Полный текст (470 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وبين المسيحية كما فسرها القديس بولس والكنيسة الكاثوليكية. وقد قبل عبده على العموم بالفكرة التي أخذها عن رينان وسبنسر أو سمعها من بلنط، وهي أنه لا يمكن للعقيدة المسيحية في صيغتها التقليدية أن تصمد أمام اكتشافات العلم الحديث والمفاهيم الحديثة لقوانين الطبيعة والتطور. وكانت هذه الفكرة تنسجم مع النظرة الإسلامية إلى المسيحية، وهي أن يسوع كان نبيًا بشريًا حور أتباعه تعاليمه وطبيعته. غير أن محمد عبده لم يقبل بمادية المفكرين اللبراليين وأفكارهم اللاهوتية، كنظرة رينان إلى الدين بأنه نتاج حتمي للمخيلة البشرية وإلى الإنسان بأنه «ذروة الكون» (٢٧)، أو كقول سبنسر بسلطة مجهولة تتجلى في قوى الطبيعة وفي مختلف تحولاتها وتشكل «الحقيقة الأساسية الكامنة وراء جميع أشكال الدين» (٢٨). لقد بدا الإسلام لمحمد عبده على أنه وسط بين طرفين: دين منسجم تمامًا مع متطلبات العقل البشري واكتشافات العلم الحديث، مع احتفاظه بفكرة الله تعالى الذي كان في نظره، كما كان في نظر الأفغاني، الموضوع الأوحد الجدير بالعبادة البشرية والأساس الثابت للخلقية الإنسانية. فكان الإسلام، عنده، «دين الفطرة» والجواب على قضايا العالم الحديث. لذلك أيقن أن الأوروبيين «سيذوقون من فتن مدنيتهم ومفاسدها السياسية ما يضطرهم إلى طلب المخرج منها فلا يجدونه إلا في الإسلام» (٢٩).
وكانت إحدى غايات محمد عبده الرئيسية أن يظهر إمكان التوفيق بين الإسلام وبين الفكر الحديث، وأن يبين كيفية تحقيق ذلك. وقد اشترك في مناقشتين حول هذا الموضوع، إحداها مع المؤرخ الفرنسي، هانوتو، والأخرى مع اللبناني المستمصر فرح انطون. كان الجدل من مقومات فكره، غير أن الجدل له أخطاره: ففي الدفاع عن النفس قد يصبح المجادل أقرب إلى خصمه مما كان يظن. ومما يلفت النظر أن محمد عبده لم يهتم في كلتا المناقشتين بمسألة صحة الإسلام أو خطأه، بل حصر اهتمامه بأمر اتفاقه مع ما
стр. 177
يفترض بأنه من متطلبات الفكر الحديث. ولعل نظرته إلى الإسلام قد تأثرت هي ذاتها، وفي أثناء النقاش، بنظرته إلى ما يفتقر إليه الفكر الحديث. فقد تابع النهج الذي عهدناه لدى الطهطاوي وخير الدين والأفغاني، في التوحيد بين بعض المفاهيم التقليدية للفكر الإسلامي وبين الأفكار السائدة في أوروبا الحديثة. وعلى هذا النهج انقلبت «المصلحة» تدريجًا إلى المنفعة، و «الشورى» إلى الديموقراطية البرلمانية، و «الإجماع» إلى الرأي العام، وأصبح الإسلام نفسه مرادفًا للتمدن والنشاط اللذين كانا قاعدتي التفكير الاجتماعي في القرن التاسع عشر. ولا شك أنه كان من السهل، بإتباع هذا النهج، تحوير، إن لم نقل إبطال، المعنى الدقيق للمفاهيم الإسلامية وتناسي ما يميز الإسلام عن غيره من الأديان، لا بل عن النظرة «الإنسانية» اللادينية. وهذا ما تنبه له، بقلق. نقاده المحافظون، إذ كان لا بد أن يرافق عملية الانتقاء والتقريب هذه شيء من التقدير الكيفي. إذ عندما نتخلى عن التفسير التقليدي للإسلام ونفتح الباب للرأي الشخصي، يصبح من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، التمييز بين ما هو موافق للإسلام وما هو مخالف له. فهل فتح محمد عبده، بدون قصد منه، الباب لإغراق العقيدة والشريعة الإسلاميتين في لجة مبتكرات العالم الحديث؟ لقد نوى إقامة جدار ضد العلمانية، فإذا به، في الحقيقة، يبني جسرًا تعبر العلمانية عليه لتحتل المواقع واحدًا بعد الآخر. وليس من المصادفة، كما سنرى، أن يستخدم معتقداته فريق من أتباعه في سبيل إقامة العلمانية الكاملة.
كان مفتاح دفاعه عن الإسلام مفهومه الخاص للدين الحقيقي، القائم على التمييز بين ما هو جوهري وغير متغير فيه، وبين ما هو غير جوهري ويمكن تغييره بلا حرج. فللإسلام الحقيقي، في نظره، جهاز عقائدي بسيط: بعض المعتقدات الخاصة بأخطر مسائل الحياة البشرية. وبعض المبادئ الخاصة بالسلوك البشري. ورأى أن العقل والوحي ضروريان معًا لاكتشاف هذه المعتقدات ولتجسيدها في حياتنا؛
стр. 178
وأن لا دوائر مستقلة لكل منهما ولا تناقض بينهما ضمن الدائرة الواحدة، وأن في سعينا وراء المعرفة الدينية، لا بل وراء أي معرفة، علينا أن نبدأ بالعقل ونقتفي خطاه إلى حيث يمكنه إيصالنا، أي إلى أن الله موجود وأن من صفاته وجوب الوجود والمعرفة والإرادة والقدرة والاختيار، والوحدة (٣٠)، وأن الحياة الأخرى كذلك موجودة، وأن مصيرنا فيها يتوقف على أعمالنا الحسنة أو القبيحة، وأن بعض الأمور خير وبعضها شر (٣١). وبالعقل أيضًا يمكننا أن نعرف أن هناك ما يدعى النبوة، وأن هناك أنبياء، وهنا يلتقي خطان من تفكيره: الأول، هو أن هناك بعض الحقائق التي لا يمكننا معرفتها بالعقل، وأن منها ما لا نحتاج إلى معرفته، فالأفضل أن لا نعمل الفكرة فيه. فليس بإمكاننا معرفة أي شيء عن الذات الإلهية، لأن عقلنا ولغتنا البشريين غير كافيين لاكتناه جوهر الأشياء (٣٢)؛ لكن منها ما نحتاج إلى معرفته كي نحيا الحياة الصالحة: كلام الله وبصره وسمعه، وماهية الحياة الأخرى وحسابها وملذاتها وآلامها، وبعض أفعال العبادة التي ترضي الله. وبما أن الإنسان يفكر بمثل هذه الأمور من تلقاء نفسه، ومعرفتها ضرورية للحياة، فوجب أن يكون هناك طريق لمعرفتها غير العقل. والخط الثاني هو أن هناك حقائق يمكن مبدئيًا للعقل معرفتها، لكن معظم الناس لا يعرفونها بالفعل، لأن عقولهم غير كاملة أو لأن الشهوة تسيطر على عقولهم وتضللها.
لهذين السببين يحتاج الناس إلى معونة إلهية كي يعيشوا وفقًا لإرادة الله، معونة يستمدون منها تحديد مبادئ السلوك واتخاذ موقف سليم من الإيمان (٣٣). ويجب أن تأتي تلك المعونة في صورة بشري يفهمه سائر البشر ويستنتجون صدق وحيه الإلهي من كونه أفضل من سائر الناس في الشؤون البشرية. وهذه المعونة هي النبي، أي إنسان يحمل إلى الآخرين رسالة تتعلق بالله وبالحساب وبما ينبغي لهم معرفته عن الشؤون الأخرى.
стр. 179
وكما أن بإمكان العقل أن يثبت وجود الأنبياء، فبإمكانه أيضًا أن يدلنا إلى النبي الحقيقي وأن يثبت بنوع خاص أن محمدًا نبي حقيقي. أما البراهين على صحة الرسالة النبوية فهي: أولًا، اقتناع النبي وتأكيده بأنه نبي؛ ثانيًا، تواتر قبوله والإيمان به؛ ثالثًا، المعجزات الواضحة التي اجترحها والمشهود له بها بتواتر متصل. فإذا ما طبقنا هذه القواعد على محمد، لم يكن من مجال للشك بنبوته. إذ كيف نفسر أفعاله وتأثيره في التاريخ لو لم يكن الله فاعلًا فيه (٣٤)؟ وكيف نفسر إعجاز القرآن الذي لا يمكن أن يصدر ببهاء لغته وعمق أفكاره عن عقل بشري؟ (٣٥) وهناك أدلة عقلية تثبت دعوى محمد بأنه خاتمة الأنبياء. فسلسلة الأنبياء لا بد أن تنتهي عند حد ما، إذ تكون البشرية جمعاء قد ظفرت بالهداية الضرورية إلى سعادتها (٣٦). وهذا ما تم بنزول الوحي الإسلامي. فقد أرسل محمد عندما كانت البشرية قد نمت نموًا كاملًا وأصبحت قادرة على فهم كل ما كان ضروريًا لها. ومن الممكن البرهان على أن الرسالة التي نقلها محمد تلبي جميع حاجات الطبيعة البشرية وإنها موجهة إلى البشرية جمعاء.
عند هذا الحد يجب على العقل أن يتوقف. فبعد أن يبرهن العقل على أن القرآن يحتوي رسالة إلهية، عليه أن يتقبل كل ما جاء فيه بلا تردد، وبعد أن يعترف بأن محمدًا نبي الله، عليه أن يقبل محتوى رسالته النبوية التي حواها القرآن والأحاديث برمتها، أو بالأحرى الأحاديث الثابتة بالإسناد المتواتر الصحيح. (إذ أن عبده كان يتحفظ كثيرًا في قبول العدد الأكبر منها). فالقرآن والحديث الصحيح يحويان معًا حقائق حول الكون يمكن للعقل نفسه بلوغها، ومبادئ عامة للخلقية الفردية والتنظيم الاجتماعي، وأوامر تقضي بأفعال معينة أو تنهي عن أفعال معينة، كأفعال العبادة خاصة، مما ليس بإمكاننا بدون الوحي معرفة صلاحها أو فسادها. هذه الوصايا الواضحة يجب على جميع المسلمين قبولها بلا تردد، مع العلم بأنها مرتبطة بأحد العلوم العقلية على الأقل وهو علم اللغة العربية (٣٧).
стр. 180
غير أن هناك أمورًا لم يرشد القرآن أو الحديث إليها بوضوح، إما لأن نص القرآن فيها غير صريح، أو لأن هناك شكًا في صحة الحديث الخاص بها، أو لأن القرآن والحديث اكتفيا بإيراد مبدأ عام حولها دون إيراد حكم خاص بها، أو لصمت القرآن والحديث عنها. فعلى العقل، في مثل هذه الحالات، أن يقوم بدور المفسر. وهكذا يصبح الاجتهاد الفردي ليس جائزًا فحسب، بل ضرورة جوهرية أيضًا. على أنه يجب أن يتم ضمن حدود معينة، إذ لا يجوز للتفسير أن يتعارض مع ما نص القرآن والحديث عليه. أما إذا كان فيهما ما يبدو منافيًا للعقل، فعلى المجتهد أن يتحرى عن معنى الألفاظ الحقيقي، وإلا فليسلم أمره لله ويقبل بالنص كما هو (٣٨). لكن المكلفين بالاجتهاد هم فقط الحائزون على المعرفة الضرورية والمقدرة العقلية. وأما الباقون، فعليهم إتباع أي مجتهد يثقون به. لكن العقل يبقى حرًا ضمن هذه الحدود ولا نهاية لمهمته. فالإجماع لم يكن لمحمد عبده مصدرًا ثالثًا من مصادر العقيدة والشريعة مساويًا لهما. وإذا كان قد قام مع الزمن نوع من الإجماع، أي نوع من التعبير عن رأي الجماعة المشترك، فإنه لم يكن إجماعًا معصومًا قط، ولم يكن من شأنه إغلاق باب الاجتهاد.
هذه هي، في نظر الإمام محمد عبده، مبادئ الدين الحقيقية التي جاء محمد يدعو إليها. غير أن رسالته لم تكن للدعوة فحسب، بل لتأسيس مجتمع أيضًا. إذ لا يمكن إلا لنبي أن يقوم بهذه المهمة. فالناس، إذا ما تركوا لأنفسهم، أساؤوا بحكم شهواتهم استخدام حرية الإرادة (٣٩)، وهم لا يصغون إلى صوت الفيلسوف، بل إلى صوت الزعيم الديني. فالدين أقوى عامل في النظام الخلقي لدى العامة، لا بل لدى الخاصة (٤٠)؛ والنبي وحده يستطيع أن يدخل في حياة البشر مبدأ منظمًا يقبلون به. فما هو هذا المبدأ؟ وما هو المجتمع الأمثل الذي أنشأه محمد؟ كان المجتمع، في نظر محمد عبده وجمهور المفكرين المسلمين، جهازًا من الحقوق والواجبات
стр. 181
يربط بينها التضامن الخلقي والاعتراف المتبادل بالحقوق والتناصح والتعاون على القيام بالواجبات، تجسد في شريعة مستمدة من الوحي على أسلوب معين. وهنا يدخل محمد عبده في نظرية الشريعة مفهومًا لم يكن دون أصول في التفكير الإسلامي، إلا أن هذا المفهوم مدين بعض الشيء للنظرية الأوروبية في القانون الطبيعي وللفلسفة التقنية. كان ابن تيمية وغيره من المفكرين قد ميزوا بين العبادات وبين المعاملات. فتبنى عبده هذا التمييز، مؤكدًا أن هناك فرقًا جوهريًا بين تعاليم الوحي الخاصة بكل منها. فالقرآن والحديث حددا قواعد معينة للعبادات. أما المعاملات، فلم يحددا لها في الغالب سوى مبادئ عامة، تاركين للناس مهمة تطبيق هذه المبادئ على شتى أحوال الحياة. وهذه هي دائرة الاجتهاد المشروعة، دائرة الرأي البشري إذا مارسناه بمسؤولية ووفقًا لمبادئ معينة.
وهكذا كانت ميزة المجتمع الإسلامي الأمثل، عند محمد عبده، لا تنحصر في الشريعة، بل تتناول العقل أيضًا. فالمسلم الحقيقي هو الذي يستعمل عقله في شؤون العالم والدين. والكافر الحقيقي وحده هو الذي يطبق عينيه على نور الحقيقة ويرفض النظر في البراهين العقلية (٤١). وخلافًا لما يقوله الخصوم، فإن الإسلام لم يدع قط إلى تعطيل عمل العقل، إذ هو بالعكس يؤيد كل بحث عقلي وكل علم (٤٢). وهذا ما كان بالواقع موضوع المناقشة بين محمد عبده وفرح انطون. فقد ادعى فرح انطون، في كتابه عن ابن رشد (١١٢٦ - ١١٩٨)، أن الإسلام قضى على الروح الفلسفية. وهو بذلك لم يكن يعني، ضرورة، وهو من تلامذة رينان، أن المسيحية كانت أكثر مؤاتاة للعلم والفلسفة. لكن محمد عبده حسبه يعني ذلك، فأجاب بأن المسيحية غير متساهلة بطبيعتها، وهي عدو التفسير العقلي والبحث الحر، وبأن المدنية الغربية الحديثة لا علاقة لها بالمسيحية، إذ أن هذه المدنية لم تقم إلا بعد أن رفض مفكرو أوروبا وعلماؤها تعاليم المسيحية وأخذوا بمبدأ المادية بديلًا عنها (٤٣). أما الإسلام، فهو
стр. 182
دين عقلي، يسمح للمسلمين بأن يقتبسوا علوم العالم الحديث بدون اعتناق المذهب المادي أو الخروج على دينهم.
إن المجتمع الأمثل هو الذي يذعن لأوامر الله، ويؤولها تأويلًا عقليًا وفي ضوء المصلحة العامة، ويطيعها بجد، ويحقق وحدته باحترامها. إنه المجتمع الفاضل، لا بل المجتمع السعيد المزدهر والقوي، لأن أوامر الله هي أيضًا مبادئ المجتمع البشري، ولأن السلوك الذي اعتبره القرآن مرضيًا عند الله، هو ذاته ما يعتبره الفكر الاجتماعي الحديث مفتاح الاستقرار والتقدم. إن الإسلام هو علم الاجتماع الحقيقي، علم السعادة في هذا العالم وفي الآخرة على حد سواء. إنه لا يدعو الإنسان إلى الإعراض المسرف عن خيرات هذا العالم، بل على الانتفاع بها بالقسط والاعتدال. وإذن، عندما تفهم الشريعة الإسلامية على حقيقتها وتطاع، يزدهر المجتمع. وهو ينحط عندما يساء فهمها وتهمل (٤٤). وإذا كان الفرد لا يلقى، غالب الأحيان، جزاءه إلا في الحياة الآخرة، فإن الجماعات، صالحة كانت أم فاسدة، إنما تلقى جزاءها في الحياة الدنيا.
هذا هو المجتمع الأمثل، الذي لم يتحقق، في نظر محمد عبده، إلا مرة واحدة من قبل. لذلك نرى مخيلته عالقة بعهد الإسلام الذهبي، الجيل الأول من الطاعة ومن جزاء الطاعة، جيل الفلاح السياسي والنمو الفكري على نحو لا مثيل له في سرعته وكيفية ازدهاره (٤٥). فقد كانت الأمة، أمة السلف الصالح، هي الأمة كما ينبغي أن تكون، وكما بقيت في غضون القرون الأولى. وكلمة السلف لا يستعملها محمد عبده بمعناها الحرفي كمرادف للجيل الأول من صحابة النبي وأتباعه، بل بمعناها الأعم للدلالة على التراث الرئيسي للإسلام السني في عهود ازدهاره. فكبار علماء الكلام في القرنين الثالث والرابع هجري، كالأشعري والباقلاني والماتريدي، هم أيضًا من السلف الصالح (٤٦). وإذا كان هذا المجتمع الأمثل قد انحط في آخر الأمر، فإنما كان ذلك لسببين: الأول دخول الإسلام عناصر
стр. 183
غريبة عنه. فأدخل الفلاسفة وغلاة الشيعة روح التطرف (٤٧)، كما طمس حقيقة الإسلام الجوهرية نوع معين من التصوف، لا التصوف الحقيقي الذي كان محمد عبده يكن له احترامًا جمًا. فمن الخير أن تكون طاعة المسلمين للشريعة ذات سمة داخلية، كما يدعو التصوف الحقيقي، إلا أن التصوف الذي اعتبره محمد عبده خطرًا على الفكر وعلى السلوك هو ذلك الذي خص الأولياء وكراماتهم بالإجلال فجنح بذلك إلى تحويل الانتباه عن الله وإلى إقامة وسطاء بين الله والناس، وابتدع شعائر خاصة به فخالف ضمنًا أوامر القرآن بشأن الطريقة التي أراد الله أن نعبده بها، وعلم المؤمن أن يهمل واجباته في هذه الدنيا في سبيل الاستعداد المسرف للآخرة، وأخضع التلميذ لإرادة مدربه الروحي فأضعف بذلك نشاط الإرادة الفردية التي هي الأساس الضروري للمجتمع الإسلامي المزدهر، واستعمل اصطلاحات مجازية تنطوي على أخطار خلقية، وسد بعقيدته في «وحدة الوجود» الهوة القائمة بين الله والمخلوقات. لجميع هذه الأسباب، بدا لمحمد عبده أن مذهب المفكرين الصوفيين أمثال ابن العربي وأصحاب الطرق الصوفية إنما يقوض أسس الجماعة. وعندما رأس، في الفترة الأخيرة من حياته، لجنة تشرف على نشر الروائع الكلاسيكية، لم يسمح بنشر «الفتوحات المكية» لابن العربي (٤٨).
ويرى محمد عبده أن الأمة قد انحطت لسبب آخر. هو أن الذين حافظوا على عناصر الإيمان الجوهرية قد أخذوا يفقدون روح التوازن ويتناسون الفرق بين الجوهري وغير الجوهري، فراحوا ينظرون إلى التنظيمات التفصيلية للمجتمع الإسلامي الأول كما لو كانت من قواعد الإيمان يقتضي لهم طاعتها طاعة ثابتة عمياء. وهذا نوع من «التطرف في التمسك بمظاهر الشريعة» (٤٩)، أدى إلى تقليد أعمى، بعيد عن حرية الإسلام الحقيقي، انتشرت عادته بقيام الحكم التركي في الأمة. ذلك أن الأتراك، وهم جدد في
стр. 184
الإسلام، قد حرموا موهبة فهمه واكتناه معنى رسالة النبي، فشجعوا، خدمة لمصلحتهم، الرضوخ الأعمى للسلطة، وثبطوا عزيمة أصحاب التفكير الحر من رعاياهم، واعتبروا المعرفة عدوهم الأكبر، لأنها تكشف للرعايا سوء سلوك الحكام. فلا عجب إن هم حشروا مؤيديهم في صفوف العلماء لترويض المؤمنين على الجمود والخمول في شؤون الإيمان وعلى الخضوع للسلطة السياسية. وبفساد العلماء، أخذ كل شيء في الإسلام يصيبه الانحلال. ففقدت اللغة العربية نقاوتها، وتفككت الوحدة بفصل المذاهب الدينية بعضها عن بعض فصلًا صريحًا. كما ساءت التربية، وفسدت العقيدة نفسها، باختلال التوازن بين العقل والوحي وإهمال العلوم العقلية (٥٠).
وهكذا أفسد الحكام الإسلام. فانتشرت الفوضى الفكرية بين المسلمين برعاية الحكام الجهلاء (٥١). وقد استمر هذا الجهل وهذا الفساد حتى يومنا هذا. وما قاله محمد عبده في أتراك القرون الوسطى كان بوسعه أيضًا قوله في السلاطين العثمانيين. إذ كانوا هم أيضًا، في نظره، دعائم التقليد الغبي في شؤون الدين. وكم كان يكره الشيخ أبا الهدى، المستشار الخاص للسلطان والمحامي عن نظرة صوفية مختلفة جدًا عن نظرته.
وفيما كانت الشعوب الإسلامية تفقد فضائلها ثم قوتها، كانت أمم أوروبا تزداد قوة وتمدنًا، فتمارس على طريقتها الخاصة الفضائل الاجتماعية الجوهرية، فضائل العقل والنشاط، وتجني ثمارها. وقد أدرك محمد عبده أن الشعوب الإسلامية لن تصبح قوية ومزدهرة إلا إذا اقتبست من أوروبا العلوم التي نتجت عن نشاطها العقلي، وأن هذا الاقتباس يمكن تحقيقه بدون التخلي عن الإسلام. إذ أن الإسلام يحث على قبول جميع منتجات العقل. غير أن ذلك يقتضي تغييرًا في مؤسسات المجتمع الإسلامي: في نظامه الشرعي، ومدارسه، وأساليب الحكم فيه.
فعلى المسلمين اليوم، في نظر محمد عبده، أن يقوموا بما كان
стр. 185
عليهم القيام به دومًا: إعادة تأويل شريعتهم وتكييفها وفقًا لمتطلبات الحياة الحديثة. ولبلوغ هذه الغاية، لا بد من الاهتداء بمبدئين سلم بهما الفقهاء وأعطاهما محمد عبده بعدًا جديدًا: الأول، مبدأ المصلحة، وهو مبدأ أقره، كما أشرنا آنفًا، المذهب المالكي الذي كان محمد عبده ينتمي إليه، وإن كان قد درس الفقه الحنفي في الأزهر. كان هذا المبدأ، تقليديًا، بمثابة قاعدة لتأويل النصوص. فيفترض الفقيه، في شرحه للقرآن والحديث، أن غاية الله من الوحي رعاية مصلحة البشر، فيختار التأويل الذي يحقق هذه الغاية. أما محمد عبده وأتباعه، فقد جعلوا من المصلحة قاعدة لاستنباط شرائع خاصة من المبادئ العامة للخلقية الاجتماعية. فالله لم ينزل، في رأيهم، سوى مبادئ عامة، تاركًا للعقل أمر تطبيقها على قضايا المجتمع الخاصة؛ وبما أن هذه القضايا تتغير، توجب تغيير تطبيق المبادئ عليها. وهكذا جعلوا القاعدة المناسبة لكل زمان مصلحة البشر العامة في ذلك الزمان. أما المبدأ الثاني، فهو مبدأ التلفيق. لقد كان من المسلم به لدى بعض أصحاب الرأي التقليديين، وأن ضمن حدود معينة، أنه يجوز للقاضي، في أي قضية معينة، أن يختار من مذهبه الشرعي أو من مذهب شرعي آخر، التفسير الشرعي الأكثر ملاءمة للظروف. أما محمد عبده، فقد ذهب أبعد من ذلك، فدعا لا إلى الاستعانة بالمذاهب الأخرى في مسائل معينة فحسب، بل إلى مقارنة علمية بين المذاهب الأربعة أيضًا، ناهيك بأحكام الفقهاء المستقلين الذين لم يقبلوا أيًا منها، بغية وضع «مذهب موحد» يؤلف بين العناصر الصالحة في كل منها. وقد تمكن، بوصفه مفتي مصر، من وضع هذه الدعوة موضع التنفيذ. كان مضطرًا، كلما طلبت الحكومة المصرية منه فتوى، أن يصدرها وفقًا للمذهب الحنفي. غير أنه كان يفتي بحرية أوسع كلما استفتاه فرد من الناس، كما فعل، مثلًا، عندما أرسل إليه مسلم هندي يسأله إذا كان يجوز للمسلمين التعاون مع غير المسلمين في القيام بالمشاريع الخيرية.
стр. 186
فالتمس، أولًا، من مشايخ المذاهب الأربعة في الأزهر فتوى مذاهبهم في هذه المسألة، ثم أصدر، في ضوئها وبالرجوع إلى القرآن والحديث وسنة العهود الأولى، فتواه الخاصة (٥٢).
لم يغرب عن بال محمد عبده أن من المستلزمات المنطقية لهذه الطريقة إنشاء نظام موحد وعصري للشريعة الإسلامية. وقد اتخذ بالفعل، في كتاباته وفي قراراته كمفتي، الخطوة الأولى في هذا السبيل. كان نطاق الآراء التي أبداها والقرارات التي اتخذها واسعًا، فشمل تقريبًا جميع حقول الشريعة والخلقية الاجتماعية: هل يجوز للمسلمين لبس القبعة الأوروبية؟ وهل يجوز لهم أكل ذبيحة النصارى واليهود؟ وهل تجيز الشريعة رسم الصور البشرية؟ وهل تعدد الزوجات محمود، خلقيًا، أو مذموم؟ وقد أطلق، بفتاويه هذه، نزعة ظلت مستمرة في مصر بعد وفاته، حتى حققت بعض ما كان يرجوه. فمنذ ١٩٢٠، توالت القرارات الرسمية تحدد وتعدل الشرائع الإسلامية التي كان من سلسلة اختصاص المحاكم تطبيقها. وقد وجد هذا العمل ما يبرره، بالنسبة لمفاهيم الإسلام السني، في الحق الذي منحته الشريعة للحاكم الزمني في تحديد الشؤون الواقعة ضمن اختصاص قضاة الشرع، كما وجده في مبدأ التلفيق. إلا أن تطبيق مبدأ التلفيق كان من الشمول بحيث استحال على الفقهاء السنيين الرضى عنه، إذ وضعت بموجبه تفسيرات للشريعة اقتضتها حاجات العصر لم يكن لها سند في المذهب الحنفي، حتى ولا في أي مذهب من مذاهب الشرع الأربعة. وهكذا نشأ ما هو في الواقع النظام الحديث والموحد للشريعة الإسلامية. لكن هذا لا يصح إلا على شؤون الأحوال الشخصية، كالزواج والطلاق والإرث، التي تركتها القوانين الحديثة في رعاية الشريعة. أما في الشؤون الأخرى، فقد بقي التيار الذي أراد محمد عبده تحويله، سائرًا في مجراه التقليدي الأول. فكانت المحاكم المدنية تطبق القوانين المدنية والجزائية المستمدة من نماذجها الأوروبية والصادرة عن سلطة
стр. 187
الدولة. ومع أن القانون المدني الصادر في ١٩٤٨ قد ذكر أن الشريعة مصدرًا للقوانين، غير أنها لم تكن المصدر الأوحد، بل كانت هناك مصادر أخرى، كالعدل الطبيعي والعرف، فضلًا عن أننا لا نجد لها، في مجموعة القوانين، إلا أثرًا ضئيلًا. وفي آخر الأمر، ألغيت المحاكم الدينية في ١٩٥٦، وأحيلت شؤون الأحوال الشخصية إلى المحاكم المدنية، على أن تطبق بشأنها الشريعة كما عدلتها القوانين (٥٣).
وبما أن إصلاح الشريعة لا يتم فعالًا ما لم يكن هناك فقهاء مدربون على تفسيرها وتطبيقها لذلك اقتضى إصلاح نظام التربية الدينية. لقد عبر محمد عبده عن رأيه بإسهاب في هذا الموضوع في رسالة كتبها عند إقامته في بيروت. ففيها يوضح أنه من الضروري اختلاف وجوه التربية الدينية باختلاف طبقة المجتمع. فتلقن العامة الخطوط الرئيسية لمبادئ العقيدة دون التطرق إلى الخلافات بين الفرق، وطرفًا من تاريخ الإسلام يعلل فيه انتشار الإسلام وتحقيق فتوحاته بهذه السرعة. ويلقن المعدون للمراكز الحكومية المنطق، والفلسفة، والعقيدة مع التشديد على إثباتها بالأدلة العقلية والحث على تجنب الخلاف بين مختلف المذاهب، وعلم الأخلاق مع التشديد نفسه على مستنداته العقلية، ودراسة سير حياة السلف الصالح والتاريخ الديني. أما المعدون للتدريس والتوجيه الروحي، فيجب أن يتمرسوا تمرسًا كاملًا بالعلوم الدينية. فيتقنوا، أولًا، علوم اللغة العربية؛ ثم القرآن مع شروح له تأخذ بعين الاعتبار العادات والتقاليد واللغة وأساليب التفكير لدى العرب في حقبة نزوله بحيث يسهل التمييز بين جوهر الوحي وعرضه؛ والحديث النبوي على أن يقتصر منه على ما كان ثابتًا؛ ثم نظام الأخلاق بكامله، كإحياء علوم الدين للغزالي؛ فضلًا عن علم الكلام، والفقه، مع العناية بما يمكن استنباطه شرعيًا من النصوص، وعلوم الإقناع، والجدل، والتاريخ القديم والحديث، على أن يشتملا لا على حقبة الأمجاد الإسلامية فحسب؛ بل على عهود الانحطاط أيضًا مع تبيان أسباب ذلك (٥٤).
стр. 188
وعندما احتل محمد عبده منصبًا نافذًا، استطاع أن يقوم بوضع بعض هذه الأفكار موضع التنفيذ. فأنشئت بإيعاز منه، بلجنة رأسها هو لوضع توصيات بشأن إصلاح الأزهر، تبنتها الحكومة بقانون يقضي بإنشاء مجلس إداري وبتنظيم شروط قبول الطلبة وقواعد السلوك والامتحانات وبتعديل مواد التعليم (٥٥). وقد أنشئ المجلس الإداري فعلًا، وكان محمد عبده انشط إعطائه، وقام بتنفيذ بعض المقترحات: كاستبدال كتب التدريس القديمة بدراسة مباشرة لآثار أئمة الفكر الإسلامي، وإضافة علوم كانت مهملة، إلى مواد المنهاج الدراسي، كالأخلاق والتاريخ والجغرافيا. غير أن هذه المحاولة اصطدمت بمقاومة المحافظين في الأزهر، فضلًا عن الخديوي عباس. وكان الأخير على علاقة سيئة بمحمد عبده كما كان حريصًا على الصلة التقليدية الوثيقة القائمة بين الحاكم والأزهر منذ عهد المماليك. وهكذا استقال محمد عبده من المجلس، في ١٩٠٥، على أثر بيان للخديوي كان مسيئًا إليه (٥٦). غير أن الاندفاع الذي ولده في مضمار إصلاح الأزهر لم يتوقف تمامًا بعد موته. فرأس الأزهر، في الخمسين سنة الأخيرة، عدد من تلاميذه وأتباعه، تمكنوا، بالرغم من المقاومة الداخلية والخارجية، من مواصلة عمله وإن بشكل متقطع. وإذا كان الأزهر اليوم يختلف عما كان عليه في زمن محمد عبده، فمعظم الفضل في ذلك عائد إليه.
عندما كتب محمد عبده عن المؤسسات السياسية، كانت تتجاذب أفكاره، كما تجاذبت أفكار أستاذه الأفغاني، نزعتان: فكرة الوحدة السياسية للأمة بمعناها الإسلامي، وفكرة الأمة بالمعنى الحديث. لكننا إذا ما محصنا نظرته إلى الأمة عن كثب، اتضح لنا أن هذا التجاذب كان ظاهريًا أكثر منه فعليًا. فقد جاء عرضه الأول لها، إذا صح التعبير، في كتاب ويلفريد بلنط: «مستقبل الإسلام». ففيه يزعم بلنط أن معظم الآراء التي يعرضها هي آراء محمد عبده. ويمكننا التسليم بذلك، لكن إلى حد معين. فالكتاب، كما سنرى
стр. 189
فيما بعد، يدافع عن فكرة استعادة العرب زعامة الأمة من يد الأتراك، مما يتضمن القول بأن زوال الإمبراطورية العثمانية أمر محتوم ومرغوب فيه معًا. ومن المستبعد أن يكون محمد عبده على استعداد لقبول مثل هذا القول. غير أن الكتاب يحتوي أيضًا على شرح لطبيعة الأمة الإسلامية والسبيل إلى إصلاحها. وهذا ما يمكن اعتباره وصفًا صادقًا للأفكار المتداولة في حلقة محمد عبده في ذلك الوقت.
إن نقطة الانطلاق في الكتاب هي بالضبط نقطة انطلاق محمد عبده في كتاباته: أن الأمة الإسلامية في انحطاط ويجب إصلاحها من الداخل، وتبني المؤسسات الأوروبية بحد ذاته لن يحقق هذا الإصلاح: فالتنظيمات «لم تنجم عن الدين أو بواسطته، كما كان ينبغي أن يحدث، بل جاءت تحديًا له ... وجميع التغييرات التي يحاولون إجراءها على هذا النحو مكتوب لها الإخفاق بسبب عنصر اللاشرعية اللاحق جوهريًا» (٥٧). أما الحركة الوهابية، فكانت أقرب ما يكون إلى الإصلاح، لأنها عالجت القضية من جذورها، وذلك بانصبابها على إصلاح الأخلاق والعقيدة وبالعودة إلى الأمور الأساسية في الإسلام. والأساسي في الإسلام إنما هو تلك المجموعة من العقائد المتفقة مع متطلبات العقل البشري. وما الشريعة إلا التطبيق العقلي لهذه المبادئ على أحوال العالم المتبدلة. فما نفتقر إليه اليوم إنما هو إعادة تفسير الشريعة لنتمكن من اقتباس ما كان صالحًا من الأخلاق الأوروبية، كإلغاء الرق مثلًا، ومنح المساواة أمام القانون للمسيحيين القاطنين البلدان الإسلامية. لكن كيف يمكن لهذه العملية أن تتم بدون الخروج على الشرع؟ فالشريعة لا يمكن تغييرها، ما لم يكن هناك سلطة تغيرها. لذلك كان من الضروري بعث الخلافة الصحيحة، على أن يكون لها وظيفة روحية وتكون وحدها متمتعة بالسلطة الروحية. وعلى الخليفة أن يكون المجتهد الأكبر، على حد تعبير تلميذ محمد عبده، رشيد رضا. وعليه أن يكتسب احترام الأمة، لا أن يحكمها، إذ أن وحدة
стр. 190
الأمة هي وحدة معنوية لا يؤثر فيها انقسام الأمة إلى دول قومية. ويقترح محمد عبده، في إحدى المناسبات، أن يكون للأمة المصرية رئيس يحكم تحت إشراف الخلافة الدينية (٥٨).
كان محمد عبده مصريًا متأصل الجذور في تقاليد بلاده. لذلك احتل العنصر القومي، منذ البدء، مركزًا مهمًا في تفكيره، حتى إن أول مقالة نشرت له في الأهرام تحدثت عن الماضي العظيم «لمملكة مصر» (٥٩). وكان يشعر دومًا بأن التاريخ والمصالح المشتركة بين الذين يعيشون في البلد الواحد تخلق رابطة عميقة فيما بينهم بالرغم من اختلاف الأديان. وقد أثر شعوره بأهمية الوحدة في نظرته إلى الإصلاح الإسلامي، كما أثر أيضًا في نظرته إلى الأمة. فكان يعتقد أن الوحدة ضرورية في الحياة السياسية؛ وأن أقوى نوع من أنواع الوحدة إنما هو وحدة الذين ينتمون إلى البلد الواحد، أي ذلك المكان الذي لا يعيشون فيه فحسب، بل يجدون فيه أيضًا مجالًا لممارسة حقوقهم وواجباتهم العامة وموضوعًا لمحبتهم وعزتهم (٦٠)؛ وأن انتساب غير المسلمين إلى الأمة لا يقل أصالة عن انتساب المسلمين أنفسهم إليها؛ وأنه يجب أن تقوم علاقات طيبة بين أبناء الأديان المختلفة (عندما هاجمت الصحافة الوطنية بطرس غالي، وهو قبطي كان يومذاك نائب وزير العدل، تدخل محمد عبده ليبين أن انتقاد الشخص على عمل أتاه يجب أن لا يتحول إلى هجوم على جماعة بكاملها) (٦١)؛ وأن من واجبات المسلمين أن يتقبلوا مساعدة غير المسلمين لهم في شؤون الخير العام. فحين سأله مسلم هندي هل كانت مثل تلك المساعدة جائزة، إجابه بالإيجاب، مثبتًا ذلك بالاستشهاد بالقرآن والحديث وسنة السلف (٦٢).
كان للأمة المصرية إذن، في اعتقاد محمد عبده، كيان مستقل. لكنها كانت، كالأمة في مجموعها، في حالة انحطاط داخلي، ولم يكن بإمكانها أن تأمل في حكم ذاتها قبل أن تصلح نفسها. وكان مثل محمد عبده الأعلى في الحكم قريبًا من المثل الأعلى لدى فقهاء القرون
стр. 191
الوسطى: حاكم عادل يحكم وفقًا للشريعة وبمشورة أعيان الشعب. وقد ذهب إلى أبعد من خير الدين، فاعتبر أن هذا الحكم هو الملكية المقيدة الدستورية. لكنه لم يكن يعتقد أن مصر كانت معدة له بعد. إذ كانت تفتقر، قبل كل شيء، إلى تدريب تدريجي في فنون الحكم قبل أن تستطيع أن تحكم ذاتها. لذلك كان عليها، أولًا، إنشاء مجالس محلية، ثم مجلس استشاري، ثم أخيرًا جمعية تمثيلية (٦٣).
هذه هي الأفكار التي استقر عليها محمد عبده، فعبر عنها في مقالاته الباكرة وكررها في أعوامه الأخيرة. غير أنه مر، فيما بين الفترتين، بفترة كان فيها على شعور قومي عارم بلغ حد الاستعداد لتأييد التدابير العنيفة. فقد دفعه إلى الحياة السياسية في الأعوام الأخيرة من حكم إسماعيل تأثير الأفغاني وتردي أحوال مصر. وإذ بلغت الأزمة ذروتها، ازدادت آراؤه تصلبًا. وكانت مقاومته لأوتوقراطية الخديوي لا تقل عن مقاومته للتدخل الأجنبي. فقد كتب إلى بلنط في نيسان ١٨٨٢: «إن كل مصري يكره الأتراك ويبغض ذكراهم اللعينة» (٦٤). وقد رافقته مرارة ذلك الشعور طيلة المدة التي كان يعمل فيها مع الأفغاني جنبًا إلى جنب في باريس. وعندما زار إنكلترا في ١٨٨٤، لاحظ بلنط أن «الشعور المسيطر عليه إذ ذاك إنما كان بغض إنكلترا، وقد اختلطت به كراهيته للجراكسة» (٦٥). وقد أخذ بلنط منه، في أثناء تلك الزيارة، حديثًا لمجلة بول مول، كرر فيه المطلب المصري بالاستقلال، قائلًا: «لا تحاولوا إسداء الخير لنا بعد. فخيركم قد ألحق بنا الكفاية من الضرر» (٦٦).
وعندها عاد إلى مصر بعد سنوات المنفى، عاد إلى الاعتدال الرصين الذي تميزت به حياته الأولى. ويقول البعض إن سبب ذلك هو تعهد قطعه على نفسه للخديوي توفيق عندما سمح له بالعودة. لكنه من الأسهل شرحه بتضاؤل تأثير الأفغاني فيه وبذكرى ١٨٨٢ التي سمحت لمعتقداته الأساسية أن تثبت نفسها من جديد. فإن ما
стр. 192
كانت مصر تحتاج إليه، بناءً على هذه المعتقدات، إنما هو عهد من التربية الوطنية الحقيقية؛ وعلى ضوء هذه الحاجة يجب النظر إلى كل قضية سياسية أو اجتماعية. فإذا كان الحكم الدستوري يحول دون تلبية هذه الحاجة، فهذا دليل على أنه فاسد أو على الأقل أنه سابق لأوانه. وإذا كان الحكم الأوتوقراطي أو حتى الحكم الأجنبي يساعد على تحقيق ذلك فيجب تحمله. إذ ليس هناك من سبيل سياسي محض إلى النضوج السياسي والاستقلال الحقيقي. وقد انتقد في أعوامه الأخيرة أستاذه القديم الأفغاني لتصرفه كما لو كان لمثل هذا السبيل وجود. فقد قال لأحد تلاميذه: «إن السيد لم يعمل عملًا حقيقيًا إلا في مصر» (٦٧)؛ إذ كان عليه، عوضًا عن التدخل في دسائس القصر في إسطنبول، أن يقنع السلطان بإصلاح نظام التربية. وقد كتب شيئًا من هذا إلى الأفغاني نفسه، فغضب منه. ويبدو أن صلتهما قد انقطعت في أعقاب ذلك. ولما مات الأفغاني، لم يكتب محمد عبده كلمة واحدة في رثائه أو إحياء ذكراه.
ولا شك في أن محمد عبده قد حاول أن يتجنب الخطأ الذي وقع فيه الأفغاني، فخصص، كما رأينا، معظم وقته للتربية الوطنية وللإصلاح كما كان يفهمه. فعندما كان عضوًا في المجلس التشريعي، كان يصرف ساعات طويلة في مناقشاته وأعمال لجانه. لكنه لم يكن يعتبر نشاط ذلك المجلس عملًا سياسيًا، بل بالأحرى جزءًا من مهمة التربية السياسية (٦٨). ولم يكن يرغب في أن تزداد صلاحياته. فقد وصف، في مقال شهير، الكسب الذي يوفره «مستبد عادل يستطيع أن يعمل من أجلنا في مدة خمسة عشر عامًا ما لا نستطيع عمله من أجل أنفسنا في خمسة عشر قرنًا» (٦٩). لكن هذا لم يكن يعني، ولا شك، تأييدًا منه للحكم المطلق بحد ذاته. فالمستبد يجب أن يكون عادلًا. وكان عبده، كالأفغاني، ينتمي إلى أقلية المفكرين المسلمين الذين قالوا بحق الجماعة في خلع الحاكم إذا لم يكن عادلًا وكان الخير العام يقتضي ذلك (٧٠).
стр. 193
هذه المبادئ تفسر صلة محمد عبده بالقوى السياسية في زمنه. فقد رضي بالتعاون مع البريطانيين، مع أنهم كانوا أجانب لا مسلمين، شرط أن يساعدوا في العمل من أجل التربية الوطنية، وشرط أن يكون بقاؤهم موقتًا. وكان على صلة طيبة بكرومر، مع أنه لم يكن يحب سائر الرسميين البريطانيين (٧١). فقد كتب كرومر عنه وعن رفاقه قائلًا بأنهم «الخلفاء الطبيعيون للمصلح الأوروبي»، لذلك أيده عندما أراد الخديوي عزله من منصب الفتوى (٧٢). لكن هذا لا يعني أن محمد عبده كان راضيًا كل الرضى عن السياسة البريطانية. فلو كان كرومر نفسه ذلك المستبد العادل، فلا بد له، في نظر محمد عبده، من أن يحكم بمشورة زعماء الشعب، وهو ما لم يكن مستعدًا للقيام به. وأراد محمد عبده من كرومر أن يستخدم نفوذه لدى الخديوي ليحمله على تعيين عدد أكبر من المصريين أعضاء في وزارته عوضًا عن زمرة السماسرة الجراكسة الأتراك. ومع أن كرومر أظهر، لفترة، اهتمامًا بهذه الفكرة، فإنه لم يفعل شيئًا لتحقيقها، إذ لم يعتقد أن الوزراء المقترحين كانوا أفضل من الوزراء الحاليين.
ومن ذلك أن محمد عبده كان مستعدًا للتعاون مع الخديوي لو أنه رغب في أن يكون مستبدًا عادلًا. وعندما خلف عباس حلمي أباه توفيق في ١٨٩٢، كان عبده على صلة طيبة به في البدء، وكان بوسعه التأثير عليه في بعض الشؤون. لكن الخديوي انقلب عليه عندما رآه يسعى للحؤول دون استعمال أملاك الوقف لتنفيذ مآرب القصر، كما كان يخشى نفوذه في الأزهر. وأدرك عبده أن الخديوي لن يتنازل أبدًا عن امتيازاته ولن يقبل بإشراك وزارة مسؤولة في سلطته. فأثار ذلك في نفسه الكراهية التي كانت تكنها قلوب الفلاحين المصريين لأسرة محمد علي. وفي مقال كتبه بمناسبة الذكرى المئوية لاعتلاء محمد على عرش مصر، نوه بالناحية السوداء من منجزات الرجل الذي كثيرًا ما كان يلقب بصانع مصر الحديثة، فقال: «إنه لم يستطع أن يحيي، ولكن استطاع أن يميت». فمن
стр. 194
أجل سيطرته الخاصة «سحق رؤساء البيوت الرفيعة والكرام، وأخذ يرفع الأسافل ويعليهم في البلاد والقرى ... ولم يبق في البلاد إلا آلات له يستعملها»، كما منح الحماية والامتيازات لأجانب مشكوك في أخلاقهم. لقد كان حكمه قويًا، ولا شك، لكنه لم يكن قائمًا على احترام القانون. وقد أنشأ جيشًا، لكن بأساليب لم تخلق لدى الشعب المصري الفضائل العسكرية. وهو لم يشجع على الزراعة إلا ليأخذ الغلات لنفسه، جاعلًا من «البلاد المصرية جميعها إقطاعًا واحدًا على أثر إقطاعات كثيرة لغيره» .. وكان مسلمًا بالاسم فقط، ولم يقم بأي عمل من أجل الدين، لا بل جرد الجوامع والمدارس من أوقافها (٧٣).
ومن جهة أخرى، فقد بدا له أن القوميين العقائديين على خطأٍ في اعتقادهم أن للاستقلال طريقًا مختصرًا. وبقي دومًا من منتقدي «عرابي وزعماء عام ١٨٨٢ العسكريين. فقد قال في سيرة حياته إن عرابي لم يكن يخطر بباله ولا يهتف به في منامه أن يطلب إصلاح حكومة أو تغيير رئيسها ... إنما الذي أحاط بفكره وملك جميع مقاصده هو الخوف على مركزه مع شدة البغضاء لمن كان معه من أمراء الجراكسة الذين كانوا يقفون حجر عثرة في طريق تقدم الضباط المصريين». نعم، لقد تكونت لديه فكرة دعوة البرلمان للحد من سلطة الحاكم المطلقة، مع طبع حركة العصيان التي قادها بطابع الشرعية، إلا أن هذه الفكرة لم تكن سوى فكرة غامضة استقاها من الصحف ومن ترجمات كتب أوروبية أو، بتعبير محمد عبده، من «خيال لعب بعقله» (٧٤). ثم يصف كيف كان يجادل عرابي ورفاقه منبهًا إياهم إلى أن الشعب لم يكن مستعدًا بعد للحكم الذاتي، وإنه حتى لو كان مستعدًا لذلك، فمن الخطأ المطالبة بالحكم الذاتي بالضغط العسكري. إذ مهما تحقق بهذه الطريقة من كسب فلن يدوم، كما أنه قد يؤدي إلى الاحتلال الأجنبي. وفي ذلك يقول: «إنني أرى الاحتلال الأجنبي قادمًا واللعنة حالة على من كان
стр. 195
السبب» (٧٥). وبعد عشرين عامًا، أبدى الاعتراضات نفسها، عندما انتعشت الروح القومية من جديد بزعامة مصطفى كامل. فناد بأن أساليب كامل ليست شرعية، وهي لن تؤدي إلى أي نتيجة قط، وإذا أدت فإلى نتائج زائلة. وهكذا شعر الرجلان أن ما من شيء يجمع بينهما، إذ لم يستطع محمد عبده أن ينظر إلى مصطفى كامل بعين الجد، كما أن مصطفى كامل قد أخذ على المفتي اهتمامه الزائد باكتساب النفوذ الرسمي (٧٦).
стр. 196
الفصل السابع
الإسلام والمدنية الحديثة
انطوى تفكير محمد عبده على توتر دائم بين أمرين، لا يمكن فهم أحدهما فهمًا تامًا بالاستناد إلى الآخر، لكن لكل منهما مطلب خاص به لا مفر منه: الإسلام الذي يذهب إلى أنه يعبر عن مشيئة الله في باب قواعد سلوك الإنسان في المجتمع، وحركة المدنية الحديثة التي لا مرد لها، المنطلقة من أوروبا، والآخذة الآن في الانتشار عالميًا، والتي تفرض على الإنسان بطبيعة مؤسساتها تصرفًا معينًا. وكان هدف محمد عبده أن يبرهن، بشرحه ما هو الإسلام الحقيقي، أن المطلبين غير متناقضين. وقد أراد أن يثبت ذلك لا مبدئيًا فحسب، بل عمليًا أيضًا، بتحليل دقيق لتعاليم الإسلام في الخلقية الاجتماعية. إلا أنه لم يعتقد يومًا أن بين الاثنين توافقًا مطلقًا، أي أن الإسلام يرضى عن كل ما يرضى عنه العالم الحديث، بل كان يعلم بوضوح لأي منهما الأولوية عند نشوء خلاف حقيقي بينهما. ذلك أنه رأى أن في الإسلام عناصر ثابتة غير قابلة للتحول، هي تلك الأوامر الخلقية والعقائدية التي لا مجال للمساومة عليها. فالإسلام لم يكن، عنده، مجرد ختم تمهر به أفعال العالم، مهما كانت، بطابع الشرعية، بل إنما هو دومًا عنصر رقابة وردع. بيد أن التوتر بين الإسلام والمدنية الحديثة كان بحد ذاته توترًا دقيقًا، وكان من الصعب، كما رأينا، تعيين الحدود بين طرفيه، فنشأت نزعة دائمة لتخفيف حدته بمحاولة شبه واعية للتوفيق بين وصايا الإسلام ومفاهيم الفكر الحديث.
стр. 197
لم يكن تأثير محمد عبده شاملًا، وإن كان أشد من تأثير أي مفكر مسلم في زمنه. غير أن هناك، على أيامه وبعدها، من كان يقول بأن التنازلات التي قام بها للفكر الحديث خطرة وغير ضرورية، وبأن إعادة النظر في العقيدة والشريعة، كما كان محمد عبده يرتأى، لم تكن أمرًا لا بد منه. لا بل كان هناك، حتى بين الذين تأثروا به وكان من حقهم الادعاء بأنهم من تلاميذه، من كانت عقليتهم على خلاف عقليته. كانت مؤلفاته تضبطها معرفته العميقة بالعلوم الإسلامية التقليدية، وما هو أهم من ذلك، شعوره الحاد بالمسؤولية تجاه الإسلام. إلا أنه كان من شأن الخطة التي اتبعها أن توقع في التجربة أولئك المفكرين من ذوي النزعة الجدلية الذين حرصوا على الدفاع عن سمعة الإسلام أكثر مما حرصوا على اكتشاف حقيقته وتوضيحها، أعني بها تجربة الادعاء بأن الإسلام هو كل ما يوافق عليه العالم الحديث، وبأنه ينطوي ضمنًا على كل ما يظن العالم الحديث أنه من اكتشافه. ومثال على هذا النوع من الكتابات الجدلية كتاب محمد فريد وجدي: «المدنية والإسلام». فمن عنوان الكتاب يظهر معناه: فالمؤلف وسائر الكتاب المنتمين إلى مدرسة محمد عبده اهتموا بأمرين خطيرين ومستقلين: الإسلام بحقائقه وشرائعه الموحى بها من الله، والمدنية بقوانينها المكتشفة بفضل علم الاجتماع. لكن ما العمل عندما يظهر تناقض بين الاثنين؟ وقد أجاب محمد عبده على هذا التناقض بقوله إن المدنية الحقيقية مطابقة للإسلام. أما في كتاب وجدي، فإننا نرى تغييرًا دقيقًا في اللهجة واختلافًا في نواحي التشديد يؤديان ضمنًا إلى القول بخلاف ذلك. أي أن الإسلام الحقيقي مطابق للمدنية. فوجدي يقر أوروبا على ادعائها بأنها اكتشفت قوانين التقدم والسعادة الاجتماعيين، لكنه يذهب إلى القول بأن هذه القوانين هي أيضًا قوانين الإسلام. لكن ما هو الإسلام؟ الإسلام، في نظره، هو، قبل كل شيء، وجود علاقة مباشرة بين الإنسان وخالقه، بمعزل عن توسط
стр. 198
الكهنة واستبدادهم! ولكن ليس هذا كل الإسلام: فهو أيضًا المساواة بين البشر، ومبدأ الشورى في الحكم، وحقوق العقل والعلم، ووجود نواميس طبيعية ثابتة للحياة الإنسانية، والتطلع الفكري إلى معرفة نظام الطبيعة، وحرية المناقشة والرأي، ووحدة الجنس البشري العملية على أساس التساهل المتبادل، وحقوق الإنسان في ميوله ومشاعره، والاعتراف بخير الإنسان ومصلحته كغاية نهائية للدين وكمبدأ للتقدم.
في مثل هذه المؤلفات «يذوب» الإسلام في الفكر الحديث، إذا جاز التعبير. لكن هناك أتباع آخرون لمحمد عبده احتفظوا بعقليته وطبقوا خطته بمثل ما كان يشعر به من مسؤولية. لقد أدخل محمد عبده تعديلاته على تعاليم الإسلام حول الخلقية الاجتماعية، متوسعًا بتحفظ في بعض المبادئ التي كان معترفًا بها في التفكير الإسلامي من قبل. ويظهر مقدار مهارة سواه في تطبيق هذه الطريقة في كتاب مفعم بروحه، وإن كان قد صدر بعد أربعين عامًا من وفاته، هو تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، وضعه ومصطفى عبد الرازق. كان هذا ابن زميل سياسي لمحمد عبده، تلقى دروسه أولًا في الأزهر، ثم في السوربون على يد دوركهايم، وبعد سنوات صار أستاذًا للفلسفة في الجامعة المصرية، وعين الفترة قصيرة وزيرًا، ثم شيخًا للأزهر في ١٩٤٥، حيث قام بإحدى تلك المحاولات اليائسة لإصلاحه، إلى أن توفي في ١٩٤٧. وقد وضع عبد الرازق كتابه المشار إليه، على غرار كتب محمد عبده، ضمن إطار عقلانية القرن التاسع عشر، وطيف رينان أمامه. يبدأه بدحض ما زعمه رينان من أن الفلسفة الإسلامية لم تكن إسلامية ولا عربية بأي معنى جوهري، ثم يؤكد المركز الرفيع الذي يحتله العقل في الإسلام، ويحاول إثبات ذلك بتحليل علمي لمكانة الرأي في الفقه الإسلامي، مع التوسع في معناه بقدر ما يستطاع دون تحوير أو تشويه لتاريخ الإسلام، مستشهدًا في ذلك بالمفكرين المسلمين منذ
стр. 199
عهد النبي، وبالنبي نفسه الذي استعان بالرأي وسمح لصحابته بأن يتذرعوا به (١). وهو يعالج المصادر التاريخية بدراية، ويعتمد مفهوم التطور التاريخي، مما يدل على تأثير الدراسة الأوروبية فيه. لكن هذا التأثير بقي منضبطًا بإحساسه بما هو الإسلام بالفعل وبما كان عليه من قبل.
على أنه ظهر، لدى الذين حاولوا الحفاظ على التوتر الذي أبرزه محمد عبده، تحول تدريجي في العلاقة بين عنصريه. فعبده لم يضع بالحقيقة نظرة نهائية في الإسلام تصلح لأن تكون طريقة للنظر إليه وإلى العالم، ولو فعل لخلق نوعًا جديدًا من التقليد. فكان من الطبيعي أن يهتم بعض أتباعه بناحية من تفكيره، وبعضهم بناحية أخرى. فنتج عن تشديد كل منهم تشديدًا زائدًا على ناحيته اختلال في التوازن الذي أقامه محمد عبده. وهكذا اتجه فريق من أتباعه، في السنوات التي تلت وفاته وبتأثير من إلحاحه على جوهر الإسلام الثابت ومتطلباته المطلقة، اتجاهًا شبيهًا باتجاه «السلفية» الحنبلية، بينما قام فريق آخر بتحويل إلحاحه على شرعية التغيير الاجتماعي إلى فصل الدين عن المجتمع والاعتراف لكل منهما بقواعد خاصة به.
وفي ١٨٩٩، نشر قاسم أمين (١٨٦٥ - ١٩٠٨)، أحد أتباعه المصريين، كتابًا صغيرًا في تحرير المرأة. كان قاسم أمين من أصل كردي ذا تربية فرنسية. وقد عمل قاضيًا وكاتب مناسبات في القضايا الاجتماعية، فاشتهر بعض الشيء. لكن هذا الكتاب زاده شهرة. وقد انطلق فيه من المسألة المألوفة: انحطاط الإسلام، لكن بحسب مفهوم الداروينية للانحطاط. فزعم أن الأمة الإسلامية في تدهور، وأنها أضعف من أن تجابه الضغوط التي تشد عليها من مختلف الجهات، وإنها إذا بقيت على ضعفها فلن تتمكن من البقاء في عالم تسوده قوانين «الانتقاء الطبيعي» (٢). لكن ما هي أسباب الفساد؟ وعلى هذا السؤال لا يقبل تقاسم أمين بأي من الأجوبة
стр. 200
المألوفة. فهو يرى أن الفساد لم ينجم عن البيئة الطبيعية، إذ قامت في بعض العهود مدنيات مزدهرة في هذه البلدان نفسها، كما أنه لم ينجم عن الإسلام، إذ أن تدهور الإسلام هو نفسه نتيجة لا سبب لتدهور القوة الاجتماعية. إن السبب الحقيقي للفساد إنما هو، في نظره، زوال الفضائل الاجتماعية، أي زوال «القوة المعنوية». وما سبب ذلك إلا الجهل، جهل العلوم الحقيقية التي منها وحدها يمكن استنباط قوانين السعادة البشرية. ويبدأ هذا الجهل في العائلة. فالعلاقة بين الرجل والمرأة، وبين الأم والولد، إنما هي أساس المجتمع، والفضائل القائمة في العائلة هي ذاتها الفضائل التي تستمر في المجتمع. وما دور المرأة في المجتمع إلا «إصلاح أخلاق الأمة» (٣). وفي البلدان الإسلامية لم يرب الرجال ولا النساء التربية اللازمة لإنشاء حياة عائلية حقيقية (٤)، والمرأة لا تتمتع بالحرية والمكانة اللازمين للقيام بدورها.
لكن أليس هذا، بدوره، مرده إلى الإسلام؟ كلا، يجيب قاسم أمين. فالشريعة الإسلامية هي أول قانون ساوى المرأة بالرجل، إلا في حالة تعدد الزوجات، وهي حالة نشأت عن أسباب قاهرة. لذلك فإن الفساد في الإسلام إنما جاء من الخارج، مع أولئك الذين اعتنقوه وجلبوا إليه «عاداتهم وأوهامهم»، فهدموا النظام الإسلامي الأصلي للحكم الذي حدد واجبات الحكام والمحكومين، واستعاضوا عنه بحكم القوة العاتية، فتفشى في المجتمع بكامله احتقار القوي للضعيف وامتهان الرجل للمرأة (٥).
إن جوهر القضية الاجتماعية هو إذن مركز المرأة. وهذا المركز لا يتحسن إلا بالتربية. ولم يقترح قاسم أمين أن تثقف المرأة تثقيفًا عاليًا كالرجل، إذ آثر الاعتدال والحذر في هذا الأمر. وإنما نادى بأن لا يقل تحصيلها عن التعليم الابتدائي، لتتمكن من إدارة منزلها كما ينبغي، وتلعب دورها في المجتمع. وهذا التعليم ينبغي أن يشتمل على القراءة والكتابة وعلى بعض مبادئ العلوم الطبيعية والخلقية
стр. 201
والتاريخ والجغرافيا وعلم الصحة والفيزيولوجيا، فضلًا عن التربية الدينية والتدريب الرياضي وتثقيف الذوق الفني أيضًا (٦).
لكن على التربية أن لا تقتصر على العناية بتدبير المنزل، بل عليها أيضًا أن تتوخى غاية أخرى، وأهم، هي إعداد المرأة لكسب الرزق، إذ في هذا تكمن الضمانة الأكيدة الوحيدة لحقوق المرأة: فما لم تكن المرأة قادرة على إعالة نفسها، تبقى تحت رحمة استبداد الرجل، بصرف النظر عن أي حقوق تمنحها إياها الشريعة، وتضطر للجوء إلى وسائل ملتوية لضمان سلطتها. فالتربية تقضي على الاستبداد وتقضي بذلك على الحجاب وخدر المرأة. وهنا أيضًا يعالج قاسم أمين موضوعه بحذر. فهو لا يريد إلغاء الخدر بحد ذاته، إذ أنه ضروري، في شكل معين، لصيانة الفضيلة، بل ينبغي بالأحرى إعادته إلى ما نصت عليه الشريعة (٧). فعلينا، إذن، قبل كل شيء، أن نتساءل عما يقوله القرآن والشريعة في هذا الصدد. وإذا ما فعلنا، فإننا لا نجد تحريمًا عامًا ومطلقًا لسفور النساء، بل نرى أن هذا الأمر قد ترك للمناسبة والعادة. ومن الواضح أنه لا يمكن للمرأة أن تمارس حقوقها وتقوم بدورها في المجتمع من وراء الحجاب. فكيف يمكنها مثلًا أن تعقد العقود وأن تلاحق القضايا الحقوقية؟ إن الحجاب لا يصون الفضيلة، وإنما قد يثير الشهوة الجنسية (٨). كذلك لم يتعرض القرآن للخدر إلا بشأن نساء محمد. وبما أن لا نص صريح في الموضوع، توجب، كما رأى محمد عبده، تقرير هذا الأمر وفقًا للخير العام. ولا شك أن للخدر مضاره الاجتماعية وشروره. فهو يمنع المرأة من أن تصبح كائنًا كاملًا، إذ أن المرأة لا تكون كاملة ما لم تتصرف بنفسها، وتتمتع بالحرية التي منحتها إياها الشريعة والطبيعة، وما لم تنم طاقاتها إلى أقصى درجة (٩). والخدر، من ناحية أخرى، يقوم على عدم ثقة الرجل بالمرأة. فالرجل لا يحترم المرأة، حين يقفل عليها الأبواب، لظنه أنها ناقصة إنسانيًا. لقد جردها من مزاياها الإنسانية وحصر وظيفتها في أمر واحد هو تمتعه بجسدها (١٠). وهذا
стр. 202
الاحتقار للمرأة أساس تعدد الزوجات أيضًا. فما من امرأة ترضى بأن تتقاسم الرجل مع امرأة أخرى. وإذا تزوج رجل امرأة ثانية، فلا يكون ذلك إلا لتجاهله رغبات الزوجة الأولى ومشاعرها (١١). نعم، يجوز تعدد الزوجات في بعض الحالات، كأن تصاب الزوجة بالجنون أو تكون عاقرًا. لكن على الرجل أن يكون شهمًا أو صبورًا، فلا يمارس حقه في مثل هذه الحالات. ولا يمكن إنكار أن القرآن أجاز تعدد الزوجات بصراحة. غير أنه، إذ أجازه، حذر من أخطاره. فالسورة القرآنية تقول: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ (١٢). وهنا يحذو قاسم أمين حذو الطهطاوي ومحمد عبده في التشديد على هذا الشرط، والتنويه بأن الرجال لن يعدلوا أبدًا. أما الطلاق فهو جائز عند الضرورة، إلا أنه غير محبذ بحد ذاته. ومن الأفضل تجنبه بقدر الإمكان واللجوء إليه فقط إذا كان لا مفر منه. وكان أمين يفكر خصوصًا «بالزواج الوهمي» الممارس باسم الشريعة الإسلامية لأسباب مالية وغيرها. ويختم أمين رأيه في هذا الموضوع بالقول: وإذا كان لا بد من الطلاق فيجب أن يكون للمرأة حق الرجل فيه (١٣).
يتبع قاسم أمين في جميع المواضيع التي يعالجها طريقة محمد عبده، فيحدد العرف الإسلامي بحذر، عوضًا عن التخلي عنه. لقد لقبه الجيل اللاحق بنصير المرأة. لكنه يكاد أن لا يستحق هذا اللقب. فهو لا يقترح مثلًا أن تمنح المرأة حقوقًا سياسية. إلا إنه، مع إقراره بأن ما من سبب مبدئي يحول دون ذلك، فهو يعتبر أن المرأة المصرية بحاجة إلى وقت طويل من التثقيف الفكري قبل أن تصبح جديرة بالاشتراك في الحياة العامة (١٤). وهو: كمحمد عبده، يخاطب الذين لا يزالون يؤمنون بالإسلام، فيستند في كل موقف يتخذه إلى القرآن والشريعة بعد تفسيرهما التفسير الصحيح أو ما يعتبره التفسير الصحيح. ومعنى ذلك أنه حيث يوجد نص صريح
стр. 203
في القرآن أو الحديث فلا مجال للأخذ والرد، بل علينا أن نتقيد به مهما كانت النتائج. أما إذا لم يكن هناك نص صريح، أو كان هناك نص قابل للتفسيرات العديدة، فعلينا أن نختار واحدًا منها على ضوء المصلحة العامة. فالقواعد والتفسيرات التقليدية ليست مقدسة في مثل هذه الحالات، بل هي عادات بشرية صرف، دخلت على الدين، ويمكنها أن تتغير من وقت إلى وقت، لا بل من بلد إسلامي إلى آخر (١٥). كذلك يجوز، شرعيًا، تحري تفسير جديد يسد الحاجة شرط أن لا يخرج على مبدأ الشريعة العام (١٦).
أثار كتاب قاسم أمين عاصفة بالرغم من تحفظه. فظهرت، بعد صدوره ببضعة أشهر، سلسلة من الكتب والنشرات، بعضها يهاجم نظريته وبعضها يؤيدها. وفي ١٩٠٠، رد قاسم أمين على نقاده بكتاب ثان موضوعه المرأة الجديدة، جاء من بعض الوجوه تكرارًا لآرائه في الكتاب الأول، إلا أن لهجته فيه تغيرت كثيرًا. فهو هنا أكثر جدلًا، كما أن أساس البحث فيه قد تحول تحولًا تامًا. فكأنما انهارت تحت صدمة الغضب واجهة البنيان الإسلامي، فظهر من ورائها بنيان فكري مختلف تمام الاختلاف عنها. لم يعد قاسم أمين هنا يستند إلى نصوص القرآن والشريعة مع تفسيرها بما يعتبره التفسير الصحيح، بل إنه أصبح يستند إلى العلوم والفكر الاجتماعي في الغرب الحديث. وما الإتيان على ذكر هربرت سبنسر أكثر من مرة في كتابه إلا تعبيرًا حيًا عن هذا التحول (١٧).
وهكذا أصبحت الآن مقاييس الحكم على الأشياء مبادئ القرن التاسع عشر الكبرى: الحرية والتقدم والمدنية. فالحرية تعني استقلال الإنسان في التفكير وفي الإرادة وفي الفعل، شرط بقائه ضمن حدود القوانين واحترامه للمبادئ الخلقية، وعدم خضوعه، خارج هذه الحدود، لإرادة سواه (١٨). إنها أساس التقدم البشري؛ لكن حرية المرأة، هي بدورها، أساس جميع الحريات الأخرى ومعيار لها. فعندما تكون المرأة حرة، يكون المواطن حرًا.
стр. 204
وما الحجج المستعملة ضد حرية المرأة سوى الحجج المستعملة ضد الحرية من أي نوع كانت، كحرية الصحافة مثلًا. إن حقوق المرأة قد تطورت مع تطور المجتمع البشري، فمرت بأربعة أدوار: حالة الطبيعة، حين كانت المرأة حرة، وعهد تشكيل العائلة، حين وقعت في الاستعباد الحقيقي؛ وعهد نشوء المدنية، حين اعترف لها الرجل بشيء من الحق، غير أن استبداده منعها من ممارسته؛ وأخيًرا، عهد المدنية الحقيقية الذي تبلغ المرأة فيه حقوقها الكاملة وتتمتع عمليًا بمركز الرجل (١٩). ويرى قاسم أمين أن البلدان الشرقية لا تزال في الدور الثالث، بينما بلغت البلدان الأوروبية الدور الرابع. وفي ذلك يقول: «فانظر إلى البلاد الشرقية، تجد أن المرأة في رق الرجل، والرجل في رق الحاكم. فهو ظالم في بيته، مظلوم إذا خرج منه. ثم انظر إلى البلاد الأوروبية، تجد أن حكوماتها مؤسسة على الحرية واحترام الحقوق الشخصية، فارتفع شأن النساء فيها إلى درجة عالية من الاعتبار وحرية الفكر والعمل» (٢٠).
قد يبدو هذا القول مجرد انتقاد لانحطاط الإسلام، بالأسلوب الذي جعله الأفغاني شعبيًا. لكنه، بالحقيقة، أكثر من ذلك. إنه، في نظر قاسم أمين، انتقاد لا لمساوئ المدنية الإسلامية، بل للفكرة القائلة بأن هذه المدنية «مثال الكمال الإنساني». فالمدنية الكاملة تقوم على العلم. وبما أن المدنية الإسلامية بلغت أوج نموها قبل نشوء العلوم الحقيقية، فلا يمكنها أن تكون هذا المثال. وهي كسائر مدنيات الماضي لها عيوبها. فهي تفتقر إلى الأصالة الخلقية. وليس من دلالة على أن مسلمي العهد الذهبي كانوا أفضل أو أسوأ من غيرهم من الناس (٢١). كذلك، فإنها تشكو من النضج السياسي. فحكامها يمارسون سلطة غير مقيدة، وعلى غرارهم يفعل موظفوها، إذ ليس هناك من دستور يكره الحاكم على احترام الشريعة. و «سيادة الشعب» التي ترمز إليها البيعة لم تكن سوى مظهر شكلي، إذ كان الخليفة صاحب السلطة الفعلية. وفي هذا يقول قاسم أمين: «ربما يقال إن هذا الخليفة
стр. 205
كان يحكم بعد أن يبايعه أفراد الأمة، وأن هذا يدل على أن سلطة الخليفة من الشعب الذي هو صاحب الأمر. ونحن لا ننكر هذا، ولكن هذه السلطة التي لا يتمتع بها الشعب إلا بضع دقائق هي سلطة لفظية. أما في الحقيقة، فالخليفة هو وحده صاحب الأمر. فهو الذي يعلن الحرب ويعقد الصلح ويقرر الضرائب ويضع الأحكام ويدير مصالح الأمة، مستبدًا برأيه، غير مؤمن بأن الواجب عليه أن يشرك أحدًا في أمره» (٢٢).
وبكلمة وجيزة، علينا أن لا نتحرى الكمال في الماضي، حتى في الماضي الإسلامي؛ وإذا كان له أن يوجد، فسيوجد فقط في المستقبل البعيد. أما الطريق المؤدية إليه فهي العلم. وأوروبا، في الوقت الحاضر، هي في ذروة التقدم في ميدان العلوم، كما أنها في طريق الكمال الاجتماعي. وهي قد سبقتنا في كل شيء. وما القول بتفوق أوروبا المادي علينا وبتفوقنا الروحي عليها إلا من نوع تعزية النفس، كما أنه غير صحيح. فالأوروبيون متقدمون خلقيًا علينا. نعم إن الطبقتين العليا والدنيا من المجتمع الأوروبي تفتقران إلى الفضائل الجنسية. لكن الطبقة الوسطى تتحلى بأخلاق عالية من جميع النواحي، كما أن جميع الطبقات حائزة على الفضائل الاجتماعية. فلدى الجميع استعداد لتضحية النفس، وهو أساس التضامن الحقيقي. وهذا يشرح قوله: «لم يهب رجل ألماني حياته ويترك زوجته وأولاده مساعدة لأمة البوير؛ ولماذا يحتقر عالم من العلماء طيب العيش ولذائذ الحياة ويرجح الاشتغال بحل مسألة أو كشف غامضة أو فهم علة؛ وكيف أن سياسيًا واسع الثروة عالي المقام يفني زمنه في تدبير الوسائل لإعلاء شأن أمته، وربما حرم نفسه راحة النوم في ذلك السبيل؛ وما هو المحرك لدى الرحالة الذي يقضي الشهور والسنين بعيدًا عن أهله وبلده ليكتشف منابع النيل مثلًا؛ وما هو الإحساس الذي يرضي القسيس بالمعيشة بين المتوحش مع ما يتكبده من أنواع العذاب وما يحيط به من أخطار؛ وما هذا الوجدان الذي
стр. 206
يسوق الغني إلى أن يبذل آلافًا من الجنيهات لجمعية من الجمعيات الخيرية أو لعمل يعود نفعه على أمته أو على الإنسانية» (٢٣).
إن أساس كل هذا إنما هو العلم. نعم، إن الأخلاق الصالحة ممكنة بدون المعرفة، لكنها لا تكون ثابتة بدونها. فحرية المرأة في أوروبا مثلًا ليست قائمة على العادة والشعور بل على مبادئ عقلية وعلمية. ومن العبث تبني علوم أوروبا بدون الاقتراب من منهل مبادئها الخلقية. فالاثنان متصلان اتصالًا لا ينفصم. ولذلك علينا أن نعد أنفسنا للتغير في كل ناحية من نواحي حياتنا (٢٤).
وهكذا نرى أن الكتاب الثاني جاء يوضح ما أبقاه الكتاب الأول غامضًا، مما يفسر العداء الشديد الذي استقبل به الكتابان معًا: وهو أن الدين لا يستطيع، بحد ذاته، خلق دولة ومجتمع ومدنية. إذ أن نمو المدنية يتوقف على عوامل عدة، ليس الدين سوى واحد منها. وإذا كان للمدنية أن تتقدم، فيجب أن يكون لها قوانين تأخذ بعين الاعتبار جميع تلك العوامل. وبذلك قطع قاسم أمين الصلة التي أقامها محمد عبده بين الإسلام والمدنية. ومع احترامه للإسلام احترامًا كليًا، فقد أعطى المدنية الحق في أن تبني قواعدها الخاصة بها وتعمل على ضوئها. وهذا يعني أن المدنية إنما تحاكم على أساس هذه القواعد. وإذا كان الإسلام هو الدين الحقيقي، فهذا لا يعني ضرورة أن المدنية الإسلامية هي المدنية الفضلى.
لم يتفرد قاسم أمين في دفع فكر محمد عبده في هذا الاتجاه، بل كان هناك فئة ممن احتفظوا بالولاء الفكري لمعلمهم، غير أنهم أخذوا يعدون العدة لمجتمع علماني يبقى الإسلام فيه محترمًا، لكنه لا يكون الموجه للقانون والسياسة. وقد عرفوا، في السنوات الأولى من القرن العشرين، بـ «حزب الإمام»، القائم على مبادئ سياسية مستمدة من تعاليم الإمام محمد عبده. ففي ١٩٠٧، ولأسباب سنشرحها فيما بعد، أخذت فئات من كبار المصريين تنتظم رسميًا في أحزاب. ومع أن محمد عبده لم يكن حيًا في ذلك الحين، فقد أنشأ أتباعه حزبًا
стр. 207
قائمًا على مبادئه. وأطلقوا عليه اسم «حزب الأمة»، وباشروا، في الوقت نفسه تقريبًا، بإصدار صحيفة «الجريدة» التي استمرت عن الصدور حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، حين أصبح التعبير الحر عن الرأي أمرًا صعبًا. وكان ما يكتب فيها موجهًا إلى المثقفين. ولم يكن لها تأثير كبير في عامة الشعب، غير أنها تركت أثرًا عميقًا في نفوس الذين كانت موجهة إليهم.
إن القضية التي جابهت هذا الحزب كانت أيضًا قضية العلاقة بين الإسلام والمجتمع؛ لكن التعبير عنها جاء مختلفًا. فالذين أسسوا الحزب وكتبوا في «الجريدة» كانوا مصريين، يحسون بالولاء لمجتمع لم يكن من الممكن لهم أن يعتبروه جزءًا من الأمة الإسلامية وحسب. فقد أصبحت فكرة القومية المصرية على أيامهم مألوفة ومقبولة لدى الجميع. لكنها كانت فكرة بعيدة جدًا عن مفاهيم الفكر السياسي الإسلامي، وذلك لا لأن مسيحيين ويهودًا كانوا يقطنون مصر بالإضافة إلى المسلمين، بل لأن أساس الجماعة المصرية ذاته قد تغير في نظرهم. فما يجمع بين المصريين ليست الشريعة المنزلة، وإنما الصلة الطبيعية الناجمة عن العيش في الوطن الواحد. لقد كان المصريون مصريين قبل ظهور الإسلام وشريعته؛ وليس العهد الإسلامي إلا جزءًا من تاريخ متصل منذ عهد الفراعنة. لذلك كان المسلم المصري على ولائيين مستقلين، لا يمكن للواحد أن يذوب في الثاني: الولاء لمصر والولاء للإسلام. ومن هنا السؤال: ما هي وما يجب أن تكون عليه العلاقة بينهما؟ وقد تضمنت مقالات رئيس تحرير «الجريدة»، أحمد لطفي السيد (١٨٧٢ - ١٩٦٣)، طائفة كبرى من الآراء حول هذا الموضوع (٢٥).
ولد لطفي السيد في قرية من قرى مصر السفلى من عائلة من الفلاحين تتمتع بزعامة محلية تقليدية كعائلة محمد عبده. لكن عائلة لطفي السيد كانت أحسن حالًا، إذ شغل أبوه وجده مركز العمدة في القرية. وحاز أبوه على لقب باشا؛ وعلى غرار محمد عبده أيضًا، كانت
стр. 208
تربيته الأولى تربية قرآنية. لكنه عندما بلغ الثالثة عشرة من عمره. أرسل إلى مدرسة ثانوية في القاهرة. وفي ١٨٨٩ دخل كلية الحقوق. وكانت معاهد الحقوق في البلدان العربية بمثابة مراكز للفكر والعمل السياسيين. فكان بين رفاق لطفي السيد نفر ممن سيبرزون فيما بعد في الحياة المصرية، أمثال مصطفى كامل، زعيم الحزب الوطني، وثروت باشا وصدقي باشا اللذين شغلا مركز رئاسة الوزارة. وفي هذه الحقبة، التقى لطفي السيد بمحمد عبده وأصبح صديقه وتلميذه. كذلك تعرف إلى الأفغاني في أثناء زيارة قام بها إلى إسطنبول، فأعجب به كثيرًا، مع أنه لم يكن من الممكن أن يقوم تجاوب عميق بين ذهنيته العقلية الطليقة وبين حماس الأفغاني الملتزم والملتهب معًا. وبعد إنجاز دراسته، صرف عددًا من السنين في خدمة الحكومة. ومع أنه لم يستمتع كثيرًا بهذه الخدمة، فقد كان مدينًا لتلك السنوات بمعرفته الحميمة بكل نواحي الحياة المصرية. وفي هذه السنوات أيضًا، أرسى أسس معرفته بالفكر الأوروبي. وقد تجلى في كتاباته تأثير قراءاته الواسعة التي كان بعضها لا يثير الدهشة إذ ذاك، كقراءة روسو وكونت ومل وسبنسر المألوفة لدى المصريين المثقفين في زمنه. لكنه قرأ «أخلاق أرسطو» أيضًا، وحركت مشاعره بعمق كتابات تولستوي التبشيرية الأخيرة.
وبعد أن اعتزل خدمة الحكومة، دخل الحياة العامة كعضو مؤسس لحزب الأمة ورئيس لتحرير «الجريدة». وجاء كل ما كتبه تقريبًا في شكل مقالات «للجريدة» استطاع بها، إلى حد ما، تكوين وعي الأمة المصرية الخلقي. غير أن صفة في طبعة جعلته يكره الحياة العامة فيتعرقل نجاحه فيها، هي رجاحة عقله واستقامة تفكيره. ففي ١٩١٥، عندما توقفت «الجريدة» عن الصدور، عين مديرًا للمكتبة الوطنية. وعندما تأسس الوفد، جذبته الحياة العامة إليها مجددًا، إلا أنه سرعان ما اشمأز من السياسة، إذ شاهد الوحدة الوطنية تتصدع بفعل المطامع الشخصية. وطيلة العشرين سنة اللاحقة،
стр. 209
عمل في الجامعة المصرية التي ساعد في تأسيسها خلال سنوات القرن الأولى. وكانت تدعى يومذاك «الجامعة الشعبية». وعندما وسعت وأعيد تنظيمها في ١٩٢٠، أصبح أستاذًا للفلسفة فيها ثم عميدًا لها. ولما بلغ السبعين من العمر، تقاعد وعاش عيشة هادئة، لكنها لم تكن منسية أو دون تأثير في أصدقائه وتلاميذه.
ترجم في أعوامه الأخيرة كتاب «الأخلاق إلى نيقوموخس» لأرسطو. ولم يضع كتبًا بقلمة مترابطة أو نظامية، بل جمعت مقالاته الدورية المنشورة في عدد من المجلات. لذلك يصعب الحكم على آراء مفكر، بناءً على كتابات قصيرة نشرها حسب الظروف ولم يكن مضطرًا فيها إلى الدفع بآرائه حتى نتائجها المنطقية. لكن الانطباع القوي الذي تتركه فينا قراءة تلك المقالات هو الاندهاش من الدور الصغير الذي لعبه الإسلام في تفكير رجل تتلمذ على محمد عبده. لا شك أنه كان يشعر بأنه هو ومعظم مواطنيه مسلمون بالوراثة وأنهم جزء من الأمة. لكن الإسلام لم يكن المبدأ المسيطر على تفكيره. فهو يهتم، كالأفغاني، بالدفاع عنه؛ لكنه لا يهتم، كمحمد عبده، بإعادة الشريعة الإسلامية إلى مركزها كأساس خلقي للمجتمع. فالدين -سواء كان الإسلام أو غيره- لا يعنيه إلا كأحد العوامل المكونة للمجتمع. نعم، كان يرى أن ليس باستطاعة بلد له تقاليد دينية عريقة. كمصر، أن يقيم حياة الفرد وبناء الفضائل الاجتماعية إلا على أساس الإيمان الديني، وأن الإسلام، كدين لمصر، لا يمكن إلا أن يكون هذا الأساس. لكنه رأى أن أديانًا أخرى قد تصلح لبلدان أخرى. وبتعبير آخر، كان لطفي السيد مقتنعًا بأن المجتمع الديني خير من المجتمع اللاديني (على الأقل في مرحلة معينة من التطور)؛ لكنه لم يكن مقتنعًا كأساتذته بأن المجتمع الإسلامي أفضل من المجتمع اللاإسلامي. وفي هذا يقول: «لست ممن يتشبثون بوجوب تعليم دين بعينه أو قاعدة أخلاقية معينة. ولكني أقول بأن التعليم العام يجب أن يكون له مبدأ من المبادئ يتمشى عليه المتعلم
стр. 210
من صغره إلى كبره. وهذا المبدأ هو مبدأ الخير والشر وما يتفرع عنه من الفروع الأخلاقية. لا شك في أن نظريات الخير والشر كثيرة التباين. ولكن الواجب على كل أمة أن تعلم بنيها نظريتها هي في هذا الشأن .. فعندنا (في مصر) إن مبدأ الخير والشر راجع إلى أصل الاعتقاد بأصول الدين، فعليه يجب أن يكون الدين من هذه الوجهة الأخلاقية هو قاعدة التعليم العام» (٢٦).
وهكذا نرى أنه تخلى عن أول مبدأ من مبادئ محمد عبده واستعاض عنه بمبادئ جديدة، كما أخذ يطرح أسئلة جديدة لا تدور حول الشروط التي تؤدي إلى ازدهار المجتمع الإسلامي وانحلاله، بقدر ما تدور حول الشروط التي تؤدي إلى ازدهار أي مجتمع أو انحلاله. كذلك لم تكن المفاهيم التي أجاب بها على هذه الأسئلة مفاهيم الفكر الإسلامي، بل مفاهيم الفكر الأوروبي حول التقدم والمجتمع الأفضل.
ويبدو أن لطفي السيد ورفاقه تأثروا بنمطين من التفكير الأوروبي: الأول هو التفكير الذي عبر عنه، بطرق مختلفة، كل من كونت، ورينان ومل، وسبنسر، ودوركهايم، الذين ذهبوا إلى أن المجتمع البشري متجه، بحكم سنة التقدم الذي لا يعكس ولا يقاوم، نحو طور مثالي يتميز بسيطرة العقل، واتساع أفق الحرية الفردية، وازدياد التخصص والتشابك، وحلول العلاقات القائمة على التعاقد الحر والمصلحة الفردية محل العلاقات القائمة على العادات والأوضاع الراهنة. والثاني هو تفكير غوستاف لوبون الذي جذب إليه المفكرين العرب، عرضًا، لثنائه الجم على العرب لإسهامهم في المدنية. ومن غوستاف لوبون تعلم هؤلاء المفكرون العرب «فكرة الطبع القومي» القائلة بأن لكل شعب بنية ذهنية ثابتة ثبوت بنيته الجسدية، تتكون بالتراكم التاريخي البطيء ولا تتغير إلا ببطء وإلى حد ما، وبأن في هذه البنية الذهنية عنصرين أساسيين: الأول عنصر العقل، والثاني عنصر «الطبع»،
стр. 211
أي مجموع المواهب الناجمة عن الإرادة والمثابرة والنشاط وقوة التسلط؛ وبأن الإيمان الديني هو أهم العوامل المؤثرة في الطبع القومي: «فعندما يولد دين تولد مدنية»؛ وبأن الدين نفسه يتكيف، بعد خمود الحماس الأول، وفقًا للطبع القومي (٢٧).
كانت أهم فكرة بين مجموعة الفكر التي استقاها لطفي السيد من معلمية الغربيين فكرة الحرية، التي أصبحت بالحقيقة محور كل تفكيره: فهي، في نظره، ليست مقياس العمل السياسي فقط، بل أيضًا ضرورة من ضرورات الحياة، و «الغذاء الضروري لحياتنا» (٢٨)، وحالة الإنسان الطبيعية وحقه الأصيل الثابت. كان مفهوم لطفي السيد للحرية، كما يعترف هو نفسه باعتزاز، مفهوم ليبرالي القرن التاسع عشر (٢٩). فهي تعني جوهريًا غياب رقابة الدولة غير الضرورية. فللدولة وظائف محدودة هي الحفاظ على الأمن والعدل والدفاع عن المجتمع ضد العدوان. ويحق للدولة، للقيام بهذه الوظائف، التدخل في حقوق الفرد. أما في ما عدا ذلك، فأي تدخل منها جائر؛ مع العلم أن بعض أنواع التدخل أشد خطرًا من سواه، وخصوصًا العبث بحرية القضاء، أو بحرية الكتابة والقول والنشر، أو بحرية تأليف الأحزاب. إلى هنا تبدو عقيدة لطفي السيد عقيدة القرن التاسع عشر الكلاسيكية. لكنها انطوت أيضًا على شيء آخر، قد يكون لطفي السيد قد استقاه من دراسته لأرسطو. ففي صميم الصورة التي كونها لنفسه عن المجتمع، ينتصب تصوره لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان الحر حقيقة ولما هي الحياة الفاضلة: فالإنسان الحر هو الذي، عفويًا ومن تلقاء نفسه وبدون عوائق خارجية، يقوم بوظيفته في المجتمع، فيحقق بذلك طاقاته الإنسانية. والناس كلهم، بهذا المعنى، خيرون بالقوة، وسيأتي يوم في المستقبل يحقق فيه معظم الناس هذا الخير الكامن فيهم (٣٠).
هكذا ينبغي للناس أن يكونوا، وهو ما ليست عليه حال المصريين. ولا تختلف آراء لطفي السيد العامة عن آراء جيله، لكنها
стр. 212
تكتسب لديه معنى خاصًا، بالنظر إلى حسه الحاد بعلاقتها بمصر. فعندما يكتب مثلًا عن حرية القضاء، يصرح بأنها غير موجودة في مصر، لأن الحكومة مطلقة التصرف تتحكم بالمحاكم كما تتحكم بكل شيء آخر، ولأن القضاة المصريين لا يشعرون بمعنى الرسالة بل يستخدمون منصب القضاء كمنطلق لوظيفة رسمية تؤدي منطقيًا إلى كرسي الوزارة. وهكذا أيضًا عندما يكتب عن الحرية الفكرية تكون مصر ماثلة أمام ذهنه. كانت مصر تتمتع في أواخر القرن التاسع عشر بحرية واسعة في القول والنثر بفضل «الامتيازات» التي منحت معظم الصحف تسهيلات خاصة وأمنت لها الحماية الأجنبية، وكذلك بفضل تأثير اللورد كرومر. لكن الحال تغيرت بعد ١٩٠٧، حين لم يشاطر خلفاء كرومر اعتقاده أن الصحافة الحرة هي صمام الأمان للشعور الشعبي، إذ كان عليهم ومعالجة نوع مختلف من الشعور. فالشعور الوطني كان آخذًا بالاستيقاظ من جديد وبالتعبير عن نفسه بواسطة الأحزاب السياسية المنظمة. وفي ١٩٠٥، بعث من جديد قانون المطبوعات لعام ١٨٨١ الذي كان قد عفي عليه الزمن، فأجاز للحكومة، وإن بشروط معينة، إلغاء الصحف. وقد قاوم لطفي السيد هذا القانون باستمرار، مستخدمًا حجج ستوارت مل الكلاسيكية، لكن بنبرة جديدة من الإلحاح (٣١).
لم يكن المجتمع المصري على ما ينبغي أن يكون. لكن الأهم من ذلك، في نظر لطفي السيد، أن الفرد المصري لم يكن كذلك أيضًا. وإننا نجد هنا وهناك في مؤلفات لطفي السيد تحليلًا دقيقًا ومفصلًا وساخرًا أحيانًا لما كانوا عليه المصريون. فالمصريون مراؤون في مديحهم وممالقتهم للأقوياء، لأنهم لا يعتبرون أنفسهم كائنات بشرية مستقلة. وهم متساهلون ويرددون «ما عليش» ولكل ما يحدث، وفي هذا نوع من الفضيلة، لكنه نوع متأصل في النفوس الضعيفة. إنهم خانعون، يقبلون بالإهانات والتحقير كي لا يخسروا وظيفة أو لا يصدر عنهم احتجاج (٣٢). وهم لا يثقون بعضهم ببعض،
стр. 213
ويتحدثون، بالسوء عن الآخرين. ناسبين إليهم بواعث دنيئة (٣٣). ثم إن المصريين يعبدون القوة. وعلى ذلك يستشهد بأهازيج الفرح التي رحب بها الناس في شوارع القاهرة بونابرت عند عودته من سوريا (٣٤). وبكلمة، إن المصريين يفتقرون إلى الاستقلال الشخصي والحرية الحقيقية؛ ولذلك فهم ليسوا بشرًا بمعنى هذه الكلمة الأكمل. وإذا تفحصنا كل هذه العيوب وأمثالها وجدنا أنها تنبع كلها من مصدر واحد هو موقف المصريين الخاطئ من السلطة. فهم يتطلبون من الحكومة أن تقوم عنهم بكل ما ينبغي أن يقوموا به هم. لذلك اتكلوا عليها وتنازلوا عن حقوقهم وواجباتهم. لكنهم مع هذا لا يثقون بها ولا يحبونها، بل يخشونها ويشكون بها ويحاولون الهرب من رقابتها. كأنها غريبة عنهم ومعادية لهم. ومن هنا عطفهم على الذين يقعون في قبضة العدالة مهما كان ذنبهم. وفي ذلك يقول: «لا يعجب أحدكم أن يرى أكثر الناس في القرى يجتهدون في أن يحولوا بين متهم في جريمة وبين إثبات التهمة عليه. وليس كل السبب لهذا القيام بما تمليه العصبية القروية تفضيل الظلم على العدل، بل هو اعتبار أن الحكومة وأعوانها لا يسعون لمصلحة الأمة. فيقف الناس خفية في طريق أحكامها ولو تبين لهم أن ما فيه العدل» (٣٥).
ثم يتساءل لطفي السيد عن الدافع إلى اتخاذ هذا الموقف الخاطئ من الحكومة، فيجده في أن المصريين أصيبوا دومًا بالنوع الفاسد من الحكومات. فكانت دومًا مستبدة، مما خلق فيهم رذائل الخنوع. وهم سهلون ومتساهلون، لأنهم عاجزون، وأذلاء ومراؤون، لأن الحاكم المطلق لا يقبل بأقل من الخضوع التام (٣٦).
إن الاستبداد المستمر طويلًا يهدم الكائن البشري الفرد كما يهدم المجتمع. إنه يحول دون نمو الطبيعة الخلقية على أتمها. وبكلمة، إنه يجعل من الإنسان أقل من إنسان. لذلك كانت الحرية السياسية شرطً ضروريًا لأي نوع من الحريات. فالاستبداد يخلق علاقة
стр. 214
خاطئة بين الحاكم والمحكوم هي علاقة الأمر والطاعة، علاقة «السيد والعبد» (٣٧)، كما أنه يفصم عرى التضامن في الأمة بإزالة الثقة، ويعطل نشاط الآلة الإدارية. وهو مخالف للطبيعة البشرية ومخالف للعلم، إذ أنه قائم على اعتقاد وهمي بأن بعض الناس، أي الأقوياء والحكام، ليسوا من طينة البشر. بينما الحكومة الحقيقية هي التي تصدر عن الاتفاق الحر وفقًا لروح العدل الفطري. إن هذا الاتفاق هو ما يجعل القانون بعد صدوره ملزمًا للحكومة وللأفراد معًا. لذلك كان الحكم المقيد القائم على القانون هو النوع «الطبيعي» للحكم، وكان لكل جماعة الحق فيه. وهنا يخالف لطفي السيد معلمه محمد عبده، أو لعله يطبق مبدأه بشكل جديد في جيل كان أكثر ثقة بنفسه من جيل معلمه، فيقول بأن حق الجماعة في أن تحكم نفسها لا علاقة له بمستوى مدنيتها. فالاستبداد ضروري فقط للجماعات التي ليست على مدنية أصلًا. ولا معنى للسؤال هل الأمة معدة لحكم ذاتها. فالحرية وحدها تخلق روح الحرية، وليس باستطاعة الحكم المطلق أن يربي الناس على حكم أنفسهم بأنفسهم (٣٨).
قلنا إن من المسلمات عند لطفي السيد أن الحكم يجب أن يقوم على الاتفاق الحر. لكنه رأي أيضًا أن بعض أنواع التجمع البشري قديمة وثابتة بحيث يمكن اعتبارها طبيعية كالفرد ولها ما له من حقوق، وأن الأمة أحد هذه الأنواع الطبيعية من التجمع البشري، وهي تخضع لقوانين طبيعية ولقانون الحرية العظيم قبل أي شيء آخر (٣٩). ولما كان من الواجب أن يكون الفرد حرًا، كان من الواجب أيضًا أن تكون الأمة مستقلة. وكان لطفي، كغيره من المفكرين المصريين، لا يحدد الأمة على أساس اللغة أو الدين، بل على أساس الأرض. وهو لم يفكر بأمة إسلامية أو عربية، بل بأمة مصرية، أمة القاطنين أرض مصر. إذ وعى، كالطهطاوي، استمرار التاريخ المصري. فلمصر في نظره ماضيان: الماضي الفرعوني والماضي العربي. ومن المهم أن يدرس المصريون الماضي الفرعوني،
стр. 215
لا للاعتزاز به فحسب، بل لأنه أيضًا يلقنهم «قوانين النمو والتقدم» (٤٠). وهنا نجد صدى لفكرة الطهطاوي القائلة بأن مصر القديمة كانت حائزة، كمصر الحديثة، على «سر» التقدم الدنيوي. لكن المبتكر في كتابات لطفي السيد هو شعوره الطبيعي المرهف بمصر وبريفها. فهو يرى الجمال في حياة القرية على فقرها وبؤسها، كما يتذكر مناظر حقول القطن وجلبتها، ويرسم بألوان بهيجة فضائل الفلاح الطيب وسعادته، ويحث الجيل الجديد على التجاوب مع جمال الطبيعة وعلى إضافة تثقيف المشاعر إلى تثقيف العقل (٤١). ولعل لطفي السيد يعكس هنا تأثير تولستوي. فقد اعترف هو نفسه بأنه عندما قرأ تولستوي للمرة الأولى، أحدث فيه تأثيرًا عميقًا إلى حد حمله على التفكير، ولو لفترة، بترك عمله والعودة إلى القرية.
كان شعور لطفي السيد بوجود مصر شديدًا، بحيث أهمل الإصرار على عناصر الوحدة الأخرى التي تكون الأمة في نظر الفلسفات القومية الأخرى. فمعظم القاطنين في مصر يشتركون في الأصل واللغة والدين. لكن لطفي السيد لم يحاول أن يجزم بأنهم وحدهم المصريون الحقيقيون. إذ أن الصلة التي تربط بين جميع القاطنين في مصر، الراغبين في ربط مصيرهم بمصيرها، قوية لدرجة أنها تتغلب بسهولة على اختلاف الدين أو اللغة أو الأصل. فما يجعل من المصري مصريًا إنما هو إرادته في اتخاذ مصر وطنه الأول والوحيد (٤٢).
إن ما يتضمنه هذا القول من انتقاد إنما كان موجهًا إلى الكثيرين من سكان مصر الذين كانوا على ولاء مزدوج، لا سيما الشاميين والأوروبيين من الطبقة الوسطى، المتمسكين بجنسيتهم الأصلية أو بالحماية الأجنبية للاستفادة من «الامتيازات». فقد كانت مصلحتهم، في نظر لطفي السيد، ومصلحة سواهم من المصريين واحدة، وكذلك كانت رغبتهم في الحؤول دون انتقال السلطة بكاملها إلى يد البريطانيين، ناهيك بالفائدة المتبادلة بينهم وبين
следующие страницы →