٢ - دور التطور
كانت الظاهرة العلمية المميزة للدور السابق دور النشوء، هي اهتمام علماء المالكية على اختلاف مدارسهم بجمع آراء الإمام الفقهية، ومرويات تلاميذه عنه وتدوينها، مع ما لمشاهير تلاميذ الإمام من اجتهادات، وتخريجات شخصية، واستطاعوا بهذا العمل الجليل أن يقدموا للأجيال اللاحقة من العلماء أساساً صلداً لمرحلة التطور يتسم بالاتساع والعمق، والمرونة الممتلئة في تعدد المرويات والتخريجات والاجتهادات، بتعدد المدارس والبيئات العلمية.
تبدأ مرحلة التطور - نظرياً - من حيث انتهت مرحلة النشوء، ويمكن اعتبار بداية القرن الرابع بداية لهذه المرحلة، ومن البديهي أن هذه المرحلة لا يمكن فصلها فصلاً كاملاً عن المرحلة السابقة أو اللاحقة لها، فمراحل المذهب الثلاثي تتداخل، وتمتزج امتزاجاً ينصهر في الآراء، والاجتهادات، والترجيحات التي تبرز في المراحل المختلفة.
стр. 178
المدارس المالكية في دور التطور:
تعرضت المدارس المالكية في هذه المرحلة (دوور التطور) إلى حركة مد وجذر وسعة النطاق، تباينت باختلاف المدارس، فقد بدأ النبع العراقي يضعف، ثم يجف وينضب، مع رحيل القرن الخامس الهجري، وأصيبت الفروع المالكية في المدينة، ومصر، وإفريقية بالاضطهاد العُبَيدي، وما نتج عنه من آثار سلبية على جميع المدارس الفقهية السنية، وكان من نصيب المدرستين: المدنية، والمصرية ضعف نشاطهما ضعفاً شديداً، وظل الانحسار في نشاط هاتين المدرستين حتى زوال الحكم الفاطمي وآثاره (١).
أما المدرسة القروانية/ التونسية فعلى الرغم من وقوعها تحت تأثيرات سياسية وضغوط أقوى من تلك التي تعرضت لها المدارس الأخرى، إلا أن كل ذلك لم يفل من عضد علماء المذهب، بل واصلوا جهودهم في تحدّ مبدع كان نتيجته استمرار "تألق" المذهب إلى حد كبير.
وانفردت المدرسة المالكية بالأندلس بأنها المدرسة الوحيدة التي لم يصبها ما أصاب بقية الفروع من جزر وانحسار، بل على العكس من ذلك، تميزت المدرسة الأندلسية في هذه الفترة بحركة علمية نشطة هي استمرار لجهود علماء المرحلة السابقة، وعلى عكس ما
стр. 179
لحق المدارس المالكية من اضطهاد في مناطق أخرى، حظيت في الأندلس بتأييد الحكام. هذا التأييد الذي توجه بخطاب الحكم المستنصر بن عبد الرحمن (١)، والذي ينص على أن: "من خالف مذهب مالك بن أنس ﵀ بالفتوى أو غيره، وبلغني خبره أنزلت به من النكار ما يستحق، وجعلته ثراداً (٢)، وقد أخبرت فيما رأيت من الكتب أن مذهب مالك وأصحابه أفضل المذهب، ولم نر أن أصحابه، ولا فيمن تقلد مذهبه غير السنة والجماعة، فليتمسك بهذا ففيه النجاة إن شاء الله" (٣). بل كان رأي الدولة أن " ... كل من زاع عن مذهب مالك فإن ممن رين على قلبه، وزين له سوء عمله ... " (٤).
стр. 180
هذا الموقف من الحكم يصور قمة تأييد الدولة الإسلامية في الأندلس لمذهب مالك، ذلك التأييد الذي ظل حتى زالت الدولة الأندلسية الإسلامية، وهو تأييد لم يترك لأي مذهب آخر مجال مناقشة أو تحد!
أثر الاتصالات العلمية في تطور المذهب:
كان من سمات "المدارس المالكية" في دور التأسيس أنها أنتجت في موها وتطورها منحنى انفرادياً نوعاً ما فيما اعتمدته من الروايات والسماعات عن مالك رحمه الله تعالى، وفي منهجها في الدراسة والبحث، إلا أن هذا الاتجاه "الانفرادي" إن صح هذا التعبير - بدأ تدريجياً في الزوال والاضمحلال خلال دور التطور، وزوال هذا الاتجاه هو نتيجة طبيعية للاتصالات العلمية القوية بين علماء هذه الفروع وتلاميذها. تلك الاتصالات التي أنتجت "تأثراً"، و"تأثيراً" متبادلاً بين فروع المذهب ومدارسه، ظهرت نتائجه في قواعد الترجيح التي تبناها علماء المذهب في فروعه المختلفة، كما ظهرت في مناهج البحث والتأليف، والكتب التي تداولها العلماء واعتمدوها.
تكاد وسائل الاتصالات العلمية قديماً - وبخاصة بين علماء الشريعة - تنحصر طرقها في:
١ - الرحلة في طلب العلم والتلقي المباشر من العال م، وقد اشتهر علماء المغرب العربي برحلاتهم العلمية إلى المشرق لغرضين شريفين:
стр. 181
الحج، والتلقي من علماء البلاد التي يمرون عليها، أو يستقرون فيها لفترة من الفترات، والمتتبع لتراجم العلماء يجد أكثر مشاهيرهم قد ارتحل إلى المشرق، وتلقى من العلماء المشهورين بمصر، والشام، والحجاز، وأحياناً العراق.
٢ - الاستجازة مباشرة، أو بالمراسلة " ولم يزل الفضلاء من الأئمة والنبهاء من أعلام هذه الأمة يستجيزون الأشياخ عند تعذر اللقاء، أو بعد الديار ... " (١).
٣ - تبادر المؤلفات العلمية .
٤ - تبادل الرسائل التي تحمل الأسئلة والفتاوى .
لا شك أن الاتصالات بين العلماء بوسائلها المختلفة كانت موجودة منذ ظهور المذهب وقبله، إلا أن نتائجها التأثيرية في تطور المذهب واتجاهاته كانت أكثر وضوحاً وأعمق أثراً في هذه المرحلة، ذلك التأثير الذي ظهر في ميادين ثلاثة من ميادين الفكر الفقهي في المذهب، وهي:
١ - الروايات والسماعات المعتمدة.
٢ - قواعد الترجيح بين المرويات.
٣ - منهج الدراسة والبحث والتأليف.
стр. 182
(١) الروايات والسماعات المعتمدة:
يقول الخطابي (١) " ... تجد أصحاب مالك لا يعتمدون من مذهبه إلا رواية ابن القاسم والأشهب وضربائهم وتلاد أصحابه، فإذا جاءت روايات عبد الله بن الحكم وأضرابه لم تكن عندهم طائلاً" (٢).
وكلام الإمام الخطابي يصور "الاتجاه الانفرادي" الذي كان متحكماً في مجال السماعات المعتمدة لدى كل مدرسة، وهو تيار أخذ في الانحسار تدريجياً مع أواخر المرحلة الأولى، وبلغ أشده وذروته مع نهاية مرحلة التطور.
فمدرسة الأندلس التي تبنت على المستوى الرسمي القضائي رأى ابن القاسم فقط دون غيره، كان لها السبق في تقديم أول جمع رسمي من نوعه ومنهجه لسماعات مالك أياً كانت المدرسة التي ترويه أو تعتمده، وأخرجت بذلك كتاب الاستيعاب.
стр. 183
"فقد سقط إلى الحكم أمير المؤمنين (١) كتاب من رأي مالك ابتدأه (٢) بعض أصحاب إسماعيل القاضي [المدرسة العراقية]، وبوبه، وقرره ديواناً جامعاً لقول مالك خاصة - لا يشاركه فيه قول أحد من أصحابه - باختلاف الرواية عنه، وذكر من رواها.
مضى للمؤلف منه مقدار أجزاء أو نحوها، واخترمته المنية عن إتمامه، فلما رآه الحكم، أعجبه بسطه، وحرص على إكمال الفائدة به، فذاكر به قاضيه ابن السليم (٣)، وسأله: هل عندك
стр. 184
من يكمله على الرغبة؟ فقال له: نعم. بشرط إباحة أمير المؤمنين خزانة كتبه للبحث عن أقوال مالك، حيث كانت من رواية المكيين، والمدنيين، والعراقيين، القرويين، والأندلسيين، وغيرهم ... " (١)، ورشح ابن السليم الفقهيين: أبا بكر المعيطي القرشي (٢)، وأحمد بن عبد الملك الأشبيلي، الشهير بابان المكوى (٣)، فانتدبهما الحكم لهذه المهمة، و"مكنهما من الأسمعة،
стр. 185
وما جانسها، فاقتدرا منها على ما أراداه، وألَّفا كتاب الاستيعاب الكبير، في مائة جزء، بلغا فيه النهاية" (١). والكتاب بهذا المنهج الذي يرسمه النص يقدم لنا - ولا شك - نموذجاً فريداً لزوال المنحى الانفرادي في السماعات المعتمدة، أو يقدم على الأقل دليلاً على اتساع الأفق الفكري المذهبي في المدرسة الأندلسية.
من الشواهد على مدى التأثير الفكري المتبادل بين المدارس المالكية في ميدان المرويات والسماعات نتيجة هذه العوامل الاتصالية، أن ابن أبي زيد - إمام المدرسة القيروانية، ومؤلف الرسالة - "لما فرغ من تأليفها كتب منها نسختين وبعث بواحدة منها إلى أبي بكر الأبهري، [إمام المالكية] ببغداد، فأظهر الفرح بها، وأشارع خبرها بين الناس وأثنى عليها وعلى مؤلفها، وأمر ببيعها؛ ليحسن بثمنها إلى الواصل بها، فبيعت بمائتي دينار دراهم. فقال: لا تباع إلا وزناً بوزن، ففعل ذلك، فجاء وزنها ثلاثمائة دينار، ونيفاً" (٢)، ولم يقف الاهتمام بهذا الكتاب عند التقدير المادي، بل تجاوزه إلى التعبير عن الإعجاب العلمي، فألف الأبهري تأليفاً سماه
стр. 186
- (مسالك الجلالة في مسند الرسالة) - تتبع فيها مسائلها التي تبلغ أربعة آلاف، فرفع لفظها ومعناها إلى النبي ﷺ ، أو إلى أصحابه (١).
ويستمر اهتمام المدرسة العراقية بكتب ابن أبي زيد، إذ يشرح القاضي عبد الوهاب كتابين من مؤلفات ابن أبي زيد: الرسالة، ثم المختصر، وشرحه للأخير سماه الممهد في شرح مختصر أبي محمد (٢).
هذا الاهتمام البين بمؤلفات زعيم المدرسة القيروانية بَادَلَه اهتمام مماثل، إن لم يكن أعظم، من ابن أبي زيد، فقد بلغ من تقديره لأبي بكر الأبهري أن كتب إليه يستجيزه (٣)، وظلت الرسائل بينهما تحمل الأسئلة والفتاوى التي ضمنها ابن أبي زيد في كتابه الشهير: النوادر والزيادات (٤).
стр. 187
(٢) قواعد الترجيح بين المرويات
" إذا اختلف الناس عن مالك فالقول ما قال ابن القاسم" (١).
هذه القاعدة هي أقدم القواعد الترجيحية ظهوراً وتطبيقاً في المذهب المالكي، فقد تمسك بها أهل الأندلس، وطبقوها في القضاء في وقت مبكر من انتشار المذهب خلال المرحلة الأولى، فـ "أهل قرطبة أشد الناس محافظة على العمل بأصح الأقوال المالكية، حتى إنهم كانوا لا يولون حاكماً إلا بشرط أن لا يعدل في الحكم عن مذهب ابن القاسم" (٢). يصور مدى اعتماد هذه القاعدة لدى قضاة الأندلس ما جرى من الخلاف بين يحيى بن معمر (ت ٢٢٦ هـ) (٣)،
стр. 188
وعبد الملك بن حبيب، مؤلف الواضحة، وزعيم المالكية الأندلسيين في عصره، حين أراد ابن حبيب من القاضي أن يعدل عن رأي ابن القاسم إلى رأي أشهب، فيكون جواب القاضي صريحاً: "ما أعدل عن رأي ابن القاسم، فهو الذي أفتيتموني به منذ قعدت هذا المقعد ... " (١).
وصورة أخرى لمدى تمسك علماء المالكية الأندلسيين برأي ابن القاسم ما ذكر أن أفضل بن سلمة بن حريز (ت سنة ٣١٩ هـ) (٢) لما رجع إلى بلده، "وجد فقهاءها قد تمكن سؤددهم، وتفننهم في المدونة خاصة. فلما جالسهم، وذكر لهم أقوال أصحاب مالك. قالوا: دع هذا عنك، فلسنا نحتاج إليه، طريقنا كلام ابن القاسم لا غيره" (٣).
стр. 189
وهذا التمسك بقول ابن القاسم يظهر واضحاً في أن عدد المسائل التي خالف فيها الأندلسيون مذهب ابن القاسم لا تتجاوز ثماني عشرة مسألة (١) كما يراها بعض العلماء.
أما مجال التساؤل عن موقف المدرسة المصرية والقيروانية من هذه القاعدة فضيق؛ إذ أن ابن القاسم هو الزعيم الذي لا ينافس للمدرسة المصرية، ومدونة سحنون - رأس المدرسة القيروانية - هي زبدة آراء ابن القاسم ومروياته عن مالك وأكثرها وثوقاً؛ ولذا فعلى رأي ابن القاسم اعتمد "شيوخ الأندلس وإفريقية" (٢).
يقول القابسي: "سمعت أبا القاسم حمزة بن محمد الكناني [ت ٣٥٧] (٣) يقول: إذا اختلف الناس عن مالك، فالقول ما قال ابن القاسم، وبحضرته جماعة من أهل بلده ومن الرحالين، فما سمعت نكيراً من أحد منهم، وهم أهل عناية بالحديث وبعلمه" (٤).
стр. 190
والنص واضح الدلالة في اعتماد ما قاله ابن القاسم من عالمين جليلين، مصري وتونسي، بل وتلقي ذلك بالقبول من جماعة ثقات لهم عناية بالحديث، ورغم أن الرواية جاءت في معرض تقديم رواية ابن القاسم للموطأ ... إلا أنها في مجال التطبيق الفقهي أشهر منها في مجال الحديث.
والمدرسة العراقية رغم اعتمادها على روايات ابن عبد الحكم لم تهمل المدونة أو تتركها. يقول الأبهري: "قرأت مختصر ابن عبد الحكم خمسمائة مرة، والأسدية خمساً وسبعين مرة، والموطأ خمسة وأربعين مرة" (١)، بل إن سماعات ابن القاسم وآراءه لم تلبث أن أضحت هي الراجحة؛ حيث إن القاضي عبد الوهاب - زعم الفقهاء العراقيين في وقته - "رجح مسائل المدونة؛ لرواية سحنون لها عن ابن القاسم، وانفراد ابن القاسم بمالك، وطول صحبته، وأنه لم يخلط غيره إلا في شيء يسير" (٢).
وهو ترجيح يعود بالمدرسة العراقية لتلتقي التقاءً وثيقاً بالمدارس المالكية الأخرى في اعتماد أقوال ابن القاسم.
ظلت هذه القاعدة هي المعتمدة بين فروع المدارس المالكية، ولكن ذلك لا يعني أنها لا تخضع للتطوير، بل إن ما تقدم ذكره من
стр. 191
الخلاف بين ابن معمر، وعبد الملك بن حبيب واضح الدلالة في رغبة علماء المالكية في تطوير هذه القاعدة المذهبية باعتماد آراء وسماعات آخرين من تلاميذ مالك، وإن اعتماد علماء المالكية لكل من الواضحة لابن حبيب، والعتبية للعتبي، والمبسوط للقاضي إسماعيل يدل دلالة لا يعتورها الشك على أن تلك القاعدة قد توسعت لتشمل بالاعتماد روايات وآراء غير ابن القاسم، بل وحتى تلك التي اعتمدتها المدرسة العراقية في المبسوط.
يصور لنا الهسكوري (١) قمة ما بلغته هذه القاعدة من تطوير خلال هذه المرحلة فيقول: "إنما يفتى بقول مالك في الموطأ، فإن لم يجده في النازلة فبقوله في المدونة، فلم يم يجده فبقول ابن القاسم فيها، وغلا فبقوله في غيرها، وإلا فبقول الغير فيها، وإلا فأقاويل
стр. 192
أهل المذهب" (١).
هذا النص يوضح بجلاء موقف علماء المالكية في هذه المرحلة من آراء الإمام نفسه بالنسبة إلى آراء خليفته (ابن القاسم)، وتلاميذه الآخرين، كما يسلط الضوء على مدى اعتماد المالكية على أهم كتابين في المذهب: الموطأ، والمدونة، مبيناً "مركز" الآراء الفقهية الواردة في هذين الكتابين، وموقعها بالنسبة لما يرد في كتب الأمهات الأخرى والدواوين.
أما من حيث الرأي وقائله فقول الإمام مقدم على أي قول آخر إذا ورد ذلك في الموطأ أولاً، ثم في المدونة ثانياً، ويليه قول خليفته ابن القاسم مع إعطاء الأولوية لما يرد عنه في المدونة، ثم ما يرد عنه في المصادر الأخرى، يلي ذلك آراء تلاميذ مالك الآخرين في المدونة أولاً، ثم في المصادر الأخرى.
بناءً على هذه القاعدة يتحدد الرأي الراجح المعتمد للفتوى في مذهب مالك (في هذا الدور) حسب الترتيب الآتي:
١ - قول مالك في الموطأ.
٢ - قول مالك في المدونة.
٣ - قول ابن القاسم في المدونة.
стр. 193
٤ - قول ابن القاسم في غير المدونة.
٥ - قول غير ابن القاسم في المدونة.
٦ - قول غير ابن القاسم من أهل المذهب خارج المدونة.
هذا الترتيب الإلزامي لا يسمح بالانتقال من درجة إلى أخرى إلا عند عدم الحصول على رأي للمصدر الأول وهكذا.
كما أن هذه القاعدة تضع ترتيباً إلزامياً بين كتب المذهب المعتمدة للترجيح على النحو الآتي:
١ - الموطأ.
٢ - المدونة.
٣ - الكتب الأخرى من الأمهات والدواوين.
* * *
стр. 194
٣ - منهج الدراسة والبحث والتأليف
تبلور في أواخر المرحلة الأولى اصطلاحان رئيسان لدراسة المذهب واستنباط الأحكام الشرعية: "اصطلاح عراقي، واصطلاح قروي" (١):
١ - الاصطلاح العراقي:
" فأهل العراق [مدرسة العراق] جعلوا في مصطلحهم مسائل المدونة كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرّجوا على الكتاب بتصحيح الروايات، ومناقشة الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل، وتحرير الدلائل على رسم الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين" (٢).
ولا شك أن مدرسة العراق في منهجها هذا متأثرة بالبيئة العلمية المحيطة بها، وهي البيئة التي ساد فيها مذهب أهل الرأي، ويعود الفضل في وضع أسس هذا المنهج المالكي العراقي، إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي، فقد "صنف في الاحتجاج لمذهب مالك، والشرح له ما صار لأهل هذا المذهب مثالاً يحتذونه، وطريقاً يسلكونه" (٣).
стр. 195
٢ - الاصطلاح القروي:
" أما الاصطلاح القوي: فهو البحث عن ألفاظ الكتاب، وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات، وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب، واختلاف المقالات، مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار، وترتيب أساليب الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع في السماع، وافق ذلك عوامل الإعراب أو خالفها" (١)، فهو منهج أثري يركز على "النص"، والتخريج عليه، ومدارسته، ومناقشته.
نتج من الاتصالات العلمية تقارب هاتين الطريقتين تقارباً أدى إلى توحيدهما وامتزاجهما، وهو امتزاج ظهر جلياً واضحاً في أواخر مرحلة التطور بصفة خاصة، وإن كانت معالمه ظهرت في وقت مبكر.
يصور لنا فضيلة الشيخ ابن عاشور في أسلوب دقيق مركز مدى تأثير الصلاة الفكرية بين مدارس المذهب في التكوين العلمي والمنهجي لابن أبي زيد فيقول: " ... وكان اتجاهه [ابن أبي زيد] إلى تفريع الفقه، وتحقيقه، ... ، فعقد صلاته الفكرية منذ نشأته الأولى بمراكز الثقافة الفقهية، وارتوى من منافعها، فكانت صلات أخذه
стр. 196
وتخرجه على شيوخ إفريقية، وأخصهم به أبو بكر ابن اللباد، وشيوخ الأندلس، أخصهم الأصيلي (١)، وشيوخ فاس، وأخصهم دراس بن إسماعيل، وشيوخ مصر، وأخصهم ابن شعبان (٢) صاحب الزاهي، وشيوخ العراق، وأخصهم أبو بكر الأبهري، صاحب الزاهي، وشيوخ العراق، وأخصهم أبو بكر الأبهري، والقاضي أحمد بن إبراهيم من آل حماد (٣)، فاجتمعت لديه نفائس
стр. 197
الآثار، وتلاقى في كنفه متباعد الأفكار" (١).
وبتعبير آخر، امتزجت في ابن أبي زيد خلاصة أفكار المدراس المالكية باختلاف فروعها واتجاهاتها.
والإمام الباجي ﵀ مثال لأثر الرحلات العلمية في تكوين المنهج الفقهي للعالم، فقد درس الباجي - أول ما درس - على علماء الأندلس، ومدرسة الأندلس آنذاك مدرسة أثرية المنهج "التزمت ... علم الحديث، وفقه الأثر ... على طريقة الموطأ، مخالفة في ذلك طرائق العراقيين، والمصريين، والقرويين من أتباع المذهب المالكي في ما اقتبست طرائقهم من أساليب الجدل الكلامي، وما بنيت عليه من قواعد النظر، وأصول الفقه التي أصلها في العراق القاضي إسماعيل، ثم فتقها أبو بكر الأبهري والقاضي عبد الوهاب" (٢).
رحل الباجي إلى المشرق في رحلة طويلة امتدت ثلاثة عشر عاماً (٣)، تتلمذ فيها على علماء مصر، والحجاز، والشام، والعراق حيث تعمق في درس مناهج الفرع المالكي العراقي، جامعاً في دراسته بين الفقه والحديث (٤)، حتى إذا عاد إلى الأندلس أضحى
стр. 198
مدرسة قائمة بذاتها "أبلغ ما كان فيها في الفقه وإتقانه على طريقة النظار العراقيين من البغداديين، وحذاق القرويين" (١)، "فانتصب بيرز للناس علماً تقنناً، على مناهج عجيبة، وفي صور بديعة، وأول ما لفت أنظار الناس إليه جمعة الغريب بين طريقتي العقل والنقل" (٢)، وقد كان لتلاحم هاتين الطريقتين وامتزاجها في التكوين العلمي للباجي أثره الواضح في منهجه: مناقشة، ومناظرة، وبحثاً، وتأليفاً.
أما المناقشة والمناظرة، فقد كان ميدان المناظرة في الفقه الإسلامي في الأندلس لا فارس فيه إلا ابن حزم الظاهري، وتصدى له الباجي بعد عودته مبدياً براعته في الجدل والمناظرة التي تمرس فيها على يد علماء العراق، وكانت النتيجة "فضيحة ابن حزم وخروجه عن ميورقة وقد كان رأس أهلها" (٣)، وبذلك " ... انقطع مذهب الظاهرية بتاتاً، ووضعت بعد ذلك الحرب المذهبية في الأندلس أوزارها" (٤).
شرح الباجي الموطأ في كتابه المنتقى، وهذا الشرح دليل حي على براعة الباجي في الدمج بين الطريقتين. "طريقة النظار من
стр. 199
البغداديين، وحذاق القرويين، والقيام بالمعنى، والتأويل" (١)، "وعلى هذا المنهج ألف مختصر المدونة الذي سماه (المهذب) على طريقة تنظير المسائل وترتيبها على أصولها" (٢)، وجاء بعده الإمام ابن رشد فطبق الطريقة الجامعة نفسها في كتابه الشهير (المقدمات الممهدات) (٣).
يستمر التقارب، والاندماج بين الطريقتين حتى يظهر عياض القاضي فيقدم لنا أنموذجاً آخر للمج بين الطريقتين في شرحه للمدونة شرحاً "جمع فيه بين الطريقة العراقية التي تعتمد على القياس، والتأصيل، وتحقيق المسائل، وتقرير الدلائل، والطريقة القروية التي تعتمد على الضبط، والتصحيح، وتحليل المسائل، والمباحث، واختلاف التخاريج، والمحامل، زيادة على ما أضفى عياض على هذا الجمع من متانة التقرير، وضوح العبارة، وإحكامها، واشتهر هذا الشرح باسم: "التنبيهات" (٤).
стр. 200
التأليف منهجاً وموضوعاً
من الظواهر العلمية التي تميزت بها هذه المرحلة من مراحل تطور المذهب: ظهور نزعة التجديد في التاليف الفقهي: منهجاً، وموضوعاً:
أ- المنهج:
إن أمهات المذهب ودواوينه كثرت "فيها التخاريج، والآراء، وتعددت الاصطلاحات، وتداخلت بين المدون من كلام مالك، واللاحق به من تفسير، وبيان أو اجتهاد مخالف لاجتهاده" (١)، ومن ثم كان لابد أن يقوم علماء المذهب بمهمة "الضبط، وتجديد التلخيص، التهذيب؛ كحتى تتحد الصور، وينسجم التعبير، ويأتلف ما تفرق من الأسمعة، ويجتمع ما تشتت من الأقوال" (٢)، وبذلك دخل التأليف المذهبي مرحلة (الغربلة) والتمحيص بعد أن انتهت مرحلة الجمع، وكان نتاج هذا العمل مؤلفات منسقة، منظمة، محررة الأقوال مركزة، وربما أطلق على نتاج هذا العمل العلمي "اختصاراً"، والكتاب مختصراً، وهو استعمال لهذا الاصطلاح بمدلوله اللغوي الأوسع شمولاً من استعمال المتأخرين الضيق له.
"فالاختصار في هذه المرحلة له طابع خاص يختلف شكلاً،
стр. 201
ومضموناً عما آل إليه الوضع في العصور المتأخرة" (١)، ومن ثم ينبغي أن لا ينطلق بنا العنان فنتخيل تلك المؤلفات المختصرة - اسماً لا مسمى - كراسات صغيرة، تجمع نقاطاً رئيسة مركزة، أو بتعبير آخر "تذكرة لرؤوس المسائل، ينتفع بها المنتهي للاستحضار، وربما أفادت بعض المبتدئين الأذكياء؛ لسرعة هجومهم على المعاني من العبارات الدقيقة" (٢)؛ إذ المختصرات في هذه المرحلة تهذيب، وتنقيح، وتنظيم، وترتيب للمادة الفقهية، فكتاب التفريغ مثلاً؛ عرف بالمختصر، وهو في الحقيقة من "المختصرات الجامعة التي تتناول عدداً ضخماً من المسائل المندرجة تحت أبواب الفقه كلها بصورة شاملة، وبصيغة موجزة" (٣). ولعل تسمية مثل هذا التهذيب مع شموله واتساعه اختصاراً إنما هو بالنسبة للدواوين التي سبقته، والتي كانت تضم الكثير والكثير من السماعات، والروايات، والأقوال المترادفة والمتعارضة أحياناً (٤).
في ضوء ما تقدم يمكن أن يقال: إن منهج التأليف في هذه الفترة
стр. 202
كان على نسقين.
(١) التهذيب، والترتيب، والاختصار، والتنقيح لأمهات ودواوين المذهب، مع زيادة ما استجد وترجح من آراء، وقد نالت المدونة أعظم قسط من هذا الاتجاه؛ إذ كانت موضوعاً لكثير من مولفات التهذيب، والاختصار، والترتيب، ظهر واضحاً في جهود المدرسة المصرية، والقيروانية، في حين كانت الواضحة، والعتبية محل اهتمام المدرسة الأندلسية تهذيباً، وترتيباً، واختصاراً، وشرحاً، وفي ذلك يقول ابن خلدون (١): "ولم تزل علماء المذهب يتعاهدون هذه الأمهات بالشرح، والإيضاح، والجمع، فكتب أهل إفريقية على المدونة ما شاء الله أن يكتبوا، مثل أن يونس (٢)،
стр. 203
واللخمي، وابن محرز، والتونسي (١)، وابن بشير، وأمثالهم، وكتب أهل الأندلس على العتبية ما شاء الله أن يكتبوا مثل ابن رشد وأمثاله، وجمع ابن أبي زيد جميع ما في الأمهات من المسائل، والخلاف، والأقوال في كتاب النوادر، فاشتمل على جميع أقوال المذهب وفروع الأمهات كلها في هذا الكتاب، ونقل ابن يونس معظمه في كتابه على المدونة" (٢).
(٢) صياغة جديدة منظمة مركز للآراء الفقهية في المذهب بعامة، وللترجيحات والتخريجات الممثلة لمدرسة ما بخاصة، فيكون الكتاب جديداً في منهجه التأليفي وصياغته الفقهية، وغن لم يخرج عن ارتباط واعتماده على أمهات المذهب ودواوينه المشهورة، ومن أشهر الكتب الممثلة لهذا الاتجاه كتاب التلقين للقاضي عبد الوهاب، وكتاب التفريع لابن الجلاب، والرسالة لابن أبي زيد القيرواني (٣). وكل واحد من هذه الثلاثة أطلق عليه اسم المختصر.
стр. 204
ب- الموضوع:
برز في هذه المرحلة اهتمام علماء المالكية بعلم القضاء (١) (الأقضية)، فأفردوا هذا العلم بمصنفات خاصة تركز العناية على الجانب التطبيقي للأحكام الشرعية؛ من حيث كونها موضوعاً قضائياً، ولعل اهتمام علماء المالكية بهذا الجانب من فقه القضاء يعود إلى المبدأ الذي انفرد به المذهب المالكي منذ نشأته، والذي يتبنى الاحتجاج بعمل أهل المدينة، وإعطاءه الأفضلية حين يكون الخيار بين خبر (أثر)، وعمل (تطبيق) مقدمين العمل (التطبيق الواقعي) على الخبر والأثر (الحكم النظري).
وجه علماء المالكية عنايتهم بالبحث والتأليف في ثلاثة ميادين من ميادين تطبيق الفقه الإسلامي القضائي وهي:
١ - الوثائق والشروط .
٢ - ما جرى به العمل.
٣ - الفتاوى والنوازل.
١ - الوثائق والشروط (٢):
стр. 205
وهو موضوع قديم جديد، قديم قدم الفقه الإسلامي؛ حيث هو بمادته جزء لا يتجزأ من علم القضاء وفقهه، وجديد من حيث العناية بإظهاره وإبرازه حتى أصبحت من أهم صفات العالم المالكي المتمكن: نبوغه في الشروط، والتوثيق، ولا تكاد تجد عالماً مشهوراً من علماء هذه المرحلة - وخاصة في الأندلس - إلا وقد اعترف له بالتمكن في الوثائق والشروط.
والوثائق، والشروط لا تكاد تنفصل عن الأقضية؛ إذ الوثائق: "هي العقود التي يسجلها الموثوقون العدول" (١) "والشروط، والوثائق، والعقود أسماء لمسمى واحد" (٢) فهي تمثل ما يسمى في عصرنا "الصكوك" التي تصدرها المحاكم وكتَّاب العدل بما تحويه من حكم قضائي، أو عقود ترتبط بها شروط أو فسخ، إلا أن المالكية عالجوا في كتب الأقضية، معالجة مسهبة مركزة كل ما يتعلق بآداب، وألفاظ، وأركان، وكيفية صياغة وكتابة العقود، والشروط والأحكام، بل أفردوا للوثائق والشرط، وكيفية صياغتها، وكل ما
стр. 206
يتعلق بها من أحكام شرعية كتباً خاصة، مؤكدين أن كل ذلك لا يمكن أن ينفصل عن الفقه وأحكامه، فعلى الفقه "تبنى وثائق تلك الأبواب، وليس للتوثيق أركان وشروط خارجة عن الفقه الذي ذكروه كما ظنه كثير من جهلة الطلبة" (١)، غير أن "طريقة التوثيق مبنية على الاحتياط، والجزم، والخروج عن الخلاف، وارتكاب الوجه المتفق عليه قطعاً للنزاع، والخصومات" (٢).
والناظر إلى كتب الوثائق يجد أنها تقدم الأحكام الشرعية الفقهية للقضايا المختلفة، وتعقب بذكر صيغة الحكم، أو العقد الذي ينبغي كتابته، فمثلاً:
"فصل: والاستئجار على الأعمال جائز، ولابد من تعيين العمل، ومقدار الأجرة، (ويكتب في ذلك): عقد: استأجر فلان فلاناً البناء، أو النساج على عمل كذا، وتصفه بأقصى ما تقدر عليه - بأجرة مبلغها كذا، قبضها الأجير، أو تدفع لأجل كذا، وعلى الشروع في العمل، وشهد عليهما بذلك في كذا" (٣)، ثم يعقب المؤلف ببيان حكم الإجارة، وكلما تعرض لمسألة تحتاج إلى "نص عقد" أورد لذلك مثالاً (٤) وهكذا. و"إنما تستقل العقود الصحيحة،
стр. 207
وتتم الموجبات الصريحة، بثبوتها لدى الحاكم المنعقدة ولايته، عند تحصيل شروطها صحة، وكمالاً ... " (١).
فعلم الوثائق إذن: "علم يبين عناصر كل اتفاقية معقودة بين شخصين أو عدة أشخاص، يضمن استمرارها، موضحاً لكل من العاقد له، والمعقود عليه، ما له، وما عليه، والذي يتعاطى هذا الفن هم الشهود أو ما يعبر عنه اصطلاحاً بالعدول" (٢).
"ومن الجدير بالذكر، أن نهضة (٣) هذا الفن بدأت في الأندلس، وهكذا ما أن أقبل القرن الثالث الهجري، حتى بدأت.
стр. 208
هذه الصناعة في الظهور والذيوع؛ إذ ارتبط علم التوثيق بفقه القضاء، وما الوثائق إلا ثمرة الفقه، ونبغ في هذا الفن فقهاء أجلاء خدموا هذا العلم، وأدخلوا عليه تغييراً جوهرياً، اقتضته عوامل كثرة المعاملات المدنية، والتجارية، وبرزت إلى الميدان أشكال جديدة من الوثائق الفقهية" (١).
٢ - ما جرى به العمل (الماجريات):
اهتم علماء المالكية - وخاصة في هذه المرحلة - بعنصر آخر من العنصر التطبيقية في علم القضاء، وهو العنصر الذي اصطلح على تسميته بما جرى عليه العمل، أو فقه العمليات (الماجريات). فكتب الاقضية تحرص على النص على ما جرى به العمل القضائي نظراً للمبدأ الذي تبناه علماء المالكية، والذي يحتم الالتزام بما جرى به العمل القضائي، وهو مبدأ قد يعود في أساس تصوره إلى القاعدة الأساسية في مذهب مالك: الاحتجاج بعمل أهل المدينة (٢).
"ولا يعرف بالضبط التاريخ الذي بدأ فيه هذا العمل، والذي يستنتج من بعض الوقائع التاريخية أن ذلك كان حوالي القرن الرابع الهجري .. " (٣).
стр. 209
"ولا تمضي من الزمن إلا قليلاً، ونصل إلى القرن الخامس الهجري، حتى نرى هذا (العمل) صار من الذيوع والانتشار، ما غطى مجموع تآليف الفقهاء. بل إن بعضهم خصّ بالتأليف كتاباً كل ما ذكر فهي من مسائل نص على أن العمل جرى بها، كما هو الشأن بالنسبة لأبي الوليد الباجي" (١) في كتابه فصول الأحكام؛ إذ هو "موضوع أساساً لبيان ما جرى عليه الحكام، وما درج عليه الفقهاء في إفتائهم كما يدل على ذلك عنوانه" (٢).
٣ - الفتاوى والنوازل:
" علم تروى فيه الأحكام الصادرة عن الفقهاء في الوقائع الجزئية، ليسهل الأمر على القاصرين بعدهم" (٣).
"وقد أقبل كثير من العلماء في مختلف المذاهب على التصنيف في هذا العلم، وجمع شتات ما صدر عن الفقهاء من فتاوى، سموها أحياناً بالأجوبة، ووسمت مؤلفاتهم تارة بالفتاوى، وتارة بالنوازل، وتارة أخرى بالأحكام، أو مسائل الأحكام" (٤).
стр. 210
" ... ولما كانت إجابات المفتين مبنية على أسئلة المستفتين المتعلقة بالأحداث النازلة، والأمور الطارئة، فإنها تبتعد في الغالب عن الجانب النظري المحض في الفقه" (١)، فهي في جلها تطبيق للفقه على وقائع الحياة، "وتصور ألوانها من حياة المستفتين، ومعاملاتهم، وعاداتهم، وظروف عيشهم ... " (٢).
والمتتبع لكتب النوازل والفتاوى المالكية يجد أنها يمكن أن تصنف في قسمين رئيسين:
١ - كتب تحتوي على أحكام قضائية، في قضايا عرضت على المؤلف بصفته قاضياً، فأصدر حكمه فيها.
ومن الأمثلة على هذا النوع من التأليف كتاب: المفيد للحكام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام للقاضي أبي الوليد هشام بن عبد الله (٣)؛ إذ يقول في مقدمة كتابه: "أما بعد فإنني منذ ابتليت بالنظر بين الناس في الأحكام، والفصل بينهم في النوازل التي تدور
стр. 211
في مجال الحكام، لم أزل عند وقوعها أجعل هجيراي العكوف على استخراجها من أمهات الكتب، والوقوف على مواضعها في الدواوين المتضمنة لها، وأقيد عند كل نازلة تطرأ، أو حادثة من الأحكام تنشأ، حتى اجتماع لي جملة صالحة من المسائل التي لا غنى عنها، ولابد للحكام منها، وقيدتها مفترقة حسب وقوعها في أوقات مختلفة، فرأيت بعد استخارة الله تعالى أن أضم نشرها، وأنتظم ردها، وأقيم مائلة صورها، وأضيف إليها مسائل تليق بمعناها، تبعث النفس على البحث والتنقير عن سواها، وأنسب كل قول إلى قائله، وأسمى الكتب الذي [هكذا] نقلتها منها ... " (١).
والقاضي عياض "لما طال في خطه القضاء دوامه، وساعدته لياليه وأيامه، نزلت إليه من الأقضية نوازل تحار فيها الأذهان والأفهام، ويبعد مأخذها من طرق القضايا والأحكام فيحكم فيها بما يتجه عنده، ويبذل في ذلك استطاعته وجهده" (٢)، تصدى لجمع هذه القضايا ابنه محمد (٣) بن عياض فيقول: "وألفيت بعد موته
стр. 212
- رحمة الله عليه - سؤالاته على تلك النوازل، والأجوبة عليها في بطائق، فنقلت تلك الأسولة من خطة ﵁ إلا ما نبهت عليه ... " (١).
٢ - كتب جمعت فتاوى هي إجابات لأسئلة وجهت إلى مؤلفها وقام هو بنفسه بجمعها، أو جمعها أحد تلاميذه، أو المهتمين بهذه القضايا (٢).
وهذا النوع من كتب الفتاوى والنوازل هو الغالب، فابن رشد جمع فتاويه تلميذه ابن الوزان (٣)، ثم قام بعرضها عليه (٤)، في حين أن الوزاني (٥) جمع بنفسه فتاويه في نوازله حيث يقول: "هذه
стр. 213
مسائل مفيدة، وأجوبة في الفقه دقيقة، كنت زمن تعاطي الفتوى إذا أجبت عن مسألة قيدتها، فلما اجتمع عندي ما يسر الناظر فيها، بادرت إليها فجمعتها، وهنا اثبتها ... " (١).
стр. 214
أشهر مؤلفات هذه المرحلة
زخرت هذه المرحلة بالكثير من المؤلفات الفقهية المقبولة لدى علماء المالكية، إلا أن درجات القبول تختلف من مؤلف لآخر، ويصور تباين "الدرجات" ما يطلقه علماء المالكية على هذه الكتب من صفات الاستحسان والتقدير، تمييزاً لمؤلف واعتناء به وإظهاراً لما يتمتع به محتوى الكتاب من وزن في الميدان العلمي.
في ضوء هذه الحقيقة يمكن تصنيف المؤلفات المالكية في هذه المرحلة إلى:
١ - مؤلفات وصفت بأنها (معتمدة)، (معوّل عليها)، (تلقاها العلماء بالقبول) ... ، وغير ذلك من الصفات التقويمية الصريحة في اعتماد الآراء الفقهية لتلك الكتب وترجيحاتها.
٢ - مؤلفات لم يجد الباحث تصريح العلماء باعتمادها، إلا أنها نالت استحساناً من العلماء، فوصفوها بأوصاف تنبئ عن قبولها - على وجه العموم، فهناك (كتب مشهورة)، وأخرى (حسنة مفيدة)، و (جامعة حافلة)، وهذه الصفات صفات تقديرية لا تستلزم اعتماد كل ما جاء في هذه المؤلفات والعكس صحيح.
٣ - مؤلفات لم يطلع الباحث على التصريح باستحسانها، ولا برفضها، ولكنها في واقع الحال حظيت بعناية بعض من كبار علماء
стр. 215
المذهب، فاقتبسوا منها، وعزوا إليها أخباراً برأي، أو تأييداً، أو اعتماداً.
ولكن لا نغمط أياً من هذه المؤلفات حقها رأى الباحث أن يضع بين يدي القارئ الكتب (المقبولة) من العلماء بالمعنى الشامل الواسع للقبول، غير مدع الاستقصاء لكل الكتب، أو حتى معظمها، بل هو جهد المقل، معتمداً في ترتيبها على التسلسل الزمني لوفاة مؤلفيها ما أمكن.
١ - المبسوطة: ليحيى بن إسحاق الليثي (ت ٣٠٣ ه ـ) (١).
والكتاب - أو الكتب المبسوطة - جمع فيه مؤلفه الأندلسي "اختلاف أصحاب مالك وأقواله" (٢)، وبلغ من الاهتمام بهذا