الأولى: أنَّ الحافظَ لم يقُل: "أُوخِذ"! وإنَّما قال: "وهذا مما استُعظم على البخاري"!
والأُخرى -وهي الأهَمُّ-: أنَّه أوهم القراء أنَّ الحافظ سَلّم بالمؤاخذة المزعومة! وكلامُهُ صريحٌ في ردِّه؛ فإنَّه قال:
"لكنّ الذي قَوِيَ عندي؛ أنَّ هذا الحديثَ بخصوصهِ عند ابن جريج: عن عطاء الخراساني، وعن عطاء بن أبي رباح جميعًا. . . " إلخ؛ إلّا أنَّه لم يذكر دليلًا على التقوية المذكورة، إلّا حُسْنَ الظن بالإمام البخاري. . .
والمقصود: أنَّ (الهدَّام) لا يُوْثَقُ بنقله وادِّعاءاتِهِ؛ لكثرة تدليساته ومعاكساته، ومن ذلك قوله: "والأدِلّة تؤيد هذا"؛ فيا لِلْعَجَبِ من عُجْبِه وغروره! يُريد من القراء أن يسلِّموا بتضعيفهِ لما صحَّحه البخاري، دون أن يُقَدِّم على التضعيف دليلًا، ولا يريد منهم أن يسلِّموا لتصحيح البخاري! وهو -يقينًا- الأرجحُ، لأنَّ لهذا الأثر طرقًا أخرى عن ابن عباس، وأخرى عن عكرمة؛ وهو من تلامذته؛ أخرجها ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٢٩/ ٦٢)، إلى غير ذلك من الآثار الكثيرة في "تفسير ابن كثير"، و"الدُّر المنثور"؛ مما يُشعر من وقف عليها أنَّ ذلك كان مشهورًا عند السلف، وقد ذكرتُ بعضها في كتابي "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" (١٥٢ - ١٥٣).
٦٥ - "وعن زيد بن ثابت، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لعن اللَّه اليهود! اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، رواه الإمام أحمد":
قال (الهدَّام) (١/ ٢٧٢): ". . . وفيه عُقبة بن عبد الرحمن، وفيه جهالةٌ"!
قلت: نعم؛ فكان ماذا؟ ! هل غايتُك من تحقيقك المزعوم للكتاب إنّما
стр. 142
هو إخبارُهم بأنَّك على معرفةٍ بتراجم الرجال؟ ! -وهي وسيلةٌ- لو كنت كذلك حقًّا! -، أم إعلامهم بما صَحَّ وَثَبَتَ عن النبي ﷺ ؟
وإذا كان هذا الغايةَ من التحقيق عند العارفين الناصحين، فلماذا تَشْغَلُهم بالوسيلة عن الغاية، ولا تسترعي نظرَهم إلى هذه الحقيقة، فتقول -مثلًا-: ". . . ولكن الحديث صحيح؛ وإن كان في سنده جهالة، لأنَّ له شواهد كثيرة عن جمع من الصحابة"؟ ! وإذا كانت نفسُك الحاقدةُ تأبى عليك أن تُحيل في ذلك على شيء من كتب الألباني -مثل "تحذير الساجد" المذكور آنفًا، أو "أحكام الجنائز"-؛ فلا أقلَّ من أَن تُحيل على أحاديث عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة التي ذكرها المصنفُ قبل هذا، وعزوتَها لـ "البخاري" و"مسلم "ولم تضَعِّفها!
والجواب: أنَّ هذا من واجب الناصح الأمين، وليس هو من طبيعةِ مَن نَصَبَ نفسَه لتضعيف الأحاديث الصحيحة عند العلماءإ! وحَسْبُك -دليلًا- ما تقدّم، ويأتي عَقِبَ هذا، وغيرُهُ كثيرٌ وكثيرٌ جدًا!
٦٦ - "وعن ابن عباسٍ، قال: لعن رسول اللَّه ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج؛ رواه الإمام أحمد، وأهل "السنن"":
قلت: خرّجه من رواية عشرة من المصنِّفين -منهم مَن ذكرهم ابن القيم-، ثم ضَعَّفَه بأبي صالح -مولى أم هانئ-.
فأقول أيضًا: نعم، ولكنّ اقتصارَه على هذا يُنافي الأمانة العلمية والنصيحة الدينية -التي أشرت إليها في الحديث الذي قبله-؛ فإن جملة اتخاذ القبور مساجد لها تلك الشواهدُ الصحيحةُ المشارُ إليها آنفًا، وجملة الزيارة -كذلك- صحيحة، لها شاهدان من حديث حَسّان بن ثابت، وأبي هريرة ﵄.
стр. 143
وقد فصَّلتُ القولَ في تضعيف المولى المذكور، ورددتُ على من حسَّن حديثه هذا، وبيَّنتُ أنَّ الصواب صِحَّةُ الجملتين المذكورتين، وخَرَّجت شاهديهما في غير ما كتابٍ من كتبي، مثل "الضعيفة" (٥٢٥)، و"تحذير الساجد"، و"أحكام الجنائز"، و"الإرواء" (٣/ ٢١١ - ٢١٣).
وإن مما يدلُّ الباحثَ على كتمانه للعلم -لإظهار الحديث الصحيح بمظهر الضعيف-: أنَّ من جملة المصادر التي عزا الحديث إليها "سنن ابن ماجه" (١٥٧٥)؛ وليس عنده من الحديث إلّا جملة الزيارة! وهي واقعةٌ عنده بين الشاهدين المشار إليهما (١٥٧٤، ١٥٧٦)!
ومن مصادره "صحيح ابن حبّان" (٣١٧٩ - ٣١٨٠ - "الإحسان")؛ وفيه قبل الرقمين (٣١٧٨) حديثُ أبي هريرة -الشاهد الثاني-؛ فتجاهلهما (الهدَّام) -كما هي عادته-!
وقد صحّح حديثَ أبي هريرة جَمْعٌ؛ منهم الإمام ابن دقيق العيد في "الإلمام" (٢٠٩/ ٥١٤).
٦٧ - "وفي "صحيح البخاري" أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ رأى أنس بن مالك يصلّي عند قبر، فقال: القبر القبر! ":
قال (الهدَّام) (١/ ٢٧٢): "أخرجه البخاري في "صحيحه" تعليقًا: "الفتح" (١/ ٥٢٣) ".
قلت: ما أسرعَه إلى الانتقاد والاعتراض -ولو خِلسةً-! وما أبعدَه عن النصح والإرشاد صراحةً! فإنَّ عزو المؤلف إلى "صحيح البخاري" -وإن كان خطأً اصطلاحًا- ولكنّه صوابٌ من حيث إفادتهُ صِحّة هذا الأثر عملًا؛ وعلى العكس من ذاك تخريج (الهدَّام)؛ فإنَّه من حيث تقييدُه العزوَ إليه -تعليقًا-
стр. 144
صوابٌ اصطلاحًا، ولكنّه من حيث سكوتُه عليه وعدمُ بيانه صِحِّته خطأٌ وهدمٌ؛ لأنَّ الحديث (المعلّق) هو نوعٌ من أنواع (المنقطع)، وهذا يعطي إشارة بالضعفِ! ولذلك سكت، وهو يعلم أنَّ تعليقات البخاري لا تُساق مساقًا واحدًا -في اصطلاحه هو- كما بيَّنه العلماء، فما جزم به فهو صحيحٌ، وما لم يجزم فقد وقد، وهذا الأثر مما جزم به، البخاري، فقال: "ورأى عمرُ أنَس بن مالك يصلي. . . " إلخ، فلماذا اكتفى (الهدَّام) ببيان أنَّه معلّق، ولم يبين أنَّه معلَّقٌ صحيح؟ !
الجواب معروفٌ عند جميع المتتبِّعين لهذه التخريجات!
هذا -أوّلًا-.
وثانيًا: إنَّ مما يؤكِّد ما ذكرته؛ أنَّه تجاهل مَنْ وَصَلَهُ ولم يبيّنه، ولو أنَّه فعل لتبين للقراء صِحَّتُه!
فقد قال عبد الرّزاق في "مصنّفه" (١/ ٤٠٤/ ١٥٨١): عن مَعْمَر، عن ثابت البُنَاني، عن أنس.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط مسلم.
وقد تابعه حماد بن زيد: ثنا ثابت البُنَاني. . . به.
أخرجه الحافظ ابن حجر في "تغليق التعليق" (٢/ ٢٢٩).
٦٨ - "قال ﷺ : "اللهمَّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتَدَّ غضبُ اللَّه على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد":
قلت: هكذا جزم المؤلّفُ بنسبته إلى النبي ﷺ ، مشيرًا بذلك إلى صِحَّته، وهو كما قال.
أمَّا (الهدَّام) فلم يُعجبه ذلك، وأعلّه بِعِلَّةٍ من وساوس صَدْرِهِ، فإنَّه رغم
стр. 145
كونه خَرَّجه من طريقين عن زيد بن أسلم مُرْسلًا، ومن طريق مالك، عنه، عن عطاء بن يسار مرسلًا، فهو مرسلٌ صحيحٌ؛ فإنَّه مع ذلك خرّج له شاهدًا موصولًا من رواية سفيان بن عيينة، عن حمزة بن المغيرة الكوفي، عن سُهيل ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة -مرفوعًا-، وعزاه لجمعٍ منهم ابن عبد البر (٥/ ٤٤)؛ ولكنّه أعلّه بما يكشف عما تُكِنّه نفسُه من العداوة الشديدة للسنة الصحيحة؛ فقال:
"قلت: وهذا إسنادٌ غريبٌ، في قلبي منه شيء (! )، تفَرَّد به حمزة؛ وليس بالمشهور"!
قلت: هكذا قال المأفون! خلافًا لمن وثقّه من الأئمة -كما يأتي-، وقد روى عنه جَمْعٌ من الثقات، مثل أبي أسامة، وهاشم بن القاسم، وسفيان بن عيينة -راويه هنا وهو أعرفُ الناس به-، فقد وصفه بأنَّه كان من سَراة الموالي، أي: من أشرافهم وذوي المروءة منهم.
وقد قال الدّارمي في "تاريخه عن ابن معين" (٩٨ - ٩٩): "وسألته عن (حمزة بن المغيرة الكوفي) الذي يروي عنه ابن عيينة: "لا تجعلوا قبري وثنًا" ما حاله؟ فقال: ليس به بأس".
وروى مثلَه ابنُ أبي حاتم (٣/ ٢١٤ - ٢١٥/ ٩٤٢) عن الدّارمي.
وذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٢٢٩)، (٨/ ٢٠٩).
وقال الحافظ: "لا بأس به".
ثم قال الأفين: "ولم يُصرِّح بسماعه من سهيل"!
قلت: هذا ليس بشرطٍ إلّا في رواية المدلّسين، وحمزةُ ليس منهم؛ وهذا مثالٌ من الأمثلة الكثيرة التي تؤكِّد أنَّه منطلقٌ في إعلال الأحاديث من آراء له
стр. 146
شخصيّة! لا قيمة لها في العلم! !
ومن هذا القَبيل قولُه -فيما بعد-: "فأخشى أن يكون مدار الحديث على المرسل"!
قلت: هذه خشيةُ جبانٍ جاهلٍ، لأنَّ الطريقين مختلفان تمامًا، فهذا: عن سهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة، وذاك: عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلًا؛ وإنّما يمكن أن يقال ما قال، فيما لو كان الموصول -مثلًا- من طريق عطاء عن أبي هريرة، أمَا والطريقان مختلفان كلَّ الاختلاف؛ فما يقول ذلك إلّا جاهِلٌ أو مكابرٌ!
وقال أخيرًا: "وإلّا؛ فأين أصحابُ سهيل بن أبي صالح المشهورون. . . " إلى آخر هُرائه؛ فإنَّه أقامه على زعْمِه المتقدِّم أنَّ حمزة هذا غيرُ مشهور، وقد أثبتُّ بطلانه، وما بُني على باطل فهو باطل! !
(تنبيه): ذكر (المُبْطِل) -عَقِبَ مرسل عطاء- أنَّه وصله عمر بن صُهْبان عند البزّار (٤٤٠) عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري، ثم قال (المُبْطِل):
"ولكن المرسل هو الصواب، لأنَّ عمر بن صُهبان متروك".
قلت: هكذا وقع في "كشف الأستار" (١/ ٢٢٠/ ٤٤٠) (عمر بن صهبان)، وبه أعلَّه الهيثمي (٢/ ٢٨)؛ فاهتبلها (الهدَّام) فرصَة؛ فضعَّف هذا الإسناد الموصول به، وتجاه -كعادته- ما يعكر عليه تضعيفاته؛ وذلك أنَّه رأى (عمر بن صهبان) -هذا- وقع في رواية ابن عبد البر لحديثه من طريق البزار: (عمر بن محمد)، ووثَّقه ابن عبد البر، وصَحَّح حديثه هذا، ونقل نحوَه عن البزار نفسه؛ فلا بأس من نقله عنه -وإن طال به البحثُ- لما فيه من
стр. 147
الفائدة، وإقامة الحجَّة على (الهدَّام)، وتجاهله للحقائق.
قال -رحمه اللَّه تعالى- في "التمهيد" (٥/ ٤١ - ٤٣) - وقد ذكرَ روايةَ مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء. . . مرسلًا-:
"لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث. . .، وزعم أبو بكر البزَّار أنَّ مالكًا لم يتابعه أحد على هذا الحديث إلّا (عمر بن محمد)، عن زيد بن أسلم، قال: وليس بمحفوظ من وجه من الوجوه إلّا من هذا الوجه، لا إسناد له غيره، إلّا أنَّ (عمر بن محمد) أسنده عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ .
قال: وعمر بن محمد ثقة، روى عنه الثوري وجماعة، قال: وأمّا قوله جمبه: "لعن اللَّه اليهود" اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"؛ فمحفوظٌ من طرقٍ كثيرة صِحاح.
قال أبو عمر: لا وجهَ لقول البزار إلّا معرفةُ مَن روى الحديث لا غير، ولا خلاف بين علماء الأثر والفقه؛ أنَّ الحديث إذا رواه ثقةٌ عن ثقة حتى يتصل بالنبي ﷺ ؛ أنَّه حجةٌ يُعمل بها، إلّا أن ينسخَه غيرُهُ، ومالك بن أنس عند جميعهم حُجَّةٌ فيما نقل، وقد أسند حديثَه هذا (عمرُ بن محمد)، وهو من ثقات أشراف أهل المدينة، روى عنه مالك، والثوري، وسليمان بن بلال وغيرهم، وهو (عمر بن محمد بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵁)، فهذا الحديث صحيحٌ عند من قال بمراسيل الثقات، وعند من قال بالمسند؛ لإسناد (عمر بن محمد) له، وهو ممن تُقبل زيادته، وباللَّه التوفيق".
ثم ساق الحديثَ بإسناده المتصل إلى البزار، وهذا بإسناده المذكور في "الكشف" من طريق محمد بن سُلَيمانِ أَبي داود الحَرّاني؛ إلّا أنه قال: (عمر بن محمد)، مكان (عمر بن صُهْبان).
قلت: وهذا اختلافٌ شديدٌ، ولا أجد الآن ما يساعد على ترجيح أحد
стр. 148
الوجهين على الآخر، لأنَّ كُلًّا من (العُمَرَيْنِ) قد روى عن زيد بن أسلم، لكن لم يذكروهما في شيوخ أبي داود الحرّاني، لكن ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمته في "تاريخ دمشق" (١٥/ ٣٨٦) أنَّه سمع بدمشق جماعة، كما أنَّه ذكر في ترجمة (عمر بن محمد) (١٣/ ٣٥٢) أنَّه قدم دمشق، فروى عنه من أهلها جماعة، فمن المحتمل أن (عمر) هذا -الثقة- سمع منه أبو داود الحَرَّانيُّ، بخلاف (عمر بن صهبان) -الضعيف-؛ فإنَّه -مع كونه مَدَنيًّا-، فإنّهم لم يذكروا له قدومًا إلى دمشق؛ واللَّه أعلم.
وقد يُضاف إلى ما تقدم مرجِّحٌ آخر، وهو قُرْبُ عهدِ ابن عبد البر من البزّار، فتكون الثقة بروايته ونقله عنه أقوى من نقل بعض المتأخرين عنه.
-كالهيثمي وغيره-.
هذا ما بدا لي من الترجيح، فإن أصبت فمن اللَّه، وإن أخطأت فمن نفسي، وإذا تم طبع "مسند البزار" المسمى "البحر الزخّار" فسينكشِفُ به ما يزيد الأمر وضوحًا وبيانًا -لصوابه أو خطإِه-.
وما كانت النيّةُ متوجِّهةً للخوض في هذا، لولا ضرورةُ بيان كتمان هذا (الهدَّام) للعلم الذي يكون حُجَّةً عليه، فنقل عن الهيثمي تضعيفَ حديث أبي سعيد وراويهِ (عمر بن صهبان)، ولم ينقل تصحيح ابن عبد البر إياه، وتوثيقه لراويهِ (عمر بن محمد) -وقد وقف عليه-، فقد عزا إليه روايته لحديث حمزة ابن المغيرة -كما تقدّمت الإشارة إليه-، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.
٦٩ - "قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، قال: قرأت على عبد اللَّه ابن نافع: أخبرني ابنُ أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
стр. 149
"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلُّوا علي، فإنَّ صلاتكم تبلُغني حيث كنتم"، وهذا إسناد حسنٌ رواته كلهم ثقات مشاهير":
قلت: كذا حَسَّنه المؤلِّف ﵀، وهو كذلك أو أعلى -لما يأتي بيانه-.
وأمّا (الهدَّام) فوضع فيه ضعفًا، فقال -بعد أن عزاه لمصدرين آخرين-: "وفي إسناده عبد اللَّه بن نافع؛ وفيه ضعف"! ولم يَزِد! !
قلت: فيه تدليسٌ خبيثٌ، وتضليلٌ للقراء شديدٌ، وبيانه من الوجوه الآتية:
أوّلًا: في الرّواة بهذا الاسم (عبد اللَّه بن نافع) سبعةٌ، فيهم الثقة والصدوق والمجهول والضعيف، فعَمَّى أمرَه ولم يبيِّنه، لغايةٍ في (نفس يعقوب) معروفة! وهو هنا (الصائغ المخزومي -مولاهم- المدني).
ثانيًا: قال: "فيه ضعف"! فإنْ كان يَعْني ضعفًا لا يُنافي صِحَّةَ إسناده فضلًا عن حسنه -لأنَّ الحَسَن من طبيعته أن فيه ضعفًا- كما نبّهت عليه مرارًا-، أقول: إنْ كان يعني هذا، فهي معاكسةٌ مكشوفةٌ لتحسين المؤلِّف إياه، ولغيره من الحفّاظ المصحِّحين له -كما يأتي-، فكان الواجبُ عليه أن يوافقَهم ولو على التحسين فقط، ولكنْ. ..
وإن كان يعني ضعفًا ينافي التحسين على الأقل؛ فهو مبطلٌ مكابر؛ وهذا -منه- (شِنْشِنَةٌ نعرفها من أخْزَمَ)! فإنَّ المخزومي هذا لا يبلغ حالُه إلى الضعف المطلق -كما يتبيّن ذلك للباحث في ترجمته-، فلا أُطيل الكلام بذكر ما قيل فيه، وإنَّما أنقل كلمات بعض النّقاد الذين أحاطوا بأقوال الحفاظ المتقدمين فيه، ولخّصوها في جُمل قليلة:
فقال الذهبي في "الكاشف": "قال (خ): في حفظه شيء، وقال ابن معين: ثقة".
стр. 150
وهذا يعني بكل تأكيد أنَّه وَسَطٌ في حفظه، صدوقٌ في نفسه، فهو حسن الحديث، وهو اختيار المؤلف كما رأيت.
على أنَّ لابن نافع هذا حالةً أخرى هي خيرٌ مما تقدّم، كما أشار إلى ذلك بعضُ الأئمة:
فقال البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٢١٣/١): "يعرف حفظه وينكر، وكتابه أصَحُّ".
ونحوه قول أبي حاتم -فيما رواه ابنه عنه في "الجرح" (٥/ ١٨٤) -:
"ليس بالحافظ، هو لَيِّن؛ تعرف حفظه وتُنكر -وفي نسخة: يعرف حديثه وينكر-، وكتابه أصحُّ".
وأصرحُ من ذلك قول ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٣٤٨):
"كان صحيحَ الكتاب؛ وإذا حدّث من حفظه ربّما أخطأ".
وقد لخّص الحافظُ كلَّ ما قيل في الرجل بكلمات قليلة نافعة؛ فقال:
"ثقةٌ، صحيحُ الكتابِ، في حِفظه لين".
من أجل ذلك أشار الذهبي في صدر ترجمته من "الميزان" إلى أنَّه: "صحيح الحديث"، وأنَّ مسلمًا احتجّ به.
وأورده في "معرفة الرواة المتكلَّم فيهم بما لا يوجب الرّد" (١٣٠/ ١٩٢).
فقد فَرَّق هؤلاء الحفاظ بين كتابه؛ فصَحَّحوه، وحفظِهِ؛ فليَّنوه بعض التَّلْيين؛ فتجاهل ذلك كلَّه (الهدَّامُ) بقوله: "فيه ضعف"! دون أن يُبَيِّن ما يعني به -كما سبق بيانه-، ودون أن يفرِّق بين كتابه وحفظه! ! وقد عرفتَ سبب عدم بيانه المشار إليه.
стр. 151
وأمّا عدمُ تفريقه؛ فسببه أنَّه إنْ فَرَّق لزمه تصحيحُ الحديث، لأنَّه رأى في إسناد الحديث أن الحافظ (أحمد بن صالح) قرأ عليه -يعني من كتابه-؛ ولذلك صحّحه عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام" (٢/ ٨٩٢).
وقال الحافظ في "الفتح": "سندُهُ صحيحٌ"؛ ولذلك كنت خرَّجته في "صحيح أبي داود" (١٧٨٠).
ثم ساق له المؤلّفُ بعضَ الشواهد من حديث علي، ومن طريقين آخرين مرسَلين؛ وقد خَرَّجها (الهدَّام) وضعَّفها؛ دون أن يستفيد من مجموعها صِحَّةً-، أو على الأقل حُسْنًا -كما هي عادته-، وهو يرى الإمام ابن القيم يُعَقِّب عليها بقوله:
"فهذان المرسَلان من هذين. الوجهين المختلفين يدلَّان على ثبوت الحديث، لا سيّما وقد احتج به من أرسله؛ وذلك يقتضي ثبوتَه عنده، هذا لو لم يكن رُوي من وجوه مسنَدةٍ غير هذين، فكيف وقد تقدم مسنَدًا؟ ! ".
لم يستفد (الهدَّام) من هذا كله شيئًا يصرفه عن هدمه؛ بل أخذ يجادلُ بالباطل، فأعرض عن تمام كلام ابن القيم، وعلّق على قوله في المرسَلَيْن: "يدلّان على ثبوت الحديث"؛ فقال (١/ ٢٨٠): "ليس كلُّ مرسَلٍ يدلُّ على ثبوت مرسَلٍ آخر. . "، وتعامى عن بقيّة كلامه، فلم يقف عند قوله: "وقد احتجّ به من أرسله"، ولا قوله: "وهذا لو لم يكن روي. . . " إلى آخره؛ فأصرَّ على تجاهله لمسند أبي هريرة الذي وَضَعَ فيه ضعفًا؛ وذلك لا ينفي صلاحيتَه للاستشهاد به، فكيف وهو عند التحقيق حُجَّةٌ بنفسه؟ ! فكيف إذا انضَمَّ إليه المرسلان؟ ! فكيف إذا انضم إليها مسند علي أيضًا؟ ! وقد أخرجه الضياء المقدسي في "المختارة" -كما ذكر ابن القيم عقب حديثه، وتعامى (الهدَّام) عنه، وقد رآه أيضًا معزوًّا في كتابي "تحذير الساجد" (ص ١٤٠) إلى نسخته
стр. 152
المخطوطة -وهو لا يَصِلُ إليها-، فإن كان هذا عُذرًا له! فقد طُبع المجلد الذي فيه الحديث (٢/ ٤٩/ ٤٢٨)؛ فلماذا لم يَعزُهُ إليه؟
ولقد بلغ به شَغَفُهُ بالمخالفةِ، والجنايةِ على السنة؛ أنْ تعامى عن أنَّ مسلمًا قد أخرج الجملة الأولى من حديث أبي هريرة من طريق أخرى عنه، وعن كون الشيخين قد أخرجا لها شاهدًا من حديث ابن عمر، وهما مخرّجان في "أحكام الجنائز" (ص ٢ ٧٠ - ٢٧١ - طبعة المعارف)؛ فهل يفعل هذا مسلمٌ ناصحٌ ذو علمٍ؟ !
٧٠ - "عن جابر أنَّ رسول اللَّه ﷺ نهى أن تُجصَّصَ القبور، وأن يُكتب عليها، قال التِّرمذي: حديث حسن صحيح":
قلت: وتمام كلام التِّرمذي: "قد رُوي من غير وجه عن جابر"؛ ذكره تحت باب: (ما جاء في كراهية تجصيص القبور والكتابة عليها).
وعزاه (الهدَّام) لأبي داود -أيضًا-، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم؛ وعقَّب على ذلك بقوله (١/ ٢٨٦):
"وفي إسنادهِ نَظَرٌ بالزيادة التي فيها نَصُّ الكتابةِ، وكأنَّ حديثًا دخل في حديث، ويُفصَّل في غير هذا الموضع"!
قلت: هذا هُراءٌ في هُراءٍ، لا يعجز عن مثله أجبنُ الجبناء، وأجهلُ الجهلاء، لأنَّه مجرّد ادعاء، يلجأ إليه -عادةً- الأدعياء! وإلّا فما الذي يمنعه من التفصيل الذي زعمه! ويُحيل إلى موضع ربّما هو نفسُه لا يعلمه! بل إنَّ مثل هذا الكلام الغوعْائيِّ لَيُشْعِرُ أنَّ الرجل يرتجل الحكم على الحديث بالضعف، دون أي بحث، وإنَّما حسبما (يُوحي) إليه شيطانُهُ!
وَلَديّ على ذلك أدلّةٌ:
стр. 153
الأوّل: تخريجه المذكور، فإِنَّه عزا الحديث للخمسة، وقال: "وفي إسناده نظر"؛ فأوهم أنَّه عندهم بإسنادٍ واحد، وهو كذبٌ -لغةً وشرعًا-، فإِنَّه عند بعضهم بإسنادٍ آخر؛ فأخرجه التِّرمذي من طريق محمد بن ربيعةَ، والحاكم عن حفص بن غِيَاث، وأبي معاوية، وابن حِبّان أيضًا (٣١٥٤)، والطّحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٢٩٦) كلاهما عن أبي معاوية محمد بن خازم، ثلاثتهم، عن ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن جابر.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي.
فهذا هو الإسناد الأوّل.
والإسناد الآخر عند الثلاثة الآخرين -أبي داود، والنسائي، وابن ماجه-؛ من طريق ابن جُرَيج، عن سُلَيْمان بن موسى، عن جابر، وكذلك رواه ابن حِبّان، وليس عند ابن ماجه إلا جملة الكتابة -فقط-.
فلْيتأمل القراء كم في تخريج (الهدَّام) من خَبْطِ وخلطٍ وزُورٍ؟ !
هذا؛ وقد كنت صحّحت في "الإرواء" (٣/ ٢٠٨) هذا الإسنادَ الثاني، ثم بدا لي أنَّ فيه انقطاعًا بين سليمان بن موسى وجابر.
و(سليمان) -هذا- ليس في شيوخه أبو الزبير؛ فالغالب أنَّه تلقّاه من غيره، فيصلُحُ الاستشهادُ به، وإلّا فهو متابعٌ قويٌّ لابن جريج.
وأصلُ الحديثِ عند مسلم وغيره من طُرُقٍ عن ابن جُريج: أخبرني أبو الزبير، أنَّه سمع جابر بن عبد اللَّه. . . به.
ومن الملاحظ على (الهدَّام) -هنا- ما يُلاحَظ على الكثير من تخريجاته؛ وهو إخلالُهُ بالأمانة العلمية، فقد كتم تصحيحَ التِّرمذي والحاكم والذهبي إياه، وكذا تصحيحَ ابن حبان، وكذا قول التِّرمذي: "وقد رُوي من غير
стр. 154
وجهٍ عن جابر"، كما كتم تصحيحَ النووي لإسناده، وإقرار الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٣٢) لتصحيح المذكورين.
وأمّا عَدَمُ ذِكرهِ لتصحيح الحافظ عبد الحق الإشبيلي، فما أظنُّه علمه ليكْتُمَه! !
٧١ - "وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد، قال: قال: رسول اللَّه ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزُورُها، فإِنَّ فيها عبرة":
أعلّه (الهدَّام) (١/ ٢٩١) -بعد أن عزاه لأحمد والحاكم- بقوله:
"وفي إسناده أُسامة بن زيد؛ وفيه ضعف".
قلت: ذلك لا ينافي أنَّه حَسَنٌ -كما قرّرته مرارًا، آخرها تحت الحديث (٦٩) -، وقد كتم -كعادته- قول الحاكم والذهبي عَقِبَهُ: "صحيح على شرط مسلم"، كما أنَّه لم يبيّن للقراء هُوِيَّة (أُسامة بن زيد)؛ هل هو العدويُّ المدني الضعيف؟ أم الليثيُّ المدني الثقة؟
فالعدوي؛ قال الحافظ: "ضعيفٌ من قبل حفظه".
وقال في الليثي: "صدوقٌ يهم".
وقال الذهبي في "معرفة الرواة" (٦٤/ ٢٦):
"أسامة بن زيد الليثي لا العدوي؛ صدوقٌ قويُّ الحديث، أَكثَرَ مسلمٌ إخراجَ حديث ابن وهب عنه، ولكن أكثره في الشواهد والمتابعات، والظاهر أنَّه ثقةٌ، وقال النسائي: ليس بالقوي".
وإِذا رجعنا إلى إسناد الحاكم (١/ ٣٧٤) وجدناه من رواية ابن وهب: أخبرني أُسامة بن زيد. . . فظاهره أنَّه الليثي، لكنْ لدى الرجوع إلى ترجمة العدويِّ، وجدنا أنَّه قد روى عنه ابن وهب أيضًا؛ فمن الصعب -والحالةُ
стр. 155
هذه- الجزم بأنَّه الليثي، وإن كان الحاكم والذهبي جَرَيَا على أنَّه هو.
وعلى كلِّ حالٍ؛ فالحديثُ إن كان من حديثه فهو حسنٌ صحيحٌ، وإن كان من حديث العدوي فهو صحيحٌ لشواهدهِ الآتية.
فتخريجُ (الهدَّام)، وإطلاقُه ضعفَ أسامة، وكتمُه الشواهد؛ من جَوْرِه وظلمهِ للسنّة -كما لا يخفى-.
٧٢ - "وعن بُريدة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور؛ فَلْيَزُرْ، ولا تقولوا هُجرًا" رواه أحمد، والنسائي":
قلت: هو حديثٌ صحيحٌ بتمامه -كما يأتي-.
وأمَّا (الهدَّام) فمَرّ عليه مَرَّ الكرام! ولم يزد في التخريج على أن ذكر أرقامه في المصدرين المذكورين، وقال (١/ ٢٩٠): "وأصله عند مسلم (٩٧٧)، وأبي داود (٢٢٣٥) بنحوه".
فأقول: هذا التخريجُ شأنُ من لا يُحسِن التحقيق، ولا يستطيع أن يميِّز الصحيح من الضعيف، لما فيه من الإجمال والإعراض عن البيان -كما هي عادة هذا (الهدَّام) -.
فالحديث فيه ثلاثُ جُمَل -كما يرى القراء الكرام-، فما هو الأصلُ منه الذي رواه مسلم وأبو داود؟ ! ذلك مما لم يبيِّنه (الهدَّام)؛ وهذا من أساليبه في الهدم والتضليل!
وهاكم البيانَ:
أولًا: الحديث عندهم -جميعًا- من طريق مُحارب بن دِثَار، عن ابن بُريدة -وهو عبد اللَّه في رواية غير مسلم-، عن أبيه. . . -مرفوعًا - مختصرًا-، بلفظ: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها".
стр. 156
فهذا أصلُه الذي عزاه لمسلم؛ فتابعْ معي:
ثانيًا: زاد أبو داود (٣٢٣٥) بسندٍ صحيح عن محارب: "فإنَّ في زيارتها تذكرة".
فهذا هو أصله الذي عزاه لأبي داود! فتأمّل الفرقَ بينهما، ثم احكم على (الهدَّام) بالحق. . .
ثالثًا: وفي رواية للنسائي من طريق المغيرة بن سُبَيع: حَدَّثني عبد اللَّه بن بُريدة، عن أبيه. . . باللفظ الذي ساقه ابنُ القيم، وإسنادهُ صحيحٌ، رجاله كلهم ثقاتٌ.
رابعًا: تابعه أبو جَنَاب، عن سُليمان بن بُريدة، عن أبيه. . . مرفوعًا بلفظ: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها، ولا تقولوا هُجرًا".
وهذه روايةُ أحمدَ (٥/ ٣٦١)؛ وإسناده ضعيف، أبو جَنَابٍ -واسمه يحيى ابن أبي حَيَّة-: قال الحافظ: "ضعّفوه؛ لكثرة تدليسه".
وفي أُخرى له (٥/ ٣٥٥) من طريق مُحارب بن دِثَار. . . مثل لفظ مسلم، وزاد:
"لتذكِّركم زيارتها خيرًا"، وإسنادها صحيح.
ومن طريقْ أُخرى -فيها ضعفٌ- عن عبد اللَّه بن بُريدة؛ بلفظ: "فإنّها تُذَكِّر الآخرة".
ولجملة: "ولا تقولوا هُجرًا" شاهدان، أحدهما من حديث أنس بسند حسن، وهو مخرّج في "أحكام الجنائز" (٢٢٨ - ٢٢٩/ المعارف)، والآخر عن أبي سعيد الخُدْري، رواه أحمد (٣/ ٦٣ و ٦٦)، ورجاله ثقات؛ غير محمد بن عمرو بن ثابت، لم يوثّقه غير ابن حبان؛ فلا بأس به في الشواهد، وانظر
стр. 157
"الصحيحة" (٢٩٦٩).
ثم لا بُدَّ من التذكير -بما سبق التذكير به مرّة أو أكثر-، أنَّ عزو (الهدَّام) هنا -أو في غير هذا المكان- لمسلم؛ لا يعني ذلك أنَّه حديثٌ صحيحٌ عنده! فكم من حديث له ضعّفه (الهدَّام) جهلًا وبغيًا بغير حق؟ ! ومن الأمثلة على ذلك ما تقدم برقم (٥ و ٥٠)، وبخاصة ما كان من حديث (ابن بُريدة عن أبيه)، فإنَّه يزعم أنَّه لم يسمع من أبيه! وبه أعلّ الحديث الصحيح: "من حلف بالأمانة فليس مِنا"؛ صرَّح بذلك في "ضعيفته" التي ذَيَّل بها على طبعته لـ "رياض الصالحين" (٥٥٩/ ١١٩)؛ وغفل أو تغافل -لا أدري! - عن أحاديث أُخرى بهذا الإسناد، مثل حديث مسلم هذا في زيارة القبور (رقم ٤٣٤/ "رياضه")، والذي بعده فيه بحديث (رقم ٤٣٦)، وكلاهما عزاهما لمسلمٍ - أيضًا -هنا- قُبيل هذا الحديث! وسكت عنهما -كما فعل في "الرياض"! - ومثل حديث: "لا وجدت" عند مسلم، ورقمه فيه (١٢٩٦)، وحديث: "لا تقولوا للمنافق: سَيّد. . . "، ورقمه (١٣١٢)، كلُّ هذه الأحاديث من رواية ابن بُريدة عن أبيه؛ فكان يلزمه أن يُبَيِّنَ موقفَه منها، وإلّا أُدِينَ بأنها ضعيفةٌ عنده، وإلّا قوّاه ببعض الشواهد والطرق إنْ وُجِدت، إلّا أنَّ هذا ليس من طبيعة مَن نصب نفسه لتضعيف الأحاديث الصحيحة!
٧٣ - "وعن علي بن أبي طالب، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّي كنت نهيتُكم عن زيارة القبور؛ فزوروها، فإِنَّها تذكِّركم الآخرة"، رواه الإمام أحمد":
وهذا حديثٌ صحيحٌ بشواهده.
أمّا (الهدَّام) فلا يقيم وزنًا للشواهد، وإلّا لم يكتَفِ بقوله (١/ ٢٩١) -فيه-: "وأخرجه أحمد (١/ ١٤٥) بإسنادٍ فيه ضعفاء"!
стр. 158
أمّا الشطر الأوّل منه، فشاهده حديث بريدة عند مسلم وغيره -كما تقدم آنفًا-.
وهنا أتساءل، فأقول: أليس لنا أن نتّخذ إعراضه عن الاستشهاد به دليلًا جديدًا على تضعيفه لحديث بريدة، غير الانقطاع الذي ادّعاه في إسناده على ما قدّمنا بيانه؟ ! بلى وربِّي؛ فإنَّ من طريقته الاستشهادَ بالأحاديث الصحيحة للأحاديث الضعيفة، فلولا أنَّه يرى ضعف حديث بريدة لاستشهد به لحديث علي -إن شاء اللَّه تعالى-.
أَمّا الشطر الآخر فيشهد له حديث بريدة -أيضًا- عند أحمد -كما تقدم (ص ١٢٦) بلفظه -أعني الشطر الثاني-، كما يشهد له زيادة أبي داود - المتقدّمة (ص ١٢٥) - بلفظ: "فإِنَّ في زيارتها تذكرة"، وسندها صحيح -كما تقدم-.
ويشهد لها -أيضًا- حديث أنس -بلفظه أيضًا المخرَّج في "الأحكام"- بسندٍ حسن -كما سبق-.
ثم إنَّ قوله: "فيه ضعفاء"، ليس تعبيرًا علميًّا، لأَنَّه ليس فيه إلّا ضعيفٌ واحدٌ -هو: علي بن زيد بن جُدْعان-، عن (ربيعة بن النابغة، عن أبيه) -وهما مجهولان-.
وقد يجادلُ هو -أو غيره من الجهلة-، فأقول له سَلَفًا: أرأيتَ لو كان في الإسناد رجلٌ مجهول، أتقول فيه: ضعيف؛ أو: مجهول؟ ! وكذلك الأمر إذا كان فيه مجهولان فأكثرُ, فكذلك ما نحن فيه، الصواب أن يقال: "فيه ضعيف ومجهولان"؛ فإنَّه المطابق للواقع.
٧٤ - "وفي "الترمذي" وغيره مرفوعًا: "الدعاء هو العبادة"".
стр. 159
قلت: الحديث عندنا صحيحٌ بلا ريب، وقد صحَّحه جَمْعٌ، وهو مخرَّج عندي في مواضع، منها "أحكام الجنائز" (٢٤٦).
وقد خرجه (الهدَّام) من رواية أصحاب "السنن" وغيرهم، ولم يذكر من صحَّحه من الأئمّة كعادته، وإنَّما أعلّه بـ (يُسَيعْ الحضرمي) الراوي له عن النعمان بن بشير، فقال (١/ ٢٩٢):
"فيه جهالةُ حالٍ، وتوثيق النسائي وابن حبان له؛ فمن عادتهما -أحيانًا-[التساهل] (١) في توثيق المجاهيل والمسكوت عنهم، وهي عند النسائي أقلُّ بكثير مما عند ابن حبّان، وأرجو أن يكون الحديث حسنًا"!
قلت: هذا التحسين - ولو مقرونًا مع الرجاء؛ والذي نتمنى أن يكون مطَّرِدًا في كل ما ضَعَّفه من الأحاديث الصحيحة؛ من باب أخفِّ الضررين! - أقول: هو مما يخالفُ به منطلقَهُ الذي شذّ به عن العلماء، وخالف ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في التضعيف -بناءً على عِلَلٍ ابتدعها-، فكم من حديث صحيح ضَعَّفَه بدعوى الجهالة وعدم الشهرة تارةً، أو الانقطاع بين التابعي والصحابي تارةً أُخرى! وغير ذلك من عِلَلِه؛ مثل تضعيف الحديث المتعَدِّد الطرق مهما كانت كثيرة وسالة من الضعف الشديد -كما تقدّم التنبيه عليه مرارًا وتكرارًا-.
وأقربُ مثالٍ للعِلَّة الأولى رَدُّه للحديث المتقدِّم برقم (٦٨) بقوله:
"تَفَرَّد به حمزة، وليس بالمشهور"! ثم قال:
"فأَين أصحابُ سهيل بن أبي صالح المشهورون عن هذا الحديث؟ ! ".
فنقول له:
ما عدا عَمّا بدا؟ ! لِمَ لَمْ تُعلِّل هذا الحديثَ -أيضًا- بعلَّتِك تلك إن كنت
стр. 160
مؤمنًا بها؛ فتقول مثلًا: فأين أصحاب النعمان بن بشير عن هذا الحديث؟ ! وهي هنا أَوْلَى من هناك لو كانت صحيحة! وذلك لأنَّ (حمزة) ليس مجهولَ العين، ولا مجهولَ الحال، بل هو ثِقَةٌ -كما تَقدَّم-؛ بخلاف (يُسَيع)، فإنَّه لم يَرو عنه غير (ذَرّ بن عبد اللَّه الحضرمي)، وعليه فهو مجهولُ العين عِندَك، فَلِمَ خالفت أيضًا، فقلت: "فيه جهالة حال"؟ ! وأنت القائل في "حوارك" (ص ٩٩):
"من وثَّقه ابن حبان وروى عنه اثنان أو ثلاثة أو أكثر؛ يكون مجهولَ الحال".
فهذا يعني أنَّ (يُسيعًا) مجهولُ العين عندك؛ فَلِمَ خالفت، فأفهمتَ القراء خلاف الواقع؟ ! وعندي أنَّك فعلتَ ذلك تميهدًا لقولك الأخير: "وأرجو أن يكون الحديث حسنًا"!
وحينئذٍ؛ نأخذُ بتلابيبهِ، ونقولُ له: لِمَ لَمْ تَرْجُ مثلَ هذا الرَّجاء في حديث العِرْباض بن سارية -المتقدِّم برقم (٢) -، والذي رواه عنه عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي، وحالُهُ خيرٌ من حال (يُسَيع)، فقد اعترفت في "حوارك" (ص ١٠٠) بأنَّه مجهولُ الحال مع كَثرةِ من روى عنه! يضاف إلى ذلك كثرةُ الحفاظ المُصحِّحين له، وشهرتُه عند العلماء كافة، واحتجاجُهم به -كما بيَّنت هناك؟ ! -.
وأمّا إعلالُهُ بالانقطاع -ولا انقطاعَ-؛ فأقربُ مثالٍ الحديثُ (٤٣) من رواية أبي نَعَامة، عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل؛ فزعم أنَّ ظاهره الإرسال من أبي نَعَامة، إلّا أن يُصرح بالسماع من عبد اللَّه بن مُغَفَّل، وقد وددتُ عليه هناك باختصار، وأحلت التفصيل على المقدِّمة.
وهذا الإعلالُ العليلُ يَرِدُ -أيضًا- على رواية (يُسَيع) عن النعمان بن بشير؛ فإنَّه لم يصرح بالسماع أيضًا، فهل رجع إلى الاكتفاء بالمعاصرة -وهو
стр. 161
المذهب الذي لا يستقيم الحديث إلّا عليه-؟ أم هي الفوضى واللامنهجيّة الجليّة في تخريجاته؟ !
هذا هو الذي نَدين اللَّه به؛ وأعوذ باللَّه أن أظلِمَ أو أُظلَم! بل لا بُدَّ من المصارحة وبيان الحق، لعلّه يعود إلى رشده، ويتوب إلى رَبِّه، ويتَّبع ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولا يُجهِّلهم ويتعالى عليهم.
وقد ذكرتُ شيئًا من سوء أدَبه معهم تحت حديث العرباض -المشار إليه آنفًا-.
وإنَّ من تدليسه على القراء، ومكرِه لستر تناقُضِه -غير وصفه لـ (يُسيع) بجهالةِ الحال! -: أنَّه لم يَسُقْ إسنادَه عن يُسيع، عن النعمان، بل قال: ". . . من حديث النعمان بن بشير، وفيه يُسَيع الحضرمي. . . "؛ فعمّى -كعادته- على القراء طَبَقَةَ (يسيع)، وأنَّه الراوي عن النعمان؛ لكي يسدَّ الطريق على من قد يتنبّه لخطإه الناتج من (لامنهجيَّته)! فهو تابعيٌّ لا تنطبق عليه قاعدة المجاهيل، لقول الإمام ابن المديني: "معروف"، ولذا وثّقه الذهبي والعسقلاني، فاستعلى الجاني وبغى، وخالفهم جميعًا!
٧٣ - [*] "وفي "فتاوى أبي محمد بن عبد السلام": أنَّه لا يجوزُ سؤال اللَّه -سبحانه- بشيء من مخلوقاته. . . وتوقَّف في نبينا ﷺ ؛ لاعتقاده أنَّ ذلك جاء في حديث، وأنَّه لم يعرف صحَّة الحديث":
قال (الهدَّام) (١/ ٣١١): "يشير إلى حديث عثمان بن حُنَيف في قصة استشفاع الأعمى؛ أخرجه أحمد (٤/ ١٣٨)، والترمذي، وابن ماجه -وغيرهم-".
هكذا قال! فلم يتكلّم على إسناده تصحيحًا أو تضعيفًا، والظاهر أنَّه يذهب إلى تضعيفه، وإلّا لما سكت غَيْرَةً على حديث رسول اللَّه ﷺ ، وَلأتْبَعَهُ
стр. 162
بتصحيح التِّرمذي إيّاه، ويُحتمل أنَّه إنَّما سكت تَقِيَّةً للفريقين المختلفين في دلالته على التوسل المبتدع، وقد صحّحه -أيضًا- الحاكم، والذهبي، وغيرهما -كشيخ الإسلام ابن تيميَّة في كتابه "التوسل والوسيلة"-، وقد بيّنت صِحَّة إسناده، ورددتُ على من أعَلّه بجهالة أحد رواته في كتابي المعروف "التوسل؛ أنواعه وأحكامه" (ص ٧٠)، وفصَّلت فيه القولَ في الرَّد على من استدلّ به على جواز التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين، وحقَّقت أنَّ الأعمى إنّما توسَّل بدُعائِهِ ﷺ ؛ فلْيراجَع، فإِنّه مهم.
(تنبيه): وقع قول (الهدَّام) المذكور في حاشية (ص ٣٠٩)، وهو خطأٌ مطبعيٌّ من الأخطاء الكثيرة التي وقعت في طبعته للكتاب، وبخاصَّةٍ في تعليقاته، وقد تقدَّم مني بيانُ سببِ هذا في آخر كلامي على الحديث (٦٣)؛ فراجِعْه -إن شئت-.
٧٤ - "ورُوي أنَّ النبي ﷺ قال: "مَن اسمتمع إلى قَيْنَة صُبَّ في أذنيه الآنُك يوم القيامة":
قلت: أشار المؤلف ﵀ إلى ضعفه، وهو كما قال؛ بل أشدُّ.
وقال (الهدَّام) (١/ ٣٣٩):
"ظاهر الضعف، نسبه السيوطي في "الجامع الكبير" إلى ابنِ صَصْرَى في "أماليه"، وابن عساكر عن أنس، "الكنز" (١٥/ ٢٢٠ - ٢٢١) ".
قلت: في هذا التخريج أمور:
أوّلًا: لقد أبعد النُّجْعَةَ في العزو المذكور، لا سيما وهو فيه بلفظ: "من قعد. . . "؛ ولكن هذا هو الذي ساعدته عليه بعضُ الفهارس! بينما الحديث في "الجامع الصغير" وهو أشهر وأقرب تناولًا من "الجامع الكبير" -وبواسطة
стр. 163
"الكنز"! -، وهو -إلى ذلك- فيه - بلفظ الكتاب! !
ثانيًا: قوله: "ظاهر الضعف"؛ لم يبين السبب -كما هي عادته في كتمان ما ينبغي إظهاره! -، وأنا أظن أنَّ السبب إنّما هو اعتمادُهُ على عقلهِ، وأنَّه لا يرى مانعًا من الاستماع إلى المغنيّات وآلات الطرب! ! لأنَّه يضعِّف كل الأحاديث الواردة في تحريمها، ومنها حديث البخاري في تحريم المعازف -الآتي مع الرَّد عليه برقم (٧٩) -.
ثالثًا: كنت أوردتُ الحديثَ في "الضعيفة" برقم (٤٥٤٩)، ونقلت فيه من بعض المصادر المخطوطة العزيزة أنَّ الإمامَ أحمدَ سُئل عن هذا الحديث؟ فقال:
"هذا باطلٌ".
وكفى بإمام السُّنَّة حُجَّةً.
٧٥ - "وعن إبراهيم، قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب، وهو صحيحٌ عن ابن مسعود من قوله؛ ورُوي عنه مرفوعًا":
قلت: وهذا هو الصواب.
وأما " (الهدَّام) فعاكسه -كعادته- (١/ ٣٥١)؛ فقال:
"بل لا يصحُّ موقوفًا ولا مرفوعًا، فإن كِلا الطريقين المذكورتين فيها انقطاع، فمحمد بن عبد الرحمن بن يزيد، وإبراهيم النخعي لم يسمعا من ابن مسعود".
قلت: لقد تجاهل -كعادته- وقول إبراهيم النخَعي عن نفسه؛ أنَّه إذا قال قال عبد اللَّه، فهو غير واحد من أصحاب عبد اللَّه، فهو متصل صحيح -كما قال ابن القيم-؛ فإنَّ أصحاب عبد اللَّه ثقات فقهاء، وكذلك قال
стр. 164
البيهقي، وصحّح ما رواه هكذا عن ابن مسعود، كما بيّنته في الفصل الثامن من "الرَّد على ابن حزم ومقلديه في إباحة المعازف"؛ وهو مطبوعٌ -بحمد اللَّه تعالى-.
٧٦ - "قال رسول اللَّه ﷺ : "من أتى كاهِنًا فَصَدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنْزِلَ على محمد":
قلت: جزم به ابن القيِّم -إشارة إلى صِحَّتِهِ-، وهو الحقُّ الذي لا ريب فيه، فقد روى عوف بن أبي جميلة، عن خِلاس، ومحمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ . . . فذكره بلفظ: "من أتى عَرَّافًا أو كاهنًا. . . "، والباقي مثله سواء، أخرجه أبو بكر بن خَلّاد في "الفوائد" (١/ ٢٢١/ ١)، والحاكم (١/ ٨)، والبيهقي (٨/ ١٣٥) من طريقين عنه.
وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرطهما جميعًا من حديث ابن سيرين"، ووافقه الذهبي؛ وأقرَّه الحافظ ابن حجر -كما يأتي-، وصحّحه الحافظ ابن كثير في "التفسير" (١/ ١٤٤).
وأما (الهدَّام)؛ فقد تعامى عن هذا الإسناد الصحيح، وعن تخريج الحديث بلفظ الكتاب، وسَوَّد صفحتين في تخريج لفظٍ آخَرَ لم يَرِدْ له ذكرٌ فيه! موهمًا القراء -بتدليسه ومكره- أنَّه يخرِّج لفظَ الكتاب، وإنَّما هو لفظٌ آخرُ عن أبي هريرة -بزيادة على متن حديث الكتاب-.
ومن تمام تدليسه أنَّه لم يسق لفظه في أوّل تخريجه؛ ليصرف أنظار القراء أنَّه إنَّما يعني به لفظ الكتاب، مصرحًا بأنَّه ضعيف! وإنما ساقه بعد النصف الأوّل من تخريجه، بلفظ: "من أتى حائضًا أو امرأةً في دبرها، أو كاهنًا، فقد كفر. . "؛ خرَّجه من طريق أبي تميمة، والحارث بن مُخَلَّد، وخِلاس -ثلاثتهم-، عن أبي هريرة، وعن الحسن البصري مرسلًا، مقرونًا مع حديث
стр. 165
خِلاس، من رواية أحمد (٢/ ٤٢٩).
ولم تَدَعْهُ نفسُهُ الأمّارة بالسوء دون أن يُدَلِّس في حديث، فإِنَّه لم يسق منه إلَّا كلمتين، فقال: ". . . خِلاس، عن أبي هريرة، والحسن، عن النبي ﷺ ، قال: "من أتى. . . " فذكره"، يعني اللفظ الذي ذكرتُهُ قبل أسطر! وإذا رجعتَ إلى الموضع الذي أشار إليه من "المسند" وَجَدْتَهُ مختصرًا مثل لفظ خِلاس المقرون مع محمد بن سيرين -الذي قدَّمتُه في صَدر هذا التحقيق-؛ فأعوذ باللَّه من شَرِّ التدليس والمُدَلِّسين، والكذب والكذّابين!
وقد وَقَعَتْ له عجائبُ أُخرى؛ من الآراء الفَجَّة والتعليلات الشخصية الباردة في تخريجه للطرق المذكورة، لا أرى من المهم بيانها، لأنَّ البحث سيطول بذلك جدًا، وبخاصّة أنني قدّمت الإسناد الصحيح لحديث الكتاب -الذي هو موضوعُ البحث- الذي تَعَمَّد (الهدَّام) كتمه والإعراض عنه -عامله اللَّه بما يستحقُّ! -.
وَحَسْبُ القراءَ أن يعلموا أنَّ الحديث من لفظ آخر -من طريق (الهُجَيمي) - قد صحّحه جمعٌ من الحفّاظ؛ كالضياء المقدسي، والحافظ العراقي، والدهبي، وما أعلّه به (الهدَّام) ليس بِعِلَّةٍ قادحة، ويشهد له طريق الحارث بن مُخَلَّدٍ.
ومن رام التفصيل فلْيرجع إلى "الإرواء" (٧/ ٦٨ - ٧٠)؛ الذي منه استقى (الهدَّام) عامّة طرقه وتخريجها، لقمةً سائغةً يأخذ منه ما يراه، ويَدَعُ ما يخالف هواه، كحديث ابن سيرين الذي يقضي على هواه ويجعله كالهباء، وكشاهده -حديث جابر المشار إليه هنا، والآتي تقويةُ إسناده من الحافظ قريبًا- إن شاء اللَّه -تعالى-.
ولِتتبيَّنَ -أيها القارئ الكريم- صِحَّةَ ما ذكرته آنفًا من استقائهِ تخريجَه
стр. 166
من "الإرواء"؛ قابِلْه بقوله في آخر تخريجه:
"والشواهد المذكورة لهذا الحديث لا تَصِحّ، انظر "مجمع الزوائد" (٥/ ١١٧ - ١١٨")!
فلو أنَّ الرجل كان على معرفةٍ بفنّ التخريج، وعلى علم بطرق التصحيح والتضعيف، وغيورًا على سُنَّة رسول اللَّه ﷺ أن تُضَعَّفَ بمجَرَّد الدَّعوى، لبادر إلى تخريج الشواهد التي أشار إليها تخريجًا علميًّا دقيقًا، ولم يقنع بإحالة القراء إلى "مجمع الزوائد"، بل وموهمًا إياهم أنَّ صاحب "المجمع" ضَعَّفها، وهو كذبٌ وزورٌ، بل هو -كما يقول البعض: - له قرونٌ! فإنَّ بعضها حجّة عليه؛ لأنَه وثَّق رجالها، وهذا -وإن كان لا يعني أنَّه صحَّح إسنادها- كما بيّنت ذلك مرارًا -، فهو -أيضًا- لا يعني ما أشار إليه من التضعيف، على أنَّه لما رجعت إلى أسانيد بعضها تبين لي صحتها، ممّا أكَّد لي تدليسه وكذبه.
والكلام عليها وتخريجها مما لا يَتَّسع له المجال الآن، ولا سيما وقد خَرَّجت أحدها تحت الحديث (٢٦٥٠) من "الصحيحة" المجلد السادس، وأشرت فيه إلى جناية (الهدَّام) عليه، فحسبي هنا -إذن- أن أسترعي النظرَ إلى أنَّ الحافظ المنذري في "الترغيب" (٤/ ٥٢ - ٥٣) قد جَوَّد أسانيد ثلاثة منها، هي: عن عِمْران بن حُصَين، وجابر بن عبد اللَّه، وابن مسعود، ونحا نحوه الحافظ العسقلاني.
ومن المفيد أن أسوق كلامه ليتأكد القراء -بل ليزدادوا تأكُّدًا- أنَّ (الهدَّام) ليس على شيء من العلم والتقوى! بل هو يهرف بما لا يعرف!
قال الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٢١٧) -بعد أن ذكر تصحيحَ الحاكمِ لحديث ابن سيرين وأقرّه-، وسَيُؤكِّد ذلك في آخر كلامه-:
"وله شاهد من حديث جابر، وعِمران بن حُصين، أخرجهما البزار بسندين
стр. 167
جيدين، ولفظهما: "من أتى كاهنًا. . . " وأخرجه مسلم من حديث امرأةٍ من أزواج النبي ﷺ ومن الرواة من سمّاها حفصة - بلفظ: "من أتى عَرّافًا. . . "، وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن مسعود بسندٍ جيدٍ، لكن لم يُصَرِّح برفعه، ومثله لا يقال بالرّأي (١)، ولفظه: "من أتى عَرَّافًا أو ساحِرًا أو كاهنًا. . . ".
واتفقت ألفاظُهم على الوعيد بلفظ حديث أبي هريرة، إلّا حديث مسلم، فقال فيه: "لم يقبل لهما صلاة أربعين يومًا"، ووقع عند الطبراني من حديث أنس -بسند ليِّن مرفوعًا- بلفظ: "من أتى كاهنًا فَصدَّقه بما يقول، فقد برئ مما أنزل على محمد، ومن أتاه غير مصدِّقٍ له، لم تُقبل صلاته أربعين يومًا".
والأحاديثُ الأُوَلُ -مع صحّتها وكثرتها- أولى من هذا، والوعيدُ جاء تارة بعدم قبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فَيُحمل على حالين من الآتي، وقد أشار إلى ذلك القرطبيُّ.
و(العرّاف): بفتح اليهملة وتشديد الرّاء: من يستخرج الوقوف على المغيَّبات بضرب من فعل أو قول.
قلت: وحديث مسلم مخرَّج في "غاية المرام" (١٧٢/ ١٧٣)، وتحت الحديث (٦٥٢٣) من المجلّد الرابع عشر من "الضعيفة"، وحديث أنس مخرَّج فيه برقم (٦٥٥٥).
فهل بعد هذا كلّه؛ يشكُّ أحدٌ في أنَّ الرجل جاحدٌ للحقائق، يردُّ الأحاديث الصحيحة بجهلهِ وتطاوله؛ مدلِّسٌ معأنِدٌ مكابرٌ، غَرَضُهُ -باسم التخريج والتحقيق- هدمُ السنّة وما بُني عليها من الأحكام الشرعية؟ ! فاللَّه حسيبُهُ.
стр. 168
٧٧ - "روى التِّرمذي من حديث ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن جابر ﵁؛ قال: خرج رسولُ اللَّه ﷺ مع عبد الرحمن بن عوف إلى النَّخْل، فإِذا ابنهُ إبراهيمُ يجود بنفسه. . . " الحديث، وفيه بكاؤه ﷺ على ابنه، وقوله: "هو رحمةٌ. . . وإنّا بك لمحزونون، تبكي العين، ويحزن القلب"، وقوله ﷺ لعبد الرحمن:
"إنَّما نَهَيْتُ عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نِعمة؛ لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة. . . " الحديث؛ قال التِّرمذي: حديث حسن".
قال (الهدَّام) (١/ ٣٦٢): "أخرجه بطوله الحاكم (٤/ ٤٠)، والطحاوي (٤/ ٢٩٣) من "المعاني"، وأخرجه التِّرمذي (١٠٠٥) دون آخره: "وهذا هو رحمة. . . "؛ وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ وهو ضعيف".
قلت: فيه -أوّلًا-: أنَّ هذا التخريج والتضعيف من الأدِلّة الكثيرة الدّالة على هدمه -المشار إليه آنفًا-؛ فإنَّ قصة وفاة إبراهيم ﵇ وبكائه ﷺ عليه، وما قاله فيه؛ ثابتٌ في "الصحيحين" من حديث أنس بنحوه، وهو مخرَّج في "أحكام الجنائز" (ص ٣٢)؛ فلِمَ كتمه؟ ! أم أنه جاهلٌ به؟ ! أحلاهما مُرٌّ!
ثانيًا: لقوله ﷺ : "إنَّما نَهَيْتُ عن صوتين. . . " إلخ؛ شاهدٌ قويٌّ من حديث أنس -أيضًا-؛ يأتي الكلام عليه بعد هذا.
من أجل هذا -والذي قبله- قال التِّرمذي: "حديث حسن"؛ أي: لغيره؛ كما هو معروفٌ من اصطلاحه الذي بيَّنه في آخر "سننه"؛ ففيه إشارة منه -أعني التِّرمذي- إلى أنّ في السند ضعفًا، فكَشْفُ (الهدَّام) عن سبب الضعف -فقط-، دون بيان سبب التحسين: هو من خياناتهِ العلميّة التي لا تنتهي! والسبب واضحٌ جدًا: الهدم، ثم الهدم!
стр. 169
ثالثًا: الحديث عند التِّرمذي من رواية جابر، وعند اللذَيْنِ عزاه (الهدَّام) إليهما، هو من روايتهما عنه، عن عبد الرحمن بن عوف، فكان عليه أن يُبَيِّن ذلك؛ ولكن ما له ولمثل هذا التحقيق، وهو إنما همّهُ التخريبُ والتضعيفُ؟ !
ومن العجيب؛ أنَّ همَّه قد يُعْميهِ عَمّا قد يساعده عليه، فإنَّ هذا الاختلافَ في إسناد الحديث، إنَّما هو من الأدِلّة على ضعف ابن أبي ليلى هذا! ولكنّ ضعفَه لا يضُرُّ حديثه هذا؛ لما سبق بيانه من الشاهد الذي كتمه المُخَرِّب! وقد رواه ابن سعد -أيضًا- (١٨١٣٨) عن جابر، عن عبد الرحمن.
٧٨ - "وقال الحسن: صوتان ملعونان: مزمار عند نِعمة، ورَنَّةٌ عند مصيبة":
قلت: لم يُخَرِّجه (الهدَّام)؛ إمّا لجهله بالآثار السلفية، أو لاستهتاره بها لَمَّا خالفت هواه المستحلَّ للمزامير التي حَرَّمها اللَّه، والذي يحملُهُ على تضعيف كثير من الأحاديث التي صَحَّت عن رسول اللَّه ﷺ ؛ ومنها حديثُ البخاري -الآتي في تحريمها بعد هذا الأثر-.
وقد أخرجه ابن أبي الدنيا من طريقين عن الحسن -وهو البصري-، ولذلك جزم به ابن القيم، لا سيّما وقد صحّ مرفوعًا -كما يأتي قريبًا-، وهو مخرّج في مقدمة رسالتي في "الرّد على ابن حزم في إباحته الملاهي وعلى مقلّديه".
ولم يكتف (الهدَّام) بعدم تخريجه، بل علَّق عليه بالافتراء على أحد حُفَّاظ الأمَّة؛ فقال:
"رفعه البزَّار (٧٩٥) من حديث أنس، وفيه شَبِيب بن بِشْر، وهو ضعيف".
قلت: فيه مؤاخذتان:
الأُولى: افتراؤه على الحافظ البزَّار بقوله عنه: "رفعه"؛ بدل أن يقول:
стр. 170
"أخرجه"! ليوهم القراء أنَّ هذا الأثر أخطأ فيه البَزَّار، فرفعه! وهذا كذبٌ محضٌ وافتراءٌ، فقد رواه -أيضًا- كالبزار -مرفوعًا-: أبو بكر الشافعي، والضياء المقدسي -وغيرهما- عن أنس، وهو على علم بذلك من كتابي "الصحيحة" (٤٢٧)، فقد نصب نفسه لمعاكستي في تصحيح ما فيه وفي غيره ما وسعه الأمر (حَسَدًا وبغيًا)؛ والعياذ باللَّه -تعالى-!
والأُخرى: إطلاقه الضعف على (شَبِيب بن بِشْر) خطأٌ محضٌ، بل هو جَوْرٌ واعتداءٌ عليه، فإِنَّه مختلَف فيه، وقد وثَّقه ابن معين وغيره، وقال أبو حاتم: "لَيِّن"؛ كما قال الذهبي في "الكاشف"، فهذا يُشعر بأنَّ الرجل وَسَطٌ، أي: حسن الحديث.
ونحوه قول الحافظ في "التقريب": "صدوق يخطئ".
فالإسنادُ حَسَنٌ، ثم يرتقي إلى الصحة بمتابعة عيسى بن طَهْمان إياه، وهو مخرَّجٌ في "الرَّدِّ" -المشار إليه آنفًا-؛ وهو فيه الحديث الثاني من ستة أحاديث صحيحة في تحريم المعازف التي يستَحِلُّها (الهدَّام)؛ تقليدًا لابن حزم.
وتزداد قوَّتُهُ بحديث عبد الرحمن بن عوف -الذي تكلّمت عليه آنفًا-؛ لأنَّ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، إنَّما ضَعْفُهُ من قبل حفظه؛ فهو صالحٌ للاستشهاد به، واللَّه ولي التوفيق.
٧٩ - "عن عبد الرحمن بن غَنْم، قال: حدّثني أبو عامر -أو أبو مالك- الأشعري ﵄، أنَّه سمع النبي ﷺ يقول: "ليكونَنَّ من أمتي قوم يستحلّون الحِرَ والحرير والخمر والمعازِف"؛ هذا حديثٌ صحيحٌ، أخرجه البخاري في "صحيحه" محتجًّا به، وعلّقه تعليقًا مجزومًا به، فقال: وقال هشام ابن عمار: حدّثنا صَدَقَةُ بن خالد: حدّثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: حدّثنا
стр. 171
عطية بن قيس الكلابي: حدثني عبد الرحمن بن غَنْمٍ الأشعري. . . ":
ثم ردَّ ابن القيم مفصَّلًا على ابن حزم الذي قدح في صحة هذا الحديث بزعم الانقطاع بين البخاري وشيخه هشام، ردّه عليه من وجوه خمسة، واحدةٌ منها كافيةٌ، فكيف بها مجتمعةً؟ ! والخامس منها متابعةُ (بشر بن بكر) الثقة؛ عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. . . به (١)، وهذه متابعةٌ قويَّةٌ، لم يسع (الهدَّام) إلّا الاعترافَ بها -رغم مجادلاته ومراوغاته الكثيرة المعروفة-، ولكنّه مع ذلك غلبت عليه شِقْوَتُهُ وطبيعتُهُ، فتَمَلَّصَ منها بِكَذِبَةٍ لها قرنان؛ فقال:
"ولكن ليس فيها نَصٌّ صريحٌ على المعازف، لأنَّها رُويت في "سنن البيهقي" و"تغليق ابن حجر" ضِمن (وهي مطبوعةٌ خطأً: فمن! ) رواية هشام المتقدّمة"! ! يريد أنَّه ليس في رواية (بشر) التصريح بذكر المعازف؛ والواقع خلافُهُ، فقد ساق الحديث البيهقي، والعسقلاني من طريق هشام وبشر مسياقًا واحدًا إلى آخره، متل سياق ابن القيم، إلّا في لفظٍ واحدٍ كما يأتي، ثم قالا في آخره -واللفظ لابن حجر-:
"ولفظ (دُحيم) عن بِشْر مثله؛ إلّا أنّه زاد فيه لفظة واحدة، قال: "ويمسخ منهم قردةً" والباقي؛ مثله سواء"!
قلت: ومع دلالة السياق على أنَّه لا فَرْقَ بين رواية هشام وبِشْر في إثبات لفظة (المعازف) التي أنكرها (الهدَّام)، فقول الحافظين المذكورين عَقِبَ الحديث صريحٌ في ذلك؛ لأنّهما صَرَّحا بأنَّه لا فَرْقَ بينهما في شيء من السياق إلّا في حرف: "منهم"؛ فثبت كذبُهُ فيما ادّعاه من النفي!
وإنَّ مما يؤكّد كذبَه -ويحسُنُ التنبيه عليه- أنَّ رواية (بِشْر) هذه
стр. 172
المصرِّحة -أيضًا- بلفظ (المعازف) هي من رواية الإسماعيلي في "صحيحه" التي احتجَّ بها ابن القيِّم (ص ٣٧١)؛ فتجاهلها (الهدَّام)، وحملها -تضليلًا للقراء- على رواية أبي داود المختصرة -التي ليس فيها اللفظ المذكور-؛ قلبًا للحقائق الذي هو صناعتُهُ ورأسُ مالهِ! ومعاكسةً منه للحفّاظ الذين أثبتوها وصحَّحوها، ليظهر هو بمظهر المحقِّق المتفوِّق عليهم! متغافلًا عن قوله -تعالى-: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾؛ فقد ذكر الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٥٤) رواية أبي داود المختصرة، ثم أتبعها بقوله:
"ساق الإسماعيليُّ الحديثَ من هذا الوجه عن (بِشْر بن بكر) بهذا الإسناد؛ فقال: "يستحلُّون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف. . . " الحديث".
فهل بعد هذه الحقائق والبراهين المثبتة لهذه اللفظة يتراجَعُ (الهدَّام) عن نفيه لها، ويتوب إلى اللَّه، ويتّبع ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في تصحيح الحديث؟ !
ذلك ما نرجو، لكنَّ تمام كلامه لا يُبَشّر بخير، فقد استمرَّ في المعاندة والمكابرة، وادَّعاء التحقيق الذي لا يَعرفُ إلّا اسمه! فقال -وكأنَّه يعترف بلسان الحال أن نفيه المذكور (تجاهلُ عارفٍ! ) -:
"أما أنا (! ) فأرى أنَّ عِلّته عطية بن قيس الحمصي؛ فإنَّه ليس معروفًا بالضبط والإتقان، ولم يُوَثِّقْهُ غير ابن حبان، وليس قول أبي حاتم: "صالح الحديث" بتوثيقٍ؛ وقد فسَّرها ابنه في "مقدّمة الجرح" (٢/ ٣٧) فقال: "وإِذا قيل: صالح الحديث، فإنَّه يكتب حديثه للاعتبار، وَجَعَلَها أدنى من مرتبة: شيخ".
قلت: هذا لا يعني أنَّه لا يُحْتَجُّ بحديثه؛ ولو بمرتبة الحسن؛ بل العكسُ هو الصوابُ، وخير ما يفسَّر به كلام الحافظ إنَّما هو كلامُهُ نفسُهُ، فقد قال أبو
стр. 173
حاتم في آخر ترجمة (سعيد بن إياس الجُرَيري):
"تغيّر حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديمًا فهو صالح، وهو حَسَنُ الحديثِ".
ولذلك قال أعرفُ الناس بالرجال -ألا وهو الحافظُ الذهبيُّ- في كتابهِ "المغني في الضعفاء":
"لم أذكر فيه من قيل فيه: محلّه الصدق. . . ولا من قيل فيه: هو شيخ؛ أو: هو صالح الحديث، فإِنَّ هذا بابُ تعديلٍ".
وعلى هذا جرى خاتمة الحفَّاظ ابن حجر؛ فقال في "الفتح" (١٠/ ٥٤) -اعتمادًا على كلمة (صالح) -:
"عطيّة بن قيس؛ شامي تابعي، قوّاه أبو حاتم وغيره".
وقال في "التقريب": "ثقةٌ مُقرئ".
وغيرُهم كثيرٌ, من المتقدّمين والمتأخّرين ممن صحَّح حديثه هذا؛ كابن الصلاح، والنووي، وابن كثير، والحافظ السخاوي، وغيرهم ممّن كنت سمّيتهم في مقدّمة كتابي "ضعيف الأدب المفرد" (ص ١٤)؛ ممّن هو على علم به بعد ما اطَّلع عليه، ومع ذلك فلم يَرْعَوِ ولم يهتد، وظَلَّ سادرًا في جهله وضلاله وعناده.
ومِن مكرِه وقلبه للحقائق؛ أنَّه -بعد ما طعن في رواية عطية، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي عامر- لم يَسَعْهُ إلّا أن يذكر متابعة إبراهيم بن عبد الحميد بن ذي حِمَايَةَ، عمّن أخبره، عن أبي عامر؛ فعل ذلك ليحرِف المتابعة عن طبقتها ومحلِّها، وجمونها متابعة قوية لعطيّة الذي ضعَّفه ظلمًا وعدوانًا ومشاكسةً؛ فقال:
стр. 174
"وإسناده ضعيف، لإبهام بعض رواتِه، ويحتمل أن يكون عطيّة بن قيس".
قلت: لم لا يُحتمَلُ أن يكون متابعًا له، فإنَّ إبراهيم هذا ثِقَةٌ من أتباع التابعين، فقد أورده ابن حبان في كتاب "الثقات" فيهم (٦/ ١٣)، وقال:
"روى عن ابن المنكدر وحُميد الطويل، روى عنه الجراج بن مَلِيحٍ وأهلُ بلده".
ونحوه في "تاريخ البخاري" (١/ ٣٠٥).
وكنتُ قد ذكرتُ -قديمًا- في "الإرواء" (٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦) فائدةً عزيزةً نادرةً في توثيق الإمام الطبرانيِّ له؛ فلتنظر.
وابن المنكدر وحُميد تُوُفِّيا في حدود الأربعين، فمِن بابِ أولى أن يتمكّن من الروايةِ عن عبد الرحمن بن غَنْم؛ لأنَّه توفي في سنة (٧٨)، فيكون متابعًا لعطيّة بن قيس، هذا محتملٌ جدًا، بل لعلّه أولى من الاحتمال الذي ذكره (الهدَّام)! فلماذا اقتصر عليه دون هذا؟ !
الجوابُ عند الإمامِ وكيع بن الجَرّاح ﵀؛ قال: "أهلُ العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهلُ الأهواء لا يكتبون إلّا ما لهم" (١).
وهذه ظاهرةٌ جدًا فىِ كل تخريجات (الهدَّام) -كما تقدم ويأتي-، وإنّما لم يذكر هذا الاحتمالَ؛ لأنَّه يلزم منه تقويته الحديث، وهذا ينافي هَدْمَهُ الذي نذر نفسه له! وكأنه كان يشعر بورود هذا الاحتمال؛ ولذلك عقَّب على احتماله بقوله:
"وفوق هذا؛ فإبراهيم فيه نَظَرٌ"!
стр. 175
وهذه عادةٌ له كلّما وقف أمام راوٍ موثَّق من العلماء؛ تمَلَّص منه بقوله: "فيه نظر"! وهذا يعني: "عنده"، ولكنّه يُدَلِّس ولا يُفصِح! ثم هو مع ذلك لا يُبَيِّن السبب! آمرًا للقراء -بلسان حاله- بالاستسلام لحُكْمِه الجاهل، وصرفًا لهم عن اتِّباعهم لعلمائهم، وإلّا لَبَيَّن لهم، ولكنّه يعلم أنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، ولذلك فهو يُلقي كلمته ثم يمشي، وعلى الناس أن يمشوا وراءه! ! الأمر الذي يدلُّ على منتهى العُجْب والغرور، وقد تَكَرَّر منه هذا في أحاديث كثيرة يأتي الكلام عليها -إن شاء اللَّه - تعالى-، فانظر (ص: ٣٨٥، ٣٨٧، ٤٦٥، ٥٠٨).
ثم ختم تخريجه -بل تخريبه- بقوله:
"وعلى أيٍّ؛ فقد فصَّلت في هذا الحديث في موضعٍ آخَرَ من تحقيقاتي؛ فانظره إن شئت"! كذا قال! ولستُ أدري -واللَّه- بأي عقل يُحيل القراء إلى موضع آخر لا يسمّيه، ثم يأمرهم بالرجوع إليه؟ ! إلّا أن يكون عُجْبُهُ وغروره زيَّن له أن القراء على علمٍ بالموضع المكتوم لشدّة تتبُّعهم لـ (تحقيقاته! )، فلا يفوتهم منها شاردةٌ ولا واردة! ! وهذه حَمَاقةٌ باردة!
والتحقيقُ الذي يشير إليه -وهو في الحقيقة تخريبٌ وجهلٌ أكثر من هذا- كان قد نشر في جريدة (الرباط) الأردنية، وقد كنت رددت عليه ردًّا مختصرًا جدًّا في مقدمة كتابي "ضعيف الأدب المفرد" (ص ١٤ - ١٥) (١)، سميت فيها عشرة من حفّاظ المسلمين -من المتقدمين والمتأخرين- أجمعوا على تصحيح هذا الحديث، واطَّلع (الهدَّام) على ذلك فلم يرتدع، واستمر يجابههم بانحرافاته وجهالاته، وترى الرّد التفصيلي عليه في "الرَّد على رسالة الملاهي لابن حزم" وهي مطبوعةٌ، وتجد طرفًا منه في الاستدراك رقم (٣)
стр. 176
المنشور في آخر المجلد الأوّل من "سلسلة الأحاديث الصحيحة"، الطبعة الجديدة.
٨٠ - "عن عِمْران بن حُصَين، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يكون في أمتي قذفٌ وخسفٌ ومسخٌ"، فقال رجل من المسلمين: متى ذلك يا رسول اللَّه؟ ! قال: "إذا ظهرت القِيَان، والمعازف، وشُرِبت الخمور"، قال التِّرمذي: هذا حديث غريب":
قلت: رَكَنَ (الهدَّام) هنا إلى تضعيف التِّرمذي إيّاه، وإشارته إلى ترجيح رواية الأعمش، عن عبد الرحمن بن سابِط، عن النبي ﷺ . . . مرسلًا، وأمّا في التصحيح والتحسين، فهو مُزْوَرٌّ عنه! ثم إنَّه -كعادته- كتم عن قرائه حالَ هذا المرسل، وهو صحيحُ الإسناد، فهو صالحٌ للاستشهاد به اتفاقًا، وللاحتجاج به عند بعض الأئمة، كمالك وغيره، كما هو معروفٌ في بحث (المرسل) من علم المصطلح وغيره، كتم هذا كلَّه، مُضِيًّا منه في غَيِّهِ، واستمرارًا في ضلاله وَهَدْمِه. . .
ثم هو صحيحٌ اتفاقًا؛ لأنَّ له شواهدَ، منها حديث ربيعة الجُرَشي بإسناد صحيح -كما يأتي بيانه بعد حديثين، مع الرّد على (الهدَّام) الذي ضعفّه أيضًا (خبط لزق)! -.
٨١ - "وروى أحمد وأبو داود عن عبد اللَّه بن عَمْرو، أنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّ اللَّه حَرَّم على أُمَّتي الخمر، والميسر، والكوبة، والغُبَيراء، وكل مسكر حرام":
ضعّف (الهدَّام) إسناده بالجهالة والانقطاع (١)، وهذا مما لا نقاش فيه؛ واللَّه يحبُّ العدل، ولكنَّ ذلك لا يعني أنَّ متن الحديث ضعيفٌ -أيضًا-؛
стр. 177
وذلك لأنَّ له شواهدَ تقوّيه، وهي مذكورةٌ في "الرَّد على ابن حزم"، وليس فيها ضعفٌ شديدٌ، ولكن (الهدَّام) من جنايته على السّنة أنَّه يخالف العلماء في تقوية الحديث بالطرق -كما تقدم التنبيه عليه مرارًا-، بل إنَّ بعضها إسناده صحيح لذاته، وهو ما ذكره (الهدَّام) نفسه من حديث أبي أحمد الزُّبيري, عن سفيان الثوري، عن علي بن بَذِيمة، عن قيس بن حَبْتَر، عن ابن عباس. . . به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ، كما في "الصحيحة" (١٨٠٦): قيس، وعلي: ثقتان، والثوري، والزُّبيري لا يُسأل عن مثلهما؛ وقد احتجّ بهما الشيخان.
وأمّا (الهدَّام)؛ فعاكسني، وأعلّه بالانقطاع الذي لم يقل به أحدٌ من قبله! فقال:
"ولا أرى (! ) هذا الإسناد متصلًا، فإني لم أجد قيس بن حَبْتَر صرَّح في حديث صَحَّ إسناده إليه أنَّه سمع ابن عباس، وما ذُكر في إسناد أحمد أنَّه سأل ابن عباس فضعيفٌ، انفرد بها أبو أحمد الزُّبيري عن سفيان، وفي حديثه ضعفٌ عن سفيان -إن لم يُتابَع-، ولم يتابعه أحدٌ من أصحاب سفيان على الحديث".
قلت: هذه الفقرة وحدَها كافيةٌ ليتبيَّن منها القراء شيئًا من خُلُق هذا الرجل، وعُجْبهِ، وغروره، وأنَّه ينظر إلى نفسه أنَّه وصل إلى مَصافِّ كبار الحفّاظ المتقدّمين (! ) الذين يجمعون الطرق الكثيرة للحديث الواحد، فيعلِّلون بها ويرجِّحون، فنقول لهذا (الهدَّام): (ليس هذا بِعُشِّكِ فادْرُجي)، فمن يجهل أحاديث في "الصحيحين"، فيعزوها إلى من دونهما طبقةً أو منزلةً -كما تقدم في الأحاديث رقم (١٨ و ٢١ و ٣٧ و ٥٦ و ٥٩ و ٦٣)، والحبل جَرّار- حَريٌّ به أن يعرف قدر حفظه، وأن لا يتَعدّى طوره فيقول: ". . . فإِنّي لم أجد. . . " إلخ! ! فمن أنت أيّها المسكين؟ ! وأنت لا تعلم أكثر المطبوع من متون السنّة؛ فضلًا عن
стр. 178
أن تقفَ عليها، أو تعرف طرقها، فضلًا عما لم يُطبع منها، فاستر على نفسك؛ فكفاك عُجبًا وغرورًا وفُضُوحًا!
ثم إن خلاصة هُرائه المذكور؛ إعلال الحديث بعلتين:
إحداهما: جهله بتصريح (قيس بن حَبْتَر) بالسماع من ابن عباس.
قلت: وحكاية هذا يُغني عن ردّه، لأنَّه جهلٌ وكفى، ثم هو مبنيٌّ على ما انحرف إليه من مخالفة ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذي استقرَّ عليه علمُ المصطلح من الاكتفاء بالمعاصرة.
والآخر وَضْعُهُ ضعفًا في (أبي أحمد الزُّبيري) في روايته عن سفيان الثوري، موهمًا بذلك القراء أنَّه ليس بحجَّةٍ في روايته عنه، وكاتمًا عنهم الأقوال الأخرى المزكِّية له، التي يراها كلُّ واقف على ترجمته، ولخّصهما الحافظ في "تقريبه" بقوله:
"ثقة ثبت؛ إلّا أنَّه قد يخطئ في حديث الثوري".
فقوله: "قد يخطئ" فيه إشارة إلى قِلَّة خطإه في حديث الثوري، ومثل هذا لا يضعِّف حديثَه عند العلماء، إلّا إذا تبيَّن خَطَؤُه، شأن كل ثقة موصوف بأنَّه قد يخطئ، ولذلك احتج به الشيخان، وَرَوَيَا له من حديثه عن الثوري، فضلًا عن غيره -كما في "تهذيب المزي"-، وصحّح له ابن حبان أحاديث كثيرة غير هذا، فانظرها إن شئت في ("الإحسان" - طبع المؤسسة)؛ وهذه أرقامها (٤٣٦ و ٨٨٩ و ٢٤٥٩ - وأشار فيه إلى حفظه - و ٣١٦٧ و ٣٢٨٣ و ٤٨٢٢ و ٥٨٤١ و ٦٠٧٢ و ٦٠٩٨)، وأكثرها مخرَّجة في كتابي "الصحيحة"، وغيره من مؤلّفاتي.
وأما قوله: "ولم يتابعه أحد. . . " إلخ؛ فليس من شرط الحديث الصحيح
стр. 179
أن يتابع الثقة عليه -كما هو معلومٌ في علم المصطلح-.
على أنَّ سفيان قد توبع عن علي بن بَذِيمة، كما ذكر (الهدَّام) نفسه، ففيم المشاغبةُ؟ !
وأمّا قوله أخيرًا: "وانظر الخلاف في إسناد هذا الحديث في "التحفة" (٥/ ١٩٨) ":
فهو من تدليساته الكثيرة ليوهم القراء أنَّ فيه عِلَّة أخرى، والحقيقة أنَّه لا شيء منه، وذلك لأنَّ بعض الرّواة أدخل -بين علي بن بَذِيمة وقيس بن حبتر- سعيد بن جُبير؛ وهذه الزيادة في السند لو صَحَّت لا تضرّه، لأنَّ سعيدًا ثقة، إلّا أنَّ الحافظ المزي جزم بخطإِها تبَعًا لبعض الحفاظ، ونقل عن الخطيب أنَّه قال:
"والصحيح عن علي بن بَذِيمة: ما رواه سفيان الثوري، عنه، عن قيس ابن حَبْتَر، عن ابن عباس".
قال المِزِّي - عَقِبَه:
"وليس لسعيد بن جُبير فيه ذكر".
فبان جليًّا تدليسُه وقلبُه للحقائق، بل إنَّه بتلك الإحالة كان (كالباحث عن حتفه بظلْفِه)؛ فإن تصحيح الخطيب لرواية علي بن بَذِيمة تعود عليه بإبطال ما وضع فيها من عِلَّة الانقطاع بين قيس وابن عباس، إذ لو كان شيءٌ من ذلك صحيحًا؛ لبيَّنوه وتَكَلَّموا عليه -كما فعلوا برواية سعيد بن جبير-.
وقد ختم (الهدَّام) تخريجَه للحديث، ومحاولتَه تضعيفَه بتلك الإحالة المدلَّسة، وأنا أختم ردّ محاولته بالجزم بصحّة الحديث -أولًا-، وبالتنبيه -ثانيًا- على أن تخريجه لهذا الحديث وختمه إياه بما ذكرت: لَيُؤَكِّد أنَّ همَّه
стр. 180
الأكبر من التخرِيج إنَّما هو الطعنُ فيما صَحّ من حديث رسول اللَّه ﷺ ، فإنَّه لو سلَّمنا -جدلًا- بأنَّ إسناد الحديث ضعيف -كما يرمي إليه (الهدَّام) -، فهل قوله ﷺ في آخره: "وكل مسكرٍ حرام" ضعيفٌ -أيضًا- عنده؟ ! مع أنَّه متفق عليه من حديث أبي موسى، ورواه جمع آخر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ -كما تراه مخرجًا في "الإرواء" (٢٣٧٣) -.
فسكوتُهُ عنه من تمام هدمه للسنة الصحيحة، لا سيّما ولم يتقدم منه له تصحيحٌ أو يتأخّر، ولم يرد له ذكر في فهرسه آخر الكتاب، الأمر الذي يؤكد عليه أن يصرِّح وينبّه قراءه أنَّه صحيح، وأنَّ تضعيفه للحديث لا يشمله، هذا لو كان يبني ولا يهدم! واللَّه حافظٌ دينَه، وناصرٌ سُنّةَ نبيّهِ ﷺ ، واللَّه المستعان.
٨٢ - "وفي "الترمذي" و"المسند" بهذا الإسناد بعينه: أنَّ النبي ﷺ قال: "لا تبيعوا القَيْنَات، ولا تشتروهنّ، ولا تعلِّموهنّ، ولا خير في تجارةٍ فيهنّ، وثمنهنّ حرام"، وفي مثل هذا نزلت الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية" [لقمان: ٦]:
ضعَّف (الهدَّام) إسناده جدًا (١/ ٣٧٧ - ٣٧٨)، ولم يبين عِلَّته، وأحال في ذلك بقوله: "وانظر تفصيله في تحقيقي لـ "الكبائر" (١) للذهبي"!
ولا بُدّ أنَّه خَرَّب فيه وضَعَّف أحاديث صحيحة - كما فعل في "رياض الصالحين"، وهنا -والحبلُ جرّار-؛ وأستبعد جدًا أن يكون صَنِيعُهُ فيهِ بأحسن مما هو هنا! ! فإن الحديث وإن كان من رواية عبيد اللَّه بن زَحْر، عن علي بن يزيد. . . عن أبي أمامة -وعلي، وعبيد اللَّه ضعيفان-، فقد تعامى -هنا- وما أظنّه إلّا كذلك هناك - عن أنَّ لسبب نزول الآية شاهدًا عن جماعة من