قلت. جزم ابن القيم بنسبته إلى النبي -صلي الله عليه وسلم-؛ وهو مما لا خلاف فيه بين الحُفَّاظ، وأمّا (الهدَّام) فقد أعلّه لجهله بهذا العلم وتجاهله لعلمائه، فقد خَرَّجه من رواية ثلاثة عشر حافظًا، وما ضعّفه أحدٌ منهم، بل منهم جماعة من ملتزمي الصحة؛ كابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، ومنهم من صَرَّح بتقويته -كالترمذي؛ فإنَّه حَسَّنَه-، وأقَرَّه النووي في "الأذكار"، والحافظ المزي في "التهذيب"، وصححه الحاكم، والذهبي، والنووي في "شرح المهذب"، والحافظ العسقلاني في "نتايح الأفكار" (١/ ٢١٦)، ونقل في "بلوغ المرام" تصحيحه عن أبي حاتم الرازي، وأخيرًا: أحمد شاكر في "التعليق على سنن الترمذي" (١/ ١٢/ ٧)، وغيرهم.
أقول: مع كُلِّ هذه الجمهرةْ من المصحِّحين؛ فقد خالفهم (الهدَّام)؛ قائلًا عقب التخريج:
"وهذا إسناد فيه ضعف، فإِنَّ يوسف بن أبي بُردة مجهول الحال، وتوثيق ابن حبّان والعجلي له ليس بشيء، لأنَّ ذلك من قاعدتهما المعروفة" (١). والجواب من وجوه:
الأوّل: أنَّ التعليل المذكور ليس على إطلاقه، فكثيرًا ما رأينا الحُفَّاظ النُّقَّاد من المتأخرين يوثقون من تفرد بتوثيقه ابن حبان؛ كالإمام الذهبي، والحافظ العسقلاني، وما أظن أنَّ الغرور وصل بك إلى أن تدَّعي أنَّك أعلم منهم! أو أنْ تحشرهم في زمرة المتساهلين! !
стр. 72
وقد ضربتُ على ما ذكر أمثلةً كثيرةً في بعض مؤلفاتي، ويحضرني الآن -منها- المجلد السادس من "الصحيحة"، وهو مطبوعٌ -بحمد الله-تعالى-.
الثاني: أنَّه جهل -أو تجاهل- تصريح الحاكم بتوثيقه، فقال عَقِبَ الحديث:
"هذا حديث صحيح، فإِنَّ يوسف بن أبي بردة من ثقات آل أبي موسى"، ووافقه الذهبي.
الثالث: ومن ذلك أنَّ توثيقهَ مقبولٌ إذا وافقه أحدٌ من الحفاظ النقاد الموثوق بتوثيقهم، كالحافظ المزي، والذهبي، والعسقلاني، وأمثالهم، وهذا قد وثَّقه الذهبي، فقال في "الكاشف":
"يوسف بن أبي بُردة؛ سمع أباه، وعنه إسرائيل وسعيد بن مسروق، ثقة".
رابعًا: تصحيح حديثه من الجمع المذكور، يدل على أنَّه ثقة عندهم، وبخاصّةٍ أنَّه لا مخالفَ لهم، فيا أيها (الوَبْر)! هل هؤلاء الأئمة الفضلاء -وفيهم من لم تلد مثلَهم النساءُ- متساهلون عندك! وأنت وحدك المتوسط غير المتشدِّد؟ ! أم أنت (الهدَّام) المخرِّب؟ ! فـ (يا عجبًا لِوَبْرٍ تَدَلَّى علينا مِن قَدُومِ ضَأْنِ! ) (١)، والله المستعان.
والحديث مخرَّج في "الإرواء" (١/ ٩١)، و"صحيح أبي داود" (٢٣).
١٥ - قال (الهدَّام) (١/ ٩٠) في حديث: "إذا وطئ أحدكم الأذى بخُفَّيه فَطَهُورُهما التراب" - بعد أن خَرَّجهُ من رواية أبي داود وابن حبان من حديث أبي هريرة -:
"وله شواهد يتقوّى بها"!
стр. 73
فأقول: يؤخذ عليه:
أولاً: أنَّه لم يبيِّن حالَ إسناد حديث أبي هريرة، ولا الشواهد التي أشار إليها؛ وما حال أسانيدها؟
ثانيًا: لم يُحِل -كما هي عادته أحيانًا- إلى مصدر فيه بيانٌ لما أهمله؛ وذلك لأنَّ مرجعه في ذلك تعليقي على "المشكاة" (٥٠٣)، وقد استفاده -أيضًا- المعلِّق على "الإحسان" (٤/ ٢٥٠)!
ثالثًا: لم يبيِّن السبب في تقويته للحديث هنا بالشواهد، وإعراضه عن تقويته لأحاديث أخرى بشواهدها -وما أكثرَها -! أقربُها حديث: "حرّم لباس الحرير والذهب على الرجال ... " رقم (١٢)؛ وهكذا فهو (لَعَّاب على الحبلين)، ليس له منهج معروف يستقرُّ عليه، ولئن وجد فهو من اختلاقه، وهل يستقيم الظلُّ والعود أعوج؟ !
١٦ - أشار ابن القيِّم إلى سبب نزولِ آية ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾؛ فخرّجه (الهدَّام) (١/ ٩٣) من رواية أصحاب "السنن" الثلاثة، وقال: "وقال التِّرمذي: "حسن غريب"، وهو كما قال".
فأقول: هُنا -لأول مَرّة - نراه يوافق التِّرمذي على التحسين؛ ولذلك فإِني آخذ عليه ما يأتي:
أولًا: لماذا لم يبين سبب الموافقة المذكورة، والمعروف عنه أنَّه يصرح في مناسبات كثيرة أنَّه متساهل في التحسين، فضلًا عن التصحيح! ولذلك فهو يخالفه في عشرات الأحاديث؛ كما هو شأنه مع كل علماء الحديث -لا فرق بين متساهلٍ منهم ومتشدد ومتوسط -، وأقرب مثالٍ على ذلك حديث عائشة المتقدم آنفًا رقم (١٤)؛ فما هو الضابط في الموافقة والمخالفة؟ !
стр. 74
إنَّه الهوى الذي لا ضابط له!
ثانيًا: ذاك موقفه العام بالنسبة لتحسين التِّرمذي، ونحوُه موقفُه بالنسبة لرواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ فإِنَّه -أيضًا- متناقض؛ فها هو هنا يوافقه على التحسين لإسناده، وفي حديث آخر يأتي (١/ ١٨١) يقول: "أميل إلى تضعيف روايته"! وفي ثالث يقول (١/ ٤٦٣): "فيه ضعف"! ! وهذا لا ينافي التحسين إن كان يُحْسِن التعبير، ويعرف ما يقول! فإِنَّه لو لم يكن فيه ضعف لكان صحيحًا؛ لما لايخفى على العارفين بالفرق بين الحديث الصحيح والحديث الحسن في علم المصطلح، وكذا قال أيضًا في حديثين آخرين لعمرو ابن شعيب، وذلك في تعليقه على "رياضه" (ص ١٢٦ و ٤٣١)، ولم يوردهما في "ضعيفته" الذي ذيَّل به عليه، مُشْعِرًا بذلك أنهما من قسم الحسن، ولكنه لايفصح بذلك، ولايتكلَّم، سترًا على اضطرابه في حديث عمرو! فإنّه أورد فيها حديثًا آخر (ص ٥٣٢/ ٦٤)! وقد أعلّه هناك بالراوي عنه عبد الرحمن بن حرملة -أيضًا- وهو من رجال مسلم! -، وقد صحّحه الحاكم، والذهبي، وحسّنه التِّرمذي -كما في "الصحيحة" (٦٤) -، وحسّنه البغوي -أيضًا- (٢٦٧٥).
ثالثًا: ومع اضطرابه المذكور وكتمانه لسبب الموافقة، فهناك كتمان آخر لطريق أخرى أقلُّ ما يقال فيها: إنَّها شاهد قوي، أخرجه الحاكم وغيره من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن عَمرو:
أنَّ رجلًا من المسلمين استأذن نبي الله ﷺ في امرأةٍ - يقال لها: أم مهزول - كانت تسافح وتشترط أن تنفق عليه، وأنَّه استأذن فيها نبي الله ﷺ ، وذكر له أمرها، فقرأ نبي الله ﷺ : ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً .... ﴾ الآية.
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي، وهو مخرَّج من الطريق
стр. 75
الأولى في "صحيح أبي داود" (١٧ ٩٠).
١٧ - "قال ﵇ لعبد الله بن عُمر: "كن في الدّنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وَعُدَّ نفسك من أهل القبور"":
قلت: جزم ابن القيِّم ﵀ بنسبته إلى النبي -صلي الله عليه وسلم-كما ترى-، وهو الصواب -بإِذن الله - تعالى -، أمّا (الهدَّام) فجزم بضعف جملة: "وَعُدَّ نفسك ... "، معاكسًا بذلك -كعادته- تحقيقي الذي أجريته عليها في "الصحيحة"، وقوَّيته بالشواهد، فقال:
"ما أُورد شواهدَ لهذه الزيادة، فلا يصح"!
ثم أحال على "الصحيحة" (٤٧٤ أو ١٤٧٥)!
لقد ذكرت هناك لهذه الزيادة في حديث ابن عمر ﵁ أربعة شواهد من طرق مختلفة: عن أبي هريرة، وزيد بن أرقم، ومعاذ بن جبل، ورجل من النَّخَع، وهي سالمة من الضعف الشديد، فهي بمجموعها صالحة لتقوية الزيادة؛ حسب قاعدة العلماء التي هي من القواعد التي أعرض عنها؛ وتفرَعّ منها تضعيفُهُ لعشراتِ الأحاديث الصحيحة التي قوّاها العلماء؛ كما تقدم التنبيهُ على ذلك في المقدمة؛ فلا داعي للإعادة.
١٨ - "وقال علي بن أبي طالب ﵁: إنَّ الدنيا قد ترحّلت مُدبرَةً، وإنَّ الآخرة قد ترحّلت مقبلة ... فإنَّ اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل":
قال الجاهل في تخريجه (١/ ١٠٠):
"ذكره السيوطي في "جامعه الكبير"، ونسبه للدِّينَوَرِيِّ، وابن عساكر، وانظر "كنز العمال" (٣/ ٧١٩) ".
стр. 76
فأقول: ليسى من خُطَّتي في ردّي -هذا - على هذا الجاهل -الهالك في عُجبه وغروره- تَعَقُّبُهُ فيما يخرجّه من الآثار الموقوفة؛ لأنَّه هو لم يلتزم ذلك -أوّلًا-، ولأنَّه بابٌ واسع جدًا -ثانيًا-، وحَسْبُ الناصح لنفسه القادر على تمييز صحيح حديث نبيه ﷺ من ضعيفه أن يفعل ذلك، وأن يدُلَّ الآخرين عليه؛ لأنَّ حديثه ﷺ ليس كحديث أصحابه، فضلًا عَمَّن بعدهم -كما هو معلوم-؛ وقد أشار ﷺ إلى ذلك بقوله: "إنَّ كذبًا عَلَيَّ ليس ككذبٍ على أحد؛ فمن كذب علَيَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"؛ متّفق عليه.
وإنَّما توجَّهت الهِمّةُ لتتبُّعه في تخريجه لهذا الأثر، تأكيدًا لكونه جاهلًا بهذا العلم الشريف متطفِّلًا عليه، لا عناية له بدراسة السنة وأصولها، إلاَّ بمقدار ما تساعده الفهارس المُقَرِّبةِ للبعيد منها، وبخاصة ما أُلِّف في العصر الحاضر منها، ولهدم السنة، لالنصرها ونشرها بين الناس! فهو ومن يلوذ به -فيما نَعْلَمُ- على خلاف السنة -عقيدةً وفقهًا وسلوكًا-، وإنَّما يكتب ويخرِّج ليباري العلماء، ويصرف وجوه الناس إليه، وهو ليس على شيء سوى (الجعجعة)، وما تقدم -ويأتي- أكبرُ دليلٍ على ذلك، ومنه هذا التخريج؛ فأقول:
أولًا: لو كان الرجل على شيءٍ من العلم؛ لاستحيى من نقل هذا التخريج الضَّحْل؛ وبواسطة كتاب "الكنز"، لا من كدّه ولا من كدّ أبيه! لو أنه كان كما قلتُ لعلا وارتفع، وخرَّج من الأصول والأمَّهات -كما يقال: (ومن وَرَد البحر استقلّ السواقِيا)! - ولكنْ أنّى له ذلك، وليست غايتُه في كل تخريجاته إفادةَ القرّاء؟ ! وإنّما التَّحويش والهدم، حتّى فيما يعزوه إلى الشيخين أو أحدهما؛ فهو يقتصر على التحويش ومجرّد النقل عنهما؛ إلاّ في حالة هدم وتضعيف شيءٍ من أحاديثهما! !
ثانيًا: سكوته عن هذا التخريج يدلّ على أحد شيئين؛ أحلاهما مرّ؛
стр. 77
أحدهما: عدم اهتمامه بالنقد فيما ليس له فيه هوىً، وثانيهما: الجهل بتراجم الرجال، والحقيقةُ أنّ الأمرين مجتمعان هنا، أمّا الأوّل: فظاهرٌ؛ فلو أنّه كان على علم لوقف عند نسبته لـ (الدَّينوريّ)؛ فهذا -واسمُهُ: أحمد بن مروان- قد ضعّفه الإمام الدارقطنيُّ-بل اتّهمه- فيما نقله الذهبيُّ في "الميزان" (١/ ١٥٦)، و"المغني" (١/ ٦٠)، و"الديوان" (١/ ٣٦) -، وهو صاحب كتاب "المجالسة" -المشهور-، والأثَرُ -المذكورُ- فيه، برقم (٢٧٧).
ومن طريق الدِّينَوَري: أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشقَ" (١٢/ ٣٨٠): نا محمد بن عبد العزيز الدِّينَوَري: نا أبي، عن وكيعٍ، عن عمرِو بن منبّه -بسند منقطع-، عن عليّ ... به.
قلت: فهو إسناد ضعيف -إن لم يكن ضعيفًا جدًّا -؛ أبعلمٍ منه كان سكوتُه عنه أم بجهل؟ ! أحلاهما مرّ!
هذا حال إسناد المصدرَيْنِ اللذَيْنِ عزَا إليهما (الهدَّام) تقليدًا لغيره! وهو المجتهد الأكبر (! ) الذي يضعّف المئاتِ من الأحاديث الصحيحة! ! ويردُّ على حفّاظ الأُمّة وأئمّة الدّين تصحيحَهم إيّاها! !
ثالثًا: هل كان صادقًا في قوله: "ذكره السيوطي ... "؟ !
فأقول: مع الأسف؛ لم يكن صادقًا؛ وهو يرى أنّه ليس عنده الجملة الأخيرة: "فإنّ اليوم عمل ... " إلخ.
رابعًا: ما فائدةُ إحالة القّراء إلى "كنز العمّال" سوى التزوير والتضليل، وإيهامِهم أنّ الأثر فيه بتمامه -كما هو في كتاب ابن القيِّم -، والواقعُ خلافه؟ !
خامسًا: لقد كان في غِنىً عن أن يقع في مثل هذه المصائب والمخازي؛ لو أنّه كان باحثًا -ولا أقول: حافظاً! ! -مُخْلصًا غيرَ مقلّد؛ إذن
стр. 78
لوجد ما يرتفع به عن ذاك العزو النازل مصادرَ عديدةً، وفيها تلك الجملةُ! ! ولكنْ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، وليَتَحَقّقَ ما قيل: (ما أسرَّ أحدٌ سريرةً إلاّ ألبسَه الله رداءَها) (١).
من تلك المصادر: "صحيح البخاري"، فقد ذكره معلَّقًا بصيغة الجزم في أوّل كتاب "الرّقائق" في الباب الرّابع منه، وقد وصله الحافظ برواية بعض المصادر الآتية، مع ذكر ما خفي عليه من حال أحد رواته، فأقول:
قال وكيع في "الزهد" (٢/ ١٩١ - ٢٩٢): حدّثنا ابن أبي خالد، عن زُبيد اليامي، ويزيدَ بن أبي زياد، عن مُهاجر العامِري، عن عليّ؛ قال ... فذكره بتمامه، وفي أوّله زيادة.
ومن طريق وكيع أخرجه أحمد في "الزُّهد" (ص ١٣٠)، و"فضائل الصحابة" (١/ ٥٣٠)، إلاّ أنّه لم يذكر في سنده (زُبيدًا اليامي)، وقال: (يزيد ابن زياد بن أبي الجعد)، مكان (يزيد بن أبي زياد).
وأخرجه عبد الله بن المبارك في "الزهد" (٨٦/ ٢٥٥): أخبرنا إسماعيل ابن أبي خالد، عن زُبيد اليامي، عن رجل من بني عامر؛ قال ... فذكره.
وكذلك رواه أبن أبي شيبة في "المصنَّف" (١٣/ ٢٨١/ ١٦٣٤٢، ١٦٣٤٣)، وهنّاد في "الزهد" (١/ ٢٩٠ - ٢٩١) من طرقٍ عن إسماعيل بن أبي خالد ... به، لكن ابن أبي شيبة في الرواية الثانية سمّاه: (مهاجرًا العامري).
وتابعه أبو مريم، عن زبيد، عن مهاجر بن عُمير، عن عليّ:
стр. 79
أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٧٦)، وقال: "رواه الثوري وجماعة؛ عن زُبيد مثله، عن علي، مرسلًا، لم يذكروا (مُهاجر بن عُمير) ".
قلت: هي روايةٌ لوكيع، وعنه: أحمد، عن إسماعيل بن أبي خالد.
وتابعه عليها عبد الله بن موسى؛ عند أبن عساكر (١٢/ ٣٨٢).
لكنْ؛ لعلّ رواية إسماعيل المتصلة أولى لرواية جمعٍ لها -كما رأيت-؛ ولأنّها زيادة ثقة، وبخاصة أن ابن أبي شيبة قد قرن به سفيان، وهو الثوري.
إذا عرفت هذا؛ فالإسناد صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين غير (مهاجر العامري) وهو ثقة، وهو (مهاجر بن شَمَّاس)، قال ابن أبي حاتم في ترجمته (٨/ ٢٦١/ ١١٨٩): "وهو مهاجر العامري، كوفي، روى عن عمر، وعنه فُضيل بن غزوان".
وكذا في "تاريخ البخاري"، دون قوله: "وهو مهاجر العامري".
ثم روى ابن أبي حاتم عن ابن معين أنه قال: "مهاجر العامري ثقة".
قلت: وخفي هذا على الحافظ، فقال في "الفتح" (١١/ ٢٣٦):
"وما عرفت حاله"!
واغترّ به الأخ الفاضل المعلّق على "زهد وكيع"، فإنه بعد أن فسّر (مهاجرًا العامري) بقوله: "هو ابن عُمير كما في "الحلية ... "، وذكر قول الحافظ هذا، قال:
"وبعد تعيينه أنه (مهاجر العامري) فقول محقّق "فضائل الصحابة" لأحمد: إنّه (مهاجر بن شمّاس الكوفي) ثقة؛ ليس على الصواب، والله أعلم".
وأقول: بل هو الصواب؛ لأنه مُتابعٌ لقول ابن أبي حاتم مق حيث تعيينُ أنه (مهاجر بن شمَّاس)، ولابن معين من حيث التوتيقُ، ولا ينافي ذلك روايةُ
стр. 80
"الحلية" -لو صحّت- أنه (مهاجر بن عمير العامري)؛ لأن غايةَ ما فيها تسميه والد (مهاجر) بـ (عُمَير)، ولكنّها لا تصحّ؛ لأن فيها (أبا مريم) وهو (عبد الغفّار ابن قاسم الأنصاري)، وليس بثقة؛ كما قال الذهبي.
وأستغرب سكوتَ الحافظ عنه؛ فإنّه الذي حمل الأخَ المشارَ إليه على التّعيين المذكور!
على أن لمهاجر العامريّ متابعًا قويًا من طريق وكيع -أيضًا- عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السّائب، عن أبي عبد الرّحمن السُّلَمي، قال:
خطب عليّ بن أبي طالب على مِنبر الكوفة؛ فحمد الله، وأثنى عليه، وقال ... فذكره.
أخرجد البيهقيُّ في "الزُّهد الكبير" (١٩٢ - ١٩٣)، وابن عساكر (١٢/ ٣٨١). قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وعطاءُ بن السّائب؛ وإن كان اختلط؛ فسفيانُ -وهو الثوري- سمع منه قبل الاختلاط.
على أنّ هذا الأثر قد رُوي مرفوعًا عن علي وجابر بإسنادين ضعيفين؛ كما تراه في "العلل المتناهية" (٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩)، و"الفتح".
وختامًا أقول: قد يقول قائل: إن ما وصفتَ به (الهدَّام) حقٌّ لاريب فيه؛ مع إغفاله عَزْوَ هذا الأثر إلى البخاري وغيره من الأئمة، ولكن، لعلّ ذلك كان منه لكونه أثرًا غيرَ مرفوعٍ؟ فأقول: كلاَّ، ولكنّه قضاء الله وحكمته -كما سبق بيانه-.
ومع ذلك؛ فليس هذا بالمثال الوحيد على ما وصفت؛ فهناك ما هو أنكرُ منه، وأدلّ على جهله، وعدم معرفته بما في كتب السّنة، فسيأتي قريبًا عَزْوُهُ لما في "الصحيحين" إلى غيرهما؛ تقليدًا منه لـ "الكنز" -أيضًا! ! -، انظرِ الحديثَ رقم (٢١).
стр. 81
١٩ - قال ابن القيِّم ﵀: "وقد كان رسول الله ﷺ يقول في خطبة الحاجة (١): "الحمد لله؛ نستعينه ونستهديه ونستغفره ... "، إلى قوله:
"وسيئات أعمالنا".
قلت. هكذا جزم ابن القيِّم ﵀ بنسبته إلى النبي -صلي الله عليه وسلم-، وهو الصواب الذي لا ريب فيه -كما يأتي-، وأما (الهدَّام) فضعّفه؛ كدَأْبِه في معاكسة الحق، وقد أطال في تخريجه وبيان الاختلاف فيه على (أبي إسحاق السَّبِيعي)! ويمكن تلخيص المهم منه على وجهين:
الأوّل: أخرجه من أربعة طرق، منها: الأعمش، عن أبي إسحاق السَّبِيعي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود ... مَرْفوعًا.
والآخر: من طرقٍ كثيرةٍ منها؛ الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه ... مرفوعًا؛ وقال عَقِبَ هذا: "ضعيف لانقطاعه؛ فإن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه".
وأعَلَّ الأوَّل بأن أبا إسحاق تغيَّر بآخره؛ وكان يدلِّس.
والرَّد على هذا: ما ذكره من رواية أحمد، عن عَفَّان، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، وأبي الأخوص، عن ابن مسعود ... مرفوعًا.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم كما كنت ذكرت ذلك في رسالتي "خطبة الحاجة" (ص ٢١)؛ وذلك لأنَّ شعبة قد سمع من أبي إسحاق قبل اختلاطه، ولا يروي عنه ما دَلَّسه، فزال ما أعَلَّه به، ولعلمه بذلك أخذ ينطح الجبل برأسه، فقال:
стр. 84
"عَفَّان على ثقته وجلاله وقدره له أوهام، ولا يقوى أمام من ذكرنا ممن رواه عن شعبة".
قلت: هذا ليس دليلًا على وهمه إلاّ عند الغريق الهالك في الأوهام، المخالف لأقوال الأئمة الأعلام، فهذا أبو حاتم -المعروفُ بتشدُّدِه في التعديل- يقول:
"عَفَّان إمام ثقة متقن متين".
وقيل لأحمد: مَنْ تابع عَفَّانَ على حديث كذا وكذا؟ فقال:
"وعفّان يحتاج إلى أن يتابعه أحد؟ ! ".
ولقد بالغ أئمّة الجرح والتعديل في الثناء على حفظه -وتفضيله على الآخرين من أمثاله من الحُفّاظ -؛ بما يندر أن يُقال في غيره، فقالوا فيه: "عفان أثبت من يحيى بن سعيد القطان، ومن عبد الرحمن بن مهدي".
ولقد نبّه مَرّة يحيى بنَ معين على خطإ له في حديث، فقال: "هو كما قال عَفّان، ولقد سألت الله أن لايكون عندي على خلاف ما قال عفان"، إلى غير ذلك من أقوالهم الدّالة على حماقة هذا (الهدَّام) الطاعن في حفظ هذا الإمام.
حتى قال الذهبي في ترجمته في "السير" (١٠/ ٢٥٠) - بعد أن ساق ثناء الأئمة عليه-:
"قلت: ما فوق عفان أَحدٌ في الثقة".
ومع ذلك كله، فقد تابع شعبةَ جماعةٌ من الثقات:
أولًا: الأعمش، مع ثلاثة آخرين سماهم (الهدَّام)، والمقصود منهم الأعمش خاصة، لأنني أعتقد أنَّه يجهل أنّه سمع أيضًا من أبي إسحاق قبل
стр. 85
الاختلاط، وإلاّ فيكون (الهدَّام) دَلَّس حين شمل روايته مع الآخرين بالإعلال بالاختلاط، ولذلك أضافه الحافظ إلى الثوري وشعبة في الرواية عنه قبل الاختلاط، لأنَّه مات قبلهما بأكثر من عشر سنين.
ثانيًا: إسرائيل، فقال: عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، وأبي عبيدة معًا.
فأعلّه (الهدَّام) بأن في روايته عنه مناكير!
فأقول: إسرائيل هو ابن يونُس بن أبي إسحاق السَّبِيعي، وهو ثقة مُحتجٌّ به في الأمهات الستة، وروى له الشيخان عن جده أبي إسحاق، فمن الجهالة والمعاندة بمكانٍ إعلالُ روايته هذه عن جده، وذلك لأنَّه متابعَ -كما ترى-؛ فهذا يُبطل إعلاله.
وما مَثَلُ هذا (الهدَّام) إلاّ كمثل قاضٍ مُغْرِضٍ يَرُدُّ شهادة عدلَين في قضيَّةٍ ما؛ بحجةِ أنَّ كلاًّ منهما -على انفراده - لا تُقبل شهادته! ! بل لا يقبل شهادة امرأتين؛ لأنَّ شهادة الواحدة منهنّ لا تُقبل وحدها! ! وهذا خلاف قوله -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ فللاجتماع -ولو من أفرادٍ ضعفاء- قُوَّةٌ لدى العقلاء؛ فضلًا عن العلماء!
ثالثاً: يونُس والد إسرائيل، قد ذكرت في المقدِّمة (١) أن من عادة هذا (الهدَّام) -السيئة - أنَّه في الوقت الذي يتظاهر بأنَّ التخريج الذي يتوسَّع فيه -كما هنا - هو من استخراجه -والواقع أنَّه لغيره -؛ فإنّه يسلِّط عليه جهله، ويستخرج منه العلل التي يَزْعُمُها، ويُعرض عن ذِكر ما هو حُجَّةٌ عليه؛ فقد
стр. 86
استفاد التخريج والمصادر التي عزا إليها من رسالتي "خطبة الحاجة" التي سبق ذكرها، ثم من تخريج شيخه -كما يزعم - شعيب الأرناؤوط المعلِّق على "مشكل الآثار" (١/ ٧)، وقد افتتح تخريجه بقوله: "حديث صحيح، إسناده من طريق أبي الأخوص عن عبد الله: متَّصلٌ صحيح ... "، ثم أخذ في تخريج الطرق، ومنها قوله: "ورواه ابن ماجه (١٨٩٢) من طريق يونُس بن أبي إسحاق".
والمقصود أنَّ التلميذَ العاقَّ -لشيخهِ- لم يتعرّض لتخريج هذه الطريق؛ لأنَّ فيها متابعة قوية من يونُس، فهي متابعة ثالثة، فقد احتجَّ به مسلم، وصحَّح له جمع، وفيه كلامٌ يسيرٌ لا يضرُّ، وبخاصة في المتابعات.
وقد يحتمل أن (الهدَّام) تعمَّد إهمال تخريجها؛ لأنَّها عند ابن ماجه من روايته عن هشام بن عَمَّار، عن عيسى بن يونُس، وبين هشام و (الهدَّام) خصومةٌ (! ) لروايته حديث المعازف في "صحيح البخاري"؛ وهو من جملة ما ضعَّفه (الهدَّام) من أحاديث "الصحيح"، وسيأتي الرَّد عليه وبيان زغله وجهله حوله في محله -هنا - برقم! (٧٩) " فأقطع عليه عِلَّتَهُ، فأقول:
تابع هشامًا محمدُ بن أبي يعقوب الكِرماني: ثنا عيسى بن يونس ...
أخرجه الطبراني في كتاب "الدعاء" (٢/ ١٢٣٥ - ١٢٣٦)؛ والكِرماني هذا ثقةٌ من شيوخ البخاري في "صحيحه".
قلت: فإِذا ضُمَّ إلى اتفاق هؤلاء الثقات الثلاثة - وهم: الأعمش، وإسرائيل، ويونس - الآخران اللذان ذكرهما (الهدَّام) وهما معمر والمسعودي، فهم خمسة؛ ويُضم إليهم شعبة في رواية عفان -الحُجَّة-؛ فهم ستة، فأيُّ أحمقَ بعد هذا عنده ذرَّةٌ من علم المتابعات؛ يقول: أخطأوا جميعًا في روايتهم عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود؟ ! اللهم إلاّ أَن
стр. 87
يكون كذاك القاضي المُغْرِض! ولذلك صحَّحه ابن دقيق العيد في "الإلمام" (١٠٥٨).
وبذلك يتبين أنَّ الحديث صحيح الإسناد سالِمٌ من الانقطاع والتدليس، وقد صحَّحه التِّرمذي وابن الجارود، وقد تعَمَّد (الهدَّام) -كعادته- كتمان كلام التِّرمذي المصرِّح بصحته، وبصحة رواية إسرائيل خاصَّة؛ وهو قولُهُ ﵀:
"حديث حسن، رواه الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي -صلي الله عليه وسلم-، ورواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله عن النبي ﷺ .
وكلا الحديثين صحيح، لأنَّ اسرائيل جمعهما؛ فقال: عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ ".
ولقد ذكرتُ -آنفًا- ستةً من الثقات اتفقوا على رواية الحديث عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود -مرفوعًا-.
ثم وجدت لهم متابعاً سابعاً، هو جَبَلٌ في الثقة والحفظ ط ألا وهو سفيانُ الثوري، رواه عن أبي إسحاق ... به.
أخرجه الدّارقطني في "العلل" (٥/ ٣١١) بسنده الصحيح عنه، ثم ذكر متابعة الأعمش والمسعودي ويونس وإسرائيل، وقال:
"وكلهم رووه عن أبي إسحاق -بهذا الإسناد - مرفوعًا إلى النبي -صلي الله عليه وسلم-؛ إلاّ أن إسرائيل من بينهم أضاف إلى أبي الأحوص أبا عبيدة، وكل الأقاويل صِحَاحٌ عن أبي إسحاق".
قلت: فقد اتفق الدّارقطني مع التِّرمذي على أنَّ أبا إسحاق له في هذا
стр. 88
الحديث شيخان: أبو الأحوص وأبو عبيدة، وأنَّه من طريق الأوّل صحيح متصل، فليس الحديث مضطربًا -كما زعم (الهدَّام) -؛ فلا غرابة -إذن- في تَتَابُعِ العلماء -قديمًا وحديثًا- على تصحيحه، وما علمت أحدًا له مشاركةٌ في هذا العلم ضَعَّفه؛ إلاّ هذا الفَسْل! وما أحسن ما قيل:
وابْنُ اللَّبونِ إذا ما لُزَّفي قَرَنٍ ... لم يستطعْ صولةَ البُزْلِ القَنَاعيسِ
هذا، وللإمام أبي جعفر الطّحاوي الفضلُ الأوّلُ في إحيائه لهذه الخطبة في افتتاحية كتابه "مشكل الآثار"، ثم جرى على سَنِنه -وكان له فضل إشاعته في كتبه- شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ثم وفَّقني -تعالى-، فعملت بها في دروسي ومؤلَّفاتي، وأشعتُها في العالم الإسلامي بواسطة رسالتي المؤلَّفة فيها، واستجاب لها الكثيرون -والحمد لله- من مُحبي السنة، وبخاصة الخطباء؛ حيث كانت مُهْمَلَةً من قبل، ثم جاء هذا (الهدَّام) يريد تضعيفها، فأخزاه الله -تعالى -.
ولا يفوتُني التنبيهُ على أنَّ لفظ (نستهديه) -في سياق ابن القيم- زيادةٌ لا أصل لها في شيء من طرق الحديث؛ كما أنه سقط منه كلمةُ "نحمده".
وهذا من الأدلة الكثيرة على أنَّ (الهدَّام) في تخريجه إياه لا يهمُّه التحقيق، وأنَّه إنَّما اتخذه وسيلة للتضعيف والشذوذ والمخالفة لسبيل المؤمنين! وانظر الحديث الآتي.
وهذه الزيادة - "نستهديه" - أسمعها كثيرًا من بعض الخطباء المرموقين في بعض البلاد العربية، ولذلك لزم التنبيهُ عليها، لأنَّ الأذكار والأوراد تَوْقيفيّةٌ -كما هو معلومٌ مِن السُّنَّة عند أهل السُّنَّة-.
٢٠ - ومن الأدلة على ما ذكرت آنفًا - من عدم اهتمامه بالتحقيق، وإنما
стр. 89
بالتضعيف- أنَّ ابن القيِّم ﵀ ساق حديث عِمران بن حُصين، عَقِبَ الحديث السابق شاهدًا له في الاستعاذة من شرِّ النفس، وفيه أنَّ النبي ﷺ قال لأبيه حُصَين:
"قل: اللهم ألهمني رشدي، وقني شَرَّ نفسي".
فقال (الهدَّام) (١/ ١٠٧) بعد أن خَرَّجه وضَعَّفهْ
"ورُوي بإسنادٍ جيد بغير هذا اللفظ! انظر ابن حبان ("الإحسان") (٨٩٩) ".
قلت: فقوله: "بغير هذا اللفظ" غير صحيح على إطلاقه، فإنَّ الشاهد موجودٌ فيه، وهو قوله ﷺ : "اللهمَّ قِني شرَّ نفسي"، أليس كان من الواجب على (الهدَّام) أن يبوح بهذا الشاهد ولا يكتمَه، بدل الإحالة على غائبٍ بالنسبة لأكثر القُرّاء؟ ! بلى؛ بل إنّ ذلك -منه - لو فَعَلَهُ- يتنافى مع النَّصيحةِ الواجبة على كل مسلم لكل مسلم، والتي أخلَّ بها -جدًّا- هذا (الهدَّام) في خُطَّتِه الرامية إلى تضعيف الأحاديث الصحيحة، وكتمان ما يَصحُّ منها عنده كحديث ابن حبّان هذا، وهو مخَرَّج في "المشكاة" (٢٤٧٦/ التحقيق الثاني).
٢١ - قال ابن القيِّم ﵀: "كقوله ﷺ : "إنَّما أنفسُنا بيد الله":
قلت: هذا وهمٌ من أوهام العلماء؛ اشتبه على المؤلف حديثٌ موقوفٌ بمرفوعٍ! فإِنَّه من قول علي -رضي الله - عنه في قصة طَرْقِهِ ﷺ إيّاه وفاطمة ﵄، وقوله ﷺ لهما: "ألا تصلُّون؟ "؛ وهو في "الصحيحين"، فانظر "صحيح الأدب المفرد" (٧٣١/ ٩٥٥).
ولجهل (الهدَّام) بالسنة وبما في "الصحيحين" من الأحاديث، انطلى عليه هذا الوَهَمُ، ولم يدرِ ما يقول فيه، لأنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، فأبعد
стр. 90
النُّجعة، وقال (١/ ١٠٩):
"قريبٌ منه ما أخرجه مسلم ... "!
فذكر حديث أبي هريرة في قصة نومهم عن صلاة الفجر في السفر، وقول بلال:
"أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك يا رسول الله! "؟ مُقَلِّدًا في ذلك المعلق على الطبعة القديمة (١/ ٧٦)؛ وهو مخرج في "الإرواء" (١/ ٢٩٢).
٢٢ - قال ابن القيِّم: "ذكر أحمد عن وهب: "مكتوبٌ في حكمة آل داود: حقٌّ على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربّه ... "، وقد روي هذا -مرفوعًا - من كلام النبي -صلي الله عليه وسلم-؛ رواه أبو حاتم وابن حبّان وغيره ".
قلت: لم يُخَرِّج المرفوع فضلًا عن الموقوف، والأوّل من شرطه، ولكنّه لم يعرفْه، لأنَّه لا يحفظ، ولم تساعده الفهارس! وهو قطعة من حديث أبي ذر الطويل في "صحيح ابن حبّان" (٢/ ٧٦ - ٧٩ - "الإحسان") - الذي يزعم -كثيرًا - أنَّه شارك في تحقيقه! -.
وإسناده ضعيف جدًا، وهو مخرَّجٌ في "الضعيفة" (١٩١٠ و ٥٦٣٨).
وقوله: "أبو حاتم و ... ": كذا في الطبعة الأولى -أيضًا -، وأظنّه خطأً مطبعياً لم يتنبّه له (المحقق)! وذلك لأنَّ هذه الكنية لابن حبّان، وإن كان يشاركه فيها (أبو حاتم الرّازي) الحافظ المشهور، ولو أراده لميّزه بنسبة (الرازي) دفعًا للاشتباه، فالصواب (أبو حاتم ابن حبان).
٢٣ - قال ابن القيِّم: "وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عُمَّاله: حاسِب نفسك في الرّخاء، قبل حساب الشدَّة .... "، إلى قوله: "ومن ألهتْه
стр. 91
حياته وشغلته أهواؤه، عاد أمره إلى الندامة والخسارة":
قلت: علّق عليه (١/ ١١٤) نقلًا عن "الكنز": "أخرجه البيهقي في "الزهد" وابن عساكر ... "، وقال: "وفي إسناده انقطاع".
فيقال فيه نحو ما سبق ذكره تحت الحديث (١٨) فقرة (أولًا) -من حيث عدمُ رجوعهِ للأصول-؛ فقد أخرجه البيهقي في "الزهد" (١٩٢/ ٤٦٢)، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٣/ ١٣٥) بسنده عن جعفر بن بَرْقَان، قال:
بلغني أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى بعض عماله ... فذكره، وفيهما "الحسرة" مكان "الخسارة"" وعلى الصواب وقع في "الكنز"، ومع ذلك لم يُنَبّه عليه المحقق، لأنَّ رجوعه إليه ليس للتحقيق، وإنَّما للتخريج، بل للتخريب؛ ما استطاع إليه سبيلًا!
ثم إنَّ قوله. " ... انقطاع" ليس دقيقاً، فالأولى أن يقال: "فيه إعضال" لأنَّ بين جعفر وعمر أكثرَ من واحد، فإنَّه مات سنة (١٥٤)، هذا ما يقتضيه علم مصطلح الحديث، لو كان له معرفةٌ -أو إيمانٌ- به!
٢٤ - "وقال الإمامٍ أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أنس: حدّثنا منذر، عن وهب، أنَّ رجلا سائحاً عَبدَ الله سبعين سنة ... ":
عزاه (١/ ١٢٥) لأحمد في "الزهد" (ص ٦٩)، وقال: "وفي إسناده ضعف ".
قلت: ولم يبين سبب الضعف -على عادته في تعمية الحقائق -، وليس في الإسناد من يمكن وَضع ضعف فيه إلاّ شيخ أحمد (محمد بن الحسن ... )، وهو مختلف فيه، وقد وثَّقه أبو زرعة، وأحمد بن صالح، وابن حبّان، وقال
стр. 92
النسائي: "متروك"؛ فتعَقَّبَهُ الحافظ في "التهذيب" بقوله:
"وكلام النسائي فيه غير مقبول، لأنَّ أحمد وعلي بن المديني لا يرويان إلاّ عن مقبول، مع قول أحمد بن صالح فيه".
نعم، قال الدّارقطني: "ليس بالقوي "، وهذا يعني أنَّه وَسَطٌ حسن الحديث؛ وإليه يشير الحافظ بقوله في "التقريب": "صدوقٌ فيه لِين".
وقد قال الذهبي في "الميزان":
"وثَّقه أبو زرعة وأبو حاتم".
فإن صَحَّ توثيق أبي حاتم أيضًا؛ فهو مما يقَوّيه -لما هو معروف من تشَدُّدِه في التوثيق-، لكن لم يحك عنه ابنه في "الجرح والتعديل " إلاّ توثيق أبي زُرعة، وعكس ذلك الحافظ تبعًا للمزي فلم يعزواه إلا لأبي حاتم، فالأمر بحاجةٍ إلى تحقيق، والله أعلم.
وبالجملة؛ فالإسناد حسن.
وقد قلنا مرارًا - ردًّا على (الهدَّام) مثلَ قوله هذا -: إنَّ الإسناد الحسن فيه ضعف -ولا بُدَّ-، ولازمه أنَّ هناك فرقًا معروفًا بين العلماء بين من يقول من أهل العلم: "إسناد فيه ضعف"، وبين: "إسناده ضعيف"، وأمّا (الهدَّام) فلا يفرّق - عمدًا أو جهلًا-!
ثم إنَّ هذا الإسناد من الأدلّة الكثيرة أنَّه لم يقم بواجب التحقيق الذي ادّعاه، فإن اسم (أنس) - جَدّ شيخ أحمد - أقَرَّه (الهدَّام)، ولم يصحِّحه، وهو خطأ مخالف لترجمته، وقد تزداد مؤاخذته على هذا الإهمال إذا كان في نسخته من "الزهد" التعليقُ الذي على نسختي منه (ص ٥٣/ طبعة أم القرى - الأُولى)؟ فإن المصحِّح لها -جزاه الله خيرًا - قد علّق على اسم
стр. 93
(أنس) مبينًا أن الصواب (آتش) بهمزةٍ ممدودة وتاء مثناةٍ من فوق وشين معجمةٍ -كما في "الخلاصة"-.
٢٥ - ثم ساق ابن القيِّم من رواية أحمد، عن أبي هلال، عن قتادة، قال: قال عيسى ابن مريم ﵇: "سلوني ... ":
فقال المعلّق الجاني (١/ ١٢٥): "أبو هلال هو الراسبي، وفيه ضعف".
قلت: هذا لا ينافي كون حديثه حسنًا، كما قلت في راوي الذي قبله، وقال الحافظ فيه أيضًا: "صدوق فيه لِين"، وأورده الذهبي في "الرواة المتكلَّم فيهم بما لايوجب الرَّد" (١٦٦/ ٢٩٧).
٢٦ - ثم ذكر ابن القيم عن أحمد -أيضًا - "عن أبي السَّلِيل، قال: كان داود ﵇ ينظر أغمصَ خِلقة في بني إسرائيل فيجلس بين ظهرانيهم ... ":
قال (الهدَّام) المتنطِّع (١/ ١٢٦): "في إسناده ضعف لاختلاط الجُرَيْري"!
قلت: وهذا أيضًا لا ينافي الحُسْنَ، وبخاصة في (الإسرائيليات) التي أُمرنا أن لا نصدّق بها ولا نكذّبها -ولو صحَّ إسنادها إلى راويها من السلف -، وبخاصة أن الجُريري ثقة احتج به الشيخان، ولم يفحُش اختلاطه -كما قال ابن حبان-، واحتجّ به أيضًا في "صحيحه"، واحتجّ به مسلم في روايته عن أبي السَّليل -أيضًا- بسنده إلى النبي -صلي الله عليه وسلم-؛ فأيُّ أحمقَ أرعنَ مُتنَطِّعٍ هذا الذي يُضَعِّفه في روايتهِ إسرائيليةً من الإسرائيليات؟ !
٢٧ - ثم قال ابن القيِّم: "وذَكَر عن عمران بن موسى القصير: قال موسى ﵇: يا رب! أين أبغيك؟ ... ":
стр. 94
قال (الهدَّام): " ... وفيه سَيَّار بن حاتم، وهو متهم بالكذب".
قلت: وهذا كذبٌ وإفكٌ مبينٌ؛ لم يتّهمه أحدٌ بالكذب، بل سُئل القواريري -من قِبَلِ أبي داود -: يُتهم بالكذب؟ قال: لا.
نعم؛ الرجل فيه كلام من قِبَل غفلته، وأسوأُ ما يمكن أن يقال فيه: إِنَّه ضعيف، والراجح أنَّه كمن قبله: -وسط -، وقد صحّح له ابن خزيمة حديثًا في الدّعاء للمسافر، وحسَّنه التِّرمذي، والحافظ، وهو مما جنى عليه (الهدَّام)، فأورده في "ضعيفته"؛ ومع ذلك؛ فإنّه مع حنايته لم يزِد فيه على قوله (٥٢٢):
"وهو منكر الحديث، كما قال العقيلي وغيره، وضعَّفه ابن المديني".
على أنّ في هذا القول كذبًا أيضًا؛ ولكنّه مبطَّن؛ فإنّ أحدًا لم يقل فيه: "منكر الحديث"؛ ونصُّ ما جاء في "تهذيب التهذيب" - بعدما نقله عن ابن حِبّان من التوثيق-:
"وقال أبو أحمد الحاكم: في حديثه بعض المناكير، وقال العُقيلي: أحاديثه مناكير، ضعّفه ابن المديني، وقال الأزدي: عنده مناكير".
فقول أبي أحمد والأزدي ليس بمثابة قول العُقيلي: "أحاديثه مناكير"، فإنَّه أخفُّ جرحًا من هذا، كما أنّ ما نسبه (الهدَّام) إلى العُقيلي غيرُ هذا وذاك! فإنَّه -كما قال ابن دقيق العيد-: "وصفٌ في الراوي يستحق به الترك لحديثه، وليس كذلك قولهم: روى مناكير"، - كما في "فتح المغيث" (١/ ٣٤٧) للسخاوي (١) -.
قلت: فقول العقيلي: "أحاديثه مناكير"، ليس كمثلِ ما نسبه إليه
стр. 95
(الهدَّام)، فلا أدري أفعل ذلك جهلًا أم عمدًا؟ ! وإن كان ذلك كله فيه متحقّقاً!
ثم إن قوله في الإسناد: ( ... موسى القصير) دليلٌ آخرُ من الأدلة الكثيرة على عدم قيامه بواجب (التحقيق) الذي ادعاه! والصواب: ( ... مسلم القصير).
٢٨ - ثم ذكر من رواية أحمد أيضًا: حدّثنا سحيار: حدّثنا جعفر: حدّتنا الجُرَيري، قال:
بلغني أنَّ رجلًا من بني إسرائيل كانت له إلى الله حاجةٌ ... إلخ.
قال (الهدَّام) (١/ ١٢٨): "إسناده ضعيف، فإن سيار (كذا) هو ابن حاتم، وهو متهم بالكذب".
قلت: قد عرفتَ من الرد على التخريج الذي قبله أنّ (سيارًا) صدوق، وأنَّ (الهدَّام) افترى عليه بما نسب إليه من التهمة، غير أنَّه هنا كشف عن جهلٍ جديد بهذا العلم، فإنَّ اقتصاره على تضعيف الإسناد لا يلتئم مع التهمة، فالصواب في هذه الحالة أن يقال: "إسناده ضعيفٌ جدًا"، لكن التهمة غير صحيحة، بل ولا القول بضعفه على إطلاقه، بل يقال: فيه ضعف، وهو لا ينافي أنَّه حسن الحديث -كما تقدم مرارًا-، لكن بين (الجريري) وبين (بني إسرائيل) مفاوز! والله أعلم.
٢٩ - قال ابنُ القَيِّم: "رواه التِّرمذي -وصحّحه -عن أبي هريرة- ﵁، أنَّ أبا بكر ﵁ قال: يا رسول الله! علِّمني شيئًا أقوله إذا أصبحتُ وأمسيتُ، قال: "قل: اللهم عالم الغيب والشهادة ... أعوذ بك من شَرِّ نفسي، وشرِّ الشيطان وشركه، وأن أَقترف على نفسي سوءًا ... " إلخ:
قلت: لم يرض (الهدَّام) -كعادته - بتصحيح الترمذي -، ولا اعتبر بإقرار
стр. 96
ابن القيم إياه، فقد صدّر تعليقه عليه بالشك في حسنه! فقال (١/ ١٣٠): "حديث حسن -إن شاء الله تعالى-، أخرجه ... "!
ثم سوّد أربعة أسطر في تسمية الحفاظ الذين أخرجوه من طريقين عن يعلى بن عطاء، عن عمرو بن عاصم الثقفي، عن أبي هريرة!
وكتم -كعادته- سببَ رفضهِ لتصحيح التِّرمذي وابن القيم، ومعهما تصحيحُ ابن حبّان والحاكم والذهبي، فضلًا عمِن لم يذكرهم كالنووي والعسقلاني وغيرهم، ممن لا مجال لذكرهم، هذا -أوّلًا-.
أمَّا ثانيًا: فإنّه لم يبين سبب شكِّه في حُسنهِ، مع أنَّ هذا مهم جدًا ليقدم للقراء علمًا جديدًا (لم يستطعه الأوائلُ! )، ولكنه يتعمّد ذلك؛ لأنَّه لو فعل انفضح، وتبيَّن للناس أنَّه يتكلّم بغير علم، بل بهوى، كما تقدم بيانه مبسوطًا في المقدمة، رقم الفقرة (٢).
ويغلب على ظني أنَّه يشير بذكره الطرفَ الأوّلَ من الإسناد إلى أنَّه يحطُّ على (عمرو بن عاصم الثقفي)، لأنَّ راوِيَهُ (يعلى بن عطاء) ثقة اتفاقًا، واحتج به مسلم، وأمّا شيخه (عمرو بن عاصم) فلم يوثِّقه غيرُ الإمام أحمد وابن حبان والحافظ، ولم يرو عنه غير ثقتين - (يعلى) أحدهما-، فأظن أنَّه يرفض هذا التوثيق اعتداداً منه بأوهام وخيالات لا ضابطَ لها ولا قواعد؛ إلاّ (على كيفه! )؛ وقد يختلق فيه عِلَّةً، فيقول مثلًا: لا يُعْرف له سماع من أبي هريرة -ونحوه مما وقع له في بعض الأحاديث الصحيحة-، فانظر -مثلًا- "ضعيفته" (ص ٥٣٥ - ٥٣٦).
ثم إِنَّ (الهدَّام) انتقد المؤلّف في ضمّه قوله ﷺ : "وأن أقترف ... " إلخ .. إلى حديث أبي هريرة، وذكر أنَّه عند التِّرمذي (٣٥٢٩) من حديث عبد الله ابن عمرو.
стр. 97
فأقول: هذا انتقادٌ في محله، وإن كان على خلاف عادته من إهماله التحقيق، ولا أستبعد أن يكون استفاده من تعليقي على "الكلم الطيب" لابن تيمية (ص ٣٣/ الحديث ٢٢)؛ فإنَّه جعل هذه الضميمة من حديث أبي هريرة، وإنْ فَصَلَ بينه وبينها بقول: "وفي رواية"، ولكنَّه ختم ذلك بقولِه: "قال التِّرمذي: حديث حسن صحيح"؛ فأوهم أنّها من حديث أبي هريرة أيضًا! فنبّهت على هذا في التعليق المشار إليه، فاستفاده (الهدّام)، ولكنْ (على الصمت؛ لا حمدًا ولا شُكورًا! ).
ويظهر أنَّ الإمامَ أبن القيِّم لم يتنبّه لخطإ شيخه هذا، واستجاز -بناءً كليه - أن يحذف قوله: "وفي رواية" هنا، وفي "الوابل الصيب" - أيضًا -، ولم يتعرَّض الشيخ إسماعيل الأنصاري ﵀ وغَفَرَ له- لبيان ذلك في التعليق عليه؛ كما هي عادتُه إجلالًا للشيخ؛ متناسيًا أن الحق والنصح لا يُنَافيانِ الإجلالَ، بل هما أحقُّ منه!
والمقصود أنَّ (الهدَّام) انشغل بنقد ابن القيم عما هو أهمُّ منه من التحقيق، وهو بيان مرتبة إسناد حديث ابن عمرو هذا، فيؤخذ عليه أنَّه كتم -كعادته- تصريح التِّرمذي بتحسينه بقوله: "حديث حسن غريب"؛ كما كتم -أو على الأقلّ: جَهِلَ -تقوية الحافظ ابن حجر إياه في "نتائج الأذكار" (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، والسببُ في ذلك يعود إلى أنَّ بيان ذلك يعود إلى تقوية الحديث ورفعه من مرتبة الحُسْن التي شك -بل شَكَّكَ- فيها، إلى مرتبة الصحة التي لا ريب بها! وذلك لأنَّه من رواية إسماعيل بن عياش، عن محمد ابن زياد، عن أبي راشد الحُبراني، عن ابن عمرو ... به.
وهذا إسنادٌ صحيح، رجاله كلهم ثقات، و (الهدَّام) يعلم ذلك (! )، فإِنَّ إسماعيل بن عياش له الكعب المعلَّى في الحفظ، حتى قال يزيد بن هارون:
стр. 98
"ما رأيت أحفظ من إسماعيل بن عياش، وما أدري ما سفيان الثوري؟ ! ".
وإِنَّما تكلَّم فيه بعضُهم في روايته عن غير الشاميين، وأمَّا روايته عنهم فهي صحيحةٌ عند الحُفَّاظ النقاد من المتقدمين والمتأخرين، مثل الإمام أحمد، وابن معين، وابن المديني، وعمرو بن علي، ويعقوب بن سفيان، والبخاري، وأبي زرعة، وابن عدي، والعقيلي -وغيرهم -، بل قال فيه الحافظ (دُحَيم) الشامي -وهو من أعرف الناس به-:
"هو في الشاميين غاية".
ولهذا قال الذهبي في "السير" (٨/ ٢٧٨):
"يحفظ حديث أهل بلده، ويكاد يُتقنه -إن شاء الله -تعالى-".
وقال الحافظ في "التقريب" - ملخّصًا أقوال الأئمة المذكورة في "التهذيب" -:
"صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلِّط في غيرهم".
تلك أقوال الأئمة الحفاظ في إسماعيل بن عياش، وأمّا مجتهد آخر الزمان (! ) فقد أعرض عنها كلِّها، وضعّف تضعيفًا مطلقًا؛ وعليه ضعّف حديثًا له -آخر- من روايته عن بعض الشاميين، في تعليقه على "رياضه" (١٢٢/ ٢٠٧)، فقال:
"وهذا الحديث تفرد به إسماعيل بن عياش ... وهو ضعيف في روايته عامة، أعن الشاميين أم غيرهم"!
فقولوا -أيها القراء الكرام! -ما شئتم-بعد هذا- في هذا (الهدَّام)، الذي لا يرعوي -لجهله- عن مخالفة أقوال الأئمة العِظام، وعن تضعيف أحاديث النبي ﵊.
стр. 99
والخلاصة؛ فهذا الحديث الصحيح من رواية أبي هريرة وحديث ابن عمرو، يشكِّك (الهَدّام) في تحسينه (خبطَ عشواء)، مع أن له طريقًا ثالثًا من حديث أبي مالك الأشعري، وقد خرَّجتُها ثلاثتَها في المجلد السادس من "الصحيحة" برقم (٢٧٥٣ و ٢٧٦٣)؛ وحديث ابن عياش الآخر مخرَّج في المجلد الأول منه برقم (١٧٣).
٣٠ - "وفي"مسند الإمام أحمد" من حديث سَبْرَةَ بن أبي الفاكِهِ، أنَّه سمع النبي -صلي الله عليه وسلم- يقول: "إنَّ الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه ... "":
قلت: إسناده قوي متصل، وقد صحّحه جمعٌ، منهم ابن حبان، والمنذري (٢/ ٢٧٣)، والحافظ العراقي، والعسقلاني، واحتجَّ به ابن كثير (٢/ ٢٠٢) وغيره، وهو مخرَّج في "الصحيحة" (٢٩٧٩).
وخالفهم (الهدَّام) كعادته، واختلق له علة من عنده، فقال (١/ ١٣٤):
"إسناده ضعيف، فإِنَّ سالمًا لم يرو عن سبرة غير هذا الحديث، ولم يصرِّح بالسماع منه، وهو معروف بالإرسال عن جمعٍ من الصحابة ... ".
قلت. لكن لم يقل أحد بأنَّ سالمًا -وهو ابن أبي الجعد الثقة - أرسل عن (سَبْرة)، ولم يُرْمَ بتدليس؛ فعنعنته محمولةٌ على الاتصال عند جماهير العلماء، كما هو مشروحٌ في كتب المصطلح، ومنهم أبو محمد بن حزم المعروف بتشدده في مثل هذا المجال، فقد قال:
"اعلم أن العدل إذا روى عمن أدركه من العدول، فهو على اللقاء والسماع؛ سواء قال: "أخبرنا"، أو: "حدّثنا"، أو: "عن فلان"، أو: "قال فلان"؛ فكل ذلك محمولٌ على السماع منه".
وهذا الصحيحُ الذي جرى عليه العملُ.
стр. 100
وقال الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول: إنَّه متصل محمول على السماع بشرط أن لا يكون المعنعِن مدلّسًا، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضًا -كما صرح به النووي وغيره، وسبق بيانه في المقدمة رقم (٥) -؛ وحقّقت -هناك- أنَّ شرط اللقاء إنَّما هو شرطُ كمالٍ وليس شرطَ صحةٍ، وأن (الهدَّام) لم يَرْضَ -عمليًّا- حتى ولا بشرط اللقاء، وأنَّه أخذ يعلِّل الأحاديث الصحيحة بالإرسال والانقطاع لعدم تصريح الراوي بالسماع! كما فعل في هذا الحديث، مع مخالفته لتصحيح الحفاظ الذين سبق ذكرُهُم، هذا التصحيحُ الذي هو من مئات التصحيحات التي تؤكِّد ما ذكره النووي من جَرَيان العمل على الاكتفاء بالمعاصرة، فتنبَّه.
٣١ - "وفي "المسند" و"الترمذي" من حديث أبي سعيد الخُدْري، قال: كان النبي -صلي الله عليه وسلم- إذا قام إلى الصلاة استفتح، ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم؛ من همزه ونفخه ونفثه"":
ضعّفه (الهدَّام) من جيمع طرقه، وقد سرق -على عادته - تخريجَها من كتابي "إرواء الغليل"، دون أدنى إشارة إلاَّ للنقد بما لا طائلَ تحته، يأخذ منه ما قبل من العِلَلِ فيها -أو في بعضها -، دون أن يذكر ما فيه من الأقوالِ المصحَّحة لبعضها، وما يقوِّيه من الشواهد!
لقد خرَّجته -هناك - في أكثر من عشر صفحات (٢/ ٤٨ - ٥٩) بتتبُّعٍ لطرقهِ، وتوسُّعٍ لا تراه في غيره -إن شاء الله تعالى-، وعن جمع من الصحابة.
ويرى القراء أن في الحديث سُنَّتين:
إحداهما: الاستفتاح بدعاء: "سبحانك اللهم وبحمدك ... "، وذلك صريحٌ
في رواية التِّرمذي وغيره.
والآخر الاستعاذة.
стр. 101
فختم (الهدَّام) تخريجه المشار إليه بقوله (١/ ١٣٦):
"قلت: وأحسن هذه الأحاديث حديث أبي سعيد، وأرى (! ) أن يُتَمهَّل في تحسين هذا الحديث أو تصحيحه بهذه الشواهد"!
ثم قال: "قلت: والاستعاذة قبل القراءة في الصلاة لم يصحَّ فيه حديث أصلًا ... فحديث أبي سعيد الخدري سبق ضعفه، وحديث عائشة سبق نكارته"! !
أقولُ: لا أريد -الآن- الرَّدَّ عليه، والكلامَ على طرق الحديث، وما يصحُّ منها وما لا يصحُّ ... فذلك مبسوطٌ في "الإرواء" - كما أشرت آنفًا -، وإنَّما أريد نصح القراء بالكشف عن شيء من خيانته للعلم، وكتمانه الحقائق تدليساً وتلبيساً على القراء؛ فأقول:
أوَّلًا: كَتَمَ أثر عمر الصحيحَ إسنادُهُ عنه، أنَّه كان إذا كبر للصلاة، كبّر، ثم قال: "سبحانك اللهم وبحمدك ... " إلخ ... يُسمع ذلك من يليه ويُعَلِّمهم، ثم يتعوَّذ، ولقد رآه (الهدَّام) مخرجًا هناك من رواية جمع من الحفاظ -كمسلم وغيره-، وصرّح بعضهم بصحته- كالدّارقطني وغيره-؛ ولكنّه كتمه؛ لأنَّه يعلم أنَّه يُبطل قوليه المذكورين آنفًا، ويجعل تخريجه في صفحتين هباءً منثورًا! لأنَّ العلم يشهد أنَّ عمر ما كان يستفتح بهذا الاستفتاح ويجهر به لِيُعَلِّم الناس الذين يصلّون خلفه -وهم يُقِرُّونه على ذلك ولا ينكرونه- إلاّ وهو قد تلقَّاه عن رسول الله ﷺ .
وفي مثل هذا يظهر أهميّة قوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الرّاشدين من بعدي"، وقوله: "اقتدوا باللَّذين بعدي أبي بكر وعمر"! ولكنَّ (الهدَّام) -تمهيدًا منه لعدم الاحتجاج بهذا الأثر العُمَري ونحوه- قد ضعَّفهما
стр. 102
-أيضًا- كما تقدم بيانه برقم (٢) -؛ فما أجهلَه، وأضرَّه على السنة والأمّة!
وإنَّ ممَّن صحح هذا الأثر الإمامَ ابن القَيِّم ﵀ في "زاد المعاد"، وذكر أنَّ الإمام أحمد اختاره على أدعية الاستفتاح الأخرى -لوجوهٍ ذكرها-؛ منها: جهرُ عمر به يعلِّمه الناس.
ثانيًا: كتم قول العُقيلي عَقِبَ حديث أبي سعيد:
"وقد رُوي من غير وجه بأسانيد جياد".
كتمه، وقد رآه في تخريجي (٢/ ٥٢)؛ والسبب واضحٌ لا يحتاج إلى بيان!
ثالثًا: كتم حديث أنس بن مالك المخرَّج هناك من طريقين عن حُميد عنه، وصحَّحت أحدهما، فكتم كل ذلك تدليسًا وتضليلًا، ولتأكيد صحّته، فقد أفردته بالتخريج في "الصحيحة" (٢٩٩٦)، وذكرت فيه متابعًا لحميد؛ فازداد الحديث صحة على صحة، والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.
٣٢ - حديث: "لِجَوْفِه أزيزٌ كأزيز المِرْجَل من البكاء":
قلت: صحَّحه المقلِّد -مصيبًا- من حديث عبد اللَّه بن الشِّخِّير، برواية أبي داود والنسائي، وهذا التقليد منه خير -بلا شكّ- من اجتهاداته التي يضعّف فيها الأحاديث الصحيحة! وإنَّما قلت هذا، لأنَّ في إسناده (حمّاد بن سلمة)، وهو سيِّئ الرّأي فيه؛ وبخاصة إذا وجده في إسناد حديث لا يُعجبه! ولا يطابق مزاجه أو عقيدته! أعلّه به -كما فعل بالحديث المتقدم رقم (٦) - مع تخريج مسلم إياه، وتَتَابُعِ أئمة السنَّة على الاحتجاج به! وهو لا يرى أيَّ حرجٍ في رَدِّ أيِّ حديثٍ صحَّحه العلماء عنده فيه أدنى شبهة -ولو كان من المقلِّدة الجهلة-؛ فقد رأيت له -أخيرًا- تعليقًا كشف فيه عن القاعدة التي ينطلق منها لرد السنة وتعطيلها، فذكر فيه أن قوله -تعالى- ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
стр. 103
يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لا تتنزّل على من ردَّ حديثًا عنده فيه شبهةٌ على عدم صحَّته! ولم يقيِّد ذلك بأهل العلم؛ بل أطلقه فشمل به الجهلة من أمثاله فَمَن دونه! فقال:
"لا تتنزّل الآية إلّا على من ردَّ آيةً محكمة أو حديثًا صحيحًا نُسَلِّم (! ) بصحته، ولا تدخل الآية فيمن اعتقد بحديثٍ ما ضعفًا وصحَّحه آخرون، أو من قَلَّد ولم يدرك عقلُه صحة ما قَلَّد أو ضعفَه"! انظر تعليقه على "مجموعة الرسائل" (١) (ص ١٢٦).
قلتُ: فالأمر عنده فوضى؛ لا قيود ولا شروط! وأمَّا النصوصُ الواردةُ في الكتاب والسنة، الآمرةُ لمن لا يعلم أن يسأل أهلَ العلم؛ فهي عنده مقيدةٌ بالقناعة الشخصية! فلا مانع عنده أن يردَّ الجاهلُ ما صَحَّحوه! أو يصحِّح ما ضعّفوه! فهو يلخّص بذلك مذهب الشيخ محمد الغزالي ﵀، وغفر له-؛ الذي كشف عنه في كتابه -الأخير- "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث"! فهذا (الهدَّام) يحذو حَذْوَه، ويتبع ظِلَّهُ!
وقد بيَّنت أمثلةً من مذهب الشيخ تمثِّل انحرافه عن السنة، ومخالفته لسبيل المؤمنين في ردّي عليه في مقدمة كتابي "الرَّد على ابن حزم في إباحته الملاهي" -وفيما بعدها-، وقد شمل الرَّد -في بعض جوانبه- ظُلْمَ هذا
стр. 106
(الهدّام)، والكتاب مطبوعٌ -بحمد اللَّه ومِنّته-.
وأمّا حديث الأزيز؛ فهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٨٣٩).
٣٣ - حديث البراء بن عازب: لقينا المشركين يومئذ [يعني: يومَ أُحُد]، وأجلس النبي ﷺ جيشًا من الرّماة، وأمّر عليهم عبد اللَّه، وقال: "لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرْنا عليهم. . . "، الحديث:
قلت: ساقه (الهدَّام) (١/ ١٤٤)، وقد أشار إليه ابن القيم، فلم يزد (الهدَّام) في تخريجه إيّاه على قوله: "أخرجه البخاري" (٤٠٤٣) ".
قلت: وهذا التخريج المُبْتَسَرُ؛ من الأدلة الكثيرة على أنّ (الهدَّام) لا يهمّه التحقيق الذي يدّعيه، إلّا للهدم فقط، وليس للتصحيح والبناء! ! وإلّا: فما باله اقتصر على هذا العزو، وهو بحاجة إلى دعمٍ بِغَيره؛ لأنّ الحديث في الموضع الذي أشار إليه من "البخاري" هو من رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء؟ !
وهو يعلم أن في هذا الإسناد علّتين: إسرائيل، وجدَّه أبا إسحاق السبيعي، وأن هذا مجروح بالاختلاط والتدليس، وقد ضعّف به حديث خطبة الحاجة كما سبق رقم (١٩)، وحفيده لا يُعرف بسماعه منه قبل الاختلاط، ولذلك كان لا بدّ من إزالة عِلَّتَي التدليس والاختلاط؛ خشية أن يتشبّث بهما غيرُه من المحدَثين والهَدَّامين -بجهلهم أو بسوء نيّتهم-!
فأقول: لقد قصر (الهدَّام) -جهلًا أو تجاهلًا! - تقصيرًا فاحشًا في العزو المذكور؛ لِمَا يأتي:
أوّلًا: أنّ البخاريَّ قد أخرجه في مكان آخرَ (٣٠٣٨) بإسناد قوي؛ من طريق زهير: حدّثنا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء. . .
стр. 107
فهذه متابعةٌ قويةٌ من زهير -وهو ابن معاوية، أبو خيثمة الكوفي- صرّح فيها بسماع أبي إسحاق من البراء، أزالت علّةَ التدليس؛ والحمد للَّه.
ثانيًا: لو توسَّع قليلًا في التخريج، وأطال نفَسَه فيه -ولا كإطالته في التضعيف! ! - لوجد تصريح إسرائيل نفْسِه بتحديث جده؛ في رواية أبي عَوانة في "صحيحه" عنه (٤/ ٣٠٦).
ثالثًا: بقيت عِلّةُ الاختلاط، وعهدي بـ (الهدَّام) أنّه كثيرًا ما يُضعِّف الأحاديثَ الصحيحةَ بمثل هذه العلّة! ! وسيأتي على ذلك بعضُ الأمثلة.
ولذلك؛ فإنّي أخشى (! ) أن يكون كتمها لغايةٍ في نفْسه؛ قد يُبديها عند الحاجة! ! وإلّا لدفعها -كما تقتضيه الأمانةُ العلميةُ- بطريقةٍ أو بأُخرى! !
وأنا -شخصيًّا- كنت دفعتها بشاهدٍ قويٍّ من حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄؛ كنت خرَّجته في "تخريج فقه السيرة" (٢٥٠ و ٢٥١/ القلم)، ولذلك أوردته في "صحيح أبي داود" (٢٣٩٠)، وقد أخرجه مسلسلًا من طريق زهير بالتحديث، وخرّجت له -فيه- شاهدًا آخرَ من حديث عبد اللَّه ابن مسعود.
وأمّا قول الحافظ في "مقدّمة فتح الباري" في ترجمة أبي أسحاق السَّبِيعي (٤٣١):
"ولم أرَ في "البخاري" من الرواية عنه إلّا عن القدماء من أصحابه؛ كالثوريّ وشعبةَ، لا عَنِ المتأخرين؛ كابن عيينة وغيرِه".
فهذا من عجائبه ﵀! فإنّه الحافظ بحقّ-؛ فهذا الحديث -برواية إسرائيلَ وزهير- يردّه، وهناك أحاديث أُخرى لهما؛ قد كنت نبهّت على ذلك في بعض المواضع، فجلَّ اللَّه؛ ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾.
стр. 108
(تنبيه): لقدِ اكتفى المُعلِّق على "الإحسان" (١١/ ٤٠ - ٤١) بتخريج الحديث من رواية البخاريّ وغيره؛ دون أن يقوّيَه بالتّحديث والشواهد! !
٣٤ - قال ابن القيِّم: "وفي الحديث المشهور: "إنّ لِلمَلَك بقلب ابن آدم لَمَّةً. . . "؛ الحديث، وفيه: ثمّ قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ. . .﴾ الآية":
خرّجه (الهدَّام) من رواية التِّرمذي وابن حبّان من طريق عطاء بن السّائب -بسنده-، عن عبد اللَّه بن مسعود. . . -مرفوعًا-، وكتمَ تحسينَ التِّرمذي إيّاه! ! ثمّ أعلّه باختلاط عطاء، وبقول أبي حاتم: "أن الصحيح وقفُه على ابن مسعود، والناس يحدّثون من وجوه عن عبد اللَّه -موقوفًا-؛ ورواه الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن مسعود. . . موقوف".
فأقول: إسناد هذا الموقوف صحيحٌ غايةً، أخرجه الطبريّ في "تفسيره" (٣/ ٥٩)، ثم أخرجه من طريق عامر بن عَبْدَةَ، عن ابن مسعود، وهو صحيحٌ -أيضًا-، وهذا يكفي في تصحيح الحديث المرفوع؛ لأنّه لا يقال بمجرّد الرّأي! ! كما هو معروفٌ عند أهل العلم، ولذلك قوّاه العلاّمة أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "تفسير الطّبري" (٥/ ٥٧٢)، فقال:
"فإنّ هذا الحديث ممّا لا يُعلم بالرأي، ولا يدخله القياس، فلا يُعلم إلّا بالوحي من المعصوم ﷺ ، فالرّوايات الموقوفة لفظًا هي مرفوعةٌ حكمًا".
قلت: ولا سيّما وهي في تفسير القرآن؛ الأمر الذي يؤكّد أنّها في حكم الرّفع، وهذا ممّا يجهلُه أو يتجاهله (الهدَّام)! ! واللَّه المستعان.
٣٥ - "رأى النّبيّ ﷺ في رؤياه الزّناةَ والزّواني عراةً باديةً سوآتهم":
قال (الهدَّام) في تعليقه عليه (١/ ١٥٨):
"أخرجه البخاري (١٣٨٦) من حديث سَمُرة بن جُنْدَب".
стр. 109
فأقول: هذا التخريجُ أقولُ فيه نحو ما تقدَّم في حديث البراء (٣٣) -أو أكثر-؛ فإن في إسناده في الموضع المشار إليه من البخاري (جرير بن حازم)؛ وهو من المضعَّفين عند (الهدَّام)! ولذلك لم تُساعده نفسُه على الجزم بتحسين حديث له، فقال فيه: "أرجو أن يكون حسنًا"! (انظر الحديث الآتي)، فهذا التخريجُ -ونحوه مما سبق، ويأتي- مما يوكِّد ما قلتُه في المقدِّمة؛ أن عزوه الحديث للبخاري أو مسلم لا يعني عنده أنَّه صحيحٌ، فإنه يعزو إليه ويكتم ما في نفسه من الضعف فيه؛ سترًا على نفسه، أو تضليلًا لقرَّائه!
على أنَّ هذا الحديث لم يتفرّد به (جرير بن حازم) الذي قال: حدّثنا أبو رجاء، عن سَمُرة؛ مع كونه ثقة حجّة -كما سيأتي هناك-، فقد تابعه عوف: حدّثنا أبو رجاء: حدّثنا سَمُرة. . . أخرجه البخاري أيضًا (٧٠٤٧)؛ فلِمَ لَمْ يَعْزُهُ إليه تقويةً لرواية جرير؟ ! هل كان ذلك منه مكرًا، أم ذلك هو مبلغُ التحقيقِ عنده؟ أحلاهما مُرّ!
٣٦ - "وقد سُئل عبد اللَّه بن مسعود -عن مسألة المفوّضة- شهرًا؟ فقال بعد الشهر أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه. . . ":
قلت: أعلّه (الهدَّام) بقوله (١/ ١٧٥): "ورجاله ثقات، غير أنَّ فيه عنعنة قتادة".
قلت: هذا الإعلال عليلٌ كصاحبه! فإنَّ عنعنة قتادة مغتفرةٌ لِقلَّتها بالنسبة لحفظه وكثرة حديثه، وقد أشار إلى ذلك الحافظ في ترجمته من "مقدمة الفتح" بقوله: "ربّما دَلَّس"؛ وكأنَّه لذلك لم يذكره هو في "التقريب" بتدليس، وكذلك الذهبي في "الكاشف".
стр. 110
ونجد في "الصحيحين" -وغيرهما- أحاديثَ كثيرةً جدًا لقتادة بالعنعنة، حتى ابن حبّان الذي وصفه بالتَّدليس؛ قد أكثر عنه بها، ويحتمل أنَّ ذلك كان منهم لأنَّه كان -كما قال الحاكم- لا يدلِّس إلّا عنِ ثقة، كما نقله العلائي في كتابه القيِّم "جامع التحصيل" (ص ١١٢)؛ هذا -أولًا-.
وأمّا ثانيًا: فقد عقَّب الإمام أحمد -روايةَ قتادةَ هذه- بروايةٍ أخرى (٤/ ٢٧٩ - ٢٨٠) ليس فيها قتادة؛ وسنده صحيح، وفيه أنَّ ابن مسعود ﵁ أفتى بما وافق السنة، وهو مخرّج في "الإرواء" من طرق (٦/ ٣٥٧ - ٣٦٠).
٣٧ - "وقال عُمر ﵁: أيَّها الناس! اتَّهِموا الرأي على الدين، فقد رأيتُني يوم أبي جَنْدَل؛ ولو أستطيع أن أردَّ أمْرَ رسول اللَّه ﷺ لَرَدَدْتُه":
قال (الهدَّام) (١/ ١٧٥): "ذكره السيوطي في "الجامع الكبير" -كما في "الكنز" (١١/ ٣٥٢) - عن شقِيق أبي وائل؛ قال: سمعت سهل بن حُنَيف يقول بصفِّين: أيَّها الناس! اتهموا رأيكم. . . فذكره، ولم ينسبه إلى عمر، وأشار إلى أنَّ ابن أبي شيبة ونعيم بن حَمَّاد في "الفتن" قد أخرجاه"!
قلت: هذا التخريج كسابقه المتقدم برقم (١٨) -ونحوه (٢١) -، مما يدلُّ على قلَّة عنايته بكتب السنة ودراستها، فهو يجهل ما فيها من الأحاديث إلَّا بمقدار ما تدلّه عليها الفهارس الموضوعة والمتكاثرة في هذا الزمان، فإنَّ حديث سهل هذا قد أخرجه الشيخان وغيرهما، وهو مخرّج في الفصل الثامن من "الرد على ابن حزم. . . "؛ فكيف يليق بمن يَدَّعي الاجتهاد (! ) في هذا العلم -حتى يَرُدَّ على الحفّاظ النّقّاد- أن ينزلَ إلى هذا المستوى من التقليد