؤيد عقيدتهم في الإمامة، فلم يكتفوا بالتأويلات الفاسدة بل أقدموا على جريمة مدبرة، فطعنوا في الصحابة الأكرمين، وعلى الأخص الخلفاء الراشدون الذين سبقوا الإمام علياً، أرادوا من هذا الطعن الافتراء عليهم بأنهم غير أمناء على تنفيذ الشريعة ونقلها، وحفظ كتاب الله، ولذا انتهوا من هذا الطعن إلى أنهم اغتصبوا الخلافة، وحرفوا القرآن الكريم حتى لا يفتضح أمرهم، ولا يظهر حق على في الخلافة والأئمة من بعده، ووجدت المعتدلين نسبيا من الجعفرية ـ في القديم والحديث ـ قد تصدوا لهؤلاء الغلاة وكشفوا القناع عن هذا الباطل، وفندوا مزاعم القائلين بالتحريف.
رابعا:
الجعفرية درجات بين الاعتدال والغلو، فليسوا سواء، لذا كان لزاماً علينا الرجوع إلى كتبهم المختلفة لنرى إلى أي مدى أثرت عقيدة الإمامة عندهم في تناولهم كتاب الله تعالي.
وقد رجعت إلى الكثير من كتبهم، وقدمت دراسة لستة عشر كتاباً، مقتصراً على بيان أثر الإمامة في كل منها، ووجدت أن القرن الثالث ظهر فيه ثلاثة كتب هي:
стр. 873
التفسير المنسوب للإمام العسكرى _ إمامهم الحادى عشر، وتفسير العياشى والقمي، وهذه الثلاثة تمثل جانب التطرف والغلو في المذهب الجعفري، ثم يأتى شيخ طائفتهم الطوسى (المتوفي سنة ٤٦٠ هـ) فيخرج كتابه " التبيان في تفسير القرآن " وهو يمثل جانب الاعتدال إلى حد ما، ثم يليه الطبرسى ـ شيخ مفسريهم ـ ورأيناه قريباً من الطوسى. والجعفرية بعد هذا إلى عصرنا- كما ظهر من دراستى لباقى كتبهم ـ منهم من سلك أحد المسلكين، ومنهم من جمع بينهما، أو اقترب من أحدهما، وإن بدا لنا أن الكتب الضالة المضلة التي رزئ بها القرن الثالث كانت أقوى أثراً من غيرها، فمنها كتاب ينسب إلى إمام، وآخر لعلى بن إبراهيم القمي الذى يوثقونه كل توثيق، وأحد تلاميذه هو الكليني صاحب كتاب الحديث الأول عندهم، وقد نقل عن شيخه القمي مئات الروايات في التحريف والتكفير وغير ذلك مما يكشف عن غلو صاحبه.
стр. 874
الفصل الثاني: السنة المطهرة
لا شك أن السنة النبوية المشرفة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم.
وإذا كان الجزء الثاني جعلته للمصدر الأول، فإن الجزء الثالث جعلته للمصدر الثاني، وقسمته أيضاً قسمين:
القسم الأول: للحديث وعلومه عند جمهور المسلمين.
القسم الثاني: للحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة الاثنى عشرية.
وتناول هذا القسم بياناً مفصلاً شافياً يتضح منه موقف الشيعة والرافضة من السنة المطهرة.
وظهر من هذا البيان أثر عقيدتهم الباطلة في موقفهم منها، ويبدو هذا الأثر فيما يلي:
أولاً: جعلوا الإمام كالنبى المرسل ﷺ :
فالعصمة لهم جميعًا، والسنة قول المعصوم أو فعله أو تقريره، يستوي في هذا كله أن يكون المعصوم هو الرسول ﷺ ، وأن يكون أحد أئمة الرافضة، وبذلك أشركوا مع الرسول الكريم المصطفي هؤلاء الأئمة، وحتى يكون الإمام مصدراً للتشريع قائماً بذاته، جعلوا له الإلهام مقابلاً للوحى بالنسبة للرسول ﷺ ، وبعضهم ذهب إلى بقاء الوحي مع الأئمة وإن لم ينزل بقرآن جديد.
ثانيا: في مراتب الحديث:
الحديث عندهم لا يرقى لمرتبة الصحيح ما لم يكن الرواة من الجعفرية الاثنى عشرية في جميع الطبقات.
стр. 875
ويأتي بعد الصحيح الحسن: فيشترطون إمامية الراوى، ويقبلون رواية الإمامي غير ثابت العدالة، ويرفضون رواية غير الإمامي كائناً من كان، ويقبلون رواية الإمامي الممدوح المقدوح أحياناً بشرط ألا يكون القدح بفساد المذهب، وفساد المذهب يعنى الخروج عن الخط الجعفري الرافضي فهذا قدح لا يغتفر!!
ويأتي بعد الحسن الموثق لوجود غير الجعفرية في السند، والتوثيق لا يكون إلا من الجعفرية أنفسهم.
وإذا دخل في السند غير جعفري لم يوثقه الجعفرية، فالحديث ضعيف، وعلى هذا الأساس يرفضون الأحاديث الثابتة عن الخلفاء الراشدين الثلاثة، وغيرهم من أجلاء الصحابة والتابعين وأئمة المحدثين والفقهاء، ما داموا لا يؤمنون بعقيدة الإمامية الاثنى عشرية!
وذكرت بعض النماذج في الجرح والتعديل عندهم، وهي تبين مدى غلوهم وضلالهم، سيأتي شيىء منها في خاتمة الكتاب من هذا الجزء.
ثالثا: في الترجيح:
جعلوا المشهور عندهم مقدماً على غيره، حتى قدموه على ما وافق الكتاب والسنة.
وجعلوا من المرجحات مخالفة العامة، أي عامة المسلمين، فما خالف الأمة الإسلامية أولى بالقبول عندهم مما وافقها، ولعل هذا من أخطر المبادئ التي جعلت بين الجعفرية الرافضة وسائر الأمة الإسلامية هوة سحيقة عميقة، فابتعد الاثنا عشرية الرافضة كثيراً عن المنهج الإسلامي الصحيح.
رابعا: في كتب السنة المعتمدة عندهم:
بدراسة أصول الكافي وروضته، وجدنا أن الكليني اتخذ من السنة ـ بمفهومها عنده ـ وسيلة لإثبات عقيدته في الإمامة، ورأيه في الأئمة وما يتصفون به، ووسيلة كذلك لبيان بطلان ما ذهب إليه غير الرافضة الذين لم يأخذوا بعقيدته في الإمامة، وإنهم مهما تعبدوا فهم في النار، فعبادتهم غير مقبولة في زعم
стр. 876
الكليني، على حين أن الرافضة جميعاً بغير استثناء سيدخلون الجنة، ولا تمسهم النار مهما ارتكبوا من الموبقات والآثام، ومهما كان خطؤهم في حق الله تعالي أو في حق عباده، والكليني من أجل هذا كله رأيناه يفترى آلاف الروايات وينسبها للرسول ﷺ ولآل بيته الأطهار.
والكليني اتخذ من السنة كذلك وسيلة لتحريف كتاب الله تعالي نصاً ومعنى، وقد نهج منهج شيخه على بن إبراهيم القمي ـ صاحب التفسير الضال المضل ـ في التحريف وفي الطعن في الصحابة الكرام: نقلة الشريعة وحملة رسالة الإسلام بعد الرسول ﷺ وخص بمزيد من الطعن الذين تولوا الخلافة الراشدة قبل الخليفة الرابع الإمام على ﵃ جميعاً وأرضاهم.
والكليني أقدم على ما لا يقل خطورة وضلالاً عن القول بتحريف القرآن الكريم ونقصه، حيث افترى على الله الكذب فزعم أنه ـ جل شأنه ـ أنزل كتباً من السماء بخط إلهي تؤيد فرقته، والكليني يضمن كتابه بعض الأحداث التاريخية، ويذكرها بحسب هواه ويفسرها بما يشتهي، وبما يشبع غيه وضلاله.
ويبقى من الكافي الفروع، ومن كتب الحديث المعتمدة: الفقيه للصدوق، والتهذيب والاستبصار للطوسى، وهذه كلها تشتمل على الروايات المتصلة بالأحكام الفقهية، لذا لم نتوسع في بيان أثر الإمامة فيها؛ فالفقه خصصناه بهذا الجزء: والآراء التي تأثرت بالإمامة تعتمد بصفة عامة على ما جاء في هذه الكتب، إذن يمكن القول بأن أثر الإمامة في الفقه - يبين إلى حد كبير أثر الإمامة في فروع الكافي والكتب الثلاثة الأخرى، وعرضت مثلاً انتهيت منه إلى أن ما يقال عن أثر الإمامة في الفقه الجعفري أقل مما يقال عن أثرها في هذه الكتب الأربعة، ففي الكتب مزيد من التأثر بالغلو في عقيدة الإمامة، كما أننى نقلت كثيراً من الروايات التي افتراها أصحاب هذه الكتب في البابين التاليين.
стр. 877
الفصل الثالث: الإجماع
هو المصدر الثالث من مصادر التشريع عند الجعفرية الرافضة، وقد يظن هنا إذن أنهم متفقون مع جمهور المسلمين، ولكن الواقع غير هذا لأن الإجماع عندهم في مفهومه وحجيته لا يخرج عن النطاق الجعفري وأئمة الجعفرية الاثنى عشرية: -
فالإجماع عند الجمهور يعنى " اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ ، في عصر من العصور بعد وفاته على حكم، وهذا التعريف: يخرج المجتهد المبتدع بما يكفر فلا يعتد بقوله وإن لم يعلم بكفر نفسه، لأنه لا يعد من الأمة، ولا يؤتمن على شئونها، أما المبتدع بما لا يكفر فالمختار دخوله فيمن يعتد بآرائهم من المجتهدين" (١) .
إذن الإجماع هنا ينظر فيه إلى الأمة التي قال عنها الرسول ﷺ " لا تجتمع أمتى على ضلالة" (٢) .
هذا بالنسبة لجمهور المسلمين، أما الجعفرية الاثنا عشرية فالإجماع عندهم يعنى شيئاً آخر، لأنهم لا ينظرون إلى المجتهدين من أمة محمد ﷺ ، وإنما ينظرون إلى من دان بإمامة الأئمة الاثنى عشر، شريطة أن يكون الإجماع كاشفاً عن رأي الإمام، ما لم يكن الإمام داخلا بنفسه في المجمعين.
стр. 878
وكى نتبين هذا الرأي ننظر أولاً إلى حجية الإجماع عند الجعفرية. جاء في فوائد الأصول للخراسانى (٣/ ٥٢) :
" اختلفت مشارب الأعلام في مدرك حجية الإجماع المحصل (١) الذي هو أحد الأدلة الأربعة: فقيل إن الوجه في حجيته دخول شخص المعصوم في المجمعين، ويحكى ذلك عن السيد المرتضى.
وقيل إن قاعدة اللطف تقتضي أن يكون المجمع عليه هو حكم الله الواقعي الذي أمر المعصوم بتبليغه إلى الأنام، ويحكى ذلك عن شيخ الطائفة، وقيل إن المدرك في حجيته هو الحدس برأيه ـ أي الإمام ـ ورضاه بما أجمع عليه للملازمة العادية بين اتفاق المرءوسين المنقادين على شيىء وبين رضا الرئيس بذلك الشيء، ويحكى ذلك عن بعض المتقدمين.
وقيل إن حجيته لمكان تراكم الظنون من الفتاوى إلى حد يوجب القطع بالحكم كما هو الوجه في حصول القطع من الخبر المتواتر.
وقيل إن الوجه في حجيته إنما هو لأجل كشفه عن وجود دليل معتبر عند المجمعين ".
من هذا نرى أنهم على اختلاف مشاربهم يربطون الإجماع بالإمام بشخصه أو برأيه، وكذا بالنسبة للدليل المعتبر عندهم لا يخرج عن هذا، فهم يقولون بأن المجمعين لا يخرج الدليل الذي استندوا إليه عن السنة (بالمفهوم الجعفري) فلا
стр. 879
يصح أن يكون هذا الإجماع كاشفاً عن وجود دليل معتمد من أي أصل من أصول الفقه الأخرى عندهم (١) .
فالجعفرية الإمامية إذن ينظرون في الإجماع إلى الإمام نفسه لا إلى ذات الإجماع، قال علامتهم الحلى: " الإجماع إنما هو حجة عندنا لاشتماله على قول المعصوم، فكل جماعة كثرت أو قلت كان قول الإمام في جملة أقوالها فإجماعها حجة لأجله لا لأجل الإجماع " (٢) .
وقال غيره: " أما الإجماع فعندنا هو حجة بانضمام المعصوم، فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة، ولو حصل في اثنين لكان قولهما حجة لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله " (٣) .
ومادام الإمام عندهم يعتبر معصوماً وقوله سنة، فما جدوى الإجماع إذن؟ وما الفرق بينه وبين السنة؟ يوضح هذا أحد علمائهم إذ يقول:
" إن الإجماع بما هو إجماع لا قيمة علمية له عند الإمامية ما لم يكشف عن قول المعصوم ... فإذا كشف على نحو القطع عن قوله فالحجة في الحقيقة هو المنكشف لا الكاشف فيدخل حينئذ في السنة ولا يكون دليلاً مستقلاً في مقابلها.
و ... لم تثبت عندنا عصمة الأمة من الخطأ وإنما أقصى ما يثبت عندنا من اتفاق الأمة أنه يكشف عن رأي من له العصمة! فالعصمة في المنكشف لا في الكاشف.
وعلى هذا فيكون الإجماع منزلته منزلة الخبر المتواتر الكاشف بنحو القطع عن قول المعصوم، فكما أن الخبر المتواتر ليس بنفسه دليلاً على الحكم الشرعي
стр. 880
رأساً بل هو دليل على الدليل على الحكم، فكذلك الإجماع ليس بنفسه دليلاً بل هو دليل على الدليل.
غاية الأمر أن هناك فرقاً بين الإجماع والخبر المتواتر، فإن الخبر دليل لفظي على قول المعصوم، أي أنه يثبت به نفس كلام المعصوم ولفظه فيما إذا كان التواتر للفظ، أما الإجماع فهو دليل قطعي على نفس رأي المعصوم لا على لفظ خاص له، لأنه لا يثبت به ـ في أي حال ـ أن المعصوم قد تلفظ بلفظ خاص معين في بيانه للحكم.
ولأجل هذا يسمى الإجماع بالدليل اللبى، نظير الدليل العقلي، يعنى أنه يثبت بهما نفس المعنى والمضمون من الحكم الشرعي الذي هو كاللب بالنسبة إلى اللفظ الحاكى عنه الذي هو كالقشر له " (١) .
إذن فالإمام هو الأساس الذى ينبنى عليه الإجماع عند الجعفرية الإمامية.
ومن هنا نستطيع أن ندرك سبب نظر المحدثين - من علماء الشيعة - إلى الإجماع نظرة تباين ما كان عليه الأقدمون منهم، قال عالمهم المعاصر الشيخ مغنية: " اتفق المتقدمون على أن مصادر التشريع أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل، وغالوا في الاعتماد على الإجماع حتى كادوا يجعلونه دليلاُ على كل أصل وكل فرع.
وعد المتأخرون لفظ الإجماع مع هذه المصادر ولكنهم أهملوه عملياً، ولم يعتمدوا عليه إلا نادراً، بل لم يعتمدوا عليه إلا منضماً مع دليل أو أصل معتبر". (٢) ثم قال: " والخلاصة أن الإجماع المنقول ليس بحجة، والإجماع المحصل حجة شريطة أن يحصل من الصدر الأول إلى العصر الأخير، وقد اشتهر على ألسنة