← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 150846

النصيحة بالتحذير من تخريب «ابن عبد المنان» لكتب الأئمة الرجيحة وتضعيفه لمئات الأحاديث الصحيحة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (274 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المنشور في آخر المجلد الأوّل من "سلسلة الأحاديث الصحيحة"، الطبعة الجديدة. ٨٠ - "عن عِمْران بن حُصَين، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يكون في أمتي قذفٌ وخسفٌ ومسخٌ"، فقال رجل من المسلمين: متى ذلك يا رسول اللَّه؟ ! قال: "إذا ظهرت القِيَان، والمعازف، وشُرِبت الخمور"، قال التِّرمذي: هذا حديث غريب": قلت: رَكَنَ (الهدَّام) هنا إلى تضعيف التِّرمذي إيّاه، وإشارته إلى ترجيح رواية الأعمش، عن عبد الرحمن بن سابِط، عن النبي ﷺ . . . مرسلًا، وأمّا في التصحيح والتحسين، فهو مُزْوَرٌّ عنه! ثم إنَّه -كعادته- كتم عن قرائه حالَ هذا المرسل، وهو صحيحُ الإسناد، فهو صالحٌ للاستشهاد به اتفاقًا، وللاحتجاج به عند بعض الأئمة، كمالك وغيره، كما هو معروفٌ في بحث (المرسل) من علم المصطلح وغيره، كتم هذا كلَّه، مُضِيًّا منه في غَيِّهِ، واستمرارًا في ضلاله وَهَدْمِه. . . ثم هو صحيحٌ اتفاقًا؛ لأنَّ له شواهدَ، منها حديث ربيعة الجُرَشي بإسناد صحيح -كما يأتي بيانه بعد حديثين، مع الرّد على (الهدَّام) الذي ضعفّه أيضًا (خبط لزق)! -. ٨١ - "وروى أحمد وأبو داود عن عبد اللَّه بن عَمْرو، أنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّ اللَّه حَرَّم على أُمَّتي الخمر، والميسر، والكوبة، والغُبَيراء، وكل مسكر حرام": ضعّف (الهدَّام) إسناده بالجهالة والانقطاع (١)، وهذا مما لا نقاش فيه؛ واللَّه يحبُّ العدل، ولكنَّ ذلك لا يعني أنَّ متن الحديث ضعيفٌ -أيضًا-؛

стр. 177

وذلك لأنَّ له شواهدَ تقوّيه، وهي مذكورةٌ في "الرَّد على ابن حزم"، وليس فيها ضعفٌ شديدٌ، ولكن (الهدَّام) من جنايته على السّنة أنَّه يخالف العلماء في تقوية الحديث بالطرق -كما تقدم التنبيه عليه مرارًا-، بل إنَّ بعضها إسناده صحيح لذاته، وهو ما ذكره (الهدَّام) نفسه من حديث أبي أحمد الزُّبيري, عن سفيان الثوري، عن علي بن بَذِيمة، عن قيس بن حَبْتَر، عن ابن عباس. . . به. وهذا إسنادٌ صحيحٌ، كما في "الصحيحة" (١٨٠٦): قيس، وعلي: ثقتان، والثوري، والزُّبيري لا يُسأل عن مثلهما؛ وقد احتجّ بهما الشيخان. وأمّا (الهدَّام)؛ فعاكسني، وأعلّه بالانقطاع الذي لم يقل به أحدٌ من قبله! فقال: "ولا أرى (! ) هذا الإسناد متصلًا، فإني لم أجد قيس بن حَبْتَر صرَّح في حديث صَحَّ إسناده إليه أنَّه سمع ابن عباس، وما ذُكر في إسناد أحمد أنَّه سأل ابن عباس فضعيفٌ، انفرد بها أبو أحمد الزُّبيري عن سفيان، وفي حديثه ضعفٌ عن سفيان -إن لم يُتابَع-، ولم يتابعه أحدٌ من أصحاب سفيان على الحديث". قلت: هذه الفقرة وحدَها كافيةٌ ليتبيَّن منها القراء شيئًا من خُلُق هذا الرجل، وعُجْبهِ، وغروره، وأنَّه ينظر إلى نفسه أنَّه وصل إلى مَصافِّ كبار الحفّاظ المتقدّمين (! ) الذين يجمعون الطرق الكثيرة للحديث الواحد، فيعلِّلون بها ويرجِّحون، فنقول لهذا (الهدَّام): (ليس هذا بِعُشِّكِ فادْرُجي)، فمن يجهل أحاديث في "الصحيحين"، فيعزوها إلى من دونهما طبقةً أو منزلةً -كما تقدم في الأحاديث رقم (١٨ و ٢١ و ٣٧ و ٥٦ و ٥٩ و ٦٣)، والحبل جَرّار- حَريٌّ به أن يعرف قدر حفظه، وأن لا يتَعدّى طوره فيقول: ". . . فإِنّي لم أجد. . . " إلخ! ! فمن أنت أيّها المسكين؟ ! وأنت لا تعلم أكثر المطبوع من متون السنّة؛ فضلًا عن

стр. 178

أن تقفَ عليها، أو تعرف طرقها، فضلًا عما لم يُطبع منها، فاستر على نفسك؛ فكفاك عُجبًا وغرورًا وفُضُوحًا! ثم إن خلاصة هُرائه المذكور؛ إعلال الحديث بعلتين: إحداهما: جهله بتصريح (قيس بن حَبْتَر) بالسماع من ابن عباس. قلت: وحكاية هذا يُغني عن ردّه، لأنَّه جهلٌ وكفى، ثم هو مبنيٌّ على ما انحرف إليه من مخالفة ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذي استقرَّ عليه علمُ المصطلح من الاكتفاء بالمعاصرة. والآخر وَضْعُهُ ضعفًا في (أبي أحمد الزُّبيري) في روايته عن سفيان الثوري، موهمًا بذلك القراء أنَّه ليس بحجَّةٍ في روايته عنه، وكاتمًا عنهم الأقوال الأخرى المزكِّية له، التي يراها كلُّ واقف على ترجمته، ولخّصهما الحافظ في "تقريبه" بقوله: "ثقة ثبت؛ إلّا أنَّه قد يخطئ في حديث الثوري". فقوله: "قد يخطئ" فيه إشارة إلى قِلَّة خطإه في حديث الثوري، ومثل هذا لا يضعِّف حديثَه عند العلماء، إلّا إذا تبيَّن خَطَؤُه، شأن كل ثقة موصوف بأنَّه قد يخطئ، ولذلك احتج به الشيخان، وَرَوَيَا له من حديثه عن الثوري، فضلًا عن غيره -كما في "تهذيب المزي"-، وصحّح له ابن حبان أحاديث كثيرة غير هذا، فانظرها إن شئت في ("الإحسان" - طبع المؤسسة)؛ وهذه أرقامها (٤٣٦ و ٨٨٩ و ٢٤٥٩ - وأشار فيه إلى حفظه - و ٣١٦٧ و ٣٢٨٣ و ٤٨٢٢ و ٥٨٤١ و ٦٠٧٢ و ٦٠٩٨)، وأكثرها مخرَّجة في كتابي "الصحيحة"، وغيره من مؤلّفاتي. وأما قوله: "ولم يتابعه أحد. . . " إلخ؛ فليس من شرط الحديث الصحيح

стр. 179

أن يتابع الثقة عليه -كما هو معلومٌ في علم المصطلح-. على أنَّ سفيان قد توبع عن علي بن بَذِيمة، كما ذكر (الهدَّام) نفسه، ففيم المشاغبةُ؟ ! وأمّا قوله أخيرًا: "وانظر الخلاف في إسناد هذا الحديث في "التحفة" (٥/ ١٩٨) ": فهو من تدليساته الكثيرة ليوهم القراء أنَّ فيه عِلَّة أخرى، والحقيقة أنَّه لا شيء منه، وذلك لأنَّ بعض الرّواة أدخل -بين علي بن بَذِيمة وقيس بن حبتر- سعيد بن جُبير؛ وهذه الزيادة في السند لو صَحَّت لا تضرّه، لأنَّ سعيدًا ثقة، إلّا أنَّ الحافظ المزي جزم بخطإِها تبَعًا لبعض الحفاظ، ونقل عن الخطيب أنَّه قال: "والصحيح عن علي بن بَذِيمة: ما رواه سفيان الثوري، عنه، عن قيس ابن حَبْتَر، عن ابن عباس". قال المِزِّي - عَقِبَه: "وليس لسعيد بن جُبير فيه ذكر". فبان جليًّا تدليسُه وقلبُه للحقائق، بل إنَّه بتلك الإحالة كان (كالباحث عن حتفه بظلْفِه)؛ فإن تصحيح الخطيب لرواية علي بن بَذِيمة تعود عليه بإبطال ما وضع فيها من عِلَّة الانقطاع بين قيس وابن عباس، إذ لو كان شيءٌ من ذلك صحيحًا؛ لبيَّنوه وتَكَلَّموا عليه -كما فعلوا برواية سعيد بن جبير-. وقد ختم (الهدَّام) تخريجَه للحديث، ومحاولتَه تضعيفَه بتلك الإحالة المدلَّسة، وأنا أختم ردّ محاولته بالجزم بصحّة الحديث -أولًا-، وبالتنبيه -ثانيًا- على أن تخريجه لهذا الحديث وختمه إياه بما ذكرت: لَيُؤَكِّد أنَّ همَّه

стр. 180

الأكبر من التخرِيج إنَّما هو الطعنُ فيما صَحّ من حديث رسول اللَّه ﷺ ، فإنَّه لو سلَّمنا -جدلًا- بأنَّ إسناد الحديث ضعيف -كما يرمي إليه (الهدَّام) -، فهل قوله ﷺ في آخره: "وكل مسكرٍ حرام" ضعيفٌ -أيضًا- عنده؟ ! مع أنَّه متفق عليه من حديث أبي موسى، ورواه جمع آخر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ -كما تراه مخرجًا في "الإرواء" (٢٣٧٣) -. فسكوتُهُ عنه من تمام هدمه للسنة الصحيحة، لا سيّما ولم يتقدم منه له تصحيحٌ أو يتأخّر، ولم يرد له ذكر في فهرسه آخر الكتاب، الأمر الذي يؤكد عليه أن يصرِّح وينبّه قراءه أنَّه صحيح، وأنَّ تضعيفه للحديث لا يشمله، هذا لو كان يبني ولا يهدم! واللَّه حافظٌ دينَه، وناصرٌ سُنّةَ نبيّهِ ﷺ ، واللَّه المستعان. ٨٢ - "وفي "الترمذي" و"المسند" بهذا الإسناد بعينه: أنَّ النبي ﷺ قال: "لا تبيعوا القَيْنَات، ولا تشتروهنّ، ولا تعلِّموهنّ، ولا خير في تجارةٍ فيهنّ، وثمنهنّ حرام"، وفي مثل هذا نزلت الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية" [لقمان: ٦]: ضعَّف (الهدَّام) إسناده جدًا (١/ ٣٧٧ - ٣٧٨)، ولم يبين عِلَّته، وأحال في ذلك بقوله: "وانظر تفصيله في تحقيقي لـ "الكبائر" (١) للذهبي"! ولا بُدّ أنَّه خَرَّب فيه وضَعَّف أحاديث صحيحة - كما فعل في "رياض الصالحين"، وهنا -والحبلُ جرّار-؛ وأستبعد جدًا أن يكون صَنِيعُهُ فيهِ بأحسن مما هو هنا! ! فإن الحديث وإن كان من رواية عبيد اللَّه بن زَحْر، عن علي بن يزيد. . . عن أبي أمامة -وعلي، وعبيد اللَّه ضعيفان-، فقد تعامى -هنا- وما أظنّه إلّا كذلك هناك - عن أنَّ لسبب نزول الآية شاهدًا عن جماعة من

стр. 181

السلف؛ منهم عبد اللَّه بن مسعود: فقد سئل عن هذه الآية؟ فقال: هو الغناء؛ والذي لا إله إلا هو! يُرَدِّدُها -ثلاث مَرّات-. أخرجه جماعةٌ من الأئمة بإسناد صحيح، وصحَّحه الحاكم، والذهبي، وابن القَيِّم في "الإغاثة" (١/ ٣٤٠) -، وقد علّقه عن أبي الصهباء: سألت ابن مسعود. . . وقد تعامى عنه؛ فلم يخرِّجه ولم يعلِّق عليه بشيء؛ ليشملَه بالتضعيف المطلق هنا، كما فعل بقوله ﷺ : "وكل مسكرٍ حرام" في الحديث الذي قبله، فتنبَّه! وكذلك لم يعلِّق على قول ابن القيم -هناك-، وقد ذكر الحديث بتمامه -كما هنا- وضعَّفَهُ: "إلّا أن للحديث شواهد ومتابعات، سنذكرها -إن شاء اللَّه- (ويعني التي هنا)، ويكفي تفسير الصحابة والتابعين لـ ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، بأنَّه الغناء، فقد صَحَّ ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر". وقد خَرَّجت هذه الآثار في "الصحيحة" تحت الحديث (٢٩٢٢)، وكذلك في رسالة "الرَّد على ابن حزم" في الفصل الثامن. ٨٣ - "وعن الغازي بن ربيعة -رفع الحديث-، قال: "لَيُمسخَنَّ قومٌ وهم على أريكتهم قردةً وخنازير بشربهم الخمر، وضربهم بالبرابط والقِيان": أعلّه بالإرسال، وضعّف بعض رجاله، ولم يسمِّه! ثم وصله -وتَعَمَّد تَعْمِيَتَهُ- "من طريق قتادة بن الفُضيل الرُّهاوي، عن هشام بن الغاز، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ أبا مالكٍ قال. . . فذكره مرفوعًا"، ثم قال: "وهذا إسناد ضعيف أيضًا"!

стр. 182

كذا قال! كتم ولم يبيِّن -كعادته! -، وعلى القراء أن يكونوا إمَّعَةً له! وليس في السند أحَدٌ معروفٌ بالضعف، بل إسناده جيد من مسندِ (ربيعة الجُرَشي) والد (الغاز)، وكذلك رواه ابن عساكر وغيره، وقَوّاه الحافظ، وهو مُخَرَّجٌ تحت الحديث السادس في رسالة "الرَّد على ابن حزم". وقوله -في السند-: "أنَّ أبا مالك"؛ من سوء فهمه وسرعة قراءته! فليس له ذكر في الإسناد. ٨٤ - "روى عبد اللَّه بن مسعود، قال: لعن رسول اللَّه ﷺ المُحَلِّلَ والمحَلَّلَ له": رواه الحاكم في "الصحيح"، والترمذي، وقال: "حديث حسن صحيح"، قال: "والعمل عليه عند أهل العلم، منهم عمر، وعثمان، وابن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين". ضعَّفَهُ (الهدَّام) بعد أن خَرَّجه بقوله (١/ ٣٨٥): "وهذا إسناد فيه نظر، فإن أبا قيس عبد الرحمن بن ثَرْوَانَ ليس بالحافظ، ولا يُحتمل تفرّده في مثل هذا الحديث (! )، وليّنه غير واحد، ولم يتابع ممن هو مثله" (١)! قلت: نظرته هذه -كغيرها من نظراته الكثيرة- منحرفةٌ عن علم المصطلح إلى هدمه للسنّة! متستّرًا ببعض ما قيل في الرّاوي! ومقدِّمًا للجرح على التعديل! خلافًا للعلم، وقد يقترن مع ذلك شيء من الكذب أو على الأقلّ: التدليس أو الجهل بأقوال العلماء، كمثل قوله المذكور: "ليّنه غير واحد"؛ فإنَّ أحدًا من الأئمة لم يُطلق القول في تليينه، وهو يشير بذلك إلى

стр. 183

قولين معروفين: أحدهما: قول أحمد فيه: "يُخالِف في أحاديث"، وهذا لا يُعَدُّ جَرحًا مسقطًا لحديثه؛ لأن كثيرًا من الثقات لهم مخالفات، ومع ذلك فحديثهم حجَّة إلا عند ظهور مخالفتهم لمن هو أوثق منهم، ولا شيء من ذلك هنا. وقد أشار إلى هذا الإمام أحمد -في روايةٍ عنه كما في "التهذيب"-: "ليس به بأس". فسقط تشبُّثُهُ بالقول الأول! وأمّا الآخر؛ فهو قول أبي حاتم: "ليس بالقوي": فهذا لا يعني أنَّه ضعيف، لأنَّه ليس بمعنى: "ليس بقوي"؛ فبين هذا وبين ما قال فرقٌ ظاهرٌ عند أهل العلم، ويؤيِّده أنَّه سُئل: كيف حديثه؟ فقال: "صالح، هو ليِّن الحديث". فهذا يعني أنَّه وَسَطٌ حسن الحديث، وقد تقدّم من كلام أبي حاتم -نفسه- تفسير قوله: "صالح"؛ بأنّه يعني حسنَ الحديث. فسقط -أيضًا- تشبُّثُهُ بهذا القول الثاني! وتبيّن أنّه لا مستند له في وضعه ضعفًا في عبد الرحمن هذا، وأنَّ حديثه حسن عِنْدَ هذين الإمامين. وعلى التنزُّل، فهو معارَض بتوثيق الجمهور له، ومنهم الإمام البخاري، فقد احتج برواية عبد الرحمن -هذا- عن هُزَيل في "الصحيح" -كما في "تهذيب المزي" - وغيره-. وقال الذهبي في ترجمته من "الكاشف": "ثقة". وقال الحافظ: "صدوق؛ ربما خالف".

стр. 184

فهذا يدلُّ القارئ دلالة قاطعة على أنَّ الرجل -مع إعراضه عن أقوال العارفين بهذا العلم-: يُحَمِّل أقوال بعضهم ما لا تحتملُ من الجرح. وإنَّ مما يؤكِّد ذلك؛ أنَّ الحفاظ النقاد مِن بعدهم صحّحوا هذا الحديث على شرط البخاري؛ منهم ابن القطان الفاسي، وابن دقيق العيد -كما ذكر الحافظ في "التلخيص"، وأقرَّهما-، وصحّحه -أيضًا- التِّرمذي، وابن حزم في "المحلّى" (١٠/ ١٨٠)، وعبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الصغرى" (٢٨٦٢١)، وابن تيمية، وابن القيم -وغيرهم كثير وكثير-. وقد خَرَّجت له في "الإرواء" (٦/ ٣٠٧ - ٣١١) -تبعًا للزيلعي في "نصب الراية"، وابن القيِّم هنا- شواهد عن خمسة من الصحابة، ولبعضهم عنه أكثر من طريق، وقد ضَعَّفها (الهدَّام) كلّها. ولو سُلَم بذلك -جَدلًا- لكاد مجموعها يَدُلّ على أنَّ للحديث أصلًا أصيلًا، كيف لا؟ ! وحديث ابن مسعود هذا -وحده- صحيحٌ رغم أنف (الهدَّام)، وحديث أبي هريرة قويٌّ، وقد حسَّنه البخاري، وصحّحه ابن الجارود، والزيلعي (٣/ ٢٣٩). وإن من جهل (الهدَّام) وغروره؛ أنَّه لم يُعجبه تحسين البخاري وتوثيقه لراويه! وقال فيه -كعادته-: "فيه نظر"! ! ثم هذى ما شاء له هواه مِن الهَذَيان! وإنَّ مما يؤكّد خروجَه عن ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أنَّ الحديث قد عمل به كبارُ الصحابة وفقهاء التابعين -كما تقدم في كلام الترمذي-، ولقد كان هذا كافيًا ليعرفَ -مِن نفسهِ- انحرافه وضلاله، ولكن صَدَق من قال: لا ترجع الأنفسُ عن غيِّها ... ما لم يكن منها لها زاجِرُ وإنَّ من جَنَفِه وهدمهِ؛ أن ابن القيم ذكر لحديث ابن مسعود رواية أخرى أتمَّ -بلفظ-:

стр. 185

لعن رسول اللَّه ﷺ الواشِمَةَ والمستوشمةَ، والواصلة والمستوصلة، والمحلِّل والمحلَّل له، وآكل الرّبا وموكله. فضعَّفه (الهدَّام) بجهالة أحد رواته، متجاهلًا الشواهد التي سبقت الإشارة إليها، كما أنَّه أفهم القراء ضعفَ هذا اللَّفظِ بتمامه، بسكوته عن تضعيفه إيّاه، وذلك سن خُطَّته في الهدم، مع أنَّ الحديث في غاية الصِّحة؛ فإنَّ جملة (الوشم والوصل) أخرجها الشيخان -وغيرهما- من طرقٍ عن ابن مسعود، وهو مخرّج في "آداب الزفاف" (ص ٢٠٣ - المكتبة الإسلامية). وجملة (المحلِّل والمحلَّلِ له) عَرَفْتَ صِحَّتها عن ابن مسعود -أيضًا- وشواهدها. وجملة (آكل الرِّبا وموكله) أخرجها مسلم وغيره من طريق علقمة، عن ابن مسعود، وهو مخرّج في "الإرواء" (٥/ ١٨٤)، وله فيه شاهدٌ من حديث أبي جُحيفة، أخرجه البخاري وغيره، وآخر من حديث جابر، رواه مسلم وغيره. فلْينظر القراءُ مبلغَ جنايةِ هذا الرجل على السنة الصحيحة، وطرقَ محاولته الهدم فيها -عامله اللَّه بما يستحق! -. ٨٥ - "وعن عُقبة بن عامر ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ ! "، قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: "هو المحلِّل، لعن اللَّه المحلَّل والمحلَّل له"، رواه ابن ماجه بإسنادٍ رجاله كلهم موثّقون، لم يجرح واحدٌ منهم": قلت: يعني بجرح قادح، وهو كما قال، ولذلك حسّن إسناده عبد الحق الإشبيلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وصحّحه الحاكم، والذهبي، والزيلعي (٣/ ٢٣٩)، وهو مخرَّج في "الإرواء" (٦/ ٣٠٩ - ٣١١) من طريقين عن الليث

стр. 186

ابن سعد، قال -في طريق عثمان بن صالح المصري - عنه-: قال لي أبو مصعب مِشْرَح بن هاعان، عن عُقبة -وقال في رواية عبد اللَّه بن صالح عنه: سمعت مِشْرَح بن هاعان. . . به-. قلت: وهذا الإسناد حسنٌ متصلٌ، وأعلّه (الهدَّام) بعلتين: الانقطاع، وضعف مِشْرَح! ! أمّا الانقطاع، فتشبَّث بما نقله عن البخاري من استنكاره سماع الليث من مِشْرَح، ونحوه عن أبي زُرعة، وهو مذكورٌ في "الإرواء". وجوابًا عليه أقول: هذا الاستنكار كان يمكن أن يكون مقبولًا، لولا أنّه معارض بما يُثبت ما أَنكرا، وهو قول الليث: "قال لي"، وفي الرّواية الأخرى: "سمعت مِشرح. . . "؛ والمثبت مقدَّم على النافي كما هو معلوم، ولا سيما والليث بن سعد إمام من أئمَّة المسلمين، ولا يعرف في (المدلسين). وابن صالح -وإن كان فيه كلامٌ-؛ فهو متابع من عثمان، وهو ثقة من شيوخ البخاري، ولذلك ردّ الإعلالَ المذكورَ الحافظُ الزيلعيُّ بقوله: "وأبو صالح مختلف فيه، وإلّا فالحديث صحيحٌ من عند ابن ماجه، فإنَّ شيخ ابن ماجه يحيى بن عثمان ذكره ابن يونُس في "تاريخ المصريين"، وأثنى عليه بعلم وضبط، وأبوه عثمان بن صالح المصري ثقةٌ أخرج له البخاري، وأمّا مِشْرَح بن هاعان، فوثّقه ابن القطان، ونقل عن ابن معين أنَّه وثَّقه، والعلّة التي ذكرها ابن أبي حاتم لم يُعَرِّج عليها ابن القطان ولا غيره". قلت: وهذا ردٌّ علميٌّ قويٌّ قويٌّ من الحافظ الزيلعي، ولذلك تجاهله (الهدَّام) كما تجاهل غيرَه مما سأذكر، مما يُعرقل عاجه هَدْمَه، فقال عَقِبَ تخريجه للحديث (١/ ٣٨٨):

стр. 187

"وزِيدَ في مطبوع "ابن ماجه": "لي"؛ فصارت كالسماع، وهو خطأٌ صوابه في "التحفة" (٧/ ٣٢٢) ". فأوهم القراء -مُلَبِّسًا مُدَلِّسًا- أنّ قول (الليث بن سعد): "قال لي" زيادةٌ من الطابع، وهذا من معانداته التي يُمهِّد بها للهَدْم وقلب الحقائق، دونما حياء أو خجل؛ فإنَّ هذه الزيادة -"لي"- ثابتة في نسخ قديمة من "سنن ابن ماجه"، وعليها اعتمد الحافظ الزيلعي في ردّه المتقدِّم، وكذلك فعل الحافظُ الحافظ في "التلخيص"، فقال (٣/ ١٧٠ - ١٧١) -تعقيبًا على استنكار البخاري وأبي زُرعة-: "قلت: ووقع التصريح بسماعه في رواية الحاكم، وفي رواية ابن ماجه عن الليث: "قال لي مِشْرَح"، ورواه ابن قانع في "معجم الصحابة" (١) من روايد عُبيد بن عُمير، عن أبيه، عن جده، وإسناده ضعيف". هكذا يتجاهل (الهدَّام) الحقائق، فهل ترك مجالًا لأحدٍ أن يظنّ به خيرًا! ويطمع منه أن يأتي بما هو عليه، مثل رواية الرُّوياني في "مسنده" (١٩/ ١١/ ٢)؛ من طريق شيخ ابن ماجه، عن أبيه، عن الليث، قال: "سمعت. . . "، هكذا "سمعت" مكان: "قال لي"؛ فهل هذا وما قبله خطأٌ مطبعيّ أيها (الهدَّام) اللَّوْذَعِيّ؟ ! وأمّا قوله: "صوابه في "التحفة". . . ": فهو من تدليسه - بل كذِبهِ -أيضًا-؛ فليس فيه أيُّ تصويبٍ، وكل ما فيه أنَّه ساق رواية ابن ماجه كما وقعت له:

стр. 188

"قال: قال مِشْرَح. . . ". بقي الجوابُ عن العلّة الأخرى؛ وهي تضعيفه لِمِشْرَح، قال: "قلت: ومِشْرَح بن هاعان فيه ضعفٌ، وقال ابن حبان: يروي عن عقبة مناكير لا يتابع عليها، فالصواب تركُ ما انفرد به". قلت: والجواب من وجهين: الأوّل: قد ذكرت أكثر من مَرَّة أن كون الرّاوي فيه ضَعْفٌ لا ينفي حُسْنَ حديثه، وكل الأحاديث التي يُحَسِّنها (الهدَّام) -على قلَّتها- هي من هذا القَبِيل، وإلّا كانت صحيحة! ولكنه يغالط ويكابر. والآخر أن قول ابن حبان المذكور مُعارَضٌ بتوثيق ابن معين، والعجلي، ويعقوب الفَسَوِيِّ، وكذلك ابن حبان -نفسِهِ- في "الثقات" (٥/ ٤٥٢)، وروى له حديثًا في "صحيحه" (٦٠ ٨٦ - "إحسان")؛ لكن مَنْ دونه مجهولٌ؛ ولذلك خرَّجته في "الضعيفة" (١٢٦٦). ٨٦ - "أحمد. . . عن داود بن الحُصَين، عن عِكرمة -مولى ابن عباس-، عن ابن عباس، قال: طلّق رُكانة بن عبد يزيد أخو المطَّلب امرأتَه -ثلاثًا- في مجلس واحد. . . فسأله رسول اللَّه ﷺ : "كيف طَلَّقْتَها؟ "، قال: طَلَّقْتُها ثلاثًا، قال: "في مجلس واحد؟ "، قال: نعم، قال: "فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت"، قال: فراجعها؛ ورواه الحافظ المقدسي في "مختارته" التي هي أصحُّ من "صحيح الحاكم"": ضعفه (الهدَّام) بداود هذا، وتجاهل طريق ابن جريج، عن بعض بني رافع -المخرَّج عنده قبل هذا-، كما تجاهل تصريحَ ابنِ القيم -من قبل- بصحّته (ص ٤٠٨)، وتصحيح الضياء المقدسي هنا، والمحقق أحمد شاكر في

стр. 189

تعليقه على "المسند"، وغيره، كما تجاهل طريق طاوس، عن ابن عباس، قال: كان الطلاقُ على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وسَنتين من خلافة عمر -طلاقُ الثلاث- واحدةً، فقال عمر ﵁: إنَّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيهِ أَنَاةٌ، فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم؛ وهو مخرّج في "الإرواء" (٧/ ١٢٢)، و "صحيح أبي داود" (١٩١٠) من رواية مسلم وغيره، وعزاه (الهدَّام) فيما تقدم (١/ ٤٠٨) لمسلم وحده! ولم يُظهر موقفه الحقيقي منه، ومعه ظاهرُ القرآن وإجماع الصحابة في عهد الصدِّيق، وأوَّل خلافة عمر؛ كما قرَّره ابن القيِّم، ومن قبله شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه اللَّه تعالى-. ثم رأيتُ الحافظ نقل في "الفتح" (٩/ ٣٦٢) تصحيح أبي يعلى لحديث داود، فأقرّه، بل وأيَّده وقوّاه بحديث مسلم. ٨٧ - "وأمر رسول اللَّه ﷺ عبد اللَّه بن عمر ﵄ لمّا طلَّق امرأته في حيضها أن يُراجِعَها": قال (١/ ٤٢٩) في تخريجه: "أخرجه مسلم (١٤٧١) "؛ ولم يزد! وهذا تقصيرٌ فاحشٌ في فنّ التخريج، يُنبئ عن غايته من التخريج -كما نبّهت مرارًا-! ! فإنَّ الحديث متفق عليه بين الشيخين، أخرجاه من طرق كثيرة عن ابن عمر، ولا يجوز عند العلماء عزوُ الحديث لغير البخاري وهو عنده؛ لما هو مُتَّفَقٌ عليه أنَّه أصحّ كتب السنة. وقد خرَّجتُ الحديث -بتوسُّع- في "الإرواء" (٧/ ١٢٤، ١٣٢)، مع تحقيق القول في هذه الطلقة؛ هل حُسبت على ابن عمر أم لا؟ بما قد لا تراه في مكان آخر؛ واللَّه أعلم. ٨٨ - "قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن شَقِيق، سمع أنسًا

стр. 190

يقول: قال عمر في الرّجل يطلِّق امرأته -ثلاثًا- قبل أن يدخل بها، قال: هي ثلاث ﴿لا تحلُّ له حتى تنكح زوجًا غيره﴾، وكان إذا أُتي به أوجعه": قال (الهدَّام) (١/ ٤٥٠): "أخرجه البيهقي (٧/ ٣٣٤) من طريق سعيد ابن منصور، وإسناده حسن"! كذا قال؛ اقتصر فيهِ على التحسين، وضَنّ عليه بالتصحيح، مع أنَّه صحيحٌ لا غُبار عليه، فسفيان: هو ابن عُيينة؛ أشهر من أَن يذكر، وشقيق: هو ابن أبي عبد اللَّه الكوفي؛ ثقةٌ بلا خلاف مع تابعيَّته، وروى عنه جمعٌ من الحفّاظ. ثمّ إنَّه لو كان محقِّقًا -كما يزعم-؛ لم ينزل في تخريجه إلى البيهقي! وَلَعَلا إلى "سنن سعيد بن منصور" -وقد أخرجه البيهقي من طريقه-؛ فإنَّه أخرجه فيه (٣/ ١/ ٢٦٠/ ١٠٧٤)؛ وقال -أيضًا- (١٠٧٣): نا أبو عَوانة، عن شقيق. . . به. وهذا صحيحٌ أيضًا، وصحَّحه الحافظ (٩/ ٣٦٢). ٨٩ - ". . . عن بُكَيْر، عن نُعمان بن أبي عَيّاش، قال: سأل رجلٌ عطاءَ ابن يَسَار عن الرّجل يُطلِّق البِكْر ثلاثًا؟ فقال: إنَّما طلاق البكر واحدة. . . ": قال (١/ ٤٥٦): "أخرجه عبد الرّزاق (١١٠٧٤)؛ وهو في "الموطإ" (٢/ ٥٧٠)، ورجاله ثقات"! قلت: هذا جَهْلٌ في فنِّ التخريج والتحقيق، والصواب أن يقال: أخرجه مالك في "الموطإ". . . وعنه عبد الرزاق. . . بإسناد صحيح، رجاله ثقات. ٩٠ - "التعزير بالقتل لمدمن الخمر في المرَّة الرابعة": خرّجه (١/ ٤٦٢) من رواية أصحاب "السنن" -وغيرهم- عن معاوية

стр. 191

-مرفوعًا-: "إذا شربوها فاجلدوهم. . . ثم إذا شربوها فاقتلوهم"، ثم من حديث أبي سعيد، ومن حديث أبي هريرة؛ ولم يبيّن رأيه فيه تصحيحًا أو تضعيفًا! نعم؛ قال في حديث أبي سعيد: "وهو وهم"! وسكت عن إسناد الآخرين! وعهدي به أنَّه يحسِّن حديث عاصم ابن بهدلة -كما فعل في حديثه المتقدم (١/ ٢٧٢) عن ابن مسعود: "إنَّ من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد"-، وحديثُ معاوية من طريق عاصم هذا، ثم قال: "وانظر تمام تخريجه في "الإحسان" (٤٢٤٧) ". وهذا لا يعني عنده بالضرورة أنَّه يتبنّى تصحيحَه إياه، فكم من تصحيحات هناك خالفها (الهدَّام) بغير حق، ولذلك كان من الواجب عليه أن يُظهر رأيه في هذا الحديث، ولا يتكتّم ولا يجبُن! وهو في الحقيقة في غاية الصّحة؛ فإنَّ له شواهد كثيرة عن جمع آخر من الصحابة، أشرت إليهم في "الصحيحة" (١٣٦٠). وقد بَسَطَ الكلام عليها بسطًا شافيًا: العلّامة أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "المسند" (٩/ ٤٩ - ٩٢) في بحث علميٍّ دقيقٍ؛ روايةً ودارايةً، لا تجده عند غيره؛ جزاه اللَّه خيرًا. وقد قال الحافظ في "الفتح": "وهو حديث مخرّج في "السنن" من عدّة طرق؛ أسانيدها قويّة". ٩١ - "وعزم ﷺ على التعزير بتحريق البيوت على المتخلّف عن حضور الجماعة، لولا ما منعه من تعدّي العقوبة إلى غير من يستحقّها من النساء والذُّرِّيَّة":

стр. 192

خرَّجَهُ (الهدَّام) (١/ ٤٦٢ - ٤٦٣) برواية الشيخين: "من حديث أبي هريرة بلفظ: "والذي نفسي بيده لقد هَممْتُ أن آمُرَ بحطب فَيُحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذَّن لها، ثم آمر رجلًا فيؤمُّ الناس، ثم أُخالف إلى رجالٍ فأُحرِّق عليهم بيوتهم. . . "؛ انظر "الإحسان" (٢٠٩٦) ". قلت: وهذا التخريج يُضَمُّ إلى ما سبق من التخاريج الدّالة على جهل الرّجل بالسنة، وأنّه لا يستحضر منها إلّا ما دلّته عليه الفهارس! ! فإنَّه لم يخرِّج الجملة التي في كلام ابن القيِّم: "لولا. . . "؛ وليست ثابتةً في شيء من طرق الحديث الكثيرة. وقد كنت خرّجته من خمسة طرق صحيحة في "الرّوض النضير" (١١١٣) -منذ نحو ستين سنة! -، وأتبعتها بطريق سادس من رواية الطيالسي وأحمد؛ من طريق أبي مَعْشَر، عن سعيد، عن أبي هريرة. . . -مرفوعًا- بلفظ: "لولا ما في البيوت من النساء والصبيان (ولفظ أحمد: والذريّة)؛ لأمرت من ينادي بالصلاة -يعني: صلاة العشاء الآخرة-، ثم أُحَرِّق على قومٍ -يتخلَّفون عن الصلاة- بيوتهم". وأبو مَعْشَر -هذا- ضعيفٌ ج ولذلك لم أذكر هذه الرّواية في كتابي "صحيح الترغيب والترهيب" (١/ ٢٤٤)، وقد عزاها المنذري في "الأصل" (١/ ١٩٤) لأحمد وسكت عنها، وأعلّها الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٤٢) بضعف أبي مَعْشَر. كل هذا خفي على (الهدَّام) -لِضِيقِ عَطَنهِ وقلّة علمهِ-، واللَّه المستعان! ٩٢ - "وأخبر عن تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر ماله": خرّجه (الهدَّام) من رواية أبي داود والنسائي فقط! من طريق بَهْزِ بن

стр. 193

حكيم، عن أبيه، عن جده، وقال (١/ ٤٦٣): "وفي هذا الإسناد كلام، وحسَّنه بعضهم؛ ولا يحتمل". قلت: يشير إلى تحسيني إيّاه في "الإرواء" (٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤)؛ وقد صحّحه ابن الجارود، والحاكم، والذهبي -كما ذكرت هناك-، وكذا صحّحه ابن دقيق العيد في "الإلمام" (٢١٨/ ٥٢٧)، و (الهدَّام) -على منهجه المنحرف عن الجماعة- يأخذ أسوأ ما قيل في الرّاوي! مقدّمًا الجرح على التعديل مطلقًا! ! وهذا مذهبٌ باطلٌ -بداهةً-؛ لا يقول به إلا جاهل أو مُغْرضٌ. ولْيتأمّل القراء معي أقوالَ بعض الموثِّقين لبهز بن حكيم من المتقدّمين والمتأخّرين؛ تتبيَّن لهم حقيقة الرجل! سُئل ابن معين عنه؟ فقال: "إسناد صحيح؛ إذا كان دون بهز ثقة". وكان أحمد وإسحاق يحتجّان به. وقد تكلّم فيه بعضُهم بغير حجة، ولذلك وثّقه الحفّاظ الذين وقفوا عليه: فقال الذهبي في "الكاشف": "وثَّقه جماعةٌ، قال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا". وقال في "تاريخ الإسلام" -وقد ردّ على بعض من تكلّم فيه-: "وحديثه قريبٌ من الصّحة". وقال في "المغني": "صدوق فيه لِينٌ، وحديثه حسن، وثقه ابن المديني، وابن معين، والنسائي. . . ". وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق". فقول (الهدَّام): (تحسين حديثه لا يُحتمل)! هو الذي لا يُحتمل؛ ويُضْرَبُ به عُرْضَ الحائط.

стр. 194

ثم إن الحديث طَرَفٌ من حديث زكاة الإبل؛ ولفظُه: "لا يُفَرَّقُ إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرًا فله أجرُها، ومن أبى فإنا آخِذوها وشطرَ ماله، عَزَمَةٌ من عزمات ربنا، لا يحلُّ لآل محمد ﷺ منها شيء". ٩٣ - "وعَزّر من مثَّل بعبده بإخراجه عنه، وبإعتاقه عليه": أخرجه من رواية أحمد وغيره؛ من طريق عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده. قال: "وفيه ضَعْفٌ". قلت: هذا لا ينافي حُسْنَه -كما نبّهت على ذلك مرارًا-، على أنَّ (الهدَّام) متناقِضٌ في هذه الرّواية؛ فقد سَبَقَ -عنه- تحسينُها -كما تقدّم بيانه تحت الحديث (١٦) -؛ فراجعه. وهذا الحديث قد خرَّجته محسَّنًا -من طرق عن عمرو بن شعيب- في "الإرواء" (٦/ ٤٦٨ - ١٦٩)، وفيه: أنَّ النبي ﷺ قال للعبد الممثَّل به: "اذهب فأنت حرٌّ". ٩٤ - "وعزَّر بتضعيف الغُرم عن سارق ما لا قطع فيه، وكاتم الضالّة": أعَلَّ حديثَ السارق بأنَّه من رواية عمرو بن شعيب. . . بقوله: "وفيه كلام"! وقد عرفتَ جوابه آنفًا، وأنَّه حسن، وهو مُخَرَّجٌ في "الإرواء" (٨/ ٦٩ - ٧١)، وقد حسَّنه التِّرمذي، وصحَّحه ابن الجارود، والحاكم، والذهبي، وابن دقيق العيد (٣٧٢/ ٩٩٨)؛ وهو في "صحيح أبي داود" -أيضًا- برقم (١٥٠٤)، ولفظه: "من أصاب بِفِيهِ من ذي حاجة غيرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً؛ فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامةُ مثليهِ والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يُؤوِيَه الجرين فبلغ ثَمَنَ المِجَنّ؛ فعليه القطعُ".

стр. 195

وأعلَّ حديث (كاتم الضالّة) بأن في إسناده مَنْ هو ضعيفٌ، وبالشكِّ في وصله عن أبي هريرة! وجهل أو تجاهل بأنَّ له شاهدًا من حديث عمرو بن شعيب في بعض الطرق عنه؛ رواه أحمد (٢/ ١٨٦)؛ فهو به صحيحٌ، وهو في "صحيح أبي داود" (١٥١١)، وانظر "الإرواء" (٨/ ٧١). ٩٥ - "حَبَسَ ﷺ في تهمةٍ ليتبين حال المتهم". خرَّجه (الهدَّام) من رواية التِّرمذي وغيره من أصحاب "السنن" من حديث مَعْمَر، عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، وقال: "وفي هذا الإسناد كلام". قلت: تقدَّم قبل حديثين الرّدُّ على مثل هذا الكلام، وبيان أنَّه لا ينافي أنَّه إسناد حسن، وقد صحَّحه ابنُ معين إذا كان دون بهزٍ ثقةٌ، ومَعْمَرٌ ثقةٌ من رجال الشيخين، وقد كتم (الهدَّام) -كعادته- تحسينَ التِّرمذي إيّاه، وكذا تصحيحَ الحاكم (٤/ ١٠٧)، والذهبي! ! وذكر له الشوكانيُّ شاهدًا من حديث أبي هُريرة في "السيل الجرار" (٤/ ٣٧٦)؛ لكنْ فيه متروك، ففي حديث بهز بَرَكَةٌ. ٩٦ - "أنَّ النبي ﷺ أمر عبد اللَّه بن عُمَر أن يطيع أباه؛ لما أمره بطلاق زوجته": خرَّجه برواية أصحاب "السنن" الثلاثة -منهم الترمذي- من حديث ابن عير، ثم أعَلَّه بقوله (١/ ٤٦٥): "وفيه الحارث بن عبد الرحمن -خال ابن أبي ذئب-، وفيه نَظَرٌ لجهالته"! قلتُ: وكذا قال (الهدَّام) في تعليقه على طبعته لـ "رياض الصالحين" (٢٤٣/ ١٣٤)! ولكنّه لم يَحْشُرْهُ في زمرة الأحاديث الضعيفة التي ذيّل بها

стр. 196

لطبعتِهِ، وفيها عشراتُ الأحاديث الصحيحة التي جنى عليها، وهذا منها. وإعلالُهُ إياه بالجهالة مُعَارَضٌ بقول من وثّقه، فقال أحمد، والنسائي: "ليس به بأس"، وقال ابن معين: "يُروى عنه وهو مشهور" -كما في "تاريخ الدارمي" (٩٨/ ٢٢٤) -، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ١٣٤)، وقال: "غزا مع جماعة من أصحاب النبي ﷺ ". فأعرض (الهدَّام) عن أقوال هؤلاء العارفين الموثِّقين إلى قول من جهّله؛ ضربًا بقاعدة: (من علم حُجَّة على من لم يعلم) عُرْضَ الحائط، وكتم -أيضًا- قول التِّرمذي: "حديث حسن صحيح"؛ فضلًا عن تصحيح الحاكم الذي لم يَعْزُهُ إليه، وعن موافقة الذهبي إيّاه، وتصحيح ابن حبان -أيضًا-، كما أعرض عن قول الذهبي، والحافظ فيه: "صدوق"؛ ولذلك أقرّ في "الفتح" (٩/ ٦٣١) تصحيح التِّرمذي، وابن حبان، والحاكم، وكذلك فقد كنت حسّنته في "الصحيحة" (٩١٩)؛ فعاكسني (الهدَّام) بهذا الغُثاءِ الذي رأيتَ! وقد وهم المعلِّق على "الإحسان"؛ فقال (٢/ ١٦٩ و ١٧٠): "إسناده صحيح على شرط الشيخين"! ! وإنّ من غَفَلات (الهدَّام) الكثيرة -والتي تدلُّ على أنَّه لا تحقيق عنده حتى في تصحيح تجارِب المطبعة-: أنَّ هذا التخريج والإعلال وقع عنده تعليقًا على حديث (بيع أمهات الأولاد) الذي غفل أيضًا عنه؛ فلم يُخَرِّجْه! ! وهو مخرَّجٌ في "الإرواء" (٦/ ١٨٩) بإسنادين صحيحين عن جابر بن عبد اللَّه ﵁. ولعلّه تَعَمّد التهرُّبَ من تخريجه لأنّه غير معقول عنده! ولم يجد مجالًا لإعلاله، فرأى أن (الهروبَ ثُلُثا الشجاعة) كما يُقال في بعض البلاد! ! واللَّه أعلم بما في نفسه!

стр. 197

٩٧ - "وقد قال ﷺ : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له": جزم ابنُ القَيِّم بنسبته إلى النبي ﷺ ، وهو الصوابُ الذي عليه العلماء، وحَسَّنه الحافظ العسقلاني، والسخاوي -وغيرهما- لشواهده-، وأشار إلى ذلك الحافظ المنذري في "الترغيب" (٤/ ٧٥/ ١٧)، وجريت على ذلك في "الضعيفة" -تحت الحديث (٦١٥) -، وأوردته في "صحيح الجامع الصغير" (٣٠٠٥). وأما (الهدَّام): فضَلّ -كعادته-، عن السبيل، فَخَرَّجه (١/ ٤٦٩) من رواية ابن ماجه فقط عن ابن مسعود؛ وقال: "وفيه انقطاع، ولا يصح في الباب شيء"! ! وهذا أَثَرٌ من آثار انحرافه عن قواعد العلماء؛ التي منها تقوية الحديث بالطرق، فهو لا يرفع إليها رأسًا، هداه اللَّه! ٩٨ - ". . . عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ النبي ﷺ قال: "البَيِّعان بالخيار حتى يتفرَّقا، إلّا أن يكون صفقةَ خيارٍ، ولا يحلُّ له أن يفارقه خشية أن يستقيله"؛ رواه أحمد، وأهل "السنن"، وحَسَّنه الترمذي": أعلّه (الهدَّام) (١/ ٤٨١) بقوله -كعادته-: "وفي هذا الإسناد كلام". وقد عَرَفْتَ الجواب عنه قريبًا، وقد صحَّحه ابن الجارود، وابن دقيق العيد في "الإلمام" (٣٣٦/ ٨٨١)، والحافظ في "الفتح" (٤/ ٣٣١) بسكوته عنه، وعزاه في "بلوغ المرام" لابن خزيمة في "صحيحه"، وهو مخرجٌ في "الإرواء" (١٣١١). ٩٩ - "روى محمد بن عمرٍو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، وتستحِلُّوا محارم اللَّه بأدنى

стр. 198

الحيل"، رواه أبو عبد اللَّه بن بَطّة. . . وهذا إسناد جيد يُصَحِّح مثلَه الترمذيُّ": قال (الهدَّام) (١/ ٤٨١): "وذكره ابن كثير في "تفسيره" في موضعين (١/ ١١٤ - ١١٥) و (٢/ ٢٨٦)، وقال: "هذا إسناد جيد، فإنَّ أحمد بن محمد ابن سلم هذا؛ ذكره الخطيب في "تاريخه" ووثقه، وباقي رجاله مشهورون ثقات، ويُصحِّح التِّرمذي بمثل هذا الإسناد كثيرًا"؛ قلت: لم أجده في "تاريخ بغداد"؛ فالحديث يبقى ضعيفًا". قلت: كنت ذكرتُ هذا النفيَ في تخريج الحديث في "الإرواء" (٥/ ٣٧٥)، فقلَّدني (الهدَّام) فيه -كما ترى-، ثم تراجعت عنه حين وجدت ترجمته في "التاريخ" (٤/ ٣٦٢) -بدلالة أحد الإخوان - جزاه اللَّه خيرًا-؛ فإِذا هو فيه هكذا: "أحمد بن محمد بن أحمد بن سلم"؛ فـ (سلم) جَدّ والدِ (أحمد)، وقال الخطيب: "وكان ثقة". لكنّ للحديث علَّةً أخرى؛ كنت ذكرتها في "غاية المرام" (٢٣ - ٢٤)؛ فلْيراجعها من شاء (١). ١٠٠ - "روى ابن ماجه عن عُبادة بن الصامت -يرفعه-: "يشرب ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها"، ورواه الإمام أحمد؛ ولفظه: "ليستحلّنَّ طائفة من أمتي الخمر، يسمُّونها بغير اسمها": قال (الهدَّام) (١/ ٤٨٥): "أخرجه ابن ماجه (٣٣٨٥)، وأحمد (٥/ ٣١٨)، وإسناده ضعيف"! كذا قال -فُضَّ فُوهُ-، ولم يذكر له علّة، وليس فيه مضعَّفٌ ولا علّةٌ

стр. 199

تُذكر، بل إسنادُهُ جيد، ومع ذلك فإنَّه تعامى عن رواية أحمد -الأخرى- (٤/ ٢٣٧) من طريق شعبة، عن أبي بكر بن حفص، قال: سمعت ابن مُحَيْريز، يحدِّث عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ أُناسًا من أُمتي يشربون الخمر، يسمّونها بغير اسمها". وهذا إسناد صحيح كالشمس، ورجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين، والصحابةُ كلهم عدولٌ. كما تعامى عن شواهدهِ الكثيرةِ من حديث عائشة، وأبي أُمامة، وابن عباس، وأبي مالك الأشعري، وكلُّها بين عينيه مخرّجةٌ في "الصحيحة" (٩٠، ٤١٤)؛ فتجاهل ذلك كلَّه مشاكسةً ومعاندةً واستكبارًا، نعوذ باللَّه من الخِذلان! ١٠١ - "وقال عُمر بن الخطاب ﵁: إيّاكم وأصحاب الرأي، فإنَّهم أعداء السنن، أعيتْهم الأحاديثُ أن يحفظوها، وتفلَّتت منهم أن يعوها، واستحْيَوْا -حين سُئلوا- أن يقولوا: لا نعلم! فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإيّاهم": قلت: لم يخرجه (الهدَّام)، واقتصر على قوله (١/ ٤٩٠): "انظر "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر (٢/ ١٣٥) "! فأقول: كأن مقصوده من هذه الإحالة -التي لا يستفيد منها القراء شيئًا- إنَّما هو التهرُّب من تخريجه وبيان مرتبته! والواقع أنَّ ابن عبد البر أخرجه من طرق عن عُمر؛ بعضُها منقطعٌ، وبعضها مُتَّصل، لكن مجموعها يدلُّ على ثبوته عن عمر ﵁. ويا للَّه! ما أشدَّ انطباقَه على هذا (الهدَّام)! فسبحان من ألهمه كَتْبَ هذا التعليق؛ لِيسترعيَ نظر القراء إلى انطباقه عليه؛ والكشف عن هُوِيَّتِهِ بقلمه!

стр. 200

١٠٢ - "قال النبي ﷺ : "لا تُوطأ حاملٌ حتى تضَعَ، ولا غيرُ ذاتِ حملٍ حتى تحيض". خرَّجه (الهدَّام) من حديث أبي سعيد الخُدري -وضعّف إسناده-، ومن حديث أبي ثعلبة، وابن عباس، ورُويفِع، والعِرباض بن سارية -وسكت عنها-! هكذا يفعلُ (الهدَّام)؛ يصرِّحُ بتضعيف الضعيف، ويسكتُ عن الصحيح! والواقعُ أنَّ أسانيدَ بعضها صحيحٌ، وبعضها حسنٌ، والأوَّلُ حسَّنه الحافظ لغيره، فتعامى عن ذلك كلِّه، كما تعامى عن حديثِ جابرٍ الصحيحٍ، ومرسل الشعبيِّ الصحيح، وعن غيرها من الشواهد؛ وهي مخرَّجةٌ في "الإرواء" (١/ ٢٠٠ - ٢٠١) و (٥/ ١٣٩ - ١٤٢)، وقد وقف عليها يقينًا، فإِنَّه منها لخَّص -بل سَرَقَ- تخريجَه المذكور! فتجاهلها نكايةً في السنةِ وأهلها. وقد احتجّ به أحمدُ على إبطال الحِيَل -كما رواه المؤلّف عنه هنا-، واحتجَّ به أيضًا في "مسائل ابنه صالح" (٣/ ١٩٦)؛ وكفى بالإمام أحمد حُجَّةً! ولكنّ (الهدَّام) ليس له إمامٌ؛ إلّا هواه! وقد قوّى بعضَها ابنُ عبد البر في "التمهيد" (١٨/ ٢٧٩). (تنبيه): مِنْ غَفَلات (الهدَّام) وجهالاتِهِ؛ أنَّه لم يميّز حديثَ النبيِّ ﷺ من حديث غيره؛ فقد حصر آخرَ الحديثِ عنده بزيادةٍ فيه، -هكذا-: "لا تُوْطَأُ حاملٌ. . .، ولا غير ذات حملٍ حتى تحيض فلا يدري": هي حاملٌ أم لا؟ فأدرج -بجهلٍ بالغ- قوله: "فلا يدري" في آخر الحديث! وإنَّما هو من تمام كلام الإمام أحمد -الذي ساقه ابن القيِّم-. ١٠٣ - "ونهى ﷺ عن التَّشبُّه بأهل الكتاب -وغيرهم- من الكُفَّار في

стр. 201

مواضعَ كثيرةٍ. . . وقد قال ﷺ : "خالف هديُنا هَدْيَ الكفار"، وفي "المسند" مرفوعًا: "من تشبَّه بقومٍ فهو منهم": قلت: هذا المقطع لم يخرِّج منه (عدوُّ السنةِ) إلّا حديث "المسند"؛ لِظنِّه -وهو سرابٌ- أنَّه يجدُ فيه مجالًا لتضعيفه، وهو باغٍ مُعتدٍ -كما هي عادتُهُ-، فقد أعَلَّه بعلَّتين: إحداهما: (عبد الرحمن بن ثابت بن ثَوْبَان)؛ فجزم الخاسرُ -من عنده- بأنّه ضعيف! والأخرى: جهالة (أبي مُنيب الجُرَشي)؛ فقال: "لم يوثّقه غير ابن حبّان والعِجلي، وعندهما تساهلٌ معروف"! فأقولُ مُستعينًا باللَّه: ١ - أمّا ابن ثابت؛ فالصواب فيه أن يقال: "مُختلَف فيه"، وبه صَرَّح الحافظُ في "الفتح" (٦/ ٩٨)؛ فإنَّ هذا هو الواقعُ، فإنَّ مِن الأئمة مَن وثّقه، ومنهم مَن ضعَّفه، ومنهم مَن توسّط فيه، وهذا هو العدلُ الذي جَنَحَ إليه الحُفَّاظ النُّقَّاد الذين وقفوا على الخلافِ المذكورِ، وطبّقوا قواعدَ علمِ الحديث عليه؛ كالحافظ الذهبي؛ فإِنَّه توسَّط فيه: فقال في "الكاشف": "قال دُحَيم، وغيره: ثِقَةٌ، رُمي بالقدر، وليَّنَه بعضُهم". وقال في "السِّيَر" (٧/ ٣١٣): "وثّقه دُحَيم، وأبو حاتم؛ وقال صالح -جَزَرَة-: قَدَري صدوق". ثم ذكر أقوالَ مضعّفيهِ، ثم ختم ترجمته بقوله: "وقد تتبّع الطبراني أحاديثه؛ فجاءت في كُرّاسٍ تامّ، ولم يكن بالمُكْثِرِ،

стр. 202

وَلَا هو بالحجة، بل صالح الحديث": ولذلك أورده في "الرّواة المتكلَّم فيهم بما لا يوجب الرّد" (١٣٣/ ٢٠٠). واختصر ترجمتَه في "المغني" بقوله: "صدوق". وسبقه إِلَى ذلك الحافظُ المنذريُّ في "الترغيب". ونحوه قولُ الحافظ في "التقريب": "صدوق يخطيء، وتغيَّر بأَخَرة". ولذلك ثبَّت حديثَهُ -هذا- في "الفتح" (٦/ ٩٨). بل إنَّ شيخه الحافظَ العراقيَّ قد صحَّح إسناده في "تخريج الإحياء". وعلى ذلك جرى كثيرٌ من الأئمةِ القدامي، فصَحَّحوا له أحاديث كثيرة -كالتِّرْمذي، وابن حِبان، والحاكم، والمنذري، والذهبي - وغيرهم-، واحتجَّ بحديثه هذا غيرُ واحدٍ من العلماء على كراهةِ أشياء من زِيِّ غير المسلمين؛ كما قال شيخُ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم"، ومنهم الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (١/ ١٤٨) و"تاريخه" (٢/ ١٤٥)، ومِن قبلِهما الحافظ ابن الصلاح في "الفتاوى" (٢٧٧/ ٢٤٤)، وأفاد فائدةً هامّةً؛ فقال: "التشبُّه بالكفار؛ قد يكون مكروهًا، وقد يكون حرامًا، وذلك حَسْبَ الفُحْشِ فيه؛ قِلَّةً وكثرةً؛ واللَّه أعلم". وإنَّ مِمَّا يَسْتَرعي النظرَ: أنَّ من الموثِّقين لـ (ابن ثابت) هذا: الإِمام أبا حاتم الرازي -المعروفَ بتشَدُّدِه في التوتيق-؛ ولذلك يعتمد عليه (الهدَّام) كثيرًا في التجريح والتجهيل، وأمّا هنا فقد خالفه! ٢ - وأمّا (أَبُو مُنيب الجُرَشي)؛ فاتِّهام (الهدَّام) إياه بالجهالة -بزعم تساهُل الموثِّقَيْنِ له-، إنَّما هو من كِبْرِه وبَطَره للحق، فإِنَّ من المعلوم أنَّه لا

стр. 203

يلزمُ من تساهلهِيا -أي: ابن حِبّان، والعِجْلي- أن يُردَّ توثيقُهما دائمًا، كما لا يلزمُ من كون غيرهما من المتشدِّدين أن يُردَّ تضعيفُهم دائمًا، وإنَّما ذلك كلُّه خاضعٌ لعلم الجرح والتعديل، ومنه تقديمُ الجرح على التعديل عند التعارض -بشرطِهِ المعروف-، ولا شيء من هذا هنا مطلقًا، وإنَّما فيه التوثيقُ المذكورُ المُدَعَّمُ بتصحيح الحُفَّاظ لحديثه هذا وغيرِه، وبرواية خمسةٍ من الثقات عنه، وأكثرُهم من التابعين، فليس هناك من أهل العلم من يَرُدُّ حديثَ مثلِه بالجهالة، فلا غرابةَ بعد هذا أن يَتَّفِقَ رأيُ الحُفَّاظِ على توثيقه، والجمِّ الغفيرِ على تصحيح حديثه! فهذا كلُّه يدلُّ دلالةً قاطعةً على أنَّ (الهدَّام) ينطلقُ في تضعيفه للأحاديث من اتِّباعه لهواه، وأنَّه لا يُقيم وزنًا للعلماء، واللَّه المستعان! ومن ذلك، أنَّه لم يُخَرِّج ما أشار إليه ابن القيِّم من الأحاديث الواردةِ في التشبُّه بالكُفّار ". . . في مواضعَ كثيرةٍ" -كما هو نصُّ كلامهِ ﵀، وقد كنت جمعت ما تيسَّر لي منها في آخر كتابي "حجاب المرأة المسلمة" -والذي سميته أخيرًا "جلباب المرأة المسلمة"-، نحو ثلاثين حديثًا صحيحًا في مختلف أبواب الشريعة، في العبادات، والمعاملات. . . ونحوها. ومن ذلك حديث: "خالف هدينا هدي الكفار"، الذي أعرض (الهدَّام) عن تخريجه -لجهلهِ بهِ! -، فقد خرّجته -هناك- من رواية الحاكم -وصحَّحه-، وفيه نَظَرٌ بيّنته ثمّة، لكن معناه في "صحيح البخاري"، فضلًا عن الأحاديث الأُخرى التي أشار إليها ابن القيِّم. ومن تمام سعيه في الهدم، أنَّه لم يُشر إليها، ولم يدلَّ القراء عليها، بل إنَّه -على العكس من ذلك- ختم تخريجَهُ بقوله -بجهلٍ بالغٍ-: "والشواهدُ المذكورة للحديث أشدُّ ضعفًا"!

стр. 204

وهذا من مُبالغاتهِ وتهويلاتهِ، فإِنَّ فيها شاهدًا مرسلًا، حَسَّنه الحافظ في "الفتح"، و"التغليق" -أيضًا- (٣/ ٤٤٦)، وتخريجه للحديث مِمَّا سرقه من "الإرواء" (١٢٦٩)، وأخذ منه تعليلَ طُرُقهِ؛ إلَّا تحسين الطريق الأولى، وكتم بعضَ مصادرِه المخطوطة، لكي لا تنكشفَ سرقته؛ لأنّها ليست من مصادره! وإنَّ من تلك الأحاديث -التي كان ينبغي على (الهدَّام) أن يُخَرِّجها- قولَه ﷺ لما رأى على رجلٍ لباس الكفّار-: "هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها"؛ رواه مسلمٌ وغيره، ولا أستبعدُ عليه أن يختلق له عِلّةً يضعّفه بها! وهو مخرَّج في "الجلباب" (١٨٣/ ١)، وقولَه ﷺ : "غيِّروا الشَّيبَ ولا تشَبَّهوا باليهود والنصارى"؛ صحِّحه التِّرمذي، وابن حبان، وله طرق تراها هناك (١٨٩ - ١٩٠). ١٠٤ - "علَّل الجمعَ بين المرأة وعمّتها بقوله: إنَّكم إِذَا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم": قلت: النهيُ عن الجمع المذكور صحيحٌ عن النبي ﷺ ؛ من حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ في "الصحيحين" وغيرهما، وهو مخرّج في "الإرواء" (٦/ ٢٨٨ - ٢٩١). وأمّا التعليلُ بقوله: "إنّكم. . . " إلخ، فلا يصحُّ؛ وهو من طريق مُعْتَمِر بن سليمان، عن الفُضيل بن ميسرة، عن أَبِي حَرِيز، عن عِكْرِمة، عن ابن عَبَّاس. وقول (الهدَّام) (١/ ٥٥٢): "ولعلّها وَهَمٌ من المعتمر بن سليمان": من جهلهِ بمنازلِ الرجال ومراتبهم، وطعنه بغير حقّ، فإِنَّ (المعتمر) ثقةٌ احتج به الشيخان والجماعة؛ وإنّما الوَهَمُ من شيخه الفُضَيل بن مَيْسَرة، بل من شيخ هذا -أَبِي حَرِيز-، واسمه (عبد اللَّه بن حسين)؛ فإنَّه أضعفُ منه؛ كما حقّقتُه في المجلّد الرابع عشر من "الأحاديث الضعيفة" رقم (٦٥٢٨)، ورددتُ فيه على من حسَّن هذه الزيادة من المعاصرين.

стр. 205

١٠٥ - "أَدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تَخُنْ مَن خانك": قلت: جزم ابن القيم بنسبته إلى النبي ﷺ ، وهو الصوابُ. وأمّا (الهدَّام) " فقال (١/ ٥٠٥): "حَدِيثٌ ضعيفٌ، أخرجه أَبُو داود. . . من طريق طَلْق بن غَنّام، عن شَرِيك، وقيس بن الربيّع، عن أبي حُصَين، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيْرَةَ. . . -مرفوعًا-، وشَرِيك وقيس ضعيفان، ولا يصلُحُ قيس للمتابعة، فإِنَّه كان يُدْخَلُ في كتابه". كذا قال: "يُدْخَلُ"، بالبناء للمجهول، أبهم الفاعل! ليفخِّم الفعل! ! ويُوهم القراء أنّ كتاب قيس كان في متناول أيدي الناس، يُدخِل فيه من يشاء ما يشاء! مِمَّا ليس من حَدِيث قيس! وهذا باطلٌ لا أصلَ له، والذي ذكره العلماء أنَّ ذلك كَان من فعل ابنٍ له، لما تأخرّت به سِنُّهُ. قال الحافظ: "صدوق، تغير لما كبر، وأَدخل عليه ابنُهُ ما ليس من حديثه". وقد لاحظتُ أنَّ الحافظَ الذهبيَّ ﵀ لم يتَعَرَّض لذكر هذا (الإدخال) مطلقًا في ترجمة (قيس) في كلّ كتبه التي ترجم له فيها -مِمَّا وقفت عليه-، مثل: "تذكرة الحفّاظ"، و"السير"، و"الكاشف"، و"المغني"، اللهم إلَّا في "الميزان" الذي يذكر فيه -عادةً- كُلَّ ما قيل في المترجَم من جرح وتوثيق، ومع ذلك، فكأنّه أشار في أوّل ترجمته إلى أَنَّهُ لا يترتّب عليه أكثرُ من قولُه -فيها-: "صدوقٌ في نفسه، سيِّئ في الحفظ". وكذلك قال في "المغني"، وهو يُلَخِّص فيه -عادةً- ما ذكره في "الميزان"؛ وكأنّه يعني أنَّه أُتي من قبل ابنهِ لسوء حفظه، وعلى ذلك فقولُ

стр. 206

(الهدَّام) -فيه-: "ولا يصلُح للمتابعة" -مع أنَّه لا سَلَفَ له فيه- مردودٌ، فإِنَّ مِن المقرَّرِ عند العلماء، أن الراويَ الصدوقَ الضعيفَ في حفظه يُستشهد به، ويصلح للمتابعة. ولعلّه مِن أجل ذا: جوّد سَنَدَ هذا الحديثِ -نفسه- في "تلخيص العِلَل المتناهية" (٥٨١)، والحمدُ للَّه. وهذا أَبُو حاتمٍ الرّازيُّ -المعروفُ بتشدُّده في الجرح- يقولُ في (قيس) هذا: "محلُّه الصدق، وليس بقوي، يكتب حديثه، ولا يُحتجُّ به، وهو أحبّ إلي من محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى". قلت: فلم يُضَعِّفه جدًا؛ بل أشار إلى الاستشهادِ به بقوله: "يُكتب حديثه"؛ وهذا مما لا يفهمه (الهدَّام)؛ لجهله بمقاصد أقوال الأئمة. وقد أشار إلى ذلك ابنُ القَيِّم -فيما يأتي-؛ فانظر الحديث نفسه رقم (١٢٤). وأمّا ابنُ عدي، فقد حَسَّن حديثه، فقال في آخر ترجمته من "الكامل" -بعدما ساق قصّة ابنه-: "عامّة رواياته مستقيمة، وقد حَدَّث عن شُعبة، وعن ابن عُيينة -وغيرهما-، ويدلّ ذلك على أنَّه صاحبُ حَدِيث، والقولُ فيه ما قاله شعبةُ، وأنَّه لا بأس به". قلت: فلا غرابةَ -بعد هذا- أن يُحَسِّن التِّرمذي حديثَه هذا، ولا سيّما وقد اقترن معه شَريك بن عبد اللَّه القاضي -وقد استشهد به مسلمٌ-، وأن يُصحِّحه الحاكم، والذهبي، وأن يحتجَّ به العلماء دون خلافٍ معروفٍ بينهم،

стр. 207

كابن القيم هنا، وشيخه ابن تيمية في "فتاواه" -كما يأتي-، وابن كثير في "التفسير" (١/ ٥١٥) وغيرهم. هذا أَوّلًا. وثانيًا: قولُهُ: "واستنكره أَبُو حاتم -كما في "العلل" لابنه (١/ ٣٧٥) -، وأعلّه بـ (طَلْق بن غَنَّام) ". قلت: فهذا حُجَّةٌ على (الهدَّام)؛ لأنّه لم يُعلّه بـ (قيس) -كما سبق بيانه-، وأنَّه صالحٌ للاستشهاد به عند أبي حاتم -كما هو ظاهر-. وأمّا إعلالُه إياه بـ (طَلْق بن غَنّام)؛ فذلك لأنَّه غيرُ معروفٍ عنده، ولذلك لم يذكر في ترجمته توثيقًا ولا تجريحًا، وحينئدٍ؛ فالعلّة غير قادحةٍ عندنا، لأنَّه قد وثَّقه جمع، واحتجّ به البخاري في "صحيحه"، على أنَّه يمكن أن يكون مراده بالاستنكار مجرّد التفرّد، وليس التضعيف، وهذا استعمالٌ معروفٌ عند بعض المحدّثين - كما في "مقدّمة ابن الصلاح" -وغيره-، وتمام عبارة ابن أبي حاتم مِمَّا يُؤَيِّدُ هذا الحملَ، ولعلّه -لذلك- بترها (الهدَّام) ولم يذكرها بتمامها؛ تضليلًا -على عادته-! فقال ابن أبي حاتم، عن أبيه في (طَلْق): "وروى حديثًا منكرًا عن شَرِيك وقيس"؛ فساقه، وقال: "قال أَبي: ولم يروِ هذا الحديثَ غَيْرُهُ". فهذا صريحٌ جدًّا في أنَّه عنى التفرُّد، وإلى هذا أشار البخاريُّ -أيضًا- بذكره هذا الحديثَ في ترجمة (طَلْق) من "التاريخ" (٢/ ٢/ ٣٦٠)؛ فعادت عبارةُ أبي حاتم هدمًا على رأس (الهدَّام)؛ والحمد للَّه على الدوام. ثالثًا -وأخيرًا-: قولُه: "وشواهده كلُّها لا تصحُّ، وهذا أحسنُها؛ وانظر

стр. 208

"تلخيص الحبير" (٣/ ٩٧) ". فأقول: هذه مغالطةٌ من مغالطاتهِ الكثيرةِ، أو تعبيرٌ ركيكٌ، فإنَّ من المعلوم -بداهةً- أنَّه لا يُشترط في الشواهد الصحة، وإنَّما السلامةُ من الضعف الشديد، وهذا متحقِّقٌ هنا، فالشواهد المذكورة في "التلخيص" أربعة: الأوّل: فيه أيوب بن سُوَيد، قال الحافظ: "مختلَف فيه". الثاني: فيه مجهولٌ، وقد صحَّحه ابن السكن. الثالث: سنده ضعيفٌ. الرابع: عن الحسن -مرسلًا-. قلت: وقد كنتُ خرّجتُ هذه الشواهد -إلَّا الرابع منها- في "الصحيحة" (٤٢٣)، وختمتُها ردًّا على ابن الجوزي -الذي قلّده (الهدَّام) - بقولي: "قلت: وهذا من مُبالغاتهِ، فالحديثُ من الطريق الأولى حَسَنٌ، وهذه الشواهدُ والطرقُ تُرَقِّيه إلى درجة الصِّحَّة، لاختلاف مخارجها، ولِخُلُوِّها من متهم". فكان الواجبُ على (الهدَّام) أن يُجِيبَ على هذا الرّد جوابًا علميًّا، ولكنَّه -كعادتهِ- تهرَّب إلى الإحالةِ المضلِّلة! عملًا بالمثل العامي: (عنزة ولو طارت)! على أنَّ هناك متابعاتٍ أُخرى، تزيد الحديثَ قوَّةً على قوة، ولذلك كتمها. مِن ذلك؛ أن أيوب بن سُويد له متابعٌ قويٌّ في "معجم الطبراني" (١/ ٢٣٤/ ٧٦٠) بسندٍ جيدٍ، وقد وثَّق الهيثمي في "المجمع" (٤/ ١٤٥) رجاله، وأخرجه -أيضًا- الضياء المقدسي في "المختارة".

стр. 209

ومُرْسَلُ الحسن البصري علّقه البيهقيُّ، ووصله الطبري في "تفسيره" (٥/ ٩٣) بسند صحيح عنه. وله شاهدٌ -في المعنى-؛ ذكره ابن القيِّم في "الإغاثة" (٢/ ٨٩)؛ وصحّحه (الهدَّام)! وأمّا ما نقل ابنُ الجوزيِّ عن الإِمام أحمد أنَّه قال: "هذا حديثٌ باطلٌ، لا أعرفه من وجهٍ يصحُّ": فما أظنُّه يصحُّ عن الإِمام، ولا عزاه لكتابٍ يمكن الرجوع إليه (١)؛ ولئن صحّ: فالجواب ما تقدّم. والشطرُ الأوّلُ من الحديث في نَصِّ القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا﴾. وللشطر الآخر منه شاهدٌ بمعناه، ذكره ابن تيميّة ﵀ في "الفتاوى" (٣٠/ ٣٧١ - ٣٧٥) في كلامٍ له حول هذا الحديث، وفيه فوائدُ هامّةٌ جدًا من الناحية الفقهية؛ التي لا يهتمُّ بها (الهدَّام) مطلقًا! فقال ﵀ عَقِبَهُ-: "وفي "المسند" عن بَشِير ابن الْخَصَاصيَة، أنَّه قال: يا رسول اللَّه! إن لنا جيرانًا لا يَدَعُون لنا شَاذَّةً ولا فَاذَّةً إلَّا أخذوها، فإِذا قَدَرْنا لهم على شيء أنأخذُهُ؟ قال: "لا! أَدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُن من خانك"، وفي "السنن" عن النبي ﷺ ، أَنَّهُ قيل له: إنَّ أهل الصدقة يعتدُون علينا، أفنكتُمُ من أموالنا بقدر ما يعتدُون علينا؟ قال: "لا"، رواه أَبُو داود".

стр. 210

قلت: حديثُ بشيرٍ في "المسند" (٥/ ٨٣) -نحوه-، لكنْ ليس فيه: "أَدِّ الأمانة. . . "، وكذلك هو في "أطراف المسند" للحافظ ابن حجر (١/ ٦٣٥/ ١٢٨٨)؛ فالظاهر أنَّه مُدْرَجٌ من بعض النسّاخ، أو هو وَهَمٌ من الشيخ ﵀، وهو الظاهرُ؛ فقد ذكره المؤلّف -فيما يأتي برقم (١٢٦) - عازيًا إيّاه لشيخه في كتاب "إبطال التحليل" وهو في (ص ٩٤) منه، وقد انطلى هذا الوَهَمُ على (الهدَّام) -كما يأتي ذكره - هناك-. وما عزاه لأبي داودَ: هو في "سننه" (١٥٨٦) من حديث بشير -أيضًا-، وبالسند نفسه. وقد ساق الحديثين عبدُ الرّزاق في "مصنفه" بالسند ذاته، وفيه شيخٌ من بني سدوس -يقال له: دَيْسَم-، وهو مجهولٌ، ولذلك خرَّجت حديثَه في "ضعيف سُنن أبي داود" (٢٧٧)؛ لكنّه تابعي مستور، فلا بأس به في الشواهد، واللَّه أعلم. ١٠٦ - قال ابن القيِّم ﵀: "ومضتِ السنةُ بكراهة إفراد رجب بالصَّوم، وإفراد يوم الجمعة". قلت: خرّج (الهدَّام) الشطر الأوّل منه بحديث ابن عباس، أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب، قال: "وفيه متروك". وخرَّج الشطر الآخر بحديث مسلم (١١٤٤) عن أبي هُريرة بلفظ: "لا تخصّوا يوم الجمعة بصيام. . . ". وهذا تخريبٌ لقصد ابن القيم بما ذكر من السنة، وليس بتخريجٍ له! ولعلّه أُتي من جهله بالفقه-؛ والفرقُ بين الإفراد لرجبٍ بالصوم، والنهي عن صيامه مطلقًا: واضحٌ -وهذا لم يصحَّ، وهو مخرّجٌ عندي في غير موضع،

стр. 211

أذكر منها: "الضعيفة" (٤٧٢٨) -؛ ومثله لا يخفى وهاؤه على ابن القيم ﵀، وليس هو مكنصودَه، وإنَّما مقصودُه إفرادُه بالصَّوم -كما يفعل بعض العامّة والعجائز-. وقد روى ابنُ أبي شيبة (٣/ ١٠٢)، والطبراني في "الأوسط" (٢/ ١٨٢/ ١/ ٧٧٨ - بترقيمي) عن خَرَشَةَ بن الحُرِّ، قال: رأيت عُمَرَ يضرب أكُفَّ النّاس في رجب، حتى يضعوها في الجِفَانِ، ويقول: كُلُوا؛ فإنَّما هو شَهْرٌ كان يعظّمه أهل الجاهلية! وإسناده صحيح. ونحوه ما أخرجه عبد الرّزاق (٤/ ٢٩٢/ ٧٨٥٤) بسند صحيح عن عطاء، قال: كان ابن عَبَّاسٍ ينهى عن صيام رجبٍ كُلِّه؛ لئلَّا يُتَّخَذَ عيدًا. ثم روى هو - (٧٨٥٨) -، وابن أبي شيبة، عن زَيْدِ بن أَسْلَمَ، قال: ذُكر لرسول اللَّه ﷺ قومٌ يصومون رجب؟ فقال: "وأين هم من شعبان؟ ! ". وإسناده مرسلٌ صحيحٌ. وروى ابنُ أبي شيبةَ، عن عاصم بن محمد، عن أبيه، قال: كان ابن عُير إِذَا رأى الناس وما يُعِدُّوَنُه لرجب؛ كره ذلك. وإسنادهُ صحيحٌ، ومحمد هذا: هو ابن زَيْدِ بن عبد اللَّه بن عُمر، وقد سمع من جَدّه عبد اللَّه بن عمر. وروى ابن وضَّاح القرطبي في "البدع والنهي عنها" (ص ٤٤) بسند ضعيف عن الشعبي، أنَّ عمر بن الخطّاب كان يضرب الرّجَبيين؛ الذين يصومون رجبَ كلّه.

стр. 212

قلتُ: فهذه الرّوايات هي التي أشار إليها ابن القيم بقوله المذكور، وليس الحديثَ الواهي الذي ليس له علاقةٌ بالموضوع، فأعرض عما يجب تخريجُهُ -وصحّ-، إلى ما لا ينبغي تخريجُهُ -ولا يصحُّ! -، وهَكذا فلْيكُنِ التَّخريجُ والتحقيق! ! وقد فصَّل القولَ في صيام شهر رجب: الإمامُ الطُّرطوشيُّ في كتابه القيِّم "الحوادث والبدع" (ص ١٣٨ - ١٤٢/ تحقيق الأخ علي الحلبي)، والحافظ ابن حَجَر في آخر رسالته "تبيين العَجَب فيما ورد في فضل رجب"؛ فلْيرجع إليهما مَن شاء. وكذلك لم يُخَرِّج (الهدَّام) إفرادَ يومِ الجمعة بالصوم، وخرّج حديث النهي عن التخصيص (١)، فهذا أخصُّ، وذاك أعمُّ، فكان ينبغي تخريجه لو كان يعلم! وهو من حديث جابر ﵁، يرويه محمد بن عَبّاد بن جعفر، قال: قلت لجابر أسمعتَ رسولَ اللَّه ﷺ ينهى أن يُفرد يوم الجمعة بصوم؟ قال: إِيْ وربِّ الكعبة. أخرجه النسائي في "الكبرى" (٢/ ٢٧٤٧/ ١٤١) بسندٍ صحيح، وأصله في "البخاري" (١٩٨٤)، وعلّقه بلفظ النسائي، انظر "الفتح" (٤/ ٢٣٣ - ٢٣٤). (تنبيهٌ): حديث أبي هريرة الذي عزاه (الهدَّام) لمسلم، قد ضعَّفه في "ضعيفة الرياض" (٥٦١/ ١٢٣)! ١٠٧ - قال ابنُ القيِّم ﵀: "وقال ﷺ : "إِذَا بُويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما"، سدًّا لذريعة الفِتنة والفُرقة": قلت: فرفض (الهدَّام) (١/ ٥٠٨) هذا الحُكْمَ، وأعَلّ حديثَه بعد أن عزاه

стр. 213

لمسلم، والبيهقي من طريق وَهْب بن بقيّة الواسِطي، عن خالد بن عبد اللَّه، عن الجُرَيْري، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سَعِيد الخدري. . . مرفوعًا، فقال (الفَسْلُ): "خالد بن عبد اللَّه الواسطي؛ لم يُذكر فيمن روى عن الجُرَيري قبل الاختلاط، وهب بن بقية: ثقة، لا يحتمل التفرُّدَ بمثل هذا الأصل"! فأقول لهذا الجاهلِ الظالمِ المتعالمِ: أَوّلًا: كذلك لم يُذكر خالدٌ فيمن روى عن الجُرَيري -واسمه سَعِيد بن إياس- بعد الاختلاط، فالعدلُ والواجبُ حينئدٍ التوقُّف عن الجزم بتضعيف حديثه؛ حتى يتبيَّن ما يُرَجِّح الصّحة أو الضعف. ثانيًا: إنَّ الاختلاطَ الذي رُمي به لم يكن فاحشًا -كما قال ابن حبّان-، فهو -والحالةُ هذه- حُجَّةٌ كسائر الثقات الذين فيهم ضعفٌ يسيرٌ ما لم يظهر خَطَؤُهُ. ولذلك قال الذهبي في "الميزان": "أحد العُلَماء الأثبات، تغيّر قليلًا، ولذلك ضعَّفه يحيى القطان، ووثّقه جماعة". وقال في "المغني": "ثقةٌ مشهور، تغيَّر قليلًا، ضعَّفه القطان". وَمَعَ ذلك؛ لم يمتنع الشيخان من الاحتجاجِ بحديثه في "الصحيحين"، وتبعهم على ذلك أصحاب "الصحاح"، كابن حِبّان -نفسه-، فاحتجّ به في "صحيحه". ومن جُملة ما أخرجا له: رواية خالد بن عبد اللَّه -هذا- وهو الواسِطي -عنه- كما في "تهذيب المِزّي"-. على أنَّ الذهبي قد وجّه إخراجَهما عنه بتوجيهٍ آخرَ، فقال في "السير"

стр. 214

(٦/ ١٥٥ - ١٥٦) -بعد أن نقل عن الإِمام أحمد استغرابه لحديثه هذا-: "وقد رَوَيَا له في "الصحيحين"، وتحايَدَا ما حَدَّث به في حالةِ تغيُّر حفظهِ". يشير إلى أنَّ حديثه هذا لا يُعَلُّ بالتغيُّر؛ لأنَّه مِمَّا انتقاه مسلم في "صحيحه". ثالثًا: لا نُسَلِّم بأنَّ خالدًا هذا سمع منه بعد الاختلاط، أو التغيّر، فقد ذكروا جماعةً رووا عنه قبل التغيُّر تأخَّرت وفاتُهم عن وفاة خالد بسنين كثيرة، مثل عبد الأعلى بن عبد الأعلى؛ توفي سنة (١٩٨)، وتوفي خالد سنة (١٧٩ أو ١٨٢)، وهو -وإن كان واسطيًّا-: فقد سمع من جماعةٍ من الشيوخ البصريين هم أقدمُ وفاةً من الجُرَيري (ت ١٤٤)، مثل حُمَيد الطويل، وسليمان التَّيْميِّ؛ تُوُفِّيا سنة (١٤٣)، وخالد بن مِهْران الحَذّاء (ت ١٤١) ويونُس بن عُبَيد (ت ١٣٩). ولعلّ في هذا التحقيق ما يُزيل تردُّدَ الحافظ في "مقدمة الفتح" (ص ٤٠٥): "لم يتحرّر لي أمرُه إلى الآن؛ هل سمع منه قبل الاختلاط أو بعده؟ ! ". وبذلك يسقط تعجُّب المعلِّق على "تهذيب الكمال" (١٠/ ٣٤٢) من إخراج الشيخين لسعيد هذا، جازمًا بأنَّه ممن سمع من (الجريري) بعد الاختلاط! وهذا باطلٌ لأنَّه لم يقل به أحدٌ من الحفّاظ، وهو وَهَمٌ محضٌ، وحَسْبُك -دليلًا- تردُّدُ الحافظ المذكور، بِغَضِّ النظر عن التحقيق المزبور هذا هو الجوابُ عن إعلال (الهدَّام) للحديثِ بالاختلاط، وقد تبيَّن أنَّه سالِمٌ منه، والحمدُ للَّه.

стр. 215

وأمّا قولُهُ: "وهب بن بقيّة: ثقةٌ، لا يحتمل التفرّد. . . "؛ فمن شقاشقِه التي يتشبَّثُ بها في سبيل ردِّ رواية حديث الثقةِ المتفق على صحَّة حديثه! ثم؛ ما هو السببُ -عند هذا الظالم- في ربط هذه الدعوى الباطلةِ به، دون مَن فوقَه مِن الثقات؟ وما الفرقُ -عنده- في ردّ أي حديث من أحاديث الثقات بمثل هذه الدعوى الكاذبة؟ ! أليس هذا من الأدِلَّة الكثيرة على أنَّ هذا الرجل هو -كما قيل: - (يَهْرِف بما لا يَعْرِف)؟ ! ثم ماذا يقول الظالمُ -يا تُرى! - في ثقةٍ آخر قد تابع الأوّل؟ وهو عَمْرو ابن عَوْن الواسطي: ثنا خالد بن عبد اللَّه. . . به، أخرجه أَبُو عَوَانة في "صحيحه" (٤/ ٤٦٠). وماذا يقولُ -أيضًا- في بقيَّة الطرقِ والشواهدِ التي يطولُ الكلام بذكرها، وقد ذكرتُ الكثيرَ الطيِّبَ منها في "الصحيحة" (٣٠٨٩)، ومنها حديث عَرْفَجة ﵁، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أتاكم وأمرُكُم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ، يريد أن يشقَّ عصاكم، أو يفرِّق جماعتَكم: فاقتلوه". أخرجه مسلم، وأبو عَوَانة، وابن حِبّان في "صِحاحهم"، وهو مخرّج في "الإرواء" (٨/ ١٠٥). ومثلُه قولُه ﷺ حديث ابن عَمْرٍو -الطويل-: ". . . وَمَن بايع إمامًا، فأعطاه صفقةَ يدِه، وثمرةَ قلبِه؛ فَلْيُطعْه ما استطاع؛ فَإنْ جاء آخرُ يُنازعه؛ فاضربوا عُنُق الآخر". ونحوهُ حديثُ أسامةَ بنِ شَرِيك، رواه أبو عَوَانةَ -وغيره-، وهو مخرّج في
следующие страницы →