← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1507

مع الاثنى عشرية في الأصول والفروع

علي السالوس

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

أكثر النفاس بستين يوماً، رجع عن ذلك. وقال يسأل عن ذلك النساء. وأصحابه ثابتون على القول الأول (١) . والطب الحديث ـ وهو الخبير بما نحن فيه ـ يقرر أن النفاس يستمر إلى ستة أسابيع، وأنه قد يمتد إلى ثمانية أسابيع (٢) ، مما يؤيد الروايات الأخيرة للشيعة التى رفضوا الأخذ بها، ويؤيد ما ذهب إليه المالكية والشافعية، ويدل على دقة ما أفتى به الإمام الشافعى، ويقطع برفض رأي الشيعة، الذى لا يتفق والروايات الأخيرة لهم. (٣) سادس عشر: ما يتعلق بالميت من الأحكام الأحكام المختلف فيها تنقسم إلى قسمين (٤) : الأول: مرجعه إلى مذهبهم الاثنى عشر الرافضي. الثانى: مرده إلى الخلاف في النظر والاستدلال. فمن النوع الأول: أنهم يرون ألا يغسل الكافر، وتوسعوا في مفهوم الكفار حتى حكموا بكفر كثير من المسلمين غير الإماميين، وقد ناقشنا ذلك من قبل عندما تناولنا حكم سؤر الآدمى. وفي تلقين الميت فإلى جانب تلقين الشهادتين يضيفون الإقرار بالأئمة.

стр. 947

وفي الكتابة يرون أن تكتب أسماء الأئمة بالتربة الحسينية، وأن يجعل مع الميت شيىء من هذه التربة. وفي نجاسة الإنسان بالموت، يخرجون الأئمة من هذا الحكم. وهذا القسم لا يصح إلا بصحة مذهبهم الذى يخالفه كل المسلمين غيرهم. وقد رأينا من قبل مدى التعصب والغلو والضلال، الذى دفعهم إلى تكفير الصحابة وغيرهم من المسلمين. وهنا نقطة أخرى نقف عندها قليلاً وهي التربة الحسينية، فقد جاء ذكرها هنا، وسيجىء لها ذكر في مواضع أخرى، فهم يفضلونها على بقاع الأرض جميعاً. وقد كتب أحد كبار علمائهم ـ وهو الإمام محمد الحسين آل كاشف الغطاء ـ رسالة بعنوان" الأرض والتربة الحسينية " (١) ، وذكر في هذه الرسالة فضل الأرض، ثم فضل التربة الحسينية بالذات، ومما جاء في هذه الرسالة: " لا يبعد أن تكون تربة العراق على الإجمال من أطيب بقاع الأرض في دماثة طينتها، وسعة سهولها، وكثرة أشجارها ونخيلها وجريان الرافدين عليها ... " (٢) . وجاء أيضاً " إنما يعرف طيب كل شئ، بطيب آثاره، وكثرة منافعه، وغزارة فوائده. ويدل على طيب الأرض، وامتيازها على غيرها، طيب ثمارها، ورواء أشجارها، وقوة ينعها وريعها، وقد امتازت تربة كربلاء من حيث المادة والمنفعة بكثرة الفواكه وتنوعها، وجودتها وغزارتها حتى أنها في الغالب هي التى تمون أكثر حواضر العراق وبواديه بكثير من الثمار اليانعة التى تختصها، ولا توجد في غيرها. إذاً أفليس من صميم الحق والحق الصميم أن تكون أطيب بقعة في الأرض مرقداً أو ضريحاً لأكرم شخصية في الدهر؟

стр. 948

نعم لم تزل الدنيا تمخض لتلد أكمل فرد في الإنسانية، وأجمع ذات لأحسن ما يمكن من مزايا العبقرية في الطبيعة البشرية، وأسمى روح ملكوتية في أصقاع الملكوت، وجوامع الجبروت، فولدت نوراً واحداً شطرته نصفين: سيد الأنبياء محمداً، وسيد الأوصياء علياً، ثم جمعتهما ثانياً فكان الحسين مجمع النورين، وخلاصة الجوهرين كما قال ﷺ : حسين منى وأنا من حسين " (١) (٢) وذكر فيما ذكر هذا البيت: ومن حديث كربلا والكعبة لكربلا بأن علو الرتبة (٣) . وقال كذلك (٤) " اتفق علماء الإمامية، وتضافرت الأخبار، بحرمة أكل الطين إلا من تربة قبر الحسين ﵇ بآداب مخصوصه وبمقدار معين ". وذكر في موضع آخر رواية منسوبة للإمام الصادق وهي: " السجود على طين قبر الحسين ينور الأرضين السبع، ومن كانت معه سبحة من طين قبر الحسين كتب مسبحاً وإن لم يسبح " (٥) . ونلاحظ ما يأتى: ١ ـ لو كان فضل هذا المكان لطيب الثمار، ورواء الأشجار إلى ما شابه ذلك، لوجدنا أماكن أخرى تشبهه أو تفضله في سائر بقاع الأرض، فضلًا عن أن هذا ليس من الأسس التى شرعها الإسلام في التفضيل من حيث السجود، أو التسبيح، أو غير ذلك من الأمور الدينية.

стр. 949

٢ ـ ولو كان فضل هذا المكان يرجع لكونه ضريحاً لأكرم شخصية في الدهر، فهناك من هو أكرم منه بكثير. أفلا يفضله من اصطفاه الله واجتباه، وأرسله رحمة للعالمين؟ ٣ ـ إذا كان فضل الحسين يرجع لشرف انتسابه إلى الرسول ﷺ ، فلا يمكن أن يصل إلى صاحب الفضل. وإذا فسرنا " مجمع النورين " بأنه يفضل كل نور على حدة؛ أي أنه يفضل الرسول صلوات الله عليه، فلا أحد من المسلمين يقول به، ولا أظن الشيعة يقولونه، وإلا لخرجوا عن الإسلام. ٤- تفضيل كربلاء على بيت الله الحرام غلو وأي غلو؟! وأين كربلاء من قول الله تعالى: (١) ""إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ "" ... وقال سبحانه: (٢) "" أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا "" ٥ - مذهبهم الاثنا عشرى ليس هو وحده الذى دفعهم إلى هذا الغلو، وإلا لفضلوا تربة أبى الأئمة كرم الله وجهه، وإنما الذى دفعهم إلى ذلك عقدة الشعور بالذنب، فالعراقِ هو الذى خدع الحسين ﵁، وأغراه بالخروج، ثم تخلى عنه، فكانَ سبباً في استشهاده ومن معه، فكأنهم يريدون أن يكفروا عن هذا الذنب، ولكِنهَم يفعلون ذلك بارتكاب ذنب آخر! وننتقل بعد ذلك إلى القسم الثانى من هذه الأحكام. وهو الذى يرجع إلى النظر والاستدلال، وإن كان لا يخلو من الطائفية المذهبية.

стр. 950

ومن هذا القسم نجد نقط الخلاف الآتية: ١ ـ تغسيل الميت بماء السدر ثم بماء الكافور، وإمساس أعضاء سجوده بالكافور، وكراهة تجمير الأكفان، أو تطييبه بغير الكافور والذريرة. ٢ ـ يجعل مع الميت جريدتان. ٣ ـ وجوب الغسل على من مس الميت. ولنناقش هذه النقاط: ١- فالشيعة قد خالفوا المذاهب الأربعة بإيجابهم تغسيل الميت بماء السدر ثم بماء الكافور، وإمساس أعضاء سجوده بالكافور، فلم يوجب ذلك أحد منهم وإن كان مستحباً. فقد نظر الشيعة إلى ما حدث على عهد الرسول ﷺ فأنزلوه منزلة الإيجاب، ولذا أوجبوا ما سبق، وكرهوا التطييب بغير الكافور والذريرة، أما أهل السنة فقد أنزلوا ذلك منزلة الاستحباب، ورأوا جواز ما يؤدى نفس الغرض من التنقية والتطييب، ولهذا قال الإمام مالك " ليس في غسل الميت حد، يغسلون وينقون " (١) . وقال كذلك: وأحب إلى أن يغسل كما قال رسول الله ﷺ ثلاثاً أو خمساً بماء وسدر، ويجعل في الآخرة كافور إن تيسر ذلك " (٢) . وسئل عن المسك والعنبر في الحنوط للميت فقال: " لا بأس بذلك " (٣) . وعاب بعض الناس قوله الأول، وقال: سبحان الله! كيف لم يعرف أهل المدينة غسل الميت؟ ففسر الإمام الشافعى ذلك بأن الروايات فيه كثيرة، فرأي مالك معانيها على إنقاء الميت لأنها جاءت عن رجال غير واحد في عدد الغسل وما

стр. 951

يغسل به فقيل: غسل فلان فلاناً بكذا وكذا، وقيل بكذا وكذا، فهذا على قدر ما يحضرهم مما يغسل به الميت، وعلى قدر إنقائه لاختلاف الموتى في ذلك، واختلاف الحالات، وما يمكن الغاسلين ويتعذر عليهم، فقال مالك قولاً مجملاً: يغسل فينقى (١) . وإلى جانب ما ورد عن طريق السنة تأييداً لما ذهبوا إليه، ورد كذلك عن طريق الشيعة، فقد رووا أن النبى ﷺ حنط بمثقال مسك سوى الكافور (٢) . قالوا: " هذا محمول إما على بيان الجواز، أو على الاختصاص بالنبى ﷺ ، أو على التقية في الرواية ". فأما الجواز، فلو كان ذلك مكروهاً لما فعل، وأما الاختصاص فلا يوجد ما يدل عليه، وأما التقية فليس هناك ما يدعو الى الكذب فلا أحد يوجب المسك، ولو وجب لكفاهم الإتيان بذلك تقية بدلاً من الكذب على رسول الله ﷺ ، وعلى أهله الأطهار. ورووا عن أبى الحسن الثالث (٣) أنه سئل: هل يقرب إلى الميت المسك والبخور؟ قال: " نعم ". وعن الإمام الباقر: أنه كان يجمر الميت (الكفن) بالعود فيه المسك وربما جعل على النعش الحنوط، وربما لم يجعله، وكان يكره أن يتبع الميت ... بالمجمرة (٤) . وعن الإمام على أنه كان لا يرى بالمسك في الحنوط بأساً، وكان لا يرى بتجمير الميت بأساً وتجمير كفنه، والموضع الذى يغسل فيه ويكفن (٥) .

стр. 952

ونرى أن في هذا كفاية. ٢- وقد اتفق الشيعة مع كثير من السنة باستحباب وضع الجريد فوق القبر أو داخله، ولكنهم رأوا استحبابه أصلا داخل الكفن عن يمين الميت ويساره، ولا نظن في هذا كبير خلاف، ما دام مبدأ الاستحباب متفقاً عليه. ٣- وأوجب الشيعة الغسل على من مس الميت بعد برده، وقبل غسله، ولم يوجبه أي من المذاهب الأربعة، وإنما جعلوا من الأغسال المستحبة غسل من غسل الميت ما عدا الحنفية، فلم يجعلوه واجباً ولا مستحباً، واختلفوا في إيجاب الوضوء منه (١) . والخلاف الذى وقع هنا بين الشيعة وأهل السنة لا يزيد عن الخلاف الذى وقع بين أهل السنة أنفسهم، فعلى حين نرى الحنفية لم يجعلوه حتى من الأغسال المستحبة، نرى المالكية والحنابلة يجعلونه مستحباً، ونرى الشافعية يكادون يجعلونه واجباً، فقد قال الإمام الشافعى: " أولى الغسل عندى أن يجب بعد غسل الجنابة من غسل الميت ولا أحب تركه بحال " وقال أيضاً: " إنما منعنى من إيجاب الغسل من غسل الميت أن في إسناده رجلاً لم أقع من معرفة ثبت حديثه إلى يومى هذا على ما يقنعنى، فإن وجدت ما يقنعنى من معرفة ثبت حديثه أوجبت الوضوء من مس الميت مفضياً إليه، فإنهما في حديث واحد " (٢) . والحديث الذى رأي الإمام الشافعى أن الغسل لا يجب إلا أن يثبت هو حديث أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: " من غسل ميتاً فليغتسل ". رواه الخمسة وأخرجه البيهقى، وفيه صالح مولى التوأمة وهو ضعيف. وبينما نجد من يضعف هذا الحديث، نجد الترمذى يحسنه، وابن حبان يصححه، والدارقطنى يرويه بسند رواته موثقون، وقدد صححه كذلك ابن حزم، وقال الحافظ: بأن الحاصل أن

стр. 953

الحديث أسوأ أحواله أن يكون حسناً لكثرة طرقه، وذكر المواردى أن بعض أصحاب الحديث خرج لهذا الحديث مائة وعشرين طريقاً (١) . وإذا نظرنا إلى أدلة أهل السنة نرى أنها تمنع إيجاب الغسل على من مس ميتاً، مثل " لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن ليس بنجس حياً ولا ميتاً "، وكذلك حديث " المؤمن لا ينجس "، بل إنها تمنع إيجابه من غسل الميت كحديث ابن عباس: " لا غسل عليكم من غسل الميت "، وكحديث " كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل "، وما رواه الإمام مالك فى الموطأ عن عبد الله بن أبى بكر أن أسماء بنت عميس امرأة أبى بكر الصديق ﵁ غسلت أبا بكر حين توفى، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إن هذا يوم شديد البرد، وأنا صائمة، فهل على من غسل؟ قالوا: لا. وحديث أبى هريرة، إذا ثبت، يمكن حمله على الاستحباب. ويؤيد هذا من طرق الشيعة، ما روى عن الإمام على أنه قال: " الغسل من سبعة: من الجنابة وهو واجب، ومن غسل الميت، وإن تطهرت أجزأك " (٢) ونجد من الشيعة من يرى استحباب هذا الغسل، وهو اختيار المرتضى، ورماه بعضهم بالضعف، وآخرون بالشذوذ (٣) . وهكذا نجد خلافاً وقع بين الشيعة والسنة لا يزيد عن الخلاف الداخلى فى كل منهما، ولا غرو، فهو مبنى على اجتهاد واستدلال. فشتان بين هذا، وبين الخلاف الذى يبنى على التعصب المذهبى، فيخلق هوة سحيقة بينهما تمنع اللقاء.

стр. 954

من أخبارهم في كتاب وسائل الشيعة: كل غلو عند الرافضة نراهم ينسبونه كذباً إلى الأئمة الأطهار، وفيما يتعلق بالميت من الأحكام نذكر بعض ما جاء فى الوسائل من الأخبار التى تبين غلوهم. فى الجزء الثانى (ص ٦٦٥: ٦٦٦) يذكر أربع روايات تحت باب " استحباب تلقى المحتضر الإقرار بالأئمة ﵈ وتسميتهم بأسمائهم "، ثلاث منها منسوبة لأبى جعفر الباقر: الأولى قوله: لو أدركت عكرمة عند الموت لنفعته. فقيل لأبى عبد الله ـ أي ابنه جعفر الصادق: بماذا كان ينفعه؟ قال: بلغته ما أنتم عليه. والثانية قوله: أما إني لو أدركت عكرمة قبل أن تقع النفس موقعها لعلمته كلمات ينتفع بها، ولكنى أدركته وقد وقعت موقعها. فقال أبو بصير: جعلت فداك، وما ذاك الكلام؟ قال: هو والله ما أنتم عليه، فلقنوا موتاكم عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله والولاية. وفى الثالثة: فلقنه كلمات الفرج والشهادتين، وتسمى له الإقرار بالأئمة ﵈ واحداً بعد واحد حتى ينقطع عنه الكلام. والرواية الأخيرة، أو الكذبة الرابعة، منسوبة للإمام الصادق (افتراء عليه) وهي قوله: والله لو أن عابد وثن وصف ما تصفون عند خروج نفسه ما طعمت النار من جسده شيئاً أبداً! هذه هي روايات الباب، وقولهم عن الصحابي عكرمة ﵁ ليس غريباً بعد أن مر كثيراً تكفيرهم لخير الأمة، صحابة رسول الله ﷺ . والجرأة العجيبة فى نسبة الكذب على الله للإمام الصادق ﵁: فلو أن عقيدة الإمامة الباطلة كانت صحيحة، بل لو كانت كالإيمان بالله سواء بسواء، فهل ينتفع عابد الوثن بالإيمان عند خروج نفسه؟! أو لم يؤمن فرعون قبل خروج نفسه؟ فهل نفعه إيمانه؟ .

стр. 955

وفى الجزء الثانى أيضاً (ص ٧٤٢: ٧٤٣) باب " استحباب وضع التربة الحسينية مع الميت فى الحنوط والكفن وفى القبر ". وتحت الباب ثلاث روايات يكتفى بإثبات إحداها، وهي بالنص ما يأتى: " إن امرأة كانت تزنى وتوضع (هكذا) أولادها وتحرقهم بالنار خوفاً من أهلها، ولم يعلم به غير أمها. فلما ماتت دفنت فانكشف التراب عنها ولم تقبلها الأرض، فنقلت من ذلك المكان إلى غيره فجرى لها ذلك. فجاء أهلها إلى الصادق ﵇ وحكوا له القصة، فقال لأمها: ما كانت تفعل هذه من المعاصي؟ فأخبرته بباطن أمرها، فقال الصادق ﵇: إن الأرض لا تقبل هذه، لأنها كانت تعذب خلق الله بعذاب الله، اجعلوا في قبرها شيئاً من تربة الحسين ﵇. ففعل ذلك بها، فسترها الله تعالى "!! انتهت القصة بدون تعليق! وفى الجزء نفسه (ص ٧٥٧: ٧٥٨) باب " استحباب كتابة اسم الميت على الكفن، وأنه يشهد أن لا إله إلا الله، ويكون ذلك بطين قبر الحسين ﵇ ". وفى معنى الباب ثلاث روايات، نسبت إحداها إلى الإمام الثانى عشر الذى غاب منذ توليه الإمامة وهو طفل لم يكد يترك فترة الرضاعة إلا قليلاً، ولا يزال غائباً حتى عصرنا، وهو يرانا ولا نراه!! ويحج كل عام!! وسبق الحديث عن هذه الخرافة، وموقف الشيعة أنفسهم منها. وفى نهاية هذا الجزء بعد الخاتمة تجد ما قاله السيد كاظم الكفائى عن هذا الذى اعتبروه إماماً!! وتجد الحديث نفسه فى كتابى " فقه الشيعة الإمامية " (١ / ٢٦٤ ـ ٢٦٥) . وفى ص ٨٦٩ نجد باباً عنوانه " كراهية البناء على القبر فى غير قبرالنبي ـ ﷺ ـ والأئمة ﵈ ".

стр. 956

وفى الواقع العملي نراهم يطوفون حول قبور الأئمة، ويدعون بأدعية مخصوصة فيها تكفير للصحابة الكرام البررة، وعلى الأخص أبو بكر وعمر خير الناس بعد رسول الله ـ ﷺ ـ واللذان أقاما دولة الإسلام. وفى خاتمة الكتاب يأتى الحديث عن دعاء صنمى قريش. وموقف الرافضة منه فى عصرنا تبعاً لمن سبقوهم بالضلال والزندقة. وفى الجزء الثانى أيضاً من الوسائل (ص ٨٤٢: ٨٤٤) باب " استحباب قراءة الحمد والمعوذتين والإخلاص وآية الكرسي عند وضع الميت في قبره، وتلقينه الشهادتين، والإقرار بالأئمة ﵈ بأسمائهم حتى إمام زمانه ": ويضم الباب تسع روايات، والرواية لا تقف عند الكذب على الأئمة، بل تتعداهم لتصل إلى الصحابة الكرام، والرسول ـ ﷺ ، فتنسب لابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ـ ﷺ ـ لما وضع فاطمة بنت أم على بن أبى طالب ﵁ فى قبرها زحف حتى صار عند رأسها، ثم قال: يا فاطمة إن أتاك منكر ونكير فسألاك عن ربك فقولى: " الله ربى، ومحمد نبيي، والإسلام دينى، والقرآن كتابى، وابنى إمامي ووليي ". والباب التالى " استحباب الدعاء بالمأثور للميت عند وضعه فى القبر، وجملة من أحكام الدفن. (ص ٨٤٥ ـ ٨٤٨) ويضم الباب ست روايات، الأخيرتان فيهما التلقين بأسماء الأئمة كالباب السابق. وفى باب آخر (ص ٨٦٢: ٨٦٣) عنوانه " استحباب تلقين الولى الميت الشهادتين، والإقرار بالأئمة ﵈ بأسمائهم بعد انصراف الناس "، نجد فيه ثلاث روايات.

стр. 957

سابع عشر: التيمم لا نجد بين الشيعة والسنة هنا إلا القليل من الخلاف وهو ينحصر في نقطتين: الأولى: وجوب الترتيب بين اليد اليمنى واليسرى. وقد ناقشنا ذلك من قبل عند مناقشتنا للترتيب فى الوضوء. الثانية: جواز التيمم لصلاة الجنازة مع وجود الماء ندباً. فإنهم لا يشترطون الطهارة لصلاة الجنازة، لأنهم لا يعدونها صلاة بالمعنى الحقيقى وإنما هي بمثابة دعاء، فلا ركوع ولا سجود، ويروون فى ذلك روايات منها: إن الإمام الصادق سئل عن الجنائز يصلى عليها على غير وضوء. فقال: " نعم، إنما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل، كما تكبر وتسبح فى بيتك على غير وضوء " (١) . وهم يعدون صلاة الجنازة من الصلوات الواجبة كالصلوات الخمس، والطهارة شرط لأي صلاة، فكيف إذن خرجوا بها عن مفهوم الصلاة لخلوها من الركوع والسجود، فهل التكبير والتسبيح فى البيت واجب كالصلوات الخمس، وبكيفية وشروط لابد منها كاشتراط تكبيرة الإحرام وغيرها من التكبيرات؟ نحن نصلى كما بين لنا الرسول ﷺ وليس لنا أن نسقط شرطاً من شروط الصلاة إلا بأمر من المشرع نفسه، وهو الذى بين لنا أن صلاة الجنازة لا ركوع فيها ولا سجود، وألا صلاة بلا طهور، فهل استثنى من ذلك صلاة الجنازة كما ذهب الشيعة؟ ليس هناك عن طريق السنة ولا عن طريق الشيعة ما يثبت هذا الاستثناء من صاحب الشريعة r (٢) . إنما ورد عن طريق الشيعة روايات عن الأئمة فقط

стр. 958

كالرواية التي ذكرناها من قبل، ورواية واحدة عن الإمام على وهي أنه سئل عن الرجل يحضر الجنازة وهو على غير وضوء ولا يجد الماء؟ قال: يتيمم ويصلى عليها إذا خاف أن يفوته (١) . وهذه الرواية تتفق مع ما ذهب إليه السنة من اشتراط الطهارة لأنه لم يبح التيمم إلا مع عدم وجود الماء، وخوف الفوت. على أن من الشيعة أنفسهم من قيد جواز التيمم بخوف الفوت، ورد ما يخالف ذلك، ولم يعجب بعضهم هذا الرد، فقال: عمل الأصحاب بالرواية ـ أي رواية جواز التيمم مع وجود الماء ندباً ـ فلا يضر ضعفها (٢) . وكيف لا يضر ضعفها، وهي تهدم مبدأ أساسياً من مبادئ العبادة وهو اشتراط الطهارة لأي صلاة، وعدم جواز التيمم لمن يستطيع الوضوء؟ إن صلاة الجنازة صلاة لا تجوز بغير طهور، والتيمم لها لا يجوز إلا بشروط كأي صلاة، والروايات التي تخالف ذلك لابد من إسقاطها وترك العمل بها، فإنها ـ مع ضعفها ـ تخالف الكتاب والسنة بإسقاطها شرطاً من شروط الصلاة، وإجازتها التيمم مع وجود الماء. ثامن عشر: النجاسات ١-يرى الشيعة الرافضة أن الكافر نجس، وقد ناقشنا ذلك من قبل وبينا ضلال غلاة الرافضة وكفرهم. ٢- ويرون كذلك أن الميت ينجس الملاقى له مطلقاً. ولذلك أوجبوا الغسل على من مسه، وقد ناقشنا هذا أيضاً من قبل.

стр. 959

٣- ويرون طهارة المذى والودى على خلاف المذاهب الأربعة (١) وأنهما لا ينقضان الوضوء. وقد أثبتنا من قبل نقضهما للوضوء. والأدلة التى استدلوا بها على طهارتهما تدخل ضمن ما احتجوا به على أنهما لا ينقضان الوضوء، وما استدل به على نجاستهما مما يستدل به على نقضهما للوضوء. وأضيف إلى ذلك ما ورد عن طريق الشيعة عن الإمام الصادق أنه سئل عن المذى يصيب الثوب؟ قال: إن عرفت مكانه فاغسله، وإن خفى عليك مكانه فاغسل الثوب كله. وفى رواية أخرى: يغسله ولا يتوضأ (٢) . وحمل الروايتين على الاستحباب بعيد، فلو كان كذلك لكفى غسله إن عرف مكانه، دون مراعاة لتكلف غسل الثوب كله إن لم يعرف مكانه. وأما الحمل على التقية (٣) فهو إلغاء للعقل، ففى الرواية الأخيرة " يغسله ولا يتوضأ "، والمذاهب الأربعة توجب الوضوء منه كما ذكرنا. والحنابلة وإن كانوا يرون أن حكم الودى حكم البول سواء، لأنه خارج من مخرجه، وجار مجراه، والمذى ظاهر المذهب أنه نجس، إلا أن هناك رواية عن الإمام أحمد أنه سئل عن المذى أشد أو المنى؟ قال: هما سواء، ليسا من مخرج البول، إنما هو من الصلب والترائب كما قال ابن عباس، هو عندى بمنزلة البصاق والمخاط (٤) .

стр. 960

وهذه الرواية تتفق مع الشيعة فى طهارة المذى. ولكنها تخالفهم فى حكم المنى. وسواء ألحقنا هذا أو ذاك بالبول أو المنى، فالشيعة يرون نجاستهما، فالأولى أن يلحق بهما المذى والودى. ٤ ـ وفى النجاسة المعفو عنها فى الصلاة: فرق الشيعة بين الدم ودم الحيض، وبين ما يتم الصلاة فيه منفرداً، وما لا يتم فيه منفرداً: كالتكة، والجورب، والقلنسوة، ولم نجد هذه التفرقة عند المذاهب الأربعة (١) ، فهم يرون العفو عن يسير الدم مطلقاً فى ثياب المصلى. أما الشيعة فيرون أن دم الحيض تجب إزالته وإن قل، وألحق بعضهم به دم الاستحاضة والنفاس، وأجازوا الصلاة فيما لا يتم الصلاة فيه منفرداً مع نجاسته. واستدلوا بروايات عن أئمتهم، مثل ما رووه عن الإمام الصادق أو الباقر أنه قال: لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره، غير دم الحيض، فإن قليله وكثيره فى الثوب ـ إن رآه أو لم يره ـ سواء (٢) . وعن زرارة قال: " قلت لأبى عبد الله ﵇: إن قلنسوتى وقعت فى بول فأخذتها فوضعتها على رأسى ثم صليت؟ فقال: لا بأس " (٣) . وعن الإمام الصادق أيضاً: لا بأس بالصلاة فى الشيىء الذى لا تجوز الصلاة فيه وحده يصيب القذر، مثل: القلنسوة والتكة والجورب. وتبدو المشقة البالغة في الرواية الأولى، فدم الحيض القليل الذى لم يره المصلى مبطل لصلاته، على حين يظهر الاستهتار البالغ فى الرواية الثانية، فما

стр. 961

الذى ألجأ زرارة إلى أن يأخذ قلنسوته من البول ويصلى بها؟ ولماذا لم يصل بدونها؟ ألا تندرج هذه من ضمن ما يشمله قوله تعالى: "" وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ""؟ ، ثم ألم تصب هذه القلنسوه بدنه بالنجاسة؟ إن هذه الرواية ـ وأمثالها ـ لا يمكن بحال أن تقبل، فهي تجيز الصلاة بنجاسة مغلظة يمكن تجنبها دون عسر ومشقة. أما ما يرونه من وجوب إزالة دم الحيض وإن قل، فإنا قد نجد ما يؤيدهم عن طريق أهل السنة (١) كحديث أسماء بنت أبى بكر قالت: " جاءت امرأة إلى النبى ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض ـ كيف تصنع؟ فقال: تحته، ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه، ثم تصلى فيه " متفق عليه. وفى حديث آخر: " فإذا طهرت فاغسلى موضع الدم، ثم صلى فيه ". وفى رواية: " حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر ". فهذه الأحاديث تفيد وجوب إزالة دم الحيض ـ وإن قل ـ لعمومها، ولكنا نجد رواية عن السيدة عائشة فى الحائض يصيب ثوبها الدم، قالت: " تغسله، فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشئ من صفرة، قالت: ولقد كنت أحيض عند رسول الله ﷺ ثلاث حيض جميعاً لا أغسل لى ثوباً ". وفى رواية أخرى عنها قالت: " قد كان يكون لإحدانا الدرع فيه تحيض، وفيها تصيبها الجنابة، ثم ترى فيه قطرة من دم فتقصعه بريقها. وفى لفظ: ما كان لإحدانا إلا ثوب فيه تحيض فإن أصابه شيىء من دمها بلته بريقها ثم قصعته بظفرها ".

стр. 962

وهذه الروايات ـ وما شاكلها ـ يمكن الجمع بينها دون تعارض بالعفو عن اليسير من دم الحيض، وتحمل الروايات التى أوجبت الغسل على غير اليسير تماماً كالدم بصفه عامة، والأحوط أن يغسل موضع الدم ما أمكن خروجاً من هذا الخلاف، والله سبحانه أعلم بالصواب.

стр. 963

الفصل الثاني: الصلاة أولاً: الجمع بين الصلاتين اختلف الشيعة فيما بينهم فى تحديد مواقيت الصلاة (١) والروايات التى رووها عن النبى ﷺ تتفق مع روايات أهل السنة، كالرواية المشهورة عن جبريل ﵇، والروايات التى خالفت ذلك تنتهي إلى أئمتهم (٢) . وهم فى اختلافهم لا ينفردون بالرأي، فمنهم من حدد المواقيت كالسنة، ولكنهم انفردوا بالقول دون المذاهب الأربعة، بإجازتهم الجمع بين الصلاتين بلا عذر، فلم يوافقهم أي مذهب منها (٣) . وقد استدل الشيعة بعدة أحاديث مؤداها: أن الرسول ﷺ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوف، ولا مطر، ولا سفر، توسعة لأمته، ومنعا للحرج عن المسلمين، إلى جانب روايات أخرى عن أئمتهم (٤) . وإذا نظرنا في روايات السنة وجدنا ما يوافق أحاديثهم: كرواية ابن عباس ﵄ " أن النبي ﷺ صلى بالمدينة سبعا وثمانيا، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء " متفق عليه، وفى رواية أخرى:

стр. 964

" جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته " (١) . وقد خرج أصحاب المذاهب الأربعة مثل هذه الرواية على الجمع الصوري، بأن يصلى الظهر في آخر وقته، والعصر في أول وقته، وكذلك المغرب والعشاء، أو أن ذلك كان لعذر كمرض أو مطر، أو غير ذلك، ولهم ما يؤيد وجهة نظرهم (٢) . ولكنا وجدنا آخرين: كابن سيرين وربيعة وابن المنذر وغيرهم، يستدلون بهذا على جواز الجمع مطلقا بشرط ألا يتخذ ذلك خلقا وعادة (٣) ، ووجدنا من علماء السنة المعاصرين من يؤيد الأخذ برواية الجمع دفعا للحرج والمشقة (٤) .

стр. 965

فلو اقتصر الشيعة على جواز الجمع دفعا للحرج "" َمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ""، وتأسوا بالرسول ﷺ : حيث كان يفرق غالب الأوقات، وما كان يجمع إلا نادرا باعترافهم (١) ، لو فعلوا ذلك لكان لهم ما يؤيد مذهبهم، ولكنهم يجمعون دائما جماعة وفرادى كما يقول السيد كاظم الكفائى (٢) ، بل يروون روايات تفيد استحباب الجمع، مثل: عن عياش الناقد قال: تفرق ما كان فى يدى، وتفرق عنى حرفائى، فشكوت ذلك إلى أبى محمد (ع) فقال لى: اجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، ترى ما تحب " (٣) . و" عن أمير المؤمنين ﵇ قال: الجمع بين الصلاتين يزيد فىالرزق " (٤) . فهذه مخالفة صريحة لما كان عليه الرسول ﷺ . ولما أمر به فى قوله: "" إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ""، فالجمع بهذه الصورة مضيعة للمواقيت التى بينها جبريل والرسول ﵉. وجاء عن طريقهم ـ غير حديث جبريل ـ روايات أخرى تفيد تحديد المواقيت الخمس، ولزوم المحافظة على هذه المواقيت، من ذلك ما كتبه الإمام على لمحمد بن أبى بكر عندما ولاه مصر: " وانظر إلى صلاتك كيف هي، فإنك إمام لقومك. ثم ارتقب وقت الصلاة فصلها لوقتها، ولا تعجل بها قبله لفراغ، ولا تؤخرها عنه لشغل، فإن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن أوقات الصلاة فقال: أتانى جبريل (ع) فأراني وقت الظهر حين زالت الشمس فكانت على حاجبه

стр. 966

الأيمن، ثم أراني وقت العصر وكان ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس، ثم صلى العشاء الآخرة حين غاب الشفق، ثم صلى الصبح فأغلس بها والنجوم مشتبكة، فصل لهذه الأوقات، والزم السنة المعروفة، والطريق الواضح " (١) . وقد احتج أحد علمائهم على مانعي الجمع لغير عذر بروايات السنة التي أباحت ذلك، وقال في آخر كلمته: " لا كلام في أن التفريق أفضل، ولذلك كان يؤثره رسول الله ﵌ إلا لعذر كما هي عادته في المستحبات كلها " (٢) . فإذا كانت هذه حقيقة لا كلام فيها، فعلى أي أساس إذن يجمع الشيعة دائماً بين الصلاتين؟؟ ***** ثانيا: الأذان ينحصر الخلاف هنا في أن الشيعة يزيدون " حي على خير العمل " مرتين بعد " حي على الفلاح "، ويثنون لا إله إلا الله، وحاليا يزيدون الشهادة بالولاية بعد الشهادتين. وحجة الشيعة روايات عن أئمتهم تفيد ذلك (٣) . وقالوا: إن " حى على خير العمل " كان موجوداً فى الأذان والإقامة إلى عهد عمر بن الخطاب ﵁، وهو الذى أسقطها رغبة منه فى إعلام الناس بأن خير العمل إنما هو الجهاد فى سبيل الله، وقد كان عصره عصر فتوحات، فلو

стр. 967

عرف الناس أن الصلاة خير العمل مع ما فيها من الدعة والسلامة لاقتصروا فى ابتغاء الثواب عليها، وأعرضوا عن خطر الجهاد المفضول بالنسبة إليها، وفتح الممالك لا يكون إلا بتشويق الجند إلى التورط فى سبيله بالمهالك، بحيث يشربون فى قلوبهم الجهاد، حتى يعتقدوا أنه خير عمل يرجونه يوم الميعاد، فقدم المصلحة على التعبد بما جاء به الشرع الأقدس، وقد تبعه فى إسقاطها عامة من تأخر عنه من المسلمين، حاشى أهل البيت ومن يرى رأيهم " (١) . وروى أن ابن عمر كان يؤذن بحى على خير العمل أحياناً، وعن على بن الحسين أنه قال: هو الأذان الأول، وعن زيد بن أرقم أنه أذن بذلك، وروى بذلك عن أمامة بن سهيل البدرى (٢) . ويلعب الخيال الشيعى دوره، ويجد الوضاعون مجالا لهم هنا، فيروى أن الإمام السابع موسى الكاظم سئل عن (حي على خير العمل) لم تركت من الأذان؟ فقال: " أما العلة الظاهرة فلئلا يدع الناس الجهاد اتكالا على الصلاة، وأما الباطنة فإن خير العمل الولاية، فأراد من أمر بترك (حى على خير العمل) من الأذان ألا يقع حث عليها، ودعاء إليها " (٣) . وسواء قال الإمام ذلك أو لم يقله، فهو طعن فى عمر بن الخطاب ﵁، وتعصب جاهل لمبدأ دخيل، وإذا كانت الولاية خير العمل فلم لم يوضح ذلك الرسول ﷺ ؟ وكيف حرم منها الصفوة الصافية من سلف المسلمين رضوان الله عليهم؟ وكيف أن عمر الفاروق يعلم بأن الولاية خير عمل فيقدم على أمر فيه مخالفة لله سبحانه ولرسوله ﵊؟ لقد ذكرنا من قبل أن الشيعة جميعهم ليس فيهم من يصل إلى مكانة عمر ﵁ باعتراف أبى الأئمة على كرم الله وجهه، ولكن العداء للإسلام،

стр. 968

ولرافعى رايته من خيرة المسلمين، هو الذى دفع هؤلاء إلى الطعن في شخصية ارتبط اسمها بالعدالة الإسلامية، وبالدفاع عن الدين، ونشره في العالمين. ويبقى بعد ذلك أن روايات الشيعة يعارضها الأحاديث الصحيحة في كتب السنة عن النبي ﷺ ، فليس في شيء منها ما يدل على ثبوت حي على خير العمل، وليس فيها أن عمر رضوان الله عليه أو غيره هو الذى أسقط ذلك، فالأذان كما بينه الرسول ﷺ يتفق مع ما ذهب إليه أصحاب المذاهب الأربعة (١) . ولا خلاف في أن الأذان المشروع هو ما كان على عهد رسول الله ﷺ ، وليس لأحد أن يزيد فيه أو ينقص منه. ولكنني عندما سمعت آذانهم وجدتهم يزيدون بعد الشهادتين " أشهد أن علياً ولى الله، أشهد أن علياً أمير المؤمنين وأولاده المعصومين حجة الله ". بحثت فى كتاب " مستمسك العروة الوثقى " للمرجع السابق السيد محسن الحكيم، فوجدته يقرر أن الشهادة بالولاية ليست جزءاً من الأذان والإقامة بلا خلاف ولا إشكال، وينقل عن محكى الفقيه قوله: (هذا هو الأذان الصحيح، لا يزاد فيه ولا ينقص منه، والمفوضة لعنهم الله قد وضعوا أخبارا زادوا بها فى الأذان: " محمد وآل محمد خير البرية " مرتين، وفى بعض رواياتهم بعد " أشهد أن محمداً رسول الله " " أشهد أن علياً ولى الله " مرتين. ومنهم من روى بدل ذلك " أشهد أن علياً أمير المؤمنين حقاً " مرتين، ولا شك فى أن علياً ولى الله، وأمير المؤمنين حقاً، وأن محمداً وآله صلى الله عليهم خير البرية، لكن ليس ذلك فى أصل الأذان) .

стр. 969

وقال: " وإنما ذكرت ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتهمون بالتفويض المدلسون أنفسهم فى جملتنا ". وعن الشيخ فى محكى النهاية " فأما ما روى فى شواذ الأخبار من قول: أن علياً ولى الله وآل محمد خير البرية، فمما لا يعمل عليه فى الأذان والإقامة، فمن عمل به كان مخطئاً ". ونقل عن المبسوط: " وأما قول: أشهد أن علياً أمر المؤمنين وآل محمد خير البرية ـ على ما ورد في شواذ الأخبار ـ فليس بمعمول عليه في الأذان، ولو فعله الإنسان لم يأثم به، غير أنه ليس من فضيلة الأذان ولا كمال فصوله ". وعن المنتهي: " وأما ما روى من الشاذ من قوله: أن علياً ولى الله وأن محمدا وآله خير البرية ـ فمما لا يعول عليه " (١) . ولكن السيد الحكيم عقب على ذلك بقوله: " الظاهر من المبسوط إرادة نفى المشروعية بالخصوص، ولعله أيضا مراد غيره، لكن هذا المقدار لا يمنع من جريان قاعدة التسامح على تقدير تماميتها في نفسها، ومجرد الشهادة بكذب الراوي لا يمنع من احتمال الصدق الموجب لاحتمال المطلوبية، كما أنه لا بأس بالإتيان به بقصد الاستحباب المطلق لما في خبر الاحتجاج " إذا قال أحدكم: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فليقل: على أمير المؤمنين، بل ذلك في هذه الإعصار، معدود من شعائر الإيمان، ورمزا إلى التشيع، فيكون من هذه الجهة راجحاً شرعاً، بل قد يكون واجباً، لكن لا بعنوان الجزئية من الأذان. ومن ذلك يظهر وجه ما في البحار من أنه لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبة للأذان: بشهادة الشيخ والعلامة والشهيد وغيرهم بورود الأخبار بها " (٢) .

стр. 970

ولا أدرى لم استحق قوم اللعنة لأنهم زادوا " محمد وآل محمد خير البرية " ولم يستحق هذه اللعنة من زاد الشهادة بالولاية التي لا يقول بها أحد غير الإمامية الرافضة؟! ولنا أن نتساءل بعد هذا: أكل من ارتأي رأيا ـ ولو كان صحيحاً ـ فله أن يزيده فى الأذان؟ وكيف يكون الأذان إذن لو زاد كل ما ارتأي؟! إن الأذان شرع للصلاة، وليس اعلاناً عن المبادىء التي يراها كل فريق. فيجب أن يبقى كما بينه رسول الله ﷺ ، فليس لأحد أن يشرع من بعده. وشيء آخر أحب أن أشير إليه هنا وهو أنهم أسقطوا أذانين!! فحرصهم على الجمع بين الصلاتين دائما جرفهم إلى الاكتفاء في مساجدهم بالأذان ثلاث مرات، وأسقطوا أذان العصر وأذان العشاء. ولا شك أن هذا يخالف ما كان عليه رسول الله ﷺ ، وما أمر به"" فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ... "". وأولى لمن يزعمون أنهم أتباع أهل البيت أن يتبعوا سنة صاحب البيت ﷺ ، لا أن يهدموا البيت لبنة لبنة، أو يغيروا معالمه، فجمعهم الدائم وآذانهم فيهما هدم وتغيير. نسأل الله تعالى أن يهديهم سواء السبيل. ثالثا: المساجد لبيوت الله تعالى أحكامها الخاصة، فهي ليست كغيرها من البيوت. والشيعة الاثنا عشرية يتفقون مع جمهور المسلمين في تعظيم المساجد بصفة عامة، وفى الأحكام الخاصة بها، لكن الغلو والضلال لا يفارقهم، والوضاعون من غلاتهم وزنادقتهم يضعون من الأخبار ما يتفق مع ضلالهم. ونضرب أمثلة لبعض ما نراه من ضلالهم: اتخذ هؤلاء القوم قبور أئمتهم مساجد، ونراهم في الواقع العملي يزورون هذه القبور، ويطوفون حولها، ويصلون خلفها، أي يجعلون القبر قبلتهم. وفى

стр. 971

زيارتهم وطوافهم يدعون بدعاء مخصوص، يعتبرونه مأثورا، فيه تكفير للصحابة الكرام ـ رضي الله تعالى عنهم ولعن أعداءهم، ويخصون خير الناس بعد رسول الله ـ ﷺ ، وهم الشيخان الصديق والفاروق، بمزيد من التكفير واللعن. ومسجد الكوفة أسسه سعد بن أبى وقاص ﵁ فى العام السابع عشر من الهجرة، وأعيد بناؤه بعد ذلك. وفى هذا المسجد محراب أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁ وكرم وجهه، وفيه ضربه بالسيف الشقى اللعين عبد الرحمن بن ملجم (١) . ولهذا يغالون فى هذا المسجد، ويقدمونه على باقي بيوت الله تعالى عدا الحرمين الشريفين فقط، فالصلاة فيه بألف صلاة، أي كالصلاة في مسجد رسول الله ـ ﷺ وأفضل من المسجد الأقصى: أولى القبلتين، وثالث الحرمين. وسيأتي مزيد من الضلال في مروياتهم، ووصفهم لبعض مساجد الكوفة بأنها ملعونة ـ لعنوا بما قالوا. وفى مسجد رسول الله ـ ﷺ ـ بيت على وفاطمة رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما، فيرى هؤلاء القوم الضالون أن الصلاة في بيتهما أفضل من الصلاة في الروضة الشريفة. وننظر في كتاب وسائل الشيعة: في الجزء الثالث نجد عدة أبواب: منها: باب أنه يجوز لزائر الإمام أن يصلى خلف قبره، أو إلى جانبيه ولا يستدبره ولا يساويه ـ (ص ٤٥٤: ٤٥٦) . في الرواية الأولى: أما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة، بل يضع خده الأيمن على القبر. وأما الصلاة فإنها خلفه ويجعله

стр. 972

الإمام، ولا يجوز أن يصلى بين يديه، لأن الإمام لا يتقدم ويصلى عن يمينه وشماله. وفى الرواية الثانية: لا يجوز أن يصلى بين يديه، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، لأن الإمام لا يتقدم عليه ولا يساوى. وقال صاحب الوسائل: الأولى محمولة على الجواز، والثانية على الكراهة. قلت: أي أن المستحب أن يكون القبر قبلة فى الصلاة بركوعها وسجودها، أقرب ما يكون إلى عبادة الأصنام والأوثان!! ومع هذا ففى الرواية السادسة: من صلى خلفه صلاة واحدة يريد بها الله تعالى لقى الله تعالى يوم يلقاه وعليه من النور ما يغشى له كل شيىء يراه. وفى السابعة: يصلى خلفه ولا يتقدم عليه، فهما تأكيد لضلالهم السابق. أما الرواية الثالثة ففيها أن النبى ﷺ ـ قال: لا تتخذوا قبرى قبلة ولا مسجداً، فإن الله لعن اليهود حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. ومثلها الرواية الخامسة. فقال صاحب الوسائل: هذا محمول على الكراهة لما مر، ويحتمل النسخ، ويحتمل أن يريد بالقبلة أن يصلى إليه من جميع الجهات كالكعبة!! قلت: يا هذا كيف أن اللعن يحتمل الكراهة!! وكيف ينسخ؟!! أفبعد أن لعنهم الله رضي عنهم عندما ظهر منهم ـ مثلا ـ عبد الله بن سبأ صاحب فكرة الوصى بعد النبى!! وكيف تكون الصلاة إلى جميع الجهات وهي لا تكون إلا إلى الكعبة؟ !! أي أن المصلى يجعل القبر بينه وبين شطر الكعبة؟! ومن هذه الأبواب باب ما يستحب الصلاة فيه من مساجد الكوفة، وما يكره منها (ص ٥١٩: ٥٢٠) فى الرواية الأولى ينسب كذبا للإمام الباقر أنه قال: إن بالكوفة مساجد ملعونة، ومساجد مباركة ... إلخ

стр. 973

والروايات كلها تدور حول هذه الفكرة الضالة حيث جعلوا مساجد الرافضة مباركة، ومساجد غيرهم ملعونة. لعنوا بما قالوا، بل كلها بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيه اسمه ﵎. أما مسجد الكوفة الذى بناه سعد بن أبى وقاص، وأشرت إليه آنفت فى الحديث عن المساجد فقد خصص له باب يضم ثمانية وعشرين خبرا من مروياتهم، وهو باب تأكد استحباب قصد مسجد الأعظم بالكوفة ولو من بعيد، وإكثار الصلاة فيه فرضاً ونفلاً، واختياره على غيره من المساجد إلا ما استثنى: (ص ٥٢٠: ٥٢٨) ويطول بنا الحديث لو أثبتنا هنا كل هذه الأكاذيب والضلالات، ولذا نكتفى ببعضها: الخبر الأول عن الإمام الباقر أنه قال: مسجد كوفان روضة من رياض الجنة، صلى فيه ألف نبى وسبعون نبياً، وميمنته رحمة، وميسرته مكرمة، فيه عصا موسى، وشجرة يقطين، وخاتم سليمان، ومنه فار التنور وبحرت السفينة، وهي صرة بابل ومجمع الأنبياء. وفى الخبر الثانى: صلى فيه ألف نبى وألف وصى: وفى الخبر الثالث: ما من عبد صالح ولا نبى إلا وقد صلى فى مسجد كوفان، حتى أن رسول الله ـ ﷺ ـ لما أسرى به قال له جبريل: أتدرى أين أنت الساعة يا رسول الله؟ أنت مقابل مسجد كوفان، قال: فاستأذن لي ربى حتى آتيه فأصلى ركعتين. فاستأذن الله فأذن له.. (١) . وإن الصلاة المكتوبة فيه لتعدل بألف صلاة وإن النافلة فيه لتعدل بخمسمائة صلاة..

стр. 974

وفى عدد من الأخبار تأكيد أنه روضة من رياض الجنة، وأن الصلاة فيه بألف صلاة، ومن المعلوم أن هذا ليس إلا لمسجد الرسول ـ ﷺ ـ بعد المسجد الحرام حيث تعدل مائة ألف صلاة، وقبل ثالث الحرمين وأولى القبلتين، المسجد الأقصى، فالصلاة فيه بخمسمائة صلاة. وفى بعض الأخبار أن آدم هو الذى خط هذا المسجد!! وفى بعضها أن النافلة فى هذا المسجد تعدل عمرة مع النبى ﷺ والفريضة تعدل حجة مع النبى ﷺ .. وفى بعضها: حجة مقبولة، وعمرة مقبولة.. وفى بعضها: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ومسجد الكوفة! فوضع الكذابون مسجد الكوفة بدلاً من المسجد الأقصى كما جاء فى الحديث الصحيح المشتهر. وفى بعضها: مكة حرم الله ـ تعالى، وحرم رسوله ﷺ ، وحرم على بن أبى طالب ﵁.. والمدينة حرم الله، وحرم رسوله، وحرم على بن أبى طالب.. والكوفة حرم الله، وحرم رسوله، وحرم على بن أبى طالب.. وفى بعضها أن أمير المؤمنين قال: ياأهل الكوفة، لقد حباكم الله بما لم يحب به أحدا، من فضل مصلاكم، بيت آدم، وبيت نوح، بيت إدريس، ومصلى إبراهيم الخليل، ومصلى أخى الخضر، ومصلأي. وإن مسجدكم هذا لأحد المساجد الأربعة التى اختارها الله لأهلها، وكأنى به قد أتى به يوم القيامة فى ثوبين أبيضين يتشبه بالمحرم ويشفع لأهله ولمن يصلى فيه فلا ترد شفاعته، ولا تذهب الأيام والليالى حتى ينصب الحجر الأسود فيه، وليأتين عليه زمان يكون مصلى المهدى من ولدى، ومصلى كل مؤمن ... إلخ

стр. 975

وبعد: نكتفى بهذا القدر من أكاذيب هؤلاء الغلاة، والخبر الأخير يذكرنا بما فعله القرامطة، وهي فرقة من فرق الشيعة، أو من يسمون أنفسهم بأهل البيت، حيث نزعوا الحجر الأسود من مكانه بالكعبة المشرفة، وحملوه إلى ديارهم، إلى أن أعيد بعد ذلك. ولعل هؤلاء القوم يفكرون فى حمله إلى الكوفة كما فعل أسلافهم من القرامطة! وبعد الباب السابق يأتى " باب استحباب اختيار الإقامة فى مسجد الكوفة والصلاة فيه على السفر إلى زيارة المسجد الأقصى (ص ٥٢٨: ٥٢٩) . ويليه " باب عدم استحباب السفر للصلاة فى شيىء من المساجد إلا المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ومسجد الكوفة (٥٢٩: ٥٣٠) . وفى ص ٥٤٧ من الجزء الثالث نفسه يقع " باب استحباب اختيار الصلاة فى بيت على وفاطمة ﵉، على الصلاة فى الروضة!! ولا حاجة لذكر الأخبار، فالأبواب السابقة يكفى قراءة العنوان لتدرك ضلال هؤلاء القوم. ***** رابعا: السجود على ما ليس بأرض يرى الشيعة عدم جواز السجود على ما ليس بأرض كالجلود والأصواف، ويجيزونه عليها وعلى نباتها غير المأكول والملبوس عادة، عدا الكتان والقطن ففيه خلاف. وهم كذلك يرون أفضلية السجود على التربة الحسينية، ولذا يضعون فى مساجدهم قطعا من هذه التربة معدة للسجود عليها، يضعونها تحت الجبهة، كما يحمل الكثيرون مثل هذه القطع.

стр. 976

وقد خالفهم فى ذلك أصحاب المذاهب الأربعة، حيث أجازوا السجود على ما ليس بأرض ما دام طاهرا، ولكن، كان مالك يكره أن يسجد الرجل على الطنافس وبسط الشعر والثياب والأدم، وكان يقول: لا بأس أن يقوم عليها، ويركع عليها، ويقعد عليها، ولا يسجد عليها، ولا يضع كفيه عليها (١) . ومستند الشيعة فيما ذهبوا إليه روايات عن أئمتهم، مثل ما روى عن الإمام الصادق أنه قال: " لا تسجد إلا على الأرض، أو ما أنبتته الأرض، إلا القطن والكتان " (٢) . وما روى عن هشام بن الحكم أنه قال للإمام الصادق: أخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز. قال: السجود لا يجوز إلا على الأرض أو على ما أنبتت الأرض، إلا ما أكل أو لبس. فقال له: جعلت فداك، ما العلة فى ذلك، قال: لأن السجود خضوع لله ، فلا ينبغى أن يكون على ما يؤكل ويلبس، لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون. والساجد فى سجوده فى عبادة الله ، فلا ينبغى أن يضع جبهته فى سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها (٣) . ولكنا نجد روايات أخرى عن طريقهم تعارض هذا، مثل ما روى عن ياسر الخادم قال: " مربى أبو الحسن وأنا أصلى على الطبرى، وقد ألقيت عليه شيئاً أسجد عليه، فقال لى: مالك لا تسجد عليه، أليس هو من نبات الأرض؟ " (٤) وسئل إمامهم العاشر أبو الحسن الثالث على الهادى: " هل يجوز السجود على الكتان والقطن من غير تقية؟ فقال: جائز " (٥) .

стр. 977

وكتب إليه أحدهم يسأله عن السجود على القطن والكتان من غير تقية ولا ضرورة، فكتب إليه: ذلك جائز (١) . وأمام هذا الاضطراب فى الروايات، حمل بعضهم مثل الروايات الأخيرة على التقية أو الضرورة (٢) ، مع أنها تنفى ذلك، ورأي آخرون الأخذ بها، فأجازوا السجود على القطن والكتان (٣) . ورأينا بعضهم يجيز السجود على الحنطة والشعير (٤) ، وهذا ينافى التعليل السابق فى الرواية الثانية من أن السجود لا ينبغى أن يكون على ما يؤكل ويلبس، لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، فأي شئ أقرب إلى الناس من القطن والكتان، والحنطة والشعير؟ ويعارض ما ذهب إليه الشيعة، ما روى عن طريق السنة من أن النبى ﷺ صلى على بساط، وكان يصلى على الحصير والفروة المدبوغة، وعن أبى الدرداء قال: ما أبالى لو صليت على خمس طنافس، وصلى ابن عباس على طنفسة (٥) . فلم يثبت إذن عن النبي ﷺ أنه لم يجز السجود على ما ليس بأرض، بل ثبت غير ذلك، كصلاته ـ ﵇ ـ على الفروة المدبوغة.

стр. 978

ونجد في القرآن الكريم ما يؤيد ما ذهب إليه السنة، قال تعالى: في سورة النحل (آية ٨٠) : "" وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ "". رأي الشيعة أن فى هذه الآية الكريمة دلالة على جواز اتخاذ الفرش والآلات من جلود الأنعام وأصوافها وأشعارها، وجواز الصلاة عليها إلا ما أخرجه الدليل من عدم جواز السجود على شئ من ذلك، بل إما على الأرض، أو ما ينبت فيها غير مأكول ولا ملبوس (١) . وقد رأينا ألا دليل على عدم جواز السجود على شئ من ذلك، بل ما روى عن الرسول ﷺ يتمشى مع مدلول هذه الآية الكريمة، فلا مناص إذن من رفض رواياتهم عن أئمتهم التى تعارض الكتاب والسنة. وأما تفضيل الشيعة السجود على التربة الحسينية، فيقول فى ذلك أحد أعلامهم: " ولعل السر فى التزام الشيعة الإمامية السجود على التربة الحسينية مضافاً إلى ما ورد فى فضلها من الأخبار، ومضافاً إلى أنها أسلم من حيث النظافة والنزاهة من السجود على سائر الأرض، وما يطرح عليها من الفرش والبوارى والحصر الملوثة، والمملوءة غالباً من الغبار والمكروبات الكامنة فيها، مضافاً إلى كل ذلك، لعل من جملة الأغراض العالية، والمقاصد السامية، أن يتذكر المصلى حين يضع جبهته على تلك التربة تضحية ذلك الإمام نفسه وآل بيته، والصفوة من أصحابه فى سبيل العقيدة والمبدأ، وتحطم هياكل الجور والفساد والظلم والاستبداد. ولما كان السجود أعظم أركان الصلاة، وفى الحديث (أقرب ما يكون العبد إلى ربه حال سجوده) ، فناسب أن يتذكر بوضع جبهته على تلك التربة الزاكية،

стр. 979

أولئك الذين وضعوا أجسامهم عليها ضحايا للحق، وارتفعت أرواحهم إلى الملأ الأعلى، ليخشع ويخضع، ويتلازم الوضع والرفع، ويحتقر هذه الدنيا الزائفة، وزخارفها الزائلة، ولعل هذا هو المقصود من أن السجود عليها يخرق الحجب السبع " (١) . وقد ناقشنا ذلك من قبل في الفصل السابق (٢) وبينا مدى مغالاة الشيعة في نظرتهم إلى التربة الحسينية، وحاولنا تعليل ذلك، فلا مدعاة إذن لتكرار ما ذكر. خامسا: التكلم في الصلاة اتفق الشيعة مع المذاهب الأربعة على منع التكلم فى أثناء الصلاة، ولكنهم اختلفوا فى نقاط ثلاث، فقد أجاز الشيعة تشميت العاطس وأوجبوا رد السلام، وحرموا قول آمين آخر الحمد على خلاف بينهم؛ فالكثرة الغالبة تذهب إلى القول بالتحريم وبطلان الصلاة، وذهب بعضهم إلى الحرمة دون البطلان، وقيل بالكراهية فقط (٣) . أما المذاهب الأربعة فقد منعوا رد السلام، وتشميت العاطس واستحبوا قول آمين، إلا أن الإمام مالكا جعل التأمين للمأموم دون الإمام (٤) .

стр. 980

واستدل الشيعة على وجوب رد السلام بقوله تعالى: "" وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا "" (١) . قال صاحب كنز العرفان: " إذا سلم أحد على المصلى وجب عليه الرد، لإطلاق الأمر بالرد المتبادل لحال الصلاة وغيرها، وليس هو من كلام الآدميين فيدخل تحت النهي، لأن هذه الصيغة وردت فى القرآن " (٢) . واستدلوا كذلك بروايات عن أئمتهم، كرواية عثمان بن عيسى عن الإمام الصادق قال: " سألته عن الرجل يسلم عليه فى الصلاة، قال: يرد بقوله: سلام عليكم، ولا يقول: عليكم السلام، فإن رسول الله ﷺ كان قائما يصلى، فمر به عمار بن ياسر، فسلم عليه، فرد عليه النبى ﷺ وهكذا " (٣) . وعن محمد بن مسلم قال: " دخلت على أبى جعفر ﵇ وهو فى الصلاة، فقلت: السلام عليك. فقال: السلام عليك. قلت: كيف أصبحت؟ فسكت. فلما انصرف قلت له: أيرد السلام وهو فى الصلاة؟ قال: نعم مثل ما قيل له " (٤) . وأجازوا تشميت العاطس، مستندين إلى روايات عن أئمتهم، مثل ما روى عن أبى بصير: " قلت له (أي للإمام الصادق) : أسمع العطسة، فأحمد الله، وأصلى على النبى وأنا فى الصلاة؟ قال نعم ولو كان بينك وبين صاحبك البحر " (٥) .

стр. 981

أما قول آمين فقد اعتبروه من الكلام المنهي عنه فى الصلاة، واحتجوا بما روى عن أئمتهم، كقول الإمام الصادق: " إذا كنت خلف إمام فقرأ الحمد، وفرغ من قراءتها، فقل أنت: الحمد لله رب العالمين، ولا تقل آمين (١) . ونلاحظ فيما سبق أن استدلالهم بالآية الكريمة يصح إذا لم يكن لها ما يخصصها، وأن آراءهم تتعلق بمدى صحة رواياتهم، والأخذ بها، وإلا فلا يمكن أن يكون التأمين كلاما منهيا عنه فى الصلاة، على حين يجوز تشميت العاطس، فالمسألة إذن تتعلق بالأدلة النقلية. ومن المعروف أن التكلم كان مباحا فى الصلاة، ثم نهي المسلمون عنه، فقد ثبت ما يفيد ذلك، كرواية زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم فى الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه فى الصلاة، حتى نزلت (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام ". رواه الجماعة إلا ابن ماجه (٢) . وينطبق هذا على رد السلام، وتشميت العاطس، فقد ثبت النهي عنهما، فعن ابن مسعود قال: " كنا نسلم على النبى ﷺ وهو فى الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشى، سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك فى الصلاة فترد علينا، فقال: " إن فى الصلاة لشغلا " متفق عليه. وفى رواية: " كنا نسلم على النبى ﷺ إذ كنا بمكة قبل أن نأتى أرض الحبشة، فلما قدمنا من أرض الحبشة أتيناه، فسلمنا عليه، فلم يرد، فأخذنى ما قرب وما بعد حتى قضوا الصلاة، فسألته، فقال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإنه

стр. 982

قد أحدث من أمره أن لا نتكلم فى الصلاة " رواه أحمد والنسائى وأبو داود وابن حبان فى صحيحه (١) . وعن معاوية بن الحكم السلمى قال: " بينما أنا أصلى مع رسول الله ﷺ ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرمانى القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه! ما شأنكم تنظرون إلى؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتوننى لكنى سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبى وأمى ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فو الله ما كهرنى، ولا ضربنى، ولا شتمنى، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيىء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ". رواه أحمد ومسلم والنسائى وأبو داود، وأخرجه أيضا ابن حبان والبيهقى (٢) . ومن الواضح أن روايات الشيعة حتى إذا صحت لا يؤخذ بها، فالأحاديث التى وردت عن طريق أهل السنة قد بينت أن ذلك كان مباحا ثم نهي عنه رسول الله ﷺ (٣) . وأما التأمين فقد وردت عن طريق السنة عدة روايات تدل على مشروعيته، فعن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ". وقال ابن شهاب: " كان رسول الله ﷺ يقول آمين ". رواه الجماعة إلا أن الترمذى لم يذكر قول ابن شهاب، وفى رواية " إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول آمين، وإن الإمام يقول آمين، فمن وافق

стр. 983

تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " رواه أحمد والنسائى. وعن وائل بن حجر قال: " سمعت النبى ﷺ قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال: آمين يمد بها صوته ". رواه أحمد وأبو داود والترمذى، وأخرجه أيضا الدارقطنى وابن حبان، إلى غير ذلك من الروايات التى تدل على مشرعية التأمين (١) . فالكلمة تدل على الدعاء، وليست كلاما خارجا عن الصلاة، ويؤيد مشروعيتها ما ورد عن طريق الشيعة من أن الإمام الصادق سئل عن قول الناس فى الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب " آمين " قال: ما أحسنها؟ واخفض بها الصوت (٢) . وقد حمل بعضهم هذه الرواية على التقية، وهذا بعيد، فلو كان القول تقية فلم خفض الصوت؟ فالأولى إذن إسقاط الروايات التى تنهي عن التأمين، بدلا من إسقاط هذه الرواية، أو حملها على التقية، فالأحاديث التى تدل على مشروعيته كثيرة، ووردت من طرق صحيحة مختلفة، ولا جدال أن الدعاء مشروع فى الصلاة، وكونها اسم فعل وليست بفعل لا يخرجها عن قصد الدعاء، وهذا هو السيد محسن

стр. 984

الحكيم يعقب على قول المحتجين للمنع بأنها ليست دعاء وإنما هي اسم للدعاء بقوله (١) : " لو سلم ذلك لم تخرج عن كونها دعاء، لأن أسماء الأفعال حاكية عن نفس الأفعال بما هي حاكية عن معانيها ". ثم يقول: " فآمين إذا كان اسماً لـ " استجب " كان دعاء مثله، ولا يكون بذلك من كلام الآدميين. نعم كونه من الدعاء الجدى، موقوفاً عن فرض دعاء، ليطلب استجابته، وإلا كان لقلقة لسان، ويخرج بذلك عن كونه مناجاة لله تعالى، ومكالمة له سبحانه ". سادسا: صلاة الجمعة يشترط الشيعة لصلاة الجمعة ألا يقل العدد عن خمسة، وقيل سبعة. وهذا خلاف يسير، فإذا كان العدد كذلك فالصلاة صحيحة على مذهبهم ومذهب الحنفية، وإذا كان أقل من ذلك فلا جمعة لهم فى رأي الشيعة والمالكية والشافعية والحنابلة (٢) ، فهم إذن لا ينفردون بقول فى كلتا الحالتين. أما الخلاف الأكبر هنا فهو أنهم يشترطون السلطان العادل أو نائبه، (٣) ويقصدون بالسلطان العادل النبى ﵊، أو أحد أئمتهم الذين

стр. 985

يقولون بعصمتهم (١) ، ويشترطون فى النائب أن يكون مؤمنا، قالوا: " والإيمان إنما يتحقق بالاعتراف بإمامة الأئمة الاثنى عشر ﵈، إلا من مات فى عهد أحدهم، فلا يشترط في إيمانه إلا معرفة إمام زمانه ومن قبله " (٢) . وبعضهم يرى أن هذا شرط فى ماهية الجمعة ومشروعيتها، والكثيرون منهم يرونه شرطاً فى وجوبها، وآخرون ينكرون اشتراط هذا الشرط من أصله (٣) . وفى زمن غيبة إمامهم الثانى عشر ـ كما يعتقدون ـ اختلفوا حول هذا الشرط اختلافا بلغ إلى أربعة أقوال: (٤) الأول: أنها واجبة عينا. الثانى: أنها حرام. الثالث: أنها واجبة تخييراً (٥) مع الفقيه الجامع لشرائط الافتاء. الرابع: أنها واجبة كذلك، لكن لا يشترط فى إمامها إلا شروط إمام الجماعة. وكان من الممكن أن نترك الشيعة الرافضة وما اشترطوا، لأنا لا نعدم أن نجد من يوافق أهل السنة، وكان من الممكن أيضاً لوانحصر فى زمن الأئمة أن نبين خطأ هذا الشرط، ونمر مرورا سريعاً، حيث ينتفى ضرره الآن، ولكن الواقع المؤلم هو أن شيعة اليوم لا يصلون الجمعة إلا قليلا منهم، مثال ذلك ما أخبرنا به السيد كاظم الكفائى فى حديثه قال: " فى العراق الآن الشيعة لا يصلون الجمعة إلا الشيخ الخالصى فى المسجد الصفوى فى الصحن الكاظمى " (٦) .
следующие страницы →