Полный текст (470 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
مهما بدت محدودة النطاق، بدون أخذ المصالح الأوروبية بعين الاعتبار. وقد لمس الأفغاني هذه الحقيقة في كل مرحلة من مراحل حياته: في تدخله في سياسة أفغانستان، وفي أثناء إقامته وتنقله في الهند، ولدي سعيه لإثارة المعارضة ضد شركة أصحاب الأسهم في مصر أو شركة التبغ في بلاد الفرس. وكان يشعر، بفضل هذه الخبرة عينها، أن خطر إنكلترا كان أشد من خطر أي دولة أخرى. فمجلة «العروة الوثقى» تكاد تخلو من ذكر الاستعمار الفرنسي والهولندي والروسي، وإن كنا نعثر فيها على إشارة عابرة إلى احتلال فرنسا للهند الصينية (١٧). وهو، وإن تلهى لفترة بفكرة الحلف الإنكليزي الإسلامي لمقاومة التوسع الروسي، فقد كان إجمالًا يعتبر الحكومة البريطانية عدوة المسلمين. ولم يكن يخيفه منها الهجوم العسكري المباشر فحسب، بل الوسائل الأخرى التي كانت لديها والتي كانت في نظره أشد وأدهى. من ذلك أن الإنكليز غزوا الهند بالخديعة، وتوغلوا في الإمبراطورية المغولية بحجة مساعدة المغول (١٩)، ناهيك ببذرهم بذور الشقاق في صفوف ضحاياهم وبإضعاف مقاومتهم بإضعاف معتقداتهم، كإيفاد المرسلين من مصر إلى السودان، في عهد الجنرال غوردن، لنشر المسيحية البروتستنتية فيه، وتشجيع تعاليم المادية الزائفة في الهند (٢٠).
كان الأفغاني يعتقد أن الدول الأوروبية لم تكن بالفطرة أقوى من الدول الإسلامية، وأن الفكرة السائدة عن تفوق إنكلترا على غيرها لم تكن سوى وهم، ووهم خطر، من شأنه، ككل وهم، أن يجعل الناس جبناء، فيجر عليهم ما يخشون وقوعه. وقد دلت انتصارات المهدي في السودان على ما يمكن للمسلمين أن يقوموا به ضد البريطانيين فيما لو استفاقوا من غفلتهم. وإذا كانت انتصارات المسلمين قليلة وانهزاماتهم هي القاعدة، فذلك عائد إلى انقسام المسلمين وجهلهم وافتقارهم إلى الفضائل العامة. ولو كانت كل من مصر والهند يقظة ومتحدة حقًا، لما استطاعت بريطانيا قط إحراز
стр. 142
موطئ قدم لها فيهما (٢١). قد تبدو هذه النظرة ساذجة، لما في التعبير عنها من مبالغة في الجزم. لكن مجلة «العروة الوثقى» لم تكن عملًا فكريًا دقيقًا، بل نشرة دعائية تساير الزمن وتستهدف تقوية العزائم. وإذا كان الأفغاني لم يذكر شيئًا عن الثورة الصناعية والتقنية، فهذا لا يعني أنه لم يكن متنبهًا لها. فقد كان يعلم أن انتصارات أوروبا إنما تحققت بفضل المعرفة وتطبيقها الصحيح، وأن ضعف الدول الإسلامية راجع إلى الجهل (٢٢). كما كان يعلم أيضًا أن على الشرق أن يتعلم فنون أوروبا المفيدة. إلا أن السؤال الملح في نظره كان: كيف يمكن تعلمها؟ وعليه أجاب: لا يمكن تحصيل تلك الفنون بمجرد التقليد، إذ أن وراءها نظرة فكرية شاملة لا بل نظامًا للخلقية الاجتماعية. فالبلدان الإسلامية ضعيفة، لأن المجتمع الإسلامي فاسد.
وهنا نلمس شيئًا جديدًا في تفكير الأفغاني، أو على الأقل، إلحاحًا جديدًا. فلم يعد الإسلام كدين ما عناه الآن، بل بالأحرى الإسلام كمدنية. فهو يعتبر أن الغاية من أعمال الإنسان ليست خدمة الله فحسب، بل خلق مدنية إنسانية مزدهرة في كل نواحيها. كانت بالحقيقة فكرة المدنية من بذور الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر، وقد دخلت العالم الإسلامي خصوصًا بواسطة الأفغاني. وكان «غيزو» أول من عبر عنها تعبيرًا كلاسيكيًا في محاضراته عن تاريخ المدنية في أوروبا. وكان الأفغاني قد قرأ غيزو وتأثر به. وعندما ترجم هذا الأثر إلى العربية في ١٨٧٧، أوحى الأفغاني إلى محمد عبده بأن يكتب مقالًا للترحيب بالترجمة وليشرح نظرية الكتاب. إن ما بدا له مهمًا في هذا الكتاب وأمثاله إنما كانت فكرة المدنية، التي رأي فيها أهم الأحداث التاريخية ومحك الحكم على الأحداث الأخرى. وكان للمعنى الخاص الذي أضفي على هذه الكلمة أهمية خاصة في نظره، وهو معنى التقدم الذي كان ينشده ويسعى إليه، معنى «الشعب الناشط لتغيير حاله»، وبالتخصيص، معنى
стр. 143
التقدم المتجه نحو هدفين: التطوير الاجتماعي، أي زيادة القوة الاجتماعية والرفاهية الاجتماعية، والتطوير الفردي، أي تطوير مواهب الإنسان ومشاعره وأفكاره (٢٣). وكان غيزو يعتقد أن هذين النوعين من التطور في متناول الإنسان؛ وأن الإنسان يحكم العالم بأفكاره وعواطفه وطاقاته الخلقية والعقلية، وأن على وضعه الخلقي يتوقف وضع المجتمع، وأن لهذه الحالة الخلقية ناحيتين هامتين: العقل واستعداد الناس لتسخير ميولهم وأفعالهم له من جهة. والوحدة أو التضامن، أي قبول أعضاء المجتمع عامة للأفكار وللمبادئ الخلقية الناجمة عن العقل من جهة أخرى (٢٤).
هكذا كان غيزو يصف أوروبا. غير أن هذا الوصف بدا للأفغاني (باستثناء مسألة هامة) منطبقًا أيضًا على المدنية الإسلامية. فقد كان للأمة الإسلامية في أوج مجدها الخصائص الضرورية للمدنية المزدهرة: التطور الاجتماعي، والتطور الفردي، والإيمان بالعقل، والوحدة والتضامن، وإن فقدت ذلك فيما بعد. كان مزاج الأفغاني السياسي يريه العظمة والضعف معًا في النواحي السياسية والعسكرية، إلا أن الانتصارات العسكرية في صدر الإسلام لم تكن في نظره سوي رمز لازدهار المدنية الإسلامية. وقد رأى أن ما أمكن تحقيقه في الماضي يمكن أيضًا تحقيقه الآن، وذلك بقطف ثمار العقل، أي علوم أوروبا الحديثة، وبإعادة بناء وحدة الأمة.
كانت الدعوة إلى هذه الوحدة تكمن في جميع ما كتبه الأفغاني. فهو يهيب بالمسلمين، صدًا للخطر المشترك المهدد لهم، ودفاعًا عن القيم الخاصة بهم، أن يسموا على الفروق في العقيدة والخصومات التقليدية، وأن لا يسمحوا للاختلافات الطائفية أن تقيم حواجز سياسية فيما بينهم، وأن يعتبروا بألمانيا التي فقدت وحدها الوطنية من جراء اهتمامها الزائد بالخلافات الدينية (٢٥). ورأى الأفغاني أن من الممكن إزالة أعمق الخلافات، أي حتى الخلاف بين السنة والشيعة. فدعا الفرس والأفغان إلى الاتحاد بالرغم من كون الفرس شيعة والأفغان سنة.
стр. 144
وقد راودته، في آخر أيامه. فكرة المصالحة العامة بين الطائفتين. ولعل إمكانية توسيع الدعوة إلى الوحدة الإسلامية بحيث تشمل العالم الشيعي هو ما حمل عبد الحميد على استدعاء الأفغاني إلى إسطنبول. إذ يبدو أن الأفغاني كان، كعادته، يعد خطة من هذا النوع، تقضي بأن تعترف بلاد الفرس بالسلطان كخليفة، على أن يعترف السلطان بالشاه ويتنازل له عن المدن المقدسة في العراق، وبأن ينعقد مؤتمر في إسطنبول من الزعماء المسلمين لحل القضايا التي تهم الفريقين ولإعلان الجهاد ضد العدوان الغربي. ويبدو أن الأفغاني كان على صلة بعلماء الشيعة وغيرهم لهذا الغرض. ومع أن هذه الخطة لم تخرج إلى حيز الوجود، إلا أنها ربما تسببت بمقتل ناصر الدين الذي كان حكمه الشخصي يشكل عقبة في هذا السبيل (٢٦).
وحذر الأفغاني من عدم السماح للانقسامات السياسية والمصالح المتعلقة بالعروش أن تحول دون الوحدة. إذ أن على الحكام المسلمين أن يتعاونوا في خدمة الإسلام. وهذا القول يفسر الكثير من موقف الأفغاني تجاه الحكام المسلمين ومن سيرة علاقاته العاصفة معهم. ثم إن الأفغاني لم ير إمكان أو ضرورة فرض سيطرة أحد الحكام المسلمين على الحكام الآخرين. وليس من دليل على أنه كان يفكر بإنشاء دولة إسلامية واحدة، أو ببعث خلافة العصور الأولى الوحدة. فهو عندما يتحدث عن الخلافة، يعني بها إما نوعًا من السلطة الروحية أو مجرد أولوية شرفية. إذ لو توافرت روح التعاون، فلا خوف على هذه السلطة الروحية من وجود دول متعددة، وإذا لم تتوافر، فالمسلمون غير ملزمين على كل حال بطاعة حاكمهم. وكان ينظر إلى حكام زمانه نظرة احتقار، وذلك لعدم جدارتهم بمناصبهم، ولانصرافهم إلى ملذاتهم وأهوائهم، بحيث وقعوا ضحايا أحابيل البريطانيين وألاعيبهم. لقد سمحوا لموظفين أجانب، لا تربطهم بالأمة رابطة الدين ولا رابطة العرق، أن يندسوا في مجالسهم ومشاوراتهم. ولا ينكر الأفغاني أن الحاكم المستبد يستطيع،
стр. 145
إذا حسنت نواياه، أن تحقق الكثير من الخير بسرعة؛ لكن خطر الحكم الاستبدادي في أن كل شيء فيه يتوقف على أخلاق الحاكم. لذلك كان من واجب زعماء الرأي الوطني التخلص من الحاكم الفاسد قبل فوات الأوان (٢٧). وفي هذا التصريح ما يلقي الضوء على حياة الأفغاني المضطربة وتنقلاته التي لم تنته قط.
لم يكن الأفغاني دستوريًا على أساس مبدئي، إذ كان مثله الأعلى للحكم مثل العقائديين المسلمين: حكم ملك عادل يعترف بسيادة الشريعة (٢٨)، بل كان بطبيعته أوتوقراطيًا ولجوجًا. وقد صرف حياته بكاملها يفتش عن حاكم مسلم يمكنه بواسطته العمل على إحياء الإسلام، على غرار تلك الشراكة بين الحاكم والفيلسوف التي تخيلها الفارابي كبديل للملك الفيلسوف المثالي الذي لم يكن ليظهر إلا نادرًا. لكن آماله كانت تخيب كل مرة، إذ كان يعثر دومًا، إما على حاكم لم يطبع على العدل. أو على حاكم لا يعترف بسيادة الشريعة. ولم يكن الأفغاني ينتمي إلى الأكثرية المسالمة من المفكرين المسلمين. الذين كانوا يقولون بأن عليهم أن يحتجوا على ظلم الحاكم وأن يرضخوا له في الوقت نفسه، بل تبنى بالأحرى رأي الأقلية المؤمنة بحق الثورة. لذلك كان ينقلب بعنف على كل حاكم يخيب أمله فيه. وهكذا ساعدت مقاومته هذه على تقوية الحركات الدستورية والقومية التي كانت آخذة في الظهور آنذاك. أما الحكام الذين أملوا منه أن يعمل على جمع الكلمة حول عروشهم، فسرعان ما اكتشفوا أن قصده الحقيقي إنما كان تسخير سلطتهم لخدمة الإسلام.
ولكن لم يكن بوسع أصلح الحكام، حتى لو قدروا على إنجاز الكثير، أن يحققوا ما رآه الأفغاني ضروريًا. فعندما كان يتكلم عن الوحدة الإسلامية، لم يكن يعني فقط التعاون بين الزعماء الدينيين والسياسيين، بل كان يعني أيضًا تضامن الأمة، والشعور بالمسؤولية لدى كل من أبنائها تجاه الآخرين وتجاه المجموع، والرغبة في العيش معًا في المجتمع الواحد، والعمل معًا لخيره.
стр. 146
فالتعصب، بمعنى التضامن، هو القوة التي تحافظ على وحدة المجتمع، وهذه الوحدة إنما تتفكك بدونه. والتعصب، ككل الفضائل البشرية الأخرى، قد يلحقه الفساد، لأنه ليس شريعة بحد ذاته، فهو يخضع لمبدأ الاعتدال أو العدل، هذا المبدأ المنظم للمجتمعات البشرية. وكل تعصب لا يخضع لهذا المبدأ ولا يتسربل بالعدل ينقلب تعصبًا أعمى (٢٩).
والتعصب يقوم على أسس مختلفة. فقد ينبثق عن عقيدة دينية أو عن رابطة طبيعية كاللغة. وفي هذا يجد الأفغاني فرقًا أساسيًا بين المدنيتين الأوروبية والإسلامية. فالاعتقاد الشائع في أوروبا، كما يقول، هو أن التعصب القومي خير بحد ذاته ويؤدي إلى التقدم، وأن التعصب الديني أبدًا تعصب أعمى يحول دون التقدم. فهل كان يفكر بغيزو الذي كان، على رغم اعترافه بدور الكنيسة في تكوين المدنية الأوروبية وفي مدها بفكرة تفوق الشريعة الإلهية على الشريعة الإنسانية وبفكرة أن لا حقوق للقوة المادية على عقل الإنسان وضميره، يعتبرها، بالوقت نفسه، حائلًا دون التقدم، وذاك لنكرانها حق الفرد في التفكير وحؤولها دون استخدام العقل؟ (٣٠). قد يصح هذا، حسب رأي الأفغاني، على المسيحية، لكنه لا يصح على الإسلام، حيث التعصب الديني الأعمى نادر والتعصب الديني الحق ضرورة جوهرية للتقدم.
لكن هذا لا يعني أنه كان ينكر أهمية الروابط القومية أو غيرها من الروابط الطبيعية. فهو يقر بأنه من الممكن قيام دولة فاضلة على أساس العقل البشري كما يمكن قيامها على أساس الشريعة الإلهية. وقد أعرب عن هذا، بتعابير تذكر بالفلاسفة، في تلك المحاضرة التي أدت إلى مغادرته إسطنبول. إذ قال أن الجسم الاجتماعي لا يحيا بدون روح، وأن روح هذا الجسم هي الملكة النبوية أو الملكة الفلسفية ... أما الأولى فهي هبة من الله ... بينما الثانية تنال بالتفكير والدرس (٣١). وهو يقر كذلك، بأن في مقدور الجماعة القائمة على الفضائل البشرية
стр. 147
والخاضعة لتدبير العقل البشري أن تستقر استقرار الدولة القائمة على الدين، لا بل في مقدورها أن تكون أكثر استقرارًا، فتبقى (كما هي حال الفرس! ) بعد أن يتبدل الدين مرتين أو ثلاث. ورأى أيضًا أن اللغة عنصر جوهري في خلق جماعة مستقرة، إذ أن المجتمعات البشرية التي لا تجمعها لغة مشتركة لا يمكن لوحدتها أن تكون ثابتة، كما أنه من السهل على الجماعة التي ليس لها لغة خاصة تعبر بها عن معرفتها ومهارتها أن تخسر ما هي عليه من المعرفة والمهارة (٣٢)، لا بل إن الجماعة الدينية نفسها تكون أقوى فيما لو كانت لها لغة مشتركة. فلو تبنى العثمانيون اللغة العربية دون سواها وجعلوها لغة الإمبراطورية بأسرها، لارتبطت شعوبها برابطتين بدل رابطة واحدة، ولكانت متحدة وقوية (٣٣). ورأى الأفغاني أيضًا أن الرابطة الدينية لا تتعارض مع الروابط القومية القائمة بين أقوام ينتمون إلى أديان مختلفة: من هنا نداؤه إلى المسلمين في مصر والهند قائلًا: «عليكم أن تتقوا الله في ... حسن المعاملة وإحكام الألفة في المنافع الوطنية بينكم وبين أبناء أوطانكم وجيرانكم من أرباب الأديان المختلفة» (٣٤). بل من هنا دعوته إلى تضامن طبيعي يتعدى الأمة، هو ذلك التضامن الذي يربط بين جميع شعوب الشرق التي يتهددها التوسع الأوروبي. وقد أعلنت «العروة» في عددها الأول أنها موجهة «إلى الشرقيين عمومًا وإلى المسلمين خصوصًا» (٣٥).
غير أنه يبقى صحيحًا، بالرغم من كل هذا، أن الأفغاني رأى أن ما من نوع من أنواع التضامن الطبيعي، ولا حتى حب الوطن، يمكنه أن يحل في قلوب المسلمين محل الرابطة التي خلقها الإسلام: إذ أن الوحدة الحقيقية في الأمة الإسلامية إنما تقوم على الاعتقاد الديني المشترك. فإذا انعدم هذا، انحل المجتمع. وهو ما اعتقد الأفغاني أنه حاصل في زمانه. وكان يخشى لا أن تضعف الأمة فحسب، بل أن تزول تمامًا، لأن ما وحد الأمة في الماضي إنما هو مؤسسة الخلافة السياسية وجماعة العلماء المحافظين على
стр. 148
العقيدة الصحيحة. لكن الخلافة انفصلت عن العلماء في عهد العباسيين، ثم زالت عمليًا من الوجود فيما بعد، وقام مقامها دول مستقلة، وبقي العلماء عنصر الوحدة الوحيد، وغدوا روح الأمة وقلب الشعب المحمدي (٣٦). ولكنهم، مع مرور الزمن، انقسموا هم أيضًا على أنفسهم حول المعتقدات وانحرفوا جميعًا، ما عدا القليل منهم، عن الحقيقة إلى الضلال. فكانت النتيجة أن تفككت الجماعة نفسها. إذ أن الاعتقاد المجرد لا يكفي للإبقاء على وحدتها، وإنما يجب أن تدعمه حاجات وبواعث إنسانية حقيقية. يجب أن يكون هناك وحدة في القلوب والأعمال. فعندما لا توجد هذه الوحدة، تأخذ المعتقدات المشتركة في التعبير عن نفسها بالأحلام والتصورات دون سواها. وهذا ما كان حاصلًا بالفعل. فعندما يسمع الآن مسلم في بلد ما عن مصائب المسلمين في بلدان أخرى، لا يندفع لمساعدتهم فعليًا، بل إنما يخالجه ذلك النوع من التأسف الفكري الذي يراود الإنسان عندما يفكر بالميت (٣٧).
لذلك، وهذا هو استنتاج الأفغاني، لن يأتي خلاص الأمة على يد الحكام الصالحين وحدهم، وليس هناك من طريق مختصرة لإحياء الإسلام، وما الصحف والمدارس وحدها بكافية لتحقيق هذا الهدف، مع أن بإمكانها أن تساعد على رفع مستوى الخلقية العامة ونشر فكرة الوحدة. إن الإصلاح الحقيقي للإسلام لا يمكن أن يتم ما لم يرجع العلماء إلى حقيقة الدين وما لم تقبلها الجماعة بكاملها وتعيش وفقًا لها. لكن ما هي حقيقة الإسلام؟
هذا هو السؤال الذي انصب عليه تفكير الأفغاني انصبابًا كاملًا. وإننا نجد في معالجته له عنصرًا جديدًا في التفكير الإسلامي: فالأفغاني لا يخاطب فقط إخوانه المسلمين لينقذهم من الأفكار الضالة التي غرقوا فيها منذ زمن طويل، بل يخاطب أيضًا، من وراء الأمة، عالم أوروبا المتعلم. إنه يريد، في آن واحد، هدم الآراء الخاطئة عن الإسلام التي تبناها المسلمون ودحض الانتقادات التي
стр. 149
يوجهها إليه الأوروبيون. وعندها يقول بأنه لا يمكن للمسلمين استعادة قوتهم ومدنيتهم إلا بالرجوع إلى الإسلام، فإنما يقول ذلك بإلحاح أشد، لأنه كان قد أصبح من المسلم به لدى الفكر الأوروبي أن الدين على العموم والإسلام على الخصوص يقتل الإرادة ويقيد العقل، وأن التقدم لا يتحقق إلا بالتخلي عنه أو على الأقل، بفصل الدين عن الدنيا فصلًا حادًا.
عندها كان الأفغاني في باريس في الثمانينيات من القرن التاسع عشر، دخل في نقاش مع رينان. فرينان كان قد ادعى، في محاضرة له عن «الإسلام والعلم» ألقاها في السوربون في ١٨٨٣، أن الإسلام والعلم لا يتفقان مما يستوجب القول: استنتاجًا، أن الإسلام والمدنية لا يتفقان. يقول رينان: «كل من كان مطلعًا بعض الاطلاع على أحوال زماننا يشاهد بوضوح انحطاط البلدان الإسلامية الحالي، وتقهقر الدول الخاضعة لحكم الإسلام، وانعدام معالم الفكر لدى الشعوب التي اقتبست من هذا الدين وحده ثقافتها وتربيتها. فجميع من يأمون الشرق أو أفريقيا يدهشهم ضيق التفكير المحدود بصورة حتمية لدى المؤمن الحقيقي، وذلك الطوق الحديدي الذي يطوق رأسه. فيجوله مغلقًا بإحكام في وجه العلم وعاجزًا عن تلقن أي شيء أو الانفتاح على أي فكرة جديدة» (٣٨).
نعم، يعترف رينان بما يدعى بالفلسفة العربية وبالعلم العربي، ولكنه يذهب إلى أنهما إنما كانا عربيين باللغة فقط، بينما كانا يونانيين ساسانيين بالمحتوى (٣٩). لقد كانا بكاملهما، على حد رأيه، من عمل مفكرين غير مسلمين عانوا ثورة نفسية داخلية على دينهم. وإذ قاومهم اللاهوتيون والحكام معًا، لم يتمكنوا من التأثير في المؤسسات الإسلامية. وقد بقيت هذه المقاومة محدودة طالما كانت السلطة في أيدي العرب والفرس، لكنها انتصرت انتصارًا تامًا عندما تسلم البرابرة، أي الأتراك في الشرق والبربر في الغرب، قيادة الأمة. «فقد كانت الروح الفلسفية والعلمية
стр. 150
معدومة لدى الأتراك» فاختنق العقل البشري وقضي على التقدم على يد عدوة الرقي، الدولة القائمة على الوحي (٤٠). والإسلام لا بد زائل بحكم انتشار العلم الأوروبي. وقد تنبأ رينان، في مكان آخر، بأن هذا سيتم قريبًا. وهو يستشهد، للبرهان على تأثير الاحتكاك بأوروبا في تفتح العقل الإسلامي، بوصف الطهطاوي لباريس الذي كان قد اطلع عليه، فيقول: «إن الشباب الشرقي الذي يأتي المدارس لينهل منها العلوم الأوروبية، يعود حاملًا، مع هذه العلوم، ما هو ملازم لها وغير منفصل عنها: الطريقة العلمية، والروح التجريبية، وحس الواقع، واستحالة الإيمان بالتقاليد الدينية المكونة، بصورة واضحة، بمعزل عن كل نقد» (٤١).
كان رينان يفكر، ولا شك، بالكثلكة وبالدين إجمالًا، عندما كان يكتب عن الإسلام. فالإسلام، في نظره، كالمسيحية، يقدم لنا، وأن على طريقته، مثالًا على النتيجة المفجعة التي يؤدي إليها المزج بين حقلين مختلفين: حقل العقل الذي يجب أن يسيطر على العمل الإنساني، مبتغيًا في النهاية الكمال الإنساني وانتصار المدنية، والذي يتجلى في العلم، في العصر الحديث؛ وحقل الدين الضروري أيضًا، لكن للتعبير عن مثل خلقي أعلى وحسب، أي عن «الجمال على الصعيد الروحي» (٤٢)، وهو المثل الأعلى لنكران الذات الذي كان يسوع أكمل تجسيد له. ولا يرى رينان تناقضًا بين هذين الحقلين إذا ما فهما على حقيقتهما. فالاثنان عدوهما واحد: «المادية المبتذلة، أي دناءة الإنسان الأناني» (٤٣). لكن التناقض بينهما ينشأ عندما يتعدى الواحد حدود الآخر، كما حصل مثلًا عندما ادعى العقل حكم العالم بدون الالتفات إلى حاجات القلب خلال عهد الثورة الفرنسية (٤٤)، أو عندما تسلحت الديانات بالوحي الفائق للطبيعة لتكبيل العقل البشري بالقيود، كما فعلت المسيحية والإسلام على السواء. وقد رد الأفغاني على أقوال رينان هذه ردًا لا يشكو من العمق، فوافقه على أن الأديان، وإن كانت ضرورية
стр. 151
لتحرير الإنسان من بربريته، قد تجنح به إلى عدم التساهل. ففي عهد طفولة الجنس البشري، لم يكن بإمكان الإنسان أن يميز بعقله بين الخير والشر ولا بإمكان ضميره المعذب أن يجد الراحة في ذاته. فجاء الدين يفتح له آفاق الأمل، فارتمى في أحضانه. لكنه اضطر، لجهله أسباب الأحداث المحيطة به وأسرار الموجودات، أن يأخذ بإرشادات رؤساء الدين ويأتمر بأوامرهم المفروضة عليه باسم العلي، دون أن يتمكن من تمحيص نفعها أو ضررها (٤٥). إلا أن هذا لم يكن سوى مرحلة عابرة مرت بها الديانات. أما في المرحلة التالية، فقد تحرر الناس من القيود المفروضة على عقولهم، وأعادوا الدين إلى نصابه الصحيح، كما جرى في المسيحية على عهد الإصلاح. ولما كان الإسلام أفتى من المسيحية بعدة قرون، فهو لا يزل ينتظر «إصلاحه» (٤٦)، ويترقب قيام لوثر جديد فيه. (كثيرًا ما كانت هذه الفكرة تراود الأفغاني، ولعله كان يأمل القيام بنفسه بهذا الدور). وإذا ما تم هذا الإصلاح، فالإسلام لا يقل عن أي دين آخر أهلية للقيام بمهمته الجوهرية في الإرشاد الخلقي، كما أثبت في ماضيه. ومن الخطأ تلخيص هذا الماضي في أنه كان انتصارًا أعمى للسنة على العقل، كما يفعل رينان، بل الحقيقة هي أن العلوم العقلية قد ازدهرت فيه، وكانت إسلامية وعربية معًا. فاللغة هي ما يكون الأمم ويميزها الواحدة عن الأخرى. لذلك اقتضى أن تعتبر العلوم المعبر عنها باللغة العربية علومًا عربية. وعلى هذا يمكن للعرب أن يدعوا أن ابن سينا منهم تمامًا مثلما يدعي الفرنسيون بأن مازران ونابوليون منهم. نعم، إن الصراع بين الدين والفلسفة سيبقى أبدًا قائمًا في الإسلام، إلا أن ذلك عائد إلى أن هذا الصراع قائم أبدًا في العقل البشري نفسه.
ثم استطرد الأفغاني إلى القول بأن جميع الأديان، مهما اختلفت أسماؤها، تبقى متشابهة، ولا يمكن أن يقوم بينها وبين الفلسفة أي تفاهم أو تصالح. فالدين يفرض على الإنسان إيمانه، بينما الفلسفة
стр. 152
تحرره منه كليًا أو جزئيًا. وكلما انتصر الدين قضي على الفلسفة، والعكس بالعكس. لذلك سيستمر الصراع بينهما إلى الأبد، ويكون صراعًا مستميتًا لن ينتهي بتغلب الفكر الحر، لأن العقل غير مستحب لدى الجماهير، ولأن تعاليمه لا تفقهها سوى النخبة، ولأن العلم، مهما كان جميلًا، لا يسعه إرواء عطش البشرية إلى المثل العليا القائمة في حقول بعيدة غامضة يعجز الفلاسفة والعلماء عن مشاهدتها أو اكتشافها.
كان الأفغاني، بقوله هذا، يفرط في عرض قضيته. فالإسلام لم يكن، في اعتقاده، مساويًا لسائر الأديان في الصواب أو الخطأ، بل كان الدين الصحيح التام الكامل الوحيد الذي بوسعه تلبية جميع رغبات الروح البشرية. وكان، كغيره من مفكري عصره من المسلمين، مستعدًا لقبول حكم الفكر الأوروبي الحر على المسيحية بأنها غير معقولة وعدوة العلم والتقدم، إلا أنه رأى أن هذا الانتقاد لا ينطبق على الإسلام، لأن الإسلام، على عكس ذلك، يتفق مع المبادئ التي اكتشفها العقل العلمي، لا بل إنه الدين الذي يقتضيه هذا العقل. لقد أخفقت المسيحية بشهادة رينان نفسه. أما الإسلام، فمن شأنه، وهو منسجم مع العقل ومتساهل، أن يخلص العالم العلماني من تلك الفوضى الثورية التي كانت ذكراها لا تزال تلاحق مفكري زمانه من الفرنسيين. إن أحد أسرار انجذاب المسلمين بالأفغاني كامن في أنه حاول أن يقدم لهم إسلامًا يحمل في طياته مرة أخرى رسالة عالمية.
لكن نجاح الأفغاني في تلك المحاولة أوجب عليه أن يثبت أن جوهر الإسلام إنما هو جوهر العقلانية الحديثة ذاتها. على أن مثل هذا الإثبات كان أمرًا محفوفًا بالمخاطر. وقد شعر بعض معاصري الأفغاني بهذا الواقع، فاتهموه بأنه كان مستعدًا لتضحية حقيقة الإسلام في سبيل رفاهية المسلمين الوهمية. بل لقد وجد بين معارفه من شك في إيمانه بحقيقة الإسلام وفي قيامه بواجباته الشرعية. كما
стр. 153
وجد فيما بعد بعض من أبدى مثل هذه الشكوك بحق تلميذه محمد عبده. وللحكم على هذه الاتهامات حكمًا صحيحًا، لا بد لنا من أن نتذكر أن نظرة الأفغاني إلى الإسلام كانت نظرة الفلاسفة لا نظرة اللاهوتيين السنيين. وبتعبير آخر، لقد قبل الأفغاني بالتوحيد النهائي بين الفلسفة والنبوة، إيمانًا منه بأن ما يتلقاه النبي بالوحي إنما هو عين ما يستطيع الفيلسوف بلوغه بالعقل، مع فارق واحد، هو أن هناك طريقتين مختلفتين للتعبير عن الحقيقة: طريقة المفاهيم الواضحة للخاصة، وطريقة الرموز الدينية للعامة. وليس من شك في أن بين هذه النظرة إلى الإسلام وبين التفكير الحر في أوروبا القرن التاسع عشر هوة، ربما لم يكن من المستحيل إقامة جسر فوقه.
ما دامت هذه هي نظرة الأفغاني إلى الإسلام، فلا مجال للشك في صدق إيمانه به. فمحمد عبده، الذي ربما عرفه أكثر من أي شخص آخر، يصفه بالتقوى والورع، مع ميل إلى مذهب السادة الصوفية، وبالمثابرة الشديدة على أداء الفرائض، وبالحرص على أن لا يأتي من الأعمال إلا ما يحلله المذهب الحنفي، فيقول: «فهو أشد من رأيت في المحافظة على أصول مذهبه وفروعه» (٥٠). والواقع أنه يستحيل علينا فهم تعاليم الأفغاني أو نشاطه السياسي ما لم نكن مقتنعين بأنه آمن من كل قلبه بتعاليم الإسلام الأساسية: كوجود الله والنبوة، والقول بأن محمدًا، خاتم الأنبياء وأعظمهم، قد أرسل للناس أجمعين، وبأن القرآن يحوي كلام الله بلا تحريف. نعم، ربما كان يتساهل مع الفكر الحديث في كثير من الأمور، إلا أنه لم يكن ليقرها شخصيًا. وهو ما كان ليصر على ضرورة تفسير الإسلام تفسيرًا صحيحًا لو لم يكن مؤمنًا بحقيقته. وجوهر حقيقته هذه، في نظر الأفغاني، هو قبل كل شيء، الإيمان بالله تعالى خالق الكون، ورفض جميع المعتقدات القائلة بأن العالم غير مخلوق وبأن الكون أو الإنسان جدير بالعبادة. وعلى الرغم من تساهله في وجوه الخلاف حول العقيدة أو الشريعة، فهو لم يتساهل قط مع أي تهجم على
стр. 154
الجوهر. وهذا ما يفسر عداءه لبعض الحركات الحديثة في الإسلام، كالبهائية وحركة المفكر الهندي السيد أحمد خان (١٨١٧ - ١٨٩٨). كان على معرفة واسعة بعقائد البهائية، وكان له بين البهائيين معارف وأتباع سياسيون. لكنه رأى في البهائية خطرًا على الأمة، لأنها، على غرار فروع الشيعة الأخرى، تستعيض عن عقيدة النبوة بعقيدة الانبثاق، فتزيل بذلك التمييز بين الخالق والمخلوق، ولأن إيمانها باستمرار الأنبياء وبأن محمدًا لم يكن آخرهم ولا أعظمهم يهدد وجود الأمة بالذات. كذلك هاجم الحركة العصرية التي أطلقها أحمد خان. فقد دعا السيد أحمد هذا، بعد زيارة قام بها إلى إنكلترا في السبعينيات، إلى إسلام جديد أطلق الناس عليه اسم «النيشرية» وهو مأخوذ عن كلمة «نيتشر» الإنكليزية ومعناها الطبيعة. وكان فحوى هذه الدعوة أن القرآن، لا الشريعة، هو من جوهر الإسلام، وأن تأويل القرآن يجب أن يتم وفقًا لمبادئ العقل والطبيعة، وأن النظام الخلقي والحقوقي يجب أن يكون قائمًا على الطبيعة. وقد اطلع الأفغاني على هذه العقيدة عندما كان منفيًا في الهند بعد ١٨٧٩. وعلى رغم الظواهر، فقد كان هناك فرق شاسع جدًا بين اعتقاده هو أن حقائق الإسلام المنزلة تتلاءم مع النتائج التي يبلغها العقل البشري المستعمل استعمالًا صحيحًا، وبين اعتقاد أحمد خان أن نواميس الطبيعة المستنبطة بالعقل هي القاعدة التي على أساسها يجب تأويل الإسلام والحكم على الأفعال البشرية. فما كان السيد أحمد يعنيه هو أن ليس من شيء فائق لعالم الطبيعة وأن الإنسان هو الحكم في كل الأمور. أو هكذا على الأقل بدت عقيدته للأفغاني الذي نسب، وهذا ما ينم عن طبعه أيضًا، انتشار هذه العقيدة إلى دسيسة بريطانية لإضعاف الإيمان وهدم وحدة المسلمين. لكنه رأى فيها أيضًا تعبيرًا جديدًا عن نزعة في التفكير كانت دومًا تهدد الدين الحقيقي، فوضع لمحاربتها أوسع مؤلفاته: «الرد على الدهريين»، الذي هاجم فيه، تحت هذا الاسم، جميع الذين
стр. 155
أتوا بتفسير للكون لا يفترض وجود الإله تعالى، من ديموقريطوس إلى داروين مرورًا بنظرائهما في الإسلام. وقد هاجمهم، لا لأنهم يهددون الحقيقة فحسب، بل لأنهم يشكلون، بحكم ذلك، خطرًا على رفاهية المجتمع وسعادة البشر. فهو يقول: إن الأديان الحقيقية تنطوي على ثلاث حقائق: أولًا: أن الإنسان ملك الأرض وأنبل خلق الله؛ ثانيًا: أن المجتمع الديني هو أفضل المجتمعات إطلاقًا، وثالثًا: أن الإنسان أرسل إلى هذه الدنيا ليحقق كماله استعدادًا للحياة الأخرى. وعن التسليم بهذه الحقائق الثلاث تنجم الفضائل الثلاث التي هي أساس المجتمع: الحياء والأمانة والصدق. فالدهريون الذين ينكرون تلك الحقائق إنما يهدمون أسس المجتمع الإنساني وينزلون الناس من على عرش المدنية الإنسانية إلى حضيض الحيوانية (٥١). إنهم يحتقرون الحياء على أنه ضعف لا فضيلة، وبإنكارهم يوم الحساب يستأصلون جذور الأمانة والصدق. وما هذا إلا سمًا خفيًا يتفشى في أطوار انهيار المدنيات جميعًا. فقد ظهر في العالم القديم بمظهر الفلسفة الأبيقورية، وفي فارس القديمة في شخص مزدك، كما وجد تعبيرًا له في التاريخ الإسلامي في الحركات الباطنية التي أولت الإسلام على غير حقيقته، فأضعفت الأمة الإسلامية ومهدت السبيل لحلول مصيبة الصليبيين بها. نعم، لقد احتفظ بعض المسلمين بفضائلهم الأصلية، فتمكنوا في آخر الأمر من طرد الصليبيين، إلا أنه لم يكن بإمكانهم استئصال الشر من الأمة فبقيت ضعيفة. وها هي الآن فريسة السموم الدهرية الجديدة التي ركبها في فرنسا مفكرو القرن الثامن عشر «الأحرار»، وجاء اليوم ينفثها في الإسلام السيد أحمد وأمثاله.
الإسلام إذن هو، أولًا وقبل كل شيء، إيمان بالتعالي، ثم إنه إيمان بالعقل. فهو يشجع الناس على استعمال قواهم العقلية بحرية لثقته بأن ما لا بد أن يكتشفوه بها لن يتعارض والحقائق المنزلة بواسطة النبوة. إن الإسلام وحده من بين الأديان الكبرى الذي
стр. 156
يحرر العقل البشري من الأوهام والخرافات ويسمح له بإنماء جميع مواهبه. فالتوحيد الذي هو الركن الأول من أركان الإسلام يطهر الذهن من جميع الأوهام. فهو بقيامه على أساس أن الله هو وحده خالق الكون لا يترك مجالًا للاعتقاد بقدرة أي كائن من الكائنات المخلوقة على التأثير في الخليقة، كما لا يسمح بالقول إن الله ظهر في صورة الإنسان أو الحيوان أو أنه قاسي الآلام في وقت من الأوقات في سبيل المخلوقات (٥٢). وما من دين آخر يعلم بهذا الشكل أن العقل قادر على معرفة كل شيء وامتحان كل شيء، وأن عقل كل إنسان قادر على ذلك. فما من دين سواه إذن يوحي للناس باحترام الذات وبالشعور بالمساواة، هذا الاحترام وهذا الشعور اللذين يختلج بهما فؤاد المسلمين أو يجب أن يختلج بهما فيما لو عرفوا حقيقة دينهم. أن اليهودية والهندوكية، كل بطريقتها الخاصة، تنكر المساواة بين البشر، كما تنكر المسيحية على الجميع ما عدا الإكليروس إمكانية معرفة الحقيقة الإلهية وهي تعلم فضلًا عن ذلك بعض العقائد التي لا يقبل بها العقل (٥٣). لذلك لا يمكن للعقل البشري أن يحقق نفسه إلا بالإسلام، لأن الشريعة التي تسلمها النبي من الله هي شريعة الطبيعة نفسها التي يمكن للعقل البشري أن يتبينها من دراسة الكون.
غير أن هناك صعوبة تلحق بهذه النظرة. فإذا كان بإمكان العقل البشري بلوغ جميع الحقائق الضرورية للحياة، فما الحاجة إذن إلى النبوة؟ على هذا السؤال يجيب الأفغاني بأنه بينما يمكن للعقل مبدئيًا بلوغ الحقيقة، فالطبيعة البشرية لا يمكنها بقواها الخاصة إتباع القواعد التي يضعها العقل. فالإنسان مليء بالشهوات والرغبات الأنانية التي لا يمكن إلا لمبدأ العدل ضبطها كما ينبغي. وهو أمر يتم بأربع طرق: إما بأن يدافع كل عن حقه بالقوة، وهذا ما يؤدي إلى الفوضى والاضطهاد؛ وإما أن يتقيد كل بما يمليه عليه شرفه، ومفهوم الشرف يتغير من مجتمع إلى آخر بل من طبقة
стр. 157
إلى أخرى؛ وإما بأن يذعن كل أمرئ لسلطة الحكومة، وهذا لا يمنع إلا نوعًا من أنواع الظلم ولا يمكنه أن يقيم العدل الحقيقي؛ وإما بأن يؤمن الناس بوجود الله وبالحياة الأبدية وبيوم الحساب، وهو إيمان يضع وحده الأساس الثابت للتقيد بالمبادئ الخلقية. لذلك كان للنبوة وظيفة عملية: فقد بعث النبي لإنشاء مجتمع فاضل والمحافظة عليه. وهناك نخبتان لقيادة المجتمع البشري: المعلمون الذين ينورون الذهن، والمرشدون الذين يضبطون الشهوات ويدلون على طريق الفضيلة. وينتمي الأنبياء إلى الفئة الثانية، وبدونهم لا ثبات في العمل الصالح (٥٤).
إن هذه النظرة تنطوي على متضمنات بعيدة الأثر. فهي تعني أنه يجب استعمال العقل استعمالًا تامًا في تفسير القرآن. فإذا بدا لنا أن القرآن يناقض ما هو معروف الآن، فعلينا أن نفسره رمزيًا. إذ أن القرآن يلمح إلى أشياء لم يكن بوسعه شرحها الشرح الوافي، لأن العقول لم تكن مستعدة لذلك. أما الآن، وقد بلغ العقل كماله، فعليه أن يحاول الكشف عن حقيقة تلك التلميحات. فالقرآن يحتوي مثلًا على إشارات خفية إلى العلم الحديث واكتشافاته، كالخطوط الحديدية والكهرباء والمؤسسات السياسية الحديثة (٥٥). لكن لم يكن من الممكن قبل الآن فهم هذه الأشياء. ثم إنه لما كان العقل البشري قادرًا على تفسير مثل هذه الأمور، فباستطاعة أي كان أن يفسرها، شرط أن يكون عالمًا باللسان العربي، وذا عقل سليم، وعارفًا بسيرة السلف الصالح الذين كانوا حراس دعوة النبي الأمناء (٥٦). إن باب الاجتهاد لم يغلق، وإنه لمن حق الناس، لا بل من واجبهم، أن يطبقوا مبادئ القرآن مجددًا على قضايا زمانهم. وإذا امتنعوا عن القيام بهذا، وقعوا في الجمود والتقليد اللذين لا يقلان عداوة للإسلام عن الدهرية. فمحاكاة أقوال الآخرين وأفعالهم تفسد الدين والعقل معًا. وإذا قلد المسلمون الأوروبيين فلن يصيروا مثلهم، إذ أن أقوال الأوروبيين وأفعالهم لا معنى لها إلا من حيث هي صادرة
стр. 158
عن بعض المبادئ المفهومة والمقبولة لديهم. وعلى غرار ذلك، لن يقتبس المسلم روح الإسلام الحقيقية إذا اكتفى بترديد أقوال السلف.
والإسلام، أخيرًا، يعني السعي. ولعل هذا هو الأهم في ذهن الأفغاني. فهو يكرر دومًا أن موقف المسلم الحقيقي ليس الرضوخ السلبي لما قد يحدث باعتباره آتيًا مباشرة من الله، بل هو السعي المسؤول لتحقيق إرادة الله. إن القول بأن الإنسان مسؤول أمام الله عن كل أعماله، وبأنه مسؤول عن خير المجتمع، وبأن أخطاءه صادرة إذن عنه وبوسعه تجنبها، كل هذا، في نظره، مما يعلمه القرآن. وكان يردد دائمًا، كما ردد تلاميذه من بعده، هذه الآية التي توجز كل شيء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٥٧). فالإسلام الحق لا يعلم بأن الله هو الفاعل المباشر لكل ما يحدث. ومن الضروري التمييز بين الإيمان بالجبر وبين عقيدة الإسلام الصحيحة في القضاء والقدر. فالأول قد شاع في وقت من الأوقات في تاريخ الإسلام. إلا أنه لم يكن الاعتقاد الصائب، وقد توقف عن الانتشار. أما الثاني، وهو النظرة الأصيلة، فإنه يعني أن كل ما يحدث في العالم إنما يحدث بتسلسل العلة والمعلول وأن الله إنما هو العلة الأولى التي بها بدأت السلسلة. وما قرارات الإرادة البشرية إلا حلقات ضرورية من هذا التسلسل، وهي قرارات حرة. غير أن الله علمنا بالعقل وبواسطة الأنبياء كيف يجب أن نتخذها. إن الاعتقاد بالقضاء والقدر يعني أن الله مع من يعمل العمل الصالح. وهذا الاعتقاد لا يحمل على التقاعس بل على العمل. فلم يقم بأعظم الأعمال إلا أولئك الذين اعتقدوا بأن الله معهم (٥٨).
إن هذا القول لا يصح على السعي المبذول في سبيل كمال الإنسان وسعادته في الآخرة وحسب، بل على السعي المبذول في سبيل السعادة والفلاح في هذه الدنيا. وشرائع الإسلام هي شرائع الطبيعة البشرية أيضًا. فإذا اتبع الإنسان تعاليم الإسلام فهو إنما يطبق قوانين طبيعته نفسها. وما يصح على الفرد يصح على المجتمع أيضًا. فعندما تطيع
стр. 159
المجتمعات شرائع الإسلام تقوى، وعندما تخالفها تضعف، لأن الإسلام يأمر بالتضامن والمسؤولية المشتركة، وهما سر قوة الأمم.
إن الفضيلة والمدنية والقوة مرتبطة جوهريًا، بعضها ببعض. وهذا، في اعتقاد الأفغاني، ما يثبته تاريخ الإسلام. وتنم تآليفه عن تحسس مرهف لعظمة التاريخ الإسلامي وصغارته معًا. فهو يراه تاريخًا يبدأ بما أسبغه الله على المسلمين من نعم، وينتهي بانحطاط طويل محزن. فعندما سار المسلمون على هدى تعاليم النبي، كانت الأمة عظيمة بالمعنى الدنيوي، ولم تتوار الأمجاد فيما بعد إلا لأنهم انحرفوا عن ذلك الصراط، وباتوا لا يبالون بالله ولا يبالون ببعضهم بعضًا، فضعف التضامن فيما بينهم وخارت قواهم. ورب معترض يقول: إذا كانت تعاليم الإسلام تنسجم مع مقتضيات الرفاهية والتقدم في هذا العالم، فكيف نفسر كون البلدان اللاإسلامية اليوم هي التي تتمتع بالقوة وترتع في خيرات هذه الدنيا؟ على هذا يجيب الأفغاني بقوله: ليس ما أنجزته البلدان المسيحية ولا ما قصرت عنه البلدان الإسلامية عائدًا إلى دينها. فالشعوب المسيحية ازدادت قوة، لأن الكنيسة نشأت بين جدران الإمبراطورية الرومانية وتبنت معتقداتها وفضائلها. أما الشعوب الإسلامية فقد ازدادت ضعفًا، لأن موجات متتابعة من الضلال قد أفسدت حقيقة الإسلام. فالمسيحيون أقوياء، لأنهم ليسوا حقيقة بمسيحيين، والمسلمون ضعفاء لأنهم ليسوا حقيقة بمسلمين.
стр. 160
الفصل السادس
محمد عبده
التقينا من وقت لآخر، أثناء سردنا لحياة الأفغاني، بمحمد عبده (١)، تلميذه ومعاونه المقتفي أثره عن كثب. لكن محمد عبده لم يبق طيلة حياته تلميذًا للأفغاني، كما لم تكن سنوات التعاون بينهما أخصب سني حياته. فقد كتب له أن يكون مفكرًا نظاميًا أكثر من معلمه، وأن يحدث في الفكر الإسلامي تأثيرًا أبقى من تأثيره وأبعد مدى. ولقد رفض تعاليمه، فيما بعد، كثير من أولئك الذين كانت موجهة إليهم، لكنها استمرت تفعل في أعماق النفوس، حتى غدت الأساس الكامن وراء الأفكار الدينية لدى المسلم العادي المثقف.
كان أصله مختلفًا جدًا عن أصل الأفغاني. ففيما جاء الأفغاني من مكان بعيد يصعب تعيينه بتأكيد، وصرف عمره متنقلًا كالشهاب من بلد إلى آخر، كان محمد عبده من عائلة عادية متأصلة الجذور في بلده، حيث أنجز معظم أعماله. ولد عام ١٨٤٩ في قرية على ضفاف الدلتا المصرية، من عائلة تنتمي إلى تلك الطبقة الخلاقة في مصر الحديثة، طبقة العائلات ذات المكانة المحلية التي تتصف بالعلم والتقوى. ويقال إن أباه كان من أصل تركي بعيد، وأمه من عائلة عربية تنتسب إلى أبطال الإسلام الأوائل. وكانت العائلتان قد استقرتا منذ زمن طويل في قرية بالقرب من طنطا، إلا أنهما اضطرتا، في أواخر عهد محمد علي، إلى مغادرتها، بسبب تعنت جباته القساة، وإلى العيش في حال من البؤس في أمكنة أخرى.
стр. 161
وقد ولد محمد عبده في أثناء تلك الفترة من النزوح القسري. ومع أن عائلته عادت فيما بعد إلى قريتها، واستردت بعض مكانتها، فقد احتفظ هو، طيلة عمره، بذكريات ما كانت تعني، بالحقيقة، للشعب المصري انتصارات محمد علي وأمجاده الدنيوية.
عندما بلغ حوالي الثالثة عشر من عمره، دخل الجامع الأحمدي في طنطا، الذي كان يومذاك أعظم مركز للثقافة الدينية في مصر بعد الأزهر. لكنه نفر من طريقة التدريس المتبعة هناك والقائمة على استظهار الشروح على النصوص القديمة. فهرب، بعد مدة، مصممًا على الإقلاع عن الدراسة. إلا أنه عاد فاستأنفها مستجيبًا لنصح خاله الشيخ درويش، الذي كان له الأثر الأقوى في حياته قبل اتصاله بالأفغاني. فهو الذي علمه حقيقة الإيمان الكامنة وراء العبارات الجامدة في كتب النحو والعقيدة. وقد باح عبده، بعد سنوات عديدة، وفي مقطع من سيرة حياته، ببعض ما كان يدين به إلى خاله وبما كان يكنه لذكراه من عاطفة، فقال:
«ولم أجد إمامًا يرشدني إلى ما وجهت إليه نفسي إلا ذاك الشيخ الذي أخرجني في بضعة أيام من سجن الجهل إلى فضاء المعرفة، ومن قيود التقليد إلى إطلاق التوحيد ... وهو مفتاح سعادتي، إن كانت لي سعادة في هذه الدنيا، وهو الذي رد لي ما كان غاب من غريزتي وكشف لي ما كان خفي عني مما أودع في فطرتي» (٢).
عاد محمد عبده إلى طنطا، وبعد إتمام دروسه فيها، ذهب إلى الأزهر في القاهرة، حيث مكث من ١٨٦٩ حتى ١٨٧٧. وقد استهواه، هناك بنوع خاص، شيخ يدرس علم المنطق والفلسفة، لكن اللاهوت الصوفي كان أشد استهواءً له، فغدا التصوف، لمدة طويلة، درسه المفضل، كما كان موضوع أول كتاب نشر له. وعاش لفترة عيشة تقشف مفرط، قاطعًا العلائق مع الناس. إلا أن ما أنقذه من هذا الخطر تدخل الشيخ درويش مرة أخرى في حياته، ثم صلته الأولى بالأفغاني الذي كان يزور إذ ذاك القاهرة
стр. 162
للمرة الأولى، وهو في طريقه إلى إسطنبول. ويقول كاتب سيرته: «إن أحد المجاورين في رواق الشوام قال إنه جاء مصر عالم أفغاني عظيم وهو يقيم في خان الخليلي، فسر الشيخ (محمد عبده) بذلك وأخبر الشيخ حسن الطويل ودعاه إلى زيارته معه فألفياه يتعشى، فدعاهما إلى الأكل معه، فاعتذرا، فطفق يسألهما عن بعض آيات القرآن وما قاله المفسرون والصوفية فيها، ثم يفسرها لهما. فكان هذا مما ملأ قلب فقيدنا به عجبًا وشغفه حبًا، لأن التصوف والتفسير هما قرة عينه، أو كما قال، مفتاح سعادته» (٣).
عندما عاد الأفغاني إلى مصر في ١٨٧١، كان محمد عبده أشد الطلاب الملتفين حوله حماسًا، يستمع إلى الدروس غير الرسمية التي كان يلقيها في داره، ويعمل على نشر أفكاره. وفي هذه الفترة أخذ، بتأثير من الأفغاني، يدرس الفلسفة. ولدينا نسختان بخط يده من كتاب «الإشارات» لابن سينا تشهدان بمدى اهتمامه بها في ذلك الحين، وقد اختتم إحداهما بتقريظ الأفغاني (٤). وفي هذه الفترة أيضًا أخذ يشتهر ككاتب في الشؤون الاجتماعية والسياسية، وذلك بفضل المقالات التي كان ينشرها في صحيفة «الأهرام» التي كان قد أسسها حديثًا في القاهرة أخوان من لبنان. وفي ١٨٧٧ أنهى دراسته بنيل شهادة «العالمية». ثم اشتغل بالتدريس كمهنة بقيت دومًا أقرب المهن إلى سجيته. فدرس في الأزهر، كما كان يلقي دروسًا خاصة في داره. ثم انتقل بعد قليل إلى «دار العلوم»، التي أنشئت حديثًا لتزويد طلاب الأزهر، المعدين للقضاء أو التعليم في المدارس الحكومية، بثقافة عصرية. وبين الكتب التي كان يحاضر عنها في داره كتاب تهذيب الأخلاق لمسكويه، والترجمة العربية لكتاب غيزو عن تاريخ المدنية الأوروبية. وأول درس ألقاه في دار العلوم كان عن مقدمة ابن خلدون، التي كان قد نشرها الطهطاوي في القاهرة في ١٨٥٧. ويدل اختيار هذه الكتب على النهج الذي كان ذهنه منصرفًا إليه. فقد كان مسكويه نسخة إسلامية عن
стр. 163
الفلسفة الخلقية الإغريقية، كما عالج غيزو وابن خلدون، بأسلوبين مختلفين، قضية نشوء المدنيات وانحطاطها.
كان الوعي القومي، في السبعينيات، قد تبلور في مصر وتجلى في الصحافة الدورية، متجهًا، بفضل ازدياد التأثير الأجنبي، اتجاهًا جديدًا. فالخديوي إسماعيل كان قد يئس من إمكانية إيفاء ديونه إلى المصارف الأجنبية، ففرضت الدول الأوروبية حفاظًا على مصالحها، رقابة مالية على مصر، بدت كأنها ستتحول إلى رقابة سياسية أيضًا. ثم احتل أوروبيون مراكز وزارية في حكومة نوبر باشا التي تألفت في ١٨٧٨. ولكن لما عزلهم إسماعيل، مظهرًا بذلك ميلًا إلى التخلص من الرقابة الأوروبية، خلعه السلطان تحت ضغط من الدول. وكان إسماعيل قد فقد شعبيته في مصر بسبب حكمه الأوتوقراطي والضرائب الفاحشة التي كان قد فرضها لدفع الفائدة على ديونه. ولم يكن ابنه وخلفه من بعده أكثر شعبية منه. فنشأت وقويت في السنوات الثلاث الأولى من حكمه ثلاث حركات معارضة متشابكة: حركة الذين رأوا، عن اعتقاد ديني أو شعور وطني، في خضوعه لنفوذ أوروبا، خطرًا على استقلال مصر؛ وحركة الذين كانوا، عن مبدأ أو مصلحة، يريدون إحلال الحكم الدستوري محل الحكم المطلق؛ وحركة الضباط المصريين الأصل الذين أرادوا القضاء على سيطرة الضباط الأتراك الشركس على الجيش. وقد أدت السياسية البريطانية الفرنسية المؤيدة للخديوي توفيق إلى صهر هذه الحركات تدريجًا في حركة واحدة هي حركة المقاومة الشعبية التي آلت زعامتها، ربما عن حتمية، إلى الضباط. فغدا قائدهم، عرابي باشا، وزيرًا للحربية ورئيس الحكومة الفعلي في أوائل ١٨٨٢. إلا أن بريطانيا وفرنسا اعتبرتا حكومته خطرًا على مصالحهما، فأنهى البريطانيون تلك الفترة من التوتر والشكوك بضرب الإسكندرية بالقنابل، وباحتلال سائر أنحاء البلاد في أيلول ١٨٨٢. وقد لعب محمد عبده دورًا هامًا في هذه الأحداث، فكانت مقالاته في الأهرام
стр. 164
تعكس أفكار الأفغاني السياسية. ولعل هذا ما حمل الخديوي توفيق. عندما نفى الأفغاني من مصر، على أن يأمر محمد عبده بالاعتزال في قريته التي لم يغادرها إلى القاهرة حتي ١٨٨٠، حين عينه رئيس الوزراء رياض باشا في بادئ الأمر محررًا في المجلة الرسمية «الوقائع المصرية»، ثم رئيسًا لتحريرها. وخلال سنتي الأزمة اللاحقتين، لعب دورًا هامًا في توجيه الرأي العام بسلسلة من المقالات عن النظام الاجتماعي وخاصة عن التربية الوطنية. لكنه في ذلك الحين كان قد أصبح أحد زعماء الجناح المدني للمقاومة الشعبية. وقد وضع مع فريق من الزعماء المدنيين، بتحريض من بلنط، عريضة أرسلت إلى جلادستون ونشرت في جريدة التايمس. ولم يكن محمد عبده موافقًا، إذ ذاك، على آراء العسكريين وأساليبهم، كما لم يكن ينظر إلى عرابي باشا نظرة إعجاب؛ إلا أنه لم يتردد، عندما بدأ الهجوم البريطاني، في التقرب منهم والقيام بما في وسعه لتنظيم المقاومة الشعبية. وقد ألقي القبض عليه، بعد الاحتلال البريطاني وعودة الخديوي إلى الحكم، وسجن لمدة قصيرة، وعومل معاملة سيئة. وقد ترك ذلك وانهيار الحركة القومية أثرًا عميقًا في نفسه. فقد قال المحامي البريطاني الذي أرسله بلنط للدفاع عن عرابي في محاكمته: «إن عظمة محمد عبده الفكرية كانت قد حجبتها، لفترة ما، غيوم الضعف المعنوي والجسدي. فقد بدا عقله وجسده وكأن ردة الفعل المتولدة من الآمال الخائبة ونزاع اليأس قد حطمتهما تحطيمًا لم يبق معه أي أمل في الشفاء» (٥).
ثم حكم عليه بالنفي لمدة ثلاث سنوات، فذهب أولًا إلى بيروت، ثم ألتحق بالأفغاني في باريس، حيث ساعده على تنظيم جمعيته السرية وإصدار مجلة «العروة الوثقى». وقد جذبته، بقوة، مشاريع الأفغاني السياسية، فزار لندن في ١٨٨٤ للبحث مع هرتنغتون وسواه في قضية مصر والسودان. ثم سافر، بعد توقف «العروة» عن الصدور، إلى تونس، ومنها إلى مصر، متنكرًا، على أمل اللحاق
стр. 165
بالمهدي في السودان (٦). لكن هذه المشاريع، كسائر مخططات الأفغاني، لم تسفر عن شيء، فعاد عبده إلى بيروت، حيث مكث ثلاث سنوات يعلم في مدرسة حديثة أنشأتها جمعية إسلامية خيرية. وفي بيروت، ألقى في علم الكلام محاضرات توسع فيها فيما بعد في أشهر مؤلفاته. وكانت داره في بيروت، كما كانت في القاهرة، ملتقى العلماء والكتاب الشباب من المسيحيين والدروز والمسلمين الذين كانوا يقصدونه للتحدث إليه عن الإسلام واللغة العربية.
وفي ١٨٨٨ سمح له الخديوي بالعودة إلى مصر، نزولًا عند وساطة مختلف الجهات، بما فيها الوكالة البريطانية (٧). وهناك أمل أن يستأنف التدريس، إلا أن الخديوي لم يكن مستعدًا لتركه يعمل حيث يمكنه التأثير مجددًا في الشبيبة، فعينه قاضيًا في «المحاكم الأهلية» التي أنشئت في ١٨٨٣ بموجب القوانين الوضعية الجديدة. فبدأت بذلك مرحلة عمله الرسمي الذي استمر حتى وفاته في ١٩٠٥. وفي ١٨٩٩ عين مفتيًا لمصر، أي رئيسًا لجهاز الشريعة الدينية بكامله، فتمكن، في هذا المركز، من القيام بشيء ما لإصلاح المحاكم الدينية وإدارة الأوقاف، كما ساعدت فتاويه في الشؤون العامة على تفسير الشريعة الدينية تفسيرًا يتفق مع حاجات العصر. وفي العام نفسه، عين عضوًا في المجلس التشريعي، الذي أنشئ في ١٨٨٣، كهيئة صغيرة تقتصر مهمتها على المناقشة وإبداء الرأي وتتألف من ثلاثين عضوًا، بعضهم يعين تعيينًا وبعضهم تنتخبه فئة محدودة من الناخبين. لكن عبده، حرصًا منه على القيام بواجب عام، كرس كثيرًا من وقته لهذا المجلس، مع أنه بقي، قلبيًا، عالمًا ومعلمًا ومنظمًا للمدارس. فقد ساعد على تأسيس جمعية إسلامية خيرية كان هدفها إنشاء المدارس الخاصة، كما ساعد على إدارة شؤونها؛ وفي ١٨٩٥ أقنع الخديوي بتأسيس مجلس إداري للأزهر، وبقي، لمدة عشر سنوات، أبرز عضو من أعضائه، وحقق بواسطته بعض الإصلاحات في نظام تلك الجامعة القديمة. وكان يعلم
стр. 166
في الأزهر عند الإمكان، ويكتب عند سنوح الفرصة. ولعل أهم مؤلفاته بحث منظم في علم الكلام، مستمد من محاضراته في بيروت، صدر بعنوان «رسالة التوحيد». لكنه كتب أيضًا تفاسير لبعض أجزاء من القرآن، وأسهم مع أحد معاونيه، رشيد رضا، في إعداد تفسير مستفيض للقرآن بكامله مبني على محاضراته. إلا أن وفاته حالت دون إنجازه.
تعلم محمد عبده، في النصف الثاني من حياته، قراءة اللغة الفرنسية، وطالع الفكر الأوروبي المعاصر على نطاق واسع. وكانت مكتبته تحتوي، فيما تحتويه من الكتب العديدة، كتاب «اميل» لروسو، وكتاب «التربية» لسبنسر، وروايات تولستوي ومؤلفاته التعليمية، وكتاب «حياة يسوع» لشتراوس، وتآليف رينان (٨). وكان على اتصال ببعض المفكرين الأوروبيين، فكتب رسالة إلى تولستوي، وذهب إلى برايتون لمقابلة سبنسر. وكان يزور أوروبا، كلما سنحت له الفرصة، لتجديد نفسه كما كان يقول، ولإنعاش آماله في شفاء العالم الإسلامي من حالته الحاضرة (٩).
وهكذا أصبح الإمام محمد عبده، في آخر أيامه، بفضل كتاباته ومشاغله العامة، من أوسع الناس شهرة وأحبهم إلى القلوب في مصر. إن الصورة التي أخذت له على سطح مجلس العموم، في أثناء زيارته لإنكلترا في ١٨٨٤، تظهر لنا رجلًا وسيمًا مربوع القامة، أسمر اللون، ذا سحر هادئ كئيب لا يقوى على حجب بريق الإيمان في عينيه حجبًا تامًا. وقد ازدادت لديه في أواخر أيامه معالم اللطف والذكاء، ونوع خاص من الروعة الروحية.
كان على صلة طيبة بكرومر، وبالوقت نفسه، بأبلغ منتقديه، ويلفريد بلنط. وكان يحيط به فريق من الأصدقاء والأتباع المخلصين ممن برزوا في الحياة المصرية فيما بعد. لكن تصلبه في تفكيره فعل فعله أيضًا: ففيما كان الذين يحبونه يحبونه كثيرًا،
стр. 167
كان هناك من يتبرم بنفوذه أو يعارض معتقداته الدينية والسياسية، أمثال المحافظين في الأزهر، والقوميين الملتفين حول مصطفى كامل، والخديوي عباس حلمي. فقد كان الخديوي ومصطفى كامل يعارضانه لأسباب سياسية على الأكثر، أما المحافظون فكان من شأن بعض تعاليمه أن تثير غضبهم حقًا.
انطلق تفكير الإمام عبده، كما انطلق تفكير الأفغاني، من قضية الانحطاط الداخلي والحاجة إلى البعث الذاتي. وكان يشعر، كالأفغاني، بوجود نوع من الانحطاط الخاص بالمجتمعات الإسلامية. فالنبي محمد لم يرسل، وفقًا للنظرة الإسلامية السنية، للدعوة إلى الخلاص الفردي فحسب، وإنما لتأسيس مجتمع فاضل أيضًا. وعلى هذا كان بعض التصرفات في المجتمع يتوافق مع دعوة النبي ومشيئة الله وبعضها لا يتوافق. ومع تغير الظروف كان لا بد من أن يواجه المجتمع والحكام قضايا لم تتعرض لها الدعوة النبوية، فتصرفوا فيها تصرفًا قد يبدو مخالفًا لهذه الدعوة. فكيف السبيل إلى التوفيق بين ما ينبغي للمجتمع الإسلامي أن يكون عليه، وبين ما بات عليه في الواقع؟ وبأي معنى يمكن القول بأن المجتمع الإسلامي لا يزال مجتمعًا إسلاميًا حقًا؟ لقد شغلت هذه القضية المفكرين المسلمين طيلة القرون الوسطى المتأخرة، فجاءت الآن حركة الاقتداء بالغرب تطرحها من جديد. وكانت مصر، في الوقت الذي بدأ فيه محمد عبده يكون أفكاره ويعبر عنها، قد بلغت، على غرار الإمبراطورية العثمانية، جيلها الثاني من التغير. وكان إسماعيل قد نفح هذا التطور بقوة دافعة جديدة، أقرت على أثرها سلسلة من القوانين الجديدة، وأنشأت مدارس من الطراز الجديد، كما راح الناس يتحدثون عن مؤسسات سياسية جديدة. وفضلًا عن ذلك فقد أخذت تبرز في جميع حقول الحياة قضايا لم يكن ليحلم بها الذين وضعوا الشريعة في قوانين. ولم يأسف محمد عبده على العموم لهذا التغير، لا بل بقي مقتنعًا، ابتداءً من السبعينيات حتى وفاته، بأن هذا التطور
стр. 168
في خطوطه العريضة لا مرد له، وأنه في صالح مصر. لكنه كان يعي الخطر الكامن فيه: خطر انقسام المجتمع إلى دائرتين بدون اتصال حقيقي بينهما: دائرة تنحسر يومًا عن يوم، وهي الدائرة التي تسودها شرائع الإسلام ومبادئها الخلقية، ودائرة تتسع يومًا بعد يوم، وهي الدائرة التي تسيطر عليها المبادئ المستمدة بالاستنباط العقلي من اعتبارات المصالح الدنيوية. وبتعبير آخر، كان الخطر متأتيًا عن نمو النزعة إلى توطيد العلمانية في مجتمع يتعارض بجوهره مع تبني العلمانية تبنيًا تامًا. وهذا من شأنه أن يؤدي، كما أدى بالفعل، إلى ذلك الانقسام المتجلي في كل ناحية من نواحي الحياة.
وإننا لنجد، حتى في مقالات محمد عبده الباكرة، تحليلًا واضحًا للمشكلة ولنتائجها. فهناك مثلًا مجموعة من المقالات تعالج قضية القانون. فتظهر تفكيره وتفكير أسلافه في أن المجتمع يجب، كي يكون صالحًا من الوجهة الخلقية، أن يتقيد بنوع ما من القوانين، إذ لجميع المخلوقات نواميسها الطبيعية. فإذا خرج كائن عن دائرة نواميسه تعرض للفناء. وما القوانين الخاصة بالناس وبالمجتمعات سوى تلك الشرائع الخلقية الضابطة للسلوك البشري ... والتي وضعها أهل المعرفة والحكمة في كتب الخلقيات والتربية بعد أن جاءت بها الأوامر الإلهية (١٠).
إن المجتمع الذي يتجاوز الحدود التي تعينها له شرائعه ينهار. غير أن «الشرائع تتغير بتغير أحوال الأمم». وهي، لكي تكون فعالة، يجب أن تتصل على نحو ما بمقاييس البلد المطبقة فيه وظروفه، وإلا عجزت عن القيام بمهمتها الجوهرية، وهي توجيه أعمال الإنسان وتكوين عاداته، وبطلت أن تكون شرائع أصلًا (١١). وهكذا كان، في نظر محمد عبده، وضع الشريعة في المجتمع المصري الحديث. فقد حاول محمد علي وخلفاؤه إصلاح مصر بزرع مؤسسات وقوانين أوروبية في أرضها. وهو أمر، عند محمد عبده، لا يمكن تطبيقه، رغم إعجابه الشديد، حتى قبل زيارته
стр. 169
لأوروبا، بتلك المؤسسات والقوانين الحديثة. إذ أن القوانين المزروعة في غير أرضها لا تؤتي الثمر نفسه، لا بل قد تفسده، كما كان حاصلًا بالفعل آنذاك. فالقوانين المستوردة من أوروبا ليست على الإطلاق قوانين حقيقية، إذ لا أحد يفهمها، وإذن لا يمكنه أن يحترمها أو يخضع لها. ومن هنا، أوشكت مصر أن تصبح بلدًا بدون قوانين (١٢).
من ذلك أيضًا وجود نوعين مستقلين من المدارس في مصر: المدارس الدينية القديمة، وعلى رأسها الأزهر، والمدارس العصرية الأوروبية الطراز التي أنشأتها الإرساليات أو الحكومة. كان هذان النوعان منفصلين، أحدهما عن الآخر، كما كان كلاهما غير صالحين. فالمدارس الدينية كان يسودها الحمود والتقليد الأعمى، اللذان كانا الآفتين المميزتين للإسلام التقليدي. فهي تدرس الدين إلى حد ما، لكنها لا تدرس العلوم الضرورية للعيش في العالم الحديث. أما مدارس الإرساليات فكانت، بقصد منها أو بلا قصد، تجتذب الطلاب إلى دين أساتذتهم. وهناك أمثلة معروفة على طلاب مسلمين أصبحوا مسيحيين. وحتى لو لم يحصل ذلك، فإن الطالب الذي يدرس دروسًا أجنبية، بلغة أجنبية، قد يقتدي ذهنيًا بناطقيها ويصبح غريبًا عن أمته. وأما المدارس الجديدة التابعة للدولة، فقد حوت عيوب النوعين معًا. ذلك أنها كانت مجرد تقليد للمدارس الأجنبية، مع الفارق أن المرسلين قد عنوا بتعليم المسيحية في مدارسهم، بينما لم تعن مدارس الحكومة بتعليم الدين إلا شكليًا، ناهيك بانصرافها عن تعليم الفضائل الاجتماعية والسياسية (١٣).
ووراء هذا الانقسام بين المؤسسات يكمن انقسام في العقليات. ففي أيام محمد عبده كان هذان النظامان في التربية قد خلقا طبقتين مختلفتين من المثقفين في مصر، لكل منهما عقليتها الخاصة: العقلية الإسلامية التقليدية المقاومة لكل تغيير، وعقلية الأجيال الطالعة القابلة لكل تغيير ولكل أفكار أوروبا الحديثة.
стр. 170
كانت أفكار عصر التنور الفرنسي قد أصبحت في ذلك الوقت مألوفة لدى الأجيال الطالعة، فانتشرت معرفة اللغة الفرنسية، وترجمت كتب مونتسكيو وروسو، كما انتشرت أيضًا مبادئ الفلسفة الوضعية، في شكلها الأصلي أو المحور، حتى أن بعض المصريين كانوا قد شربوا من رأس النبع نفسه. فهناك نسخة من كتاب لأوغست كونت بعنوان «خطاب في مجمل الفلسفة الوضعية» تحمل إهداء المؤلف إلى «تلميذي القديم» مصطفى محرمجي، وهو مهندس مصري كان محمد علي قد أرسله إلى باريس كعضو في بعثة تربوية (١٤).
لم يعن ذلك الانقسام انتفاء أساس مشترك بين الفريقين فحسب، بل عني أيضًا تهديدًا لأسس المجتمع الخلقية، بفعل روح العقل الفردي القلقة، المتسائلة دومًا والشاكة أبدًا. فقد انطوى تفكير فرنسا القرن التاسع عشر، الذي كان محمد عبده قد تأثر به تأثرًا عميقًا في أوائل حياته، على التحذير من أخطار عقلية القرن السابق الميتافيزيقية. فألح الفيلسوف الفرنسي «كونت» على أن لا بد للنظام الاجتماعي من أن يتعارض أبدًا مع البحث الدائم في أسس المجتمع (١٥)، وعلى أن المعتقدات الميتافيزيقية التي كانت ضرورية لتدمير النظام اللاهوتي، إنما هي جوهريًا سلبية وهدامة، وإنها «عقيدة تامة لنفي كل حكم نظامي نفيًا تامًا» (١٦). لذلك رأى الإمام محمد عبده أن وضع هذه الأسلحة الهدامة في أيدي من لم يفهمها كل الفهم لخطر أشد من عدم وضعها على الإطلاق. إذ أنه أدرك سرعة عطب الثقافة الغربية لدى المصري المتفرنس الذي كان يكتفي بتقليد مظاهر الحياة الأوروبية الخارجية. وفي ذلك قوله بأن «مظاهر القوة هي التي حملت الشرقيين على تقليد الأوروبيين في ما لا يفيد من غير تدقيق في معرفة منابعها» (١٧).
كان هدف محمد عبده في جميع أعماله وكتاباته، في أواخر أيامه، سد الثغرة القائمة في المجتمع الإسلامي، بغية تقوية جذوره
стр. 171
الخلقية. ولبلوغ هذا الهدف، رسم طريقًا واحدًا، هو عدم الرجوع إلى الماضي وتوقيف مجرى التطور الذي بدأه محمد علي، بل الاعتراف بالحاجة إلى التغيير وربط هذا التغيير بمبادئ الإسلام، وذلك بإثبات أن هذا التغيير الحاصل ليس مما يجيزه الإسلام فحسب، بل إنما هو من مستلزماته الضرورية إذا ما فهم على حقيقته، وإن الإسلام يمكنه أن يشكل، في الوقت نفسه، المبدأ الصالح للتغيير والرقابة السليمة عليه. ولم يكن محمد عبده ليهتم، كما اهتم خير الدين في الجيل السابق، بالتساؤل إذا كان بإمكان المسلمين المتمسكين بأهداب الدين قبول مؤسسات العالم الحديث وأفكاره، وذلك لاعتقاده أن هذه المؤسسات والأفكار إنما أتت لتبقى، وأن على من يرفضها أن يتحمل نتائج رفضه هذا. لكنه طرح على نفسه السؤال المعاكس: هل بإمكان من يعيش في العالم الحديث أن يبقى مسلمًا مؤمنًا بالإسلام كل الإيمان؟ لذلك لم يتوجه بكتاباته إلى المسلمين المؤمنين المتسائلين إذا كان بالإمكان قبول المدنية الحديثة، بقدر ما توجه بها إلى الآخذين بالثقافة الحديثة، الشاكين في صلاح الإسلام، أو، بالأحرى، في صلاح أي دين لهداية الناس في هذه الحياة. إن هذه الطبقة هي ما كان يشكل، في نظره، الخطر الأكبر على الأمة، في ما لو جرفها تيار العلمانية الميتافيزيقية. غير أنه كان يعتقد، مع ذلك، أن من هذه الطبقة فقط يمكن خروج زعماء الأمة المتجددة.
قد يكون من المستهجن القول بأن آراء محمد عبده قد اعتمدت نظام فلسفة «كونت» الوضعية. فنقطة الانطلاق في تفكير «كونت» كانت الثورة الفرنسية حين قامت النخبة العقلانية بتهديم نفوذ الإكليروس، ثم كادت تهدم النظام المتمدن أيضًا. وكان هناك، كما بدا لكونت، حزبان متجابهان: حزب الذين أرادوا العودة إلى عالم ما قبل الثورة، وحزب المتشبعين بالروح الثورية. كان جوهر الروح الثورية تمجيد الرأي الشخصي،
стр. 172
و «الاعتقاد المطلق بالتفكير الفردي الحر» (١٨)، وهو أمر أدى إلى تباين في الآراء والمشاعر، ثم في المصالح والأفعال. وكانت الوسيلة لإنهاء العهد الثوري «إيجاد نظام من الأفكار يقبل به الجميع، وتجسيد ذلك النظام في رموز وطقوس دينية، وحراسته على يد عدد قليل من ذوي العقول المختارة أعدت وفقًا لنظام رفيع من الانضباط والتعليم للبحث في القضايا المعقدة جدًا والمختلطة اختلاطًا كبيرًا بالشهوات البشرية» (١٩)، أي من قبل سلطة روحية جديدة تهيمن على الآراء والتصرفات الخلقية وتشرف على نظام التربية. وكان كونت يعتقد أن هذا النظام الجديد للمعتقدات المشتركة يتحقق بتطبيق الأساليب العقلية المستعملة في الرياضيات والعلوم الطبيعية على المجتمع، وبإقامة علم الاجتماع على أسس عقلية تجعل منه أيضًا نظامًا عقليًا للخلقية الاجتماعية، وقاعدة للعمل الاجتماعي، وعلمًا للسعادة البشرية. ومن هنا انطلق محمد عبده ليبين أن الإسلام ينطوي على بذور هذا الدين العقلي وهذا العلم الاجتماعي وهذا القانون الخلقي، مما يجعله صالحًا لأن يكون أساسًا للحياة الحديثة، ولأن يوجد النخبة التي تتولى حراسته وتفسيره، فتضع بذلك أساسًا لمجتمع مستقر وتقدمي. ومن شأن هذه النخبة، بالواقع، أن تكون «فريقًا وسطًا» بين القوى التقليدية والثورية التي أشار إليها كونت والتي نشاهدها بوضوح في المجتمع الإسلامي الحديث.
بالطبع، لم يقصد محمد عبده، بتأكيده أن الإسلام صالح لأن يكون الأساس الخلقي لمجتمع حديث وتقدمي، إلى القول بأن الإسلام يحبذ كل ما كان يعمل باسم التقدم، وبأن غاية العلماء الجدد ستكون مجرد إضفاء طابع شرعي على «الأمر الواقع»، بل إنما قصد إلى خلاف ذلك. فالإسلام، كما فهمه، مبدأ ردع، من شأنه أن يمكن المسلمين من التمييز بين الصالح والطالح من مختلف وجوه التغيير الحاصل. لذلك كانت المهمة التي اضطلع بها محمد عبده ذات شقين: أولًا، إعادة تحديد ماهية الإسلام الحقيقي، وثانيًا، النظر
стр. 173
في مقتضياته بالنسبة إلى المجتمع الحديث. كان الهدف الأول هو الأهم، لا بل قد اعتبره أهم أهداف حياته. وهو يحدد هذين الهدفين في مطلع سيرة حياته فيقول:
«الأول، تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه، وتقلل من خلطه وخبطه، لتتم حكمة الله في حفظ نظام العالم الإنساني، وإنه على هذا الوجه يعد صديقًا للعلم، باعثًا على البحث في أسرار الكون، واعيًا إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبًا بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل. كل هذا أعده أمرًا واحدًا، وقد خالفت في الدعوة إليه رأي الفئتين العظيمتين اللتين يتركب منهما جسم الأمة: طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم، وطلاب فنون هذا العصر ومن هو في ناحيتهم.
«أما الأمر الثاني، فهو إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير. وهناك أمر آخر كنت من دعاته والناس جميعًا في عمى عنه وبعد عن تعقله، ولكنه هو الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية، وما أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخلو مجتمعهم منه، وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق العدالة على الحكومة. نعم كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها، وهي هذه الأمة لم يخطر لها هذا الخاطر على بال من مدة تزيد على عشرين قرنًا. دعوناها إلى الاعتقاد بأن الحاكم وإن وجبت طاعته هو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم وأنه لا يرده عن خطأه ولا يقف طغيان شهوته إلا نصح الأمة له بالقول والفعل» (٢٠).
ومع هذا، فقد كان هناك، حتى بين من عرفوه جيدًا وأحبوه، من تساءل عن مقدار اقتناعه الشخصي بحقيقة الإسلام. فاعتبره كرومر من أتباع مذهب اللاإدرية (٢١)، وسجل بلنط في يومياته
стр. 174
هذه الملاحظة: «أخشى أن يكون إيمانه بالإسلام ضعيفًا ضعف إيماني بالكنيسة الكاثوليكية» (٢٢). ومن ذلك أيضًا ما ألمح إليه بعض نقاده من المسلمين، كتساهله في إتمام فروضه الدينية كمسلم، بما فيها حتى واجب الصلاة اليومية (٢٣). إن مثل هذه الأقوال، حتى لو أخذت على حرفيتها، لا تقوى على الصمود لا في وجه البينة الواردة في ما كتبه هو، ولا في وجه شهادة الواقفين عن كثب على حركة تفكيره. فقد شهد رشيد رضا، كاتب سيرة حياته، بإيمانه الشخصي، قائلًا إن عبده كان في هذه الأمور يتبع التقليد الأساسي للتقوى الإسلامية، تقليد الغزالي والذين ذهبوا إلى «أن الخشوع وحضور القلب في الصلاة واجب، وهو ركن من أركان الصلاة وشرط لصحتها أو قبولها» (٢٤). والواقع أن محمد عبده قد تعرف للمرة الأولى إلى هذا التقليد على يد خاله، الشيخ درويش، الذي أنقذه من شكوكه الباكرة وتصرفاته الصوفية، ولقنه إسلام أهل السنة والجماعة. فكان سنيًا دقيقًا في المسائل الكلامية، حذرًا من النظر العقلي بحرية مفرطة في الأسرار الإلهية، منعزلًا قليلًا عن الحياة العامة مع الاحتفاظ بالروح الاجتماعية، متممًا بدقة فرائض الشريعة مع التخفيف من تحجر الأشكال الشرعية بورعه الشخصي، أي بممارسة الحضور الإلهي البعيدة كل البعد عن حلولية التصوف والمستمدة من التأمل في القرآن والولاء لشخص النبي. إلا أن تلك الشكوك لم تخل تمامًا من الحقيقة. فهي توجه النظر إلى ناحية من نواحي تفكيره، ربما بدت لنقاده دليلًا على ضعف فيه، وهي ذلك النوع من الانتقائية، أي مزج العناصر المستمدة من مدارس مختلفة في نظام واحد. فقد حصل، في أعوام دراسته، على معرفة واسعة ودقيقة لعلم الكلام السني، وظهر بوضوح في مؤلفاته ليس تأثير الغزالي فحسب، بل تأثير الماتوريدي أيضًا. بل لقد آثر، في المسائل المختلف فيها بين مدارس الكلام السنية المتنوعة، موقف الماتوردي على موقف الغزالي، كما في مسألة إمكان معرفة الخير والشر بالاستقلال عن الوحي، مثلًا (٢٥).
стр. 175
غير أننا نلمس لديه أيضًا تأثير دراسات أخرى، كدراسة ابن سينا التي أرشده إليها الأفغاني، ودراسة المعتزلة، تلك الحركة العقلية الإسلامية الباكرة التي رعاها في البدء الخلفاء العباسيون ثم قمعوها، فغدت فيما بعد عنصرًا خامدًا في الإسلام إلى أن عادت فأصبحت منذ أيام محمد عبده أحد عناصر الفكر السني الحديث (٢٦).
وتبدو الانتقائية لدى محمد عبده وكأنها تتضمن نزعة إلى التهرب من الأسئلة الصعبة. فهو، مثلًا، لم يجابه: ولو مرة واحدة، قضية خلق القرآن، وهي قضية أساسية في علم الكلام الإسلامي. فقد حذف بكل بساطة من الطبعات اللاحقة لكتابه «رسالة التوحيد» مقطعًا ظهر في الطبعة الأولى يؤيد خلق القرآن. ولعل هذا الالتباس في تفكيره هو ما أثار شكوك كرومر وبلنط وانتقادات الأزهر. والواقع أنه كان يتصرف كما لو كان ينتقي من بين مجموعة الأفكار الإسلامية تلك التي تخدم على أحسن وجه غايتين: الأولى، الحفاظ على وحدة الأمة وسلامتها الاجتماعية، مما حمله على تناسي التميزات الفكرية وتجنب إعادة فتح المناقشات القديمة، والثانية، الإجابة على بعض الأسئلة التي أثارها وقتئذ الجدل الديني في أوروبا. كانت قضاياه الفكرية قضايا الفكر الإسلامي، لكنها كانت أيضًا قضايا أوروبا القرن التاسع عشر، وبنوع خاص قضية العلم والدين. وكانت معظم الكتب الأوروبية التي قرأها من وضع المفكرين الإنكليز والفرنسيين الذين حاولوا في عصره تطبيق مناهج العلوم الطبيعية (كما كانوا يفهمونها) على الطبيعية البشرية والمجتمع والكون بمجموعه. وكان أقرب أصدقائه الأوروبيين إليه، وهو ولفريد بلنط، كاثوليكيًا فقد إيمانه على أثر مطالعته كتب داروين، لكنه احتفظ طول عمره بحنين إلى «مسيحية تطورية» يسهل عليه الإيمان بها. وكان له بعض الاتصال بالأب تيرال وبـ «المجددين» الكاثوليك. كما كان متأثرًا أيضًا بالعلماء أمثال شتراوس، ورنان، وحتى تولستوي، الذين ميزوا بين «يسوع الحقيقي» وتعاليمه،
стр. 176
وبين المسيحية كما فسرها القديس بولس والكنيسة الكاثوليكية. وقد قبل عبده على العموم بالفكرة التي أخذها عن رينان وسبنسر أو سمعها من بلنط، وهي أنه لا يمكن للعقيدة المسيحية في صيغتها التقليدية أن تصمد أمام اكتشافات العلم الحديث والمفاهيم الحديثة لقوانين الطبيعة والتطور. وكانت هذه الفكرة تنسجم مع النظرة الإسلامية إلى المسيحية، وهي أن يسوع كان نبيًا بشريًا حور أتباعه تعاليمه وطبيعته. غير أن محمد عبده لم يقبل بمادية المفكرين اللبراليين وأفكارهم اللاهوتية، كنظرة رينان إلى الدين بأنه نتاج حتمي للمخيلة البشرية وإلى الإنسان بأنه «ذروة الكون» (٢٧)، أو كقول سبنسر بسلطة مجهولة تتجلى في قوى الطبيعة وفي مختلف تحولاتها وتشكل «الحقيقة الأساسية الكامنة وراء جميع أشكال الدين» (٢٨). لقد بدا الإسلام لمحمد عبده على أنه وسط بين طرفين: دين منسجم تمامًا مع متطلبات العقل البشري واكتشافات العلم الحديث، مع احتفاظه بفكرة الله تعالى الذي كان في نظره، كما كان في نظر الأفغاني، الموضوع الأوحد الجدير بالعبادة البشرية والأساس الثابت للخلقية الإنسانية. فكان الإسلام، عنده، «دين الفطرة» والجواب على قضايا العالم الحديث. لذلك أيقن أن الأوروبيين «سيذوقون من فتن مدنيتهم ومفاسدها السياسية ما يضطرهم إلى طلب المخرج منها فلا يجدونه إلا في الإسلام» (٢٩).
وكانت إحدى غايات محمد عبده الرئيسية أن يظهر إمكان التوفيق بين الإسلام وبين الفكر الحديث، وأن يبين كيفية تحقيق ذلك. وقد اشترك في مناقشتين حول هذا الموضوع، إحداها مع المؤرخ الفرنسي، هانوتو، والأخرى مع اللبناني المستمصر فرح انطون. كان الجدل من مقومات فكره، غير أن الجدل له أخطاره: ففي الدفاع عن النفس قد يصبح المجادل أقرب إلى خصمه مما كان يظن. ومما يلفت النظر أن محمد عبده لم يهتم في كلتا المناقشتين بمسألة صحة الإسلام أو خطأه، بل حصر اهتمامه بأمر اتفاقه مع ما
стр. 177
يفترض بأنه من متطلبات الفكر الحديث. ولعل نظرته إلى الإسلام قد تأثرت هي ذاتها، وفي أثناء النقاش، بنظرته إلى ما يفتقر إليه الفكر الحديث. فقد تابع النهج الذي عهدناه لدى الطهطاوي وخير الدين والأفغاني، في التوحيد بين بعض المفاهيم التقليدية للفكر الإسلامي وبين الأفكار السائدة في أوروبا الحديثة. وعلى هذا النهج انقلبت «المصلحة» تدريجًا إلى المنفعة، و «الشورى» إلى الديموقراطية البرلمانية، و «الإجماع» إلى الرأي العام، وأصبح الإسلام نفسه مرادفًا للتمدن والنشاط اللذين كانا قاعدتي التفكير الاجتماعي في القرن التاسع عشر. ولا شك أنه كان من السهل، بإتباع هذا النهج، تحوير، إن لم نقل إبطال، المعنى الدقيق للمفاهيم الإسلامية وتناسي ما يميز الإسلام عن غيره من الأديان، لا بل عن النظرة «الإنسانية» اللادينية. وهذا ما تنبه له، بقلق. نقاده المحافظون، إذ كان لا بد أن يرافق عملية الانتقاء والتقريب هذه شيء من التقدير الكيفي. إذ عندما نتخلى عن التفسير التقليدي للإسلام ونفتح الباب للرأي الشخصي، يصبح من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، التمييز بين ما هو موافق للإسلام وما هو مخالف له. فهل فتح محمد عبده، بدون قصد منه، الباب لإغراق العقيدة والشريعة الإسلاميتين في لجة مبتكرات العالم الحديث؟ لقد نوى إقامة جدار ضد العلمانية، فإذا به، في الحقيقة، يبني جسرًا تعبر العلمانية عليه لتحتل المواقع واحدًا بعد الآخر. وليس من المصادفة، كما سنرى، أن يستخدم معتقداته فريق من أتباعه في سبيل إقامة العلمانية الكاملة.
كان مفتاح دفاعه عن الإسلام مفهومه الخاص للدين الحقيقي، القائم على التمييز بين ما هو جوهري وغير متغير فيه، وبين ما هو غير جوهري ويمكن تغييره بلا حرج. فللإسلام الحقيقي، في نظره، جهاز عقائدي بسيط: بعض المعتقدات الخاصة بأخطر مسائل الحياة البشرية. وبعض المبادئ الخاصة بالسلوك البشري. ورأى أن العقل والوحي ضروريان معًا لاكتشاف هذه المعتقدات ولتجسيدها في حياتنا؛
стр. 178
وأن لا دوائر مستقلة لكل منهما ولا تناقض بينهما ضمن الدائرة الواحدة، وأن في سعينا وراء المعرفة الدينية، لا بل وراء أي معرفة، علينا أن نبدأ بالعقل ونقتفي خطاه إلى حيث يمكنه إيصالنا، أي إلى أن الله موجود وأن من صفاته وجوب الوجود والمعرفة والإرادة والقدرة والاختيار، والوحدة (٣٠)، وأن الحياة الأخرى كذلك موجودة، وأن مصيرنا فيها يتوقف على أعمالنا الحسنة أو القبيحة، وأن بعض الأمور خير وبعضها شر (٣١). وبالعقل أيضًا يمكننا أن نعرف أن هناك ما يدعى النبوة، وأن هناك أنبياء، وهنا يلتقي خطان من تفكيره: الأول، هو أن هناك بعض الحقائق التي لا يمكننا معرفتها بالعقل، وأن منها ما لا نحتاج إلى معرفته، فالأفضل أن لا نعمل الفكرة فيه. فليس بإمكاننا معرفة أي شيء عن الذات الإلهية، لأن عقلنا ولغتنا البشريين غير كافيين لاكتناه جوهر الأشياء (٣٢)؛ لكن منها ما نحتاج إلى معرفته كي نحيا الحياة الصالحة: كلام الله وبصره وسمعه، وماهية الحياة الأخرى وحسابها وملذاتها وآلامها، وبعض أفعال العبادة التي ترضي الله. وبما أن الإنسان يفكر بمثل هذه الأمور من تلقاء نفسه، ومعرفتها ضرورية للحياة، فوجب أن يكون هناك طريق لمعرفتها غير العقل. والخط الثاني هو أن هناك حقائق يمكن مبدئيًا للعقل معرفتها، لكن معظم الناس لا يعرفونها بالفعل، لأن عقولهم غير كاملة أو لأن الشهوة تسيطر على عقولهم وتضللها.
لهذين السببين يحتاج الناس إلى معونة إلهية كي يعيشوا وفقًا لإرادة الله، معونة يستمدون منها تحديد مبادئ السلوك واتخاذ موقف سليم من الإيمان (٣٣). ويجب أن تأتي تلك المعونة في صورة بشري يفهمه سائر البشر ويستنتجون صدق وحيه الإلهي من كونه أفضل من سائر الناس في الشؤون البشرية. وهذه المعونة هي النبي، أي إنسان يحمل إلى الآخرين رسالة تتعلق بالله وبالحساب وبما ينبغي لهم معرفته عن الشؤون الأخرى.
стр. 179
وكما أن بإمكان العقل أن يثبت وجود الأنبياء، فبإمكانه أيضًا أن يدلنا إلى النبي الحقيقي وأن يثبت بنوع خاص أن محمدًا نبي حقيقي. أما البراهين على صحة الرسالة النبوية فهي: أولًا، اقتناع النبي وتأكيده بأنه نبي؛ ثانيًا، تواتر قبوله والإيمان به؛ ثالثًا، المعجزات الواضحة التي اجترحها والمشهود له بها بتواتر متصل. فإذا ما طبقنا هذه القواعد على محمد، لم يكن من مجال للشك بنبوته. إذ كيف نفسر أفعاله وتأثيره في التاريخ لو لم يكن الله فاعلًا فيه (٣٤)؟ وكيف نفسر إعجاز القرآن الذي لا يمكن أن يصدر ببهاء لغته وعمق أفكاره عن عقل بشري؟ (٣٥) وهناك أدلة عقلية تثبت دعوى محمد بأنه خاتمة الأنبياء. فسلسلة الأنبياء لا بد أن تنتهي عند حد ما، إذ تكون البشرية جمعاء قد ظفرت بالهداية الضرورية إلى سعادتها (٣٦). وهذا ما تم بنزول الوحي الإسلامي. فقد أرسل محمد عندما كانت البشرية قد نمت نموًا كاملًا وأصبحت قادرة على فهم كل ما كان ضروريًا لها. ومن الممكن البرهان على أن الرسالة التي نقلها محمد تلبي جميع حاجات الطبيعة البشرية وإنها موجهة إلى البشرية جمعاء.
عند هذا الحد يجب على العقل أن يتوقف. فبعد أن يبرهن العقل على أن القرآن يحتوي رسالة إلهية، عليه أن يتقبل كل ما جاء فيه بلا تردد، وبعد أن يعترف بأن محمدًا نبي الله، عليه أن يقبل محتوى رسالته النبوية التي حواها القرآن والأحاديث برمتها، أو بالأحرى الأحاديث الثابتة بالإسناد المتواتر الصحيح. (إذ أن عبده كان يتحفظ كثيرًا في قبول العدد الأكبر منها). فالقرآن والحديث الصحيح يحويان معًا حقائق حول الكون يمكن للعقل نفسه بلوغها، ومبادئ عامة للخلقية الفردية والتنظيم الاجتماعي، وأوامر تقضي بأفعال معينة أو تنهي عن أفعال معينة، كأفعال العبادة خاصة، مما ليس بإمكاننا بدون الوحي معرفة صلاحها أو فسادها. هذه الوصايا الواضحة يجب على جميع المسلمين قبولها بلا تردد، مع العلم بأنها مرتبطة بأحد العلوم العقلية على الأقل وهو علم اللغة العربية (٣٧).
стр. 180
غير أن هناك أمورًا لم يرشد القرآن أو الحديث إليها بوضوح، إما لأن نص القرآن فيها غير صريح، أو لأن هناك شكًا في صحة الحديث الخاص بها، أو لأن القرآن والحديث اكتفيا بإيراد مبدأ عام حولها دون إيراد حكم خاص بها، أو لصمت القرآن والحديث عنها. فعلى العقل، في مثل هذه الحالات، أن يقوم بدور المفسر. وهكذا يصبح الاجتهاد الفردي ليس جائزًا فحسب، بل ضرورة جوهرية أيضًا. على أنه يجب أن يتم ضمن حدود معينة، إذ لا يجوز للتفسير أن يتعارض مع ما نص القرآن والحديث عليه. أما إذا كان فيهما ما يبدو منافيًا للعقل، فعلى المجتهد أن يتحرى عن معنى الألفاظ الحقيقي، وإلا فليسلم أمره لله ويقبل بالنص كما هو (٣٨). لكن المكلفين بالاجتهاد هم فقط الحائزون على المعرفة الضرورية والمقدرة العقلية. وأما الباقون، فعليهم إتباع أي مجتهد يثقون به. لكن العقل يبقى حرًا ضمن هذه الحدود ولا نهاية لمهمته. فالإجماع لم يكن لمحمد عبده مصدرًا ثالثًا من مصادر العقيدة والشريعة مساويًا لهما. وإذا كان قد قام مع الزمن نوع من الإجماع، أي نوع من التعبير عن رأي الجماعة المشترك، فإنه لم يكن إجماعًا معصومًا قط، ولم يكن من شأنه إغلاق باب الاجتهاد.
هذه هي، في نظر الإمام محمد عبده، مبادئ الدين الحقيقية التي جاء محمد يدعو إليها. غير أن رسالته لم تكن للدعوة فحسب، بل لتأسيس مجتمع أيضًا. إذ لا يمكن إلا لنبي أن يقوم بهذه المهمة. فالناس، إذا ما تركوا لأنفسهم، أساؤوا بحكم شهواتهم استخدام حرية الإرادة (٣٩)، وهم لا يصغون إلى صوت الفيلسوف، بل إلى صوت الزعيم الديني. فالدين أقوى عامل في النظام الخلقي لدى العامة، لا بل لدى الخاصة (٤٠)؛ والنبي وحده يستطيع أن يدخل في حياة البشر مبدأ منظمًا يقبلون به. فما هو هذا المبدأ؟ وما هو المجتمع الأمثل الذي أنشأه محمد؟ كان المجتمع، في نظر محمد عبده وجمهور المفكرين المسلمين، جهازًا من الحقوق والواجبات
следующие страницы →