← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1507

مع الاثنى عشرية في الأصول والفروع

علي السالوس

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الكليني، على حين أن الرافضة جميعاً بغير استثناء سيدخلون الجنة، ولا تمسهم النار مهما ارتكبوا من الموبقات والآثام، ومهما كان خطؤهم في حق الله تعالي أو في حق عباده، والكليني من أجل هذا كله رأيناه يفترى آلاف الروايات وينسبها للرسول ﷺ ولآل بيته الأطهار. والكليني اتخذ من السنة كذلك وسيلة لتحريف كتاب الله تعالي نصاً ومعنى، وقد نهج منهج شيخه على بن إبراهيم القمي ـ صاحب التفسير الضال المضل ـ في التحريف وفي الطعن في الصحابة الكرام: نقلة الشريعة وحملة رسالة الإسلام بعد الرسول ﷺ وخص بمزيد من الطعن الذين تولوا الخلافة الراشدة قبل الخليفة الرابع الإمام على ﵃ جميعاً وأرضاهم. والكليني أقدم على ما لا يقل خطورة وضلالاً عن القول بتحريف القرآن الكريم ونقصه، حيث افترى على الله الكذب فزعم أنه ـ جل شأنه ـ أنزل كتباً من السماء بخط إلهي تؤيد فرقته، والكليني يضمن كتابه بعض الأحداث التاريخية، ويذكرها بحسب هواه ويفسرها بما يشتهي، وبما يشبع غيه وضلاله. ويبقى من الكافي الفروع، ومن كتب الحديث المعتمدة: الفقيه للصدوق، والتهذيب والاستبصار للطوسى، وهذه كلها تشتمل على الروايات المتصلة بالأحكام الفقهية، لذا لم نتوسع في بيان أثر الإمامة فيها؛ فالفقه خصصناه بهذا الجزء: والآراء التي تأثرت بالإمامة تعتمد بصفة عامة على ما جاء في هذه الكتب، إذن يمكن القول بأن أثر الإمامة في الفقه - يبين إلى حد كبير أثر الإمامة في فروع الكافي والكتب الثلاثة الأخرى، وعرضت مثلاً انتهيت منه إلى أن ما يقال عن أثر الإمامة في الفقه الجعفري أقل مما يقال عن أثرها في هذه الكتب الأربعة، ففي الكتب مزيد من التأثر بالغلو في عقيدة الإمامة، كما أننى نقلت كثيراً من الروايات التي افتراها أصحاب هذه الكتب في البابين التاليين.

стр. 877

الفصل الثالث: الإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع عند الجعفرية الرافضة، وقد يظن هنا إذن أنهم متفقون مع جمهور المسلمين، ولكن الواقع غير هذا لأن الإجماع عندهم في مفهومه وحجيته لا يخرج عن النطاق الجعفري وأئمة الجعفرية الاثنى عشرية: - فالإجماع عند الجمهور يعنى " اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ ، في عصر من العصور بعد وفاته على حكم، وهذا التعريف: يخرج المجتهد المبتدع بما يكفر فلا يعتد بقوله وإن لم يعلم بكفر نفسه، لأنه لا يعد من الأمة، ولا يؤتمن على شئونها، أما المبتدع بما لا يكفر فالمختار دخوله فيمن يعتد بآرائهم من المجتهدين" (١) . إذن الإجماع هنا ينظر فيه إلى الأمة التي قال عنها الرسول ﷺ " لا تجتمع أمتى على ضلالة" (٢) . هذا بالنسبة لجمهور المسلمين، أما الجعفرية الاثنا عشرية فالإجماع عندهم يعنى شيئاً آخر، لأنهم لا ينظرون إلى المجتهدين من أمة محمد ﷺ ، وإنما ينظرون إلى من دان بإمامة الأئمة الاثنى عشر، شريطة أن يكون الإجماع كاشفاً عن رأي الإمام، ما لم يكن الإمام داخلا بنفسه في المجمعين.

стр. 878

وكى نتبين هذا الرأي ننظر أولاً إلى حجية الإجماع عند الجعفرية. جاء في فوائد الأصول للخراسانى (٣/ ٥٢) : " اختلفت مشارب الأعلام في مدرك حجية الإجماع المحصل (١) الذي هو أحد الأدلة الأربعة: فقيل إن الوجه في حجيته دخول شخص المعصوم في المجمعين، ويحكى ذلك عن السيد المرتضى. وقيل إن قاعدة اللطف تقتضي أن يكون المجمع عليه هو حكم الله الواقعي الذي أمر المعصوم بتبليغه إلى الأنام، ويحكى ذلك عن شيخ الطائفة، وقيل إن المدرك في حجيته هو الحدس برأيه ـ أي الإمام ـ ورضاه بما أجمع عليه للملازمة العادية بين اتفاق المرءوسين المنقادين على شيىء وبين رضا الرئيس بذلك الشيء، ويحكى ذلك عن بعض المتقدمين. وقيل إن حجيته لمكان تراكم الظنون من الفتاوى إلى حد يوجب القطع بالحكم كما هو الوجه في حصول القطع من الخبر المتواتر. وقيل إن الوجه في حجيته إنما هو لأجل كشفه عن وجود دليل معتبر عند المجمعين ". من هذا نرى أنهم على اختلاف مشاربهم يربطون الإجماع بالإمام بشخصه أو برأيه، وكذا بالنسبة للدليل المعتبر عندهم لا يخرج عن هذا، فهم يقولون بأن المجمعين لا يخرج الدليل الذي استندوا إليه عن السنة (بالمفهوم الجعفري) فلا

стр. 879

يصح أن يكون هذا الإجماع كاشفاً عن وجود دليل معتمد من أي أصل من أصول الفقه الأخرى عندهم (١) . فالجعفرية الإمامية إذن ينظرون في الإجماع إلى الإمام نفسه لا إلى ذات الإجماع، قال علامتهم الحلى: " الإجماع إنما هو حجة عندنا لاشتماله على قول المعصوم، فكل جماعة كثرت أو قلت كان قول الإمام في جملة أقوالها فإجماعها حجة لأجله لا لأجل الإجماع " (٢) . وقال غيره: " أما الإجماع فعندنا هو حجة بانضمام المعصوم، فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة، ولو حصل في اثنين لكان قولهما حجة لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله " (٣) . ومادام الإمام عندهم يعتبر معصوماً وقوله سنة، فما جدوى الإجماع إذن؟ وما الفرق بينه وبين السنة؟ يوضح هذا أحد علمائهم إذ يقول: " إن الإجماع بما هو إجماع لا قيمة علمية له عند الإمامية ما لم يكشف عن قول المعصوم ... فإذا كشف على نحو القطع عن قوله فالحجة في الحقيقة هو المنكشف لا الكاشف فيدخل حينئذ في السنة ولا يكون دليلاً مستقلاً في مقابلها. و ... لم تثبت عندنا عصمة الأمة من الخطأ وإنما أقصى ما يثبت عندنا من اتفاق الأمة أنه يكشف عن رأي من له العصمة! فالعصمة في المنكشف لا في الكاشف. وعلى هذا فيكون الإجماع منزلته منزلة الخبر المتواتر الكاشف بنحو القطع عن قول المعصوم، فكما أن الخبر المتواتر ليس بنفسه دليلاً على الحكم الشرعي

стр. 880

رأساً بل هو دليل على الدليل على الحكم، فكذلك الإجماع ليس بنفسه دليلاً بل هو دليل على الدليل. غاية الأمر أن هناك فرقاً بين الإجماع والخبر المتواتر، فإن الخبر دليل لفظي على قول المعصوم، أي أنه يثبت به نفس كلام المعصوم ولفظه فيما إذا كان التواتر للفظ، أما الإجماع فهو دليل قطعي على نفس رأي المعصوم لا على لفظ خاص له، لأنه لا يثبت به ـ في أي حال ـ أن المعصوم قد تلفظ بلفظ خاص معين في بيانه للحكم. ولأجل هذا يسمى الإجماع بالدليل اللبى، نظير الدليل العقلي، يعنى أنه يثبت بهما نفس المعنى والمضمون من الحكم الشرعي الذي هو كاللب بالنسبة إلى اللفظ الحاكى عنه الذي هو كالقشر له " (١) . إذن فالإمام هو الأساس الذى ينبنى عليه الإجماع عند الجعفرية الإمامية. ومن هنا نستطيع أن ندرك سبب نظر المحدثين - من علماء الشيعة - إلى الإجماع نظرة تباين ما كان عليه الأقدمون منهم، قال عالمهم المعاصر الشيخ مغنية: " اتفق المتقدمون على أن مصادر التشريع أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل، وغالوا في الاعتماد على الإجماع حتى كادوا يجعلونه دليلاُ على كل أصل وكل فرع. وعد المتأخرون لفظ الإجماع مع هذه المصادر ولكنهم أهملوه عملياً، ولم يعتمدوا عليه إلا نادراً، بل لم يعتمدوا عليه إلا منضماً مع دليل أو أصل معتبر". (٢) ثم قال: " والخلاصة أن الإجماع المنقول ليس بحجة، والإجماع المحصل حجة شريطة أن يحصل من الصدر الأول إلى العصر الأخير، وقد اشتهر على ألسنة

стр. 881

رجال الدين في هذا العصر، وذهب مذهب المثل القول بأن الإجماع المنقول ليس بحجة والمحصل غير حاصل " (١) . وقال الشيخ المظفر: " على كل حال لم تبق لنا ثقة بالإجماع فيما بعد عصر الإمام في استفادة قول الإمام على سبيل القطع واليقين " (٢) .

стр. 882

الفصل الرابع: العقل المراد بالعقل الذي اتخذوه دليلاً على الحكم الشرعي ـ ما لم يوجد دليل من كتاب أو سنة أو إجماع ـ إنما هو أحكامه المستقل بها، مثل حكمه بوجوب دفع الضرر، واستحالة الترجيح بلا مرجح، وبقبح العقاب بلا بيان. ومما استدلوا عليه بالأول وجوب النظر والمعرفة، لأن ترك النظر ـ وكذلك ترك المعرفة ـ موجب للخوف وهو ضرر، ودفع الضرر واجب بالضرورة. وبالثاني على التخيير عند تعارض الأدلة مع عدم المرجح. وبالثالث على الحكم بإباحة ما لم يعلم من الشرع حرمته كالحكم بإباحة شرب القهوة لعدم ورود بيان من الشارع، وقبح العقاب بلا بيان ضروري (١) . وهذا الدليل ينبني على أساس التحسين والتقبيح العقليين، باعتبار أن الأشياء لها حسن ذاتي أو قبح ذاتي يمكن إدراكه بالعقل كالعدل والظلم، وكالصدق والكذب. " فإن العدل بما هو عدل لا يكون إلا حسناً أبداً: أي أنه متى ما صدق عنوان العدل فإنه لابد أن يمدح عليه فاعله عند العقلاء ويعد عندهم محسناً، وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلا قبيحاً، أي أنه متى صدق عنوان الظلم، فإن فاعله مذموم ويعد مسيئاً " (٢) ، " والصدق بما هو صدق فيه اقتضاء التأثير فى إدراك العقلاء بأنه مما ينبغى أن يفعل، ويمدحون فاعله عليه بخلاف الكذب فإنه مذموم لديهم. ولكن هذا التأثير لا يتم عادة مع وجود مزاحم له يمنع من تأثيره نظراً لأهميته كأن يكون فى الصدق ما يوجب قتل النفس المحترمة، أو انتهاك عرض، أو تسلط ظالم على مؤمن، وهكذا (٣) .

стр. 883

وإذا كنا ندرك علاقة الحسن بالمصلحة، والقبح بالمضرة، أفيعنى هذا أن الشيعة يأخذون بالمصلحة؟ يقول أحد علمائهم المعاصرين (١) في تلخيص وتعقيب بعد دراسة مقارنة للمصالح المرسلة: إن تعاريف المصالح المرسلة مختلفة، فبعضها ينص على استفادة المصلحة من النصوص والقواعد العامة، ومقتضى هذا النوع من التعاريف إلحاقها بالسنة، والاجتهاد فيها إنما يكون من قبيل تحقيق المناط بقسمه الأول، أي تطبيق الكبرى على صغراها بعد التماسها أي الصغرى ـ بالطرق المجعولة من الشارع لذلك، ولا يضر في ذلك كونها غير منصوص عليها بالذات، إذ يكفي في إلحاقها بالسنة دخولها تحت مفاهيمها العامة. وأما على تعاريفها الأخرى فينحصر إدراكها بالعقل. والذي ينبغى أن يقال عنها أنها تختلف من حيث الحجية باختلاف ذلك الإدراك، فإن كان ذلك الإدراك كاملاً – أي إدراكاً للمصلحة بجميع ما يتعلق بها في عوالم تأثيرها في مقام جعل الحكم لها من قبل المشرع – فهي حجة. ورفض الأخذ بالمصلحة إذا لم يكن إدراك العقل لها كاملاً، كأن يدركها مع احتمال وجود مزاحم لها يمنع من جعل الحكم. وانتهي إلى قوله: " وبهذا يتضح أن الشيعة لا يقولون بالمصالح المرسلة إلا ما رجع منها إلى العقل على سبيل الجزم " (٢) . ومما يتصل بهذا الأصل الرابع فتح الذرائع وسدها، حيث يعتبرون فتحها وسدها تابعاً للعقل أو السنة، " لأن اكتشاف حكم المقدمة إما أن يستفاد من العقل

стр. 884

بقاعدة الملازمة، بمعنى أن العقل يحكم بوجود ملازمة بين الحكم على شيىء والحكم على مقدمته، فإذا علمنا أن الشارع قد حكم على ذى المقدمة بالوجوب فقد علمنا بحكمه على المقدمة كذلك، وعندها تكون من صغريات حكم العقل وليست أصلاً برأسه، وإما أن يستفاد من طريق الملازمة اللفظية، أي من الدلالة الالتزامية لأدلة الأحكام، كما هو مبنى فريق بدعوى أن اللفظ الدال على وجوب الصلاة هو بنفسه يدل على لازمه وهو وجوب مقدماتها، وعليها يكون وجوب المقدمات مدلولاً للسنة، فتكون المسألة من صغريات دليل السنة " (١) . ويدخل تحت هذا الأصل كذلك الاستصحاب، ويعللون هذا بقولهم: "وجود الشيء في الحال يقتضي ظن وجوده في الاستقبال لقضاء العقل بذلك في أكثر الوقائع، ولأن الأحكام الشرعية مبنية عليه لأن الدليل إنما يتم لو لم يتطرق إليه المعارض من نسخ وغيره، وإنما يعلم نفي المعارض بالاستصحاب " (٢) . أما القياس فقد رفضوا الأخذ به إلا ما كان منصوص العلة، وهم لا يرونه قياساً وإنما يرون ذلك من دليل العقل لحكمه بوجوب وجود الشيىء عند وجود علته، وما عدا ذلك من قياس الشبه وأمثاله فلا يعتبرونه من حكم العقل، ويرون أنه لا دليل على الأخذ به، وأن روايات أئمتهم كثيرة في المنع عنه. (٣) وهناك قسم آخر اعتبره بعضهم من دليل العقل وهو ما يتوقف فيه على الخطاب وهو ثلاثة: فحوى الخطاب ولحن الخطاب ودليل الخطاب (٤) (٥)

стр. 885

وفي أصول الفقه للمظفر (٣ / ١٩) قال المؤلف: " من تصريحات المحقق والشهيد الأول يظهر أنه لم تتجل فكرة الدليل العقلي في تلك العصور، فوسعوا في مفهومه إلى ما يشمل الظواهر اللفظية مثل: لحن الخطاب و٠٠٠ إلخ ". والمحقق توفي سنة ٦٧٦ هـ، والشهيد الأول توفي سنة ٧٨٦ هـ. والجعفرية الاثنا عشرية ـ كما ذكرنا من قبل ـ ينقسمون إلى أصوليين وهم الكثرة الغالبة، وإخباريين وهم قلة قليلة، والذين اتخذوا من العقل دليلاً بعد الأدلة الثلاثة هم الأصوليون، أما الإخباريون فإنهم يأبون تحكيم العقل في الأمور الشرعية، ويكتفون بما ورد عن أئمتهم في كتب الحديث الأربعة. هذا هو الدليل الرابع عند الجعفرية الاثنى عشرية، وأثر الإمامة هنا لا يبدو واضحاً كما رأينا في الأدلة الثلاثة، ولكن يمكن القول بأن الإخباريين عندما رفضوا الأخذ بهذا الدليل تأثروا بعقيدتهم في الإمامة حيث اكتفوا بما ورد عن الأئمة. وهذا الاتجاه يتفق مع ما يراه جمهور الجعفرية من عدم الاجتهاد في زمن الأئمة حيث يرجع إليهم، وأقوالهم ليست اجتهاداً ـ في نظر الجعفرية ـ وإنما سنة كسنة الرسول ﷺ كما سبق بيانه، غير أن الإخباريين استمروا في المنع من الاجتهاد بعد عصر الأئمة، بل قالوا: " بالمنع عن الاحتياج إلى علم الأصول والمنع عن تدوينه، بل عن بعضهم أنه بدعة محرمة ". وقالوا: " إن هذا العلم مما أحدثه العامة – أي جمهور المسلمين- فسرى منهم إلى أصحابنا الإمامية في زمن الغيبة، ولم يكن يعرفه أصحاب الأئمة. فلولا أنه من البدع المستحدثة والطرق المخترعة الممنوع عنها في الشريعة لما أهمل بيانه أهل العصمة " (١) .

стр. 886

ولعل أهم ترابط بين الإمامة والعقل عند الجعفرية جميعاً أنهم حاولوا إثبات عقيدتهم في الإمامة بالعقل حتى " كانت الحركة الإخبارية تستبطن في رأي كثير من ناقديها تناقضاً، لأنها شجبت العقل من ناحية لكى تخلى ميدان التشريع والفقه للبيان الشرعي، وظلت من ناحية أخرى متمسكة به لإثبات عقائدها الدينية ". (١) وعقيدة الجعفرية الاثنى عشرية في الإمامة لم تثبت بالكتاب والسنة، بل ثبت خلاف ما ذهبوا إليه كما رأينا في الجزء الأول. إذن لا يمكن أن تثبت هذه العقيدة بالعقل، فلسنا في حاجة إلى مناقشة ما اعتبروه إثباتاً للإمامة بدليل العقل (٢) .

стр. 887

الباب الثاني: العبادات

стр. 888

الفصل الأول: الطهارة أولاً: حكم سؤر الآدمى أجمعت المذاهب الأربعةعلى طهارة سؤر الآدمى مسلماً كان أو كافراً (١) فالآدمى طاهر، ورأي الإماميون أن سؤر الكافر نجس، لأن الكافر ذاته نجس، وتوسعوا في مفهوم الكفر فحكموا بكفر كثير من المسلمين، بل كفر كل من لا يدين بدين الرافضة كما مر وسيأتى. استدل الشيعة الرافضة بقوله تعالي في سورة التوبة: "" إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا "" (الآية ٢٨). فالمشركون أنجاس، والنجاسة عينية لا حكمية. وردوا على من قال: إن كونهم نجساً أنهم لا يغتسلون من الجنابة، ولا يجتنبون النجاسات، أو كناية عن خبث أبدانهم سبعين مرة لم يزيدوا إلا نجاسة. وما دام المشركون أنجاساً، فأسآرهم نجسة تبعاً لذلك، ولا فرق بينهم وبين باقى الكفار، فإن كل من قال بنجاستهم عيناً قال بنجاسة كل كافر، وأهلالذمة مشركون لقوله تعالي: "" وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ. " إلى قوله تعالي: " سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ " وكل مشرك نجس بالآية (٢).

стр. 889

ورووا عن الإمام الصادق أنه سئل عن سؤر اليهودي والنصراني، فقال: " لا ". ورووا كذلك عنه أنه كره سؤر ولد الزنى، وسؤر اليهودي والنصراني والمشرك وكل من خالف الإسلام، وكان أشد ذلك عنده سؤر الناصب (١) . وقد وافق الظاهرية الإمامية في الحكم بنجاسة المشركين نجاسة عينية، مستدلين بالآية الكريمة، وبحديث إنزاله ﷺ وفد ثقيف المسجد، وتقريره لقول الصحابة: قوم أنجاس، لما رأوه أنزلهم المسجد، وقوله لأبى ثعلبة لما قال له: يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل الكتاب أفناكل في آنيتهم؟ قال: " إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها " (٢) . ويجاب عن ذلك كله بأن المراد من الآية الكريمة أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار، والحجة على صحة هذا التأويل: أن الله سبحانه أباح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك فلا يجب من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب عليهم من غسل المسلمة. وحديث إنزال وفد ثقيف صريح في نفي النجاسة الحسية لا في إثباتها، فبعد قول الصحابة قوم أنجاس، قال ﷺ " ليس على الأرض من أنجاس القوم شيء، إنما أنجاس القوم على أنفسهم ". وحديث أبى ثعلبة الأمر فيه بغسل الآنية ليس لتلوثها برطوباتهم بل لطبخهم الخنزير وشربهم الخمر فيها، يدل على ذلك ما عند أحمد وأبى داود من حديث أبى ثعلبة أيضاً بلفظ: " إن أرضنا أرض أهل الكتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ " وحديثه الأول مطلق، وهذا مقيد بآنية يطبخ فيها ما ذكر، ويشرب، فيحمل المطلق على المقيد، ويجوز حمله على كراهية الأكل في آنيتهم للاستقذار لا لكونها

стр. 890

نجسة، إذ لو كانت نجسة لم يجعله مشروطاً بعدم وجدان غيرها، إذ الإناء المتنجس بعد إزالة نجاسته هو وما لم يتنجس على سواء. وقد ثبت في الصحيحين أنه ﷺ توضأ من مزادة مشركة، وربط ثمامة بن آثال ـ وهو مشرك ـ بسارية من سوارى المسجد. وأكل من الشاة التي أهدتها له يهودية من خيبر. وأكل من الجبن المجلوب من بلاد النصارى، كما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر، وأكل من خبز الشعير والإهالة (١) لما دعاه إلى ذلك يهودى ويستدل كذلك بتحليل طعام أهل الكتاب ونسائهم بآية المائدة، وهي آخر ما نزل، وإطعامه ﷺ وأصحابه للوفد من الكفار من دون غسل الآنية ولا أمر به. فلو حرمت رطوبتهم لاستفاض بين الصحابة نقل توقيهم لها، لقلة المسلمين حينئذ، مع كثرة استعمالاتهم التي لا يخلو منها ملبوس ومطعوم، والعادة في مثل ذلك تقتضى بالاستفاضة. (٢) وقد رد هذه الأدلة أحمد بن يحيى بن المرتضى في كتابه البحر الزخار (١/١٣) بقوله: (دليلنا أصرح لقوله تعالي: "" فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسجدَ الْحَرَامَ ""، ولأنها بعد الفتح فنسخت ما قبلها) . ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن الأدلة صريحة في نفي النجاسة العينية، مما دل على صحة تأويل الآية الكريمة، وأما دعوى النسخ فيعارضها آية المائدة، حيث لا نسخ بينهما، وهي صريحة في نفي النجاسة، فبتأويل آية التوبة يمكن الجمع بينها وبين آية المائدة، والأحاديث الموافقة لحكمها دون اضطرار لادعاء النسخ.

стр. 891

وأما استدلال الإمامية بروايتهم عن الإمام الصادق، فالرواية الأولى تناقضها رواية أخرى عن الإمام نفسه أنه سئل عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو إناء غيره إذا شرب فيه على أنه يهودى، فقال: نعم، قيل: من ذلك الماء الذي يشرب منه، قال: نعم (١) . وحاول شيخ الطائفة الطوسى أن يوفق بين الروايتين فقال: " فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على من يظن أنه كافر ولا يعرف على التحقيق، فإنه لا يحكم له بالنجاسة إلا مع العلم بحاله، ولا يعمل فيه على غلبة الظن، أو يحمل على من كان يهوديا فأسلم، فإنه لا بأس باستعمال سؤره ويكون حكم النجاسة زائلاً عنه " (٢) . والرواية فيها تكرار للاستفسار، وتأكيد لإثبات الطهارة، فلو كانت المسألة مبنية على الظن لوضحها الإمام، واليهودى الذي يسلم لا يسمى يهودياً بل مسلماً. رأي صاحب وسائل الشيعة أن الخبر يمكن حمله على التقية. وقد روى عن الإمام مالك أنه قال " لا يتوضأ بسؤر النصرانى ولا بما أدخل يده فيه " (٣) فلا حاجة إذن إلى التقية. ولو صحت الروايات الثلاثة عن الإمام الصادق، لأمكن تخريج الرواية الأولى على الكراهية حملاً لها على الرواية الثانية، ففيها النص بالكراهية، كما أن الجواز المفهوم من الرواية الثالثة لا يتعارض مع الكراهية، فلا تتعارض الأخبار، دون لجوء إلى تخريجات الطوسى والعاملى. فلا دليل في هذه الروايات على نجاسة الكافر وسؤره، وإن كنا نرى أن الرواية الثانية لا يمكن بحال أن تكون صادرة من الإمام الصادق؛ فلا يعقل أن ينزل إلى هذا الدرك الأسفل فيرى أن

стр. 892

سؤر الناصب من المسلمين أشد كراهية من سؤر اليهودى والنصرانى والمشرك وكل من خالف الإسلام. وهناك روايات أخرى عن الإمام الصادق تفيد طهارة أهل الكتاب، فقد سئل عن مؤاكلة اليهود والنصارى؟ قال: لا بأس إذا كان من طعامك. وعن زكريا بن إبراهيم أنه قال: كنت نصرانياً، فأسلمت فقلت للإمام الصادق: إن أهل بيتى على دين النصرانية، فأكون معهم في بيت واحد، وأكل من آنيتهم. فقال لى: أيأكلون لحم الخنزير؟ قلت لا. قال: لا بأس. وقيل للإمام الرضا حفيد الإمام الصادق: الجارية النصرانية تخدمك وأنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة. قال: لا بأس، تغسل يدها. إلى غير ذلك من الروايات (١) .

стр. 893

ومع أن الأدلة تؤيد المذاهب الأربعة، إلا أن الخلاف بينها وبين الإمامية حول نجاسة المشرك والكافر خلاف مبنى على تعقل وتفكر، ونظر واستدلال من الجانبين، وفلو اقتصر الخلاف حول ذلك لهان الخطب، ولكن الإمامية في تحديدهم لمفهوم الكافر خرجوا كلية عن نصوص الإسلام وروحه إلى جهل الطائفية وعصبيتها الحمقاء، فحكموا بكفر الخوارج والغلاة والنواصب. وإذا كان الغلاة قد اشتطوا في آرائهم فخرجوا عن الإسلام، وإذا كان الخوارج قد كفروا سائر المسلمين، واستحلوا دماءهم وأموالهم فاستحقوا بذلك اللعنة، فمن أولئك النواصب الذين حكم عليهم بالكفر من الإمامية؟ رووا عن الإمام الصادق أنه قال: " ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد رجلاً يقول أنا أبغض محمداً أو آل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولوننا، وأنكم من شيعتنا ". ورووا عن الإمام على الهادى (١) أن أحدهم كتب إليه يسأله عن الناصب: "

стр. 894

هل أحتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت (١) واعتقاد إمامتها؟ " فرجع الجواب: " من كان على هذا فهو ناصب " (٢) . وبهذا يصبح كل المسلمين غير الرافضة نواصب أي كفاراً، نقلنا من قبل بعض الروايات التي عقب عليها المامقانى بقوله بأن غاية ما يستفاد منها جريان حكم الكافر والمشرك في الآخرة على من لم يكن اثنى عشريا (٣) . وفي ظلمات هذا الجهل والزندقة نظم محمد باقر الطباطبائى منظومة منها: فمذهب الصادق خير مذهب ... وهو وبيت الله أولى بالنبى ذخرت حبى لهم ليوم لا ... ينفع للمرء سوى ما عملا وما أخذتم منهم وعنهم ... بل اتبعتم من هم دونهم حتى انتهي الأمر إلى التقليد في ... شرايع الدين القويم الحنفي قلدتم النعمان أو محمداً ... أو مالك بن أنس أو أحمداً فهل أتى الذكر به أو أوصى ... به النبى أو وجدتم نصاً (٤) وعنوان كتابه هو: " الشهاب الثاقب في رد ما لفقه الناصب " (٥) فأهل السنة جميعاً في رأيه نواصب. (٦)

стр. 895

وقال صاحب مفتاح الكرامة: " إن الذى يظهر من السير والتواريخ أن كثيراً من الصحابة في زمن النبى ﷺ وبعده وأكثر أهل مكة وغيرهم، كانوا في أشد العداوة لأمير المؤمنين، وذريته. مع أن مخالطتهم ومساورتهم لم تكن منكرة عند الشيعة أصلا ولو سراً ". يفهم من هذا أن هناك إشكالاً: فكيف أباح الشيعة مخالطة هؤلاء مع أنهم نجس لكفرهم بسبب هذا العداء؟ أجاب صاحب الكتاب عن هذا بقوله: " الحاصل أن طهارتهم مقرونة إما بالتقية، أو الحاجة وحيث ينتفيان فهم كافرون قطعا "! (١) فأكثر الصحابة، وغيرهم من السلف الصالح رضوان الله عليهم، ومن تبعهم بإحسان في نظر هؤلاء الرافضة، يعدون كافرين! وبعض الإمامية يرى أن النواصب هم الخوارج فقط، وبعضهم يرى أنهم المبغضون لأمير المؤمنين على وجه التدين به أو المتظاهرون بهذا البغض، إلى غير ذلك من الآراء! (٢) . وحاول بعض الكتاب المعاصرين من الشيعة الإمامية أن يحدوا من سورة المغالين فقال بعضهم: " إن بين أهل السنة وبين الناصب بوناً شاسعاً، فأهل السنة لا ينصبون العداء لعلى وذريته " (٣) . وقال آخر: الناصب في الحقيقة عبارة عمن ينصب العداوة لعلى ويظهرها، لا من يخالفه في الخلافة والفضيلة بحيث يشتهر في الشيعة بأنه ناصب. فمن ذكرهم صاحب مفتاح الكرامة لا يعدون كذلك، لأنهم لم يكونوا مشتهرين بهذا، ولا نجد في كل عصر من الأعصار إلا نفراً قليلاً.

стр. 896

وعقب على الرواية المنسوبة للصادق " ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت ٠٠ إلخ " قال: وحيث إن هذا المعنى موجود في أغلب المخالفين فلا محالة لا يكون النصب بهذا المعنى محكوماً بالنجاسة، وإنما يكون الموجب للنجاسة من يكون معلنا بالعداوة، وهم قليلون في كل عصر، ومعروفون بالنصب عند الشيعة، ولا دليل على مساورة الشيعة أو أئمتهم معهم، بل الأمر كان على العكس، فلقد كان معاوية من الناصبين ومن الذين يضمرون الشرك بالله تعالي ... وقد نقل أن ابن خلدون كان ناصباً (١) . هذه آراء متباينة، وأقوال متضاربة، ولا غرو، فهي مبنية على غير أساس من الشريعة أو العقل، وما ينسبونه لأئمتهم في هذا كذب وبهتان. وإذا كان لمثل هذه الآراء المنحرفة متنفس بين الشيعة وهم منعزلون عن سائر الأمة الإسلامية، فالواجب أن يقضى عليها الآن وهم يحاولون أن يجعلوا من طائفتهم مذهباً خامساً، فأولى بهم أن يطهروا أنفسهم أولاً من هذه الأدران قبل أن يلتصقوا بجسم الأمة الإسلامية. وأكرر هنا ما قاله محمد جواد مغنية، وهو يبين طهارة أهل الكتاب: " وأنا على يقين بأن كثيراً من فقهاء اليوم والأمس يقولون بالطهارة، ولكنهم يخشون أهل الجهل والله أحق أن يخشوه ".

стр. 897

وفي كتاب وسائل الشيعة (١/٩٦:٩٠) تحت باب " بطلان العبادة بدون ولاية الأئمة، واعتقاد إمامتهم " يذكر تسعة عشر حديثاً في وجوب الإمامة، وكفر من لا يقول بها، ووجوب الرجوع في جميع الأحكام إلى الإمام، وإن ذلك شرط الايمان. فالتكفير إذن لا يتعلق بنصب العداء فقط، وإنما يتعداه ليشمل كل أمة الإسلام، خير أمة أخرجت للناس، ماداموا ليسوا من الرافضة الذين يرفضون إمامة الشيخين أبى بكر وعمر، ويرفضون القول بعدم تكفيرهما، وهما كما ثبت متواتراً خير البشر بعد رسول الله ﷺ . وما جاء هنا يتفق مع ما ذكرناه من قبل عند الحديث عن تفسير الحسن العسكرى وعلى بن إبراهيم القمي، والكافي للكلينى، وغيرها من كتب الكفر والضلال، ولذلك فهو ينقل منها ومن أمثالها، ويكثر النقل من كتاب الكافي كما يبدو لمن يقرأ الوسائل. والأخبار كلها تدور حول المعنى المراد من الباب، وضعها المفترون من غلاة الرافضة الضالين. وأعود هنا لتأكيد ما ذكرته من قبل من أن الغلو والضلال والكفر إنما هو للرواة وأصحاب الكتب الذين أرادوا أن يهدموا الإسلام من الداخل بتكفير نقلة الشريعة، وحملة الرسالة من خير البشر بعد رسول الله ﷺ . أما الإمام الصادق الذي يكثرون من نسبة الأقوال إليه، وغيره من الأئمة الأطهار الأبرار، فهم بريئون من هذه الأباطيل والمفتريات. وأذكر أن أحد الكتاب قابل هذا الغلو والضلال بمثله، فذكر خبراً من الأخبار التي وضعها غلاة الرافضة وزنادقتهم، غير أنه أثبت القول للإمام الصادق نفسه ـ وحاشاه ـ حيث قال: " قال صادقهم الكذب: "، وهذا ضلال لا يصح أن يصدر من مسلم، فالإمام الصادق ﵁ أجل قدراً وأعظم منزلة من أن ينسب إليه الكذب، ولقد عبرت عن أسفي وحزنى، وذكرت هذا لشيخى الإمام محمد أبو زهرة ﵀ فغضب غضباً شديداً، وعجب كيف يجرؤ أي مسلم على اتهام الإمام الصادق.

стр. 898

وفي مواضع أخرى من كتاب وسائل الشيعة نجد كثيراً من روايات غلاة الرافضة وزنادقتهم. ففي الجزء الأول (ص ١٥٨: ١٥٩) باب " كراهة الاغتسال بغسالة الحمام مع عدم العلم بنجاستها، وأن الماء النجس لا يطهر ببلوغه كراً ". وتحت الباب خمس روايات، كلها تذكر نجاسة الناصب، وأنه شر من غيره من النجاسات، ومن كل من خلق الله تعالي. وينسبون هذا الكفر والزندقة للأئمة الأطهار. فينسبون إليهم أنهم قالوا: " إن الله تعالي لم يخلق خلقاً شراً من الكلب، وإن الناصب أهون على الله تعالي من الكلب، وإن الله تعالي لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب، وإن الناصب لأنجس منه "!! وفي ص ١٦٥ باب " نجاسة أسآر أصناف الكفار "، وفي الباب أن الناصب أشد من اليهودى، والنصرانى والمشرك وكل من خالف الإسلام!! وفي الجزء الثاني (ص ١٠١٨: ١٠٢١) باب نجاسة الكافر ولو ذمياً ولو ناصبياً. وبعد ذكر الروايات أشار المؤلف إلى ما سبق في الجزء الأول من نجاسة الناصب وغيره. ونحن لا نزال في بداية الفصل الأول من دراسة الفقه، بعد أن مررنا بالعقائد والأصول، نتساءل: ما الرأي في دعوة دار التقريب بالقاهرة لجعل الذين يأخذون فقههم من كتاب " وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة " لجعل هؤلاء القوم مذهباً خامساً يضاف للمذاهب الأربعة لأهل السنة؟ وما الرأي في فتوى الشيخ شلتوت ـ غفر الله تعالي له ـ بجواز التعبد بمذهب هؤلاء القوم؟ أكان يعلم هذه البلايا والرزايا عندما أفتى؟ أم أنه لم يقرأ وأخذ علمه بهم من أفواه من يدينون بالتقية؟

стр. 899

وما الرأي فيما ذكر من كلام الشيخ الباقورى من أن الخلاف بينهم وبين المذاهب الأربعة كالخلاف بين أي مذهب وباقى المذاهب؟! ونكتفي هنا بالتساؤل دون إجابة أو تعقيب، والله يحفظ دينه. ثانياً: اعتبار المذى والودى من موجبات الوضوء أجمعت المذاهب الأربعةعلى اعتبار المذى والودى من موجبات الوضوء (١) ، وخالفهم في ذلك الإمامية الرافضة. استدل الإمامية بروايات عن أئمتهم تفيد ما ذهبوا إليه. وبحديث عن النبى ﷺ ، وهو أن علياً كان رجلاً مذاء، فاستحيا أن يسأل رسول الله ﷺ لمكأن فاطمة، فأمر المقداد أن يسأله وهو جالس، فسأله، فقال له النبى ﷺ : ليس بشيء (٢) . وورد عن طريقهم أيضاً ما يعارض رأيهم فحملوه على التقية أو الاستحباب أو غير ذلك. من هذا ما رووه عن أحد أئمتهم أنه سئل عن المذى أينقض الوضوء؟ قال: إن كان من شهوة نقض (٣) . فحمله شيخ الطائفة الطوسى على الاستحباب، ولكن نلاحظ أن كلمة " نقض " تنفي هذا الاحتمال، لأن النقض يوجب التطهر.

стр. 900

ورووا عن أبى عبد الله أنه قال: ثلاث يخرجن من الإحليل، وهن المنى وفيه الغسل والودى فمنه الوضوء لأنه يخرج من دريرة البول. قال: والمذى ليس فيه وضوء، إنما هو بمنزلة ما يخرج من الأنف. (١) وأعجب تخريج لهذه الرواية هو حملها على التقية، فذلك الذي خاف على نفسه فقال تقية: إن الودى ينقض الوضوء، كيف ذهب عنه الروع وهو يخالف جمهور المسلمين بقوله: والمذى ليس فيه وضوء. إنما هو بمنزلة ما يخرج من الأنف. وحديث المقداد ـ الذي سبق ـ ورد عن طريقهم برواية خرى ـ هي " عن على ﵇ قال: كنت رجلاً مذاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان فاطمة ﵍ بنته، لأنها عندى، فقلت للمقداد يمضى ويسأله، فسأل رسول الله ﷺ وآله وسلم عن الرجل الذي ينزل المذي من النساء، فقال: يغسل طرف ذكره وأنثييه، وليتوضأ وضوءه للصلاة " (٢) . وهذه الرواية توافق الرواية التي احتج بها أهل السنة، فقد روى عن " المقداد ابن الأسود أن على بن أبى طالب أمره أن يسأل له رسول الله ﷺ عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذى، ماذا عليه؟ قال على: فإن عندى ابنة رسول الله ﷺ وأنا استحى أن اسأله. قال المقداد: فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة " (٣) .

стр. 901

ويؤيده من طريق أهل السنة ما روى عن سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذى شدة وعناء. وكنت أكثر من الاغتسال، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: " إنما يجزيك من ذلك الوضوء " رواه أبو داود وابن ماجه والترمذى وقال: حديث حسن صحيح (١) . وعن عبد الله بن سعد قال: سألت رسول الله ﷺ عن الماء يكون بعد الماء؟ فقال: " ذلك المذى، وكل فحل يمذى، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة " رواه أبو داود والترمذى وحسنه (٢) . وحديث الوضوء من المذى متفق عليه (٣) . ويؤيد ذلك أيضاً من طريق الإمامية، ماروى عن على قال: سمعت رسول الله ﷺ بعد أن أمرت المقداد يسأله وهو يقول: ثلاثة أشياء: منى ووذى، وودى، فأما المذى فالرجل يلاعب امرأته فيمذى ففيه الوضوء. وأما الودى: فهو الذي يتبع البول يشبه المنى، ففيه الوضوء أيضاً. وأما المنى: فهو الماء الدافق الذي يكون منه الشهوة، ففيه الغسل (٤) . وهذه الروايات لا يمكن حملها إلا على وجوب الوضوء، وقد صحت من الطريقين. أما ما روى من أن الرسول ﷺ أجاب المقداد بقوله: " ليس بشيء "

стр. 902

فهذا لم يثبت من طريق أهل السنة، ولو صح لأمكن الجمع بينه وبين هذه الأخبار بأن نقول: إن قوله " ليس بشيء " متعلق بالغسل لا بالوضوء، أي أنه لا يوجب الغسل، ففي رواية سهل بن حنيف السابقة " كنت أكثر منه الاغتسال فذكرت ذلك لرسول الله "، ووقع عند أبى داود والنسائى وابن خزيمة عن على بلفظ " كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقق ظهرى " (١) . وبهذا يكون الرسول ﷺ قد بين أن المذى لا يوجب الغسل، وهذا لا يتعارض مع وجوب الوضوء. ويؤيد ما ذهبت إليه ما رواه الشيعة عن على قال: " إنى لمذاء، وما أزيد على الوضوء " (٢) . فأما ما رواه الشيعة عن أئمتهم من أن المذى لا يوجب الوضوء، فيمكن حمله على ما ذهب إليه الإمام مالك حيث قال: " إذا كان ذلك منه من سلس من برد أو ما أشبه ذلك قد استنكحه ودام به فلا أرى عليه الوضوء. وإن كان ذلك من طول عزبة إذا تذكر فخرج منه، أو كان إنما يخرج المرة بعد المرة، فأرى أن ينصرف فيغسل ما به ويعيد الوضوء " (٣) . ويؤيد هذا من طريق الشيعة ما روى عن محمد بن إسماعيل، عن أبى الحسن الرضا قال: سألته عن المذى فأمرنى بالوضوء منه، ثم أعدت عليه سنة أخرى، فأمرنى بالوضوء منه، وقال: إن علياً ﵇ أمر المقداد أن يسأل رسول الله ﷺ واستحيا أن يسأله، فقال: فيه الوضوء. قلت: وإن لم أتوضأ، قال لا بأس " (٤) .

стр. 903

فكيف يخالف أمر رسول الله إذن ويبيح للسائل عدم الوضوء. مع أن الرسول قال: فيه الوضوء؟ فلعله ارتأي ما يراه الإمام مالك، ولا شك أن السائل لقى مشقة كبيرة، حيث سأل، ثم جاء بعد عام ليسأل مرة أخرى، وحيث قال: وإن لم أتوضأ بعد أن سمع حكم الرسول ﷺ ، فيلحق بأصحاب الأعذار الذين لا يوجب عليهم الوضوء في رأي الإمام مالك. بهذا يمكن الجمع بين أحاديث أهل السنة وأحاديث الشيعة ورواياتهم عن الأئمة، وإذا لم يمكن الجمع، فإنا بلا ريب نسقط روايات الأئمة، وتبقى أحاديث الرسول ﷺ وهي صريحة نصاً في إيجاب الوضوء. ثالثاً: غسل الوجه اتفق الجميع على وجوب غسل الوجه، وانفرد الشيعة الرافضة برأيهم في تحديد الوجه، وطريقة غسله. ذهبت المذاهب الأربعة في تحديد الوجه بأنه من منابت شعر الرأس إلى الذقن إلى الأذنين (١) وروى عن مالك أن ما بين اللحية والأذن ليس من الوجه، وبذلك لا يجب غسله (٢) . أما الشيعة فقد اتفقوا معهم في الطول، واختلفوا في العرض. حيث حددوه بما اشتمل عليه الإبهام والوسطى (٣) .

стр. 904

وأقرب الآراء إليهم كما نرى رأي الإمام مالك. ولكن فى تحديدهم إخراج لجزء كبير من الوجه وهذا يفتقر إلى الدليل. وإذا نظرنا إلى رواياتهم في الوضوء نجدها لا تسند إجماعهم، بل تعارضه، مثال ذلك: عن زرارة قال: حكى لنا أبو جعفر ﵇ وضوء رسول الله ﷺ وآله، فدعا بقدح من ماء، فأخذ كفاً من ماء، فأسدله على وجهه. ثم مسح من الجانبين جميعاً. وفي رواية أخرى: فأخذ كفاً من ماء، فصبه على وجهه، ثم مسح جانبيه حتى مسحه كله. وفي رواية ثالثة: ثم غمس كفه اليمنى في التور، فغسل وجهه بها واستعان بيده اليسرى بكفه على غسل وجهه (١) . وهذه الروايات كلها معتبرة عندهم في الاحتجاج بكيفية الوضوء فعلى أي أساس بنى إجماعهم إذاً؟ ثم إن هذا الإجماع يعارضه أيضاً إجماع جمهور المسلمين بإيجاب غسل بعض الأجزاء التى أجمعوا على عدم غسلها استناداً إلى الأمر بغسل الوجه. فتحديد الوجه بهذه الصورة تحكم يحتاج إلى نظر من فقائهم بدلا من أن ينساقوا وراء قول يعارض كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ . والخلاف الثانى في طريقة الغسل، فقد أوجبوا الابتداء بغسل الوجه من الأعلى، وهذا هو المشهور من المذهب، ولكن هناك من لم يوجب ذلك ووجدنا

стр. 905

من فقهاء الشيعة اليوم من يقول: " يلاحظ بأن الأمر بغسل الوجه مطلق، ولا نص على وجوب الابتداء بالأعلى، فيحصل الامتثال بالغسل كيف اتفق. أما ابتداء الإمام بالأعلى فغاية ما يدل عليه الجواز والمشروعية، لا الحصر والتعيين " (١) . وهذا يتفق مع المذاهب الأربعة، وبذا ينتفي الخلاف. رابعا: غسل اليدين الخلاف هنا في نقطتين: الأولى: إيجابهم الابتداء بالمرفقين. الثانية: إيجابهم كذلك الابتداء باليد اليمنى. فأما إيجاب الابتداء بالمرفق فهو خلاف الظاهر "" فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ "" فظاهر الآية الانتهاء إلى المرفق، فإذا لم ننظر إلي غسل اليدين على أنه مجرد الغسل الذي يعم اليد إلى المرفق، سواء ابتدأ به المتوضئ أو انتهي إليه وجب الانتهاء إلى المرفق لا الابتداء به. والذي دفع الشيعة إلى هذا القول ورود روايات عن الأئمة في الوضوء مبتدئين بالمرفقين. (٢) ولكن هذه الروايات لا تتعارض مع ما ذهب إليه أصحاب المذاهب الأربعة، لأنه جائز، أما إيجاب الابتداء بهما فهو التحكم الذي لا دليل عليه. ويخالف ظاهر القرآن الكريم. وإجماع سائر المسلمين. وأما الابتداء باليمنى فلا شك أنه الأولى، فعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم " أخرجه الأربعة،

стр. 906

وصححه ابن خزيمة، وأخرجه أحمد وابن حبان والبيهقى وزاد فيه " وإذا لبستم " وقال ابن دقيق العيد: هو حقيق بأن يصحح (١) . وما روى عن وضوء الرسول ﷺ عن طريقى السنة والشيعة فيه أنه صلوات الله عليه كان يبدأ بالميامن، وعن عائشة ﵂ قالت: " كان النبى ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره. وفي شأنه كله " متفق (٢) . فلو جعلنا ذلك على الوجوب، لوجب في اليدين والرجلين، ولكنهم جميعا لا يقولون بذلك. فالشيعة يوجبونه في اليدين دون الرجلين، والمذاهب الأربعة لا توجبه، ولوجب كذلك في اللبس، ولا خلاف في عدم وجوبه، فيمكن حمله إذن على الاستحباب لا الإيجاب، وقول السيدة عائشة " يعجبه التيمن " تدل على هذا وكذلك التنعل والترجل وفي شأنه كله. فلا خلاف في عدم وجوب البدء بالميامن في ذلك.

стр. 907

خامساً: مسح الرأس انفرد الإمامية بالقول بوجوب مسح مقدم الرأس ببقية البلل. وبعدم إجزاء الغسل على أي حال. فهم متفقون مع الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة في جواز مسح بعض الرأس (١) ، ولكنهم يوجبون المقدم، ويختلفون مع الجميع في إيجاب المسح ببقية البلل. رووا عن الإمام أبى جعفر - وهو يحكى وضوء الرسول ﷺ أنه " مسح مقدم رأسه، وظهر قدميه ببلة يساره، وبقية بلة يمناه ". وفي رواية أخرى " مسح بفضل يديه رأسه ورجليه ". وفي إحدى الروايات " مسح ببقية ما بقى فى يديه رأسه ورجليه، ولم يعدهما فى الإناء "، إلى غير ذلك من الروايات (٢) . والرواية الأولى قد تكون بياناً للمجمل في الروايتين الأخيرتين، وقد تدل على جواز مسح المقدم، ولكنهم رووا عن الإمام أبى جعفر أيضاً بأن المتوضئ إذا مسح بشئ من رأسه فقد أجزأه (٣) . مما يؤيد الاحتمال الثانى ـ وهو الجواز ـ ويرفض الاحتمال الأول. وقد استدل الإمام الشافعي بروايات أن الرسول ﷺ مسح بمقدم رأسه، ومع هذا لم يوجب المقدم، وإنما رأي أن من مسح من رأسه شيئاً فقد مسح برأسه (٤) .

стр. 908

وقد ورد عن طريق الشيعة روايات تفيد عدم إيجاب المقدم، فحاولوا تخريجها: (١) مثال ذلك ما روى عن الإمام الصادق أنه سئل عن الرجل يمسح رأسه من خلفه وعليه عمامة بأصبعه أيجزيه ذلك؟ فقال: نعم. فحمله الطوسى على أنه أدخل الأصبع من الخلف، فمسح بها مقدم الرأس، واحتمل أن يكون الخبر خرج مخرج التقية، لأن ذلك مذهب بعض العامة. ولا أدرى لم ترفع العمامة ويضع الإنسان يده من الخلف ليمسح المقدم؟ أهذا هو الذي فهمه الإمام الصادق من السائل فقال: نعم؟ أم أنه جبن فقال ذلك تقية لأنه مذهب بعض العامة؟ إنى أربأ بالصادق أن يكون بهذا الخلل من الفهم، أو بهذه المنزلة من الجبن. ورواية أخرى عن الإمام الصادق أيضاً أنه سئل عن المسح على الرأس فقال: كأنى أنظر إلى عكنة في قفاء أبى يمر عليها يده. وغير ذلك مما لم يستطع الطوسى تخريجه إلا على التقية، وهو تخريج لا يمكن أن يقبل بحال، فإذا كان السائل يسأل عن المسح فلو أجيب بمسح مقدم الرأس لوافقت الرواية روايات ثبتت عند كثير من أهل السنة، كتلك التى احتج بها الإمام الشافعي، ثم ما الذي يدعو إلى الكذب في قوله " كأني أنظر إلى عكنة في قفاء أبى "؟ فلم احتاج إلى الاستشهاد بهذا الدليل، ولم يكتف بتحديد موضع المسح ولو تقية؟ أهو الإيغال في الكذب والجبن؟ كان الأجدر بالطوسى أن يحمل هذه الأخبار جميعها على جواز المقدم وغيره، فينتفي التعارض، بدلاً من أن ينزل إلى هذا المستوى في تخريجاته. وروى عن الإمام الصادق " مسح الرأس واحدة من مقدم الرأس ومؤخره، ومسح القدمين ظاهرهما وباطنهما ". ومعلوم أن جمهور المسلمين يقول بغسل الرجلين لا مسحهما، ومع هذا حمل الخبر على التقية (٢) ! .

стр. 909

وأما إيجاب المسح ببقية البلل، فالخلاف بين أهل السنة على العكس من ذلك، فبعضهم أوجب ماء جديداً والآخرون أجازوا المسح ببقية البلل، وخلافهم مبنى على أساس الماء المستعمل: أهو مطهر أم غير مطهر؟ فظاهر مذهب الحنابلة أنه طاهر غير مطهر، وهو المشهور عن أبى حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وظاهر مذهب الشافعى، وعن أحمد رواية أخرى أنه طاهر مطهر، وهو الرواية الثانية لمالك، والقول الثانى للشافعى، وروى عن على وابن عمر وأبى أمامة فيمن نسى مسح رأسه إذا وجد بللاً في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل، وذهب أبو يوسف إلى نجاسته، وهو رواية عن أبى حنيفة. (١) ولكل من هؤلاء أدلته التي استند إليها (٢) ، ولسنا بحاجة إلى مناقشتها ما دام فيهم من يوافق الإمامية على طهورية هذا الماء. ولكن ما الذي دفع الشيعة إلى القول بإيجاب بقية البلل، وبطلان الماء الجديد؟ فلو جف ماء الوضوء قبله أخذ من لحيته، وحاجبيه وأشفار عينيه مسح به، فإن لم يبق نداوة استأنف الوضوء (٣) . لا خلاف في أن الماء الجديد طاهر مطهر، وأدلة الشيعة التي ذكرناها لو صحت (٤) فغاية ما تدل عليه جواز المسح ببقية البلل، ويؤيد ذلك ما روى عن

стр. 910

طريق أهل السنة من أن الرسول ﷺ مسح رأسه بما بقى من وضوئه، أو من فضل ماء كان بيديه، وروايات أخرى أنه ﷺ مسح رأسه بماء غير فضل يديه، أو أنه أخذ لرأسه ماء جديدا (١) . ولا تعارض بين هذه الأخبار، فكل جائز، بل إننا نجد فيما روى عن طريق الشيعة ما يؤيد القائلين بإيجاب ماء جديد، جاء في الاستبصار: " سألت أبا الحسن ﵇: أيجوز للرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال: برأسه لا، فقلت: أبماء جديد؟ فقال: برأسه نعم. " ورواية أخرى: " سألت أبا عبد الله ﵇ عن مسح الرأس قلت: أمسح بما في يدي من الندى رأسى فقال: لا بل تضع يدك في الماء ثم تمسح " (٢) . وحاول شيخ الطائفة الطوسى أن يوفق بين هذين الخبرين والأخبار السابقة، فقال: " فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على ضرب من التقية؛ لأنهما موافقان لمذاهب كثير من العامة، ويحتمل أن يكون المراد بهما إذا جفت أعضاء الطهارة بتفريط من جهته، فيحتاج أن يجدد غسلها، فيأخذ ماء جديداً، ويكون الأخذ بها أخذاً للمسح حسب ما تضمنه الخبر الأول. وأما الخبر الثانى فيحتمل أن يكون المراد بقوله: " بل تضع يدك في الماء " إنما أراد الماء الذي بقى في لحيته أو حاجبيه، وليس فيه أن يضع يده في الماء الذي في الإناء أو غيره. فإذا احتمل لذلك لم يعارض ما قدمناه من الأخبار" (٣) . ولا شك أن هذا التخريج فيه من البطل ما فيه: فالخبر الأول يفيد ـ خلاف الماء الجديد ـ مسح الرجلين في الوضوء، وقد أجمعت المذاهب الأربعة على وجوب غسلهما. ولهذا أجاز الشيعة غسلهما للتقية مع إيجابهم المسح. فكيف إذن يحمل هذا الخبر على التقية لمجرد ذكر الماء الجديد مع إفادته مسح الرجلين؟

стр. 911

والتخريجات الأخرى غير مقبولة، فالخبران يفيدان عدم جفاف الأعضاء، فالأول فيه فضل الرأس، والثاني فيه ما في اليدين من الندى، ولو أراد بالثاني أخذ الماء من اللحية والحاجبين لقال: ضع يدك على اللحية والحاجبين، لا ضع يدك في الماء. وما الحاجة إلى ذلك مع وجود الندى ما لم يكن في حاجة إلى ماء جديد؟ وأخبار الشيعة لو صحت لأمكن الجمع بينها بالقول بجواز المسح ببقية الماء واستحباب الماء الجديد. وذلك أولى من القول بإيجاب المسح ببقية البلل، فذلك لا يستند إلى أي دليل (١) . ويرى الشيعة أن غسل الرأس لا يجزى عن مسحه، وهم إذا كانوا يشترطون في المسح أن يكون ببقية البلل، فمن باب أولى أن يرفضوا إجزاء الغسل. وأما المذاهب الأربعة فيرون أجزاءه، لأن فيه مسحاً وزيادة. اشترط بعض الحنابلة إمرار اليد على الرأس مع الغسل أو بعده للإتيان بالمسح (٢) . ولا شك أن المسح أولى من الغسل، فهو الفرض بالنص، ولكن ليس معنى هذا أن الغسل يبطل الوضوء، لأن في الغسل إتياناً بالفرض وزيادة. وهذه الزيادة وإن لم تكن مستحبة إلا أنها ليست مبطلة، كمن غسل أعضاء الوضوء أربعاً، فإن

стр. 912

ذلك غير مستحب، لكنه لا يبطل الوضوء، وكمن اغتسل ينوى به الوضوء، فالشيعة يرون أن غسل الجنابة يجزى عن الوضوء، واختلفوا في غيره، فلم يجمعوا على عدم الإجزاء. إذا فالمسح أولى من الغسل ولكن الغسل لا يبطل، والله أعلم. سادساً: حكم الأذنين أجمع أصحاب المذاهب الأربعة على القول بمسح الأذنين، والخلاف بينهم حول وجوبه او استحبابه، أما الإمامية فلا يرون وجوب مسح الأذنين ولا استحبابه، واستدلوا بما روى عن الإمام الباقر " ليس عليهما غسل ولا مسح " (١) . ولكن هناك رواية أخرى. وهي " سألت أبا عبد الله ﵇: الأذنان من الرأس؟ قال نعم. قلت: فإذا مسحت رأسي مسحت أذني؟ قال: نعم، كأني أنظر إلى أبى في عنقه عكنة وكان يخفي رأسه إذا جزه، كأني أنظر والماء ينحدر على عنقه " (٢) . ويمكن الجمع بين هذين الخبرين بأن يحمل الأول على عدم الوجوب بدلاً من حمل الثانى على التقية، أو على ما لا صلة له بالطهارة كمسح الرأس بعد الحلق! (٣) . وعن طريق أهل السنة وردت روايات صحيحة بأن الرسول ﷺ مسح أذنيه (٤) ورواية الباقر لا تنهض دليلاً على بطلان هذه الروايات، ورواية الصادق تؤيدها، والتوفيق بين الروايات ممكن، فلا حاجة إلى التشبث بما لم يقم عليه دليل.

стр. 913

وأما ما روى عن الإمام الصادق: " الأذنان ليسا من الوجه ولا من الرأس " فهو دليل على عدم الإيجاب، ولا يمنع الاستحباب، ويمكن أن يسقط بما ثبت من مسح الرسول ﷺ لأذنيه. سابعاً: نوع طهارة الرجلين أجمعت المذاهب الأربعة على وجوب غسل الرجلين، وأجمع الشيعة على وجوب مسحهما ببقية البلل إلا في حالة التقية. وسبب ذلك الخلاف أن آية المائدة قرئ فيها " أرجلكم " بالنصب والجر وثبت، لدى فريق أن الرسول ﷺ كان يغسلهما، ولدى الآخر أنه كان يمسحهما، فاستدل القائلون بالغسل بقراءة النصب وقالوا بالعطف على اليدين. واستدل الآخرون بقراءة الجر، وقالوا بالعطف على الرءوس. ولنذكر ذلك تفصيلا. استدل الشيعة (١) بالآية الكريمة، فقالوا: إن الاحتجاج بها في قراءة الجر واضح، وذلك أن للمعطوف حكم المعطوف عليه، فكما أنه يجب في الرءوس المسح من غير خلاف بين أحد فكذلك يجب في الأرجل إعطاء للمعطوف حكم المعطوف عليه. أما في قراءة النصب، فالوجه أن الأرجل معطوفة على الموضع من (برءوسكم) لا على اللفظ، وذلك أن برءوسكم منصوبة الموضع لأنها مفعول (لامسحوا) في المعنى، وإن كانت مجرورة بالباء في اللفظ. والعطف تارة يكون

стр. 914

على اللفظ، فيعطى المعطوف حكم المعطوف عليه، وتارة يكون على الموضع فله كذلك حكمه، وهو كثير في كلام العرب؛ قالوا: ليس فلان بقائم ولا ذاهباً، فجعلوا ذاهباً معطوفة على موضع بقائم مع أنها مجرورة اللفظ. وقال الشاعر: معاوى إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا فعطف الحديد على موضع الجبال لأن موضعها النصب، وإن كان لفظها مجروراً. وقال تأبط شراً: هل أنت باعث دينار لحاجتنا ... وعبد رب أخا عون بن مخراق فعطف عبد على موضع دينار، فموضعه النصب على المفعولية لباعث، مع أنه مجرور اللفظ بالإضافة. وقال آخر: جئنى بمثل بنى بدر لقومهم ... أو مثل إخوة منظور بن سيار فعطف مثل الثانية على موضع بمثل الأولى. وعلى هذا ذهبوا إلى أن الآية تدل على وجوب المسح سواء أكان نزولها بالجر أو بالنصب، لأنها معطوفة على الرءوس في القراءتين. وذهب القائلون بالغسل إلى عكس ذلك؛ (١) فهم يرون أن النصب عطف على اليدين، وبذلك يجب غسل الرجلين، والعطف على محل الرءوس خلاف الظاهر،

стр. 915

وقراءة الجر لا تمنع العطف على اليدين، فهي مجرورة للمجاورة، وجر الجوار جائز في النعت وفي العطف، أما النعت فقوله تعالى: "" إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ "" (جر أليم) وهو صفة العذاب المنصوب لمجاورته المجرور. وأما العطف فكقوله تعالى: "" وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ "" ففي قراءة الجر لحور يكون ذلك لمجاورة " أكواب وأباريق " مع أنه معطوف على " ولدان مخلدون ". وقوله تعالى: "" عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ "". وقد وقع هذا الجر في كلام العرب العرباء، كقول امرئ القيس: وظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل جر قديراً مع العطف للمجاورة. وقول النابغة: لم يبق إلا أسير غير منفلت ... وموثق في عقال الأسر مكبول بجر " موثق " و" مكبول " بجوار " منفلت " مع أنهما معطوفان على أسير. وتقول العرب " جحر ضب خرب " بجر خرب بالجوار. وفائدة الجر بالجوار في الآية الإيماء إلى وجوب الاقتصاد في الماء بغسلهما غسلاً يقرب من المسح، لأنهما مظنة الإسراف فيه، ولبيان أنهما يمسحان حال الاختيار على حائل وهما الخفان بخلاف سائر الأعضاء، والفصل بقوله " برءوسكم " إشارة إلى الترتيب.
следующие страницы →