← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1507

مع الاثنى عشرية في الأصول والفروع

علي السالوس

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

والتخريجات الأخرى غير مقبولة، فالخبران يفيدان عدم جفاف الأعضاء، فالأول فيه فضل الرأس، والثاني فيه ما في اليدين من الندى، ولو أراد بالثاني أخذ الماء من اللحية والحاجبين لقال: ضع يدك على اللحية والحاجبين، لا ضع يدك في الماء. وما الحاجة إلى ذلك مع وجود الندى ما لم يكن في حاجة إلى ماء جديد؟ وأخبار الشيعة لو صحت لأمكن الجمع بينها بالقول بجواز المسح ببقية الماء واستحباب الماء الجديد. وذلك أولى من القول بإيجاب المسح ببقية البلل، فذلك لا يستند إلى أي دليل (١) . ويرى الشيعة أن غسل الرأس لا يجزى عن مسحه، وهم إذا كانوا يشترطون في المسح أن يكون ببقية البلل، فمن باب أولى أن يرفضوا إجزاء الغسل. وأما المذاهب الأربعة فيرون أجزاءه، لأن فيه مسحاً وزيادة. اشترط بعض الحنابلة إمرار اليد على الرأس مع الغسل أو بعده للإتيان بالمسح (٢) . ولا شك أن المسح أولى من الغسل، فهو الفرض بالنص، ولكن ليس معنى هذا أن الغسل يبطل الوضوء، لأن في الغسل إتياناً بالفرض وزيادة. وهذه الزيادة وإن لم تكن مستحبة إلا أنها ليست مبطلة، كمن غسل أعضاء الوضوء أربعاً، فإن

стр. 912

ذلك غير مستحب، لكنه لا يبطل الوضوء، وكمن اغتسل ينوى به الوضوء، فالشيعة يرون أن غسل الجنابة يجزى عن الوضوء، واختلفوا في غيره، فلم يجمعوا على عدم الإجزاء. إذا فالمسح أولى من الغسل ولكن الغسل لا يبطل، والله أعلم. سادساً: حكم الأذنين أجمع أصحاب المذاهب الأربعة على القول بمسح الأذنين، والخلاف بينهم حول وجوبه او استحبابه، أما الإمامية فلا يرون وجوب مسح الأذنين ولا استحبابه، واستدلوا بما روى عن الإمام الباقر " ليس عليهما غسل ولا مسح " (١) . ولكن هناك رواية أخرى. وهي " سألت أبا عبد الله ﵇: الأذنان من الرأس؟ قال نعم. قلت: فإذا مسحت رأسي مسحت أذني؟ قال: نعم، كأني أنظر إلى أبى في عنقه عكنة وكان يخفي رأسه إذا جزه، كأني أنظر والماء ينحدر على عنقه " (٢) . ويمكن الجمع بين هذين الخبرين بأن يحمل الأول على عدم الوجوب بدلاً من حمل الثانى على التقية، أو على ما لا صلة له بالطهارة كمسح الرأس بعد الحلق! (٣) . وعن طريق أهل السنة وردت روايات صحيحة بأن الرسول ﷺ مسح أذنيه (٤) ورواية الباقر لا تنهض دليلاً على بطلان هذه الروايات، ورواية الصادق تؤيدها، والتوفيق بين الروايات ممكن، فلا حاجة إلى التشبث بما لم يقم عليه دليل.

стр. 913

وأما ما روى عن الإمام الصادق: " الأذنان ليسا من الوجه ولا من الرأس " فهو دليل على عدم الإيجاب، ولا يمنع الاستحباب، ويمكن أن يسقط بما ثبت من مسح الرسول ﷺ لأذنيه. سابعاً: نوع طهارة الرجلين أجمعت المذاهب الأربعة على وجوب غسل الرجلين، وأجمع الشيعة على وجوب مسحهما ببقية البلل إلا في حالة التقية. وسبب ذلك الخلاف أن آية المائدة قرئ فيها " أرجلكم " بالنصب والجر وثبت، لدى فريق أن الرسول ﷺ كان يغسلهما، ولدى الآخر أنه كان يمسحهما، فاستدل القائلون بالغسل بقراءة النصب وقالوا بالعطف على اليدين. واستدل الآخرون بقراءة الجر، وقالوا بالعطف على الرءوس. ولنذكر ذلك تفصيلا. استدل الشيعة (١) بالآية الكريمة، فقالوا: إن الاحتجاج بها في قراءة الجر واضح، وذلك أن للمعطوف حكم المعطوف عليه، فكما أنه يجب في الرءوس المسح من غير خلاف بين أحد فكذلك يجب في الأرجل إعطاء للمعطوف حكم المعطوف عليه. أما في قراءة النصب، فالوجه أن الأرجل معطوفة على الموضع من (برءوسكم) لا على اللفظ، وذلك أن برءوسكم منصوبة الموضع لأنها مفعول (لامسحوا) في المعنى، وإن كانت مجرورة بالباء في اللفظ. والعطف تارة يكون

стр. 914

على اللفظ، فيعطى المعطوف حكم المعطوف عليه، وتارة يكون على الموضع فله كذلك حكمه، وهو كثير في كلام العرب؛ قالوا: ليس فلان بقائم ولا ذاهباً، فجعلوا ذاهباً معطوفة على موضع بقائم مع أنها مجرورة اللفظ. وقال الشاعر: معاوى إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا فعطف الحديد على موضع الجبال لأن موضعها النصب، وإن كان لفظها مجروراً. وقال تأبط شراً: هل أنت باعث دينار لحاجتنا ... وعبد رب أخا عون بن مخراق فعطف عبد على موضع دينار، فموضعه النصب على المفعولية لباعث، مع أنه مجرور اللفظ بالإضافة. وقال آخر: جئنى بمثل بنى بدر لقومهم ... أو مثل إخوة منظور بن سيار فعطف مثل الثانية على موضع بمثل الأولى. وعلى هذا ذهبوا إلى أن الآية تدل على وجوب المسح سواء أكان نزولها بالجر أو بالنصب، لأنها معطوفة على الرءوس في القراءتين. وذهب القائلون بالغسل إلى عكس ذلك؛ (١) فهم يرون أن النصب عطف على اليدين، وبذلك يجب غسل الرجلين، والعطف على محل الرءوس خلاف الظاهر،

стр. 915

وقراءة الجر لا تمنع العطف على اليدين، فهي مجرورة للمجاورة، وجر الجوار جائز في النعت وفي العطف، أما النعت فقوله تعالى: "" إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ "" (جر أليم) وهو صفة العذاب المنصوب لمجاورته المجرور. وأما العطف فكقوله تعالى: "" وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ "" ففي قراءة الجر لحور يكون ذلك لمجاورة " أكواب وأباريق " مع أنه معطوف على " ولدان مخلدون ". وقوله تعالى: "" عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ "". وقد وقع هذا الجر في كلام العرب العرباء، كقول امرئ القيس: وظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل جر قديراً مع العطف للمجاورة. وقول النابغة: لم يبق إلا أسير غير منفلت ... وموثق في عقال الأسر مكبول بجر " موثق " و" مكبول " بجوار " منفلت " مع أنهما معطوفان على أسير. وتقول العرب " جحر ضب خرب " بجر خرب بالجوار. وفائدة الجر بالجوار في الآية الإيماء إلى وجوب الاقتصاد في الماء بغسلهما غسلاً يقرب من المسح، لأنهما مظنة الإسراف فيه، ولبيان أنهما يمسحان حال الاختيار على حائل وهما الخفان بخلاف سائر الأعضاء، والفصل بقوله " برءوسكم " إشارة إلى الترتيب.

стр. 916

والقول بأن الجر بالجوار إنما يصار إليه حيث الأمن من الالتباس فهنا كذلك، لأن الرسول ﷺ يبين للناس ما نزل إليهم. (١) ويمكن في غير المجاورة أن يحمل المسح على الغسل، فذلك مستعمل في كلام العرب، قال أبو على الفارسى: العرب تسمى خفيف الغسل مسحاً، فيقولون: تمسحت للصلاة أي: توضأت، وقال أبو زيد الأنصارى نحو ذلك. ويؤيد هذا أنهما محدودان بحد ينتهي إليه، فأشبها اليدين. ثم إنه إذا اجتمع فعلان متقاربان بحسب المعنى جاز حذف أحدهما وعطف متعلق المحذوف على متعلق المذكور، ومن ذلك قول لبيد: فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها أي باضت نعامها، لأنها لا تلد. وقال آخر: تراه كأن الله يجدع أنفه ... وعينيه أن مولاه ثاب له وفر ومنه قول الأعرابي: علفتها تبناً وماء بارداً، أي: وسقيتها.

стр. 917

وحاول الشيعة نقض احتجاجات القائلين بالغسل فقالوا بالمنع من الجر بالجوار مستدلين بما استدل به الإمام الرازى (١) ، وقد رأينا الإجابة عن هذه الاعتراضات. وقالوا: إن ذلك يجرى مجرى " ضربت زيداً وعمراً وأكرمت خالداً وبكراً " فإن رد بكر إلى خالد في الإكرام هو الوجه في الكلام الذي لا يسوغ سواه، ولا يجوز رده إلى الضرب الذي انقطع حكمه. ونلاحظ هنا بوناً شاسعاً بين هذه الجملة، وبين الآية الكريمة، فبكر لا يجوز فيه إلا النصب، ولا تقارب بين الضرب والإكرام، ولا حكمة وراء هذا الفصل، إلى غير ذلك مما يبين فساد هذا القياس (٢) . وقالوا بأن حمل المسح على الغسل باطل، ففائدة اللفظين في اللغة والشرع مختلفة، وقد فرق الله سبحانه بين الأعضاء المغسولة وبين الأعضاء الممسوحة. والعطف على الرءوس يعطى نفس الحكم. ولو كان المسح بمعنى الغسل لسقط استدلال القائلين بالغسل بأن الرسول ﷺ توضأ وغسل رجليه، فيجوز حمل ذلك على المسح. وقولهم " تمسحت للصلاة " المعنى فيه لما أرادوا أن يخبروا عن الطهور بلفظ موجز، ولم يجز أن يقولوا تغسلت للصلاة، لأن ذلك تشبيه بالغسل، قالوا بدلا من ذلك: تمسحت لأن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضاً، فتجوزوا لذلك تعويلا على أن المراد مفهوم، وهذا لا يقتضى أن يكونوا جعلوا المسح من أسماء الغسل. وفي تحديد طهارة الرجلين قالوا: المسح أوجبته الشريعة كالغسل فلا ينكر تحديده، ولم توجب الغسل في اليدين للتحديد، بل للأمر به. ونلاحظ أن ردهم بأن " المغسول من الأعضاء ممسوح أيضاً فتجوزوا لذلك تعويلاً على أن المراد مفهوم "، من الواضح أنه يؤيد القائلين بحمل المسح على

стр. 918

الغسل ولو مجازاً، والعكس غير صحيح، لأن الغسل مسح وزيادة، وتحديد طهارة الرجلين قرينة، وليست دلالة قائمة بذاتها. وقالوا في مثل " علفتها تبناً وماء بارداً " بأن ذلك إنما يجوز ـ على ضعفه إذا استحال حمله على ظاهره. ومما لا شك فيه أن الرسول ﷺ إذا بين أن المقصود هو المسح، أو الغسل، فإن الآية الكريمة لا تأبى ذلك ولا تعارضه. فكل من الفريقين إذا له ما يؤيد وجهة نظره، وبهذا لا تعد الآية الكريمة نصاً في إيجاب الغسل أو المسح إلا بالرجوع إلى صاحب الشريعة ﷺ . والشيعة يذهبون إلى أنه كان يمسحهما، والمذاهب الأربعة يذهبون إلى أنه واظب على غسلهما، فلننظر في أدلة كل منهما. يروى الشيعة (١) عن الأئمة عدة روايات أنهم حكوا وضوء الرسول ﷺ ، فمسحوا رءوسهم وأرجلهم ببقية البلل، لم يجددوا ماء. وعلى هذا ذهبوا إلى وجوب مسح الرجلين ببقية البلل. ووردت عن طريقهم أخبار تناقض ما ذهبوا إليه، من ذلك ما روى عن الإمام الصادق في الرجل يتوضأ الوضوء كله إلا رجليه، ثم يخوض الماء بهما خوضاً، فقالوا: أنه محمول على التقية (٢) . وروى عن الإمام زيد بن على عن آبائه عن على كرم الله وجهه قال: جلست أتوضأ فأقبل رسول الله ﷺ حين ابتدأت في الوضوء فقال لى: تمضمض واستنشق واستن. ثم غسلت ثلاثاً فقال: قد يجزيك من ذلك المرتان، فغسلت

стр. 919

ذراعي ومسحت برأسي مرتين فقال قد يجزيك من ذلك المرة. وغسلت قدمي فقال لي: يا على خلل بين الأصابع لا تخلل بالنار (١) . وحملهم هذا الخبر على التقية، مرفوض فما من مسلم ذي عقل يرى أن الإمام علياً قال ذلك كذباً وتقية من المسلمين، أما الرواة فما الذي يدعوهم إلى الكذب على الإمام وعلى الرسول ﷺ ؟ إذا كان هناك ما يدعو إلى التقية فكان يكفيهم أن يغسلوا أرجلهم. أو يقولوا بأن الغسل هو الواجب، دون أن يتعمدوا الافتراء على الله ورسوله. ثم إن هذه الرواية عن الإمام زيد بن على الذي خرج على الدولة الأموية، وقاتل من أجل حق ارتآه حتى استشهد، فكيف إذن يصل إلى هذا الجبن والكذب؟ ورفض الطوسى هذا الخبر لشيء آخر أيضاً، وهو أن رواة الخبر ليسوا إماميين، ورجال الزيدية وما يختصون بروايته لا يعمل به (٢) . فالرواة ليسوا كذابين، ولا وضاعين، ولا مدلسين، وإنما جريمتهم التى تدعونا إلى تكذيبهم، وعدم الأخذ بروايتهم، أنهم زيديون وليسوا إماميين، والعترة الطاهرة وقف على الإمامية، ومن ليس من العترة فليس أهلا لأن يروى عن رسول الله ﷺ ! ولاشك أن الرسول وعترته بريئون من هذا الإسفاف. ولقد ناقشنا ذلك من قبل في بحثنا للسنة (٣) .

стр. 920

ورووا عن الإمام الصادق أنه قال: إذا توضأت فامسح قدميك ظاهرهما وباطنهما. ثم قال: هكذا: فوضع يده على الكعب وضرب الأخرى على باطن قدميه، ثم مسحهما إلى الأصابع. فحملوا هذا الخبر على التقية أيضا (١) ، مع أنه قال امسح ولم يقل اغسل، وفيه أنه وضع يده على الكعب لا على الكعبين، فمذهبهم أن الرجل لها كعب واحد وهي قبة القدم، ولم يوافقهم في هذا التحديد إلا بعض الحنفية (٢) ومع هذا حملوه على التقية لأنه يخالف ما ذهبوا إليه من عدم استيعاب الرجل في المسح. ورووا عنه أيضاً أنه قال في مسح الرأس ومسح القدمين، مسح الرأس واحدة من مقدم الرأس ومؤخره، ومسح القدمين ظاهرهما وباطنهما. وقد حملوه كالسابق

стр. 921

على التقية " لأنهما موافقان لمذهب بعض العامة ممن يرى المسح ويقول باستيعاب الرجل " (١) . فالتعصب للرأي أدى إلى الاضطراب والتناقض في التخريج، فمن يخشى بعض الناس، وهم القلة النادرة، كيف يجرؤ على الوقوف أمام الكثرة الغالبة، ويخالف جمهور المسلمين القائلين بالغسل؟ وهناك رواية عن الإمام الصادق ذكرها الكليني في الكافي. والطوسى في كتابيه: التهذيب والاستبصار، استدلوا بها فيما استدلوا على وجوب الترتيب في الوضوء، وهذه الرواية هي: " عن أبى عبد الله ﵇ قال: إن نسيت فغسلت ذراعيك قبل وجهك فأعد غسل وجهك ثم اغسل ذراعيك بعد الوجه، فإن بدأت بذراعك (٢) الأيسر فأعد على الأيمن ثم اغسل اليسار، وإن نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك " (٣) . ولم يتكلم فيها الطوسى، وإنما استدل بها على وجوب الترتيب وكفي، فالرواية صحيحة في نظره، فماذا يقول في غسل الرجلين؟ لو حمل ذلك على التقية لشك الناس في عقليته وتفكيره، فهذه الرواية خالفت ما أجمع عليه المسلمون من عدم إيجاب الترتيب في اليدين، ولكن العاملى في وسائله وقع فيما لم يقع فيه الطوسى، وقال: " غسل الرجلين محمول على التقية " (٤) . والتعصب للرأي الذي اقترن بالمذهب، والذي كان له أثره فيما وجدنا من الاضطراب في التفكير والتخريج، كان له أثر أسوأ من ذلك بكثير، وهو وضع الأحاديث.

стр. 922

ونحن بهذا ـ علم الله ـ لا نريد الافتراء على الشيعة، إنما نذكر ما بدا لنا عند النظر في أدلتهم. ولنذكر أمثلة لذلك: يروون أن الرسول ﷺ قال: " إن العبد إذا توضأ فغسل وجهه تناثرت ذنوب وجهه، وإذا غسل يديه إلى المرفقين، تناثرت عنه ذنوب يديه، وإذا مسح برأسه تناثرت عنه ذنوب رأسه، وإذا مسح رجليه أو غسلهما للتقية، تناثرت عنه ذنوب رجليه، وإن قال في أول وضوئه: بسم الله الرحمن الرحيم، طهرت أعضاؤه كلها من الذنوب، وإن قال في آخر وضوئه أو غسله من الجنابة: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وأشهد أن محمداً عبدك ورسولك وأشهد أن علياً وليك وخليفتك بعد نبيك. وأن أولياءه خلفاؤهوأوصياؤه ٠٠٠ إلخ " (١) . ويبدو أثر الوضع واضحاً في قوله: " أو غسلهما تقية " وفي قوله: " وأشهد أن علياً وليك وخليفتك بعد نبيك، وأن أولياءه خلفاؤه وأوصياؤه " فارتباط الرأي الفقهي بالمذهب جعل من لا خلاق لهم يضعون الأحاديث لنصرة الاثنين. ويؤيد هذا أيضا ما رووه عن الرسول ﷺ أنه قال للمقداد وسلمان وأبى ذر: أتعرفون شرائع الإسلام؟ قالوا: نعرف ما عرفنا الله ورسوله، فقال: هي أكثر من أن تحصى: أشهدوني على أنفسكم بشهادة أن لا إله إلا الله ـ إلى أن قال: وأن القبلة قبلتي شطر المسجد الحرام لكم قبلة، وأن على بن أبى طالب وصى محمد ﷺ ، وأمير المؤمنين، وأن مودة أهل بيته مفروضة واجبة مع إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والخمس، وحج البيت، والجهاد في سبيل الله، وصوم شهر رمضان، وغسل الجنابة، والوضوء الكامل على الوجه واليدين والذراعين إلى المرافق،

стр. 923

والمسح على الرأس والقدمين إلى الكعبين، لا على خف، ولا على خمار، ولا على عمامة - إلى أن قال: فهذه شروط الإسلام وقد بقى أكثر (١) . نخرج من هذا أن رواياتهم متناقضة، فبعضها فيه مسح جزء من الرجلين ببقية البلل، وبعضها فيه مسح مع استيعاب الرجلين، وروايات أخرى فيها الغسل. وهم يرون أن عدداً من الأخبار وضع للتقية ـ على حين رأينا روايات وضعت لنصرة المذهب، فرواياتهم إذن غير قاطعة بالمسح أو الغسل ـ وإن كانت ترجح الغسل، لأن روايات الغسل تخالف المذهب، ورأينا أن بعضها لا يحتمل التقية على الإطلاق، أما روايات المسح فيحتمل أنها موضوعة انتصاراً للمذهب كما وضح في الروايتين الأخيرتين. أما أهل السنة فقد رووا أحاديث صحيحة متعددة في الغسل (٢) ومنهاحديث عثمان ﵁، وهو يحكى وضوء رسول الله ﷺ ففيه " ثم غسل كلتا رجليه ثلاثا " متفق عليه. وفي لفظ: " ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك ". وعن الإمام على أنه حكى وضوء رسول الله ﷺ فقال: " ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ثلاثاً ". وكذلك قالت الربيع بنت معوذ، والبراء بن عازب، وعبد الله بن عمر. وعن أبى هريرة أن النبى ﷺ رأي رجلاً لم يغسل عقبه، فقال: " ويل للأعقاب من النار " إلى غير ذلك من الروايات التى تصل إلى حد التواتر. وهي تبين أن الرسول ﷺ كان يغسل رجليه في الوضوء. وهذه الروايات كافية لإسقاط روايات الشيعة التى توجب المسح، بخاصة إذا نظرنا إلى رواياتهم القائلة بالغسل والتى لا تحتمل التقية، وإلى رواياتهم الأخرى

стр. 924

التى ثبت أنها موضوعة انتصاراً للمذهب الجعفري، ولما ذهب إليه من آراء فقهية. وقد ورد عن طريق أهل السنة أيضاً روايات بالمسح، ولكنها لا تتعارض مع الروايات السابقة. مثال ذلك: ما روى عن الإمام على كرم الله وجهه أنه مسح برأسه ورجليه، وقد رأينا فيما رووا عن طريق أهل السنة والشيعة من أن الرسول ﷺ أمره بتخليل الأصابع وهو يغسل رجليه، وأنه حكى وضوء الرسول ﷺ ، فغسل الرجلين. ولا يمكن بحال أن يخالف الإمام أمر الرسول ﷺ ، فبم نعلل ذلك؟ من روايات المسح أن علياً صلى الظهر، ثم قعد للناس في الرحبة، ثم أتى بماء فغسل وجهه ويديه، ثم مسح برأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث. ورواية أخرى أنه اكتال من حب فتوضأ وضوءاً فيه تجوز، فقال هذا وضوء من لم يحدث. وقال عكرمة: كان على ﵁ يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ هذه الآية "" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ "". فالتجوز في وضوئه إذن لأنه لم يحدث، وأراد أن يجدد وضوءه (١) .

стр. 925

ولعل مثل هذه الروايات هي التى جعلت الإمامية يظنون أن هذا مذهب الإمام، فتعصبوا له، وأعرضوا عن سائر الأدلة الثابتة التى ذكرت الغسل، ووجد أعداء الإسلام ـ الذين استتروا وراء قناع التشيع لآل البيت فرصتهم لإذكاء نار الفرقة بين المسلمين، ومحاولة طمس سنة سيد المرسلين، فأخذوا يكذبون عمداً على الرسول ﷺ ، وعلى الأئمة الكرام، مبينين أن المسح هو الواجب. ومن غسل فلا وضوء له. وقد رأينا أمثلة للوضع في أحاديثهم. ونزيد ذلك بياناً بهذه الرواية: قال أبو عبد الله ﵇: " يأتى على الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلاة، قلت: وكيف ذلك؟ قال: لأنه يغسل ما أمر الله بمسحه " (١) (٢) فالإمام الصادق عاصر الإمامين أبا حنيفة ومالكاً، ويعلم أنهما أفتيا بوجوب الغسل نتيجة أدلة ثبتت لديهما، وتمسك بالغسل كل المسلمين، إلا القلة النادرة، وهم قريبو عهد من الرسول الكريم وصحابته، وفيهم كثير من تابعيه ﵃ أجمعين، ترى هل كان الإمام الصادق يرى أن هؤلاء جميعاً لا تقبل صلاتهم؟ لا يقول بذلك إلا عدو للإسلام والمسلمين. ومما ساعد على تفشى هذه الروايات المكذوبة التعصب للرأي، فيقبل ما وافقه، ويرفض كل ما خالفه، ولو أدى ذلك إلى إهمال العقل، واضطراب التفكير، وقد مرت أمثلة كثيرة لذلك.

стр. 926

وقد رووا عن الإمام على أنه قال: " لولا أنى رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهر قدميه لظننت أن باطنها أولى بالمسح من ظاهرها ". ويستدلون بذلك فيما يستدلون به على مسح الرجلين. وفي موضع آخر يستدلون برواية عن الإمام في إبطال القياس، وهي: " لو كان الدين يؤخذ قياساً لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره " (١) . فروايات المسح إذن يمكن أن تحمل أيضاً على المسح على الخفين، وهذا واضح بمقابلة الروايتين، ولكنهم مع هذا يرفضون المسح على الخفين ويوجبون المسح على القدمين. وكذلك يمكن حمل هذه الروايات على الغسل الخفيف. فابن عباس الذي روى أنه قال بالمسح، جاء في حديثه عن الرسول ﷺ : " أخذ ملء كف من ماء فمسح على قدميه "، والمسح يكون بالدلك لا برش الماء والشيعة يوجبونه ببقية البلل. وقد مرت مناقشة حول إطلاق المسح على الغسل، ورأينا إمكان ذلك، ويؤيده من جهة الشيعة ما روى عن الإمام موسى الكاظم: " لا تعمق في الوضوء، ولا تلطم وجهك بالماء لطماً، ولكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله بالماء مسحاً، وكذلك فامسح الماء على ذراعيك ورأسك وقدميك ". قال العاملى: المسح هنا محمول أولاً على المجاز - بمعنى الغسل، ثم على الحقيقة (٢) . فلما وجب الغسل للذراعين حمل المسح على معنى الغسل، فلماذا لا يكون كذلك بالنسبة للرجلين ما دامت أخبار الغسل ثابتة إلى حد التواتر؟ وروى عن ابن عباس وأنس والشعبى والإمام الباقر وغيرهم أن القرآن الكريم نزل بالمسح، ونجد في رواية أنس: " نزل القرآن الكريم بالمسح والسنة

стр. 927

الغسل " فليس معنى ذلك أن السنة الشريفة عارضت القرآن الكريم فلا قائل بذلك، ولكن معنى هذا أن الذين نظروا إلى قراءة الجر رأوا أن الظاهر هو المسح ولكن الرسول ﷺ بين أن المقصود هو الغسل، وفي هذا إيجاب للغسل لا للمسح. (١) ونقل عن ابن جرير الطبرى أنه أوجب غسلهما للأحاديث، وأوجب مسحهما للآية، وقال ابن كثير تعقيباً على ذلك: " كلامه في تفسيره إنما يدل على أنه أراد أنه يجب دلك الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء لأنهما يليان الأرض والطين وغير ذلك، فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، لكنه عبر عن الدلك بالمسح، فاعتقد من يتأمل كلامه أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما (٢) . وروى عن الحسن البصرى أن المضرور مخير بين الغسل والمسح (٣) . ومعنى هذا أنه يرى جواز العدول عن أصل الطهارة وهو الغسل إلى رخصة المسح في حال الضرر. ونخرج من هذا البحث إلى أن الواجب في الوضوء غسل الرجلين لا مسحهما، والله أعلم. ثامنا: المسح على الخفين منع الشيعة المسح على الخفين سفراً وحضراً، وأجازه أصحاب المذاهب الأربعة، إلا في رواية عن مالك بالمنع في الحضر (٤) .

стр. 928

وحجة من أجازه (١) ما روى عن جرير " أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هكذا؟ قال: نعم. رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه ". فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. متفق عليه، ورواه أبو داود، وزاد: فقال جرير لما سئل هل كان ذلك قبل المائدة أو بعدها: ما أسلمت إلا بعد المائدة، وكذلك رواه الترمذى. ووردت روايات أخرى تؤيد هذا، كرواية عبد الله بن عمر، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم كثير. واستدل المانعون، بأن آية المائدة ناسخة له. وبروايات في المنع. ويبطل دعوى النسخ رواية جرير، فهي نص في الموضوع (٢) ، ثم إنه لا تعارض بين

стр. 929

الآية والمسح على الخفين، فتخصيص العام، أو تقييد المطلق، أو تفسير المجمل لا يعد نسخاً. قال الإمام الشافعى بعد ذكر الآية: " فاحتمل أمر الله بغسل القدمين أن يكون على كل متوضئ، واحتمل أن يكون على بعض المتوضئين دون بعض، فدل مسح رسول الله ﷺ على الخفين أنها على من لا خفين عليه إذا هو لبسهما على كمال الطهارة، كما دل صلاة رسول الله ﷺ صلاتين بوضوء واحد، وصلوات بوضوء واحد، على أن فرض الوضوء على من قام إلى الصلاة على بعض القائمين دون بعض، لا أن المسح خلاف لكتاب الله ، ولا الوضوء على القدمين " (١) . وروايات المنع المذكورة عن طريق السنة رفضها المجيزون، فما أخرجه ابن أبى شبيبة، عن على ﵁ أنه قال: " سبق الكتاب الخفين " منقطع وقد روى عنه مسلم والنسائى القول به بعد موت النبى ﷺ ، وأخرج أبو داود عنه " لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه "، وهذا يذكرنا بما ذكره الشيعة عن أمير المؤمنين من قوله " لو كان الدين يؤخذ قياساً لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره ". وقلنا إنهم استدلوا به على بطلان القياس. ولكنهم يرفضون المسح على الخفين. (٢) وروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: سلوا هؤلاء الذين يروون المسح، هل مسح رسول الله ﷺ بعد نزول المائدة؟ والله ما مسح رسول الله ﷺ بعد نزول المائدة، ولأن أمسح على ظهر عنز في الفلاة أحب إلى من أن أمسح على الخفين.

стр. 930

وإنما قال جرير روايته المذكورة لما روى عن ابن عباس. وقد صح رجوعه عنه على ما قال عطاء بن أبى رباح رضي الله تعالى عنه: " لم يمت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حتى اتبع أصحابه في المسح على الخفين ". وروى عن عائشة رضي الله تعالى عنها: " لأن تقطع قدمأي أحب إلى من أن أمسح على الخفين "، وقد صح رجوعها عنه على ما روى شريح بن هانئ قال: سألت عائشة - رضي الله تعالى عنها - عن المسح على الخفين، فقالت: لا أدرى، سلوا علياً رضي الله تعالى عنه، فإنه كان أكثر سفراً مع رسول الله ﷺ فسألنا علياً رضي الله تعالى عنه فقال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين. وفي رواية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها. فبلغ ذلك عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت: هو أعلم (١) . ونجد الشيعة يروون المنع عن على وعائشة ﵄. ويروون رواية المغيرة، ويقولون أنها منسوخة بآية الوضوء (٢) . وقد تقدم الكلام في ذلك. ونجد روايات أخرى تحتم علينا أن نعيد ما قلناه من وضع الأحاديث لنصرة المذهب، وما ارتبط به من آراء فقهية، وقد ضربنا أمثلة لذلك، وفي رواية منها ذكر لعدم جواز المسح على الخفين (٣) ، ونكتفي هنا بذكر هذه الرواية: " خطب أمير المؤمنين ـ ﵇ ـ فقال: " قد عملت الولاة قبلى أعمالا خالفوا فيها رسول

стр. 931

الله ﷺ وآله متعمدين لخلافه، ولوحملت الناس على تركها لتفرق عنى جندى، أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم فرددته إلى الموضع الذي كان فيه (إلى أن قال) : وحرمت المسح على الخفين، وحددت على النبيذ، وأمرت بإحلال المتعتين، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات، وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، (إلى أن قال) : إذا لتفرقوا عنى " (١) . ونحن نعلم جزاء من يخالف أمر الرسول ﷺ : قال : (٢) "" فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "". والخلفاء الراشدون الثلاثة قد خالفوا الرسول متعمدين هذا الخلاف، والخليفة الرابع لا يخشى الله فيقيم حدوده، وإنما يخشى أن يتفرق عنه جنده لو أقام هذه الحدود! يدل الخبر على هذا المعنى الضال فكيف يقبله مسلم؟! أو لم يدرك هذا من سولت له نفسه أن يضع مثل هذه الأخبار؟ ومن تلقاها بالقبول؟! تاسعا: التوقيت في الغسل لم يوقت الإمام مالك في الوضوء مرة ولا ثلاثاً، وإنما قال بإسباغه، والمشهور في المذهب استحباب الثلاث، وباقى المذاهب الأربعة على إجزاء المرة، واستحباب الثلاث (٣) . أما الشيعة فيرون إجزاء المرة، واستحباب المرتين، وأن الثالثة بدعة.

стр. 932

والخلاف هنا يمكن أن يكون هيناً لو اكتفوا بالقول باستحباب المرتين فقد يكون الإسباغ بهما، بل بالمرة الواحدة، وهنا يتفقون مع الإمام مالك، ولكن القول بأن الثالثة بدعة يجعل الخلاف واضحاً، فغسل أعضاء الوضوء ثلاثاً روى عن الرسول ﷺ ، كرواية عثمان الصحيحة، وقد روى عن على نفسه أنه حكى وضوء رسول الله ﷺ وقال بالثلاث (١) . وقد استدل الشيعة بروايات عن أئمتهم بالغسل مرة ومرتين وحملوا ما عداها على التقية (٢) . مثال ذلك ما روى عن داود الرقى قال: " دخلت على أبى عبد الله ﵇، فقلت له: جعلت فداك كم عدة الطهارة؟ فقال: ما أوجبه الله فواحدة، وأضاف إليها الرسول ﷺ واحدة لضعف الناس، ومن توضأ ثلاثاً ثلاثاً فلا صلاة له. أنا معه في ذا حتى جاءه داود بن زربى، فسأله عن عدة الطهارة، فقال له: ثلاثاً ثلاثاً. من نقص عنه لا صلاة له " (٣) . فقوله لابن زربى إذن للتقية، ولكن لا أحد من المسلمين يقول ببطلان الصلاة لمن ينقص عن الثلاث، فمن الذى يتقيهم بقوله هذا؟ وبطلان الصلاة لمن يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً ينافي ما ثبت عن الرسول ﷺ . وقيل: إن خبر الثلاث مدنى، وقد اطرحه مالك ولم يصححه، وهو أمارة الضعف. ثم هو معارض بما روى (٤) . ونلاحظ أنه لا تعارض بين روايات أهل السنة. فمجموعها يدل على جواز المرة والمرتين والثلاث. وتعارضها مع بعض روايات الشيعة يسقط هذا البعض،

стр. 933

والاستشهاد على الضعف بموقف الإمام مالك يجاب عنه بما جاء في المدونة (١) بعد ذكر رواية عثمان بن عفان، قال ابن شهاب: " وكان علماؤنا بالمدينة يقولون هذا الوضوء أسبغ ما توضأ به أحد للصلاة ". فالإمام مالك لم يضعف هذه الرواية، وإنما نظر إلى الروايات المختلفة ورأي أن المقصود هو الإسباغ، فقال به. وإن كان بالمرة أو المرتين أو الثلاث (٢) والله أعلم. عاشراً: التولية اختياراً فرق الشيعة بين الاستعانة بالغير في الوضوء وبين التولية. فهم يرون أن الاستعانة هي صب الماء على يد المتوضئ، لا على أعضاء وضوئه، على أن يتولى هو بنفسه توزيع هذا الماء على الأعضاء. أما التولية فهي التوضئة بصب الغير الماء على أعضاء الوضوء كلاً أو بعضاً، وإن تولى هو الدلك. (٣) وهم يكرهون الاستعانة، ويحرمون التولية اختياراً. وهم بهذا لا ينفردون بالقول بكراهة الاستعانة، وإنما بالتفرقة بين الاستعانة والتولية، وتحريم الأخيرة. والتولية بهذا المفهوم تعد استعانة تكره عند الشافعية والحنابلة، والمالكية لا يرون كراهتها، والحنفية لا يرون الكراهة إلا إذا لم يباشر المتوضئ بنفسه غسل الأعضاء ومسحها (٤) .

стр. 934

وقد ورد عن طريقى السنة والشيعة ما يفيد جواز الصب في الوضوء، وفي روايات أخرى كراهة ذلك. وإن كان المروى في الكراهة عن طريق أهل السنة ضعيفاً. ولم يرد عن الطريقين ما يفيد التحريم (١) . فبم إذن استدل الشيعة على ماذهبوا إليه؟ احتجوا (٢) بالوضوءات البيانية، وبظاهر الأوامر بالغسل والمسح فإنها تقتضى المباشرة، وإرادة كون الفعل مستنداً إلى المأمور به. وقوله تعالى: "" فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ "" خطاب لنا يجب علينا امتثاله، وإنما يتحقق الامتثال بوقوع الفعل منا، وصدوره عنا. وإذا صح ذلك فإنه يتعلق بمباشرة الغسل والمسح. فلم يثبت عن النبى ﷺ أنه وكل غسل أعضاء وضوئه إلى أحد. أو قال بجواز ذلك. وهنا يكون الامتثال والاتيان بالفعل، أما الصب على اليد والصب على الأعضاء، فكله استعانة بجنس الصب، وهو ما أفادت الأدلة جوازه، كحديث المغيرة " فصببت عليه - أي على النبى ﷺ وضوءه للصلاة "، وحديث صفوان بن عسال: " صببت الماء على النبى ﷺ في السفر والحضر في الوضوء ". وعن طريق الشيعة رواية أبى عبيدة الحذاء " وضأت أبا جعفر ﵇ بجمع وقد بال، فناولته الماء فاستنجى، ثم صببت عليه كفاً فغسل به وجهه، وكفاً غسل به ذراعه الأيمن، وكفا غسل به ذراعه الأيسر، ثم مسح بفضلة الندى رأسه ورجليه " (٣) .

стр. 935

وأعجب ما قيل في هذه الرواية هو جواز حملها على التقية (١) . فذلك الذى استعان بغيره في الوضوء بصب الماء خوفاً وتقية من جمهور المسلمين، الذين يجيزون ذلك مع القول بالكراهة عند كثير منهم، ولم يوجبه أحد على الإطلاق، أفلا خافهم فغسل رجليه بدلا من مسحهما مخالفاً بذلك ما أجمعوا عليه؟ علماً بأن الشيعة يجيزون غسل الرجلين تقية. فلا دليل على التفرقة بين الاستعانة والتولية، وجعل الصب على الأعضاء تولية تحرم اختياراً. حادي عشر: غسل مخرج البول اتفق الشيعة مع المذاهب الأربعة في وجوب الماء لغسل موضع الغائط إذا تعدى المخرج، ونظر أصحاب المذاهب الأربعة أيضاً إلى تعدى المخرج في البول، فأوجبوا الماء حينئذ فقط كالغائط (٢) . أما الشيعة فقد فرقوا بين البول والغائط ورأوا وجوب الماء لغسل مخرج البول عموماً. ولم يثبت عن الرسول ﷺ ـ من طريقى السنة والشيعة ـ أنه أوجب الماء، ولكنهم استدلوا بروايات عن الأئمة مثل ما رووه عن الإمام الباقر: " لا صلاة إلا بطهور، ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار. بذلك جرت السنة من رسول الله ﷺ وأما البول فإنه لا بد من غسله " (٣) . فإذا كانت السنة جرت بإجزاء الأحجار، فمن أين استمدوا الحكم الآخر؟

стр. 936

ورأي بعضهم أن التفرقة بين البول والغائط لأن الغائط قد لا يتعدى المخرج إذا كان يابساً، ويتعداه إذا كان بخلاف هذه الصفة، والبول مائع جار لابد من تعديه المخرج، وهو في تعديه أبلغ من دقيق الغائط، فوجب فيه ما وجب فيما تعدى المخرج من مائع الغائط، ولا خلاف في وجوب غسل ذلك (١) . وهذا التفسير، إن صح لما كان هناك خلاف، فالمذاهب الأربعة توجب الغسل إذا تعدى البول المخرج، ولكن المعروف أن البول لا يتعدى المخرج في جميع الحالات، ومن الشيعة أنفسهم من صرح بإيجاب الماء سواء تعدى البول المخرج أو لم يتعد (٢) وهذا يناقض التفسير السابق. وقد رووا عن الإمام الصادق عن الرجل يبول ولا يكون عنده الماء، فيمسح ذكره بالحائط، قال: " كل شيىء يابس زكى ". قال صاحب وسائل الشيعة (٣) : " هذا محمول على التقية لأنه عادة المخالفين، أو على الجواز لمنع تعدى النجاسة، وإن لم تحصل الطهارة، بل لا دلالة له عليها أصلا ". وأقول له: بل توجد الدلالة، فكلمة " زكى" توحى بهذه الطهارة، ولو كان المقصود غير ذلك لوضحه (٤) ، أما التقية فإنها أسهل مركب للرفض وإن كان في البول! مع العلم بأنه لا خلاف في أفضلية الماء.

стр. 937

ثاني عشر: الوطء في الدبر لا نتحدث هنا عن جواز الوطء في دبر المرأة أو عدم جوازه، وإنما عما يستتبعه من وجوب الغسل. فمن المعلوم أن الوطء يوجب الغسل، سواء أكان في موضع الحرث أم في غيره. وقال المحقق الحلى في المختصر النافع في فقه الإمامية (ص ٣٢) أن الجماع في دبر المرأة يوجب الغسل على الأشبه. وقال في شرائع الإسلام (١/٢١) : " وإن جامع في الدبر ولم ينزل وجب الغسل على الأصح ". فاعتبر وجوب الغسل هو الأصح، ولم يلتفت للرأي الآخر. غير أن شيخ طائفتهم الطوسى قال في كتاب الخلاف (١/٢٤) : " لأصحابنا في الدبر روايتان: إحداهما: أن عليه الغسل، وبه قال جميع الفقهاء - أي فقهاء الأمة من غير فرقته. والأخرى: لا غسل عليه ولا على المفعول به، ولا يوافقهم على هذه الرواية أحد ". وفي وسائل الشيعة (١/٤٨١) تحت باب: حكم الوطء في الدبر من غير إنزال، يذكر ثلاثة أخبار عن الإمام الصادق: الأول عن الرجل يأتى أهله من خلفها ـ قال: هو أحد المأتيين، فيه الغسل. والثانى عنه قال: إذا أتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزلا فلا غسل عليهما، وإن أنزل فعليه الغسل، ولا غسل عليها. والثالث عنه في الرجل يأتى المرأة في دبرها وهي صائمة قال: لا ينقض صومها (!!) وليس عليها غسل.

стр. 938

والخبر الأول يوجب الغسل خلافاً للخبرين الآخرين، فقال صاحب وسائل الشيعة: " قد حمل الشيخ ـ أي الطوسى ـ الأول على التقية " قلت: لو كان الإمام الصادق ـ حاشاه ـ على هذه الدرجة من الجبن والخوف فقال بوجوب الغسل، فكيف ذهب عنه الروع عندما خالف جمهور الأمة حيث أباح الإتيان قائلاً هو أحد المأتيين، فجعل الدبر كالقبل؟! ثالث عشر: الأغسال المندوبة توسع الشيعة في الأغسال المندوبة، حتى قال بعضهم باستحباب الغسل لكل شريف من الأماكن والمشاهد، والأيام والليالى، وعند ظهور الآثار في السماء، وعند كل فعل متقرب به إلى الله تعالى، ويلجأ إليه فيه (١) . وكثير من الأغسال التى يرون استحبابها تتعلق بمذهبهم الاثنى عشرى، فهم يرون استحباب الاغتسال لزيارة الأئمة، وفي ليلة النصف من شهر رمضان، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين منه: فالأولى وإن كانت احتفالا بانتصاف رمضان المعظم، فقد قيل بأن فيها ولد الإمام الثانى: الحسن بن على، والإمام التاسع محمد الجواد (٢) . والليلة الثانية فيها ضرب الإمام على، ومات في الثالثة، والغدير يعدونه عيداً يحتفلون به، حيث يرون أن في مثل هذا اليوم وهو الثامن عشر من ذى الحجة كان حديث غدير خم المشهور، والذى يعد سندهم الأول في الإمامة. والاغتسال يوم المباهلة لنزول قول الله تعالى: (٣) ""فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ "".

стр. 939

والرسول ﵊ دعا علياً وفاطمة والحسن والحسين، فلم ينظر الشيعة إلى أن صلة القرابة لها مكانتها في مجال التضحية لا العبادة، وإنما رأوا أن هذه الآية الكريمة دليل على فضلهم وتقدمهم غيرهم، وهم يقولون بعصمة هؤلاء الأربعة، وبإمامة على وولديه. ويبدو العجب في قولهم بالاغتسال لنيروز الفرس، فهذا احتفال بعيدٌ كل البعد عن الإسلام، ولكن نجد من يقول بأنه يوم ظهور الإمام الثانى عشر القائم المنتظر (١) ، وقيل بأن في هذا اليوم أعلن النبى ﷺ خلافة على (٢) . فالخلاف في هذه الاغسال تبع للخلاف في المذهب من أساسه، وما أهون هذا الخلاف إذا قيس بالخلاف في الإمامة! فهذه أغسال مستحبة، وليست شرطاً في عبادة من العبادات. وهذه الأغسال قد تتمشى مع منطق الشيعة الرافضة إلا فيروز الفرس، ففيه مشاركة لأعداء الإسلام. وإذا كان هذا اليوم قد ارتبط بناحية دينية عندهم، فالأولى تحويل ذلك إلى التاريخ الهجرى، فإذا كانت الخلافة بزعمهم لعلى قد أعلنها الرسول ﷺ في هذا اليوم فيكفيهم يوم الغدير، أما ظهور الإمام الثانى عشر فلو صح ذلك على خلاف ما يقطع به كل المسلمين قاطبة إلا الإمامية الرافضة فلا يعلم ميقاته إلا الله . وفي الجزء الثانى من وسائل الشيعة نجد أبواب الأغسال المسنونة، وتحت هذه الأبواب ينسبون للأئمة الأخيار القول بكل الأغسال التى ابتدعها غلاة الرافضة. ففي الباب الأول (ص ٩٤١:٩٣٦) حصر أنواعها وأقسامها: ينسبون للإمام الصادق في الخبر الثالث أن غسل المباهلة واجب، وفي أكثر من خبر أنه قال بغسل الزيارة، أي زيارة الأئمة في قبورهم.

стр. 940

حتى نيروز الفرس، الذى يدل على المجتمع المجوسى، وأن من شاركهم كان ممن يحن إلى المجوسية إن لم يكن مجوسياً، حتى هذا الغلو الواضح الفاضح ينسبونه كذباً للإمام الصادق المبرأ مما قالوا. ففي الباب الرابع والعشرين (ص ٩٦٠) تحت عنوان " استحباب غسل يوم النيروز "، ينسبون للإمام الصادق أنه قال: " إذا كان يوم النيروز فاغتسل، والبس أنظف ثيابك "!! وفي الباب الثامن والعشرين (ص ٩٦١) " استحباب غسل يوم الغدير "، وتحت الباب يفترون على الإمام الصادق أنه قال: " صيام يوم غدير خم يعدل صيام عمر الدنيا "!! " ومن صلى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس عدلت عند الله تعالى مائة ألف حجة، ومائة الف عمرة "!!! وفي الباب الذى يليه " استحباب غسل الزيارة " ينسبون له أيضاً أنه قال " إذا أتيت قبر الحسين ﵇ فأت الفرات واغتسل ". رابع عشر: قراءة القرآن الكريم ومس المصحف للجنب والحائض والنفساء يرى الشيعة تحريم قراءة العزائم الأربع للجنب والحائض والنفساء، وهذه العزائم هي السور التى بها السجدات الواجبة عندهم (١) . وهي: السجدة، وفصلت، والنجم، والعلق. ويكره عندهم كذلك قراءة ما زاد على سبع آيات من غير هذه السور. ويحرم مس كتابة القرآن الكريم. ويكره مس المصحف دون الكتابة، ويمنعون غير المتوضئ مس كتابة القرآن، ويجوز له مس المصحف دون الكتابة.

стр. 941

أما المذاهب الأربعة فقد منعوا الثلاثة من قراءة القرآن مطلقاً، دون تفرقة بين العزائم وغيرها، ومن أباح منهم ذلك فبشرط ألا يزيد عن الآية، أو بغير قصد للقراءة، كأن يكون للدعاء أو الثناء، أو التعليم، إلى غير ذلك، وأباح المالكية القراءة للحائض والنفساء حال استرسال الدم، واشترطوا لمن يمس المصحف عموماً أن يكون متطهراً من الحدثين الأصغر والأكبر. وأباح المالكية المس للمعلمة والمتعلمة إذا كانت حائضاً أو نفساء (١) . والتفرقة بين السور الأربع وباقى القرآن الكريم لابد لثبوتها من دليل قاطع، فالقرآن كله له قدسيته وحرمته. وحكم السجود وعزائمه مختلف فيه، ولو صح كما ذهب الشيعة إليه من إيجاب السجود وتحديد عزائمه ـ لتعلقت الحرمة بمواضع السجود فقط، ولكنهم يحرمون السور الأربع كلها حتى البسملة إذا نواها منها، ثم إنهم لا يشترطون الطهارة لهذه السجدات. فإذا كانت الطهارة ليست شرطاً لسجود القرآن، فكيف تكون شرطاً فيما يؤدى إلى هذا السجود؟ وإذا نظرنا إلى رواياتهم نجد أنهم يروون ثلاثة أحاديث عن الرسول ﷺ ، وباقى الروايات عن الأئمة (٢) . فأما أحاديث الرسول ـ ﷺ : فالأول هو أن النبى ـ ﷺ ـ قال للإمام على: " يا على، من كان جنباً في الفراش مع امرأته فلا يقرأ القرآن، فإنى أخشى أن تنزل عليهما نار من السماء فتحرقهما ".

стр. 942

والحديث الثانى عن الإمام كرم الله وجهه: " كان رسول ﷺ لا يحجزه عن قراءة القرآن إلا الجنابة ". والحديث الثالث كالثانى وفيه: " لا يحجبه أو لا يحجزه ". وهذه الأحاديث الثلاثة تؤيد ما ذهب إليه أصحاب المذاهب الأربعة، وتخريج القراءة على أنها قراءة العزائم، أو احتمال النسخ (١) كل ذلك ينقصه الدليل. وما يتعارض مع أحاديث الرسول ـ ﷺ ـ من أقوال للأئمة أو غيرهم ـ فإنا بلا ريب لا يمكن أن نأخذ بها. على أن الشيعة أنفسهم منهم من ذهب إلى تحريم القراءة مطلقاً كالمذاهب الأربعة، ومنهم من حرم ما زاد على سبع آيات (٢) . وبالنسبة لمس المصحف فقد فرق الشيعة بين مسه ومس الكتابة، ورأوا أن المقصود من الضمير في قوله تعالى: "" لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ "" وهو القرآن الكريم، وهو غير المصحف، فالقرآن عبارة عن المقروء وهو نفس الكتابة، والمصحف إنما هو الكتاب الذى جعلت فيه الصحف (٣) . ونلاحظ أن المصحف ما استمد قدسيته إلا بما فيه من الكتابة، وإذا كان بعض الشيعة الرافضة يرون حرمة مس أسماء الأئمة، فهل يرى هؤلاء أن المصحف لا يصل إلى هذه المرتبة؟ "" أَفَلَا يَعْقِلُونَ ""؟ وقد ورد عن طريقهم: " لا يجوز لك أن تمس المصحف وأنت جنب، ولا بأس أن يقلب لك الورق غيرك " (٤) .

стр. 943

وقد استدل أحمد بحديث ابن عمر: " لا يمس المصحف إلا على طهارة " (١) . ففي هاتين الروايتين ذكر صريح للمصحف، والله أعلم بالصواب. وبعد هذا النقاش نأتى إلى رأي لا يحتاج إلى مناقشة، فهو يتصل بغلوهم في عقيدة الإمامة، حيث يجعلون بيوت أئمتهم تقترب من المساجد في الحكم فيمنع الجنب من دخولها، كما يجعلونها بيوت أنبياء: ونذكر هنا ما جاء في وسائل الشيعة (١/٤٨٩-٤٩٠) تحت باب " كراهة دخول الجنب بيوت النبى ﵌ والأئمة ﵈ ". نجد هنا خمس روايات: أربعة منها تذكر أن أبا بصير دخل ـ وهو جنب ـ على أبى عبد الله، أي الإمام الصادق، فقال له: " أما تعلم أنه لا ينبغى لجنب أن يدخل بيوت الأنبياء؟ " وفي رواية: " أما علمت أن بيوت الأنبياء وأولاد الأنبياء لا يدخلها الجنب ". وفي رواية أنه فعل ذلك عمداً ليعطيه من دلالة الإمامة مثل ما أعطاه أبوجعفر، أي الإمام الباقر. والكذاب يقصد هنا نسبة علم الغيب للأئمة، حيث عرف أنه جنب بمجرد أن رآه. وفي الرواية الأخيرة: " هكذا تدخل بيوت الأنبياء وأنت جنب "؟ وغير الأربعة رواية عن الحسين ﵇، أن أعرابياً دخل عليه فقال له: " أما تستحي يا أعرابي تدخل على إمامك وأنت جنب "؟!

стр. 944

خامس عشر: أقل الطهر بين الحيضتين وأكثر النفاس قال الشيعة بأن أقل الطهر بين الحيضتين عشرة أيام، وأكثر النفاس عشرة كذلك على المشهور، وقيل ثمانية عشر. وأقل الطهر عند الحنابلة ثلاثة عشر يوماً، وبقية المذاهب يرون أنه خمسة عشر، وأكثر النفاس عند المالكية والشافعية ستون يوماً. وغالبه أربعون يوماً فيما استقرأه الإمام الشافعى. وأكثره عند الحنفية والحنابلة أربعون (١) (٢) وقد استدل الشيعة في أقل الطهر بروايات عن الأئمة تفيد ذلك (٣) . وأرى ألا مانع من الأخذ بها، فلا تعارض بينها جميعاً، ولا علاقة لها بأصل المذهب حتى يخالجنا الشك بأنها موضوعة. وممن روى عنهم الإمامان الباقر والصادق، ولهما مكانتهما عند الفقهاء، ولم يرو عن طريق أهل السنة ما يعارض ذلك، فإن الرواية الوحيدة التى رواها الإمام أحمد عن أمير المؤمنين على، واستدل بها الحنابلة على صحة رأيهم، ورفضها باقي المذاهب، هذه الرواية تتفق مع ما ذهب إليه الشيعة (٤) . ولم يرو غيرها عن الرسول ﷺ أو صحابته الأكرمين.

стр. 945

وقد روى عن الإمام مالك ثلاث روايات: إحداهن: عشرة أيام. (١) فإن ثبتت ينتفي انفراد الشيعة بما ذهبوا إليه من التحديد بعشرة أيام. وأما النفاس، فقد اضطربت فيه روايات الشيعة أيما اضطراب، (٢) فإلى جانب الروايات التى تفيد أن أكثره عشرة، نجد روايات أخرى تفيد أنه سبع عشرة، وثمان عشرة، فحملوا ذلك على التقية، مع أن المذاهب الأربعة ترفض ذلك، والشيعة منهم من قال بأن أكثره ثمانية عشر يوماً، فكيف يحمل على ... التقية؟! ورووا عن الإمام على أنه قال: " النفساء تقعد أربعين يوماً فإن طهرت وإلا اغتسلت وصلت، ويأتيها زوجها، وكانت بمنزلة المستحاضة تصوم وتصلى ". ولا شك أن الإمام علياً لم يذق طعم التقية أبداً. وعن الإمام الصادق: " تقعد النفساء إذا لم ينقطع عنها الدم ثلاثين أو أربعين يوماً إلى الخمسين ". وعنه أيضاً: " كما كانت تكون مع ما مضى من أولادها وما جربت " قيل له: فلم تلد فيما مضى، فقال " بين الأربعين إلى الخمسين ". وعنه أيضاً: " أن نساءكم لسن كالنساء الأول، إن نساءكم أكثر لحماً وأكثر دماً، فلتقعد حتى تطهر ". وروايات الأربعين تتفق مع الروايات التى وردت عن طريق أهل السنة (٣) ، ويمكن أن يقوى بعضها بعضاً، وأن نجعل هذا هو الغالب، كما ذهب إليه الإمام الشافعى نتيجة استقرائه، ونأخذ بالرواية الأخيرة للإمام الصادق، فالنساء يختلفن، وما أكثر الاختلاف كذلك باختلاف العصور! ولهذا فإن الإمام مالكاً بعد أن حدد

стр. 946

أكثر النفاس بستين يوماً، رجع عن ذلك. وقال يسأل عن ذلك النساء. وأصحابه ثابتون على القول الأول (١) . والطب الحديث ـ وهو الخبير بما نحن فيه ـ يقرر أن النفاس يستمر إلى ستة أسابيع، وأنه قد يمتد إلى ثمانية أسابيع (٢) ، مما يؤيد الروايات الأخيرة للشيعة التى رفضوا الأخذ بها، ويؤيد ما ذهب إليه المالكية والشافعية، ويدل على دقة ما أفتى به الإمام الشافعى، ويقطع برفض رأي الشيعة، الذى لا يتفق والروايات الأخيرة لهم. (٣) سادس عشر: ما يتعلق بالميت من الأحكام الأحكام المختلف فيها تنقسم إلى قسمين (٤) : الأول: مرجعه إلى مذهبهم الاثنى عشر الرافضي. الثانى: مرده إلى الخلاف في النظر والاستدلال. فمن النوع الأول: أنهم يرون ألا يغسل الكافر، وتوسعوا في مفهوم الكفار حتى حكموا بكفر كثير من المسلمين غير الإماميين، وقد ناقشنا ذلك من قبل عندما تناولنا حكم سؤر الآدمى. وفي تلقين الميت فإلى جانب تلقين الشهادتين يضيفون الإقرار بالأئمة.

стр. 947

وفي الكتابة يرون أن تكتب أسماء الأئمة بالتربة الحسينية، وأن يجعل مع الميت شيىء من هذه التربة. وفي نجاسة الإنسان بالموت، يخرجون الأئمة من هذا الحكم. وهذا القسم لا يصح إلا بصحة مذهبهم الذى يخالفه كل المسلمين غيرهم. وقد رأينا من قبل مدى التعصب والغلو والضلال، الذى دفعهم إلى تكفير الصحابة وغيرهم من المسلمين. وهنا نقطة أخرى نقف عندها قليلاً وهي التربة الحسينية، فقد جاء ذكرها هنا، وسيجىء لها ذكر في مواضع أخرى، فهم يفضلونها على بقاع الأرض جميعاً. وقد كتب أحد كبار علمائهم ـ وهو الإمام محمد الحسين آل كاشف الغطاء ـ رسالة بعنوان" الأرض والتربة الحسينية " (١) ، وذكر في هذه الرسالة فضل الأرض، ثم فضل التربة الحسينية بالذات، ومما جاء في هذه الرسالة: " لا يبعد أن تكون تربة العراق على الإجمال من أطيب بقاع الأرض في دماثة طينتها، وسعة سهولها، وكثرة أشجارها ونخيلها وجريان الرافدين عليها ... " (٢) . وجاء أيضاً " إنما يعرف طيب كل شئ، بطيب آثاره، وكثرة منافعه، وغزارة فوائده. ويدل على طيب الأرض، وامتيازها على غيرها، طيب ثمارها، ورواء أشجارها، وقوة ينعها وريعها، وقد امتازت تربة كربلاء من حيث المادة والمنفعة بكثرة الفواكه وتنوعها، وجودتها وغزارتها حتى أنها في الغالب هي التى تمون أكثر حواضر العراق وبواديه بكثير من الثمار اليانعة التى تختصها، ولا توجد في غيرها. إذاً أفليس من صميم الحق والحق الصميم أن تكون أطيب بقعة في الأرض مرقداً أو ضريحاً لأكرم شخصية في الدهر؟

стр. 948

نعم لم تزل الدنيا تمخض لتلد أكمل فرد في الإنسانية، وأجمع ذات لأحسن ما يمكن من مزايا العبقرية في الطبيعة البشرية، وأسمى روح ملكوتية في أصقاع الملكوت، وجوامع الجبروت، فولدت نوراً واحداً شطرته نصفين: سيد الأنبياء محمداً، وسيد الأوصياء علياً، ثم جمعتهما ثانياً فكان الحسين مجمع النورين، وخلاصة الجوهرين كما قال ﷺ : حسين منى وأنا من حسين " (١) (٢) وذكر فيما ذكر هذا البيت: ومن حديث كربلا والكعبة لكربلا بأن علو الرتبة (٣) . وقال كذلك (٤) " اتفق علماء الإمامية، وتضافرت الأخبار، بحرمة أكل الطين إلا من تربة قبر الحسين ﵇ بآداب مخصوصه وبمقدار معين ". وذكر في موضع آخر رواية منسوبة للإمام الصادق وهي: " السجود على طين قبر الحسين ينور الأرضين السبع، ومن كانت معه سبحة من طين قبر الحسين كتب مسبحاً وإن لم يسبح " (٥) . ونلاحظ ما يأتى: ١ ـ لو كان فضل هذا المكان لطيب الثمار، ورواء الأشجار إلى ما شابه ذلك، لوجدنا أماكن أخرى تشبهه أو تفضله في سائر بقاع الأرض، فضلًا عن أن هذا ليس من الأسس التى شرعها الإسلام في التفضيل من حيث السجود، أو التسبيح، أو غير ذلك من الأمور الدينية.

стр. 949

٢ ـ ولو كان فضل هذا المكان يرجع لكونه ضريحاً لأكرم شخصية في الدهر، فهناك من هو أكرم منه بكثير. أفلا يفضله من اصطفاه الله واجتباه، وأرسله رحمة للعالمين؟ ٣ ـ إذا كان فضل الحسين يرجع لشرف انتسابه إلى الرسول ﷺ ، فلا يمكن أن يصل إلى صاحب الفضل. وإذا فسرنا " مجمع النورين " بأنه يفضل كل نور على حدة؛ أي أنه يفضل الرسول صلوات الله عليه، فلا أحد من المسلمين يقول به، ولا أظن الشيعة يقولونه، وإلا لخرجوا عن الإسلام. ٤- تفضيل كربلاء على بيت الله الحرام غلو وأي غلو؟! وأين كربلاء من قول الله تعالى: (١) ""إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ "" ... وقال سبحانه: (٢) "" أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا "" ٥ - مذهبهم الاثنا عشرى ليس هو وحده الذى دفعهم إلى هذا الغلو، وإلا لفضلوا تربة أبى الأئمة كرم الله وجهه، وإنما الذى دفعهم إلى ذلك عقدة الشعور بالذنب، فالعراقِ هو الذى خدع الحسين ﵁، وأغراه بالخروج، ثم تخلى عنه، فكانَ سبباً في استشهاده ومن معه، فكأنهم يريدون أن يكفروا عن هذا الذنب، ولكِنهَم يفعلون ذلك بارتكاب ذنب آخر! وننتقل بعد ذلك إلى القسم الثانى من هذه الأحكام. وهو الذى يرجع إلى النظر والاستدلال، وإن كان لا يخلو من الطائفية المذهبية.

стр. 950

ومن هذا القسم نجد نقط الخلاف الآتية: ١ ـ تغسيل الميت بماء السدر ثم بماء الكافور، وإمساس أعضاء سجوده بالكافور، وكراهة تجمير الأكفان، أو تطييبه بغير الكافور والذريرة. ٢ ـ يجعل مع الميت جريدتان. ٣ ـ وجوب الغسل على من مس الميت. ولنناقش هذه النقاط: ١- فالشيعة قد خالفوا المذاهب الأربعة بإيجابهم تغسيل الميت بماء السدر ثم بماء الكافور، وإمساس أعضاء سجوده بالكافور، فلم يوجب ذلك أحد منهم وإن كان مستحباً. فقد نظر الشيعة إلى ما حدث على عهد الرسول ﷺ فأنزلوه منزلة الإيجاب، ولذا أوجبوا ما سبق، وكرهوا التطييب بغير الكافور والذريرة، أما أهل السنة فقد أنزلوا ذلك منزلة الاستحباب، ورأوا جواز ما يؤدى نفس الغرض من التنقية والتطييب، ولهذا قال الإمام مالك " ليس في غسل الميت حد، يغسلون وينقون " (١) . وقال كذلك: وأحب إلى أن يغسل كما قال رسول الله ﷺ ثلاثاً أو خمساً بماء وسدر، ويجعل في الآخرة كافور إن تيسر ذلك " (٢) . وسئل عن المسك والعنبر في الحنوط للميت فقال: " لا بأس بذلك " (٣) . وعاب بعض الناس قوله الأول، وقال: سبحان الله! كيف لم يعرف أهل المدينة غسل الميت؟ ففسر الإمام الشافعى ذلك بأن الروايات فيه كثيرة، فرأي مالك معانيها على إنقاء الميت لأنها جاءت عن رجال غير واحد في عدد الغسل وما
следующие страницы →