Полный текст (470 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
في الماضي قد أهملوها فتخلفوا عن ركب التقدم بسبب سيطرة الأتراك والمماليك، وبأن المسلمين قادرون، بل ملزمون بدخول تيار المدنية الحديثة، وذلك بتبني العلوم الأوروبية وثمارها. ولقد أصبحت جميع هذه الأفكار من المسلمات لدى المفكرين اللاحقين؛ غير أن بعض هؤلاء فقط تنبهوا إلى ما تنطوي عليه من مشاكل قد لا يكون حلها مستحيلًا، وإنما هي بحاجة إلى المعالجة على الأقل. فكيف التوفيق مثلًا بين ما أتي به الوحي الإلهي وبين ما يدعيه العقل البشري من أنه هو الطريق الوحيدة الصالحة للمعرفة؟ أو بين الشريعة وبين مجموعة القوانين الحديثة المستمدة من مبادئ مختلفة كل الاختلاف عنها؟ أو بين الفكرة القائلة بأن السيادة للشريعة وبين ادعاء الحكومات بأنها صاحبة السيادة وبأن لها الحق في التقرير الحر على ضوء الاستنساب والخير العام؟ أو بين الولاء للجماعة الدينية والولاء للأمة؟
لقد أثار إحدى هذه المسائل، على الأقل، مفكر آخر من معاصري الطهطاوي، اطلع الطهطاوي على كتابه في هذا الموضوع (٣٨)، وهي مسألة الشريعة الإلهية والشريعة البشرية. لم تكن هذه المسألة غائبة عن ذهن الطهطاوي، إلا أنها لم تكن محور اهتمامه. فالشريعة كانت في نظره، كما كانت في نظر المفكرين المسلمين في القرون الوسطى المتأخرة، عاملًا سلبيًا مقيدًا، يضع الحدود التي من ضمنها يجب على الحاكم أن يعمل، لا المبادئ التي بمقتضاها يجب أن يعمل. ولم يتجاوز محمد علي وإسماعيل هذه الحدود إذ كانا من طراز الأوتوقراطيين الطيبين الذين ألفهم الفكر الإسلامي. ثم أنهما لم يثيرا مشاكل جديدة، إذ حرصا على عدم إصدار بيانات جديدة بالمبادئ التي من شأنها أن تتعارض مع مبادئ الشريعة. بل اكتفيا، في الغالب، من الإصلاح والتجديد بما يقع في دائرة الحياة الاقتصادية والإدارية التي لم تتصد لها الشريعة إلا قليلًا، كما تحاشيا التعرض لمؤسسات المجتمع الأساسية أو لمسائل الأحوال الشخصية، وهو ما
стр. 107
تتناوله الشريعة بإسهاب. وفضلًا عن ذلك، فقد حكما دولة كانت فيها السلطة الفعلية، من مدة طويلة، في يد زمرة عسكرية عجز العلماء عن أن يحولوا عمليًا دون ممارستها هذه السلطة، حتى لو أرادوا ذلك، ولم يكن، بالواقع، من داع لإثارة مسألة التوافق بين تلك التجديدات وبين الشريعة. غير أن هذه المسألة كانت مطروحة فعلًا في أراضي الإمبراطورية الرئيسية وبعض المناطق التابعة لها. إذ أن «التنظيمات» لم ترم إلى تغيير نظام الإمبراطورية العسكري والإداري فحسب، بل رمت أيضًا إلى إقامتها على أساس شرعي وخلقي جديد. لذلك اصطدمت بمقاومة عنيدة من قبل المعارضين لها مبدئيًا، ومن قبل أولئك الذين رأوا فيها خطرًا على احتكارهم للجهاز الشرعي وعلى نفوذهم السياسي والاجتماعي. لذلك كان محور اهتمام المدافعين عن «التنظيمات» مسألة شرعيتها. فكان عليهم أن يثبتوا أن الإصلاحات لم تتعارض والشريعة، لا بل أن الشريعة توجبها حقًا. لقد جرى هذا الصراع في إسطنبول باللغة التركية، ويبدو أن اللغة العربية لم تردد له سوى أصوات خافتة في النصف الأول من القرن التاسع عشر. لكن هناك ولاية في الإمبراطورية جرت فيها إصلاحات مماثلة أثارت اعتراضات مماثلة. فقد كان «عهد الأمان» في تونس إعلانًا لمبادئ قانونية وسياسية جديدة، ولذلك طرح على بساط البحث مسألة الشرعية. وكانت هذه المسألة نقطة الانطلاق لدى مفكر سنتناوله الآن، هو خير الدين باشا.
ولد خير الدين عام ١٨١٠ في القوقاز، من عائلة شركسية، ثم جيء به وهو فنى إلى إسطنبول، أسوة بالكثيرين من أبناء منطقته، طلبًا لمهنة عسكرية أو سياسية، كخادم أو مملوك عند أحد الزعماء (٣٩). فدخل في خدمة أحمد، باي تونس، وتلقى تربية دينية وعصرية معًا، وتعلم اللغة الفرنسية، فضلًا عن العربية. وعندما أنهى دروسه، دخل الجيش حيث أكسبته مواهبه عطف الباي. فعهد إليه بإدارة المدرسة العسكرية ردحًا من الزمن. وفي ١٨٥٢،
стр. 108
أرسله إلى باريس لمعالجة قضية صعبة تتعلق بدعوى أقامها وزير سابق على الحكومة. وبقي هناك أربع سنوات، كانت له، كما كانت للطهطاوي، حقبة تثقيفية. فكان يراقب حياة مجتمع سياسي كبير، ويطبق ذهنيًا على عالمه ما كان يتعلمه هناك. وبعد عودته إلى تونس عين وزيرًا للبحرية، وقضى ست سنوات في صميم حركة الإصلاح الدستوري. فكان عضوًا في اللجنة التي وضعت نص دستور ١٨٦٠، ورئيسًا لمجلس الشورى، مع الاحتفاظ بمركزه كوزير، مما يدل على ثقة الباي به. وكان الباي قد أظهر هذه الثقة في مناسبة أخرى. ففي ١٩٥٩، بعد ارتقائه العرش بقليل، بعث بخير الدين إلى إسطنبول ليعلن خلافته ويلتمس وثيقة التنصيب التقليدية. كانت هذه مهمته العلنية. إنما كان له مهمة أخرى سرية. فقد كانت مطامع فرنسا في تونس قد أصبحت واضحة وخطرة، فبدا مناسبًا، لإقفال الباب في وجهها، تثبيت وضع تونس كجزء من الإمبراطورية متمتع بالحكم الذاتي، وذلك لحمل السلطان والدول الحريصة على دوام وحدة الإمبراطورية على الصمود أمام نفوذ فرنسا. فكانت مهمة خير الدين السرية، إذن، إقناع الباب العالي بالاعتراف بالحكم الذاتي لتونس وبحق الأسرة الحسينية الوراثي، مقابل اعتراف الباي بسيادة السلطان ودفع الجزية له.
لم يكن السلطان في وضع يسمح له بإغاظة فرنسا، فأخفقت المهمة، كما أخفقت أيضًا تجربة الحياة الدستورية. لكن سياسة خير الدين بقيت طوال العشرين سنة اللاحقة ذات شقين: محاولة صد النفوذ الأوروبي بالنفوذ التركي، وإقامة بعض الرقابة الدستورية على سلطة الباي. وكان هذا الشق الثاني من سياسته هو ما أفقده ثقة الباي. فاستقال من منصبه الوزاري، في ١٨٦٢، على أثر خلاف حول مسألة المرجع الذي يجب أن يكون الوزراء مسؤولين أمامه، أهو الباي أم هو مجلس الشورى. غير أن الباي لم يستغن
стр. 109
عن مهارة خير الدين الدبلوماسية، فبعث به مرة أخرى إلى إسطنبول، في ١٨٦٤، بالمهمة ذاتها. ولما أخفق للمرة الثانية، كما أخفق في الإصلاحات الدستورية، انسحب مؤقتًا من الحياة السياسية. وقد وضع، في هذه الفترة الانعزالية، دراسة في الحكم، نشرت في ١٨٦٧.
وفي ١٨٦٩، أدى تردي الأوضاع المالية في تونس إلى إنشاء لجنة دولية لإدارة الواردات، وتعيين خير الدين رئيسًا لفرعها التنفيذي. وفي ١٨٧١ بعث مجددًا إلى إسطنبول، لكن مهمته هذه المرة تكللت بالنجاح. فقد كانت الحرب مع ألمانيا قد أضعفت فرنسا، فلم تقو على إبداء مقاومة فعالة ضد صدور فرمان يثبت وضع تونس كجزء من الإمبراطورية العثمانية متمتع بالحكم الذاتي. إلا أن فرنسا لم تعترف بهذا الوضع قط. وفي هذه الأثناء، كان خير الدين قد عين وزيرًا للداخلية والمالية والخارجية، ثم أصبح، في ١٨٧٣، رئيسًا للوزراء، واحتفظ بهذا المركز لمدة أربع سنوات مستخدمًا إياه لإجراء إصلاحات عدة: تحسين الأساليب الإجرائية في الإدارة وإعادة تنظيم الأوقاف والقواعد الإجرائية في المحاكم الشرعية، وتحسين المدن، وإصلاح التعليم في جامع الزيتونة، وتعزيز مطبعة الحكومة وتوسيعها، وإنشاء مكتبة وطنية، وتأسيس مدرسة «الصادقية» الحديثة لتعليم اللغات التركية والفرنسية والإيطالية والعلوم الحديثة، فضلًا عن اللغة العربية وعلوم الدين الإسلامي (٤٠). غير أن العراقيل ذاتها التي كانت قد اعترضته في الماضي، اعترضته الآن أيضًا: مطامع الدول وتنافسها، ورغبة الباي في الاحتفاظ بسلطته. فانتهج خير الدين سياسة الإبقاء على التوازن بين الدول الثلاث التي كانت لها مصالح في تونس: إنكلترا وفرنسا وإيطاليا، وذلك بمحاولة عدم التنازل إلى أي منها أكثر مما ينبغي، من جهة، وعدم إغضاب أي منها كليًا، من جهة أخرى. إلا أن انتهاج سياسة التوازن هذه، من قبل دولة ليس لها قوة من ذاتها، هو أمر خطر
стр. 110
ودقيق. لذلك خسر خير الدين في آخر الأمر تأييد الجميع. فقد شجع بادئ الأمر المشاريع البريطانية، ثم الفرنسية. وعندما وقعت الحرب الروسية التركية، وجد نفسه في مأزق حرج. فقد كان القنصل البريطاني يريد من تونس أن تدعم سيدها السلطان، بينما كانت الدول الأخرى لا تريد ذلك. فمال خير الدين نحو الإنكليز ميلًا كان كافيًا لإغضاب الفرنسيين، إلا أنه لم يكن كافيًا لإرضاء القنصل وود. فخسر بذلك الدعم الأجنبي، وأصبح عاجزًا عن الوقوف في وجه الباي، الذي كان قد نقم عليه لسعية في سبيل الحد من السلطة الملكية، والذي شعر، في ١٨٧٧، بقدرة كافية للاستغناء عنه.
بذلك انتهت حياة خير الدين السياسية في تونس، فبدأ حياة سياسية جديدة في القسطنطينية، إذ دعاه إليها السلطان الشاب عبد الحميد، الذي كان قد اطلع على كتابه (٤١). ولم يمر عليه وقت طويل هناك حتى اكتسب بعض النفوذ لدى عبد الحميد. ولا عجب، فقد كان ذا كفاءة يدعمها تدينه واقتناعه بأن استقلال الإمبراطورية ضروري لخير الإسلام. أضف إلى ذلك أنه كان غريبًا عن البلاد، كما كان لا يجيد اللغة التركية، مما جعله يعتمد كليًا على نعمة السلطان، فيتجنب الاشتراك في المؤامرات الخطرة ضده. وهكذا، ففي كانون الأول ١٨٧٨ عينه كبيرًا للوزراء، أو صدرًا أعظم. وقد اقترنت ولايته بحدث هام: خلع الخديوي إسماعيل عن عرش مصر. وكان خير الدين هو المسؤول رسميًا عن هذا الحدث، إذ كان إسماعيل قد خالف أحد المبادئ الأساسية لسياسته، وهو أنه فتح الباب للتدخل الأوروبي بفصمه الروابط التي كانت قائمة بين مصر والسلطان. غير أن الصعوبات ما عتمت أن واجهت خير الدين كصدر أعظم. إلا أن بعضها على الأقل كان ناجمًا عن شخصيته التي لم تكن لتشجع على تسهيل التعامل بينه وبين زملائه. وقد وصفه السفير البريطاني، لايارد، الذي كان يتعامل معه تعاملًا وثيقًا ووديًا، وصفًا تبرز فيه صفات العنفوان والتعالي والخشونة التي
стр. 111
كانت تثير ضغينة زملائه عليه (٤٢).
وكانت علاقته حتى مع سيده غير مرنة أيضًا، كما روى عنه رئيس التشريفات، فقال: «إن لهجته وتصرفه في أحاديثه مع السلطان، إلى جانب هفوات صغيرة أخرى، جعلته شخصيًا ... غير محبب لدى جلالته» (٤٣). لكنه، بغض النظر عن «هفواته الصغيرة»، قد واجه هنا المشاكل نفسها التي واجهها في تونس: الفوضى المالية، والصراع على النفوذ بين الدول الكبرى، ورغبة السلطان في الاحتفاظ بسلطته المطلقة. كانت بريطانيا وفرنسا تدعمانه، لكن ذلك لم يكن كافيًا. فقد أخفقت محاولاته لتحقيق إصلاحات داخلية بسبب الأوضاع المالية البائسة، ثم امتناع سالزبري، رئيس وزراء بريطانيا، أن يمنحه القرض الذي طلبه منه. وكان على خير الدين أيضًا أن يجابه مقاومة الجيش والمسلمين المحافظين الذين كانت تدعمهم روسيا. ومع أن السلطان أبدى في أول الأمر تأييده له، فإن هذا التأييد لم يكن إلا ظاهريًا. وهكذا أعاد التاريخ نفسه هنا، في الآستانة، أيضًا: خير الدين يحاول فرض برنامج إصلاحي على السلطان، فينقلب السلطان عليه. وبالرغم من وساطة لا يارد وسالزبري النافذة، استطاع السلطان أن يتخلص منه في ١٨٧٩. فعاش في إسطنبول في شبه عزلة (٤٤)، حتى وفاته في ١٨٩٩.
كان مؤلف خير الدين الأدبي الوحيد، إلى جانب أوراقه الرسمية ومذكراته التي نشرت بعد موته بزمن طويل، دراسة سياسية وضعها باللغة العربية بعنوان «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، نشرت أولًا في تونس عام ١٨٦٧، ثم أعيد طبعها في إسطنبول فيما بعد. وقد أثارت مقدمتها المترجمة إلى الفرنسية تحت إشرافه، والمنشورة بباريس بعنوان «الإصلاحات الضرورية للدول الإسلامية»، اهتمامًا كبيرًا في ذلك الوقت.
يبدو أن خير الدين وضع هذا الكتاب وهو على شي من الاعتقاد أنه يفعل للعصر الحديث ما فعله ابن خلدون لعصر أسبق.
стр. 112
فالمؤلفان تونسيان، وضعا كتابيهما في فترة عزلة عن الحياة السياسية، وعالجا فيهما، كل على طريقته، قضية نشوء الدول وسقوطها. وقد قسم كل منهما كتابه إلى مقدمة لعرض المبادئ العامة وإلى أجزاء عدة. إلا أن التشابه يقف عند هذا الحد. ففيما يعني كتاب ابن خلدون، في معظمه، بتاريخ الدول الإسلامية. يعني كتاب خير الدين، في معظمه أيضًا، بتاريخ الدول الأوروبية وتركيبها السياسي وقوتها العسكرية. وتكمن أهمية كتاب خير الدين في مقدمته التي يشرح، في مطلعها، أن ما حمله على وضع كتابه مقصدان:
«الأول، حمل أصحاب الغيرة والهمم من رجال الدين والدنيا على السعي في سبيل كل ما يؤول إلى خير الأمة الإسلامية، وهو مدنيتها، من توسيع لحدود المعرفة وتمهيد للسبل المؤدية إلى الازدهار، مما لا يتم إلا بفضل حكم صالح؛ والثاني، إقناع العدد الغفير من المسلمين الذين غرس في أذهانهم النفور من كل ما يصدر عن غير المسلمين من أعمال ومؤسسات، بضرورة انفتاحهم إلى ما هو صالح ومنسجم مع الدين الإسلامي من عادات أتباع الديانات الأخرى (٤٥).
وبتعبير آخر، أراد خير الدين أن يظهر ما هي أسباب قوة المجتمعات وتمدنها، وبنوع خاص دور الدولة في المجتمع، وذلك بتحليل تلك المجتمعات الأشد قوة وأكثر تمدنًا في العالم الحديث. وأن يثبت أن السبيل الوحيد في العصر الحاضر لتقوية الدول الإسلامية إنما هو في اقتباس الأفكار والمؤسسات عن أوروبا وإقناع المسلمين المحافظين بأن ذلك ليس مخالفًا للشريعة بل منسجمًا مع روحها. ونراه، بالواقع، يوجه حججه إلى المسلمين المحافظين، منطلقًا فيها من النظرية التقليدية في الدولة. لم يكن محور تفكيره الخاص الأمة القومية، كالطهطاوي، بل الأمة الإسلامية. ومع أنه استعمل أحيانًا تعابير الطهطاوي في «الوطن» و «حب الوطن» (٤٦)، غير أنه استعملها، في الأكثر، بمعناها العام، كمرادف «للجماعة
стр. 113
السياسية» و «الوجدان العام» لا بمعناها الخاص. وبذلك كان بعيدًا جدًا عن روح «القومية الحديثة» التي تعتبر كل أمة فريدة بحد ذاتها. فما يقوله عن الأمة ينطبق على جميع الدول الإسلامية. لكنه كان يفكر، من بين جميع الدول الإسلامية. بأعظمها فقط: السلطنة العثمانية، «مركز الخلافة» (٤٧). ثم إن تساؤله عن السلطة لم يكن سوى التساؤل التقليدي ذاته: ما الذي يضمن ممارسة السلطة بعدل، عندما تكون في يد حاكم أوتوقراطي؟ إن العدل، في نظره، هو الأساس السليم الوحيد للدولة، وما ضمانته الوحيدة، في الظروف العادية، سوى تقييد سلطة الحاكم. نعم، قد يوجد حاكم يعمل باستقامة بدافع من طبيعة خيرة فيه، وعلى ضوء معرفة بعقله. غير أن أمثاله قلائل، كما أن متابعتهم السير في هذا السبيل أمر مشكوك فيه. لذلك، وعلى العموم، يجب تقييد سلطة الحاكم على وجهين: أولًا، بالشريعة، منزلة كانت أم طبيعية (القانون العقلي)، وثانيًا، بالمشورة. أما الذين يجب على الحاكم استشارتهم فهم العلماء والأعيان. وهؤلاء يجب أن يكون بوسعهم مصارحته بحرية، وهديه إلى الصراط المستقيم، وردعه عن عمل السوء. وفيما عدا الحالات التي يتولى السلطة فيها عرضًا حاكم مستقيم بالفطرة. فإن الدولة الفضلى هي التي يتوفر فيها هذان النوعان من القيود. والتي يضمن شرائعها أولئك المؤهلون لتفسيرها. ومثالًا على ذلك يورد خير الدين الأمة الإسلامية. فقد ازدهرت في عهدها الأول وكانت قوية وعلى درجة رفيعة من التمدن بسبب احترامها للشريعة (٤٨). (ويستشهد خير الدين على طريقة الكتاب المتأخرين بكتاب أوروبيين حديثين هما فكتور دوري وعمانويل ساديللو لإثبات عظمة المدنية الإسلامية) (٤٩). وبعد هذا العصر دب الانحطاط فيها. ثم تبعته فترة قصيرة استقامت فيها الأمور على عهد العثمانيين الأول الذين نفحوا العالم الإسلامي بقوة جديدة ورمموا أسس ازدهاره. وذلك بإظهار الاحترام الواجب للشريعة وبالاستعانة بالعلماء والوزراء
стр. 114
لإبقاء السلطان في الطريق السوي. وقد أصبح مقبولًا على عهدهم حق حراس الشريعة حتى في خلع السلطان متى شذ عن سواء السبيل (٥٠). ثم انحطت الإمبراطورية العثمانية، هي أيضًا، فيما بعد، بسبب اختيار وزراء السوء، وفساد الإنكشارية، فكانت النتيجة أن انحلت روابط الولاء: فتصرف حكام الولايات البعيدة على هواهم، والتمس المسيحيون الحماية من الأجانب، وأخذت الدول الكبرى تتدخل، وراحت الولايات تنفصل الواحدة تلو الأخرى.
إلى هنا، كان بوسع أي كاتب عثماني من كتاب عهد الانحطاط أن يقوم بمثل هذا التحليل. وهو تحليل مؤيد بالاستشهادات والمراجع، مما يدل على أن المؤلف كان واسع الاطلاع على العلوم التقليدية. فهو يستشهد، فضلًا عن القرآن والحديث، بابن خلدون والغزالي وابن العربي والماوردي. غير أننا نعثر أيضًا على مراجع من نوع آخر: تيار ومونتسكيو وبوليبيوس، «مترجم جون ستوارت ميل»، ورحلة الطهطاوي الباريزية التي استند إليها بنوع خاص لاستنباط درس جديد، هو أنه لا يمكن للأمة أن تستعيد قوتها إلا إذا عرفت مكامن قوة أوروبا وتبنتها. لكن ما الذي يجب أن نعرفه بالضبط عن قوة أوروبا؟ كان ما يهم خير الدين، قبل كل شيء، وهو الجندي ورجل الدولة، القوة العسكرية والقوة الاقتصادية. إلا أنه كان يعلم أن القوة إنما هي من نتاج شيء آخر، فالقوة المادية تتوقف على التربية، والتربية تتوقف بدورها على المؤسسات السياسية، وما أساس قوة أوروبا وازدهارها سوى «المؤسسات السياسية القائمة على العدل والحرية» (٥١)، وبتعبير آخر، الوزراء والبرلمانات المسؤولة. فالازدهار المادي غير ممكن، إذن، بدون حرية نقل البضائع وتنقل الناس من مكان إلى آخر وبدون تلك الشراكة الاقتصادية الحرة التي إليها يعود الفضل في تحقيق منجزات أوروبا المادية. إن خير الدين يرسم تقدم أوروبا بريشة معجب. وهو، كالطهطاوي، قد وقع، بنوع خاص،
стр. 115
تحت تأثير وسائل النقل الحديثة، كقناة السويس والخط الحديدي الأميركي القاري. ولكنه يذكر أيضًا شركات كبرى أخرى، كبنك فرنسا وشركة الهند الشرقية التي أقامت إمبراطورية، كما يذكر المعارض الكبرى، بجوائزها للمخترعين. ولا يفوته أخيرًا أن المعرفة لا تنتشر بدون حرية، فينوه بأن المكاتب والجمعيات العلمية، مثلًا، قد تكاثرت في فرنسا منذ الثورة (٥٢).
وكان شيء ما من أوروبا الحديثة قد دخل الإمبراطورية العثمانية مع «التنظيمات» التي وافق خير الدين عليها إجمالًا، ودافع عنها بإسهاب ضد مقاوميها. فقال بأن المقاومة ضدها متأتية خصوصًا من جانب المصالح التي تستغل الرأي العام، ومن بعض المصالح الأجنبية التي لا تريد للإمبراطورية أن تصطلح. وقد تنبه لعامل لم يكن قد فعل فعله في مصر على أيام الطهطاوي، أعني عامل الضغط والتدخل الأوروبي، فرأى أن الإصلاح محال ما دامت بعض الحكومات الأوروبية ترفض السماح لمواطنيها بالرضوخ للقانون العثماني، وما ذلك إلا لأن بعضها على الأقل لا يريد للإمبراطورية أن تستعيد قوتها. لكنه يعترف بوجود من كانوا يقاومون «التنظيمات» عن إخلاص، مدفوعين بعامل سوء فهم حقيقي لطبيعتها ونتائجها. فمنهم من كان يعتقد أن الإصلاحات ستؤدي إلى فرض ضرائب جديدة لدفع رواتب عدد أكبر من الموظفين، بينما الحقيقة هي بخلاف ذلك. فالحكم الجائر هو الذي يزيد الضرائب، لا المجتمع الحر، حيث الشعب هو الذي يقرر بنفسه الضرائب التي يريد دفعها. ومنهم من كان يشكو من ضياع الوقت وهدر الحقوق، بعد أن حلت المحاكم الجديدة، بقواعدها الإجرائية المعقدة محل الطريقة القديمة في التقاضي السريع أمام الباشا. فيطمئن خير الدين هؤلاء بقوله إن هذا الأمر مؤقت فقط، ريثما يتم تدريب موظفين جدد مشبعين بروح الخدمة العامة الصحيحة (٥٣). على أن بين الذين قاوموا «التنظيمات» جماعة رأت أن المؤسسات الحديدة مخالفة للإسلام. وهنا
стр. 116
يؤكد خير الدين لقرائه أن تقدم أوروبا لم يكن قط ناجمًا عن كونها مسيحية. فالمسيحية دين يستهدف السعادة في الآخرة، لا في هذه الدنيا. ولو كانت هي سبب التقدم الدنيوي، لكانت دولة البابا أرقى الدول، لا أكثرها تأخرًا في أوروبا (٥٤). وعلى هذا، فليس على الدول الإسلامية أن تتبنى الدين المسيحي إذا هي حاولت اقتباس أسباب التقدم الأوروبي، بل عليها فقط أن تتبنى ما يعادل المؤسسات الإسلامية القديمة من مؤسسات حديثة. ويبذل خير الدين جهده لتوضيح هذا التعادل، فيتساءل ما هي المؤسسات التي تتميز بها أوروبا الحديثة؟ إنها الوزارات المسؤولة، والبرلمانات، وحرية الصحافة. والواقع أن الفكرة الحديثة عن مسؤولية الوزير لا تختلف كثيرًا عن الفكرة الإسلامية عن الوزير الصالح، الذي يسدي النصح بدون خوف ولا تملق (٥٥). كذلك البرلمانات والصحافة، فإنما هي معادلة «للمشورة» في الإسلام. وما أعضاء البرلمان اليوم إلا العلماء والأعيان في الدولة الإسلامية قديمًا، أي «أهل الحل والعقد» (٥٦). وعلى هذا لا يكون تبني المؤسسات الأوروبية، بالحقيقة، إلا تطبيقًا لروح الشريعة وتحقيقًا لغايتها.
ولكي يثبت ذلك يأتي بتفسير للشريعة يبدو مستقى من الفقهاء الحنبلين المتأخرين، مع أن السبل التي وصل إليه منها ليست واضحة. فيقول إن الشريعة هي من مصدر إلهي، وهي أساس الفلاح في هذه الدنيا وفي الآخرة. غير أنها ليست قانونًا محددًا ومفصلًا يأمر بكل ما يجب على الفرد أو على الحكومة القيام به. وينهي عن كل ما لم يأمر به. بل هي، بالحقيقة، خلافًا لذلك. إذ تجيز كل ما لم تنه صراحة عنه، إذا اقتضته الضرورة الاجتماعية. إن مبدأ المصلحة، أي مبدأ اختيار التفسير أو الحكم الذي يفضي إلى الخير الأعظم، يجب أن يكون رائد الحكومة الأول. ويستشهد خير الدين بابن قيم الجوزية، أحد الفقهاء الحنبلين، القائل بأن على الحكومة أن تتجنب،
стр. 117
من جهة، محالفة مبادئ الشرع الصريحة، ومن جهة أخرى، مخالفة ما يمكن استنتاجه شرعيًا منها، وبأن لا شيء يلزمها أن تقتصر على القيام إلا بما يأمر به الشرع. إذ كل ما تأتيه ابتغاءً للخير هو، بالواقع. موافق للشرع، حتى لو لم يوص به النبي ولا أوحي به روح الله.
لكن الظروف تتغير، فيتغير معها ما هو مفيد وضروري للمجتمع. لذلك يرى خير الدين أنه من الواجب أن تتغير أيضًا الشرائع والسياسات، وأن يتفق عليها العلماء ورجال الأعمال فيما بينهم، فيقترح رجال الأعمال ما هو ضروري لمصالح الجماعة ويقرر العلماء إذا كان الأمر المقترح يتفق ومبادئ الشريعة. لذلك كان أول شرط للإصلاح السليم اتفاق العلماء ورجال الدولة. لكن هذا يقتضي أن يكون العلماء على اتصال بروح العصر، كي يكون لمشورتهم وزن. فإذا كانوا بعيدين جدًا عن الحياة السياسية، بقي رجال الأعمال أحرارًا في إتباع أهوائهم وميولهم.
لذلك فإن من أهم واجبات العلماء أن يطلعوا، باتصالهم برجال السياسة. على وقائع الأمور، إذ على اطلاعهم هذا يتوقف تطبيقهم للشريعة. فتطبيق الشريعة لا يقتضي معرفة النصوص فحسب، بل معرفة الظروف التي على ضوئها يجب تطبيق النصوص (٥٧).
لقد فكر خير الدين مرة، بصورة جدية، في تطبيق هذا المبدأ لإنشاء نظام حديث وموحد للشرائع الإسلامية. فصديقه ومعاونه محمد بيرم يروي عنه أنه وضع مشروعًا لهذه الغاية عندما كان رئيسًا للوزراء. وقد برر خير الدين هذا المشروع بقوله إن هناك جالية كبيرة من التجار الأوروبيين في تونس، يشكلون عنصرًا غريبًا في صلب الأمة يستحيل امتصاصه، كما يشكلون خطرًا عليها ناجمًا عن استخدام الحكومات الأوروبية لهم سياسيًا. وهم سيظلون يشكلون مثل هذا الخطر إلى أن تشملهم أحكام قوانين البلاد، أي الشريعة. وبما أن خضوعهم لسلطة الشريعة غير متوقع ما دامت لها
стр. 118
تفسيرات مختلفة، وما دام كل قاض ومحكمة يختلفان في تطبيقها، لذلك عين خير الدين لجنة قوامها عدد من علماء المذهبين الحنبلي والمالكي (الأول مذهب الحكومة العثمانية والباي والثاني مذهب الشعب التونسي) وواحد من التجار المسلمين، كانت مهمتها وضع نظام رسمي موحد للشرائع الإسلامية تستمده من الشرائع الحنفية والمالكية، ومن القوانين الحديثة المرعية الإجراء في الإمبراطورية العثمانية ومصر، ومن عادات البلاد. غير أن شيئًا من ذلك لم يحصل، إذ انحلت اللجنة لدى مغادرته رئاسة الوزارة (٥٨).
يمكن استخدام مبدأ المصلحة على وجهين: إما لتبرير التجدد في المؤسسات عندما تكون الظروف مؤاتيه، وإما لمقاومة التجدد في الظروف المعاكسة. لقد ساعد خير الدين على وضع الدستور التونسي، وحاول إنجاح العمل به، إلا أنه كان يشك في إمكان إدخال مؤسسات برلمانية حقيقية في جسم الإمبراطورية كلها. فهو يقول إن هنالك من أخذ يطالب، مؤخرًا، بمجلس منتخب (كان يقصد حتمًا جماعة «تركيا الفتاة»)، لكنه، على تحبيذه لذلك مبدئيًا، رأى فيه خطرًا من الوجهة العملية. فدوافع المسلمين العثمانيين المطالبين به كانت ولا شك سليمة، ولكن هل كانوا متأكدين من نوايا الآخرين (يقصد ضمنًا هنا العثمانيين المسيحيين) المشتركين معهم؟ فالغاية الحقيقية لدى هؤلاء إنما كانت الانعتاق من سلطة الدولة العثمانية، الأمر الذي كانوا يشجعون عليه من الخارج. نعم، إن الحرية السياسية تستلزم حقوقًا متساوية، لكن كيف يمكن أن يكون هناك حقوق متساوية للجميع، إن لم يكن الجميع موالين للإمبراطورية؟ لذلك، فإن ما يحول دون منح الحرية السياسية إنما هو خصوصًا تنوع عناصر الإمبراطورية (٥٩).
بقي خير الدين على حذره حتى أواخر أيامه. وقد انتقده الكثيرون، عندما أصبح رئيسًا لوزراء تونس في السبعينيات، لعدم قيامه بأي مسعى من أجل إعادة الحياة الدستورية. لكنه أجاب منتقديه
стр. 119
مذكرة شرح فيها دوافعه، فقال إن هناك طريقتين كي تكون التنظيمات السياسية ذات جدوى: «إحداهما أن يكون تأسيسها من الراعي، وثانيتهما أن تطلبها الرعية»، أو أن يكون في العامة استعداد إلى فهمها وقبولها. والأمران مفقودان في تونس، لذلك كان الدستور «اسمًا بلا مسمى» (٦٠). وعندما أصبح صدرًا أعظم في الإمبراطورية، كان عبد الحميد قد أصدر الدستور العثماني ثم علقه. لكن الإصلاحات التي طالب بها خير الدين لم تستهدف دعوة البرلمان مجددًا للانعقاد ولا إعادة السلطات إليه، بل استهدفت بالأحرى تقوية مركز الوزراء تجاه السلطان. نعم، لقد طالب بعودة مجلس النواب إلى الانعقاد، غير أنه اقترح أيضًا تعديل قانون الانتخاب والنظام الداخلي اللذين كانا في نظره يفسحان المجال لحرية أوسع مما في بلاد أوروبا الأكثر دستورية. أما الإلحاح الرئيسي في مطلبه هذا فكان على المسؤولية الوزارية. كان يرى أن من الضروري قيام وزارة متجانسة تفرض سلطة حقيقية على الموظفين الذين كانوا في ذلك الحين يتصلون مباشرة بالقصر، وأن على السلطان، عندما تتخذ الوزارة قرارًا في الشؤون الهامة المعروضة عليها، إما القبول بهذا القرار، أو إحالته على وزارة جديدة (٦١). وبالاختصار، لم تكن قضية خير الدين قضية الديمقراطية الحديثة: كيف يحكم الشعب نفسه بنفسه، وإنما كانت بالأحرى قضية الفكر الإسلامي: كيف يجب تقييد سلطة الحاكم؟ وهو يرد على هذه المسألة ردًا تقليديًا، إنما بتعابير جديدة: يجب أن تتقلد وزارة قوية ومسؤولة مهام الوزير الصالح.
كانت القضية التي شغلت الطهطاوي وخير الدين، وإن عبر عنها كل منهما بشكل مختلف، تدور حول هذا السؤال: كيف يمكن للمسلمين أن يصبحوا جزءًا من العالم الحديث، دون أن يتخلوا عن دينهم؟ وبما أنهما تربيا تربية تقليدية قبل اتصالهما الفعلي بالمدنية الفرنسية، وكتبًا لسائر العرب المسلمين الذين لم يتصلوا مثلهم
стр. 120
بهذه المدنية، فقد كان عليهما أن يدافعا عن المدنية الحديثة بمفاهيم إسلامية تقليدية. أما المسيحيون الناطقون بالضاد، الذين كانوا قد اتصلوا بأوروبا بواسطة مدارس الإرساليات والتجارة، فلم تجابههم هذه القضية، بل جابهتهم قضية أخرى تخصهم وحدهم. فأوروبا لم تكن غريبة عنهم كما كانت عن المسلمين، لذلك لم يشعروا، إذا هم قبلوا بأفكارها وأساليب حياتها، بأنهم غير منسجمين مع أنفسهم، أو بأنهم بحاجة إلى تبرير عملهم أمام معاصريهم أو أجدادهم. لكن التفكير الأوروبي الحديث، الدائر حول الحقوق والواجبات وطبيعة المجتمع وفضائله، قد أثار عندهم، كجماعات مقفلة تعيش خارج نطاق الحياة السياسية، أسئلة لم يكونوا في وضع يسمح لهم بالإجابة عليها. وأن ما أثار هذه المسألة، بإلحاح أشد، هو بيانات المبادئ الكبرى الصادرة عن السلاطين في ١٨٣٩ و ١٨٥٦ (٦٢)، والتي كانت تحمل معاني مختلفة بالنسبة للمسلمين والمسيحيين. فبينما كان المهم فيها للمسلمين استعادة قوتهم، كان ما يهم المسيحيين منها تأكيدها على حقوقهم.
وقد أضيف إلى هذا العامل عامل آخر، هو انصراف المسيحيين إلى تعلم اللغة العربية في القرن الثامن عشر لأغراض عملية أدت إلى شغفهم بالغة وآدابها. ففي النصف الأول من القرن التاسع عشر، خرج من لبنان المسيحي أول أستاذ كبير للعربية، هو الشيخ ناصيف اليازجي (١٨٠٠ - ١٨٧١) الذي، بعد أن صرف حداثته في خدمة سيد لبنان الأمير بشير، استقر في مسقط رأسه قرب بيروت لتدريس اللغة العربية. وقد تجلى في شعره وفي مقاماته امتلاكه الكامل لناصية اللغة وأساليبها التقليدية. وقد كان جميع كتاب العصر من العرب، مباشرة أو مداورة، من تلاميذه. لكن الشيخ ناصيف قصر اهتمامه باللغة العربية على أسلوب التعبير الأدبي، أما هؤلاء الكتاب فقد اتخذ اهتمامهم باللغة، على شدته أيضًا، شكلًا آخر. إذ غدا، قبل كل شيء، اهتمامًا يجعل اللغة العربية أداة صالحة
стр. 121
للتعبير عن الحياة والأفكار في العالم الحديث، كما غدا اهتمامًا بأولئك الذين ينطقون بها ويقرؤونها. فكثير من مسيحي لبنان وسوريا كانوا من أصل عربي، وكان معظم من لم يكونوا منهم من أصل عربي قد اقتبسوا اللغة العربية واقتبسوا معها ثقافة بأسرها. فكانت هذه الثقافة تخصهم بمعنى من المعاني، كما كانت لا تخصهم بمعنى آخر، إذ كانت ثقافة إسلامية بمقدار ما كانت عربية.
أثارت هذه التغيرات أسئلة لدى المسيحيين الناطقين بالضاد. أولها كيف الإفلات من قفص طوائفهم الدينية المغلقة التي كانت لهم بمثابة عالم خاص منذ قرون عديدة؟ ذلك أنهم أخذوا يشعرون، بفضل تربيتهم واعتزازهم بلغتهم، بوجود عالمين خارج الكنيسة: عالم الطائفة الدينية التي كانت سياجًا لهم فأصبحت الآن كأنها حاجز أمامهم، وذلك لأسباب معينة خاصة بكل طائفة. ففي الطائفة المارونية، كان الإكليروس قد لعب دورًا كبيرًا في حوادث السنوات الحرجة بين ١٨٤٠ و ١٨٦٠، أن في الصراع بين الفلاحين والمشايخ، أو في الصراع بين المسيحيين والدروز. لكن دورهم هذا لم يحبذه جميع الناس. فنشأ توتر بين الإكليروس والأهالي، كما نشأ توتر أيضًا بين الطبقة العليا من الإكليروس والطبقة الدنيا. أما الأرثوذكس، فكان التوتر قائمًا بين الرؤساء الذين كانوا كلهم تقريبًا من اليونانيين، وبين الكهنة والأهالي الذين كانوا كلهم تقريبًا من العرب. وقد ازداد هذا التوتر حدة عندما انفصل اليونانيون عن الإمبراطورية العثمانية وأصبحوا مستقلين، وبعد أن اشتد عند المسيحيين الناطقين بالضاد الإحساس باللغة العربية. وعلى العموم، كان التوتر لدى المجموعة المسيحية في الإمبراطورية آخذًا في الازدياد بين الرؤساء الدينيين والأهالي، خصوصًا بعد إعلان «خط همايون» في ١٨٥٦، الذي قضى بأن يكون لكل طائفة دستور يعطي لصوت الأهالي الوزن الذي يستحقه. وقد أعدت هذه الحركات عقول الطلاب المسيحيين لتقبل الأفكار العلمانية التي كانت
стр. 122
تتسرب إليهم من خلال اللغتين الفرنسية والإنكليزية. وليس من الصدفة أن يهجر بعض الذين سيشتهرون بين الكتاب طوائفهم ويلجؤوا إلى جو الحرية النسبية في الطائفة البروتستانتية الجديدة التي أسسها المرسلون الأمريكان والإنكليز واعترف بها السلطان في ١٨٥٠، وأن يتخلل كتاباتهم نزعة معادية للإكليروس لا نجد مثيلها لدى معاصريهم المسلمين. أما السؤال الثاني الطارح نفسه عليهم: إلى أي جماعة يمكنهم الانتماء بعد أن طلقوا عالم الأقلية المغلق؟ لقد كانت الإمبراطورية، بالرغم من كل شيء، إمبراطورية إسلامية. لكن المسيحيين كانوا مستعدين أن يؤيدوا بلا تردد الأفكار الداعية إلى تطبيق فعلي للمبادئ المعلنة في ١٨٣٩ و ١٨٥٦، وإلى تحويل الإمبراطورية إلى دولة علمانية على غرار دول أوروبا، تتصف بحقوق متساوية لجميع المواطنين وبشعور قومي يوحد بين الجميع، وذلك خلافًا لمعظم المسلمين الذين، عربًا كانوا أم أتراكًا، ترددوا في قبول مثل هذه الأفكار بسبب ولائهم العميق والنهائي للإمبراطورية، درع الإسلام السني. لذلك لم يكن تحول الإمبراطورية، لا بل حتى زوالها من الوجود، ليسبب للمسيحيين أزمة ضميرية. بل بالعكس، جعلت حوادث ١٨٦٠ في لبنان ودمشق الحاجة إلى التغير أشد إلحاحًا لديهم. نعم، لعل هذه الحوادث قد سممت العلاقات بين الطوائف، غير أنها لقنت بعض المسيحيين على الأقل درسًا آخر، وهو أن الولاء الديني مصدر خطر على الحياة السياسية، وأنه يجب إيجاد قاعدة ما للتعاون بين أبناء الديانات المختلفة.
كان من شأن هذه التيارات الفكرية أن يكون لها أصداء خارج الطوائف المسيحية، بسبب تغير هام حدث في ستينيات القرن التاسع عشر، هو نشوء الصحافة الدورية. فحتى ذلك التاريخ، كانت الصحف الهامة، هي فقط تلك التي كانت تصدر عن الحكومة في القاهرة وإسطنبول وتقتصر، إن لم يكن كليًا، على نشر الأخبار الرسمية. نعم، كانت تصدر أيضًا بعض الصحف بالفرنسية واليونانية
стр. 123
والأرمنية، لكن لم يكن هناك بالفعل أي صحيفة عربية، إلى أن أتاح ازدياد عدد المطابع وكتاب العربية وقرائها في الستينيات، فضلًا عن تساهل نظام الحكم النسبي في تركيا ومصر، إنشاء صحف ومجلات خاصة. وبقيت هذه الصحف والمجلات، طوال الثلاثين سنة اللاحقة، في أيدي المسيحيين اللبنانيين بصورة عامة، يصدرونها في بيروت أو القاهرة أو إسطنبول، مما جعل قراء البلدان العربية، طيلة جيل بكامله، يتغذون بأفكار الكتاب والمفكرين الجدد في لبنان.
كان أول كاتب لبناني حظي بالشهرة والنفوذ فارس الشدياق (١٨٠٤ - ١٨٨٧)، شقيق المؤرخ طنوس. كانت عائلة الشدياق مارونية من سلالة عريقة زودت أقضية الشمال المارونية بالزعماء، طيلة ثلاثمائة عام، كما زودت المنطقتين الوسطى والجنوبية بالموظفين. وكان والد فارس وطنوس في خدمة الأمراء الشهابيين. وبعد أن عانى منهم بعض الصعوبات، حلت مصيبة جديدة بالعائلة، عندما أمر البطريرك الماروني بسجن أحد أبنائها، أسعد، وبإعدامه، لاعتناقه البروتستنتية يوم كان يشتغل بتدريس المرسلين الأمريكان اللغة العربية. وقد دفعت هذه الأحداث بفارس إلى الضرب في الآفاق. ويبدو أنه هو أيضًا اعتنق البروتستنتية، فأرسله المرسلون الأمريكان أولًا إلى مصر، ثم إلى مالطا، حيث عمل مترجمًا في مطبعة الإرسالية. وفي ١٨٤٨، سافر إلى إنكلترا للاشتراك في وضع صيغة عربية للعهد الجديد، فصرف بعض الوقت في كمبردج وأكسفورد. ثم ذهب إلى باريس، حيث أقام سنوات عدة. وقد وصف إنكلترا وفرنسا وصفًا كان أقل دقة وعمقًا من وصف الطهطاوي. وفي أثناء إقامته في باريس، وضع كتابًا مسهبًا غريبًا مبتكرًا، هو «الساق على الساق في ما هو الفارياق»، توخى به إثبات تفوق اللغة العربية، وحذا فيه إلى حد ما حذو «رابليه»، فجاء سردًا لسيرة حياته من جهة، ونقدًا اجتماعيًا من جهة أخرى، هاجم فيه بعنف، تضمينًا، البطريركية المارونية التي قتلت أخاه. وفي باريس أيضًا، التقى
стр. 124
بأحمد باي تونس، فقبل دعوته لزيارة تلك البلاد، حيث صرف فيها بعض الوقت. ويقال، وهذا القول غير ثابت، بأنه اعتنق الإسلام في هذه الفترة وتسمى بأحمد. ومن باريس ذهب إلى إسطنبول بدعوة من السلطان، حيث أصدر، في ١٨٦٠، صحيفة «الجوائب» التي استمرت على الصدور حتى ١٨٨٣. ثم مات بعد ثلاث سنوات. طالبًا أن يدفن في لبنان. ويقال إنه عاد إلى حضن الكثلكة قبيل وفاته، مما يدل على الثبات الذي كان كامنًا تحت تقلبات حياته.
لا تنم كتابات الشدياق عن إدراك سياسي فائق ولا عن عقيدة سياسية ثابتة. ومهما كان نوع الصراع الداخلي المتجلي بوضوح في حياته وفي بعض تلميحات جاءت عرضًا في «الساق»، فقد كان اهتمامه الواضح باللغة العربية أشد من اهتمامه بأي شيء آخر. وهذا هو، بالواقع، ما حمل باي تونس، ثم السلطان، على استخدامه. فقد كانت «الجوائب» أول صحيفة عربية ذات شأن: فكانت الأولى في انتشارها حيثما كانت اللغة العربية منتشرة، والأولى أيضًا في شرح أحداث السياسة العالمية. لقد حلل الشدياق فيها، بتفصيل، مجرى الحرب الفرنسية الروسية، والأزمة الشرقية في السبعينيات، كما نشر ترجمات لوثائق دبلوماسية مهمة، وعالج المشاكل الاجتماعية بثقة من قضى سنوات في أوروبا، وقابل بين الحياة الأوروبية وبين الحياة الشرقية مفضلًا الأولى على الثانية. ذلك لأن الأوروبيون كانوا، على حد قوله، منظمين ومجتهدين ومنتجين، تجمعهم وحدة اجتماعية تعلو على الفوارق في المعتقدات، ولا يتدخل رؤساؤهم الروحيون، على الأقل في البلدان البروتستنتية، تدخلًا زائدًا في الشؤون السياسية، وتشترك نساؤهم اشتراكًا تامًا في حياة المجتمع، ويتربى أولادهم تربية حسنة خلافًا لحالة الإهمال التي يعانيها الأولاد في الشرق (٦٣). وليس من شك في أن هذا كله هو ما حمل السلطان على استخدامه سياسيًا للدفاع، خارج الإمبراطورية وداخلها، عن سياسته وعن حقه بالخلافة. وقد أثار نثره المنطلق
стр. 125
بقوة أصداء في أمكنة بعيدة، حتى أن دوتي، وقد كان يجوب أواسط الجزيرة العربية في السبعينيات، لاحظ أن «الجوائب» كانت معروفة أيضًا هناك، لا بل وجد أعدادًا منها في بعض بيوت اليمنيين القاطنين في بومباي في الهند (٦٤).
لم يكن بطرس البستاني (١٨١٩ - ١٨٨٣)، الماروني أيضًا، وأحد أبناء الجيل اللاحق، أقل تأثيرًا من الشدياق في عصره، وإن كان تأثيره من نوع آخر. نشأ البستاني في كنف عائلة أنجبت عددًا من العلماء، وتربى كالشدياق في الدير الماروني في عين ورقة حيث تلقى أصول اللغة العربية ولغات عديدة أخرى. كان أمثاله من الشباب المثقف ثقافته في ذلك الوقت لا يجدون مجالًا لمواهبهم أفضل من العمل في القنصليات أو الإرساليات الأجنبية. وهكذا اشتغل البستاني، لمدة، في القنصليتين البريطانية والأميركية في بيروت. لكنه وطد علاقته بالمرسلين الأميركيين الإنجيليين، فاعتنق مذهبهم وساعدهم على ترجمة التوراة إلى العربية، كما اشتغل بالتدريس في معاهدهم. وفي ١٨٦٣، أسس «المدرسة الوطنية» وأقامها، كما يدل اسمها، على مبدأ وطني لا ديني. وقد أعار دراسة اللغة العربية والعلوم الحديثة فيها عناية خاصة. فكان يكرس، بالواقع، معظم نشاطه لإحياء معرفة اللغة العربية وبث محبتها في القلوب. وقد أسهم قاموسه العربي «المحيط»، وموسوعته العربية «دائرة المعارف»، والنشرات الدورية التي كان يرأس تحريرها، في خلق نثر عربي حديث، صالح للتعبير البسيط الدقيق المباشر عن مفاهيم الفكر الحديث. وهكذا نشأت، على يد الحلقة المنعقدة حوله من أبنائه وأقربائه وأصدقائه وتلاميذه، القصة والرواية العربيتان الحديثتان والصحافة العربية الحديثة.
أما ما تبقى من مجهوده، فكان منصبًا على نشر الفكرة القائلة بأن الشرق الأدنى لا ينهض إلا بالاطلاع على فكر أوروبا الحديثة واكتشافاتها. لكنه لم يكن ليرضى بالتقليد الأعمى الذي لا يميز بين
стр. 126
الصالح والطالح. فالقبول بالعادات الأجنبية لمجرد كونها أجنبية كان لا يقل في نظره حماقة عن رفضها لمجرد كونها أجنبية، وهو ما كان يلمسه في طبع السوريين. فالواجب هو أن تقبل هذه العادات أو ترفض حسب قيمتها. وقد وجد، على ضوء هذه النظرة، كثيرًا مما ينتقد في العادات الأوروبية (التي عرفها فقط عن بعد)، كحرية الرجال الزائدة في تصرفهم مع النساء مثلًا (٦٥). لكنه وجد فيها أيضًا كثيرًا مما هو جميل ولا مبرر للتردد في اقتباسه. فمن «الأمور البديهية أن اختلاف أمزجة الناس والبلدان والأزمنة يوجب اختلافًا في العادات» (٦٦). وكان للعرب في الماضي مدنية عظيمة يبدي البستاني اعتزازه بها، مقتنعًا بعروبة جميع الناطقين بالضاد من مسيحيين ومسلمين. وقد أخذت أوروبا عن العرب عندما كانوا في أوج عظمتهم. ثم «سقطت رغبة العلم عن العرب»، لا من جراء انحطاط داخلي، بل نتيجة «لأحوال كثيرة وأسباب متنوعة» (٦٧). وهكذا انتقل العلم إلى أوروبا. فعلى العرب اليوم أن يستردوها منهم، وبذلك إنما يستردون ما كان لهم. نعم، لقد حصل تقدم كبير في الفترة الأخيرة، بفضل محمد علي والإرساليات الكاثوليكية والبروتستانتية، لكن الحاجة ماسة إلى أكثر من ذلك. ومن الخطأ الاعتقاد أن في إمكان العرب أن يعثروا في تراثهم على كل ما يحتاجون إليه لنهضتهم. لكنهم، إذا ما أرادوا أن يتعلموا، » فما مكث فيه الإفرنج السنين العديدة والمدد المديدة يمكن العرب أن يكسبوه في أقرب زمان مع غاية الإتقان والإحكام» (٦٨).
لكن ماذا يجب على الشرق الأدنى أخذه عن أوروبا؟ على هذا السؤال يجيب البستاني بقوله: إن أول ما يجب تعلمه إنما هو أهمية الوحدة الوطنية وواجب جميع الذين يعيشون في البلد الواحد أن يتعاونوا على قدم مساواة، وذلك، أولًا، بالاعتراف بأن جميع الأديان واحدة أصلًا: فكلنا، شرقيين وغربيين، «ذوو طبيعة واحدة بشرية»، وكلنا متحدرون من الأبوين الأولين، وكلنا نعبد الإله
стр. 127
الواحد (٦٩). كان البستاني يعبر بهذا القول عن موقف كان تبريره على ضوء العقيدة الإسلامية أسهل منه على ضوء العقيدة المسيحية، ومع ذلك فقد تبناه جميع الكتاب المسيحيين من مدرسته؛ ثانيًا، بتشجيع نمو الشعور الوطني: «فحب الوطن من الإيمان». وقد اتخذ البستاني من هذه العبارة، المنسوبة إلى النبي، والتي أكثرت من ترديدها جماعة «تركيا الفتاة»، والتي انطوت حوادث ١٨٦٠ على درس فيها، شعارًا لأشهر مجلاته. وقد أصدر، خلال احتدام الأزمة، أحد عشر جزءًا من نشرة أسماها «نفير سوريا»، احتوى كل منها نداء إلى «أبناء الوطن» بتوقيع «محب الوطن». كان البستاني يكتب كمواطن عثماني، ولم يكن في ما يقوله أي تلميح إلى رغبة منه في التخلي عن الولاء للسلطان. إلا أن دعوته كانت موجهة إلى أولئك الذين ينتمون إلى وحدة صغيرة معينة ضمن الإمبراطورية، كانت، كوحدة الطهطاوي، وحدة إقليمية. «فسوريا»، ككل، هي وطنه، إذ أن جميع سكانها مشتركون في أرض واحدة وعادات واحدة ولغة واحدة. ولعل البستاني هو أول كاتب تكلم باعتزاز عن «دمه العربي» (٧٠). ولكي تزدهر سوريا من جديد، فعلى أبنائها أن يحبوها، وأن يكونوا على علاقات ودية بعضهم مع بعض. ويعير البستاني الحرية الدينية والمساواة والاحترام المتبادل بين أبناء الأديان المختلفة اهتمامًا أكبر من اهتمام الطهطاوي وخير الدين؛ ولم يكن ذلك بسبب الظروف التي كتب فيها فحسب، بل بسبب الاتجاه الشخصي الذي اتخذه لحياته أيضًا. إذ كان قد انفصل عن الطائفة المارونية المغلقة ليعتنق البروتستنتية. ولعل هذا النفي الذاتي هو ما أوحى إليه بفكرة الانتماء إلى جماعة أكبر وأكثر اتساعًا. لكنه استمر على الكتابة، بمعنى من المعاني، كمسيحي، يخاطب مسيحيين ويناشدهم أن يحبوا أعداءهم ويتنكبوا عن روح الانتقام (٧١). غير أنه رسم خطًا فاصلًا بين نوعين مختلفين من التدين: التعصب الأعمى الذي أهلك سوريا (٧٢).
стр. 128
والاحترام المتبادل بين الديانات الذي يجب أن يوجد وقد وجد من قبل. كان نداؤه موجهًا إلى الوجدان الوطني، ولكنه كان ضمنًا موجهًا إلى السلطات العثمانية. وكان، بعد أخذه الظروف المحلية بعين الاعتبار، يشارك دعاة الإصلاح العثماني نظرتهم. فإذا كان على سوريا أن تتمدن، فعلى حكامها أن يقوموا بأمرين: الأول إصدار قوانين عادلة متساوية تتفق مع روح العصر، وتلتفت إلى الموضوع لا إلى الأشخاص، وتقوم على الفصل بين حقلي الدين والدنيا؛ والثاني: إنشاء تربية باللغة العربية، إذ يجب أن لا تصبح سوريا بابل لغات كما هي بابل أديان (٧٣).
أما غرض هذه التربية فيجب أن يكون فهم العلوم الحديثة وما يكمن وراءها من طريقة عقلية دقيقة للتفكير والعمل. وعند هذه النقطة يلتقي جانبًا نشاط البستاني في هدف موحد: تغيير عقول الناطقين بالضاد وقرائها وجعلهم مواطنين في عالم العلم والاختراع الحديث، وذلك بجعل اللغة العربية أداة صالحة للتعبير عن المفاهيم الحديثة. وهو في هذا السبيل وضع موسوعته الكبرى التي كانت أهم ما قام به، والتي بدأ هو وعائلته بإصدارها في ١٨٧٦ بمعونة مالية من الخديوي إسماعيل (٧٤). وقد شغلته حتى مماته، ثم تابع أولاده إصدار أجزائها، حتى بلغت أحد عشر مجلدًا ضخمًا، دون أن تكتمل. وهي تشتمل على أبحاث في العلوم، والطب، والأشغال الهندسية، والأفكار اللبرالية السائدة في أوروبا وأميركا. ومنها نتبين مدى الشوط الذي قطعه الفكر العربي، منذ أن لاحت لمشاقة، عرضًا، فكرة كتاب في علم النجوم، ووطأت أقدام الطهطاوي أرض مرسيليا.
стр. 129
الفصل الخامس
جمال الدين الأفغاني
عندما نظر الطهطاوي وخير الدين إلى أوروبا، كان أكثر ما رأياه فيها أفكارها واختراعاتها الجديدة، لا قوتها القاهرة الناجمة عن تلك الأفكار والاختراعات. نعم، كان خير الدين يعي الأخطار الكامنة في النفوذ الأوروبي المهدد بتزايده كيان الإمبراطورية. غير أنه رأى أن بالإمكان صد تلك الأخطار بمعاونة الدول الليبرالية نفسها. فلم تكن تلك الأخطار قد تفاقمت بعد، بحيث تصبح القضية الرئيسية للحياة السياسية. وقد بقيت كيفية شرح الانحطاط الداخلي وتعليله وضبطه، القضية الرئيسية التي شغلت الكتاب العثمانيين في القرنين السابع عشر والسادس عشر. وكانت أفكار أوروبا السياسية ومهاراتها العلمية تبدو لهم ضرورية لمعالجة هذه القضية، لذلك غدت أوروبا، قبل كل شيء، معلمًا وحليفًا سياسيًا للراغبين في إصلاح المجتمع العثماني. ولو تأخر الطهطاوي وخير الدين في وضع كتبهما سنوات فقط، لشددا فيها على وجوه من الموضوع دون أخرى. ذلك أن السنوات الواقعة بين ١٨٧٥ و ١٨٨٢ أسفرت عن أحداث دفعت بالعلاقة بين أوروبا والشرق الأدنى في اتجاه جديد. فقد دلت أزمة ١٨٧٥ - ١٨٧٨ الشرقية أن باستطاعة جيوش دولة أوروبية التوغل في قلب الإمبراطورية دون القدرة على صدها إلا بتهديد من دولة أخرى. كما أظهرت معاهدة برلين، التي أنهت تلك الأزمة، أن الإمبراطورية لم تعد ممسكة بزمام مصيرها ومصير كل ولاياتها. ثم جاء احتلال فرنسا
стр. 130
لتونس في ١٨٨١، واحتلال إنكلترا لمصر في ١٨٨٢، يكشفان عن ما خفي من حقيقة ذلك الواقع. وهكذا تحول الفكر السياسي في الشرق الأدنى، من ذلك الوقت، تحولًا جذريًا. نعم، كانت حسنات الوجود الأوروبي، في نظر بعض نصارى الشرق الأدنى، تفوق سيئاته. إذ لم تكن السيطرة الأوروبية لتتعارض مع نظرتهم العامة في الحياة، ناهيك بما علقوا على هذه السيطرة من آمال النفوذ والثقافة لطوائفهم والفلاح لأنفسهم. أما المسلمون، أتراكًا كانوا أم عربًا، فقد بدا لهم إمكان استيلاء أوروبا على دفة الحكم تهديدًا لكيان مجتمعهم. إذ كانوا يعتقدون أن إحدى خصائص الأمة كونها مجتمعًا سياسيًا يعبر عن نفسه في جميع مظاهر الحياة السياسية، وأن هذا المجتمع إنما يزول بفقدان السلطة والسيادة. لذلك شغلت قضية الانحطاط الداخلي عقولهم دومًا. أما الآن، فقد اقترنت بها قضية جديدة، هي قضية البقاء، المطروحة على الشكل الآتي: كيف يمكن للدول الإسلامية مقاومة الخطر الخارجي الجديد؟
بدت الأزمة، في أول الأمر، كأنها تنفح حجج جماعة «تركيا الفتاة» بقوة جديدة. فقد ثار البلغاريون والبوسنيون، بتأثير من إصلاحات القرن التاسع عشر التي منحت الرعايا المسيحيين حرية دون أن تزودهم بمبدأ الولاء للسلطنة، وتمكنوا من الاستقلال بفضل تلك الحرية وبمساعدة الدول الأجنبية، وخصوصًا روسيا. وقد كان من الضرورة «جمع تلك العناصر حول مبدأ محيٍ ومنعش يشد بها إلى الإمبراطورية، لا بل كان من الضرورة خلق وطن مشترك لهذه الأجناس المختلفة، يجعلها تصم آذانها عن إيحاءات الخارج». وكان من شأن الدستور أن يزودها بمثل هذا المبدأ، إذ أن بالدستور وحده يمكن أن تضمن المساواة في الحقوق والواجبات، و «الاحتراس من جعل المكاسب الممنوحة لجزء من السكان تعاسة وبؤسًا للجزء الآخر» (١). ولكن إذا تعذر على الدستور العثماني، لكونه جديدًا، أن ينعم بما «للدساتير الأوروبية القديمة
стр. 131
من متانة وسلطة»، توجب على أوروبا الليبرالية أن تعوض هي عن ذلك النقص بإشرافها الفعال على تطبيقه (٢).
تلك كانت كلمات مدحت باشا، رجل الدولة التركي الذكي الناجح الذي شغل مناصب عالية والذي شارك جماعة «تركيا الفتاة» معظم أفكارهم. لم يكن دومًا على وفاق معهم، كما كانوا هم على بعض الشك في نزعاته الأوتوقراطية. وفي ١٨٧٦، بعد أن اندلعت الثورات وأخذت روسيا تهدد بالتدخل، قاد مدحت باشا انقلابًا استبدل به عبد العزيز، أولًا بابن أخيه مراد الخامس، ثم، بعد جنون السلطان مراد، بابن أخ آخر له هو عبد الحميد الثاني. وفي نهاية السنة، أعلن الدستور العثماني ناصًا على وزارة مسؤولة، ومجلس شيوخ معين، ومجلس نواب منتخب، ومجالس محلية. وفي ١٨٧٧، انتخب أول مجلس للنواب. ومع أن الانتخابات جرت تحت ضغط الموظفين المحليين، والنواب لم يتكلموا جميعهم التركية، أو يعرفوا نظام المناقشات البرلمانية، ومع أن رئيس المجلس كان أحمد وفيق باشا، الذي تعرفنا إليه شابًا، والذي لم تغير الشيخوخة رأيه في ضرورة تجنب كل ما من شأنه إضعاف القوى التي توحد الإمبراطورية، أي سلطة العاهل وسيطرة العنصر الإسلامي، فإن المناقشات البرلمانية لم تكن مصطنعة بل حقيقية، عرضت فيها الآراء السياسية، وانتقد الوزراء وموظفو البلاط، لا بل ظهر خلالها إلى الوجود فئة معارضة (٣). غير أن الدستور كان له أعداؤه: العلماء والمحافظون والسلطان نفسه الذي لم يكن مستعدًا، بالرغم من بعض اتصالاته مع جماعة «تركيا الفتاة» قبل اعتلائه العرش، أن يتنازل عن سلطته الشخصية. كان السلطان قد سلم بالدستور، لكن بضغط من الدول؛ ولما خف الضغط، شعر بقدرته على تمزيقه ساعة يشاء. وهكذا، فعندما تمادت المعارضة في جرأتها، وأخذت تسمي الوزراء الذين لم تثق بهم بأسمائهم، وتطالب بمحاكمة رئيس الوزراء السابق وكبار القواد الذين أثبتوا عجزهم في أثناء الحرب الأخيرة مع روسيا، حل
стр. 132
السلطان البرلمان لأجل غير مسمى، وعلق الدستور، غير أنه لم يلغه. وكان السلطان قد أرسل واضعه، مدحت باشا، إلى المنفى، ثم سمح له بالعودة. إلا أنه أوقف بعد ذلك بتهمة قتل عبد العزيز (الذي انتحر، بالواقع، بعد خلعه بقليل) وحكم عليه بالإعدام، ثم استبدل هذا الحكم بالإقامة الجبرية في الحجاز، حيث قتل بلا ضجة بعد بضع سنوات، فماتت بموته أول حركة دستورية. وهكذا عاد عبد الحميد سيدًا مطلقًا، فاتبع مجددًا، على ما يبدو، سياسة أسلافه: الإصلاح الإداري، لكن من فوق. إلا أنه كان قد نفذ، في السنوات الأولى على الأقل، الخطوط الرئيسية لسياستهم: تطوير النظام القضائي والإداري لجعله حديثًا، وإقامة المركزية التي أتاح تحقيقها للمرة الأولى استخدام البرق وبناء الخطوط الحديدية وإنشاء المدارس الابتدائية والثانوية والعليا. غير أن سياسته، لا بل طبيعة جاذبيتها، تغيرت مع الأيام. فصورة السلطان التي تكونت تدريجًا منذ أيام محمد الثاني، كعاهل طيب القلب، وليبرالي كريم، وأب لجميع شعوبه على السواء، مسلمين كانوا أم مسيحيين أم يهودًا، وكقائد لجميع قوى الإصلاح «الغربي»، لم تمح تمامًا، وإنما أخذت صورة أخرى تخفيها وراءها: صورة سلطان الإسلام السني، ظل الله على الأرض، المهيب بجميع المسلمين للالتفاف حول العرش دفاعًا عن الأمة. كما أصبح التشديد الآن على دور السلطان، كحارس الحج. وقد استخدم الخط الحديدي بين دمشق ومكة، الذي وضع تصميمه في ١٩٠٣ وأكمل في ١٩٠٨، لإثارة حماس المسلمين والفوز بتأييدهم. وكان هناك ما هو أهم من ذلك. فقد بعث السلطان من جديد مطلبه في الخلافة ودعمه بطريقة منظمة هذه المرة. وكان هذا المطلب قد برز في آخر القرن الثامن عشر، خصوصًا كأداة للمساومة في المفاوضات مع روسيا في نهاية حرب ١٧٦٨ - ١٧٧٤، ولم يعد إلى الظهور جديًا إلا على عهد عبد العزيز في الستينيات والسبعينيات من القرن التاسع عشر. لكن عندما وضع
стр. 133
الدستور، كانت هذه الفكرة قد كسبت رواجًا كافيًا لإدخالها فيه، فنص على «أن جلالة السلطان بوصفه خليفة أعلى هو حامي الدين الإسلامي» (٤).
أما الآن، في عهد عبد الحميد، فقد دعمت الفكرة على نطاق واسع. وكان الغرض من ذلك استخدامها كوسيلة سياسية لكبح جماح الدول الأوروبية التي كانت تحكم رعايا مسلمين من الروس في القوقاز والتركستان، ومن الفرنسيين في شمالي أفريقيا، ومن البريطانيين في الهند. كما كان الغرض من ذلك أيضًا، تعزيز الشعور بالولاء لدى الشعوب الإسلامية التي كان ولاؤها عرضة للتزعزع من جراء علمنة القوانين وانتشار الأفكار الليبرالية أو عدوى القومية. لقد كان للسلطنة، بالنسبة للأتراك، طابع قومي، ولم تكن قد انقطعت بعد الصلة الحقيقية بين السلطان وشعبه، كما سيحدث في أواخر أيام الإمبراطورية. فلم تدع الحاجة، إذن، إلى حثهم على الولاء بقدر ما دعت إلى حث سواهم من الرعايا المسلمين، كالألمانيين والأكراد، وبنوع خاص، العرب. فقد كان العرب أكبر الجماعات الإسلامية في الإمبراطورية وأكثرها قدرة على كسب لتأييد للسلطان الخليفة في آسيا وأفريقيا، وذلك لانتشار اللغة العربية بين أبناء الأمة حيثما وجدوا. وإذ كانوا أيضًا مفتاح أفريقيا خصوصًا، فقد رجي بواسطتهم مقاومة امتداد النفوذ الأوروبي إلى الأقاليم الافريقية، لا بل ربما الاستيلاء على أراض جديدة حيثما كان الإسلام آخذًا في الانتشار. وعلى هذا اعتمدت الدعوة «إلى الوحدة الإسلامية» اللغة العربية واستعانت، لتحقيق فكرتها، برعايا من أصل عربي. فكان أحمد فارس الشدياق أول من استخدموا لهذه الغاية، وذلك في عهد عبد العزيز. ثم جمع عبد الحميد عددًا من نظراء الشدياق، وعددًا من المشايخ العرب، معظمهم من أتباع الطرق الصوفية، تنافسوا في تمجيد دعوته واكتساب رضاه. فكان منهم الشيخ أحمد ظافر المكي، وهو من أتباع الطريقة الشاذلية،
стр. 134
والشيخ فضل آل علوي من أهل حضرموت، والشيخ أبو الهدى الصيادي من أتباع الطريقة الرافعية، ومن أشدهم تأثيرًا (٥).
كان هذا الشيخ عربيًا من ولاية حلب، ينتمي إلى عائلة اشتهرت محليًا بتصوفها طيلة جيلين على الأقل. وإذ اكسبته شخصيته القوية شهرة واسعة، سافر أولًا إلى بغداد، ثم إلى إسطنبول، حيث تمكن من التأثير شخصيًا على عبد الحميد، لاشتهاره بقوى خارقة من جهة، ولحنكته وإدراكه السياسي من جهة أخرى. فلعب دورًا كبيرًا في سياسة عبد الحميد الدينية، وألف كتبًا عديدة، نثرًا وشعرًا، ترددت فيها الأفكار الآتية: تمجيد الطريقة الرفاعية وتمجيد أجداده؛ شرح التفسير الصوفي والدفاع عنه ضد محاولات الوهابية والحركات المماثلة الداعية إلى السير عكس مجرى التطور بالعودة إلى نقاوة الإسلام البدائي كما تخيلوها؛ الدفاع عن حق السلطان في الخلافة ودعوة جميع المسلمين للالتفاف حول عرشه. وكان يقول بأن الخلافة ضرورة إيمانية، انتقلت شرعيًا من أبي بكر إلى العثمانيين؛ وبأن الخليفة هو ظل الله على الأرض ومنفذ أحكامه؛ وبأن من واجب جميع المسلمين أن يطيعوه وأن يكونوا من الشاكرين إذا أصاب ومن الصابرين إذا أخطأ؛ وبأن عليهم، حتى إذا ما أمرهم بمخالفة شرائع الله، أن يلجئوا، قبل عصيانه، إلى النصيحة والدعاء، واثقين بأن الله أقوى منهم على تغييره (٦).
لكن كانت هناك حركة فكرية أخرى تهدف أيضًا إلى توحيد الإسلام في وجه الخطر المشترك. وقد دعا أصحابها إلى أن الحكم الإسلامي الأوتوقراطي الشخصي لا يمكنه أن يشكل محورًا للوحدة. لذلك لم يقبلوا، بالرغم من رغبتهم في التعاون مع عبد الحميد أو أي حاكم آخر يعمل لهذا الهدف، أن يسخروا لمصالح عرشية صرف. وقد يكون من الأصح هنا التحدث عن شخص لا التحدث عن حركة. وما ذلك إلا لأن فكرة «الوحدة الإسلامية» الثورية هذه، وذلك الخليط من الشعور الديني والوطني
стр. 135
والراديكالية الأوروبية، إنما تجسدت كلها في شخصية رجل مدهش، لامست حياته مشاعر العالم الإسلامي بكامله في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وأثرت فيه تأثيرًا عميقًا. لقد كتب الكثير عن جمال الدين الأفغاني (١٧٣٩ - ١٨٩٧)، وكانت حياته نفسها صفحة مفتوحة للملأ، غير أن شيئًا من الغموض لا يزال يحيط بها (٧). فقد ادعى أنه من السادة، أي من أحفاد النبي، وليس من داع للشك في ذلك. لكن هل كان أفغانيًا، كما كان يقول هو، أم فارسيًا، كما كان يدعي أخصامه؟ كان الشيخ أبو الهدى، عدوه في آخر أيامه، يسميه «بالمتأفغن»، ويؤكد أنه كان بالحقيقة فارسيًا من مازندران (٨). ولهذه المسألة بعض الأهمية، لأنه إذا كان فارسيًا، وجب أن يكون شيعيًا، وهذا ما قصد إليه خصومه وما نفرض أنه رغب هو في نفيه بالإصرار على أفغانيته. وهناك كتاب يدعي فيه مؤلفه الفارسي أنه ابن أخته، ويورد فيه من قرائن الحال القوية ما يعزز القول بأنه فارسي المولد والتربية، شيعي بالوراثة والدراسة (٩)، كما يذكر فيه أيضًا أن جمال الدين درس في مدينتي النجف وكربلاء الشيعيتين. ولعلنا نستدل على حقيقة ذلك في مؤلفاته وخطبه، التي تنم عن معرفة أكيدة بتراث الفلسفة الإسلامية، خصوصًا فلسفة ابن سينا. وقد كانت مثل هذه المعرفة سهلة المنال آنئذ في المدارس الشيعية، حيث بقيت تعاليم ابن سينا حية فيها أكثر مما بقيت حية في مدارس الإسلام السني. ومهما يكن من أمر، فإن جمال الدين يظهر للمرة الأولى، على مسرح الحياة العامة، كشاب يطوف الهند، ويستزيد فيها من علوم أوروبا الحديثة. ثم نجده في أفغانستان، يحاول أن يلعب دورًا قياديًا في سياستها المحلية، فيصيب قدرًا ضئيلًا من النجاح. ومن هناك قصد إسطنبول عن طريق مصر وتعرف في الفترة القصيرة التي قضاها فيها بطالب شاب من الأزهر اسمه محمد عبده، فكان لذلك التعارف أثر حاسم في حياتهما. أما في إسطنبول، فقد وجد في علي باشا، رجل الدولة
стр. 136
المصلح، نصيرًا قويًا. لكنه ما لبث أن أثار عليه حفيظة العناصر المحافظة، وذلك بمحاضرة ألقاها وبدا فيها كأنه يضع الفلسفة على قدم المساواة مع النبوة، كما فعل الفلاسفة المسلمون. فعاد إلى مصر مرة أخرى، في ١٨٧١، حيث أمن له الوزير المتحرر في أفكاره، رياض باشا، معاشًا من الحكومة. وقد بقي هناك ثماني سنوات ربما كانت أخصب حقبة في حياته، كان فيها الموجه والمعلم غير الرسمي لفريق من الشباب، معظمهم من الأزهر وممن كتب لهم أن يلعبوا دورًا هامًا في الحياة المصرية. كان بينهم، فضلًا عن محمد عبده، سعد زغلول الذي تزعم الأمة المصرية بعد خمسين سنة. وقد علمهم في بيته، أكثر الأحيان، ما رأى أنه الإسلام الصحيح، شارحًا لهم الكلام والفقه والتصوف والفلسفة (١٠)، كما علمهم أمورًا كثيرة أخرى: خطر التدخل الأوروبي والحاجة إلى الوحدة الوطنية لمقاومته، والسعي إلى وحدة أوسع للشعوب الإسلامية، والمطالبة بدستور يحد من سلطة الحاكم. كذلك شجعهم على الكتابة وإصدار الصحف وتكوين رأي عام. وهكذا أسهم، بواسطتهم، في تحريك الاختلاجات الأولى للوعي القومي وفي إثارة الاستياء من حكم الخديوي إسماعيل. كان لمدة قصيرة على صلة ودية بتوفيق ابن إسماعيل. لكن توفيق كان، كحاكم ليبرالي، أقل تساهلًا منه كولي للعهد. وعندما أصبح خديويًا، نفى الأفغاني إلى الهند، بضغط من القنصل العام البريطاني (كما خيل للأفغاني نفسه) أو خوفًا من تأثيره في الطبقات المثقفة.
صرف الأفغاني السنوات القليلة اللاحقة في الهند، حيث قيدت حريته بأمر من السلطات عندما احتل الإنكليز مصر. وفي ١٨٨٤ آتى باريس حيث ألتحق به محمد عبده، فأسسا معًا جمعية سرية من المسلمين المصممين على العمل لأجل وحدة الإسلام وإصلاحه. لكن مدى انتشار هذه الجمعية ما يزال غامضًا، مع أنها كانت ذات فروع في تونس وفي أمكنة أخرى (١١). وقد أصدر الاثنان باسمها
стр. 137
ثمانية عشر مجلدًا من مجلة عربية تدعى «العروة الوثقي»، خصصت معظم صفحاتها لتحليل سياسة الدول الكبرى في العالم الإسلامي، وبنوع خاص سياسة إنكلترا في مصر والسودان، كما عالجت موضوع ضعف الإسلام الداخلي وحثت المسلمين على التنبه له ومداواته. كانت لغة المجلة لغة محمد عبده، أما التفكير فيها فكان تفكير الأفغاني (١٢). وهكذا أصبحت، بفضل لغتها وفكرها معًا، من أشد المجلات العربية تأثيرًا. وقد عم انتشارها بالرغم من حظر دخولها إلى البلدان العربية الواقعة تحت النفوذ البريطاني. ولأكثر من واحد من مفكري الجيل اللاحق شهادة على التأثير العميق الذي أحدثته فيه قراءة مجلد منها عثر عليه بعد عدد من السنين.
أثارت شخصية الأفغاني وآراؤه، في أثناء إقامته في باريس، كثيرًا من الاهتمام بين الأوروبيين المعنيين بشؤون العالم الإسلامي. وقد دخل في نقاش مع رينان حول موقف الإسلام من العلم، وقام، بين ١٨٨٤ و ١٨٨٥، بمفاوضات مع رجال دولة بريطانيين حول مستقبل مصر والسودان، مهد لها «ولفريد بلنط». كان هذا شاعرًا ثانويًا لا بأس به، وأرستوقراطيًا ثوريًا على طريقته الخاصة، وذا طابع عاطفي حساس، ووطنيًا على الطراز القديم أغضبه عدم أناقة الاستعمار الجديد، ورومنطيقيًا كره تمدن القرن التاسع عشر الميكانيكي، ومولعًا بالأرجاء الغريبة والخيول العربية. وقد طاف مع زوجته الصحاري السورية والعربية بين ١٨٧٧ - ١٨٧٩، وتوغلا حتى نجد في ١٨٧٩، حيث بدت لهما مملكة ابن الرشيد الصغيرة القائمة على أنقاض الدولة الوهابية الأولى تجسيدًا للمثال الأعلى للحرية الإنسانية بمساواتها المستندة إلى البساطة وعدلها القائم على النظام الأبوي القديم، وذلك بالرغم من قسوتها البدائية التي لم يلاحظاها أو ربما حبذاها. وفي ١٨٨٠ استقر بلنط برهة في مصر لتقوية لغته العربية ودراسة الحركات والقضايا الحديثة في الإسلام. وهناك تعرف إلى محمد عبده، وسمع للمرة الأولى بالأفغاني،
стр. 138
ووقف على روح الإصلاح الجديد في العالم الإسلامي. وقد ضمن ملاحظاته وأفكاره سلسلة من المقالات نشرت في ١٨٨٢ في كتاب سماه «مستقبل الإسلام». لقد تتبع عن كثب الأحداث التي أدت إلى الاحتلال البريطاني لمصر، فساعدت خبرته هذه على خلق تيار من التعاطف بينه وبين الحركات القومية في إيرلندا والهند كما في مصر أيضًا. والواقع أنه لعب دورًا في أزمة ١٨٨١ - ١٨٨٢ المصرية، إذ حاول أن يكون صلة الوصل بين حكومة عرابي وغلادستون. لكنه أخفق في التأثير على غلادستون، ولعله ضلل المصريين حول مقدار نفوذه الشخصي وحول ما كانت إنكلترا مزمعة على القيام به. أما الآن، فقد وجه اهتمامه إلى سياسة بريطانيا في مصر والسودان حيث كانت حركة المهدي آخذة في الانتشار، بينما كان غوردن لا يزال يدعم سلطة الحكومة المصرية في الخرطوم. وكان الأفغاني قد أجرى شيئًا من الاتصال بالمهدي بواسطة خريجين سودانيين من الأزهر، ربما أسفر عن حصوله منه على نوع من التفويض بتمثيله. ويبدو أنه كانت هناك فكرة تقضي بأن يذهب بلنط إلى المهدي باسم الحكومة البريطانية، مزودًا بكتاب من الأفغاني للمفاوضة من أجل إطلاق سراح غوردن والوصول إلى اتفاق أعم يتوقف بموجبه المهدي عن زحفه مقابل انسحاب البريطانيين من مصر (١٣). لكن هذه الخطة لم تسفر عن شيء، ناهيك بصعوبة القول بأنها اتصفت بالجدية في أي وقت من الأوقات. لكن بلنط كان على اتصال بالحلقة الصغيرة التي كانت تحكم إنكلترا، كما كان له أصدقاء أقوياء بين السياسيين الحريصين على انسحاب إنكلترا من مصر. وفي ١٨٨٥ صرف الأفغاني بعض الوقت في لندن، حيث حل ضيفًا على بلنط، للبحث في مستقبل مصر مع اللورد رندولف شرشل الذي كان يومذاك في أوج نفوذه القصير الأمد. وفي ذلك الوقت كان الأفغاني يرى في روسيا التي كانت تتقدم في أواسط آسيا خطرًا على العالم الإسلامي أشد من خطر بريطانيا. فنوي تحقيق تقارب
стр. 139
إنكليزي إسلامي. غير أن القضية المصرية كانت حجر عثرة في هذا السبيل. لذلك اقتضى وضع خطة هذه المرة أيضًا. وكانت الحكومة البريطانية قد أوفدت السير هنري دروموند وولف إلى إسطنبول للبحث في مستقبل مصر مع السلطان، على أن يذهب الأفغاني لمساعدته في المفاوضات. غير أن هذه الخطة فشلت أيضًا. وقد اختتمت زيارة الأفغاني إلى لندن بمشهد من تلك المشاهد المحزنة التي تتخلل حياة اللاجئين السياسيين. وهو أن اثنين من أصدقاء بلنط الشرقيين تشاجرا في منزله وتضاربا بالمظلات. وهنا يقول بلنط: «فما كان مني إلا أن رجوتهما بمغادرة المنزل، فخرجا، وتبعهما السيد (الأفغاني)، فاقترحت عليه إذ ذاك أن يجد له محلًا للإقامة في غير هذا المكان» (١٤).
ويئس الأفغاني من إمكان تحقيق اتفاق إنكليزي إسلامي. فذهب إلى بلاد فارس ثم إلى روسيا، سعيًا وراء إمكانات أخرى، ثم عاد إلى بلاد فارس مجددًا ليعمل مستشارًا للشاه ناصر الدين. لكن لم ينقض عام واحد حتى اختلف مع الشاه حول امتياز للدخان كان الشاه مصممًا على منحه إلى شركة أجنبية. ولما راح يؤلب الناس ضد هذا المشروع، نفاه الشاه، في ١٨٩١، فبدأ بحملة صحفية لإثارة المعارضة ضد سياسة الشاه في فارس وفي أوروبا أيضًا. وفي العام التالي دعاه السلطان عبد الحميد إلى إسطنبول، فعاش في كنفه ووطد نفوذه في البلاط، لكن لمدة قصيرة فقط، إذ تكررت القصة ذاتها هنا أيضًا. ذلك أن الشيخ أبو الهدى ناصبه العداء واعتبره، بوجه عام، مسؤولًا عن مقتل الشاه ناصر الدين في ١٨٩٦. وسواء صح هذا الاتهام أو لا، فمن المؤكد أنه هو الذي ساعد على خلق الجو الذي جعل الاغتيال ممكنًا. فقد كان القاتل يعرفه، قيل إنه هتف في اللحظة القاضية: «خذها من يد جمال الدين» (١٥). ومن المؤكد أيضًا أن اغتيال الشاه أثلج صدره. وإن دل هذا الحادث على شيء، فإنما يدل على أن الأفغاني أبى أن يكون الخادم المطيع لأي أوتوقراطي اعتبر مصالحه الخاصة ومصالح الإسلام شيئًا واحدًا.
стр. 140
ولم يغب هذا الدرس عن خاطر عبد الحميد. إذ أنهى الأفغاني حياته أشبه بسجين في بلاط السلطان وإن أحيط بالإكرام.
ترك الأفغاني في جميع من عرفوه انطباعًا قويًا، ولو لم يكن مبهجًا، عن رجل مخلص لعقيدته، عنيد، متقشف، سريع الغضب للشرف والدين، عنيف يستحيل ترويضه، أو على حد تعبير بلنط، «عبقري بري» (١٦).
وكان الأفغاني يعرف لغات عدة، ويحب التحدث إلى أصدقائه بلا انقطاع في مقاهي القاهرة أو في سجنه المذهب في إسطنبول، كما كان خطيبًا يثير الجماهير. غير أنه لم يكن يحب الكتابة، ولم يكتب بالفعل إلا القليل. وقد نشر آراءه العامة في مقالاته السياسية وعدد قليل من المؤلفات الصغيرة؛ ككتابه في «الرد على الدهريين»، ورسالته في الرد على محاضرة لرينان عن «الإسلام والعلم»، وافتتاحياته في «العروة الوثقى». غير أنه بالإمكان، استنادًا إلى هذه المصادر، وإلى تلخيصات لأحاديث وضعها بعض تلاميذه، أن نكون لنا فكرة واضحة عن تعاليمه.
وقف الأفغاني الشطر الأكبر من حياته على الدفاع عن البلدان الإسلامية المهددة بخطر التوسع الأوروبي، إلا أن تفكيره لم يقتصر على السياسة. فالقضية الأساسية لديه، القضية التي قولبت تفكيره، لم تكن التساؤل عن كيفية جعل البلدان الإسلامية قوية وناجحة بقدر ما كانت التساؤل عن كيفية إقناع المسلمين بأن عليهم أن يفهموا دينهم الفهم الصحيح، وأن يعيشوا وفقًا لتعاليمه. فلو أنهم فعلوا، لغدت بلادهم قوية حتمًا. ولم يكن ليتغير جوهر هذه القضية، لو أن البلاد لم تجابه الخطر الخارجي؛ إلا أن ازدياد قوة أوروبا وضغطها جعلها، بالطبع، أشد إلحاحًا في نظره. لقد عاش الأفغاني في زمن فوجئ بسيادة القوة الأوروبية على أنحاء العالم، بحيث لم يكن هناك من بلد، مهما بدا بعيدًا وثابت الاستقلال، إلا شعر بضغط الدول الأوربية وتنافسها، وبحيث لم يعد بالإمكان حل أي قضية سياسية،
стр. 141
مهما بدت محدودة النطاق، بدون أخذ المصالح الأوروبية بعين الاعتبار. وقد لمس الأفغاني هذه الحقيقة في كل مرحلة من مراحل حياته: في تدخله في سياسة أفغانستان، وفي أثناء إقامته وتنقله في الهند، ولدي سعيه لإثارة المعارضة ضد شركة أصحاب الأسهم في مصر أو شركة التبغ في بلاد الفرس. وكان يشعر، بفضل هذه الخبرة عينها، أن خطر إنكلترا كان أشد من خطر أي دولة أخرى. فمجلة «العروة الوثقى» تكاد تخلو من ذكر الاستعمار الفرنسي والهولندي والروسي، وإن كنا نعثر فيها على إشارة عابرة إلى احتلال فرنسا للهند الصينية (١٧). وهو، وإن تلهى لفترة بفكرة الحلف الإنكليزي الإسلامي لمقاومة التوسع الروسي، فقد كان إجمالًا يعتبر الحكومة البريطانية عدوة المسلمين. ولم يكن يخيفه منها الهجوم العسكري المباشر فحسب، بل الوسائل الأخرى التي كانت لديها والتي كانت في نظره أشد وأدهى. من ذلك أن الإنكليز غزوا الهند بالخديعة، وتوغلوا في الإمبراطورية المغولية بحجة مساعدة المغول (١٩)، ناهيك ببذرهم بذور الشقاق في صفوف ضحاياهم وبإضعاف مقاومتهم بإضعاف معتقداتهم، كإيفاد المرسلين من مصر إلى السودان، في عهد الجنرال غوردن، لنشر المسيحية البروتستنتية فيه، وتشجيع تعاليم المادية الزائفة في الهند (٢٠).
كان الأفغاني يعتقد أن الدول الأوروبية لم تكن بالفطرة أقوى من الدول الإسلامية، وأن الفكرة السائدة عن تفوق إنكلترا على غيرها لم تكن سوى وهم، ووهم خطر، من شأنه، ككل وهم، أن يجعل الناس جبناء، فيجر عليهم ما يخشون وقوعه. وقد دلت انتصارات المهدي في السودان على ما يمكن للمسلمين أن يقوموا به ضد البريطانيين فيما لو استفاقوا من غفلتهم. وإذا كانت انتصارات المسلمين قليلة وانهزاماتهم هي القاعدة، فذلك عائد إلى انقسام المسلمين وجهلهم وافتقارهم إلى الفضائل العامة. ولو كانت كل من مصر والهند يقظة ومتحدة حقًا، لما استطاعت بريطانيا قط إحراز
стр. 142
موطئ قدم لها فيهما (٢١). قد تبدو هذه النظرة ساذجة، لما في التعبير عنها من مبالغة في الجزم. لكن مجلة «العروة الوثقى» لم تكن عملًا فكريًا دقيقًا، بل نشرة دعائية تساير الزمن وتستهدف تقوية العزائم. وإذا كان الأفغاني لم يذكر شيئًا عن الثورة الصناعية والتقنية، فهذا لا يعني أنه لم يكن متنبهًا لها. فقد كان يعلم أن انتصارات أوروبا إنما تحققت بفضل المعرفة وتطبيقها الصحيح، وأن ضعف الدول الإسلامية راجع إلى الجهل (٢٢). كما كان يعلم أيضًا أن على الشرق أن يتعلم فنون أوروبا المفيدة. إلا أن السؤال الملح في نظره كان: كيف يمكن تعلمها؟ وعليه أجاب: لا يمكن تحصيل تلك الفنون بمجرد التقليد، إذ أن وراءها نظرة فكرية شاملة لا بل نظامًا للخلقية الاجتماعية. فالبلدان الإسلامية ضعيفة، لأن المجتمع الإسلامي فاسد.
وهنا نلمس شيئًا جديدًا في تفكير الأفغاني، أو على الأقل، إلحاحًا جديدًا. فلم يعد الإسلام كدين ما عناه الآن، بل بالأحرى الإسلام كمدنية. فهو يعتبر أن الغاية من أعمال الإنسان ليست خدمة الله فحسب، بل خلق مدنية إنسانية مزدهرة في كل نواحيها. كانت بالحقيقة فكرة المدنية من بذور الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر، وقد دخلت العالم الإسلامي خصوصًا بواسطة الأفغاني. وكان «غيزو» أول من عبر عنها تعبيرًا كلاسيكيًا في محاضراته عن تاريخ المدنية في أوروبا. وكان الأفغاني قد قرأ غيزو وتأثر به. وعندما ترجم هذا الأثر إلى العربية في ١٨٧٧، أوحى الأفغاني إلى محمد عبده بأن يكتب مقالًا للترحيب بالترجمة وليشرح نظرية الكتاب. إن ما بدا له مهمًا في هذا الكتاب وأمثاله إنما كانت فكرة المدنية، التي رأي فيها أهم الأحداث التاريخية ومحك الحكم على الأحداث الأخرى. وكان للمعنى الخاص الذي أضفي على هذه الكلمة أهمية خاصة في نظره، وهو معنى التقدم الذي كان ينشده ويسعى إليه، معنى «الشعب الناشط لتغيير حاله»، وبالتخصيص، معنى
стр. 143
التقدم المتجه نحو هدفين: التطوير الاجتماعي، أي زيادة القوة الاجتماعية والرفاهية الاجتماعية، والتطوير الفردي، أي تطوير مواهب الإنسان ومشاعره وأفكاره (٢٣). وكان غيزو يعتقد أن هذين النوعين من التطور في متناول الإنسان؛ وأن الإنسان يحكم العالم بأفكاره وعواطفه وطاقاته الخلقية والعقلية، وأن على وضعه الخلقي يتوقف وضع المجتمع، وأن لهذه الحالة الخلقية ناحيتين هامتين: العقل واستعداد الناس لتسخير ميولهم وأفعالهم له من جهة. والوحدة أو التضامن، أي قبول أعضاء المجتمع عامة للأفكار وللمبادئ الخلقية الناجمة عن العقل من جهة أخرى (٢٤).
هكذا كان غيزو يصف أوروبا. غير أن هذا الوصف بدا للأفغاني (باستثناء مسألة هامة) منطبقًا أيضًا على المدنية الإسلامية. فقد كان للأمة الإسلامية في أوج مجدها الخصائص الضرورية للمدنية المزدهرة: التطور الاجتماعي، والتطور الفردي، والإيمان بالعقل، والوحدة والتضامن، وإن فقدت ذلك فيما بعد. كان مزاج الأفغاني السياسي يريه العظمة والضعف معًا في النواحي السياسية والعسكرية، إلا أن الانتصارات العسكرية في صدر الإسلام لم تكن في نظره سوي رمز لازدهار المدنية الإسلامية. وقد رأى أن ما أمكن تحقيقه في الماضي يمكن أيضًا تحقيقه الآن، وذلك بقطف ثمار العقل، أي علوم أوروبا الحديثة، وبإعادة بناء وحدة الأمة.
كانت الدعوة إلى هذه الوحدة تكمن في جميع ما كتبه الأفغاني. فهو يهيب بالمسلمين، صدًا للخطر المشترك المهدد لهم، ودفاعًا عن القيم الخاصة بهم، أن يسموا على الفروق في العقيدة والخصومات التقليدية، وأن لا يسمحوا للاختلافات الطائفية أن تقيم حواجز سياسية فيما بينهم، وأن يعتبروا بألمانيا التي فقدت وحدها الوطنية من جراء اهتمامها الزائد بالخلافات الدينية (٢٥). ورأى الأفغاني أن من الممكن إزالة أعمق الخلافات، أي حتى الخلاف بين السنة والشيعة. فدعا الفرس والأفغان إلى الاتحاد بالرغم من كون الفرس شيعة والأفغان سنة.
стр. 144
وقد راودته، في آخر أيامه. فكرة المصالحة العامة بين الطائفتين. ولعل إمكانية توسيع الدعوة إلى الوحدة الإسلامية بحيث تشمل العالم الشيعي هو ما حمل عبد الحميد على استدعاء الأفغاني إلى إسطنبول. إذ يبدو أن الأفغاني كان، كعادته، يعد خطة من هذا النوع، تقضي بأن تعترف بلاد الفرس بالسلطان كخليفة، على أن يعترف السلطان بالشاه ويتنازل له عن المدن المقدسة في العراق، وبأن ينعقد مؤتمر في إسطنبول من الزعماء المسلمين لحل القضايا التي تهم الفريقين ولإعلان الجهاد ضد العدوان الغربي. ويبدو أن الأفغاني كان على صلة بعلماء الشيعة وغيرهم لهذا الغرض. ومع أن هذه الخطة لم تخرج إلى حيز الوجود، إلا أنها ربما تسببت بمقتل ناصر الدين الذي كان حكمه الشخصي يشكل عقبة في هذا السبيل (٢٦).
وحذر الأفغاني من عدم السماح للانقسامات السياسية والمصالح المتعلقة بالعروش أن تحول دون الوحدة. إذ أن على الحكام المسلمين أن يتعاونوا في خدمة الإسلام. وهذا القول يفسر الكثير من موقف الأفغاني تجاه الحكام المسلمين ومن سيرة علاقاته العاصفة معهم. ثم إن الأفغاني لم ير إمكان أو ضرورة فرض سيطرة أحد الحكام المسلمين على الحكام الآخرين. وليس من دليل على أنه كان يفكر بإنشاء دولة إسلامية واحدة، أو ببعث خلافة العصور الأولى الوحدة. فهو عندما يتحدث عن الخلافة، يعني بها إما نوعًا من السلطة الروحية أو مجرد أولوية شرفية. إذ لو توافرت روح التعاون، فلا خوف على هذه السلطة الروحية من وجود دول متعددة، وإذا لم تتوافر، فالمسلمون غير ملزمين على كل حال بطاعة حاكمهم. وكان ينظر إلى حكام زمانه نظرة احتقار، وذلك لعدم جدارتهم بمناصبهم، ولانصرافهم إلى ملذاتهم وأهوائهم، بحيث وقعوا ضحايا أحابيل البريطانيين وألاعيبهم. لقد سمحوا لموظفين أجانب، لا تربطهم بالأمة رابطة الدين ولا رابطة العرق، أن يندسوا في مجالسهم ومشاوراتهم. ولا ينكر الأفغاني أن الحاكم المستبد يستطيع،
стр. 145
إذا حسنت نواياه، أن تحقق الكثير من الخير بسرعة؛ لكن خطر الحكم الاستبدادي في أن كل شيء فيه يتوقف على أخلاق الحاكم. لذلك كان من واجب زعماء الرأي الوطني التخلص من الحاكم الفاسد قبل فوات الأوان (٢٧). وفي هذا التصريح ما يلقي الضوء على حياة الأفغاني المضطربة وتنقلاته التي لم تنته قط.
لم يكن الأفغاني دستوريًا على أساس مبدئي، إذ كان مثله الأعلى للحكم مثل العقائديين المسلمين: حكم ملك عادل يعترف بسيادة الشريعة (٢٨)، بل كان بطبيعته أوتوقراطيًا ولجوجًا. وقد صرف حياته بكاملها يفتش عن حاكم مسلم يمكنه بواسطته العمل على إحياء الإسلام، على غرار تلك الشراكة بين الحاكم والفيلسوف التي تخيلها الفارابي كبديل للملك الفيلسوف المثالي الذي لم يكن ليظهر إلا نادرًا. لكن آماله كانت تخيب كل مرة، إذ كان يعثر دومًا، إما على حاكم لم يطبع على العدل. أو على حاكم لا يعترف بسيادة الشريعة. ولم يكن الأفغاني ينتمي إلى الأكثرية المسالمة من المفكرين المسلمين. الذين كانوا يقولون بأن عليهم أن يحتجوا على ظلم الحاكم وأن يرضخوا له في الوقت نفسه، بل تبنى بالأحرى رأي الأقلية المؤمنة بحق الثورة. لذلك كان ينقلب بعنف على كل حاكم يخيب أمله فيه. وهكذا ساعدت مقاومته هذه على تقوية الحركات الدستورية والقومية التي كانت آخذة في الظهور آنذاك. أما الحكام الذين أملوا منه أن يعمل على جمع الكلمة حول عروشهم، فسرعان ما اكتشفوا أن قصده الحقيقي إنما كان تسخير سلطتهم لخدمة الإسلام.
ولكن لم يكن بوسع أصلح الحكام، حتى لو قدروا على إنجاز الكثير، أن يحققوا ما رآه الأفغاني ضروريًا. فعندما كان يتكلم عن الوحدة الإسلامية، لم يكن يعني فقط التعاون بين الزعماء الدينيين والسياسيين، بل كان يعني أيضًا تضامن الأمة، والشعور بالمسؤولية لدى كل من أبنائها تجاه الآخرين وتجاه المجموع، والرغبة في العيش معًا في المجتمع الواحد، والعمل معًا لخيره.
следующие страницы →