أما قول آمين فقد اعتبروه من الكلام المنهي عنه فى الصلاة، واحتجوا بما روى عن أئمتهم، كقول الإمام الصادق: " إذا كنت خلف إمام فقرأ الحمد، وفرغ من قراءتها، فقل أنت: الحمد لله رب العالمين، ولا تقل آمين (١) .
ونلاحظ فيما سبق أن استدلالهم بالآية الكريمة يصح إذا لم يكن لها ما يخصصها، وأن آراءهم تتعلق بمدى صحة رواياتهم، والأخذ بها، وإلا فلا يمكن أن يكون التأمين كلاما منهيا عنه فى الصلاة، على حين يجوز تشميت العاطس، فالمسألة إذن تتعلق بالأدلة النقلية.
ومن المعروف أن التكلم كان مباحا فى الصلاة، ثم نهي المسلمون عنه، فقد ثبت ما يفيد ذلك، كرواية زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم فى الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه فى الصلاة، حتى نزلت (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام ". رواه الجماعة إلا ابن ماجه (٢) .
وينطبق هذا على رد السلام، وتشميت العاطس، فقد ثبت النهي عنهما، فعن ابن مسعود قال: " كنا نسلم على النبى ﷺ وهو فى الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشى، سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك فى الصلاة فترد علينا، فقال: " إن فى الصلاة لشغلا " متفق عليه. وفى رواية: " كنا نسلم على النبى ﷺ إذ كنا بمكة قبل أن نأتى أرض الحبشة، فلما قدمنا من أرض الحبشة أتيناه، فسلمنا عليه، فلم يرد، فأخذنى ما قرب وما بعد حتى قضوا الصلاة، فسألته، فقال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإنه
стр. 982
قد أحدث من أمره أن لا نتكلم فى الصلاة " رواه أحمد والنسائى وأبو داود وابن حبان فى صحيحه (١) .
وعن معاوية بن الحكم السلمى قال: " بينما أنا أصلى مع رسول الله ﷺ ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرمانى القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه! ما شأنكم تنظرون إلى؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتوننى لكنى سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبى وأمى ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فو الله ما كهرنى، ولا ضربنى، ولا شتمنى، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيىء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ". رواه أحمد ومسلم والنسائى وأبو داود، وأخرجه أيضا ابن حبان والبيهقى (٢) .
ومن الواضح أن روايات الشيعة حتى إذا صحت لا يؤخذ بها، فالأحاديث التى وردت عن طريق أهل السنة قد بينت أن ذلك كان مباحا ثم نهي عنه رسول الله ﷺ (٣) .
وأما التأمين فقد وردت عن طريق السنة عدة روايات تدل على مشروعيته، فعن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ". وقال ابن شهاب: " كان رسول الله ﷺ يقول آمين ". رواه الجماعة إلا أن الترمذى لم يذكر قول ابن شهاب، وفى رواية " إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول آمين، وإن الإمام يقول آمين، فمن وافق
стр. 983
تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " رواه أحمد والنسائى.
وعن وائل بن حجر قال: " سمعت النبى ﷺ قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال: آمين يمد بها صوته ". رواه أحمد وأبو داود والترمذى، وأخرجه أيضا الدارقطنى وابن حبان، إلى غير ذلك من الروايات التى تدل على مشرعية التأمين (١) .
فالكلمة تدل على الدعاء، وليست كلاما خارجا عن الصلاة، ويؤيد مشروعيتها ما ورد عن طريق الشيعة من أن الإمام الصادق سئل عن قول الناس فى الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب " آمين " قال: ما أحسنها؟ واخفض بها الصوت (٢) .
وقد حمل بعضهم هذه الرواية على التقية، وهذا بعيد، فلو كان القول تقية فلم خفض الصوت؟
فالأولى إذن إسقاط الروايات التى تنهي عن التأمين، بدلا من إسقاط هذه الرواية، أو حملها على التقية، فالأحاديث التى تدل على مشروعيته كثيرة، ووردت من طرق صحيحة مختلفة، ولا جدال أن الدعاء مشروع فى الصلاة، وكونها اسم فعل وليست بفعل لا يخرجها عن قصد الدعاء، وهذا هو السيد محسن
стр. 984
الحكيم يعقب على قول المحتجين للمنع بأنها ليست دعاء وإنما هي اسم للدعاء بقوله (١) : " لو سلم ذلك لم تخرج عن كونها دعاء، لأن أسماء الأفعال حاكية عن نفس الأفعال بما هي حاكية عن معانيها ".
ثم يقول: " فآمين إذا كان اسماً لـ " استجب " كان دعاء مثله، ولا يكون بذلك من كلام الآدميين. نعم كونه من الدعاء الجدى، موقوفاً عن فرض دعاء، ليطلب استجابته، وإلا كان لقلقة لسان، ويخرج بذلك عن كونه مناجاة لله تعالى، ومكالمة له سبحانه ".
سادسا: صلاة الجمعة
يشترط الشيعة لصلاة الجمعة ألا يقل العدد عن خمسة، وقيل سبعة.
وهذا خلاف يسير، فإذا كان العدد كذلك فالصلاة صحيحة على مذهبهم ومذهب الحنفية، وإذا كان أقل من ذلك فلا جمعة لهم فى رأي الشيعة والمالكية والشافعية والحنابلة (٢) ، فهم إذن لا ينفردون بقول فى كلتا الحالتين.
أما الخلاف الأكبر هنا فهو أنهم يشترطون السلطان العادل أو نائبه، (٣) ويقصدون بالسلطان العادل النبى ﵊، أو أحد أئمتهم الذين
стр. 985
يقولون بعصمتهم (١) ، ويشترطون فى النائب أن يكون مؤمنا، قالوا: " والإيمان إنما يتحقق بالاعتراف بإمامة الأئمة الاثنى عشر ﵈، إلا من مات فى عهد أحدهم، فلا يشترط في إيمانه إلا معرفة إمام زمانه ومن قبله " (٢) .
وبعضهم يرى أن هذا شرط فى ماهية الجمعة ومشروعيتها، والكثيرون منهم يرونه شرطاً فى وجوبها، وآخرون ينكرون اشتراط هذا الشرط من أصله (٣) .
وفى زمن غيبة إمامهم الثانى عشر ـ كما يعتقدون ـ اختلفوا حول هذا الشرط اختلافا بلغ إلى أربعة أقوال: (٤)
الأول: أنها واجبة عينا.
الثانى: أنها حرام.
الثالث: أنها واجبة تخييراً (٥) مع الفقيه الجامع لشرائط الافتاء.
الرابع: أنها واجبة كذلك، لكن لا يشترط فى إمامها إلا شروط إمام الجماعة.
وكان من الممكن أن نترك الشيعة الرافضة وما اشترطوا، لأنا لا نعدم أن نجد من يوافق أهل السنة، وكان من الممكن أيضاً لوانحصر فى زمن الأئمة أن نبين خطأ هذا الشرط، ونمر مرورا سريعاً، حيث ينتفى ضرره الآن، ولكن الواقع المؤلم هو أن شيعة اليوم لا يصلون الجمعة إلا قليلا منهم، مثال ذلك ما أخبرنا به السيد كاظم الكفائى فى حديثه قال: " فى العراق الآن الشيعة لا يصلون الجمعة إلا الشيخ الخالصى فى المسجد الصفوى فى الصحن الكاظمى " (٦) .
стр. 986
فهذا موضوع جد خطير، لذا رأيت أن أبحث عن الدوافع التى دفعتهم إلى ترك فريضة من فرائض الله، وأن أناقش أدلتهم.
وأحب هنا أن أوضح موقف الحنفية، فهم وحدهم ـ من المذاهب الأربعة ـ الذين اشترطوا السلطان عادلاً كان أم جائراً (١) .
استدل الحنفية بحديث جابر ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال " أيها الناس، توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وتقربوا إلى الله بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وتحببوا إلى الله بالصدقة فى السر والعلانية تجبروا وتنصروا وترزقوا، واعلموا أن الله تعالى كتب عليكم الجمعة فى يومى هذا، فى شهرى هذا، فى مقامى هذا، فمن تركها تهاوناً بها، واستخفافاً بحقها، وله إمام جائر أو عادل، فلا جمع الله شمله، ألا فلا صلاة له، ألا فلا صوم له، إلا أن توب، فإن تاب تاب الله عليه " (٢) .
وقالوا أيضاً: جاء فى الأثر: أربع إلى الولاة منها الجمعة، لأن الناس يتركون الجماعات لإقامة الجمعة، ولو لم يشترط فيها السلطان أدى إلى الفتنة، لأنه يسبق بعض الناس إلى الجامع، فيقيمونها لغرض لهم، وتفوت على غيرهم، وفيه من الفتنة ما لا يخفى، فيجعل مفوضاً إلى الإمام الذى فوض إليه أحوال الناس والعدل بينهم، لأنه أقرب إلى تسكين الفتنة (٣) .
стр. 987
ومعنى هذا أن الحنفية خافوا الفتنة عند ما لا يجتمع الناس على رأي، يسىء بعضهم إلى بعض، فاشترطوا إذن السلطان كائناً من كان، ولهذا قالوا: إذا صلى رجل الجمعة بالناس بغير إذن الإمام، أو خليفته، أو صاحب الشرط، أو القاضى، لم يجزئهم. وقالوا أيضاً: لو مات من يصلى الجمعة بالناس فاجتمعوا على رجل فصلى بهم الجمعة أجزأهم، لأن عثمان رحمه الله تعالى لما حصر اجتمع الناس على علي ﵁، فصلى بهم الجمعة، ولأن الخليفة إنما أمر بذلك نظراً منه لهم، فإذا نظروا لأنفسهم، واتفقوا عليه، كان ذلك بمنزلة أمر الخليفة إياه (١) .
فالحنفية، وإن كانوا قد خالفوا باقى المذاهب الأربعة، غير أنهم لا يسقطون الجمعة إلا حين تخشى الفتنة، ولذا أجازوا الإذن حتى من صاحب الشرط، وأسقطوا هذا الشرط عند تعذره، واجتماع الناس على رجل يصلى بهم، وبهذا يتبين لنا أن الحنفية ما كانوا ليسقطوا فرضا من فرائض الله، فلننظر بعد ذلك فيما ذهب إليه الشيعة الاثنا عشرية.
إن اشتراطهم الإمام أو نائبه فى زمن الحضور مستند أساساً إلى إجماعهم، فهم يرون أن هذا للإمام كحقه فى الخلافة، ولذا يروون " الجمعة والحكومة لإمام المسلمين " (٢) فكما أنهم ينظرون إلى من تولى الحكم من غير المعصومين ـ فى اعتقادهم ـ نظرة من اغتصب حق الأئمة، فكذلك الجمعة، وهذا هو الذى دفعهم إلى هذا الاشتراط، حتى أن بعضهم رأي إسقاط الجمعة فى زمن الغيبة تحرزاً عن غصب منصب الإمام (٣) .
стр. 988
ولقد ناقشنا من قبل إجماعهم، وبينا عدم جدواه (١) . ثم إن هذا الإجماع محل نظر، حيث إن الشيعة أنفسهم منهم من لم يشترط هذا الشرط كما ذكرنا، وهو كذلك معارض بإجماع باقى المسلمين كافة، وهذا الموقف يعيد إلى الأذهان المأساة من جديد، فهم ينظرون إلى الخلفاء الراشدين الثلاثة: أبى بكر وعمر وعثمان ـ رضي الله تعالى عنهم ـ على أنهم اغتصبوا الجمعة فيما اغتصبوا، ويرون أن الجمعة ليست واجبة على المسلمين فى زمنهم، لأنها ليست بإذن من الإمام المعصوم، فخير جيل بعد الرسول الكريم لم يكن ـ بناء على هذا الرأي الضال ـ يعرف أحكام دينه، حتى أنه فرض على نفسه فرضاً لم تفرضه الشريعة، وصلى الجمعة بإذن من غير المعصوم.
وإذا كان هؤلاء الأكرمون لا يعرفون فمن ذا الذى يعرف من بعدهم؟ فياله من افتئات! ويالها من مأساة!
وإذا كان الرافضة قد ارتكنوا إلى الإجماع فيما ذهبوا إليه سابقاً، فإن الخلاف قد ظهر بينهم فى زمن الغيبة حيث افتقدوا هذا السند الذى يسلمون به تسليمهم بالقرآن الكريم، بل إنهم يرون أن هذا الكتاب المجيد قرآن صامت، وأن الإمام ـ حجة الإجماع عندهم ـ قرآن ناطق. ولذا قال بعضهم: " لولا دعوى الأصحاب الإجماع على عدم الوجوب علينا لكان القول به فى غاية القوة " (٢) .
وهم فى خلافهم هنا يصلون إلى مرتبة لم نرها من قبل، حيث يؤدى بهم الخلاف إلى أن يصم بعضهم بعضا بالقصور والغرور، والجهل والغفلة، أو التجاهل والتغافل (٣) .
стр. 989
والقائلون بالوجوب عينا فى زمن الغيبة عدد كبير، لهم مكانتهم عند الشيعة، منهم مثلا: الشيخ الصدوق صاحب كتاب " من لا يحضره الفقيه " أحد كتب الحديث الأربعة، وشيخ الطائفة فى زمانه الإمام الطوسى، صاحب كتابين من تلك الكتب، هما " التهذيب والاستبصار " والحر العاملى مؤلف كتاب " وسائل الشيعة "، وغيرهم كثير حتى أن بعضهم نسب هذا القول إلى أكثر المتقدمين (١) . بل إننا إذا نظرنا في أدلة الشيعة القائلين بعدم اشتراط الإمام المعصوم أصلاً نجدهم يحتجون فيما يحتجون بأقوال الأئمة، فهم يقولون (٢) ، بأن الأصل والظاهر فيما ثبت وجوبه عينا عمومه لكافة المكلفين فى جميع الأزمان والأصقاع، إلا أن يدل دليل على التخصيص أو النسخ، وقد ثبت وجوب عقد الجمعة والاجتماع إليها عيناً بالإجماع والنصوص من الكتاب والسنة، ولم يعذر فيها سوى غير المكلفين والمرأة والمسافر وغيرهم ممن ذكروه فى الأخبار، ولم يذكر فيها ولا فى غيرها معذورية من لم يكن عنده الإمام أو من نصبه، وهي لإطلاقها إذن من الشارع فى فعلها، إيجاب لها على كل مكلف كان عنده الإمام أو منصوبه أو لم يكن، فلا حاجة إلى إذنه لواحد أو جماعة بخصوصهم، ونصبه لهم لخصوص الجمعة كسائر العبادات إلى أن يقوم دليل على امتيازها من سائر العبادات بافتقارها إلى هذا الإذن.
أما الكتاب فقوله تعالى: "" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ "".
وأما السنة (٣) فمنها ما روى عن الإمام أبى جعفر الباقر: تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين، ولا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين أحدهم الإمام،
стр. 990
فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمهم بعضهم وخطبهم، وقوله: من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات طبع الله على قلبه.
وعن عبد الملك عن أبى جعفر قال: مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله تعالى. قال: كيف أصنع؟ قال: صلوا جماعة. يعنى صلاة الجمعة.
وعن الإمام الصادق قال: يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة إلى أن قال: والجمعة واجبة على كل أحد. وقال زرارة: حثنا أبو عبد الله على صلاة الجمعة حتى ظننت أنه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك فقال: لا. إنما عنيت عندكم.
وروى عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله تعالى قد فرض عليكم الجمعة، فمن تركها في حياتي أو بعد موتى استخفافاً بها. أو جحوداً فلا جمع الله شمله ".
وهذه الأدلة كما نرى صريحة الدلالة في وجوب الجمعة دون اشتراط الإمام المعصوم، ولكن القائلين بالمنع يردونها بأنها تنصرف إلى الجمعة الصحيحة بشرائطها، ولا تصح الجمعة بدون إذن الإمام أو نائبه، واستدلوا على ذلك بالسنة والعقل (١) .
أما السنة فرووا عن النبي ﷺ أنه قال: " اعلموا أن الله تعالى قد افترض عليكم فرض الجمعة، فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي، وله إمام عادل استخفافاً بها أو جحوداً لها، فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا بركة له حتى يتوب ". وقال " أربع للولاة: الفىء والحدود والجمعة والصدقات ". وقال كذلك: " الجمعة والحكومة لإمام المسلمين ". وقالوا بأن النبى ﷺ كان يعين لإمامة الجمعة كما يعين للقضاء، فكما لا يصح أن ينصب الإنسان نفسه قاضيا من دون إذن الإمام، فكذلك إمامة الجمعة.
стр. 991
ومما رووه عن أئمتهم أن الإمام الصادق سئل عن الصلاة يوم الجمعة فقال: أما مع الإمام فركعتان، وأما لمن صلى وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر، يعنى إذا كان إمام يخطب فإن لم يكن إمام يخطب فهي أربع ركعات وإن صلوا جماعة. وقال الإمام أبو جعفر: صلاة الجمعة فريضة، والاجتماع إليها فريضة مع الإمام. ورووا عن الإمام على ﵁ أنه قال: " لا جمعة إلا فى مصر يقام فيه الحد " قال بعضهم: " ومن المعلوم أن المصر الذى يقام فيه الحد هو مصر الإمام أو نائبه، فيكون هذا التعبير كناية عن لزوم كونها مع الإمام أو نائبه " (١) .
وأما الاستدلال بالعقل ففى قولهم: أن اشتراط عدل الإمام فلأن الاجتماع مظنة النزاع ومثار الفتن، فيجب أن يكون هناك حاكم عادل غير محتاج إلى مسدد، يرتدع بوجوده غيره، ويكون وجوده حاسماً لمادة النزاع، وقاطعاً لمثار الفتن.
وهذه الأدلة لا تصل بهم إلى ما يريدون، فالحديث الأول روى عن طريقهم دون ذكر للإمام، وعن طريق أهل السنة وفيه. " وله إمام جائر أو عادل " وهو ما استدل به الحنفية كما ذكرنا من قبل. وهذا الحديث الشريف فيه من التهديد والوعيد ما يثير النفوس المؤمنة الزاكية. والحديثان الآخران لو صحا يدلان على أن الحكام عامة ينظمون إقامة الجمع فيما ينظمون، وليس معنى هذا أنهم محصورون فى الأئمة الاثنى عشر، وإنما هو يعنى حكام المسلمين إلى يوم القيامة، وكذلك ما روى من فعله ﵊. على أن ذلك لو سلمنا بصحته لكان دليلا على جواز ما وقع لا على تحريم غيره، كالحج يتولاه أئمة
стр. 992
المسلمين وليس بشرط فيه (١) . وفرق بين إمام الجمعة الذى يصلى بالناس، وبين القاضى الذى يحتاج إلى سلطة مستمدة من الإمام لتنفيذ أحكامه.
وأما روايات الأئمة فإنها لا تزيد عن اشتراط الإمام الذى يخطب الناس يوم الجمعة، والأول نص على ذلك، وتفسير رواية الإمام على تحملها فوق ما تحتمل، ثم إنهم لا يشترطون للجمعة المصر، ولذا رفضوا الأخذ بهذه الرواية، وحملوها على التقية (٢) .
هذه الروايات إذن لا تنهض دليلاً على ما يزعمون، ولذا قال مؤلف " الروضة البهية " الذى تحدثنا عنه فى المقدة بأن إطلاق القرآن الكريم بالحث العظيم المؤكد بوجوه كثيرة، يضاف إليه النصوص المتضافرة على وجوب الجمعة بغير الشرط المذكور، بل فى بعضها ما يدل على عدمه (٣) .
واستدلالهم بالعقل لا يعنى وجوب الإمام المعصوم، بل إن أبا الأئمة نفسه لم يستطع أن يحسم مادة النزاع بين المسلمين، ويقطع ثائرة الفتنة، فكيف بمن جاءوا بعده ولا حول لهم ولا قوة؟ وهم لا يشترطون ذلك فى الحج، فأيهما أكثر مظنة للنزاع ومثاراً للفتن: اجتماع العدد القليل فى الجمعة، أم الجم الغفير فى موسم الحج؟ ثم إن هذا مبنى على الظن، وإن الظن لا يغنى عن الحق شيئا، ولا يقف دليلاً أمام نصوص القرآن الكريم، ولا الأحاديث الشريفة.
وقد ورد عن طريق أهل السنة أحاديث كثيرة (٤) ، منها أن النبى ﷺ قال: " الجمعة على من سمع النداء "، وقال: " رواح الجمعة واجب على كل محتلم "، وقال أيضاً: " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد
стр. 993
مملوك، أو امرأة، أو صبى، أو مريض " وغير ذلك من الأحاديث الشريفة التى تؤيد روايات الشيعة القائلين بوجوبها، دون اشتراط الإمام، فالقرآن الكريم والسنة الشريفة صريحان بإيجاب الجمعة دون هذا الشرط، بل إن روايات الأئمة تصرح بذلك كما ذكر من قبل، ولم ينقل أحد عن الأئمة أنهم كانوا ينصبون للناس إماماً للجمعة بالخصوص (١) . فالشيعة الذين أسقطوا الجمعة قد خالفوا كتاب الله، وسنة رسوله.
وقد أثار ذلك الشيخ الخالصى الذى انفرد بإقامتها (٢) دون سائر شيعة العراق، فألف كتاباً أسماه " الجمعة " ليثبت أنها واجبة عيناً فى جميع الأزمنة، وقد استطاع أن يثبت ذلك بما لا يدع لأي شيعى مجالاً للتردد فى إقامتها، إن كان يريد أن يطيع الله ورسوله.
ذكر قول الله تعالى فى سورة الجمعة: "" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ "".
وقال: اشتملت هذه الآيات على ضروب من التأكيدات، ووجوه من الدلالات، جعلتها نصاً على الوجوب التعيينى فى جميع الأزمنة (٣) . وأخذ يبين هذه التأكيدات والدلالات، ومما ذكره أن:
" الأحكام الواردة بعد الخطابات العامة فى القرآن كلها تشمل جميع المكلفين، وقد أوضحت ذلك السنة بقولها (حلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم
стр. 994
القيامة) ومن جملتها حكم صلاة الجمعة. فما الذى خصصه بزمان النبى والأئمة ﵈، وأي شيىء أسقطه عمن كان فى زمن الغيبة؟ وما الذى استثناه من سائر الأحكام الخطابية حتى شملت المعدومين دونه؟
ومن جملة ضروب التأكيد توحيد الخطاب بالنداء إلى الذين آمنوا، إيماء إلى أن صلاة الجمعة من لوازم الإيمان، وإلا لم يبق فرق بين قوله: "" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا "" وقوله: "" يَا أَيُّهَا النَّاسُ "" والذين آمنوا لفظ يشمل جميع المؤمنين، إذ ليس الخطاب بمقصود كأمر، فما الذى أسقطها عن مؤمنى زمان الغيبة؟
ولو كان لها بدل فى زمان لما كان فعلها من لوازم الإيمان، إذ تركها حينئذ إلى بدل يكون جائزاً للمؤمنين.
ومن جملتها " إذا " لفظ عام، وهو يدل على تحقق الجزاء عند تحقق الشرط، فالأمر بالسعى حاصل كلما تحقق النداء، فما الذى سوغ لأهل زمان الغيبة عدم امتثال أمر الله عند النداء؟
ومنها أن لفظ (نودى) فعل مبنى للمفعول، وترك فيه الفاعل ليدل على وجوب السعى عند أي مناد من غير اعتبار شرط فيه من عصمة أو غيرها، لأن حذف المتعلق دليل العموم كما تقرر فى البيان والأصول، ولو كان إذن الإمام شرطا لما كان بحذف المتعلق وجه.
ومنها أن لفظ الصلاة عام، وذكرها تأكيدا لبيان اشتمال صلاة الجمعة على كل ما اشتملت عليه الصلاة من المصالح التى ذكرت لها: كالنهي عن الفحشاء والمنكر، وغير ذلك.
إن وجوبها متعين على المكلفين بدون شرط إذن الامام كما هو كذلك فى ساير الصلوات، لأنها صلاة مثلها، فكيف أبيح تركها لأهل زمان الغيبة ولو إلى بدل؟ أو جعلت حراماً عليهم مع أنها صلاة بنص الكتاب؟
""
стр. 995
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهي عَبْدًا إِذَا صَلَّى "" (١) .
واستمر فى ذكر مثل هذه الدلالات ثم قال:
وعلى كل حال فكيف يناسب هذا الاهتمام الشديد فى الكتاب المجيد سقوط الجمعة عن المسلمين فى زمان الغيبة، بل بعد خلافة الحسن بن على ﵉، لأن الأئمة كانوا ممنوعين عن إقامتها، فلم تكن واجبة إلا عشر سنين زمن النبى، وأربع سنين زمن خلافة على والحسن ﵉ (٢) .
ولو قلنا إن الآيات تدل على الوجوب التعيينى المطلق فى كل زمان، والخبر الدال على سقوطه عن أهل زمان الغيبة، مخصص لها، فالأمر يكون أشكل، لأن ذلك يكون من باب النسخ، والقول بنسخ الكتاب بالخبر الواحد، ولا سيما غير النبوى، جرأة على الله ورسوله، والمدعى دلالته من الأخبار على السقوط ليس من الأخبار النبوية.
على أن هذا مناف لكون حلال محمد حلالاً إلى يوم القيامة، وحرامه حراماً إلى يوم القيامة، ومستلزم لنزول الوحي على المهدى، لأنهم متفقون على وجود صلاة الجمعة زمانه، ولا دليل عليه، إذ الآيات مخصصة بزمان الغيبة، فلا يعود الحكم بغير الوحي، والقول بذلك ينافى الإيمان، فلا يتم القول بالسقوط إلا بادعاء شرطية الإذن للوجوب أو الصحة، وهو مخالف لنص الكتاب.
فنحن فى غنى عن مراجعة الأخبار والبحث فى سندها ودلالتها، بعد قيام الحجة علينا فى وجوبها علينا بكتاب الله، ونحن ندينه ونتقرب إليه بإقامتها، ونسأله التوفيق لذلك، ولكل ما يرضيه عنا، وإنه أرحم الراحمين.
هذا على سبيل التنزل، وفرض أن يكون فى الأحاديث ما يدل على السقوط عن أهل زمان الغيبة، وهذا الفرض مخالف للواقع، إذ السنة نطقت بما نطق به
стр. 996
الكتاب، ونصت على ما نص عليه، وليس فى الأحاديث ما يدل على شرطية الإمام أو إذنه، أو الحرمة أو التخيير فى زمن الغيبة، وقد تواترت الأحاديث بوجوبها التعيينى على كل مكلف، سواء فى زمن الغيبة أو الحضور (١) .
وهذا بعض ما أورده الشيخ الخالصى فى كتابه (٢) .
ومن قبله آخرون ارتأوا هذا الرأي، واستدلوا عليه، منهم الشيخ ملا محسن المعروف بالفيض الكاشانى، ألف كتابا أسماه " الشهاب الثاقب فى تحقيق صلاة الجمعة ووجوبها العينى ".
قال فى مقدمة كتابه: " هذه رسالة فى رفع الشبهة التى وقعت لبعض متأخرى أصحابنا فى حتمية وجوب صلاة الجمعة فى زمان الغيبة ابتغيت بتأليفها وجه الله سبحانه لما رأيت أنه قد ابتلى بالبلية أهل الإيمان فى هذا الزمان، وخذلهم بحده وعداوته الشيطان، حتى هدمت أعظم قواعد الدين بالشبهة لا بالبرهان، وحرمت أهم العبادات بالجهل والخذلان " (٣) .
وقال كذلك: " إن جميع علماء الإسلام طبقة بعد طبقة قاطعون بأن النبى ﷺ استمر يفعلها على الوجوب العينى طول حياته المقدسة، وأن النسخ لا يكون بعده ﷺ .
ولم يذهب إلى اشتراط وجوبها بشرط يوجب سقوطها فى بعض الأزمان، إلا رجل واحد أو رجلان من متأخرى فقهائنا الذين هم أصحاب الرأي والاجتهاد،
стр. 997
دون القدماء الذين لا يتجاوزون مدلول ألفاظ الكتاب والسنة، وأخبار أهل البيت صلوات الله عليهم فإنه لا خلاف بينهم فى وجوبها الحتمى " (١) .
ثم استدل بعد ذلك بكلام الله تعالى، وبالأحاديث المروية عن النبى ﷺ ، وبكلام الأئمة، وبالإجماع وبالوجوه العقلية.
والسيد هبة الدين الحسينى، المعروف بآية الله الشهرستانى، فى كتيبه " وجوب صلاة الجمعة " استدل على هذا الوجوب، وذكر أسماء سبعة وأربعين من فقهاء الإمامية القائلين بالوجوب (٢) .
وفى كل هذا غنى وكفاية، فما الذى دعا معظم شيعة اليوم إلى ترك هذه الفريضة؟ وما الذى يخشونه لو استجابوا لنداء الله تعالى، ولم يضيعوا الجمعة التى تعد عيداً إسلامياً باعترافهم (٣) .
ولمَ لم يقيموها حتى فى مناطق تجمعهم؟ أرى أنهم فى ذلك على ضربين: ففريق منهم رأوا أنهم إن صلوا الجمعة قاموا مقام الإمام المعصوم، وأخذوا منصبه من غير إذنه، وجعلوا إمامهم من اغتصب هذا المنصب (٤) .
وهؤلاء فيما يظنونه خاصاً بالإمام يتعصبون تعصباً جاهلاً كل الجهل، ولهذا رأينا بعضهم يضع الجمعة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويعتبر الجمعة منكراً (٥) .
стр. 998
والفريق الآخر: نظر إلى الجمعة نظرة دنيوية لا دينية، فقد نقل أحد علمائهم المعاصرين (١) عن صاحب الجواهر قوله: قيل " إن بعضهم كان يبالغ فى حرمتها ـ أي الجمعة ـ حال قصور يده، ولما ظهرت له كلمة بالغ فى وجوبها، ولولا خوف الملل لنقلنا أكثر كلماتهم فى هذه الوسائل، وأوقفنا على ما فيها من الفضائح والغرائب ".
وعقب على ذلك بقوله: " ولا أدرى ماذا كان يسجل صاحب الجواهر لو رأي قضاة الشرع اليوم، الذين أعرضوا عن كتاب الله، وسنة نبيه، وإجماع العلماء والعقل والحياء، واتخذوا من شهواتهم وأهوائهم مقياسا للدين والشرعية، واستعاضوا عن مصادرها بالرشوات، وإغراء السيدات من ربات الحاجات، وبالشفاعات والوساطات، ووجاهة الوجهاء وأبناء الدنيا ". ا. هـ.
وقد أردت من ذكر هذا قبيل توضيح الرأي أن أبين أن هذا الفريق يحكم الهوى والمصلحة الدنيوية، غير عابئ بأحكام الشرع المقدسة، ولهذا نظروا إلى " الخمس " (٢) الذى يأخذ أئمة المساجد منه الآن النصيب الأوفى، ورأوا أنهم لو أقاموا الجمعة فسيقيمها في كل بلدة إمام واحد لاشتراط المسافة، وضرورة التجمع، ومعنى ذلك أن الأخماس ستنهال عليه دون الآخرين، فقنع كل بإقامة الظهر فى مسجده، واستغنوا عن العيد الإسلامي بمتاع دنيوي.
هذا ما بدا لي، والله سبحانه أعلم بالصواب.
стр. 999
سابعا: صلاة الجنازة
رأينا من قبل كيف أن الشيعة أجازوا صلاة الجنازة بغير طهارة، وناقشناهم فيما ذهبوا إليه. وهنا نراهم يذهبون إلى أن عدد التكبيرات في الصلاة خمس، وأن الانصراف منها بلا تسليم.
وإذا كان الحنفية والمالكية والشافعية يذهبون إلى أن التكبير أربع فقط، ففى رواية عن أبى يوسف أنها خمس، والحنابلة يذهبون إلى جواز ذلك، حيث إنهم لا يجيزون الزيادة على سبع ولا النقصان عن أربع، والأولى عندهم أربع لا يزاد عنها.
وقد روى عن رسول الله ﵌ أنه كبر أربعاً وخمساً وأكثر من ذلك، حتى أن عمر بن الخطاب ﵁ جمع الصحابة حين اختلفوا في عدد التكبيرات، وقال لهم: إنكم اختلفتم، فمن يأتى بعدكم أشد اختلافاً، فانظروا آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ على جنازة فخذوا بذلك، فوجدوه صلى على امرأة كبر عليها أربعاً، فاتفقوا على ذلك، وكأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة فى سائر الصلوات، وليس في المكتوبات زيادة على أربع ركعات، ولكن ابن أبى ليلى ﵀ يقول: التكبيرة الأولى للافتتاح فينبغى أن يكون بعدها أربع تكبيرات، كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، وأكثر أهل العلم يرون التكبير أربعا، فمنهم ـ إلى جانب من ذكر ـ ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن أبى أوفى، والحسن بن على، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وعقبة بن عامر، وابن الحنفية، وعطاء، والأوزاعي، والثوري، وقد ذهبوا إلى ذلك لأن النبي ﷺ كبر على النجاشي أربعاً. متفق عليه. وكبر على قبر بعد ما دفن
стр. 1000
أربعاً، وكذلك آخر ما كبر على الجنائز كان أربعاً، وجمع عمر الناس على أربع كما سبق، ولأن أكثر الفرائض لا تزيد على أربع (١) .
وكان من الممكن ألا نناقش هذا الخلاف، فمع أن الأربع رأي من ذكرنا وحجتهم واضحة، إلا أن الخمس قال بها أبو يوسف، وأجازها الحنابلة، وأخذ بها ابن أبى ليلى، وكل قد روى عن الرسول ﵌، حتى أن أصحاب عبد الله بن مسعود قالوا له: إن أصحاب معاذ يكبرون على الجنائز خمساً فلو وقت لنا وقتاً. فقال: إذا تقدمكم إمامكم فكبروا ما يكبر، فإنه لا وقت ولا عدد (٢) . وروى عنه أنه قال: التكبير تسع وسبع وخمس وأربع، وكبر ما كبر الإمام (٣) .
مثل هذا أيضا قد روى عن طريق الشيعة، فقد رووا أن أبا جعفر الباقر سئل عن التكبير على الجنازة هل فيه شيء موقت؟ فقال: لا، كبر رسول الله ﷺ أحد عشر، وتسعاً، وسبعاً، وخمساً، وستاً، وأربعاً. ورووا عن الإمام على أنه كبر خمساً وأربعاً (٤) .
ومع هذا فهم يأبون إلا الخلاف؛ فقالوا بالخمس، وأجازوا ما زاد، ولم يجيزوا الأربع إلا مع التقية، أو كون الميت مخالفا لهم، لأن الرسول ﷺ كان ـ في زعمهم ـ يصلى على المؤمنين فيكبر خمساً، وعلى المنافقين فيكبر أربعاً (٥) .
стр. 1001
فهم بذلك ينزلون المخالفين لهم من المسلمين كافة منزلة المنافقين الذين هم فى الدرك الأسفل من النار (١) .
ويلعب الخيال الشيعى الوضاع هنا دوره كذلك فيروون روايات منها: إن علة التكبير على الميت خمساً أن الله أخذ من كل فريضة تكبيرة للميت، فأخذ من الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، وإن العلة فى ترك العامة ـ يعنى باقى المسلمين ـ تكبيرة: أنهم أنكروا الولاية وتركوا تكبيرها (٢) .
ويحتج الشيعة هنا بإجماعهم، وبروايات منها ما يروونه عن الإمام الصادق: " لما مات آدم فبلغ إلى الصلاة عليه، فقال هبة الله لجبرئيل: تقدم يا رسول الله فصل على نبى الله، فقال جبرائيل: إن الله أمرنا بالسجود لأبيك، فلسنا نتقدم أبرار ولده، وأنت من أبرهم، فتقدم فكبر عليه خمساً عدة الصلوات التى فرضها الله على أمة محمد ﵌، وهي السنة الجارية فى ولده إلى يوم القيامة " (٣) .
ومنها ما يروونه عن أئمتهم أنهم قالوا: " كان رسول الله ﵌ يصلى على المؤمنين ويكبر خمساً، ويصلى على أهل النفاق ـ سوى من ورد النهي عن الصلاة عليهم ـ فيكبر أربعاً، فرقاً بينهم وبين أهل الإيمان، وكانت الصحابة إذا رأته قد صلى على ميت وكبر أربعاً قطعوا عليه بالنفاق " (٤) .
ولهذا خرجوا الروايات التى تذكر الأربع على أن الصلاة كانت على منافقين، أو على التقية كما ذكرنا آنفا.
стр. 1002
ولا ندرى كيف أن الصلاة على آدم كانت بخمس تكبيرات، وأن هذه هي السنة إلى يوم القيامة؟ (١) ومن الذى عنده علم هذا ما دام الرسول ﵌ لم يخبرنا به؟
وإذا كان الرسول يعلم هذا فلم يخرج على هذه السنة فيصلى بغير الخمس كما ورد عن الطريقين؟
ثم أنى للرسول الكريم أن يصلى على المنافقين بعد أن نهاه ربه سبحانه عن ذلك في قوله تعالى: "" وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ "" (٢) فهذه الآية الكريمة تشمل المنافقين جميعا، فمن إذن أولئك المنافقون الذين لم يرد النهي بالصلاة عليهم؟
وإذا كان الصحابة يعلمون أن تكبير الأربع لا يكون إلا في الصلاة على المنافق، فكيف بهم إذن يجتمعون فى عهد عمر على الأربع (٣) .
стр. 1003
فما ذهب إليه الشيعة يرفضه الكتاب الكريم، والسنة الشريفة، وإجماع الكثيرين من الصحابة الأجلاء، وليس لهم من مستند إلا حب الخلاف، وإجماعهم الذى لا جدوى منه، والذى دفعهم إلى الوضع والتحريف.
وأما إسقاطهم التسليم، فكما قلنا من قبل، عند إسقاطهم الطهارة بأن هذه صلاة مفروضة، والمشرع هو الذى أسقط الركوع والسجود، فليس من حق أحد غيره أن يسقط شيئا آخر (١) .
على أنا إذا نظرنا فى روايات الشيعة وجدنا منها عددا يشترط التسليم، وحمل هذه الروايات على التقية فيه من التناقض ما لا يقبله العقل فإنها تذكر خمس تكبيرات، وبلا قراءة، وفيها دعاء للميت (٢) .
فمعنى هذا فى مذهبهم أنها صلاة على من ليس بمخالف، فلو كانت هذه الروايات وردت مورد التقية لاقتضى المذهب الشيعي أن تكون التكبيرات أربعاً، وأن تكون الصلاة بقراءة، فإنهم يجيزون الأربع والقراءة تقية، لأن ذلك مذهب أكثر السنة، فأما أن تأتى الروايات بالشروط التي يرونها كاملة، حتى إذا ما انتهت بالتسليم حملوه على التقية فهذا عين التناقض.
وأعجب من هذا أن بعضهم يرى أن التسليم زيادة عن حمله على التقية يمكن كونه كناية عن الانصراف، ويحمل كونه سنة خارجة عن صلاة الجنازة لاستحباب التسليم عند المفارقة (٣) .
فأيهما أولى بالحمل على الكناية: أن نحمل " ثم تنصرف " التى وردت فى بعض رواياتهم على الانصراف المعهود وهو بالتسليم، أم أن نحمل التسليم على
стр. 1004
الإنصراف بدون تسليم؟ على أن إحدى رواياتهم ورد فيها " فإذا فرغت من الصلاة على الميت انصرفت بتسليم ".
ثم إذا كان التسليم سنة خارجة عن صلاة الجنازة فلم يذكر في بيان كيفية الصلاة؟
لابد إذن من التسليم كسائر الصلوات، ورواياتهم التى تعارض هذا لا يمكن الأخذ بها، فهي إلى جانب معارضتها بروايات لا تقل عنها، نرى في بعضها ظهور وضعه لنصرة الرأي، فمثلاً يروون عن أبى الحسن الرضا أنه سئل عن الصلاة على الميت فقال: " أما المؤمن فخمس تكبيرات، وأما المنافق فأربع، ولا سلام فيها ".
وقد أثبتنا في التكبير خطأ هذا الرأي، مما يؤدى إلى إسقاط مثل هذه الرواية.
وفى وسائل الشيعة (٢/ ٧٦٢: ٨١٩) نجد أبواب صلاة الجنازة، وفى الأخبار التي ينسبونها كذباً للأئمة الأطهار نرى ما يؤيد ما سبق من أقوالهم الضالة من كون التكبيرات لا تكون أربعاً إلا مع التقية أو كون الميت منافقاً، أو مخالفاً للشيعة الرافضة.
وصلاة الجنازة إنما شرعت للدعاء للميت، وطلب الرحمة والمغفرة له، ولذلك نهي الله ، رسوله ـ ﷺ ، عن الصلاة عمن لا يستحقون الرحمة والمغفرة وإن تظاهروا بالإسلام وهم المنافقون حيث قال جل شأنه في سورة التوبة (٨٤) : "" وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ "". وكان ﷺ يعامل المنافقين بحكم الظاهر معاملة المسلمين، حتى نزلت هذه الآية، فما صلى بعدها على منافق ولا قام على قبره حتى قبض ﷺ .
ولكن الرافضة جعلوا الصلاة على غيرهم من الموتى على عكس ما شرعه الله ﵎، وجاءوا إفكاً وزوراً بما لا يتفق مع أخلاق المسلمين، فضلاً
стр. 1005
عن خلق خير البشر صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، حيث جعلوا الصلاة للدعاء على الميت وليس الدعاء له ما دام الميت لم يكن من غلاة الرافضة وزنادقتهم.
وأكتفي هنا بالنظر في باب واحد من هذه الأبواب، فإنه يكشف حقيقة هؤلاء القوم بما لا يدع مجالاً للشك أو التبرير.
وهذا الباب هو " كيفية الصلاة على المخالف، وكراهة الفرار من جنازته إذا كان يظهر الإسلام ". (ص ٧٦٩: ٧٧١) . فالباب إذن يتحدث عن كيفية الصلاة على من خالف الرافضة، فكيف تكون هذه الصلاة التى ابتدعها زنادقة هؤلاء القوم؟
يتضمن الباب سبع روايات، إحداها بلغ الوضاعون بها رسول الله ﷺ ، والباقيات منسوبة للأئمة.
والروايات الستة تتحدث عن المخالفين، لكن بعضهم يصف المخالف بالنفاق، وبعضها يذكر أن الميت كان من بنى أمية، وكلها تذكر الدعاء على الميت مثل ما نسبوه للإمام الصادق في الرواية الأولى: " اللهم فاحش قبره نارا واحش جوفه ناراً، وعجل به إلى النار، فإنه كان يوالى أعداءك، ويعادى أولياءك، ويبغض أهل بيت نبيك. اللهم ضيق عيه قبره ".
وما نسبوه للإمام الحسين ـ رضي الله تعالى عنه ـ فى الرواية الثانية أنه رفع يديه فقال: " اللهم أخزِ عبدك في عبادك وبلادك، اللهم اصله أشد نارك، اللهم أذقه حر عذابك، فإنه كان يتولى أعداءك، ويعادى أولياءك، ويبغض أهل بيت نبيك ".
وما نسبوه لأبى جعفر الباقر ـ رضي الله تعالى عنه ـ أنه قال في الرواية الخامسة: " إن كان جاحداً للحق فقل: اللهم املأ جوفه ناراً، وقبره ناراً، وسلط عليه الحيات والعقارب ".
стр. 1006
أما الرواية المرفوعة، وهي رقم (٤) ، فتنسب للإمام الصادق أنه قال: " لما مات عبد الله بن أبى ابن سلول حضر النبى ﵌ جنازته، وقال عمر: يا رسول الله، ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟! فسكت، فقال: ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟! فقال له: ويلك وما يدريك ما قلت؟! إنى قلت: اللهم احش جوفه ناراً، واملأ قبره ناراً، وأصله ناراً.
وضلال هذه الرواية المفتراة أوضح من أن يناقش..
هذا باب من الأبواب التى وضعها غلاة الرافضة وزنادقتهم، وسار عليها الشيعة الاثنا عشرية، فهذه مصادر تحصيل شريعتهم ولذلك نحذر جميع المسلمين من أن يشترك هؤلاء فى صلاة الجنازة، فإنهم سيدعون على الميت بمثل هذه الدعوات الآثمة الفاجرة!!
ثامناً: النوافل
ذكرنا في مناقشتنا للأغسال المندوبة أن كثيراً منها مما يرى الشيعة استحبابه يتعلق بمذهبهم، كالاغتسال لزيارة الأئمة، أو يوم الغدير، أو المباهلة، وتتكرر الصورة هنا فنرى صلاة الزيارة والغدير والمباهلة وهكذا.
وهذا ـ كما قلنا هناك ـ تبع للخلاف فى المذهب من أساسه (١) . ونرى هنا كذلك صورة أخرى للصلاة تعمد إلى قراءة سور معينة مع الفاتحة، مع تكرار هذه السور لدرجة تجعل المصلى مشغولا بالعد والإحصاء أكثر من التدبر والتأمل والخشوع، كتكرار السورة مائة مرة بل ألف مرة، ومثل هذه لم تثبت عن الرسول ﵌، وقد نجد لها مكاناً فى الأحاديث الموضوعة (٢) .
والشيعة ينسبون بعضها إلى الإمام على أو السيدة فاطمة الزهراء أو غيرهما.
стр. 1007
وإذا كان هناك خلاف بين الشيعة والسنة حول السنن الراتبة فى اليوم والليلة أو غيرها، فإنا نجد الخلاف أيضا بين الشيعة أنفسهم.
وكذلك السنة، حتى أن الإمام مالكا لم يوقت شيئاً معلوماً للسنن الرواتب وقال فى صلاة الليل والنهار: النافلة مثنى (١) . فقد اختلفت الآثار الواردة فى النوافل، وهي ـ كما قيل سابقاً ـ قربان كل تقى، وخير موضوع، فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر.
ولكن الذى يلفت النظر هنا هو موقف الشيعة من صلاة الضحى والتراويح، وما يروونه عن رسول الله ﵌ لتأييد مذهبهم. فصلاة الضحى ثبت أن الرسول ﷺ صلاها، ولكنه لم يداوم عليها (٢) وحتى لو لم يثبت ذلك فهي نافلة فى وقت غير منهي عنه، والشيعة وهم يستدلون على عدم مشروعيتها، يأتون بروايات ـ لو صحت ـ تدل على خطأ من ينهي عنها، مثل ما يروونه عن عبد الله بن المختار الأنصارى، عن أبى جعفر قال: سألته عن صلاة الضحى، فقال أول من صلاها قومك، إنهم كانوا من الغافلين فيصلونها، ولم يصلها رسول الله ﷺ . قال: إن علياً مر على رجل وهو يصليها، فقال على: ما هذه الصلاة، فقال: أدعها يا أمير المؤمنين؟ فقال على: أكون أنهي عبداً إذا صلى " (٣) .
وأما صلاة التراويح فقد روى أن النبى ﷺ ـ صلى في المسجد ذات ليلة من رمضان فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا
стр. 1008
فى الليلة الثالثة فخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: " قد رأيت الذى صنعتم، ولم يمنعنى من الخروج إليكم إلا أنى خشيت أن تفرض عليكم "، وفى رواية للبخارى: " أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها " (١) .
إلى جانب روايات أخرى، والثابت أنها لم تأخذ الصورة التى عليها الآن إلا فى عهد عمر بن الخطاب، حيث جمع الناس علَى أبىّ بن كعب، وأخرج القناديل إلى المسجد، فجعلهم جماعة واحدة بعد أن كانوا يصلونها جماعات، وفرادى. وفى عهد على بن أبى طالب بقيت هذه السنة ولم يمنع المسلمين منها، بل على العكس كان معجبا بما قام به عمر، وروى أنه قال نور الله على عمر قبره كما نور علينا مساجدنا (٢) .
ومع هذا نجد الإمام الشافعى ـ من المذاهب الأربعة ـ يرى عدم استحبابها جماعة، وإنما فرادى (٣) ، فلو اقتصر الشيعة الاثنا عشرية على عدم استحبابها لما كان هناك خلاف يذكر، فهم يرون قيام رمضان فرادى. لكن الخلاف الذى استحق الذكر هو أنهم أخذوا برواية موضوعة نتيجة لدور عمر في صلاة التراويح، وهو الخليفة الثانى، وكان له أثره في بيعة الخليفتين الأول والثالث، والثلاثة في نظر الشيعة الرافضة قد أخذوا حق علي في الخلافة، وهذه الرواية هي أن النبي ﷺ كان إذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله، ثم يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيصلى. فخرج من أول ليلة في شهر رمضان ليصلى ما كان يصلى، فاصطف الناس خلفه، فهرب منهم إلى بيته فتركهم ففعلوا ثلاث ليال. فقام في
стр. 1009
اليوم الرابع على منبره فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: يا أيها الناس إن الصلاة بالليل في شهر رمضان في النافلة جماعة بدعة، صلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان لصلاة الليل، ولا تصلوا صلاة الضحى، فإن تلك معصية، ألا وإن كل بدعة ضلالة، وإن كل ضلالة سبيلها إلى النار، ثم نزل وهو يقول قليل في سنة خير من كثير في بدعة (١) .
فهذه الرواية ينقضها ما سبق من صلاة الرسول ﵊، والصحابة والخلفاء الراشدين ﵃، وكيف تكون النافلة التى هي قربى إلى الله تعالى معصية وبدعة ضالة تؤدى إلى النار؟ وإذا وجدنا بدعة فإنما جمع الناس على إمام في جماعة واحدة بعد أن كانوا يؤدونها جماعات ووحدانا، وهذا الاجتماع لم يكن إلا بعد الرسول ﷺ ، وهو ما قصده عمر عندما خرج ذات ليلة بعد أن جمع المسلمين على أبى بن كعب ووجد اجتماعهم في الصلاة، فقال: " نعمت البدعة هذه ".
فعمر لم يشرع صلاة جديدة، وإنما جعل الجماعات جماعة واحدة لخير ارتآه (٢) ، والرسول ﵇ لم يفعل ذلك رأفة بالمسلمين خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا كما روى عنه، فهذه طبيعته، وكما قالت أم المؤمنين عائشة: كان رسول الله ﵌ يدع العمل وهو يحب أن يعمله، خشية أن
стр. 1010
يعمل به الناس فيفرض عليهم (١) ، فهل يعد ما فعله عمر معصية وضلالة سبيلها إلى النار؟ وكيف خفي ذلك على إجلاء الصحابة؟
ولماذا لم يبطله على وهو بالكوفة؟ بل استحسنه أيما استحسان فأبقاه ودعا لعمر.
ومع هذا فالضحى والتراويح نافلتان، فللمسلم أن يصليهما، وله أن يدعهما، وله أن يصلى التراويح فردا، أو في جماعة، ولكن ليس بمسلم من يتعمد الكذب على رسول الله ﷺ ليؤيد ما ذهب إليه، ويبطل ما ذهب إليه مخالفوه.
ونجد في الجزء الثالث من وسائل الشيعة (ص ٧٤ ـ ٧٥) باب عدم استحباب صلاة الضحى، وعدم مشروعيتها.
وتحت الباب ست روايات، منها الرواية التي ذكرتها من قبل، ومنها أن الرسول ـ ﷺ ـ قال: " صلاة الضحى بدعة ".
ومن وضع هذه الرواية المفتراة نسأله: من الذى يجيء بصلاة بدعة في عهد رسول الله ﷺ ؟
فالهدف من هذا الباب برواياته هو مخالفة ما عليه جمهور المسلمين تبعا لأصول هذه الفرقة كما بينتها من قبل.
وفى الجزء الخامس (ص ٢٢٤ ـ ٢٢٥) " باب استحباب صلاة يوم غدير ... " ومما جاء فيه:
صيام يوم غدير خم يعدل صيام عمر الدنيا.. وهو عيد الله الأكبر، وما بعث الله نبيا إلا وتعبد فى هذا اليوم وعرف حرمته.. ومن صلى فيه ركعتين عدلت عند الله مائة ألف حجة، ومائة ألف عمرة ... وما خلق يوما أعظم حرمة منه ... إلى آخر هذه الأباطيل والمفتريات العجيبة التى وضعها غلاة الرافضة.
стр. 1011
وفى الجزء الخامس أيضاً (ص ٢٨٨: ٢٨٩) نجد الحنين إلى المجوسية حيث يصادفنا " باب استحباب صلاة يوم النيروز، والغسل فيه، والصوم، ولبس أنظف الثياب، والطيب، وتعظيمه، وصب الماء فيه "!!
وكل ضلالة ينسبها الغلاة والزنادقة إلى الأئمة الأطهار كذباً وبهتاناً.
стр. 1012
الفصل الثالث: الصيام والاعتكاف
بعد أن انتهينا من الحديث عن الطهارة والصلاة في الفصلين السابقين، وناقشنا بعض النقاط بشيء من التفصيل، نكتفي بهذا كنموذج للمناقشات التفصيلية حتى لا يطول بنا الحديث، فقليل جداً من فقه هؤلاء القوم الرافضة يخضع للمناقشة العلمية التي نراها في مجال الفقه المقارن.
وهذا واضح من النموذج الذى قدمناه آنفاً، ويتضح أكثر من العرض الذى يبدأ من هنا إلى آخر أبواب الفقه.
وفى هذا العرض نشير إلى أهم ما جاء في فقههم تأثراً بعقيدتهم الباطلة في الإمامة التي اخترعها ابن سبأ كما بينا في الجزء الأول، ثم نذكر بعض الأخبار التي وضعوها لتأييد ما ذهبوا إليه لبيان مدى غلوهم وضلالهم، وهذه الأخبار التي جاءت في كتبهم المختلفة جمعها الحر العاملى في كتابه " وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة "، وذكرت في الفصلين السابقين شيئاً من هذه الأخبار، والنقل من الوسائل يغنى عن الرجوع إلى الكتب التي نقل منها، وقد تحدثت عن هذه الكتب، وقدمت دراسة لأهمها في الجزأين الثانى والثالث.
وننظر في كتب الفقه عندهم فنجد في الصيام ما يأتى:
في رؤية الهلال يعتبرون البينة الشرعية خبر عدلين. يأخذون كذلك بحكم الحاكم، ولكن هذا لا يخرج عن النطاق الجعفري، الرافضي، أي أنهم لا يأخذون بشهادة غيرهم ولا بحكمه (١) .
стр. 1013
وفى شرائط صحة الصوم يشترطون مع الإسلام الإيمان. ويقولون لا يصح الصوم من غير المؤمن (١) وقد عرفنا مرادهم بالإيمان، وقولهم بأن العبادة لا تصح من المخالف إجماعا.
وفيما يجب الإمساك عنه في الصوم من المفطرات يجعلون من هذه المفطرات الكذب على أئمتهم، وألحق بعضهم بهم السيدة فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها (٢) .
وفى المندوب من الصيام يجعلون من المؤكد صوم يومي الغدير والمباهلة، ويجعلون صوم عاشوراء حزناً (٣) .
هذا في الصيام، أما الاعتكاف فنجد فيه ما يأتى:
يشترطون لصحة الاعتكاف الإيمان.. قال صاحب المستمسك (٨ / ٥٣٩) : " الاعتكاف من العبادات إجماعاً، وهي لا تصح من غير المؤمن للإجماع والنصوص كما سبق، مضافا إلى ما في الجواهر: من كون اللبث في المسجد حرام على الكافر والحرمة مانعة من صحة التعبد "..
وإذا أضفنا قوله هذا إلى قوله السابق عن الإيمان ظهر أنه ومن يرى رأيه ـ يعتقد أن المسلم غير الجعفري الرافضي كافر لا يحل لبثه في المسجد. والمؤلف
стр. 1014
هو محسن الحكيم ـ كان المرجع الأعلى للشيعة في العراق، وهو أحد الثلاثة الذين وجهوا الشيعة الرافضة في عصرنا كما سأبين في خاتمة الكتاب.
وإلى جانب قولهم بصحة الاعتكاف في كل مسجد جامع، وجدنا منهم من يقول بأنه لا يصح إلا في أحد المساجد الأربعة: مكة والمدينة وجامع الكوفة والبصرة (١) .
وقال آخرون: الأحوط مع الإمكان كونه في أحد المساجد الأربعة ... المذكورة (٢) .
ويرون أن الاعتكاف يفسده ما يفسد الصوم، أي يدخل فيه الكذب الذى تحدثنا عنه آنفاً.
هذا بعض ما جاء فى كتب الفقه، أما " كتاب وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة " فإنا نجد فيه ما يأتى:
الجزء السابع يشتمل على الصوم والاعتكاف.. وفى ص ٢٠: ٢٢ نجد باب وجوب إمساك الصائم عن الكذب على الله ، وعلى رسوله ـ ﷺ ، وعلى الأئمة.
ومن أحاديث الباب ما روى عن أبى بصير قال: سمعت أبا عبد الله ... (أي الإمام الصادق) يقول: الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم، قال: قلت له: هلكنا. قال: ليس حيث تذهب، إنما ذلك الكذب على الله تعالى، وعلى رسولهـ ﷺ ، وعلى الأئمة.
ومما يضحك ـ ومن شر البلية ما يضحك! ـ أن هذا الحديث نفسه من الكذب على الأئمة!
стр. 1015
وفى ص ٩٤: ٩٦ باب جواز الإفطار للتقية والخوف من القتل ونحوه ويجب القضاء.
ومن أحاديث الباب:
ما نسب إلى الصادق: " لو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً ".
وما نسب إليه أيضا: " لا دين لمن لا تقية له ". وما نسب لغيره: " وأما الرخصة التى صاحبها فيها بالخيار فإن الله تعالى نهي المؤمن أن يتخذ الكافر ولياً، ثم من عليه بإطلاق الرخصة له عند التقية فى الظاهر أن يصوم بصيامه، ويفطر بإفطاره، ويصلى بصلاته، ويعمل بعمله، ويظهر له استعمال ذلك موسعا عليه فيه. وعليه أن يدين الله سبحانه فى الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين ".
ونلاحظ هنا أنه أطلق المؤمن على الرافضي، والكافر على من يخالف الرافضة!
ومن خرافاتهم وأباطيلهم باب أن من نذر أن يصوم حتى يقوم القائم لزمه ووجب عليه صوم ما عدا الأيام المحرمة!! (ص ٢٨١: ٢٨٢) أي أنه صيام دهر منذ أكثر من ألف ومائة عام!
وفى ص ٣٢٣: ٣٢٩ باب استحباب صوم يوم الغدير، وهو ثامن عشر ذى الحجة، واتخاذه عيداً
وفى روايات الباب أنه أعظم حرمة وأشرف من الفطر والأضحى، وأن صيامه يعدل صيام عمر الدنيا، ويعدل فى كل عام مائة حجة ومائة عمرة مبرورات متقبلات، وهو عيد الله الأكبر!! ومن صامه كان أفضل من عمل ستين سنة!!
إلى غير ذلك من الضلال والزندقة مما زاد على ما ذهب إليه عبد الله بن سبأ هو نفسه صاحب فكرة الرافضة!
стр. 1016
وفى ص ٣٣٧: ٣٣٩ باب استحباب صوم يوم التاسع والعاشر من المحرم حزنا.. والإفطار بعد العصر بساعة!!
وفى ص ٣٣٩: ٣٤٢ باب عدم جواز صوم التاسع والعاشر من المحرم على وجه التبرك بهما.
وفى ص ٣٤٢ باب جواز صوم يوم الاثنين لا على وجه التبرك به.
وفى ص ٤٠٠: ٤٠٣ باب اشتراط كون الاعتكاف فى المسجد الحرام، أو مسجد النبى ـ ﷺ ، أو مسجد الكوفة، أو مسجد البصرة، أو فى مسجد جامع رجلا كان المعتكف أو امرأة.
ومما جاء تحت الباب:
عن الإمام الصادق: لا يصلح الاعتكاف إلا في المسجد الحرام، أو مسجد الرسول ـ ﷺ ، أو مسجد الكوفة، أو مسجد جماعة.
وعنه: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة قد صلى فيه إمام عدل صلاة جماعة ولا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة والبصرة ومسجد المدينة ومسجد مكة.
وروى أنه لا يكون الاعتكاف إلا في مسجد جمع فيه نبي، أو وصى نبي، وهي أربعة مساجد: المسجد الحرام، جمع فيه رسول الله ﷺ ، ومسجد المدينة جمع فيه رسول الله ـ ﷺ وأمير المؤمنين ﵇، ومسجد الكوفة ومسجد البصرة جمع فيهما أمير المؤمنين. قال صاحب الوسائل: هذا محمول على الفضل والكمال..
ونختم الكلام هنا ببيان حنين هؤلاء إلى المجوسية.. ففى ص ٣٤٦ باب استحباب صوم يوم النيروز والغسل فيه ولبس أنظف الثياب والطيب!!
ويفترون الكذب على الإمام الصادق أنه قال:
إذا كان يوم النيروز فاغتسل والبس أنظف ثيابك، وتطيب بأطيب طيبك، وتكون ذلك اليوم صائماً!!
стр. 1017
الفصل الرابع: الزكاة والخمس
يرى الاثنا عشرية الرافضة أن الزكاة واجبة على الكافر، ولكنها لا تصح منه إذا أداها لاشتراطهم الإيمان ـ بحسب أهوائهم في تعريفه ـ ويرون أن من حق إمامهم أو نائبه أن يأخذ الزكاة من الكافر قهراً (١) .
هذا بالنسبة لأخذها، ولكنها لا تعطى إلا للجعفري، الرافضي لأن مستحقها يجب أن يكون مؤمنا، والإيمان وقف على الجعفرية، ولذا يجيزون دفعها إلى الفساق، ومرتكبى الكبائر، وشاربى الخمر بعد كونهم فقراء من أهل الإيمان (٢) .
أما غير الجعفري الرافضي، فيجوز أن يأخذ ـ كما يأخذ الكفرة عادة ـ من سهم المؤلفة قلوبهم، وسهم سبيل الله في الجملة إذا كان هذا في مصلحة الجعفري (٣) .
ويرون أن غير المؤمن ـ أي غير الجعفري الرافضي ـ إذا أعطى زكاته أهل نحلته ثم أتبصر ـ أي أصبح رافضيا ـ أعادها. ولو كان قد دفع الزكاة إلى المؤمن ثم استبصر أجزأه، ويرون أن الأحوط الإعادة أيضا (٤) .
стр. 1018
ويرون الزكاة يجب دفعها إلى الإمام إذا طلبها، ويستحب دفعها إليه ابتداء، ومع فقده إلى الفقيه المأمون من الرافضة لأنه أبصر بمواقعها.
وحتى يحثوا الناس على دفعها للفقهاء قالوا: إذا قبضها الفقيه برئت ذمة المالك ولو تلفت.
وقالوا: يجوز دفع الزكاة إلى الحاكم الشرعي بعنوان الوكالة عن المالك في الأداء، كما يجوز بعنوان الوكالة في الإيصال، ويجوز بعنوان أنه ولى عام على الفقراء (١) .
وأثر عقيدتهم الباطلة في صدقة الفطر كأثرها في الزكاة بصفة عامة.
هذا في الزكاة، وبعدها نأتي إلى الخمس وعند جمهور المسلمين لا نجد في الفقه كتاباً مستقلاً بعنوان الخمس، وإنما نرى الحديث عن خمس الغنائم في كتاب الجهاد، ونرى فى كتاب الزكاة الحديث عن خمس الركاز (٢) ، وعن المعدن وما يجب فيه من خمس إلحاقا بالركاز، أو مقدار الزكاة لمن لم يلحقه بالركاز.
ولكن نجد في الفقه الجعفري الاثنى عشري كتابا كاملا بعنوان الخمس، وقد حظي بعناية غير عادية، واعتبروه من الفرائض المهمة وقالوا: "من منع منه درهما ـ أو أقل ـ كان مندرجا في الظالمين لهم (أي لآل البيت) والغاصبين لحقهم، بل من كان مستحلا لذلك كان من الكافرين، ففى الخبر عن أبى بصير، قال: قلت لأبى جعفر: ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال: من أكل من مال اليتيم درهما ونحن اليتيم ... إلخ (٣) .
وتوسعوا فيما يجب فيه الخمس حتى جعلوه فيما يفضل عن مؤنة السنة من أرباح التجارات، ومن سائر التكسبات من الصناعات والزراعات، والإيجارات،
стр. 1019
حتى الخياطة والكتابة والنجارة والصيد، وحيازة المباحات، وأجرة العبادات الاستئجارية من الحج والصوم والصلاة والزيارات، وتعليم الأطفال، وغير ذلك من الأعمال التى لها أجرة، وجعلوا الأحوط ثبوته فى مطلق الفائدة وإن لم تحصل بالاكتساب كالهبة والهدية والجائزة والمال الموصى به ونحوها، وجزم بعضهم بهذا (١) .
كما جعلوا الأحوط إخراج خمس رأس المال وقالوا: لا إشكال في أن رأس المال ومالا يعد للصرف ويدخر للقنية كالفرش ونفس الضيعة وأمثال ذلك ـ لا يحسب من المؤنة. ثم قالوا: وعلى هذا يتعين تقويمه في آخر السنة وإخراج خمسه (٢) بل قالوا: الأحوط إخراج الخمس في الآلات المحتاج إليها في الكسب مثل آلات النجارة للنجار وآلات النساجة للنساج، وآلات الزراعة للزارع وهكذا (٣) .
ومخرجو الخمس الآن يعطونه فقهاءهم لينفق بمعرفتهم، ولا يخرج عن النطاق الجعفري الرافضي ما يخرج من أيدى هؤلاء الفقهاء بعد الإنفاق على أنفسهم، ويتفاوت قدر هذا الإنفاق بقدر حاجة الفقهاء ومن ينفقون عليهم، وبقدر الإيمان أو النفاق والاستغلال وبقدر الخشية من الله تعالى أو الخشية من الناس (٤) .
وأثر عقيدتهم الباطلة في الخمس يبدو فيما يأتى:
стр. 1020
لما كان الخمس مرتبطا بأئمتهم، أو من ينوب عنهم من الفقهاء، رأيناهم مع توسعهم الزائد فيما يجب فيه الخمس، يتشددون في إيجابه فيجعلون منع الدرهم ـ أو أقل ـ ظلما لآل البيت واغتصابا لحقهم، ويكفرون من يستحل ذلك كما سبق.
وفيما يجب فيه الخمس يشترطون إذن أحد أئمتهم في القتال حتى يكون الواجب فى الغنائم هو الخمس فقط. أما إذا كان الغزو بغير إذن الإمام فإن كان في زمان الحضور، وإمكان الاستئذان منه، فالغنيمة للإمام، وإن كان في زمن الغيبة ـ أي غيبة إمامهم الثانى عشر، كما يعتقدون ـ فالأحوط إخراج الخمس. ولذا يقولون بأن ما يأخذه السلاطين (١) في هذه الأزمنة من الكفار بالمقاتلة معهم ـ من المنقول وغيره ـ يجب فيه الخمس على الأحوط. ويقولون: إذا أغار المسلمون على الكفار فأخذوا أموالهم، أو أخذوها بالسرقة والغيلة، فالأحوط بل الأقوى إخراج خمسها إذا كان بإذن الإمام، وإلا فهي له وإن كان فى زمن الغيبة.
ويرون جواز أخذ مال الناصب أينما وجد، مع إخراج خمسه من باب الحيطة (٢) .
وقد عرفنا تحديد الكافر والناصب عند الجعفرية الرافضة وكيف أنه يشمل كثيرا من المسلمين إن لم يكن كل المسلمين عدا الرافضة، كما أنهم يرون كفر غير المسلمين، ومنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
ومعنى هذا أن كل هؤلاء يباح للرافضى أخذ أموالهم بالإغارة أو بالسرقة والغلبة (٣) .