"اشتهرت اشتهار النهار، وشاعت في جميع الأقطار، وتلقاها الناس بالقبول في سائر الأمصار" (١).
"أقبل الناس عليه، من المغرب، ومن المشرق، فجعلوه عمدتهم في تنشئة الأطفال ... ، كما جعلوه عمدتهم في مراجعة المسائل للمتفقهين" (٢).
٢ - النوادر والزيادات:
أحد كتابين لابن أبي زيد عليهما "المعول بالمغرب في التفقه" (٣)، جمع فيه "جميع ما في الأمهات من المسائل، والخلاف، والأقوال" (٤)، و"أوعب فيه الفروع المالكية، فهو في المذهب المالكي كمسند أحمد عند المحدثين، إذا لم توجد المسألة فيه فالغالب أن لا نص فيها" (٥).
٣ - مختصر المدونة:
ثاني كتابين لابن أبي زيد عليهما المعول عند المالكية (٦)، فعلى
стр. 352
هذا الكتاب - مع النوادر- "معول المالكية في عصور بعده وفي عصره" (١).
(٤) عيون الأدلة لابن القصار:
أحد القاضيين اللذين لولاهما لذهب المذهب، واحتكام الباجي وعلماء الشام (٢) إلى كتب ابن القصار دليل واضح على اعتمادها.
(٥) كتب القاضي عبد الوهاب بن نصر:
وتتميز كتبه بعنصرين أعطاها ما تستحقه من اهتمام علماء المالكية واعتمادهم عليها، أول هذين العنصرين: أن كتبه تمثل زبدة التطور في آراء علماء المالكية في العراق، فمؤلفها وارث أبي بكر الأبهري، وابن الجلاب، وأبي الحسن القصار، وثاني العنصرين: أن كتبه تمثل الاندماج بين آراء قمة مدرستين مالكيتين: القاضي عبد الوهاب (أحد المحمدين)، زعيم المدرسة العراقية، وابن أبي زيد، مالك الصغير، زعيم المدرسة القيروانية، ويظهر هذا الاندماج في مؤلفات القاضي عبد الوهاب التي تناول فيها كتب ابن أبي زيد، حيث شرح الرسالة، والمختصر.
ويصور مدى اعتماد المالكية على كتبه أنها احتكم إليها في الخلاف بين الباجي، وعلماء الشام (٣)، ويعتبر كتاب التلقين أشهر
стр. 353
كتب القاضي عبد الوهاب، فهو أحد الكتب التي عكف عليها المالكيون شرقاً وغرباً (١).
(٦) التهذيب للبراذعي:
"اعتمده المشيخة من أهل إفريقية، وأخذوا به، وتركوا ما سواه" (٢).
فـ"عليه معول أكثرهم بالمغرب، والأندلس" (٣)، بل "ما المعول إلا عليه شرقاً وغرباً" (٤)، فهو "الكتاب المعتمد عليه الآن الذي ينطلق عليه اسم الكتاب عند المالكية حتى الإسكندرية" (٥).
"حصل عليه الإقبال شرقاً وغرباً، دراسة، وشرحاً، وتعليقاً، واختصاراً من أئمة المالكية بالأندلس، والمغرب، وتركوا به المدونة ومختصراتها" (٦)، وبلغ من شهرة الكتاب أن "صار من اصطلاحهم إطلاق المدونة عليه" (٧)، وبإيجاز: التهذيب "أصل الأصول
стр. 354
للمذهب المالكي، وكل ما ألف متفرع عليه" (١).
(٧) الجامع لابن يونس:
"عليه اعتماد طلبة العلم" (٢)، و"عليه اعتمد من بعده، وكان يسمى مصحف المذهب، لصحة مسائله، ووثوق صاحبه" (٣).
ومؤلف الجامع أحد الذي اعتمدهم خليل في مختصره (٤).
(٨) المنتقى للباجي:
"ومن الكتب المعتمدة الموطأ لمالك، وشرحها للباجي" (٥)، إذ هو "أحسن كتاب ألف في مذهب مالك" (٦).
والمنتقى، وإن كان في أصل تأليفه شرحاً للموطأ فإنه في واقعه وحقيقته موسوعة فقه مقارن يركز على آراء المذهب المالكي،
стр. 355
والتدليل له جنباً إلى جنب مع آراء المدارس الفقهية الأخرى.
(٩) التبصرة للخمي:
"كان أهل المئة السادسة وصدر السابعة، لا يسوغون الفتيا من تبصرة اللخمي؛ لأنها لم تصحح على مؤلفها، ولم تؤخذ عنه" (١)، إلا أنه فيما بعد اعتمدت اختياراته أقوالاً في المذهب، بل أصبح اللخمي "أحد الأئمة الأربعة المعتمدة ترجيحاتها في مختصر خليل" (٢).
(١٠) مؤلفات ابن رشد:
"واعتمدوا ما ألف ابن رشد" (٣)، إذ هو أحد الأربعة الذين اعتمدهم خليل في مختصره (٤)، وأشهر كتبه، وأكثرها تداولاً بين العلماء هي:
١ - البيان والتحصيل " ... من كتب المالكية الجليلة القدر،
стр. 356
المعتمدة عند كل من جاء بعده" (١).
٢ - المقدمات الممهدات.
٣ - فتاوى ابن رشد: التي جمعها تلميذه ابن الوزان.
(١١) مؤلفات المازري وهي:
١ - التعليقة على المدونة.
٢ - شرح التلقين.
٣ - الفتاوى.
هذه كتب اكتسبت اعتمادها من اعتماد ترجيحات مؤلفها الإمام المازري، والذي صرح بأنه ليس "ممن يحمل الناس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه" (٢)، مع أنه كان "آخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه، ورتبه الاجتهاد" (٣)، مما جعله أحد الأربعة الذين نالوا - وباستحقاق- اعتماد خليل في مختصره المشهور (٤).
стр. 357
(١٢) كتاب التنبيهات للقاضي عياض:
والكتاب "من كتب المالكية المعتمدة إلى الآن" (١)، وعليه "المعول في حل ألفاظ المدونة، وتحليل رواياتها، وتسمية رواتها" (٢)، "وسعة رواية عياض هي التي أحلته المحل الأول في الفقه المالكي، وجعلت أبناء عصره يعولون عليه في حل ألفاظ مدونة الإمام سحنون" (٣).
(١٣) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس:
أحد الكتب التي عكف عليها المالكيون شرقاً وغرباً (٤).
ثانياً- الكتب المعتمدة في الفقه التطبيقي (علم القضاء، والوثائق، والشرائط):
(١٤) وثائق ابن العطار:
وهو كتاب "يعول الناس في عقد الشروط عليه، ويلجأون إليه" (٥)، فـ"عليه معول أهل زماننا اليوم" (٦).
стр. 358
(١٥) كتاب الوثائق والشروط لابن الهندي:
"عليه اعتماد الحكام، والمفتين" (١).
(١٦) المقنع في أصول الأحكام لسليمان البطليوسي:
"عليه مدار المفتين والحكام" (٢)، "ولا يستغني عنه الحكام" (٣).
(١٧) الإعلام بنوازل الحكام، (المشهور بنوازل ابن سهل):
والكتاب معتمد "يعول الحكام عليه" (٤)، و"شيوخ الفتوى" (٥).
(١٨) المتيطية (النهاية والتمام في معرفة الوثائق والأحكام، لأبي الحسن علي المتيطي:
وكتاب المتيطية "اعتمده المفتون، والحكام" (٦).
(١٩) طرر ابن عات:
"من الكتب المعتمدة الموثوق بصحة ما فيها" (٧).
стр. 359
ختاماً:
لا يغيب عن الناظر إلى ما تقدم عرضه من الكتب المعتمدة استنتاج حقيقتين:
أولاهما: أن هذه الكتب تمثل في مجموعها كل المدارس المالكية الفقهية باختلاف فروعها.
ثانيهما: أن هذه الكتب ترتبط في جلها ارتباطاً مباشراً بعضها ببعض، ويتسلسل ارتباطها إلى أمهات كتب المذهب ودواوينه.
* فالمنتقى شرح الموطأ.
* ومختصر ابن أبي زيد، والتهذيب، وتبصرة اللخمي، والمقدمات، والتنبيهات، وتعليقة المازري، كلها مؤلفات تخدم (المدونة) شرحاً واختصاراً، أو تقريراً وتنبيهاً.
* والبيان والتحصيل، شرح موسع (للعتبية).
* وكتب الأبهري، والتفريع، والتلقين ... تعتمد على (المبسوط) لإسماعيل القاضي بجانب اعتمادها على (مختصر ابن عبد الحكم)، و (المدونة).
* ويأتي شرح التلقين للمازري ليربط بين مدرسة العراق، والقيروان ربطاً يتميز بتقديم آراء المدرستين على نهج المدرسة العراقية المالكية.
стр. 360
* النوادر والزيادات ضم بين دفتيه خلاصة أمهات المذهب ودواوينه: الواضحة، والعتبية، والموازية، وكتب ابن سحنون، ومجموعة ابن عبدوس جنباً إلى جنب مع أراء المدرسة العراقية ممثلة فيما ضمه الكتاب من آراء أبي بكر الأبهري، وبكر بن العلاء وغيرهما، وآراء المدرسة المصرية ممثلة في ابن شعبان.
* والجامع لابن يونس اختصر المدونة، وشرح مسائلها معتمداً على المستخرجة، والموازي، والنوادر، والزيادات، ومختصر ابن أبي زيد.
* أما عقد الجواهر المصرية المحتد، فيقدم كل آراء المذهب ومسائله مرتبة منسقة في منهج جديد، مشوق، يعتبر "غاية منتهى التحرير" (١).
ولا يخفى على فطنة القارئ أن ما ألف في علم القضاء، والوثائق، والشروط لا يتعدى مضمونه ما اعتمده علماء المذهب في كتبهم المعتمدة آنفة الذكر.
* * *
стр. 361
المصادر المراجع (١)
١ - الإسنوي، جمال الدين عبد الرحيم.
طبقات الشافهية.
الرياض: دار العلوم للطباعة والنشر، (١٤٠١ هـ / ١٩٨١ م).
٢ - أعراب، سعيد.
مع القاضي أبي بكر بن العربي.
الطبعة الأولى، بيروت: دار الغرب الإسلامي (١٤٠٧ هـ / ١٩٨٧ م).
٣ - الباجي، أبو الوليد سليمان بن خلف.
فصول الأحكام وبيان ما مضى عليه العمل عند الفقهاء والحكماء.
تقديم وتحقيق محمد أبي الأجفان، الدار العربية للكتاب، والمؤسسة الوطنية للكتاب، ١٩٨٥ م.
٤ - البغدادي، إسماعيل باشا.
стр. 362
هدية العارفين، أسماء المؤلفين آثار المصنفين.
الطبعة الثالثة، طهران، طبعة بالأوفست، المكتبة الإسلامية والجعفري التبريزي (١٣٨٧ هـ).
٥ - التليلي، المختار بن الطاهر.
ابن رشد وكتابه المقدمات.
الجماهير الليبية: الدار العربية للكتاب، ١٩٨٨ م.
٦ - الجيدي، عمر بن عبد الكريم.
العرف والعمل في المذهب المالكي ومفهومهما لدى علماء المغرب.
المملكة المغربية، اللجنة المشتركة لنشر وإحياء التراث الإسلامي بين المملكة المغربية وحكومة الإمارات العربية المتحدة (١٤٠٤ هـ م ١٩٨٤ م).
٧ - حاجي خليفة، مصطفى بن عبد الله الشهير أيضاً بكتاب جلبى.
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون.
الطبعة الثالثة، طهران: طبعة بالأوفست، المكتبة الإسلامية والجفعري التبريزي (١٣٧٨ هـ).
٨ - الحطاب، محمد بن محمد.
стр. 363
تحرير الكلام في مسائل الالتزام.
تحقيق عبد السلام محمد الشريف، الطبعة الأولى، بيروت دار الغرب الإسلامي (١٤٠٤ هـ/١٩٨٤ م).
٩ - الخشني، محمد بن حارث.
أصول الفتيا في الفقه على مذهب الإمام مالك.
تحقيق وتعليق الشيخ محمد المجذوب وزملائه. الدار العربية للكتاب والمؤسسة الوطنية للكتاب، (١٩٨٥ م).
١٠ - الخطابي، حمد بن محمد بن إبراهيم.
معالم السنن مع مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري وتهذيب الإمام ابن القيم.
تحقيق محمد حامد الفقي، القاهرة، مكتبة السنة المحمدية.
١١ - خلاف، محمد عبد الوهاب.
الفقيه ابن أبي زمنين ومخطوطة منتخب الأحكام.
مجلة معهد المخطوطات العربية، العدد الثلاثون، الجزء الأول، جمادى الأولى - شوال ١٤٠٦ هـ، يناير - يونيو ١٩٨٦ م. الكويت.
١٢ - ابن رشد، محمد بن أحمد (الجد).
فتاوى ابن رشد.
стр. 364
تقديم وتحقيق المختار الطاهر التليلي، الطبعة الأولى، بيروت، دار الغرب الإسلامي (١٤٠٧ هـ/١٩٨٧ م).
١٣ - ابن رشد، محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد (الحفيد).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد.
القاهرة، الناشر مكتبة الكليات الأزهرية (١٣٨٩ هـ/١٩٦٩ م).
١٤ - زروق، أحمد بن محمد البرنسي.
شرح زروق مع شرح ابن ناجي على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني.
بيروت، دار الفكر (١٤٠٢ هـ/ ١٩٨٢).
١٥ - ابن أبي زيد، عبد الله بن أبي زيد.
الرسالة الفقهية مع غرر المقالة في شرح غريب الرسالة لمحمد بن منصور المغراوي.
إعداد وتحقيق الهادي حمو، ومحمد أبي الأجفان، الطبعة الأولى، بيروت، دار الغرب الإسلامي (١٤٠٦ هـ/١٩٨٦ م).
١٦ - ابن سلمون، أبي محمد عبد الله بن عبد الله.
العقد المنظم للحكام فيما يجري بين أيديهم من العقود والأحكام، على هامش كتاب التبصرة لابن فرحون.
стр. 365
الطبعة الأولى مصورة، بيروت، دار الكتب العلمية.
١٧ - الشاذلي النيفر، محمد.
تراجم خليل لعظوم والطرق التقريبية للفقه.
النشرة العلمية للكلية الزيتونية، السنة الأولى، المجلد الأول، تونس.
١٨ - ابن شاش، عبد الله بن نجم.
عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة.
تحقيق أبي محمد أبي الأجفان وعبد الحفيظ منصور، بيروت، دار الغرب الإسلامي.
١٩ - طاش كبرى زاده، أحمد بن مصطفى.
مفتاح السعادة، ومصباح السيادة في موضوعات العلوم.
مراجعة وتحقيق كامل بكري، وعبد الوهاب أبو النور، القاهرة، دار الكتب الحديثة.
٢٠ - ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله النمري.
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد.
تحقيق مصطفى العلوي، ومحمد عبد الكبير البكري.
المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (١٣٨٧ هـ/ ١٩٦٧ م).
стр. 366
كتاب الكافي في فقه أهل المدينة المالكية.
تحقيق أحمد محمد أحيد وليد مايك الموريتاني. القاهرة، مطبعة حسان (١٣٩٩ هـ / ١٩٧٩ م).
٢١ - العلوي الشنقيطي، عبد الله بن إبراهيم.
نشر البنود على مراقي السعود.
المغرب، اللجنة المشتركة لنشر التراث الإسلامي بين حكومة المملكة المغربية وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة.
٢٢ - القابسي، علي بن محمد المعافري.
موطأ الإمام مالك بن أنس برواية ابن القاسم وتلخيص القاسي.
حققه وعلق عليه محمد بن علوي المالكي، الطبعة الثانية، جدة، دار الشروق ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.
٢٣ - القاضي عياض وولده محمد.
مذاهب الحكام في نوازل الأحكام.
تقديم وتحقيق محمد بن شريفه. الطبعة الأولى، بيروت، دار الغرب الإسلامي (١٩٩٠ م).
٢٤ - القرافي، بدر الدين.
توشيح الديباج وحلية الابتهاج.
стр. 367
تحقيق وتقديم أحمد الشتيوي، الطبعة الأولى، بيروت، دار الغرب الإسلامي (١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣ م).
٢٥ - ابن القصار، علي بن عمر بن أحمد.
عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار.
مخطوطة مصورة، مكة المكرمة، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى.
٢٦ - لقبال، موسى.
الحسبة المذهبية في بلاد المغرب العربي.
الطبعة الأولى، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع (١٩٧١ م).
٢٧ - المازري، محمد بن علي.
المعلم بفوائد مسلم.
تحقيق الشيخ محمد الشاذلي النيفر. الطبعة الثانية، تونس، الدار التونسية للنشر (١٩٨٨ م).
٢٨ - مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.
دليل الرسائل الجامعية في المملكة العربية السعودية.
الطبعة الأولى، الرياض (١٤١٠ هـ).
٢٩ - ابن المناصف، محمد بن عيسى.
стр. 368
تنبيه الحكام على مآخذ الأحكام.
أعده للنشر عبد الحفيظ منصور. تونس دار التركي للنشر (١٩٨٨ م).
٣٠ - ميارة، محمد بن أحمد القاسي.
الإتقان والإحكام في شرح تحفة الأحكام المشهور بشرح ميارة على التحفة.
القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، مطبعة الاستقامة.
٣١ - النابغة، محمد الغلاوي الشنقيطي.
الطليحة.
الطبعة الأولى، مصر، دار إحياء الكتب العربية (١٣٣٩ هـ/ ١٩٣١ م).
٣٢ - ندوة الإمام مالك إمام دار الهجرة.
دورة القاضي عياض.
المملكة المغربية، مراكش، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية (١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٣ م).
٣٣ - الهلالي، أحمد بن عبد العزيز.
نور البصر شرح المختصر، المسمى إتحاف المقتنع بالقليل من شرح مختصر خليل.
المغرب.
стр. 369
٣٤ - الوزاني، محمد المهدي.
نوازل الوزاني.
المغرب (١٣١٩ هـ).
* * *
стр. 370
٣ - دور الاستقرار
стр. 371
٣ - دور الاستقرار
تطبيقاً للتقييم الزمني النظري الذي انتهجه الباحث، يبدأ دور الاستقرار بإطالة القرن السابع الهجري الذي شهد عملياً نهاية الدور الثاني بابن شاس وكتابه عقد الجواهر الثمينة، كما شهد بداية الدور الثالث بكتاب ابن الحاجب: (جامع الأمهات).
أظهر الدور السابق، دور التطور، ما بذل علماء المالكية خلاله من مجهودات أصيلة واسعة، أخضعوا فيها كتب الدور الأول من أمهات ودواوين لدراسات عميقة، متأنية، تمحيصية، كانت نتاجها كتباً فقهية، جديدة في منهجها التأليفي وأسلوبها، قديمة في مادتها العلمية، قدمت روايات علماء المذهب، وأقوالهم، وسماعاتهم، بعد تنقيحها، وتهذيبها، وتقويمها بمنهج أصولي منطقي، ناقد، أقرب إلى "منهج النظار العراقيين"، مختصرة في توسع، أو مطولة في إسهاب.
ورث علماء الفترة الثالثة تراثاً من الكتب، جمعت فأوعت، ودرست فحررت، ونقحت، وخرَّجت، وفرَّعت، لفترة مر المذهب فيها خلال دور الاجتهاد المقيد.
стр. 372
المدارس المالكية في هذا الدور:
شهد الدور الثاني بداية امتزاج آراء مدارس المذهب المالكي وصهرها في بوتقة أنتجت كتباً فقهية تمثل المذهب بغض النظر عن الانتماء المدرسي للآراء.
تطور هذا الامتزاج، فغدا وحدة متكاملة الاجتهادات، هي سمة دور الاستقرار، و ساعد على وجود هذه الوحدة المذهبية عوامل علمية، وسياسية، أهمها:
١ - غياب مدرسة العراق، ومدرسة المدينة عن ساحة النشاط المذهبي ، ولا يعني غيابهما انعدامهما، بل هـ وغياب تأثيرهما العلمي آراءً، وكتباً، اللهم إلا ما كان من ظهور ابن فرحون في المدينة الذي "أظهر مذهب مالك بها بعد خموله" (١)، فأنعش بمؤلفاته الحركة العلمية المالكية بالمدينة المنورة بخاصة بعد أن كاد المذهب المالكي يغيب غياباً كلياً، شأنه في ذلك شأن المذاهب السنية الأخرى التي كانت لا تدرس أو تدرس في تلك الفترة إلا خفية وذلك خلال حكم الشيعة للمدينة النبوية (٢) على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
٢ - ضعف الدولة الإسلامية في الأندلس ، وتمزقها إلى
стр. 373
دويلات وما أعقبه من غزو أسباني اكتسح الدولة الإسلامية اكتساحاً كاملاًن خرج إثره المسلمون من الأندلس (١)، فغابت المدرسة الأندلسية المالكية تدريجياً، ولكن تأثيرها العلمي ظل ماثلاً قوياً في المذهب من خلال انصهارها مع المدرسة الإفريقية بعامة، بعد أن هاجر علماء الأندلس إلى شمال إفريقيا بأقطاره المختلفة، وإن كانت إقامتهم تركزت غالباً في المغرب (فاس) وتونس (القيروان).
ومن ثم لم يبق في ميدان النشاط المذهبي إلا المدرستان: المصرية، والإفريقية المغربية بالمعنى الواسع.
وكان بين هاتين المدرستين - المصرية والمغربية - تواصل مطرد منعكس، "فالمذهب المالكي بعد أن انقطع علماؤه من الديار المصرية في أواخر القرن الرابع تحت حكم الفاطميين، بدأ يعاود منزلته في أواخر القرن السادس بمن رحل إلى مصر من الأفارقة، والأندلسيين، والصقليين، الذين رفعوا لاء المذهب المالكي فيها من جديد ... ، فشاعت بذلك الكتب المغربية، ومناهج الدراسة الإفريقية، والأندلسية ... ، وكذلك استمر هذا التواصل المطرد المنعكس بين القاهرة وتونس يزيد ثباتاً وتوثقاً بابن الحاجب، والقرافي (٢) ... ، إذ
стр. 374
كان من الآخذين عليهم ابن راشد (١) أخذ عن القرافي ... ، وناصر الدين الزواوي (٢) أخذ عن ابن الحاجب الذي نشر مختصره الفرعي في إفريقية والمغرب.
" ... وقابل ظهور هؤلاء بمصر أن ظهر بتونس أمثال ابن هارون الكناني (٣)،
стр. 375
وابن عبد السلام (١)، فاعتمدوا كتب المصريين ورووا عن المتخرجين بهم ...
" ... وفي القرن الثامن بلغ هذا التواصل العلمي بين مصر وتونس أوجه، فتأكد اشتراك المشيخات، وتبادل الإفادة، والاستفادة، وتناقل التآلف والروايات، واستمر ذلك ممتداً متسعاً، مغرقاً في القرون الموالية، فكان ظهور الشيخ خليل بن إسحاق - الفقيه المالكي - في القرن الثامن وبروز شرحه على (مختصر ابن الحاجب)، الذي سماه (التوضيح) ثم بروز مختصره الفقهي الجامع الذي نال إعجاب أهل المغرب، ممكناً لمصر منزلتها عند فقهاء المالكية بتونس، كما كان في كتاب (التوضيح) أثر ظاهر للمشيخة التونسية في اعتماده على شراح ابن الحاجب الزيتونيين: ابن عبد السلام، وابن هارون ... ، وفي المختصر أثر واضح لمتقدمي الفقهاء الأفارقة
стр. 376
مثل: اللخمي، وابن يونس، والمازري، وهم ثلاثة من الأربعة الذين بني على اختيارهم مختصر خليل كما هـ مبين في خطبته.
وما ظهر مختصر خليل حتى أقبل الناس عليه بالحفظ، والدراسة، وتعليق الشروح، ورسخت مكانته في دراسات جامع الزيتونة رسوخاً لم ينقطع بعد ... ، ودرس المختصر بتونس، وجميع البلاد المغربية ... ، وتتابع عليه الشراح، والدارسون، والمعلقون من بعد، فكان من أصول كتب الدراسة بجامع الزيتونة قروناً متتالية، ومرجع القضاء والفتوى الذي لا محيد عنه، وكان حفظه متناً عن ظهر قلب شائعاً بين الطلبة، وسارت شروحه [التونسية والمغربية] التي صنفت من بعد بمصر.
وقابل ظهور خليل بمصر ظهور شيح الزيتونة وإمامها ابن عرفة (١) بتونس، واشتهاره بتحقيق الفقه المالكي نظراً ونقلاً ... ، فكانت
стр. 377
سمعة ابن عرفة وشهرة كتبه بالغة إلى مصر، ثم كانت رحلته بنفسه وأخذ الكثيرين بمصر عنه ... ، ورحلة طلبته من بعده، وأخذهم عن المصريين وأخذ المصريين عنهم، ذات أثر في وصل ما بين الطريقتين - طريقة ابن عرفة وطريقة خليل - وصلاً ظهر بصورة جلية في شرح ابن مرزوق (١) على المختصر؛ إذ كثيراً ما اعتمد في شرح كلام خليل على استظهارات ابن عرفة، كما ظهر الاتصال بين الطريقتين أيضاً في كتاب (الشامل) للشيخ بهرام (٢) الذي كثيراً ما أشار إلى تحقيقها ابن
стр. 378
عرفة كما نبه على ذلك شراحه، ومن يومئذ أصبح لا يرى شرح لمختصر خليل، ولا حاشية على شرح له إلا ومدار التحقيق على كلام ابن عرفة" (١).
إن النتيجة الحتمية لهذا التواصل المطرد بني المدرستين المالكيتين (المصرية والمغربية ممثلة بتونس) - كما صوره بإسهاب فضيلة الشيخ ابن عاشور في النص السابق - هو تلاشي النزعة الانفرادية بين المدرستين، وانصهارهما في بوتقة الوحدة المذهبية المالكية، ومما لا شك فيه أن الرحلات العلمية بين علماء هذين القطرين وغيرهما من الأقطار الإسلامية كان لها أثر كبير في خلق المناخ العلمي لهذه الوحدة المالكية.
فـ "منذ نشوء الحركة العلمية في أقطار المغرب لم تنقطع رحلة علمائه إلى المشرق إلا في عصور الفتن والاضطرابات، وهذه الرحلات لها أثرها في انتقال مؤلفات المغاربة إلى الشرق، ومؤلفات المشارقة إلى الغرب، وما يتبع ذلك من تلقيح لمناهج التدريس، وأساليب التأليف، ومن توفر المادة، وتعدد المصادر أمام الباحثين والدارسين" (٢)، فاندمجت الآثار العلمية في بعضها، وتلاشت الاختلافات الجذرية إلا ما كان من طبيعة الاجتهادات الفردية التي تظهر بين علماء المدرسة الواحدة.
стр. 379
قواعد الترجيح
السمة المميزة لهذا الدور أنه "دور الترجيح، وهو دور اجتهاد نظري، يعتمد درس الأقوال وتمحيصها، والاختيار فيها بالترجيح والتشهير" (١).
لم يتخل العلماء المالكيون عن قواعد الترجيح التي تبناها وأقرها علماء الدور السابق، وإن أدخلوا عليها شيئاً من التحوير، مستحدثين بذلك بعض القواعد التي أملتها طبيعة هذه المرحلة، وما بلغه المذهب من تطور من الآراء، واستقرار في المنهج الاستنباطي، والتفريع، والتخريج.
اعتمد علماء دور التطور القاعدة التي تنص على أنه "إنما يفتي بقول مالك في الموطأ، فإن لم يجده في النازلة فبقوله في المدونة، فإن لم يجده فبقول ابن القاسم فيها، وإلا فبقوله في غيرها، وإلا فبقول الغير فيها، وإلا فأقاويل أهل المذهب"، إلا أن علماء هذا الدور - دور الاستقرار - يرون أن هذا ليس على إطلاقه بل هو مقيد بما قاله أبو الحسن الطنجي (٢): "قول مالك في المدونة اولى من قول ابن
стр. 380
القاسم فيها؛ لأنه الإمام الأعظم، وقول ابن القاسم فيها أولى من قول غيره فيها؛ لأنه أعلم بمذهب مالك رضي الله تعالى عنه، وقول غيره فيها أولى من قول ابن القاسم في غيرها؛ وذلك لصحتها" (١).
وفي تفصيل أوضح: "رواية (٢) ابن القاسم في المدونة مقدمة على رواية غيره فيها، ورواية غير ابن القاسم في المدونة مقدمة على قول (٣) ابن القاسم في المدونة، فأولى في غيرها، وقول مالك والذي رواه عنه ابن القاسم ولو في غير المدونة مقدم على قول ابن القاسم في غيرها، وأما قوله فيها فهو مقدم على روايته عن الإمام في غيرها" (٤).
في ضوء هذين النصين، فإن قاعدة ترتيب الترجيح بين الروايات والأقوال أصبحت على النهج الآتي:
стр. 381
١ - قول الإمام الذي رواه ابن القاسم في المدونة.
٢ - قول الإمام الذي رواه غير ابن القاسم في المدونة.
٣ - قول ابن القاسم في المدونة.
٤ - قول غير ابن القاسم في المدونة.
٥ - قول الإمام الذي رواه ابن القاسم في غير المدونة.
٦ - قول الإمام الذي رواه غير ابن القاسم في غير المدونة.
٧ - قول ابن القاسم في غير المدونة.
٨ - ثم أقوال علماء المذهب.
هذا الترتيب التفصيلي ملزم، لا ينتقل من المتقدم عند وجوده إلى ما بعده، وبمقارنة هذا الترتيب بين الروايات والأقوال، وما تبناه علماء الدور السابق يمكن استنتاج ما يأتي:
١ - التركيز على أهمية الروايات والأقوال التي في المدونة، وتقديمها على تلك التي وردت في غير المدونة، أياً كان الراوي أو القائل؛ ولذا فرواية غير ابن القاسم في المدونة، مقدمة على رواية ابن القاسم وقوله في غير المدونة، وهو خلاف ما كان مطبقاً في الدور السابق؛ حيث كان قول ابن القاسم في غير المدونة يعطي الأفضلية على قول غيره في المدونة.
هذا التقدير المتميز لما تضمنته المدونة يصور مدى الاحترام الذي
стр. 382
نالته، ودرجة الوثوق بصحة ما ورد فيها؛ إذ أن المدونة هي خلاصة نظر واجتهاد، وتمحيص قمة علماء المالكية منذ الصدر الأول؛ "ذلك أنه تداولها أفكار أربعة من المجتهدين: مالك، وابن القاسم، وأسد، وسحنون" (١)، ومن ثم أصبحت المدونة هي الكتاب "تجزئ من غيرها، ولا يجزئ غيرها منها" (٢).
٢ - عدم النص في القاعدة المتأخرة على تقديم قول الإمام في الموطأ على غيره من الروايات والأقوال، كما نُصَّ عليه في القاعدة المتقدمة، فقد احتلت المدونة هنا الدرجة الأولى مكان الموطأ، لا كما نُصَّ عليه في القاعدة المتقدمة.
لا يعني هذا بأي حال من الأحوال الانتقاص من درجة الموطأ ومنزلته العلمية المعتمدة، فهو يضم أدلة المذهب واقوال إمامه وآرائه كما أملاها بنفسه.
لعل التعليل المنطقي لإفراد المدونة بالتقديم والاكتفاء بالنص عليها، أن المدونة جاءت متأخرة عن الموطأ، تضم آراء الإمام التي رواها ابن القاسم أوثق تلاميذ الإمام وأطولهم صحبة، إذ "صحب مالكاً أزيد من عشيرين سنة، ولم يفارقه حتى مات" (٣).
стр. 383
وتأخر المدونة تأليفاً مع تميزها برواية ابن القاسم وأقواله، منحها درجة التفضيل والتقديم، فهي تقدم الصيغة الأخيرة لاجتهاد الإمام، وما توصل إلهي من آراء فقهية، قد تختلف عما جاء في الموطأ المتقدم تأليفاً، هذا الاختلاف نتيجة حتمية لتغير آراء المجتهد في القضايا التي تعرض عليه في ضوء إعادته النظر والتأمل، استنباطاً وأدلة، "فقد اتفق المالكية على أن روايته [ابن القاسم] في المدونة تقدم على كل ما يخالفها" (١)؛ إذ "كان عالماً بالمتقدم من قوله [مالك] والمتأخر؛ ولما وقع الاتفاق على الثقة بعلمه، وورعه، علم أن ما أجاب في المدونة إلا بما يرى أنه يسعه من الله تعالى أن يحمل الناس على العمل به، وغلب على الظن أنه إنما يجيب في المسائل بقول مالك الأخير حيث يختلف قوله ... " (٢).
ويظل الموطأ قرة عين المذهب، رائداً لا ينافس في التدليل للرأي وقوته، وما يترتب على ذلك من ترجيح، وتشهير، حسب ما يتضح من البحث إن شاء الله تعالى.
تصنيف الآراء الفقهية اعتماداً وترجيحاً:
ورث المتأخرون من علماء المالكية تراثاً ضخماً من الآراء
стр. 384
والاجتهادات الفقهية التي قد تمثل اتجاهات متعارضة، مما حدا ببعضهم إلى سؤال أحد العلماء: "ما لمذهبكم كثير الخلاف؟ " قال: "لكثرة نظَّار في زمن إمامه، وقد أخذ عنه مشافهة نحو ألفين كلهم مجتهد أو قارب الاجتهاد" (١).
ومع نمو المذهب بعد الصدر الأول، اتسع أكثر فأكثر، الأمر الذي تطلب من المتأخرين تصنيف الأقوال المتعارضة، من حيث اعتمادها وتقديمها، إلى درجات يتخذها العالم ميزاناً عند تصديه للحكم على الآراء والاجتهادات المتعارضة في القضية أو المسألة الواحدة.
فالرأي الفقهي في مسألة له إحدى الدرجات الآتية:
الأولى: الراجح: وهو ما قوي دليله.
الثانية: المشهور: وتختلف الآراء في تعريف المشهور إلى:
أ- ما قوي دليله، فيكون مرادفاً للراجح.
ب- ما كثر قائلوه.
ج- رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة.
стр. 385
والمعتمد (١) من هذه التفسيرات - عند أكثر المتأخرين (٢) - هو أن المشهور ما كثر قائلوه.
الثالث: الضعيف والشاذ: والضعيف يقابل الراجح، والشاذ يقابل المشهور.
فإذا صح في المسألة قول راجح، أو قول مشهور، فالمعتمد أحدهما، ولا يجوز العدول عن الراجح أو المشهور، إلى الشاذ أو الضعيف إلا إذا كان العمل عليه كما سيبين لاحقاً، وصيغة أفعل التفضيل (الأرجح أو الأشهر) تعطي التقديم للقول الموصوف به، فالأرجح مقدم على الراجح، والأشهر مقدم على المشهور (٣).
стр. 386
أما عند تعارض الراجح والمشهور في قضية واحدة فالعلماء مختلفون في تقديم أيهما! ولعل الأمر قد استقر عند المتأخرين من علماء هذا الدور على أن المعتمد عند تعارض الراجح والمشهور تقديم الراجح أياً كان قائله، متى ثبت قوة دليله على دليل الرأي المقابل (١).
المعتمد تشهيره من المدارس والعلماء:
يتميز القول المشهور بكثرة قائليه من علماء المذهب المعتمدين، ومن ذلك يستمد اعتماده وتقديمه على غيره، ومن ثم يبرز سؤال: من الذي يعتمد تشهيره ويقبل حكمه على قولٍ ما بذلك؟
стр. 387
تتضح أهمية الجواب على هذا السؤال، حين تختلف المدارس في تشهير قول دون آخر، أو يختلف علماء المذهب المعتمدون فيما بينهم اختلافاً فردياً في الحكم بتشهير قول دون آخر.
نص علماء المالكية على أنه: "إذا اختلف المصريون والمدنيون قدم المصريون غالباً، والمغالبة والعراقيون قدمت المغاربة" (١)، و"تقديم المصريين على من سواهم ظاهر؛ لأنهم أعلام المذهب، لأن منهم ابن وهب، وقد علمت جلالته، وابن القاسم، وأشهب، وكذا تقديم المدنيين على المغاربة؛ إذ منهم الأخوان (٢). ويظهر تقديم المغاربة على العراقيين؛ إذ منهم الشيخان" (٣).
ولعل تقديم المغاربة على العراقيين يتأكد في ضوء ما قدمناه من أن أكثر اعتماد العراقيين على رواية ابن عبد الحكم في حين اعتمد
стр. 388
المغاربة مثلهم مثل المصريين، على رواية ابن القاسم؛ ولذا "الذي جرى به عمل المتأخرين اعتبار تشهير ما شهره المصريون والمغاربة" (١)؛ "لأن المشهور عندهم [المغاربة] والمصريون هو مذهب المدونة" (٢).
فإذا اختلف المصريون والمغاربة في التشهير، فالذي يستفاد من نص المتقدم: "تقديم المصريين على من سواهم"؛ غذ بظاهر يشمل المغاربة، فيقدم المصريون عليهم (٣).
أما عند اختلاف شيوخ المذهب أفراداً في التشهير، والترجيح، فيرى المتأخرون:
١ - أن ابن رشد، والمازري، وعبد الوهاب متساوون في التشهير (٤).
٢ - أن ابن رشد يقدم تشهيره على كل من: ابن بزيزة (٥)(٦)، وابن
стр. 389
يونس، واللخمي (١). فـ "لا يحل لمسلم تقديم قول اللخمي على قول ابن رشد" (٢). وتقديم ابن رشد مقيد بأنه "فيما عدا ما نبه الشيوخ على ضعف كلام ابن رشد فيه" (٣).
٣ - أن ابن يونس مقدم على اللخمي (٤).
واضح من هذا الترتيب تسنم ابن رشد، والمازري، وعبد الوهاب قمة الاعتماد في تشهير الأقوال، وهذا يصور مدى ما بلغ إليه امتزاج المدارس المالكية.
لابد هنا من التنبيه إلى أمرين:
أولهما: أن الترتيب المتقدم بين العلماء ليس موضع اتفاق كامل، فهناك من العلماء من يخالف في بعضها، كما أن لها استثناءات منصوصاً عليها في الفروع، "فقد مشى خليل في مختصره في مواضع عديدة على كلام اللخمي دون ابن رشد، مع وقوفه على كلامهما في ذلك الموضع" (٥)، ولعل هذا يعود إلى ما
стр. 390
تقدم ذكره من أن تقديم كلام ابن رشد مقيد بما إذا لم ينبه الشيوخ على ضعف كلام ابن رشد في المسألة (١).
ثانيهما: عدم وضوح رأي العلماء فيما إذا اختلف كل من: ابن رشد، والمازري، وعبد الوهاب في التشهير، ومن الذي يقدم قوله؟
ولعل الجواب يندرج فيما نص عليه من أن الفقيه إذا "تساوى القولان عنده من كل وجه، وعجز عن الترجيح بشيء مما ذكر [من صفات الترجيح المذكورة]، فليحكم بأيهما شاء" (٢).
ما جرى به العمل:
من أهم قواعد الترجيح عند المالكية تقديم ما جرى به العمل على غيره، والمقصود بتقديم ما جرى عليه عمل: القضاء، والحكم.
نشأ من "الاتجاه القضائية التوثيقي في الفقه المالكي، أن انفتحت للقضاة أبواب واسعة للاجتهاد في الأخذ بالأحكام المنصوص عليها في دواوين المذهب على وجه قد يحملهم على مخالفة المنصوص أو المشهور؛ إذ يرون ذلك أدعى إلى تحقيق مقصد الشرع من صلاح الناس، فيصبح جريان العمل القضائي مخالفاً في جزئيات لما هو مأخوذ به في كتب الفقه" (٣).