← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 150846

النصيحة بالتحذير من تخريب «ابن عبد المنان» لكتب الأئمة الرجيحة وتضعيفه لمئات الأحاديث الصحيحة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (274 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(الهدّام)، والكتاب مطبوعٌ -بحمد اللَّه ومِنّته-. وأمّا حديث الأزيز؛ فهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٨٣٩). ٣٣ - حديث البراء بن عازب: لقينا المشركين يومئذ [يعني: يومَ أُحُد]، وأجلس النبي ﷺ جيشًا من الرّماة، وأمّر عليهم عبد اللَّه، وقال: "لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرْنا عليهم. . . "، الحديث: قلت: ساقه (الهدَّام) (١/ ١٤٤)، وقد أشار إليه ابن القيم، فلم يزد (الهدَّام) في تخريجه إيّاه على قوله: "أخرجه البخاري" (٤٠٤٣) ". قلت: وهذا التخريج المُبْتَسَرُ؛ من الأدلة الكثيرة على أنّ (الهدَّام) لا يهمّه التحقيق الذي يدّعيه، إلّا للهدم فقط، وليس للتصحيح والبناء! ! وإلّا: فما باله اقتصر على هذا العزو، وهو بحاجة إلى دعمٍ بِغَيره؛ لأنّ الحديث في الموضع الذي أشار إليه من "البخاري" هو من رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء؟ ! وهو يعلم أن في هذا الإسناد علّتين: إسرائيل، وجدَّه أبا إسحاق السبيعي، وأن هذا مجروح بالاختلاط والتدليس، وقد ضعّف به حديث خطبة الحاجة كما سبق رقم (١٩)، وحفيده لا يُعرف بسماعه منه قبل الاختلاط، ولذلك كان لا بدّ من إزالة عِلَّتَي التدليس والاختلاط؛ خشية أن يتشبّث بهما غيرُه من المحدَثين والهَدَّامين -بجهلهم أو بسوء نيّتهم-! فأقول: لقد قصر (الهدَّام) -جهلًا أو تجاهلًا! - تقصيرًا فاحشًا في العزو المذكور؛ لِمَا يأتي: أوّلًا: أنّ البخاريَّ قد أخرجه في مكان آخرَ (٣٠٣٨) بإسناد قوي؛ من طريق زهير: حدّثنا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء. . .

стр. 107

فهذه متابعةٌ قويةٌ من زهير -وهو ابن معاوية، أبو خيثمة الكوفي- صرّح فيها بسماع أبي إسحاق من البراء، أزالت علّةَ التدليس؛ والحمد للَّه. ثانيًا: لو توسَّع قليلًا في التخريج، وأطال نفَسَه فيه -ولا كإطالته في التضعيف! ! - لوجد تصريح إسرائيل نفْسِه بتحديث جده؛ في رواية أبي عَوانة في "صحيحه" عنه (٤/ ٣٠٦). ثالثًا: بقيت عِلّةُ الاختلاط، وعهدي بـ (الهدَّام) أنّه كثيرًا ما يُضعِّف الأحاديثَ الصحيحةَ بمثل هذه العلّة! ! وسيأتي على ذلك بعضُ الأمثلة. ولذلك؛ فإنّي أخشى (! ) أن يكون كتمها لغايةٍ في نفْسه؛ قد يُبديها عند الحاجة! ! وإلّا لدفعها -كما تقتضيه الأمانةُ العلميةُ- بطريقةٍ أو بأُخرى! ! وأنا -شخصيًّا- كنت دفعتها بشاهدٍ قويٍّ من حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄؛ كنت خرَّجته في "تخريج فقه السيرة" (٢٥٠ و ٢٥١/ القلم)، ولذلك أوردته في "صحيح أبي داود" (٢٣٩٠)، وقد أخرجه مسلسلًا من طريق زهير بالتحديث، وخرّجت له -فيه- شاهدًا آخرَ من حديث عبد اللَّه ابن مسعود. وأمّا قول الحافظ في "مقدّمة فتح الباري" في ترجمة أبي أسحاق السَّبِيعي (٤٣١): "ولم أرَ في "البخاري" من الرواية عنه إلّا عن القدماء من أصحابه؛ كالثوريّ وشعبةَ، لا عَنِ المتأخرين؛ كابن عيينة وغيرِه". فهذا من عجائبه ﵀! فإنّه الحافظ بحقّ-؛ فهذا الحديث -برواية إسرائيلَ وزهير- يردّه، وهناك أحاديث أُخرى لهما؛ قد كنت نبهّت على ذلك في بعض المواضع، فجلَّ اللَّه؛ ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾.

стр. 108

(تنبيه): لقدِ اكتفى المُعلِّق على "الإحسان" (١١/ ٤٠ - ٤١) بتخريج الحديث من رواية البخاريّ وغيره؛ دون أن يقوّيَه بالتّحديث والشواهد! ! ٣٤ - قال ابن القيِّم: "وفي الحديث المشهور: "إنّ لِلمَلَك بقلب ابن آدم لَمَّةً. . . "؛ الحديث، وفيه: ثمّ قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ. . .﴾ الآية": خرّجه (الهدَّام) من رواية التِّرمذي وابن حبّان من طريق عطاء بن السّائب -بسنده-، عن عبد اللَّه بن مسعود. . . -مرفوعًا-، وكتمَ تحسينَ التِّرمذي إيّاه! ! ثمّ أعلّه باختلاط عطاء، وبقول أبي حاتم: "أن الصحيح وقفُه على ابن مسعود، والناس يحدّثون من وجوه عن عبد اللَّه -موقوفًا-؛ ورواه الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن مسعود. . . موقوف". فأقول: إسناد هذا الموقوف صحيحٌ غايةً، أخرجه الطبريّ في "تفسيره" (٣/ ٥٩)، ثم أخرجه من طريق عامر بن عَبْدَةَ، عن ابن مسعود، وهو صحيحٌ -أيضًا-، وهذا يكفي في تصحيح الحديث المرفوع؛ لأنّه لا يقال بمجرّد الرّأي! ! كما هو معروفٌ عند أهل العلم، ولذلك قوّاه العلاّمة أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "تفسير الطّبري" (٥/ ٥٧٢)، فقال: "فإنّ هذا الحديث ممّا لا يُعلم بالرأي، ولا يدخله القياس، فلا يُعلم إلّا بالوحي من المعصوم ﷺ ، فالرّوايات الموقوفة لفظًا هي مرفوعةٌ حكمًا". قلت: ولا سيّما وهي في تفسير القرآن؛ الأمر الذي يؤكّد أنّها في حكم الرّفع، وهذا ممّا يجهلُه أو يتجاهله (الهدَّام)! ! واللَّه المستعان. ٣٥ - "رأى النّبيّ ﷺ في رؤياه الزّناةَ والزّواني عراةً باديةً سوآتهم": قال (الهدَّام) في تعليقه عليه (١/ ١٥٨): "أخرجه البخاري (١٣٨٦) من حديث سَمُرة بن جُنْدَب".

стр. 109

فأقول: هذا التخريجُ أقولُ فيه نحو ما تقدَّم في حديث البراء (٣٣) -أو أكثر-؛ فإن في إسناده في الموضع المشار إليه من البخاري (جرير بن حازم)؛ وهو من المضعَّفين عند (الهدَّام)! ولذلك لم تُساعده نفسُه على الجزم بتحسين حديث له، فقال فيه: "أرجو أن يكون حسنًا"! (انظر الحديث الآتي)، فهذا التخريجُ -ونحوه مما سبق، ويأتي- مما يوكِّد ما قلتُه في المقدِّمة؛ أن عزوه الحديث للبخاري أو مسلم لا يعني عنده أنَّه صحيحٌ، فإنه يعزو إليه ويكتم ما في نفسه من الضعف فيه؛ سترًا على نفسه، أو تضليلًا لقرَّائه! على أنَّ هذا الحديث لم يتفرّد به (جرير بن حازم) الذي قال: حدّثنا أبو رجاء، عن سَمُرة؛ مع كونه ثقة حجّة -كما سيأتي هناك-، فقد تابعه عوف: حدّثنا أبو رجاء: حدّثنا سَمُرة. . . أخرجه البخاري أيضًا (٧٠٤٧)؛ فلِمَ لَمْ يَعْزُهُ إليه تقويةً لرواية جرير؟ ! هل كان ذلك منه مكرًا، أم ذلك هو مبلغُ التحقيقِ عنده؟ أحلاهما مُرّ! ٣٦ - "وقد سُئل عبد اللَّه بن مسعود -عن مسألة المفوّضة- شهرًا؟ فقال بعد الشهر أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه. . . ": قلت: أعلّه (الهدَّام) بقوله (١/ ١٧٥): "ورجاله ثقات، غير أنَّ فيه عنعنة قتادة". قلت: هذا الإعلال عليلٌ كصاحبه! فإنَّ عنعنة قتادة مغتفرةٌ لِقلَّتها بالنسبة لحفظه وكثرة حديثه، وقد أشار إلى ذلك الحافظ في ترجمته من "مقدمة الفتح" بقوله: "ربّما دَلَّس"؛ وكأنَّه لذلك لم يذكره هو في "التقريب" بتدليس، وكذلك الذهبي في "الكاشف".

стр. 110

ونجد في "الصحيحين" -وغيرهما- أحاديثَ كثيرةً جدًا لقتادة بالعنعنة، حتى ابن حبّان الذي وصفه بالتَّدليس؛ قد أكثر عنه بها، ويحتمل أنَّ ذلك كان منهم لأنَّه كان -كما قال الحاكم- لا يدلِّس إلّا عنِ ثقة، كما نقله العلائي في كتابه القيِّم "جامع التحصيل" (ص ١١٢)؛ هذا -أولًا-. وأمّا ثانيًا: فقد عقَّب الإمام أحمد -روايةَ قتادةَ هذه- بروايةٍ أخرى (٤/ ٢٧٩ - ٢٨٠) ليس فيها قتادة؛ وسنده صحيح، وفيه أنَّ ابن مسعود ﵁ أفتى بما وافق السنة، وهو مخرّج في "الإرواء" من طرق (٦/ ٣٥٧ - ٣٦٠). ٣٧ - "وقال عُمر ﵁: أيَّها الناس! اتَّهِموا الرأي على الدين، فقد رأيتُني يوم أبي جَنْدَل؛ ولو أستطيع أن أردَّ أمْرَ رسول اللَّه ﷺ لَرَدَدْتُه": قال (الهدَّام) (١/ ١٧٥): "ذكره السيوطي في "الجامع الكبير" -كما في "الكنز" (١١/ ٣٥٢) - عن شقِيق أبي وائل؛ قال: سمعت سهل بن حُنَيف يقول بصفِّين: أيَّها الناس! اتهموا رأيكم. . . فذكره، ولم ينسبه إلى عمر، وأشار إلى أنَّ ابن أبي شيبة ونعيم بن حَمَّاد في "الفتن" قد أخرجاه"! قلت: هذا التخريج كسابقه المتقدم برقم (١٨) -ونحوه (٢١) -، مما يدلُّ على قلَّة عنايته بكتب السنة ودراستها، فهو يجهل ما فيها من الأحاديث إلَّا بمقدار ما تدلّه عليها الفهارس الموضوعة والمتكاثرة في هذا الزمان، فإنَّ حديث سهل هذا قد أخرجه الشيخان وغيرهما، وهو مخرّج في الفصل الثامن من "الرد على ابن حزم. . . "؛ فكيف يليق بمن يَدَّعي الاجتهاد (! ) في هذا العلم -حتى يَرُدَّ على الحفّاظ النّقّاد- أن ينزلَ إلى هذا المستوى من التقليد

стр. 111

والجهل، فيقلّد السيوطي في هذا التخريج المخزي؟ ! ثم هو لا يعود إلى كتاب ابن أبي شيبة الذي عزاه إليه ليدرسَ إسناده على الأقل، ويقدّم للقراء درجته من الصّحة! كان ينبغي أن يفعل ذلك لو كان يريد بهم النُّصْحَ والعلمَ؛ ولكنْ هيهاتَ هيهاتَ! فقديمًا قالوا: فاقد الشيء لا يعطيه! والحديث في "مصنف ابن أبي شيبة" (١٥/ ٢٩٩/ ١٩٧١٧). ٣٨ - "وقد نهى رسولُ اللَّه ﷺ ، أن يوطِّن الرجلُ المكانَ للصلاة كما يوطِّن البعير": أقول: جزم المؤلف بنسبته إلى النبي ﷺ ، وهو الصواب، وقد صحّحه ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والذهبي، وكنت حسّنته في "الصحيحة" (١١٦٨) بشاهدٍ خرَّجته هناك؛ فجاء (الهدَّام) فاختصر التخريج هنا (١/ ١٧٨)، أخذ منه ما شاء، وأعرض عن التصحيح والتحسين معًا! ٣٩ - "ولم يزد على ثلاث، بل أخبر أنَّ من زاد عليها فقد أساء وتعَدَّى وظلم". خرجه (الهدَّام) (١/ ١٨٠ - ١٨١) من رواية عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، فقال: "أميل إلى تضعيفها، ولم يرها من بابة الصحيحِ البخاريُّ ومسلمٌ وابنُ حبّان"! كذا قال في رواية عَمْروٍ هذه -هنا-! وقال في أخرى له -في حديث آخر، قال فيه التِّرمذي: "حسن غريب"-؛ فعقَّبَ عليه بقوله: "وهو كما قال"! انظر الحديث المتقدم برقم (١٦).

стр. 112

وهكذا؛ فهو يكيل بكيلين، ويلعب على الحبلين! والحق أنَّه إسناد حسن عند العلماء، وقال الحافظ -في هذا- (١/ ٤٣٣): "إسناده جيد". وفي قوله: ". . . ولم يرها من بابة الصحيحِ البخاريُّ و. . . " تضليلٌ مقصودٌ؛ وذلك لأنَّ من الثابت في علم المصطلح أنَّ هناك مرتبة دون (الصحيح) وفوق (الضعيف) وهي مرتبة الحسن، -كما تقدم بيانه غير مرة-، و (الهدَّام) نفسه يطلقه أحيانًا على بعض الأسانيد والأحاديث، ومن ذلك موافقته للترمذي المذكورة. وأشدّ ما في قوله المتقدم من التضليل: ما يتعلّق بالبخاري، فإِنَّه يُكثر من استعمال هذه المرتبة، وأشاعها التِّرمذي في "سننه"، وكثيرًا ما ينقل عنه تحسينه لبعض الأحاديث؛ كحديث (حَمْنَةَ) -مثلًا-. وقد رددتُ عليه -مفصلًا-، وبيَّنتُ ما في قوله المذكور من غِشٍّ وكتمان للحقائق في تخريج هذا الحديث في "الصحيحة" (٢٩٨٠)؛ فلا داعي للإطالة. ٤٠ - "وقوله ﷺ : "الإثم ما حاك في صدرك": قال (الهدَّام) (١/ ١٨٣): "أخرجه مسلم (٢٥٥٣) من حديث النَّوَّاس ابن سمعان". قلت: وهو حديثٌ صحيحٌ عندنا بلا ريب، وأما عند (الهدَّام) فكان ينبغي عليه أن يشدَّ من عضده، لأنَّه من رواية معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه، عنه، فإِنَّ معاوية هذا مع احتجاج مسلم به، فإنَّ (الهدَّام) في كثير من الأحيان يطعن فيه، ويضع فيه ضعفًا! موهمًا القراء أنَّ حديثَه ضعيفٌ! فقد قال في حديثه في (المعازف): "له غرائب" -كما سيأتي تحت الحديث (٧٩) -، وقال في حديث آخر له -صحّحه

стр. 113

التِّرمذي (١٦٢٦) -: "فيه معاوية بن صالح وليس بالمتين"! كذا في "ضعيفته" التي في ذيل "رياضه" (ص ٥٤٤). من أجل هذا كان (يجب) على (الهدَّام) أن يُبَيِّنَ هذه العلة في حديث مسلم هذا، ليزداد النّاس معرفةً به وبفضائحه، وأن يذكر ما يقويه -إن كان يرى صحّته- من متابع أو شاهد! وقد وجدتُ له متابعًا قويًّا؛ فرأيت أن أذكره هنا تأكيدًا لصحة الحديث، وردًّا على المرتابين والمشكِّكين؛ فأقول: أخرجه الدّارمي (٢/ ٣٢٢)، وأحمد (٤/ ١٨٢) من طريق صفوان بن عمرو: حدثني يحيى بن جابر القاضي، عن النوّاس بن سمعان. . . به. وهذا إسنادٌ صحيحٌ لولا أنَّه منقطع بين يحيى والنواس؛ والظاهر أنَّ بينهما عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه، عن النواس، كذلك قال في حديث آخر له -طويل- في خروج الدّجال وقيام الساعة؛ رواه مسلم (٦/ ١٩٧) وأحمد (٤/ ١٨١ - ١٨٢) وغيرهما. وأمّا شواهده؛ فكثيرةٌ، وقد خرَّج الحافظُ ابنُ رجب الكثيرَ الطيِّبَ منها في شرحه على "الأربعين النووية" (ص ١٨١ - ١٨٢) تحت هذا الحديث، فلْيراجعها من شاء. وممن رواه: التِّرمذي (٢٣٩٥) -وصحَّحه-، وابن حبّان (٣٩٨)، وهو مخرَّج في "التعليق الرغيب" (٣/ ٢٥٦)، وهو مُلْحَقٌ ببعض الأحاديث المخرَّجة في "الصحيحين" -أو في أحدهما-، من التي طعن (الهدَّام) في بعض رواتها، كالحديثين المتقدمين برقم (٣٣ و ٣٥).

стр. 114

٤١ - "وقال أنس ﵁: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تشدّدوا على أنفسكم فيشدِّد اللَّه عليكم، فإنَّ قومًا شدَّدوا على أنفسهم، فشَدَّد اللَّه عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ ": قلت: جزم ابن القيم بنسبته إلى النبي ﷺ ، وهو الصواب، وأمَّا (الهدَّام) فأعلّه بـ (سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء)؛ قال (١/ ١٨٧): "ولم يوثقه غير ابن حبّان"؛ وعزّاه لأبي داود (٤٩٠٤) فقط! هذا هو مبلغُ تحقيقهِ وعلمهِ! وهو مما (يساعده) على تضعيف الأحاديث الصحيحة وهدمه! فاعلم -أيها القارئ الكريم! - أنَّ الحديث رواه ابن أبي العمياء، عن سهل بن أبي أُمامة، عن أنس -مرفوعًا-. . . به، وفيه قصة، وابن أبي العمياء هذا مجهول الحال، ولهذا كنت خرَّجت حديثه هذا بتمامه في "الضعيفة" (٣٤٦٨). وأمّا هذا القدر الذي ذكره ابن القيم فهو صحيحٌ، لأنَّه قد توبع سعيدٌ هذا عليه، وإن كان خولف في إسناده: فقال أبو شُريح عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني -الثقة-: عن سهل ابن أبي أُمامة بن سهل بن حُنيف، عن أبيه، عن جده -مرفوعًا-. . . به نحوه، إلى قوله: "والديارات"، دون ما بعده. قلت: فجعله من مسند (سهل بن حُنَيف)، وهذا إسنادٌ صحيحٌ؛ أخرجه البخاري في "التاريخ"، والطبراني في "المعجم الكبير"، و"الأوسط"، والبيهقي وغيرهم، وقد خرّجته في "الصحيحة" (٣١٢٤)، وتكلّمت فيه على إسناده، ودعّمته فيه بشاهدين مرسلين، إسناد أحدهما صحيح، بما لا يشكّ الواقف على ذلك أنَّ الحديث صحيحٌ بلا ريب.

стр. 115

فماذا يقول القراء فيمن جهل -أو تجاهل- هذه الحقائقَ والطرق والمصادر، واقتصر على طريق ابن أبي العمياء ومصدره الواحد؟ ! فاللهم هداك! ٤٢ - "قال ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ"": ضعفه (الهدَّام) (١/ ١٩١) بعد أن عزَاه لجماعة من أصحاب "السنن" -وغيرهم؛ كابن الجارود، وابن حبان، والحاكم من أصحاب "الصِّحاح"- من حديث عائشة ﵂؛ وقال بجهلٍ بالغ: "وفي حماد بن أبي سليمان ضعفٌ، وله شواهد عن علي، وابن عباس، وأبي هريرة وغيرهم، وفي أسانيدها كلها كلام، ويشبه أن يكون موقوفًا (١) "! ! كذا قال (الْمُتَمَجهد) المتعالم! غيرَ مُبالٍ بمخالفته لجميع العلماء من المحدِّثين والمفسِّرين والأُصوليين والفقهاء، الذين احتجوا به تقعيدًا وتفريعًا، ومنهم أبو الوفاء ابن عَقِيل الذي احتجَّ به -كما ذكر ابن القيم- على الموسوس الذي انغمس في الماء مرارًا كثيرًا، ثم سأل: هل صحَّ غُسلي أم لا؟ فأجابه ابن عَقِيل بقوله. "قد سقطت عنك الصلاة"! . . . واحتج عليه بالحديث قائلًا: "من ينغمس في الماء مرارًا ويشك: هل أصابه الماء أم لا؟ فهو مجنون! ". لقد تعامى (الهدَّام) عن هذا، كما تعامى عن تصحيح أصحاب "الصِّحاح" المذكورين - وغيرهم؛ كابن خزيمة، وعبد الحق الإشبيلي، وابن دقيق العيد، والذهبي، والعسقلاني -وغيرهم-، كما خالف الجمهور الَّذين وثَّقوا الإمام الفقيه حماد بن أبي سليمان؛ لكلامٍ يسيرٍ فيه من بعضهم. وقال الحافظ النّقّاد الذهبي: "ثقة إمام مجتهد، كريم جواد". واحتج به مسلم.

стр. 116

وقول (الهدَّام): "وفي أسانيدها كلها كلام": كذبٌ مكشوفٌ؛ فإنَّ حديث عَلِيٍّ -الذي تهرَّب من تخريجه- له وحده أربعةُ طرقٍ أَحَدُها صحيح، كما تراه محقَّقًا في "الإرواء" (٢/ ٤ - ٧)، وصحّحه الحاكم، والذهبي، وكذا ابن خزيمة، وعبد الحق، وحسّن التِّرمذي أحد أسانيده الأخرى. وقوله: "ويُشبه أن يكون موقوفًا"! فأقول: على مَن؛ أيُّها الْـ. . .؟ ! أعلى عائشة؟ ! أم علي؟ ! أم ابن عباس؟ ! أم أبي هريرة؟ ! وغيرهم ممن طَوَيْتَ ذكرَهم -مثل ثوبان، وشداد-؟ ! فَمَنْ يقول في مثل هذا الحديث المرويِّ عن هؤلاء الصحابة قولَك هذا؛ فإنَّ أحسن أحواله أن يكون كالذي قال فيه ابنُ عَقِيل ما تقدّم! وأخيرًا، فهذا الحديث من الأمثلة الكثيرة التي تدل على أنّ (الهدَّام) لا يتبنّى ما عليه العلماء من تقوية الحديث بكثرة الطرق الخالية من الضعف الشديد -كما تقدّم بيانه في المقدمة رقم (٢) -. ٤٣ - "وقد روى أبو داود في "سننه" من حديث عبد اللَّه بن مُغَفَّل، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "سيكون في هذه الأمّة قوم يعتدون في الطهور والدعاء": قلت: خرّجه (الهدَّام) من طريق حماد بن سلمة، عن سعيد الْجُرَيْري، عن أبي نَعَامة قيس بن عَبَايَةَ، عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل، وأعلّه بالانقطاع بين قيس وعبد اللَّه؛ تمسُّكًا منه بشرط اللقاء -الذي أثبتنا في المقدمة أنَّه شرطُ كمال وليس شرطَ صحة، فلا نطيل الكلام برَدّه-، وأعلّه بقوله: "ولا يَبْعُدُ أن يكون حمّاد بن سلمة سمعه من الْجُرَيْري في اختلاطه"! وهذا مما يؤكد محاربته للسنة، لأنَّه مجردُ استظهارٍ قائمٍ على التشَهِّي لهدمها، ولو عارضه أحدٌ وقلب عليه قوله؛ لم يستطع ردّه!

стр. 117

على أنَّ قولَه باطلٌ؛ لأنَّه معارِضٌ لقول الحافظ العِجْلي في "تاريخ الثقات" (١٨١/ ٥٣١) بأنَّ حماد بن سلمة سممع منه قبل الاختلاط، وهو قول أبي داود أيضًا؛ وصنيع مسلم بروايته له عنه في "صحيحه". ثم أعَلَّه (الهدَّام) بعلَّةٍ أخرى؛ وهي مخالفة زياد بن مِخْرَاق الذي رواه عن قيس، عن مولى لسعد بن أبي وقاص، عن ابن لسعدٍ. . . -مرفوعًا-، فقال: "وهذا عندي (! ) أصحّ، على ضعف إسناده"! وهذا كسابقه؛ عمدتُه التشهّي والهوى! على أنَّ الضعف الذي أشار إليه؛ ليس هو جهالةَ المولى -فقط- كما يُشعر به كتمانُه للعلة الحقيقية التي صَرّح بها الإمام أحمد-؛ فقد سُئلَ عن حديث زياد هذا؟ فقال: "لم يُقِمْ إسناده". يشير إلى أنَّه اضطرب فيه، وقد بيّنتا ذلك في "صحيح أبي داود" (١٣٣٠). ثم إنَّ مما يُسقط العللَ المدّعاةَ -من جذرها- تتابعَ العلماءِ على تصحيح الحديث؛ مثل ابن حبان، والحاكم، والنووي، وابن كثير، والعسقلاني -وغيرهم-، وهو مخرّج في "صحيح أبي داود" برقم (٨٦). وسيأتي حديثٌ آخرُ صحيحٌ، احتجَّ به ابن القيِّم، ورواه مسلم في "صحيحه"؛ ومع ذلك أعَلّه (الهدَّام) باختلاط الجُرَيْري! فانتظر الرَّد عليه برقم (٧٦). ٤٤ - "روى أبو داود عن امرأةٍ من بني عبد الأشهل؛ قالت: قلت: يا رسول اللَّه! إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنةً، فكيف نفعل إذا مُطِرنا؟ (١) قال:

стр. 118

"أو ليس بعدها طريق أطيب منها؟ ! "، قالت: قلت: بلى، قال: "فهذه بهذه"": قلت: خرّجه (الهدَّام) (١/ ٢٠٧) عن المرأة، وقال: "رجاله ثقات"! ثم خرّجه من حديث أم سلمة، وقال: "وفيه جهالة، وقال العُقيلي: إسناد صالح جيد". هكذا قال (الهدَّام)، فعمّى على القراء رأيَه في إسناد الحديث؛ فقال: "رجاله ثقات"، ولم يُصحِّحه ولم يُحسِّنة! وهو يعلم الفرقَ بين هذا وبين ما قال، ولذلك عمّى ولم يبيِّن! وقال في حديث أم سلمة: "فيه جهالة. . . "، ولم يحدّد موقفَه من قول العُقَيلي المذكور، وأعاد قولَه بالجهالة -فيما يأتي (١/ ٢١١) - بلفظ: "يطهِّره ما بعده". والحقُّ أن إسناد حديث المرأة الأشهلية صحيحٌ، كما كنت قُلْتُهُ في "المشكاة" (١/ ١٥٨/ ٥١٢) "تبَعًا لمن سبقني من الحفاظ، مثل عبد الحق الإشبيلي، والمنذري، كما حقّقته في "صحيح أبي داود". وإنَّما لم يُصَحِّحه (الهدَّام) لجهله بلقاء (موسى بن عبد اللَّه بن يزيد الخَطْمي) الراوي عن المرأة الأشهلية، مع أنَّهم قد ذكروا له روايةً عن جمع من الصحابة، منهم المرأةُ هذه، وهو ثقةٌ، ولم يُرْمَ بتدليس، فروايته محمولةٌ على الاتصال، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الحديث الذي قبله. ومع هذا" فيشهد له حديثُ أم سلمةَ الذي جوَّد العقيليُّ إسنادَه، وصحَّحه ابن العربي وابن حجر الهَيْتَمي، وهو مُخَرَّج -أيضًا- في "صحيح أبي داود" (٤٠٩)، وذكرت تحته شاهدًا آخر من حديث أبي هريرة، لكن (الهدَّام) لا يعبأ بالشواهد وتصحيح العلماء ما خَالَفَتْ هواه! ٤٥ - "وقال عبد اللَّه بن مسعود: كنّا لا نتوضأ من موطئ": قلت: إسناده صحيح، ولكن (الهدَّام) لم يزد في تخريجه إياه على قوله (١/ ٢٠٧):

стр. 119

"أخرجه أبو داود (٢٠٤) ورجاله ثقات"! فأقول: ما فائدة هذا التوثيق -وهو لا يعني تصحيحًا- كما تقدم بيانه آنفًا-؟ ! ، بل ذلك قد يعني عنده أنَّ فيه عِلَّة، فإن كان كذلك؛ فما هي؟ ! وهل هي قادحةٌ في صحته أم لا؟ ! كل ذلك كان يجب على (الهدَّام) بيانه لو كان محقِّقًا -حَقًّا- كما يزعم! والحقيقة؛ أنَّ الحديث رواه جماعةٌ من الثقات، عن الأعمش، عن شَقِيق، عن عبد اللَّه بن مسعود. . . به، ومن أولئك الثقات أبو معاوية الضرير، فوافقهم تارة، وخالفهم مَرَّة، فزاد في الإسناد (مسروقًا) بين شقيق وعبد اللَّه، ولا شك أنَّ روايته الموافقةَ للجماعة هي الصوابُ، ولذلك صحَّحها الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وقد بيّنت هذا الذي أجملتُه هنا في "صحيح أبي داود" (٢٠٠)، وأزيد الآن فأقول: قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٥٦): حدّثنا شَرِيك، وهُشَيم، وابن إدريس، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، قال. . . فذكره. فمَن وقف على هذه الحقائق، كيف لا يبادر إلى التصريح بصحة إسناده، وهو عالمٌ به ناصحٌ لقرائه؟ ! فإن قيل: لعله لم يصحّحه لعنعنة الأعمش! فأقول: ليس الأمرُ كذلك، فقد صَرَّح بتصحيح حديثِ آخرَ للأعمش من روايته عن شقيق -فيما تقدم عنده (١/ ١٢٥) -. ٤٦ - "روى أبو هريرة، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى، فإنَّ التراب له طهور"، وفي لفظ. . .؛ رواهما أبو داود": قلت: مدارهما على الأوزاعي، وقد اختُلف عليه فيه على وجهين

стр. 120

-ذكرتهما في "صحيح أبي داود"-، أرجحهما أنَّه: عنه، قال: نُبِّئت أنَّ سعيد ابن أبي سعيد المَقْبُري حدَّث عن أبيه، عن أبي هريرة، فالعلة جهالة من أنبأ الأوزاعي. وقد عزاه (الهدَّام) (١/ ٢٠٩) إلى جمعٍ دون طائلٍ؛ لأنَّه لم يبين العلة الحقيقيّة، ثم ختمه بالنقل عن الحافظ أنَّه ضعَّف سنده في "التلخيص"، وكتم شواهده التي عقَّب بها عليه مشيرًا إلى تقويته بقوله: "ورُوي عن الأوزاعي من طريق عائشةَ -أيضًا-، أخرجه أبو داود -أيضًا-، وساقه ابن ماجه من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرة -مرفوعًا- نحوه، وإسناده ضعيف، وفي الباب حديث أُمّ سَلّمة: "يُطَهّره ما بعده"؛ رواه الأربعة، وفي الباب -أيضًا- عن أنس، رواه البيهقي في "الخلافيات"". وأقول: ليس في هذه الشواهد ما يُمكن الاعتضادُ به، إلّا حديث عائشة، فقد أخرجه أبو داود وغيره من طريق محمد بن الوليد: أخبرني سعيد بن أبي سعيد، عن القعقاع بن حكيم، عنها، وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله كلُّهم ثقات -كما بيّنت في "صحيح أبي داود" رقم (٤١٣) -. وحديث أم سلمة المذكور تقدّم تحت الحديث (٤٤). ومما يشهد للحديث ويُقَوِّيهِ؛ حديثُ أبي سعيد -الآتي عَقِبَ هذا، مع بيان زَوَغان (الهدَّام) عن بيان صِحَّته! -. ٤٧ - "وروى أبو سعيد الخدري. . .: "فإِذا جاء أحدُكم المسجدَ فلْيقلِّب نعليه، ثم لْينظر؛ إنْ رأى خبثًا فلْيمسحه بالأرض، ثم ليصلِّ فيهما"؛ رواه الإمام أحمد": قلت: هو من رواية حماد بن سلمة، عن أبي نَعَامة السَّعْدي، عن أبي

стр. 121

نَضْرَةَ، عن أبي سعيد الخُدْري، وهذا إسناد صحيح، وقد صحَّحه جماعةٌ؛ كابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، والنووي، والذهبي -وغيرهم-، ومع ذلك لم يزد (الهدَّام)، على قوله بعد عزوه لأحمد وأبي داود فقط: "ورجاله ثقات، قال الحافظ: واختُلف في وصله وإرساله، وَرَجَّح أبو حاتم في "العلل" الموصولَ". قلت: هذا ما نقله (الهدَّام) فَلِمَ لَمْ يصحّحه؟ ! في ظَنِّي أنَّه لموقفه المعروف من إمام السُّنَّة حماد بن سلمة -كما تقدّم-، مع أنَّ له شاهدين صحيحين؛ أحدهما عن أنس، والآخر من مرسل بكر بن عبد اللَّه المزني، وهو على معرفةٍ بهما من "إرواء الغليل" (١/ ٣١٤ - ٣١٥)، ولكنَّه الكبر، والأنانية، وبَطَرُ الحق! وهو مخرَّج أيضًا في "صحيح أبي داود" (٦٥٧ و ٦٥٨). ٤٨ - "رخَّص النبي ﷺ للمرأة أن تُرخي ذيلها ذراعًا": قال (الهدَّام) (١/ ٢١١): "حديث صحيح، أخرجه مالك. . . " إلخ. عمَّى -كعادته- حالَ إسناده، وهو صحيحٌ؛ فَلِمَ عَدَلَ عن التصريح إلى التعمية؟ ! ما أظنّ ذلك إلَّا حُبًّا للمشاكسة والمعاكسة! وهو مخرَّج في "الصحيحة" (١٨٦٤). ٤٩ - "وقال ﷺ : "الأرض كلّها مسجدٌ إلَّا المقبرة والحمام"؛ رواه أهل "السنَّن" إلّا النسائي": قلت: جاء من طرق عن عَمرو بن يحيى الأنصاري، عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدْري. . . -مرفوعًا-، وهذا إسنادٌ صحيحٌ، ولذلك جزم المؤلف بنسبته إلى النبي ﷺ ؛ وعليه جميع العلماء المتقدّمين منهم والمتأخرين من أصحاب

стр. 122

"الصحاح" -وغيرهم-؛ مِمَّن صحّحه أو أشار إلى صحّته كالبخاري، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن حزم، وابن تيميّة، وابن دقيق العيد، وابن التُّرْكُماني وغيرهم، وهو مخرج في "الإرواء" (١/ ٣٢٠)، و"أحكام الجنائز" (٢٧٠)، و"صحيح أبي داود" (٥٠٧). وأمَّا (الهدَّام)؛ فقد عاند وكابر -كعادتهِ-؛ فسوَّد صفحتين عَبَثًا؛ محاولًا إعلالَه بالإرسال من الثوري وغيره، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، لم يذكر فيه (أبا سعيد)! وهو يعلم أنَّه قد وصله عبدُ الواحد بن زياد، وحمّاد بن سلمة، ومحمد بن إسحاق، فتجاهل ذلك كلَّه، ولم يتعامل مع قاعدة علماء المصطلح "زيادة الثقة مقبولة"، فكيف وهم ثقاتٌ؟ ! ولم يقف عناده عند هذا الحدِّ حينما اصطدم مع رواية عمارة بن غَزِيَّةَ، عن يحيى بن عِمارة الأنصاري، عن أبي سعيد، عند ابن خُزيمة في "صحيحه" وغيره، فهذه متابعةٌ قويةٌ من عِمارة بن غَزِيَّةَ لعمرو بن يحيى الأنصاري، وبالسند الصحيح إليه، مما يؤكِّد صِحَّة الرواية الموصولة عن (عمرو بن يحيى)، فماذا فعل (الهدَّام)؟ ! لقد وضع في رواية (يحيى بن عمارة) اضطرابًا - تدليسًا وتضليلًا؛ فإن الاضطراب المدَّعْى إنّما هو في رواية ابنه (عمرو بن يحيى)، فعليه اختَلف الرواةُ، وليس على أبيه (يحيى) -كما هو ظاهرٌ-، وأمّا رواية عِمارة بن غَزِيَّةَ فهي في منجاة من ذاك الاضطراب، على أنَّه غير مُؤَثِّر، لأنَّه مرجوح -كما تقدم-، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أسانيده جيدة، ومن تكلّم فيه فما استوفى طرقه". هذا؛ وإنّ مِن جَهْلِ هذا الرجل بالفقِه؛ قولَهُ في آخر تخريجه: "والحديث معارَض بحديث جابر: "أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد

стр. 123

قبلي. . . وجُعلت لي الأرض طيِّبة طهورًا ومسجدًا، فأيّما رَجُلٍ أدركته الصلاة، صلّى حيث كان"". قلت: يريد (الهدَّام) بهذا أن يضع ضعفًا في متن الحديث، كما وضع ضعفًا في سنده، وهو على كلِّ حالٍ خاسرٌ، فإنَّ هذا الحديث كسائر الأحاديث الصحيحة التي تنهى عن الصلاة في المقابر، وفي المساجد المبنيّة على القبور، وعن الصلاة في معاطِن الإبل، ونحو ذلك، فهذه خاصَّةٌ، وحديث جابر عامٌّ، فهو مُخَصَّصٌ بها -كما لا يخفى على الفقهاء-، فإلى اللَّه المشتكى من زمان يَتَكلَّم فيه الرويبضة! ٥٠ - "قول ابن مسعود: لأنتم أهدى من أصحاب محمد، أو أنتم على شعبةِ ضلالة": عزاه (الهدَّام) (١/ ٢١٦) للدارمي، وأعلّه بقوله: "وهذا إسناد ضعيف، عمرو بن يحيى بن عمرو بن سَلِمة الهَمْداني، قال ابن معين: ليس حديثه بشيء، ولم يوثقه أحد، وأبوه (يحيى) ذكره أبن أبي حاتم في "الجرح"، وسكت عنه". قلت: وفي هذا التخريج على اختصاره بلايا! أولًا: ليس الأثر عند الدارمي باللفظ المذكور، وإنَّما بلفظ: "إنَّكم لعلى مِلَّة هي أهدى من ملة محمد، أو مُفتَتِحُو باب ضلالة". ثانيًا: ما نقله عن ابن معين لا يصحّ عنه، رواه ابن عدي (٥/ ١٢٢) من طريق أحمد بن أبي يحيى -وهو الأنطاكي-؛ قال فيه إبرإهيم بن أُورْمة: كذّاب، رواه عنه ابن عدي (٥/ ١٩٥) وقال فيه: "روى عن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل "تاريخًا" في الرجال".

стр. 124

ثالثًا: قوله: "ولم يوثّقه أحد" من جملة ادِّعاءاته الطويلة العريضة، فإِنَّه مع كونه نفيًا -وإثباتُه من أصعب الأمور كما معروفٌ عند العلماء-؛ فإِنَّه لم يقله قبله أحدٌ فيما علمت، بل هو كذب -كما يأتي-. رابعًا: قد وثّقه ابن معين -فيما رواه ابن أبي حاتم (٣/ ٢٦٩/١/ ١٤٨٧) بالسند الصحيح عنه-، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٤٨٠)، وهذا التوثيق مقدّم -بداهةً- عند العلماء على تضعيف ابن معين المذكور -لو صَحَّ-؛ لأنَّه جَرحٌ مبهمٌ غير مُفَسَّرٍ؛ فكيف وهو غير صحيح؟ ! ولاسيما وقد روى عنه جَمْعٌ من الثقات الحفّاظ، كابن أبي شيبة، وعبد اللَّه ابن نُمَير، وعبد اللَّه بن سعيد الأشجّ -وغيرهم- كما تراه عند ابن أبي حاتم-. خامسًا: قوله في أبيه (يحيى): "ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح" وسكت عنه"! فيه آفتان: إحداهما: كتمانه قولَ أبي حاتم فيه: "روى عنه شعبة، والثوري، والمسعودي، وقيس بن الربيع، وابنه عمرو". فهذا يفيد أن (يحيى) هذا معروفٌ غير مجهول، خلافًا لما يُشعر به نقلُ (الهدَّام) المبتور. والأخرى: كتمانه قولَ العجلي في كتابه (٤٧٤/ ١٨١٩): "كوفيٌّ ثقة". فهذا التوثيقُ -مع رواية أولئك الثقات عنه، وملاحظة كونه من أتباع التابعين-؛ مما يُلقي في النفس أنَّ الرجل صدوق، وأنَّ إسناد هذا الأثر جَيِّدٌ، رغم أنف (الهدَّام) المحارب للآثار السلفية، ولا غرابة في ذلك من رجل متخَصِّصٍ في تضعيف الأحاديث النبوية الصحيحة -عامله اللَّه بما يستحق! -. سادسًا: هَب أنَّ الرجل فيه جهالةٌ؛ ولكنها جهالةُ حالٍ -يقينًا-، فمثله

стр. 125

تتقَوَّى روايته بمجيئها من طريق أخرى، فكيف وقد جاءت من طرق؟ ! فقد أخرجه عبد الرزّاق في "المصنف" (٣/ ٢٢١ - ٢٢٢)، وعبد اللَّه بن أحمد في "زوائد الزهد" (ص ٣٥٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٩/ ١٣٣ - ١٣٤)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٤/ ٣٨٠ - ٣٨١) من طرق؛ عن عبد اللَّه بن مسعود. . . بقصة أصحاب الذكر المبتدع، وأقربها إلى لفظ الكتاب طريةت قيس بن أبي حازمٍ، قال: ذُكر لابن مسعود قاصٌّ يجلس بالليل، ويقول للناس: قولوا كذا، قولوا كذا! قال: فجاء عبد اللَّه مُتقَنِّعًا، فقال: مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا عبد اللَّه بن مسعود؛ تعلمون أنَّكم لأهدى من محمدٍ وأصحابه؛ أو إنكم لَمتعلِّقون بذنب ضلالة! وقد صحّح هذه الطريقَ الهيثميُّ في "المجمع" (١/ ١٨١ - ١٨٢)، ورجاله ثقات؛ لكنْ فيه إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري، وفيه كلامٌ معروفٌ، لكن يقوّيه رواية الطبراني، وأبي نعيم من طريقِ سَلَمة بن كُهيل، عن أبي الزعراء. . . نحوه. قلت: وإسناده جيد. فماذا يمكن أن يقولَ القائلُ فيب هذا المعلّق المضعِّف الذي كتم كلَّ هذه الطرق، ولم يُشِرْ إليها أدنى إشارة؟ ! أهو عالم يكتم علمه، ولا يؤدّي الأمانة؟ ! أم هو جاهلٌ متعالم، لا علم عنده؟ ! (تنبيه): لفظ الدّارمي أتمُّ من لفظ قيس بن أبي حازم؛ وهو مخرّج في "ردّي على الشيخ الحبشي" (ص ٤٥ - ٤٦/ الطبعة الأولى). ٥١ - "قال أبو هريرة: كنّا مع النبي ﷺ في صلاة العشاء، فلَمّا سجد

стр. 126

وثب الحسن والحسين على ظهره. . . حتى قضى صلاته؛ رواه الإمام أحمد": أعلَّه (الهدَّام) (١/ ٢٢٣) بقوله: "وفي إسناده كامل بن العلاء، وفيه ضعف"! قلت: هذه من تضليلاته ومراوغاته الكثيرة، فكلُّ ثقةٍ فيه ضعفٌ يسيرٌ؛ يصِحُّ أن يقال فيه: "فيه ضعف"! حتى بعض رجال "الصحيحين" -كما لا يخفى على العارفين بهذا العلم-، ومع ذلك يكون حديثه مُحتَجًّا به، ولو في مرتبة الحسن، وهذه حالُ (كاملٍ) هذا، فقد وثّقه ابن معين، وقال النسائي: "ليس بالقوي"، ولهذا قال الحافظ: "صدوق يخطئ". فهو -إذن- وَسَطٌ، فـ (الهدَّام) بَدَلَ أن يصرِّح بتحسين إسناده، راوغ؛ فقال: "فيه ضعف"! ومع ذلك، فهذا الضعف يزول ويرتقي حديثه إلى مرتبة الصِّحّة بالشاهد الذي ساقه (الهدَّام) عَقِبَهُ من رواية أحمد (٥/ ٤٤ و ٥١) من طريقين، عن المبارك بن فَضَالَة، عن الحسن البصري، عن أبي بكرة. . . نحوه؛ ولكنّه زاغ عن الحقّ أيضًا، فأعلّه بعلتين: ١ - قال: "وهذا إسناد ضعيف، لضعف المبارك بن فَضَالة"! قلت: فهذا التضعيفُ المطلق مخالِفٌ لما استقرّ عليه قولُ الحفّاظ من تقييد ضعفه بما إذا عنعن؛ كما قال أبو داود وأبو زُرعة: "إذا قال: "حدّثنا"؛ فهو ثقةٌ"؛ ولَخَّصَ الحافظُ هذا فقال: "صدوق يُدَلِّس" (١). و(الهدَّام) يعرفُ هذه الحقيقةَ، ولذلك كان من تمام زَوَغانِه أنَّه ساق إسناده المعنعن -من الموضع الثاني المشار إليه بصفحة (٥١) -، وكتم سياقَه

стр. 127

الذي صرَّح فيه المباركُ بتحديثهِ وتحديثِ الحسن البصري -أيضًا-، وهو في الموضع الأوّل (٤٤)! فقال أحمد: ثنا هاشم: ثنا المبارك: ثنا الحسن: ثنا أبو بكرة. . . وهذا إسناد جَيِّد قوي، فماذا يقال عَمَّن يُدَلِّس على القراء، ويكتم عنهم الحقائق؟ ! على أنَّ هناك شواهدَ أخرى يزداد بها الحديث قُوَّةً على قوة؛ عند ابن خزيمة وابن حِبّان في "صحيحيهما"؛ وهو مخرَّج في "الصحيحة" برقم (٤٠٠٢). ٢ - وأمّا العِلّة الأُخرى؛ فهي زَعمه أنَّه: "رواه جَمْعٌ عن الحسن البصري لم يذكروا قِصَّة الوثب! وأثبتوا آخره". قلت: لا يزال مستمرًّا في التعمية على القرَّاء! فهو يعني بـ "آخره"؛ قولَه ﷺ : "إن ابني هذا سيِّدٌ. . . " الحديث، وهذا لم يذكره ابن القيم، فكان عليه البيان، وجوابًا عليه أقول: ما رواه الجمع قِصَّةٌ أخرى، بدليل أنَّ في رواية للبخاري برقم (٣٧٤٦) -الذي أحال (الهدَّام) عليه- أنَّ النبي ﷺ كان على المِنبر، والحسنُ إلى جنبه، ينظر إلى النّاس مَرَّةً" وإليه مرَّةً، ويقول. . . فذكره. قلت: فهذه القصةُ لا تدفع قِصَّة المبارك، لا سيما ولم يتفَرَّد بها -كما تَقَدَّم-، فهما قِصَّتان، ومن الممكن أنهما وقعتا في يومٍ واحدٍ، إحداهما متمِّمةٌ للأخرى، وفيه قال ﷺ : "إنَّ ابني هذا سيد. . . " الحديث، هذا هو الواجبُ عند العلماء الغيورين على حديث رسول اللَّه ﷺ ؛ الحِرْصُ على الجمع بين أحاديثه؛ وليس ضربَ بعضها ببعض، كما يفعل (الهدَّام) وأهل الأهواء -من أمثالهِ-، نسأل اللَّه السلامة!

стр. 128

ومن شواهد الحديث ما أَتْبعهُ به ابن القيِّم ﵀؛ وفضح (الهدَّام) نفسه بتخريجه -كما سترى-. ٥٢ - "قال شدّاد بن الهادِ: خرج علينا رسولُ اللَّه ﷺ وهو حاملٌ الحسنَ أو الحسينَ، فوضعه، ثم كَبَّر للصلاة، فَصَلّى، فسجد بين ظهرانَي صلاته سجدة أطالها، فلما قضى الصلاة، قال: "إنَّ ابني ارتحلني" فكرهت أن أُعْجِلَه"؛ رواه أحمد، والنسائي": عزاه (الهدَّام) إليهما -وإلى البيهقي (٢/ ٢٦٣) -، فقال (١/ ٢٢٤): "من طريق جرير بن حازم، عن محمد بن أبي يعقوب التميمي، عن عبد اللَّه بن شدّاد، عن أبيه، وأرجو أن يكون حسن الإسناد"! فأقول: جرى على عادته من تعمية الأُمور، فلم يُبيِّن السبب في إعراضه عن تصحيحه، واقتصاره على التحسين، وفي تشكيكه فيه أيضًا! ! والسبب الرئيسي هو الشذوذُ، والمخالفةُ لمن صحّحوه، ويتسَتّر بالتمسُّك بما قيل في (جرير بن حازم) من جرحٍ غير قادح عند الحفّاظ، أمّا (الهدَّام): فهو ينظر إلى نفسه أنَّه إمامٌ في الجرح والتعديل (! ) لا يقلّد فيهما أحدًا! قال الذهبي في (جرير): "ثقة إمام؛ تغتر قبل موته، فحجَبَه ابنه (وهب)، فما حدَّث حتى مات، قال ابن معين: هو في قتادةَ ضعيفٌ، وقال (خ): ربّما وهم". كذا قال في "المغني"، ولهذا الكلام اليسير -فيه- أورده في "الميزان"، ولكنّه قال: "أحد الأئمة الكبار الثقات، ولولا ذِكْرُ ابن عديٍّ لما أوردته". قلت: والبخاري قد احتجَّ به في "صحيحه"، فقوله فيه: "ربما وهم"

стр. 129

ليس جرحًا مسقطًا لحديثه عن مرتبة الصحة -كما لا يخفى-، ولذلك لما صحّح الحاكمُ حديثَه هذا في "المستدرك" (٣/ ١٦٥ - ١٦٦) -على شرط الشيخين-؛ وافقه الذهبي في "تلخيصه"، وأقرّه عليه الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (٢/ ٢١٨). وعلى مثل هذا التصحيح جرى الحفّاظ في أحاديث أخرى لجرير بن حازم، مثل حديث: "ما استجار عبدٌ من النار سبع مَرّات. . . " إلخ؛ فقد صحّحه على شرط الشيخين الحافظُ ضياءُ الدين المقدسى، وزكي الدين المنذري، وابن القيِّم في "حادي الأرواح" -كما تراه مخرجًا في أوّل المجلد السادس من "الصحيحة" رقم (٢٥٠٦) -، وهذا يعني -عندهم- أنَّ ما قيل في جرير ليس جرحًا. وهنا تنكشفُ لنا فضيحةٌ من فضائح (الهدَّام) الكثيرة، وهي كتمانه عزو الحديث للحاكم وتصحيحه هو والذهبي إيّاه، وتتجَسَّد الفضيحة إذا علم القراء أنَّ البيهقي الذي عزاه (الهدَّام) إليه؛ إنّما رواه من طريق شيخه الحاكم! فليت شِعري لم استجاز (الهدَّام) العزوَ للتلميذ وهو غير ملتزم الصِّحَّة في كتابه، وأعرض عن العزو إلى شيخه؛ وهو ملتزم الصحة في كتابه -وقد صَرَّح بها- كما سبق؟ ! -؛ الجواب ندعه للقراء الألِبَّاء. وإن من فوائد رواية الحاكم؛ أنَّها من طريق وهب بن جرير، الذي حجب أباه من التحديث بعد تَغَيُّره؛ مما يسدُّ الطريق على (الهدَّام) وأمثاله أن يُعِلُّوا الحديثَ به، فصَحَّ الحديث والحمدُ للَّه، ولم يبق للشك في صِحَّته -فضلًا عن حُسنه- معنًى، إلّا حبُّ المخالفة والمشاكسة، والعياذ باللَّه! وإذا كان الحديث عنده حسنًا فبما يرجو؛ فلماذا لم يُقَوِّ به حديث أبي هريرة وحديث أبي بكرة -اللَّذين ضعَّفهما- كما تقدم؟ ! -؛ الجواب لدى القراء الأَلِبَّاء -أيضًا-.

стр. 130

والحديث مخرَّجٌ في "صفة الصلاة" (ص ١٤٨/ المعارف). ٥٣ - "وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّها ليست بنجس، إنَّها من الطوّافين عليكم والطوّافات"، وكان يُصغي لها الإناء حتى تشرب": هكذا جزم المؤلف بنسبته إلى النبي ﷺ ، وهو الصواب الموافق لتصحيح الحُفَّاظِ إياه، كالبخاري، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبّان، والعُقيلي، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٣٢٤)، والنووي، والذهبي -وغيرهم-. وأمّا (الهدَّام) فقال (١/ ٢٢٧) -بعد أن عزاه لأصحاب "السنن"، وابن حبان من حديث أبي قتادة-: "وفيه حُميدة بنت عبيد، لم يُوثقِّها غير ابن حبان، وصحَّح الحديث جَمْعٌ، انظر "التلخيص" (١/ ٤١) ". قلت: قد ذكر له في "التلخيص" طرقًا وشواهد يدلُّ مجموعها على أنَّ للحديث أصلًا أصيلًا، فلا جَرَمَ أنَّه صحّحه من ذكرنا من الحفاظ، وأمَّا (الهدَّام)؛ فترك قُرَّاءه في حيرة؛ فهو مِن جهةٍ أعَلّ الطريق المذكور بـ (حُميدة)، ومن جهةٍ أخرى قال: "صحَّحه جَمْعٌ"، فهو مع من يا ترى؟ ! أظن أنَّه هو في نفسه حيران ﴿. . لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾! ! لأنَّه لا علم عنده، ولا بصيرة يهتدي بها، وأقلّها أن يتبع ﴿. . . سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾! والحديث مخرَّج في "الإرواء" (١/ ١٩٢ - ١٩٣)، و"صحيح أبي داود" (٦٨ و ٦٩). ٥٤ - "وقال ابن عباس ﵄! قال رسول اللَّه ﷺ : "الماء لا ينجِّسه شيء"؛ رواه الإمام أحمد":

стр. 131

قلت: جزم به المؤلَّف ﵀؛ وهو الصواب، وخالف (الهدَّام) -كعادته- فقال -بعدما عزاه لجماعة غير أحمد (! ) -: "وهذا الإسناد ضعيف"! هكذا يُطْلِق ولا يبيِّن؛ لأنَّه الإمام (! ) الذي يجب الانقياد له! والتسليم لقوله! ! وأمّا هو فلا يسلّم لحفّاظ الأمّة بدون دليل! ! وهو إنَّما يُطلق ولا يبيّن -سترًا لجهله ومخالفته لقواعد علم المصطلح-، والواقع أنَّ سِمَاكًا هذا -وهو ابن حرب- قد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال: التوثيق مطلقًا، التضعيف مطلقًا، والتفصيلُ؛ وهو قول الحافظ يعقوب بن شيبة: "من سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان، فحديثهم عنه صحيحٌ مستقيمٌ، وقول ابن المبارك فيه: "ضعيف" إنَّما هو -فيما نرى- فيمن سمع منه بأخرة". ونحوه عن الدّارقطني، ولذلك إنَّما أخرج له مسلم من رواية سفيان وشعبة عنه، كما في "تهذيب المزي"، وعليه جرى الحافظ، فقال في حديثه هذا (١/ ٣٠٠ - فتح): "وقد أعلّه قومٌ بِسِمَاك بن حرب، لأنَّه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة؛ وهو لا يحمل عن مشايخه إلّا صحيح حديثهم". وقال في موضعٍ آخر منه (١/ ٣٤٢): "وهو حديث صحيح؛ رواه الأربعة، وابن خزيمة -وغيرهم-". وحديث شعبة الذي أشار إليه الحافظ، أخرجه البزّار في "مسنده" (١/ ١٣٢/ ٢٥٠ - "كشف الأستار")، والحاكم (١/ ١٥٩)، وقال: "صحيح، ولا يُحفظ له عِلّة"؛ ووافقه الذهبي. وتابعه سفيان: عند أحمد (١/ ٢٣٥ و ٢٨٤ و ٣٠٨)، وابن حبان (٢/ ٢٧١/

стр. 132

١٢٣٩)؛ فصَحّ الحديث من روايتهما عنه. وهو مخرَّجٌ في "صحيح أبي داود" (٦١)؛ وقد صحّحه -أيضًا- التِّرمذي، وابن خزيمة، وابن حبان -كما تقدم-، وابن الجارود. ويشهد له حديث أبي سعيد -الآتي بعده مع الرّد على (الهدَّام) -. ٥٥ - "وفي "المسند" و"السنن" عن أبي سعيدٍ، قال: قيل: يا رسول اللَّه! أنتوضّأَ من بئر بُضاعة؟ . . . فقال: "الماء طهور لا ينجِّسه شيء"، قال التِّرمذي: "حديث حسن"، وقال الإمام أحمد: "حديث بئر بُضاعة صحيح"": قلت: وكذلك صحّحه يحيى بن معين، والنووي، وقال التِّرمذي -عَاقِبَ تحسينه المذكور-: "وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد". وأمّا (الهدَّام) فقال (١/ ٢٢٩) -بعد أن عزاه لجمع-: "وفيه ضَعْفٌ بيّنته في غير هذا الموضع"! وأقول: ليس فيه إلّا جهالةُ حالِ أحد رواته؛ فيتقوّى بالطرق التي أشار إليها التِّرمذي، وبشواهدَ له خرّجتها في "صحيح أبي داود" (٥٩ و ٦٠)، واحتجّ ببعضها ابن حزم، فانظر "التلخيص الحبير" (١/ ١٢ - ١٤)، و"إرواء الغليل" (١/ ٤٥ - ٤٦). ولكن (الهدَّام) لا يُقيم وزنًا لما عليه العلماءُ من تقوية الحديث بكثرة الطرق، وهذا من أسباب انحرافه عن ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ومُوافقتهِ لأهل الأهواءِ المُضِلِّين! ٥٦ - "كان ﷺ يجيبُ من دعاه، فيأكل من طعامه، وأضافه يهودي بخبز شعير، وإهالةٍ سَنِخَة":

стр. 133

قال (الهدَّام) (١/ ٢٣٠): "انظر "مسند أحمد" (٣/ ١٨٠ و ٢٣٨) "! قلت: وهذا مع كونهِ إحالة وليس تخريجًا؛ فهو خَطَأٌ مخالف لما عليه، العلماء، وأنَّه لا يجوز العزو لغير "الصحيحَيْن" أو أحدهما، إذا كان الحديث فيهما أو في أحدهما، لأنَّ ذلك لا يُفيد صِحَّةً؛ بخلاف العكس، وهذا إنْ دَلَّ على شيء -كما يقولون اليوم-؛ فإنَّما يدلُّ على جهل (الهدَّام) بكتب السنّة وأحاديثها، إلّا بمقدار ما تساعده الفهارس الموضوعة قديمًا وحديثًا للدلالة على موضع الأحاديث فيها، وتسهيل الوقوف عليها؛ وهذا إن كان يُحْسِنُ استعمالها، أو ينشط للاستفادة منها! أقول هذا للأسباب التالية: أولًا ليس في الموضعين المشار إليها من "المسند" لفظ: (يهودي)! ففي الإحالة عليهما، كذبٌ واضحٌ، لكن (الهدَّام) لا يباليه؛ لأنَّه شيءٌ اعتاد عليه! ! ثانيًا: الحديث في موضعين آخرين من "المسند" (٣/ ٢١٠ - ٢١١ و ٢٧٠) من طريق أَبَان: ثنا قتادة، عن أنس: أن يهوديًّا دعا النبي ﷺ إلى خُبزِ شعيرٍ وإهالةٍ سَنِخَةٍ، فأجابه. ثالثًا: هو في موضعين من "صحيح البخاري" (٢٠٦٩، ٢٥٠٨) من طريق أخرى عن قتادة. . . به نحوه؛ دون لفظ اليهودي -وهو مخرّج في "الإرواء" (٥/ ٢٣١)، و"مختصر الشمائل" (١٧٧/ ٢٨٧) -. رابعًا: كان من الضروري عَزْوُهُ للبخاري لتقوية إسناد أحمد، لأنَّه لا يلتزم الصحة، وبخاصة أن فيه عنعنة قتادة -كما رأيتَ-؛ فإنَّ من المعروف عن (الهدَّام) أنَّه يُعَلِّلُ السند الصحيح بها -كما فعل بالحديث المتقدم (٣٦) -، ولعلّه تعمّد ترك عزوه إليه -إن كان مستحضرًا لروايته-؛ كي لا يزدادَ فضيحةً

стр. 134

بإعلالهِ بالعنعنة! إذ كل أحد يدري أن عزو الحديث للبخاري ليس كعزوه لأحمد؛ فإعراضه عنه إليه -أو على الأقل عدم جمعِهِ بينهما-؛ لا بد أنه كان عن جهلٍ، أو عن تجاهُلٍ -عمدًا- لما ذكرت آنفًا-! وأحلاهما مرّ! خامسًا: أنّ عزوه المذكور لأحمد" يدلُّ من جهة أُخرى على جهله بالسنة وأحاديثها؛ لأنه ليس عند أحمد -كما رأيتَ- الطرفُ الأول من فقرة "الإغاثة": "كان يجيب من دعاه"، وفيها أحاديث كثيرة كنت خرّجتها في المجلد الخامسِ من "الصحيحة" (٢١٢٥)، فأكتفي بالإشارة إليها: فرواه التّرمذي وابن ماجه عن أنس، والطبراني عن ابن عباس، وابن عدي عن أبي هريرة، وأبو الشيخ والحاكم -وصحّحه هو والذهبي- عن أبي موسى، وابن سعد والبزّار عن جابر، وعنِ الحسن البصري -وغيره- مرسلًا. ٥٧ - "وقد روى الإمام أحمد في "مسنده" عنه ﷺ : "بُعثتُ بالحنيفيّة السّمحة". قال (الهدَّام) (١/ ٢٣١): "لم يصحَّ فيه حديثٌ"! ثمّ خرّجه من حديث عائشة، وابن عبّاس، وأبي أُمامة، وجابر ثمّ قال: "وفي كلّ منها ضعف"! وأقول: الإطلاق غير مسلّم، فقد حسّن أحدَها الحافظُ، وعلى التّسليم به؛ فذلك يعني عند العلماء أنّه حديثٌ صحيحٌ لغيرهِ، لكنّ (الهدَّام) يعاند ويستكبر عنِ اتّباع ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ -كما ذكرنا وأثبتنا مرارًا! ! -، ثم إنّه قد جهل -أو تجاهل- شاهدين آخرين مرسلين؛ إسناد أَحدهما صحيحٌ، وهما -مع غيرهما- مخرّجان في أوّل كتابي "تمام المنّة في التّعليق على فقه السّنّة". ثم وجدتُ له شاهدًا آخرَ من حديث أُميّةَ بن سعد بن عبد اللَّه الخُزَاعيّ، رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧/ ٦٣١)، وقد أشار الحافظ ابن كثير إلى تقويته بمجموع طرقه في "تفسيره" (١/ ٢١٧)، (٢/ ٢٥٤، ٤٠٣)،

стр. 135

وصحّحه جمع؛ منهمُ الإمامُ ابن مفلح في "الفروع" (٢/ ٢٣٤). ٥٨ - "وقال ابن أبي شيبة: حدّثنا أبو أسامة، عن مِسْعَر، قال: أخرج إليّ مَعْنُ بن عبد الرحمن كتابًا، وحلف باللَّه أنّه خطّ أبيه، فإذا فيه: قال عبد اللَّه: والذي لا إله غيره، ما رأيت أحدًا كان أشدّ على المتنطّعين من رسول اللَّه ﷺ . . . " إلخ: قال (الهدَّام) (١/ ٢٣٢): "أخرجه الدّارمي، ورجاله ثقات". قلت: هذا التّخريج خطأٌ من وجوه: الأوّل: أنه نزل في العزو إلى الدّارمي، وهو تلميذ ابن أبي شيبة واسمه: عبد اللَّه، أبو بكر، وقد عزاه إليه ابن القيِّم، فكان من مقتضى التّحقيق الذي يدّعيه: أنْ يعلوَ فيستخرجَه من بعض كتبه إن تيسّر، وإلّا فبواسطة بعض تلاميذه من الحفّاظ المشهورين؛ مثل أبي يعلى؛ فقد أخرجه في "مسنده"؛ فقال (٨/ ٤٣٧/ ٥٠٢٢): حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدّثنا أبو أُسامة. . . به. ولابن أبي شيبة أخٌ حافظٌ اسمه (عثمان)، قد شاركه في رواية كثير من أحاديثه عن شيوخه، وهذا منها، فأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"، قال (١٠/ ٢١٦/ ١٥٣٦٧): حدّثنا الحسين بن إسحاق التُّسْتَري: ثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا أبو أسامة. . . به. وقال الهيثمي (١٠/ ٢٥١): "رواه أبو يعلى والطبراني، ورجالهما ثقات". كذا قال! وحقُّه أن يقول: "ورجالهما رجال الصحيح أو الصحيحين"؛ فإنهم جميعًا من رجالهما، وَمَعْن: هو ابن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، فالإسناد صحيح. الثّاني: قوله: "ورجاله ثقات" فيه نظر من ناحيتين:

стр. 136

الأولى: أن الدّارميَّ رواه عن شيخه أحمد بن محمد بن قدامة: ثنا أبو أسامة. . . إلخ، وفي طبقة أحمد بن محمد بن قدامة سبعة؛ منهم الثّقة، والضّعيف، والمجهول، فكان من الواجب على (الهدَّام) -لو كان يهتمّ بالواجب- أن يبيِّن مَنْ هوَ مِن بيْنِهم؟ ! ومع أنّه لا يهمّني أنا شخصيًّا معرفتُه؛ فقد أغناني عنه رواية ابنَي أبي شيبة عن شيخهما أبي أُسامة، فقد تتبّعتُ تراجمَ السّبعةِ المشارِ إليهم، فوجدت اثنين منهم رويا عن أبي أسامة؛ أحدَهما يُكْنَى بأَبي عبد اللَّه؛ وهو ثقةٌ، والآخرُ يُكْنَى بأبي جعفرٍ البغداديِّ؛ وهو ضعيفٌ، لكنّهم لم يذكروا في ترجمتهما أنّ الدّارميّ روى عن أحدهما، فقوله: "ورجاله تقات" مجازفة، ولكنّها دون مجازفاتِه الكثيرةِ في تضعيف الأحاديثِ الصّحيحة! والعجيب أنّ هذا منها -كما سترى-! والأُخرى: إذا كنتَ صادقًا في توثيقك المذكور؛ فما الّذي منعك من القول بصحّة إسناده -كما تقدّم منّي-؟ ! إن كان: لكونه من كتاب؛ فهو طريقٌ من طرق التّحمل؛ كما هو معروفٌ في المصطلح، وإن كان: غيره؛ فما هو؟ ! ليس هو إلّا العِناد والهدم! ! ٥٩ - "وقال أنس ﵁: كنا عند عمر ﵁، فسمعته يقول: نُهِينا عنِ التّكلُّف". أقول: حديث صحيح موقوف في حكم المرفوع، أخرجه البخاري (٧٢٩٣)، ورواه غيره بأتمَّ منه، وخرّجه الحافظ في "شرحه" (١٣/ ٢٧٠، ٢٧١)، ورواه الحاكم وغيره -مرفوعًا من حديث سلمانَ الفارسيِّ ﵁، وهو مخرّج في "الصّحيحة" (٢٣٩٢).

стр. 137

ولقد تجاوزه (الهدَّام) فلم يخرِّجْه، وغالب الظّنِّ أنّه لم يعرِفْه! وبخاصّةٍ أنّه لم يُذكرْ فيه النّبيُّ ﷺ ، ولعلّه لا يعلمُ -أيضًا- أنّه في حكم المرفوع! وما ذلك عنْه ببعيد! ! ٦٠ - "خبر ابن مسعود في التّشهّد: إذا قلتَ هذا؛ فقد تمّت صلاتك": قال (الهدَّام) (١/ ٢ ٦١): "انظر "نصب الرّاية" (١/ ٤٢٤)، و"البيهقي" (٢/ ١٧٤) "! قلت: هذه إحالةٌ كسابقتها -رقم (٥٦) -، بل أنكرُ! لأنّه لا فائدةَ منها بالنّسبة لعامّة القرّاء؛ لأنّهم سوف لا يرجعون إليها، ومن قد يفعل فسوف لا يستطيع استخلاصَ المرادِ من تخريجهما، إلّا من كان على معرفة بهذا العلم، فقد بيّنا أن الخبر مُدْرَجٌ في حديث ابن مسعود المرفوع في التّشهّد؛ أي: أنّ بعض الرّواة أخطأ، فأدرج في حديثه ﷺ قولَ ابنِ مسعودٍ هذا: "إذا قلت. . . "، على أنه لا يصحّ إسناده إلى ابن مسعود، بل قد صحّ عنه أنّه قال: "مفتاح الصّلاة التّكبيرُ، وانقضاؤُها التّسليمُ، إذا سلّم الإمامُ؛ فقُمْ إذا شئتَ". وهذا الصّواب -حديثًا وقفهًا-؛ أي: أَنّ الخروج من الصّلاة لا يصحّ إلّا بالتّسليم؛ للحديث الآتي. وفي اعتقادي؛ أنّ إحالتَه المذكورةَ ما هي إلّا وسيلةٌ لستر جهله وعجزه عنِ الخوضِ في هذا الخبر؛ حديثًا وفقهًا! ! وقد فصّلتُ القول في الإدراج المذكور في "صحيح أبي داود" (٨٩١). ٦١ - "قوله ﷺ : "تحريمها التّكبير، وتحليلها التّسليم": حديثٌ صحيحٌ، مخرّج في "الإرواء" (٢/ ٩٨)، وغيره، وهو من الأحاديث الّتي تجاوزها (الهدَّام) فلم يخرّجها مطلقًا! وهذا من الأدلّة على

стр. 138

زهده في أحاديث الأحكام، وعدم عنايته بها، ومن ذلك تَخْريجُهُ للحديث الآتي: ٦٢ - "قال رسول اللَّه ﷺ : "أنتم الغُرُّ المحجّلون يوم القيامة من أثر الوضوء"؛ فمن استطاع منكم؛ فلْيُطلْ غُرَّته وتحجيله، متّفق عليه": قال المعلِّق (١/ ٤٦٤): "أخرجه البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦) من حديث أبي هريرة". فأقول: هذا التّخريج منَ (الهدَّام) ممّا يؤكّد -لي- أنّ تضعيفاتِه الكثيرةَ للأحاديثِ الصّحيحة؛ ليست عن قناعة منه أدّاه إليها علمهُ -لو كان عنده علمٌ-! وإنّما هي منه مشاكسةٌ ومعاندةٌ لأئمة الحديث؛ أقول هذا لأن هذا الحديث قد أعَلَّ الحفّاظُ منه جملةَ: "فمن استطاع منكم فلْيُطل غُرّته وتحجيله"؛ أعلّوها بالإدراج، وأنّه من قول أبي هريرة، ومنهم الحافظ المنذري، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن قيم الجوزية، وابن حجر العسقلاني، وذكر هذا ﵀ أنَّه لم يَرَ هذه الجملة في رواية أحدٍ مِمَّن روى هذا الحديث من الصحابة -وهم عشرة-، ولا ممَّن رواه عن أبي هريرة غير رواية نُعيم المُجْمِرِ -الراوي لهذه الزيادة عن أبي هريرة-؛ وهذا معناه -على ما تقتضيه القواعد الحديثيّة- أنَّ هذه الجملة شاذّة غيرُ صحيحةٍ -مرفوعًا-، وإنّما هي من قول أبي هريرة، ويشهد لذلك أنَّ نُعيمًا -هذا- شكّ -في روايةٍ لأحمد- في رفعها، فقال: "لا أدري قوله: "من استطاع. . . " من قول رسول اللَّه ﷺ أو من قول أبي هريرة! ". قلت: فأعرض (الهدَّام المشاكس) عن تحقيق هؤلاء الحفاظ وتجاهَلَهُ! ولولا ذلك لبادر هو إلى إعلاله بهذا الشك الذي لا ينهض وحدَه بالإعلال إلّا عند مثله من الهَدَّامين، ولذلك جعلته شاهدًا؛ وإنما العلة القادحة الشذوذُ

стр. 139

والمخالفةُ - كما تقدم عن الحافظ ﵀. وقد خرَّجت الحديثَ، وَبَسَطْتُ القولَ في شذوذ هذه الجملة في "الإرواء" (١/ ١٣٢ - ١٣٣). وكذلك مرّ المشاكسُ على الحديث في طبعته لـ "رياض الصالحين" (٢٩٥/ ٢٨٥)؛ ولا أدري ما ما سيكون تعليقه على جزم ابن القيِّم بالإدراج المذكور في "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" -إذا عَبِثَ به، وخرّبه-؟ ! هل سيَرُدّ عليه ويكابر؟ ! أم يمرُّ عليه كما مَرّ على الحديث هنا، لأنَّه لا يهمّه التحقيقُ في مثله؟ ! ٦٣ - "الحِلية تبلغ من المؤمن حيث يبلغ الوَضوء": قلت: حديثٌ صحيحٌ من رواية أبي هريرة -أيضًا-؛ رواه مسلم وغيره من طريق أبي حازم عنه، وفيه قِصَّةٌ؛ وهو مخرّجٌ في "الصحيحة" برقم (٢٥٢) من طرقٍ عنه. ولم يخرِّجه (الهدَّام)، والسبب -في ظني- أنَّه لم يقع في الكتاب مُصَرَّحًا بِنِسْبتِهِ إلى النبي ﷺ ، فلم يتنبّه له ليستخرجه بواسطة الفهارس التي هو عالةٌ عليها! وليس هو في حفظه؛ لِقلّة عنايته بالأحاديث النبويّة وجهله بها، إلّا لنقدها! -كما نبّهت على ذلك مرارًا-. هذا عذره إن كان الجهل عذرًا مقبولًا من مثل هذا الناقد المُبْطِلِ! ويمكن أن يكون السببُ غيرَ الجهل؛ وذلك يعود إلى شيئين: أحدهما: عدم اهتمامه بتخريج ما ليس له فيه هوى، فقد ختم ابن القيم هذا الفصل -الذي ساق فيه الحديثَ الذي قبله، ثم هذا- بقوله: "وأمّا حديث الحِلية، فالحِلية المزيّنة ما كان في محَلِّه، فإذا جاوز محلَّه

стр. 140

لم يكن زينةً". فقوله: "حديث الحِلية" كافٍ لتنبيه الغافل! والآخر: أن لا يكون (الهدَّام) يخرّج الأحاديث وهي في محالِّها من الكتاب، وإنَّما تُقَدَّمُ إليه من بعض الجهلة في أوراقٍ بِيضٍ ليسوِّدها هو بتخريجها! ثم تُقَدَّم إلى المطبعة، فهو لا يدري الأحاديث التي يُراد تخريجها إلّا بواسطة مَن يُقَدِّمُها إليه! ! وممّا يؤيدِّ هذا؛ وقوعُ بعض التعليقات في غير مكانها؛ كما سيأتي التنبيه عليه عند تعليقي على إشارة (الهدَّام) إلى حديث الأعمى رقم (٧٣). وأيًّا كان السببُ؛ فهو به يخرُج من زمرة الكتاب المحقّقين والمخرِّجين، وَيَصُفُّ في مصافِّ تجار الكتب، الذين لا هَمَّ لهم من طبعها إلّا الكسب الماديُّ؛ وهي ظاهرَةٌ خطيرةٌ جدًّا، قد لا ينجو منها إلّا القليل من المؤلِّفين والناشرين؛ واللَّه المستعان. ٦٤ - "قال البخاري: حدثنا. . . عن ابن جُريج، قال: قال عطاء، عن ابن عبّاس: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد. . . "؛ وفيه قِصَّة (وُدّ) و (سُواع) و (يغوث) و (يعوق) و (نَسْر)، وأنهم كانوا رجالًا صالحين؛ فأوحى الشيطان إلى قومهم أن انصِبوا لهم أصنامًا، فعبدوهم: قال (الهدَّام) (١/ ٢٦٨): "أخرجه البخاري (٤٩٢٠)؛ وإسناده ضعيف، يقولون: عطاء هذا هو الخراساني، والأدلّة تؤيد هذا، وهذا الحديث مما أوخذ البخاري ﵀ إخراجه في "صحيحه"؛ انظر "الفتح" (٨/ ٦٦٧ - ٦٦٨) ". قلت: وفي إحالته على "الفتح" تدليسٌ خبيثٌ من ناحيتين:

стр. 141

الأولى: أنَّ الحافظَ لم يقُل: "أُوخِذ"! وإنَّما قال: "وهذا مما استُعظم على البخاري"! والأُخرى -وهي الأهَمُّ-: أنَّه أوهم القراء أنَّ الحافظ سَلّم بالمؤاخذة المزعومة! وكلامُهُ صريحٌ في ردِّه؛ فإنَّه قال: "لكنّ الذي قَوِيَ عندي؛ أنَّ هذا الحديثَ بخصوصهِ عند ابن جريج: عن عطاء الخراساني، وعن عطاء بن أبي رباح جميعًا. . . " إلخ؛ إلّا أنَّه لم يذكر دليلًا على التقوية المذكورة، إلّا حُسْنَ الظن بالإمام البخاري. . . والمقصود: أنَّ (الهدَّام) لا يُوْثَقُ بنقله وادِّعاءاتِهِ؛ لكثرة تدليساته ومعاكساته، ومن ذلك قوله: "والأدِلّة تؤيد هذا"؛ فيا لِلْعَجَبِ من عُجْبِه وغروره! يُريد من القراء أن يسلِّموا بتضعيفهِ لما صحَّحه البخاري، دون أن يُقَدِّم على التضعيف دليلًا، ولا يريد منهم أن يسلِّموا لتصحيح البخاري! وهو -يقينًا- الأرجحُ، لأنَّ لهذا الأثر طرقًا أخرى عن ابن عباس، وأخرى عن عكرمة؛ وهو من تلامذته؛ أخرجها ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٢٩/ ٦٢)، إلى غير ذلك من الآثار الكثيرة في "تفسير ابن كثير"، و"الدُّر المنثور"؛ مما يُشعر من وقف عليها أنَّ ذلك كان مشهورًا عند السلف، وقد ذكرتُ بعضها في كتابي "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" (١٥٢ - ١٥٣). ٦٥ - "وعن زيد بن ثابت، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لعن اللَّه اليهود! اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، رواه الإمام أحمد": قال (الهدَّام) (١/ ٢٧٢): ". . . وفيه عُقبة بن عبد الرحمن، وفيه جهالةٌ"! قلت: نعم؛ فكان ماذا؟ ! هل غايتُك من تحقيقك المزعوم للكتاب إنّما

стр. 142

هو إخبارُهم بأنَّك على معرفةٍ بتراجم الرجال؟ ! -وهي وسيلةٌ- لو كنت كذلك حقًّا! -، أم إعلامهم بما صَحَّ وَثَبَتَ عن النبي ﷺ ؟ وإذا كان هذا الغايةَ من التحقيق عند العارفين الناصحين، فلماذا تَشْغَلُهم بالوسيلة عن الغاية، ولا تسترعي نظرَهم إلى هذه الحقيقة، فتقول -مثلًا-: ". . . ولكن الحديث صحيح؛ وإن كان في سنده جهالة، لأنَّ له شواهد كثيرة عن جمع من الصحابة"؟ ! وإذا كانت نفسُك الحاقدةُ تأبى عليك أن تُحيل في ذلك على شيء من كتب الألباني -مثل "تحذير الساجد" المذكور آنفًا، أو "أحكام الجنائز"-؛ فلا أقلَّ من أَن تُحيل على أحاديث عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة التي ذكرها المصنفُ قبل هذا، وعزوتَها لـ "البخاري" و"مسلم "ولم تضَعِّفها! والجواب: أنَّ هذا من واجب الناصح الأمين، وليس هو من طبيعةِ مَن نَصَبَ نفسَه لتضعيف الأحاديث الصحيحة عند العلماءإ! وحَسْبُك -دليلًا- ما تقدّم، ويأتي عَقِبَ هذا، وغيرُهُ كثيرٌ وكثيرٌ جدًا! ٦٦ - "وعن ابن عباسٍ، قال: لعن رسول اللَّه ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج؛ رواه الإمام أحمد، وأهل "السنن"": قلت: خرّجه من رواية عشرة من المصنِّفين -منهم مَن ذكرهم ابن القيم-، ثم ضَعَّفَه بأبي صالح -مولى أم هانئ-. فأقول أيضًا: نعم، ولكنّ اقتصارَه على هذا يُنافي الأمانة العلمية والنصيحة الدينية -التي أشرت إليها في الحديث الذي قبله-؛ فإن جملة اتخاذ القبور مساجد لها تلك الشواهدُ الصحيحةُ المشارُ إليها آنفًا، وجملة الزيارة -كذلك- صحيحة، لها شاهدان من حديث حَسّان بن ثابت، وأبي هريرة ﵄.

стр. 143

وقد فصَّلتُ القولَ في تضعيف المولى المذكور، ورددتُ على من حسَّن حديثه هذا، وبيَّنتُ أنَّ الصواب صِحَّةُ الجملتين المذكورتين، وخَرَّجت شاهديهما في غير ما كتابٍ من كتبي، مثل "الضعيفة" (٥٢٥)، و"تحذير الساجد"، و"أحكام الجنائز"، و"الإرواء" (٣/ ٢١١ - ٢١٣). وإن مما يدلُّ الباحثَ على كتمانه للعلم -لإظهار الحديث الصحيح بمظهر الضعيف-: أنَّ من جملة المصادر التي عزا الحديث إليها "سنن ابن ماجه" (١٥٧٥)؛ وليس عنده من الحديث إلّا جملة الزيارة! وهي واقعةٌ عنده بين الشاهدين المشار إليهما (١٥٧٤، ١٥٧٦)! ومن مصادره "صحيح ابن حبّان" (٣١٧٩ - ٣١٨٠ - "الإحسان")؛ وفيه قبل الرقمين (٣١٧٨) حديثُ أبي هريرة -الشاهد الثاني-؛ فتجاهلهما (الهدَّام) -كما هي عادته-! وقد صحّح حديثَ أبي هريرة جَمْعٌ؛ منهم الإمام ابن دقيق العيد في "الإلمام" (٢٠٩/ ٥١٤). ٦٧ - "وفي "صحيح البخاري" أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ رأى أنس بن مالك يصلّي عند قبر، فقال: القبر القبر! ": قال (الهدَّام) (١/ ٢٧٢): "أخرجه البخاري في "صحيحه" تعليقًا: "الفتح" (١/ ٥٢٣) ". قلت: ما أسرعَه إلى الانتقاد والاعتراض -ولو خِلسةً-! وما أبعدَه عن النصح والإرشاد صراحةً! فإنَّ عزو المؤلف إلى "صحيح البخاري" -وإن كان خطأً اصطلاحًا- ولكنّه صوابٌ من حيث إفادتهُ صِحّة هذا الأثر عملًا؛ وعلى العكس من ذاك تخريج (الهدَّام)؛ فإنَّه من حيث تقييدُه العزوَ إليه -تعليقًا-

стр. 144

صوابٌ اصطلاحًا، ولكنّه من حيث سكوتُه عليه وعدمُ بيانه صِحِّته خطأٌ وهدمٌ؛ لأنَّ الحديث (المعلّق) هو نوعٌ من أنواع (المنقطع)، وهذا يعطي إشارة بالضعفِ! ولذلك سكت، وهو يعلم أنَّ تعليقات البخاري لا تُساق مساقًا واحدًا -في اصطلاحه هو- كما بيَّنه العلماء، فما جزم به فهو صحيحٌ، وما لم يجزم فقد وقد، وهذا الأثر مما جزم به، البخاري، فقال: "ورأى عمرُ أنَس بن مالك يصلي. . . " إلخ، فلماذا اكتفى (الهدَّام) ببيان أنَّه معلّق، ولم يبين أنَّه معلَّقٌ صحيح؟ ! الجواب معروفٌ عند جميع المتتبِّعين لهذه التخريجات! هذا -أوّلًا-. وثانيًا: إنَّ مما يؤكِّد ما ذكرته؛ أنَّه تجاهل مَنْ وَصَلَهُ ولم يبيّنه، ولو أنَّه فعل لتبين للقراء صِحَّتُه! فقد قال عبد الرّزاق في "مصنّفه" (١/ ٤٠٤/ ١٥٨١): عن مَعْمَر، عن ثابت البُنَاني، عن أنس. وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط مسلم. وقد تابعه حماد بن زيد: ثنا ثابت البُنَاني. . . به. أخرجه الحافظ ابن حجر في "تغليق التعليق" (٢/ ٢٢٩). ٦٨ - "قال ﷺ : "اللهمَّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتَدَّ غضبُ اللَّه على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد": قلت: هكذا جزم المؤلّفُ بنسبته إلى النبي ﷺ ، مشيرًا بذلك إلى صِحَّته، وهو كما قال. أمَّا (الهدَّام) فلم يُعجبه ذلك، وأعلّه بِعِلَّةٍ من وساوس صَدْرِهِ، فإنَّه رغم

стр. 145

كونه خَرَّجه من طريقين عن زيد بن أسلم مُرْسلًا، ومن طريق مالك، عنه، عن عطاء بن يسار مرسلًا، فهو مرسلٌ صحيحٌ؛ فإنَّه مع ذلك خرّج له شاهدًا موصولًا من رواية سفيان بن عيينة، عن حمزة بن المغيرة الكوفي، عن سُهيل ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة -مرفوعًا-، وعزاه لجمعٍ منهم ابن عبد البر (٥/ ٤٤)؛ ولكنّه أعلّه بما يكشف عما تُكِنّه نفسُه من العداوة الشديدة للسنة الصحيحة؛ فقال: "قلت: وهذا إسنادٌ غريبٌ، في قلبي منه شيء (! )، تفَرَّد به حمزة؛ وليس بالمشهور"! قلت: هكذا قال المأفون! خلافًا لمن وثقّه من الأئمة -كما يأتي-، وقد روى عنه جَمْعٌ من الثقات، مثل أبي أسامة، وهاشم بن القاسم، وسفيان بن عيينة -راويه هنا وهو أعرفُ الناس به-، فقد وصفه بأنَّه كان من سَراة الموالي، أي: من أشرافهم وذوي المروءة منهم. وقد قال الدّارمي في "تاريخه عن ابن معين" (٩٨ - ٩٩): "وسألته عن (حمزة بن المغيرة الكوفي) الذي يروي عنه ابن عيينة: "لا تجعلوا قبري وثنًا" ما حاله؟ فقال: ليس به بأس". وروى مثلَه ابنُ أبي حاتم (٣/ ٢١٤ - ٢١٥/ ٩٤٢) عن الدّارمي. وذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٢٢٩)، (٨/ ٢٠٩). وقال الحافظ: "لا بأس به". ثم قال الأفين: "ولم يُصرِّح بسماعه من سهيل"! قلت: هذا ليس بشرطٍ إلّا في رواية المدلّسين، وحمزةُ ليس منهم؛ وهذا مثالٌ من الأمثلة الكثيرة التي تؤكِّد أنَّه منطلقٌ في إعلال الأحاديث من آراء له
следующие страницы →