Полный текст (470 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أي مجموع المواهب الناجمة عن الإرادة والمثابرة والنشاط وقوة التسلط؛ وبأن الإيمان الديني هو أهم العوامل المؤثرة في الطبع القومي: «فعندما يولد دين تولد مدنية»؛ وبأن الدين نفسه يتكيف، بعد خمود الحماس الأول، وفقًا للطبع القومي (٢٧).
كانت أهم فكرة بين مجموعة الفكر التي استقاها لطفي السيد من معلمية الغربيين فكرة الحرية، التي أصبحت بالحقيقة محور كل تفكيره: فهي، في نظره، ليست مقياس العمل السياسي فقط، بل أيضًا ضرورة من ضرورات الحياة، و «الغذاء الضروري لحياتنا» (٢٨)، وحالة الإنسان الطبيعية وحقه الأصيل الثابت. كان مفهوم لطفي السيد للحرية، كما يعترف هو نفسه باعتزاز، مفهوم ليبرالي القرن التاسع عشر (٢٩). فهي تعني جوهريًا غياب رقابة الدولة غير الضرورية. فللدولة وظائف محدودة هي الحفاظ على الأمن والعدل والدفاع عن المجتمع ضد العدوان. ويحق للدولة، للقيام بهذه الوظائف، التدخل في حقوق الفرد. أما في ما عدا ذلك، فأي تدخل منها جائر؛ مع العلم أن بعض أنواع التدخل أشد خطرًا من سواه، وخصوصًا العبث بحرية القضاء، أو بحرية الكتابة والقول والنشر، أو بحرية تأليف الأحزاب. إلى هنا تبدو عقيدة لطفي السيد عقيدة القرن التاسع عشر الكلاسيكية. لكنها انطوت أيضًا على شيء آخر، قد يكون لطفي السيد قد استقاه من دراسته لأرسطو. ففي صميم الصورة التي كونها لنفسه عن المجتمع، ينتصب تصوره لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان الحر حقيقة ولما هي الحياة الفاضلة: فالإنسان الحر هو الذي، عفويًا ومن تلقاء نفسه وبدون عوائق خارجية، يقوم بوظيفته في المجتمع، فيحقق بذلك طاقاته الإنسانية. والناس كلهم، بهذا المعنى، خيرون بالقوة، وسيأتي يوم في المستقبل يحقق فيه معظم الناس هذا الخير الكامن فيهم (٣٠).
هكذا ينبغي للناس أن يكونوا، وهو ما ليست عليه حال المصريين. ولا تختلف آراء لطفي السيد العامة عن آراء جيله، لكنها
стр. 212
تكتسب لديه معنى خاصًا، بالنظر إلى حسه الحاد بعلاقتها بمصر. فعندما يكتب مثلًا عن حرية القضاء، يصرح بأنها غير موجودة في مصر، لأن الحكومة مطلقة التصرف تتحكم بالمحاكم كما تتحكم بكل شيء آخر، ولأن القضاة المصريين لا يشعرون بمعنى الرسالة بل يستخدمون منصب القضاء كمنطلق لوظيفة رسمية تؤدي منطقيًا إلى كرسي الوزارة. وهكذا أيضًا عندما يكتب عن الحرية الفكرية تكون مصر ماثلة أمام ذهنه. كانت مصر تتمتع في أواخر القرن التاسع عشر بحرية واسعة في القول والنثر بفضل «الامتيازات» التي منحت معظم الصحف تسهيلات خاصة وأمنت لها الحماية الأجنبية، وكذلك بفضل تأثير اللورد كرومر. لكن الحال تغيرت بعد ١٩٠٧، حين لم يشاطر خلفاء كرومر اعتقاده أن الصحافة الحرة هي صمام الأمان للشعور الشعبي، إذ كان عليهم ومعالجة نوع مختلف من الشعور. فالشعور الوطني كان آخذًا بالاستيقاظ من جديد وبالتعبير عن نفسه بواسطة الأحزاب السياسية المنظمة. وفي ١٩٠٥، بعث من جديد قانون المطبوعات لعام ١٨٨١ الذي كان قد عفي عليه الزمن، فأجاز للحكومة، وإن بشروط معينة، إلغاء الصحف. وقد قاوم لطفي السيد هذا القانون باستمرار، مستخدمًا حجج ستوارت مل الكلاسيكية، لكن بنبرة جديدة من الإلحاح (٣١).
لم يكن المجتمع المصري على ما ينبغي أن يكون. لكن الأهم من ذلك، في نظر لطفي السيد، أن الفرد المصري لم يكن كذلك أيضًا. وإننا نجد هنا وهناك في مؤلفات لطفي السيد تحليلًا دقيقًا ومفصلًا وساخرًا أحيانًا لما كانوا عليه المصريون. فالمصريون مراؤون في مديحهم وممالقتهم للأقوياء، لأنهم لا يعتبرون أنفسهم كائنات بشرية مستقلة. وهم متساهلون ويرددون «ما عليش» ولكل ما يحدث، وفي هذا نوع من الفضيلة، لكنه نوع متأصل في النفوس الضعيفة. إنهم خانعون، يقبلون بالإهانات والتحقير كي لا يخسروا وظيفة أو لا يصدر عنهم احتجاج (٣٢). وهم لا يثقون بعضهم ببعض،
стр. 213
ويتحدثون، بالسوء عن الآخرين. ناسبين إليهم بواعث دنيئة (٣٣). ثم إن المصريين يعبدون القوة. وعلى ذلك يستشهد بأهازيج الفرح التي رحب بها الناس في شوارع القاهرة بونابرت عند عودته من سوريا (٣٤). وبكلمة، إن المصريين يفتقرون إلى الاستقلال الشخصي والحرية الحقيقية؛ ولذلك فهم ليسوا بشرًا بمعنى هذه الكلمة الأكمل. وإذا تفحصنا كل هذه العيوب وأمثالها وجدنا أنها تنبع كلها من مصدر واحد هو موقف المصريين الخاطئ من السلطة. فهم يتطلبون من الحكومة أن تقوم عنهم بكل ما ينبغي أن يقوموا به هم. لذلك اتكلوا عليها وتنازلوا عن حقوقهم وواجباتهم. لكنهم مع هذا لا يثقون بها ولا يحبونها، بل يخشونها ويشكون بها ويحاولون الهرب من رقابتها. كأنها غريبة عنهم ومعادية لهم. ومن هنا عطفهم على الذين يقعون في قبضة العدالة مهما كان ذنبهم. وفي ذلك يقول: «لا يعجب أحدكم أن يرى أكثر الناس في القرى يجتهدون في أن يحولوا بين متهم في جريمة وبين إثبات التهمة عليه. وليس كل السبب لهذا القيام بما تمليه العصبية القروية تفضيل الظلم على العدل، بل هو اعتبار أن الحكومة وأعوانها لا يسعون لمصلحة الأمة. فيقف الناس خفية في طريق أحكامها ولو تبين لهم أن ما فيه العدل» (٣٥).
ثم يتساءل لطفي السيد عن الدافع إلى اتخاذ هذا الموقف الخاطئ من الحكومة، فيجده في أن المصريين أصيبوا دومًا بالنوع الفاسد من الحكومات. فكانت دومًا مستبدة، مما خلق فيهم رذائل الخنوع. وهم سهلون ومتساهلون، لأنهم عاجزون، وأذلاء ومراؤون، لأن الحاكم المطلق لا يقبل بأقل من الخضوع التام (٣٦).
إن الاستبداد المستمر طويلًا يهدم الكائن البشري الفرد كما يهدم المجتمع. إنه يحول دون نمو الطبيعة الخلقية على أتمها. وبكلمة، إنه يجعل من الإنسان أقل من إنسان. لذلك كانت الحرية السياسية شرطً ضروريًا لأي نوع من الحريات. فالاستبداد يخلق علاقة
стр. 214
خاطئة بين الحاكم والمحكوم هي علاقة الأمر والطاعة، علاقة «السيد والعبد» (٣٧)، كما أنه يفصم عرى التضامن في الأمة بإزالة الثقة، ويعطل نشاط الآلة الإدارية. وهو مخالف للطبيعة البشرية ومخالف للعلم، إذ أنه قائم على اعتقاد وهمي بأن بعض الناس، أي الأقوياء والحكام، ليسوا من طينة البشر. بينما الحكومة الحقيقية هي التي تصدر عن الاتفاق الحر وفقًا لروح العدل الفطري. إن هذا الاتفاق هو ما يجعل القانون بعد صدوره ملزمًا للحكومة وللأفراد معًا. لذلك كان الحكم المقيد القائم على القانون هو النوع «الطبيعي» للحكم، وكان لكل جماعة الحق فيه. وهنا يخالف لطفي السيد معلمه محمد عبده، أو لعله يطبق مبدأه بشكل جديد في جيل كان أكثر ثقة بنفسه من جيل معلمه، فيقول بأن حق الجماعة في أن تحكم نفسها لا علاقة له بمستوى مدنيتها. فالاستبداد ضروري فقط للجماعات التي ليست على مدنية أصلًا. ولا معنى للسؤال هل الأمة معدة لحكم ذاتها. فالحرية وحدها تخلق روح الحرية، وليس باستطاعة الحكم المطلق أن يربي الناس على حكم أنفسهم بأنفسهم (٣٨).
قلنا إن من المسلمات عند لطفي السيد أن الحكم يجب أن يقوم على الاتفاق الحر. لكنه رأي أيضًا أن بعض أنواع التجمع البشري قديمة وثابتة بحيث يمكن اعتبارها طبيعية كالفرد ولها ما له من حقوق، وأن الأمة أحد هذه الأنواع الطبيعية من التجمع البشري، وهي تخضع لقوانين طبيعية ولقانون الحرية العظيم قبل أي شيء آخر (٣٩). ولما كان من الواجب أن يكون الفرد حرًا، كان من الواجب أيضًا أن تكون الأمة مستقلة. وكان لطفي، كغيره من المفكرين المصريين، لا يحدد الأمة على أساس اللغة أو الدين، بل على أساس الأرض. وهو لم يفكر بأمة إسلامية أو عربية، بل بأمة مصرية، أمة القاطنين أرض مصر. إذ وعى، كالطهطاوي، استمرار التاريخ المصري. فلمصر في نظره ماضيان: الماضي الفرعوني والماضي العربي. ومن المهم أن يدرس المصريون الماضي الفرعوني،
стр. 215
لا للاعتزاز به فحسب، بل لأنه أيضًا يلقنهم «قوانين النمو والتقدم» (٤٠). وهنا نجد صدى لفكرة الطهطاوي القائلة بأن مصر القديمة كانت حائزة، كمصر الحديثة، على «سر» التقدم الدنيوي. لكن المبتكر في كتابات لطفي السيد هو شعوره الطبيعي المرهف بمصر وبريفها. فهو يرى الجمال في حياة القرية على فقرها وبؤسها، كما يتذكر مناظر حقول القطن وجلبتها، ويرسم بألوان بهيجة فضائل الفلاح الطيب وسعادته، ويحث الجيل الجديد على التجاوب مع جمال الطبيعة وعلى إضافة تثقيف المشاعر إلى تثقيف العقل (٤١). ولعل لطفي السيد يعكس هنا تأثير تولستوي. فقد اعترف هو نفسه بأنه عندما قرأ تولستوي للمرة الأولى، أحدث فيه تأثيرًا عميقًا إلى حد حمله على التفكير، ولو لفترة، بترك عمله والعودة إلى القرية.
كان شعور لطفي السيد بوجود مصر شديدًا، بحيث أهمل الإصرار على عناصر الوحدة الأخرى التي تكون الأمة في نظر الفلسفات القومية الأخرى. فمعظم القاطنين في مصر يشتركون في الأصل واللغة والدين. لكن لطفي السيد لم يحاول أن يجزم بأنهم وحدهم المصريون الحقيقيون. إذ أن الصلة التي تربط بين جميع القاطنين في مصر، الراغبين في ربط مصيرهم بمصيرها، قوية لدرجة أنها تتغلب بسهولة على اختلاف الدين أو اللغة أو الأصل. فما يجعل من المصري مصريًا إنما هو إرادته في اتخاذ مصر وطنه الأول والوحيد (٤٢).
إن ما يتضمنه هذا القول من انتقاد إنما كان موجهًا إلى الكثيرين من سكان مصر الذين كانوا على ولاء مزدوج، لا سيما الشاميين والأوروبيين من الطبقة الوسطى، المتمسكين بجنسيتهم الأصلية أو بالحماية الأجنبية للاستفادة من «الامتيازات». فقد كانت مصلحتهم، في نظر لطفي السيد، ومصلحة سواهم من المصريين واحدة، وكذلك كانت رغبتهم في الحؤول دون انتقال السلطة بكاملها إلى يد البريطانيين، ناهيك بالفائدة المتبادلة بينهم وبين
стр. 216
إخوانهم المصريين في ما يبذلونه من نشاط اقتصادي. وقد خاطب السوريين، بنوع خاص، فذكرهم بأنهم يشتركون مع المصريين في اللغة، وبأنهم عاشوا معهم أجيال عدة، وبأنهم، ما داموا يشعرون بانتمائهم إلى مصر، فليكونوا إذن مصريين بعاطفتهم (٤٣). لكنه لم ينس المصريين أنفسهم، ممن أقاموا ولاءهم القومي على اعتبارات غير مصرية صرف، فاعتبروا أنفسهم، بالدرجة الأولى، عثمانيين أو عربًا أو أتراكًا أو مسلمين. فقد ذهب إلى أن القومية الإسلامية ليست قومية حقيقية، وأن الفكرة القائلة بأن أرض الإسلام هي وطن كل مسلم إنما هي فكرة استعمارية تنتفع بها كل أمة استعمارية حريصة على توسيع رقعة أراضيها ونشر نفوذها (٤٤). وهو لم يعتبر حتى فكرة الوحدة الإسلامية قوة سياسية، بل رأى فيها شبحًا خلقه البريطانيون لاستثارة الشعور الأوروبي ضد الحركة القومية في مصر. وهي، حتى لو كانت حقيقية، ستبوء بالفشل حتمًا، لأن الدول إنما تقوم على المصلحة المشتركة لا على الشعور المشترك (٤٥).
كان لطفي السيد يكتب قبل أن تتلون القومية المصرية بلون العروبة. لذلك لم يذكر العرب إلا نادرًا، بالرغم من عطفه عليهم واحترامه لهم واشتراكه بعض الشيء مع محمد عبده في الاعتقاد أن الإسلام والمجتمع الإسلامي لا يوجدان على نقاوتهما إلا في الجزيرة العربية. ولم يكن يعتبر المصريين جزءًا من الأمة العربية، لكنه لم يشدد على هذا الرأي لقلة عدد المصريين المخالفين له فيه آنذاك. أما فكرة القومية العثمانية، فكانت تستدعي اهتمامًا أكبر، خصوصًا بعد ثورة «تركيا الفتاة» في ١٩٠٨، تلك الثورة التي قضت على حكم عبد الحميد وأعادت الدستور. إذ رأى بعض المصريين أنه ما دام حكم السلطان الأوتوقراطي قد زال، وما دام أن عهدًا جديدًا من المساواة الديموقراطية قد بدأ، فلم تعد مصر بحاجة إلى البقاء منفصلة عن الأراضي العثمانية الأخرى. بل لقد ذهب هذا الفريق أبعد من ذلك،
стр. 217
فاقترح أن يكون لمصر نواب في مجلس المبعوثان. لكن هذه الحجة بدت للطفي السيد مبنية على مقدمة خاطئة، هي الزعم بأن الحكم الذاتي الذي حققه محمد علي والخديوي إسماعيل إنما استهدف الأسرة الحاكمة وحلها، وبأن مصر ليست سوى ولاية من الإمبراطورية آلت إلى تلك الأسرة كإقطاع. أما واقع الأمر، في نظره، فهو أن محمد علي كان يعمل لمصر لا لنفسه، وبأن معاهدة لندن في ١٨٤١ التي اعترفت بحكمه الوراثي على مصر كانت اعترافًا واقعيًا أيضًا باستقلال مصر الداخلي وسيادتها الوطنية (٤٦).
لذلك كان لطفي السيد يفكر بالأمة المصرية عندما تناول حق الشعوب الطبيعي في حكم ذاتها، ودعم هذا الحق بنظرية جديدة في التاريخ المصري، هي أن أهم واقع في تاريخ مصر، أي الواقع الذي يفسر وضع شعبها النفسي، هو أنها ما حكمت إلا بالقوة القاهرة. فهي لم تتمتع يومًا، كاليونان، «بالحكم المنطبق على قواعد علم السياسة»، إذ كان الحكم فيها، أكثر الأحيان، أجنبيًا من حيث الجنس أو الدين أو العادات أو الأخلاق، يستهدف دومًا وقبل كل شيء مصلحة الحاكم أصلًا، ومصلحة المحكومين بالعرض. وعلى هذا الأساس تكون الخلق القومي، إذ كان على المصريين أن يتظاهروا بولاء لم يكن لديهم، ففقدوا حريتهم الداخلية وشجاعتهم وصلتهم الروحية بالحكم. ومن هنا مصدر جميع رذائل الخنوع التي أفاض لطفي السيد في وصفها. لكن الحال بدأت تتغير في أواسط القرن التاسع عشر. فظهرت بوادر يقظة حقيقية. غير أن ثورة عسكرية سابقة لأوانها أتاحت للبريطانيين احتلال البلاد، فأعاد هذا الاحتلال الأجنبي الحالة الخلقية إلى ما كانت عليه من قبل. فأخذ الشعب، من جديد، ينظر إلى حكامه البريطانيين كما ينظر إلى الأجانب الآخرين، أي بريبة وحذر لم يقو على إزالتهما أي كسب مادي (٤٧).
стр. 218
انتقد لطفي السيد الحكم البريطاني لا لأنه أجنبي، بل لأنه مطلق. فالمنافع التي جلبها ذلك الحكم لمصر لم تكن موضع شك. لكنه رأى أن إصلاح الشؤون المالية وتحسين الأوضاع الاقتصادية لا يحل القضية السياسية الحقيقية، وهي غياب العلاقة الروحية بين الحكام والمحكومين (٤٨). كان حكم كرومر أوتوقراطيًا، قائمًا، آخر الأمر، لا على الاختيار الحر بل على الأسلحة البريطانية. وعندما خلف كرومر السير ألدون جوؤست في ١٩٠٨، زادت الحالة سوءًا. فقد بعثته حكومة الأحرار البريطانية لتدشين سياسة جديدة أكثر ليبرالية. لكنه منح الخديوي مقدارًا أوسع من حرية العمل، مما حمل الخديوي على قطع علاقاته بالزعماء الوطنيين والانحياز إلى جانب البريطانيين. وهكذا وقعت البلاد تحت أوتوقراطيتين، فزالت الوحدة بين الحاكم والشعب، وهي التي كانت قائمة ما دام الحاكم على علاقة سيئة مع كرومر (٤٩).
ورأى لطفي السيد أن من الواجب إحلال شيء آخر محل الأوتوقراطية. لكنه لم يتوقع الحصول على الاستقلال الفوري. لذلك اقتضى مواجهة الحقائق، وهي أن بريطانيا قوية، وأن لها مصالح جوهرية في مصر، وأنها هي نفسها قد أعلنت عن بقائها في مصر إلى أن تصبح هذه قادرة على حماية تلك المصالح. وإذن، لا يمكن إخراجها بالقوة. ولو قبلنا بالفكرة الرومنطيقية القائلة «بالكفاح في سبيل الاستقلال»، فإنما نؤجل بلوغ ما نسعى إليه. من هنا، في نظره، كانت هفوة عرابي باشا المميتة. فهو لم يكن ذا نوايا سيئة، كما لم يكن خائنًا بأي معنى من المعاني. غير أنه أخطأ في تقدير قوة مصر، ووقع ضحية «المحرضين الإنكليز» (يشير هنا بوضوح إلى بلنط) (٥٠). أما السياسة السليمة الوحيدة، فهي أن نحمل قول إنكلترا على محمله الحرفي. نعم، هناك ما يدعو إلى الريبة في نواياها، إذ أنها قدمت العذر تلو الآخر لتمديد احتلالها، وخلقت الشعور بأنها باقية إلى الأبد (٥١). لكن مصلحة مصر
стр. 219
تقتضي التعاون معها في أي تدبير تتخذه في سبيل إنماء قوة البلاد (٥٢) ولا شك في أن تنفيذ هذه السياسة يتوقف على الطرفين، إذ لا يمكن إتباعها إلا إذا كانت بريطانيا مستعدة أيضًا لإشراك المصريين في عملية الحكم. غير أن الأمر الممكن حاليًا إنما هو تقييد سلطة الخديوي المطلقة والتحرك على مراحل نحو الحكم الدستوري. لذلك عندما أنشئ الحزب الشعبي ووضع لطفي منهاجه، جاءت الإصلاحات التي اقترحها فيه متواضعة وحذرة، منها توسيع اختصاص الهيئات النيابية الحاضرة (مجالس الولايات والمجلس التشريعي)، وتعديل طريقة انتخاب أعضائها، وإنشاء مجلس شورى القوانين (٥٣). لكن هذا لم يكن سوى خطوة أولى. أما الهدف، فكان إقامة حكم ديموقراطي يمكن تحقيقه بوجود البريطانيين الذين كانت مصلحتهم الحقيقية تقضي بالمساعدة على تحقيقه.
ورأى لطفي السيد أن الأمة، كلما بلغت مرحلة من مراحل الحكم الذاتي، تسنى لها أن تتذرع بها لتقوية الحياة الوطنية في مصر. لكن المركز الوضيع الذي يحتله العنصر الاقتصادي في فكرته عن القوة الوطنية يعكس الاختلاف بين عهده وعهدنا. فقد اعترف بأهميته، مبدئيًا، فقال إن على مصر أن توفي ديونها الأجنبية التي كانت علة فقدان استقلالها والتي ستبقى خطرًا عليها ما دامت باقية. وعليها أن تبني صناعاتها التي بدونها لا يمكنها أن تكون حرة حقًا. وما الصناعة التي أخذت تظهر في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين إلا مدينة في نشوئها لحلقة لطفي السيد. فبنك مصر والشركات التابعة له أسسها معاون له ورفيق في المدرسة هو طلعت حرب. ولم تكن تستهدف الربح فقط، بل كانت خطوة في سبيل الاستقلال الوطني. ومع ذلك، فلم تكن الصناعة في نظر لطفي السيد أساس القوة الوطنية. فكان ينادي بأن على المصريين أن يعوا أكثر فأكثر مسؤوليتهم تجاه الوطن، وإن كل خطوة في هذا
стр. 220
السبيل هي خطوة مباركة، كتأسيس الجمعية التشريعية (على يد كتشنر في ١٩١٣)، حتى لو كانت سلطتها محدودة، وإنشاء الأحزاب السياسية، حتى لو لم يكن باستطاعتها بعد الاشتراك في الحكم. وكان يرى خطرين على هذا الوعي الذي كان لا يزال سريع العطب وغير كامل النضج: المثل العليا السابقة لأوانها في «الاشتراكية» أو «العالمية» من جهة، واليأس وضعف الثقة بالنفس من جهة أخرى (٥٤).
كان من المألوف في مدرسة محمد عبده القول بأن الوسيلة الفعالة الوحيدة للنضج القومي والاستقلال الحقيقي إنما هي التربية. وقد وجدت هذه الفكرة في أواخر القرن تأييدًا قويًا لها في كتاب فرنسي أصبح الآن منسيًا، لكنه أحدث ضجة كبيرة في ذلك الحين، هو «مصادر تفوق الأنكلوسكسون» لديمولان. في هذا الكتاب يشرح ديمولان أسباب استيلاء الشعوب الأنكلوسكسونية على العالم وتسنمها أعلى درجات القوة والازدهار بين جميع شعوب العالم، وينسب ذلك إلى روح المبادرة الفردية التي عرف الأنكلوسكسون كيف ينموها إلى أقصى حد. وكان لهذا بدوره سببان: الأول أن الهدف الرئيسي للتربية عندهم كان تدريب الإنسان على العيش في العالم الحديث، بينما كانت التربية الفرنسية تستهدف إعداده للعيش في مجتمع مستقر قائم على العائلة والدولة؛ والثاني أن الروح القومية الفرنسية كانت عسكرية، تطالب بتضحية الفرد في سبيل مجد الأمة وعظمتها، بينما كانت القومية الأنكلوسكسونية «شخصية»، تقوم على حرية الفرد، وتستهدف خيره الشخصي. وقد أثر كتاب ديمولان كثيرًا في الفكر التركي والعربي، فتحكم بأفكار الأمير العثماني الليبرالي صباح الدين، وترجمه إلى العربية أحمد فتحي زغلول، شقيق سعد، مع مقدمة حلل فيها بتعابير قوية، شبيهة بتعابير لطفي السيد، ضعف المجتمع المصري من حيث الافتقار إلى العلم وإلى الشعور الوطني وإلى الصداقة الثابتة وإلى
стр. 221
الإحسان الفعال وإلى الاتكال على النفس (٥٥).
على هذا الغرار أيضًا انتقد لطفي السيد النظام التربوي القائم. فرأى أن المدارس القرآنية القديمة كانت تتناسب مع الواقع الاجتماعي القائم في القرن الثامن عشر؛ لكنها أصبحت غير فعالة في العالم الحديث. أما مدارس الإرساليات، فكانت بطبيعتها غير مؤهلة لتربية الأطفال المسلمين التربية الخلقية اللازمة. وليس لدى الأساتذة في مدارس الحكومة ما يقدمونه لتلاميذهم. وهكذا كان كل نمط من هذه الأنماط فاسدًا، وكان وجود الثلاثة معًا أشد فسادًا، إذ كان من شأنه تجزئة الأمة. أما النظام المنشود للمدارس فهو الذي يستهدف خلق أمة موحدة خلقيًا ونفسيًا حول العلوم الحديثة والمبادئ الكامنة فيها. ولما كانت الحكومات تنزع دومًا إلى تسخير المدارس لمصالحها الخاصة، وجب أن تكون المدارس حرة لخدمة العلم وحده، وبالتالي أن تنبثق عن أفراد أو هيئات شعبية (٥٦).
غير أن ما كان أهم، في نظر لطفي السيد، حتى من التربية في المدارس إنما هو التربية البيتية. «إن خير العائلة هو خير الأمة»، وقضية العائلة المصرية هي من صلب قضية مصر. وهذه القضية تتعلق، فيما يختص بالطبقات العليا والوسطى، بموضوع حجب المرأة، أو بتعبير آخر، عدم مساواتها بالرجل. أما بين الفلاحين، فالحال على غير ذلك، إذ تساوت النساء بالرجال وقامت روابط الزواج القروية على عاطفة صحيحة. لكن الرجال والنساء ما زالوا يجهلون كثيرًا من الحقائق الضرورية للحياة الصالحة. وهناك قضية خاصة بالشبان المثقفين، ناشئة عن صعوبة العثور، في محيطهم الطبيعي، على زوجات تكون تربيتهن معادلة لتربيتهم. ومن كل هذا ينتج أمران ضروريان: تحرير المرأة وتربيتها. لقد كان الانتصار للمرأة، في نظر لطفي السيد وأبناء جيله، جزءًا جوهريًا من الوطنية الصحيحة. ولم يكن من الصدفة أن تصبح الحركة النسائية التي بدأت، بعد ذلك بعشر سنوات، بالمناداة بنزع الحجاب والمطالبة بإشراك المرأة في حياة
стр. 222
المجتمع العامة، عنصرًا ملازمًا للكفاح في سبيل الاستقلال في أيام «الوفد» الأولى.
كانت الأمة محور تفكير لطفي السيد، بمعنيين مختلفين: الأول، بمعنى الوطن القومي الذي هو موضوع كتاباته، والثاني، بمعنى المصلحة الوطنية التي هي معيار الخلقية السياسية ومبدأ الشريعة، والتي بمفهومها الليبرالي تنفي مجموع المصالح الفردية. أما الأمة الإسلامية، فكادت تقع خارج نطاق تفكيره. فهو لم يرفض فكرة الدولة الإسلامية، لكنه تجاهلها، معترفًا ضمنًا بأن لا علاقة لها بقضايا العالم الحديث. وقد قام مفكر آخر من محيطه، وإن كان من جيل لاحق، يصرح بما كان لطفي السيد يلمح إليه تلميحًا، فيدعو مصر إلى تبني مبادئ سياسية أخرى غير مبادئ الإسلام، لا بل يزعم بأن لا وجود لما يسمونه بالمبادئ السياسية الإسلامية. كان هذا علي عبد الرازق (١٨٨٨ - ١٩٦٦) شقيق مصطفى، الذي نشر في ١٩٢٥، كتابًا في «الإسلام وأصول الحكم». تلقى علي عبد الرازق، كأخيه، علومه في الأزهر أولًا، ثم وفد على أوروبا، حيث أكمل دراسته في أكسفورد لا في باريس. وفي كتابه هذا نقع على بعض الإشارات العابرة إلى المفكرين البريطانيين السياسيين كهوبس ولوك (٥٧)، إلا أن تأثير الفكر الإنكليزي المباشر فيه لم يكن كبيرًا. ثم إن الكتاب يعود بنا إلى الجو الفكري الذي خلقه محمد عبده. لكن محمد عبده كان قد توفي منذ عشرين عامًا، فكان لا بد من تطبيق نظراته على قضايا جديدة طرأت في تلك الأثناء. على هذا، كانت القضية المباشرة التي اهتم لها علي عبد الرازق هي قضية الخلافة. ففي ١٩٢٢، وبعد ثورة مصطفى كمال، ألغت الجمعية الوطنية التركية السلطنة وأقامت خلافة رمزية لا تتمتع إلا بصلاحيات روحية فقط. وفي ١٩٢٤ عادت فألغت هذه أيضًا. فقام جدل حاد في جميع أنحاء الإمبراطورية حول شرعية هذا التدبير وحول إمكانية أو وجوب إعادة الخلافة. وفي ١٩٢٢، عندما ألغيت السلطنة،
стр. 223
أصدرت الجمعية الوطنية التركية الكبرى بيانًا شبه رسمي لتبرير قرارها هذا، وضعه فريق من الفقهاء، ونشر بالعربية، كما نشر بالتركية بعنوان «الخلافة وسلطة الأمة». يعترف البيان بشرعية الخلافة، لكنه يقول بأنها لا تقوم إلا إذا توافرت شروط معينة. فالخليفة يجب أن يكون متصفًا بأوصاف معينة، وأن يختار وينصب من قبل الشعب، إذ أن السيادة للأمة الإسلامية بكاملها. لكن هذه الشروط لم تتوافر إلا في الخلفاء الأربعة الأول. لذلك كان كل من عداهم من الخلفاء خلفاء بالاسم فقط. لكن هذا لا يعني أن الأمة الإسلامية بقيت بدون سلطة شرعية. فعندما لا يكون لها خليفة، تستطيع أن تختار بنفسها نوعًا آخر من الحكم وتتخذ ما تراه مناسبًا من الترتيبات لتأمين حكم عادل وشرعي فيها. إلا أن نوع الحكم الذي تختاره يتوقف على حاجات العصر. ولا شاء أن «جمعية وطنية» يكون واجبها المقدس تأمين خير البلاد، الأفضل في العصر الحديث من سلطان لا هم له إلا الاحتفاظ بعرشه (٥٩). وقد كان منطق هذا البيان من شأنه أن يبرر، لا تسوية ١٩٢٢، بل خطوة ١٩٢٤ الحاسمة. وبعد زوال الخلافة، قام مصطفى كمال بصراحته المعروفة، فأدلى بأسباب إزالتها قائلًا بأن الخلافة إنما أدت إلى خراب الشعب التركي الذي أفنى قواه عبثًا في سبيل مثل أعلى لم يكن لمصلحته الوطنية، كما لم يكن ممكن التحقيق بحد ذاته. فالخلافة هي جوهريًا أمر سياسي؛ وأن ما نتج عن محاولة جعلها أمرًا روحيًا لبرهان على ذلك، إذ أصبح الخليفة مركز تجمع للعناصر المستاءة. فإما أن يكون الخليفة رئيسًا للدولة أو لا يكون، ولا يمكنه أن يكون رئيسًا للدولة، إذ ليس بالإمكان اليوم وجود دولة مسلمة متحدة (٦٠).
لقد استفظع المسلمون المحافظون هذه الأقوال في بادئ الأمر، غير أنهم، عندما فكروا مليًا بالموضوع، توصلوا إلى نتائج لم تختلف كثيرًا عنها. ففي ١٩٢٦، عقد فريق من «العلماء» المصريين «مجمع الخلافة» في القاهرة برئاسة شيخ الأزهر «نظرًا
стр. 224
للمركز الممتاز الذي يحتله هذا البلد بين الشعوب الإسلامية» (٦١). فأكد هذا المجمع، من جديد، النظرة التقليدية في الخلافة: فقال بشرعيتها، بل بوجوبها، لأن عددًا من الفرائض الشرعية تتوقف عليها. ولكي تكون أصيلة، ينبغي أن تتمتع بالسلطة الروحية والزمنية معًا. فإذا انعدمت هاتان السلطتان لم يكن للخلافة وجود بالفعل، كما هو واقع الحال في الوقت الحاضر. لذلك كان كل ما يمكن القيام به الآن هو عقد اجتماعات متتابعة للنظر في الأمر، حتى يحين الوقت المناسب. وقد أضاف أحد المندوبين إلى ذلك أمله في أن يكون من الممكن، عندما يحين الوقت، أن ينتخب الخليفة من قبل «هيئة تمثيلية إسلامية» (٦٢).
وقد وضع عبد الرازق كتابه هذا إسهامًا منه في هذا البحث، مثيرًا بصورة حية أخطر سؤال انطوى عليه وهو: هل الخلافة ضرورية حقًا؟ إلا أن وراء هذا السؤال، كان سؤال آخر أعم، لا بل أخطر منه، وهو: هل هناك نظام إسلامي للحكم؟
يسوق المؤلف النظريتين اللتين وضعتا لمعالجة أساس سلطة الخليفة فيقول: النظرية الأولى والأوسع انتشارًا تؤكد أن سلطة الخليفة مستمدة من سلطة الله. أما الثانية، فتؤكد أنها مستمدة من إرادة الأمة. وكلا النظريتين تستندان إلى مبدأ مشترك، هو أن الاعتراف بسلطة الخليفة أمر واجب، سواء كانت هذه السلطة مستمدة من المبادئ العقلية أو من نصوص الشريعة. وتأييدًا لهذا المبدأ يستشهد أصحابه بمبدأ إجماع الصحابة والتابعين وبعدم إمكان الاستغناء عن الخليفة لإقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية. لكن عبد الرازق يشير إلى إمكان دحض هذه البراهين ببراهين أقوى منها. فالقرآن لم ينص على الخلافة، باستثناء أقوال عامة غامضة تأمر باحترام أولي الأمر، والحديث لم ينص عليها أيضًا، باستثناء أقوال لا تقل غموضًا عن الأولى في طاعة الإمام، بدون تحديد لمهمة الإمام أو تأكيد على وجوبه. ولو فرضنا أن الحديث إنما يشير إلى الخليفة
стр. 225
عندما يذكر الإمام، فهذا لا يستلزم وجود الحليفة بصورة دائمة، كما لا تعني إشارة الإنجيل إلى «إعطاء ما لقيصر لقيصر» ضرورة وجود القيصر بصورة دائمة. وأخيرًا ليس من إجماع حقيقي حول الموضوع. أما عدم الاعتراض على السلطة التي كان الخليفة يدعيها لنفسه، فهو لا يخلق إجماعًا ضمنيًا، لأن سلطة الخليفة كانت تقوم دومًا على القوة المسلحة. حتى عندما لم تكن هذه القوة ظاهرة للعيان، أو لم يكن من حاجة إلى استعمالها، ولأن التعبير الحر عن الآراء لم يكن ممكنًا آنذاك. فالتفكير الحر في السياسة كان بالواقع مستحيلًا. وهذا ما يفسر عدم قيام معالجة حقيقية للسياسة من جانب المفكرين المسلمين (٦٣). إن الفرصة لحصول إجماع حر في الماضي لم تتوافر قط. كما لم تتوافر مثلًا عندما انتخب فيصل ملكًا للعراق بإشراف الإدارة البريطانية. أضف إلى ذلك أن وجود الخليفة ليس شرطًا ضروريًا للعبادة والخير العام. نعم، إن نوعًا ما من السلطة ضروري، لكن ليس من الضروري أن تكون من نوع معين. فعندما زالت الخلافة عمليًا في عصر المماليك، لم يتبين أن زوالها أثر في العبادة أو الخير العام في البلدان الإسلامية. بل بالعكس، كانت سلطة الخلافة مضرة بالإسلام. لا بل «نكبة على الإسلام والمسلمين وينبوع شر وفساد» (٦٤).
ليست الخلافة إذن جزءًا ضروريًا من الدين الإسلامي. لكن كيف نشأت وكيف توصل المسلمون إلى اعتبار وجودها واجبًا؟ يتناول عبد الرازق السؤال الأول بالتفحص عن الحالة السياسية في زمن النبي. فيقرر. أولًا، أنه لم تكن هناك أي دلائل واضحة على وجود أي نوع من أنواع الحكم المنظم طيلة حياة النبي، مما يترك القضية بكاملها غامضة. لذلك علينا أن نحاول معرفة موقف النبي نفسه من إقامة دولة. على هذا، هنالك ثلاثة أجوبة تقليدية: الأول القول بوجوب التمييز بين دور محمد كنبي. وبين أفعاله كزعيم سياسي ومؤسس لملك زمني. وهذا القول لا يمكن دحضه، لأن له بعض التأييد في
стр. 226
الشريعة والحديث، لكنه من غير المرجح أساسًا أن يكون للنبي دور آخر. والثاني ما زعمه آخرون، كابن خلدون، من أن تنظيم الدولة كان يشكل جزءًا أساسيًا من عمل محمد كنبي. لكن هذا القول يتعارض مع روح رسالة النبي. والثالث ما زعمه آخرون أيضًا من أن النبي لم يقم إلا شكلًا بسيطًا جدًا من الحكم يتناسب مع الأوضاع البسيطة القائمة آنذاك (٦٥). لكن الأخذ بهذا القول إنما هو تهرب من القضية. فنظام الحكومة النبوية، إن صح وجوده، لا يتصف فيما يبدو بالأوصاف الضرورية حتى لأبسط أشكال الحكم، إذ لم يكن فيه لا موازنة ولا إدارة نظامية.
ثم يدلي عبد الرازق برأيه الخاص، وهذا ما يشكل محور الكتاب، فيقول ببساطة كلية، أن محمدًا لم يكن له أي وظيفة أخرى غير وظيفة النبي الداعي إلى الحق، ولم يرسل لممارسة أي سلطة سياسية، وإنه لم يمارس بالواقع مثل هذه السلطة.
فالرسالة النبوية روحية صرف. وهنا يقول: «قد يتناول الرسول من سياسة الأمة مثل ما يتناول الملوك، ولكن للرسول وحده وظيفة لا شريك له فيها. من وظيفته أيضًا أن يتصل بالأرواح التي في الأجساد، وينزع الحجب ليطلع على القلوب التي في الصدور. له بل عليه أن يشق عن قلوب أتباعه ليصل إلى مجامع الحب والضغينة ومنابت الحسنة والسيئة ومجاري الخواطر ومكامن الوساوس ومنابع النيات ومستودع الأخلاق ... الرسالة تقتضي أصاحبها، وهي، كما ترى وفوق ما ترى، حق الاتصال بكل نفس اتصال رعاية وتدبير وحق التصريف لكل قلب تصريفًا غير محدود» (٦٦).
وهكذا فقد كان لمحمد، كنبي، الصفات التي تقتضيها رسالته، وكذلك سلطته التي كانت أوسع من سلطة الزعيم السياسية ومختلفة بطبيعتها عنها. فهي سلطة روحية تنبع من خضوع القلب الحر المخلص الكامل ولا تقوم كالسلطة السياسية على إخضاع الجسد بالإكراه. وهي تستهدف، لا تنظيم شؤون الحياة في هذه
стр. 227
الدنيا، بل قيادة الناس إلى الله. وقد أنشأ محمد، بفضل هذه السلطة، جماعة، لكنها لم تكن من النوع الذي نسميه عادة «الدولة». فلم يكن لها علاقة جوهرية بحكومة دون سواها ولا بأمة دون أخرى. والحقيقة أن الإرادة الإلهية لا تعني بأشكال الحكم. فقد ترك الله حقل الحكم المدني والمصالحة الدنيوية لمباشرة العقل البشري. وليس من الضروري حتى توحيد الأمة سياسيًا؛ فتلك أمنية مستحيلة عمليًا، حتى لو كانت ممكنة، فهل هي خير؟ لقد أراد الله أن يكون تمييز بين القبائل والشعوب وأن يكون تنافس بينها «كي تتكامل المدنية» (٦٧).
إن وحدة الأمة لا تقوم، إذن، على وحدة الدولة. فالإسلام لم يعترف بأي فضل، داخل الأمة، لا لقوم ولا للغة ولا لبلد ولا لعهد على غيره إلا بالتقوى (٦٨). كانت الأمة الأولى عربية بالعرض. فقد كان عليها أن تبدأ بشخص معين وفي مكان معين. وقد اختار الله في حكمته عربيًا لدعوة العرب أولًا. لذلك كانت الجماعة الإسلامية عربية في مرحلتها الأولى، وعالمية، إمكانيًا، منذ البدء. لكنها لم تكن دولة عربية. فالقبائل والأقوام المختلفة في الجزيرة العربية التي تجمعت حول شخص الرسول قد احتفظت بطرقها الخاصة في الحكم. ولم يتدخل النبي في شؤونها الداخلية، وما كانت وصاياه لتتناول طرقها في الحكم. إن وحدة القلوب التي حققها الإسلام، لم تكن تشكل دولة واحدة. والبرهان على ذلك هو أن النبي لم ينص على حكم الجماعة الدائم بعد موته. فإما أن يكون قد توفي تاركًا جزءًا أساسيًا من رسالته دون أن تستكمل، وهذا محال، إذا كان مرسلًا حقًا من الله، وإما أن يكون تأسيس الدولة لا يشكل جزءًا من رسالته.
ويتبنى عبد الرازق الافتراض الثاني، فيقول إن رسالة النبي ما كانت إلا رسالة نبوية، وقد انتهت بموته وزالت معها السلطة الخاصة الممنوحة له. وإذا تسلم أحد من بعده قيادة الأمة، فتلك
стр. 228
هي قيادة من نوع آخر، أي قيادة مدنية أو سياسية. إن دعوة الإسلام قد أنشأت جماعة دينية إسلامية. لكنها أنشأت أيضًا، كنتيجة جانبية لها، أمة عربية ودفعتها في طريق التقدم. فأسس العرب دولة بعد وفاة النبي ضمن الجماعة الروحية التي أنشأها. فقلدوا الخليفة الأول أبا بكر ما هو، جوهريًا، سلطة سياسية وملكية قائمة على القوة. فكانت دولته «دولة عربية قامت على أساس دعوة دينية» (٦٩). لا شك في أنها ساعدت على انتشار الإسلام، لكنها كانت تعني أصلًا بمصالح العرب. إلا أن هذا لم يتضح لجميع المسلمين في ذلك الوقت. فقد اعتقد الكثيرون، نظرًا لفضائل أبي بكر الدينية ولحذوه حذو النبي في سلوكه، أن له وظيفة دينية أيضًا، ناهيك باللقب الذي اتخذه لنفسه، وهو «خليفة رسول الله»، مما كان لا بد من أن يوحي بالولاء الديني، مع أنه لم يكن يعني سوى أن أبا بكر قد خلف الرسول كزعيم للعرب. وهكذا تأصلت الفكرة الخاطئة في الخلافة منذ ذلك الحين، وراح يشجعها الحكام المطلقون، تأمينًا لمصلحتهم. تلك، عند عبد الرازق، جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين ... «والحق إن الإسلام بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون» (٧٠). إن الدين لا شأن له بهذا النوع أو ذاك من أنواع الحكم. وليس في الإسلام ما يمنع المسلمين من هدم نظامهم السياسي القديم وبناء نظام جديد على أساس أحدث نظرات العقل البشري وخبرة الأمم.
أثار كتاب عبد الرازق عاصفة كبرى، كانت نتائجها وخيمة عليه. فقد هاجمه وشهر به مفكرون مسلمون من ذهنية أخرى، وأدانه رسميًا مجلس من كبار علماء الأزهر. وفي إدانتهم إياه دحضوا، استنادًا إلى نصوص من القرآن والحديث، سبع قضايا تضمنها الكتاب أو ادعوا أنه تضمنها، وحكموا بأن مؤلفه ليس أهلًا لأي منصب عام (٧١). وعاش عبد الرازق، حتى آخر أيام حياته، عيشة منزوية، كتب خلالها كتابًا أو اثنين لم
стр. 229
يكن عليهما اعتراض، دون أن يلعب في الحياة العامة الدور الذي لعبه شقيقه.
ليس من الصعب معرفة الأسباب التي أثارت تلك المقاومة ضد الكتاب. فقد أتى بنظرية تاريخية جديدة حول أمور كانت النظرة التاريخية المقبولة بشأنها بمثابة عقيدة دينية، كما أن تلك النظرية كانت مستمدة من مؤلفات في الإسلام وضعها كتاب غير مسلمين يمكن اتهامهم بمحاولة إضعاف تمسك المسلمين بدينهم، أكثر مما كانت مستمدة من المصادر الإسلامية الأساسية، وهي علوم التفسير القرآني والحديث. فقد أعلن أحد نقاد الكتاب، رشيد رضا، بأن الكتاب آخر محاولة يقوم بها أعداء الإسلام لإضعاف هذا الدين وتجزئته من الداخل. وقال آخر، محمد بخيت، إنه لا يجوز مطلقًا قبول ما يقوله غير المسلمين في الإسلام، وبنوع خاص ما يقولونه في الخلافة، ذلك الشبح الذي لو شاهده حتى في الحلم أشجع رجال أوروبا لارتعش خوفًا وهلعًا (٧٢). وقال أيضًا إن عبد الرازق قد فضل نظرية السير توماس أرنولد التاريخية على إجماع الفكر الإسلامي بكامله. ثم أخذ يدحض بكثير من التفاصيل وبإسهاب بالغ تفسير المؤلف للتاريخ الإسلامي، مشككًا في معرفته للمصادر وفهمها. وقد أدلى بكثير من الأدلة ليدحض الفكرة القائلة بأن الحكم المنظم لم يقم في عهد الرسول، وبأن النبي لم يعلم شعبه التنظيم السياسي (٧٣)، وليثبت أن الإجماع على وجوب نوع من أنواع الإمامة كاد يكون تامًا أكثر من الإجماع على أي مسألة عقائدية (٧٤).
وقد وجهت إلى الكتاب تهمة أخرى أشد خطورة، هي التهمة التي وجهها العلماء وتولى الشيخ بخيت تنفيذها قائلًا: إن نظرية عبد الرازق تهدد، ضمنًا، نظام العقيدة الإسلامية بكامله، وذلك بمحاولتها هدم أحد أساسية: عقيدة الخلافة. فالمتكلمون المسلمون قالوا دومًا بأن بعض الأنبياء إنما أرسلوا إلى الناس لكشف الحقيقة عن الله والعالم، بينما أرسل بعضهم الآخر للدعوة إلى
стр. 230
شريعة أيضًا، أي إلى نظام خلقي مستمد من الكتاب. وقد كان عيسى نبيًا من النوع الأول، كما كان محمد نبيًا من النوع الثاني (٧٥) لذلك كان تطبيق الشريعة جزءًا جوهريًا من رسالة محمد (٧٦)، مما استلزم حيازته على سلطة سياسية، كما اقتضى أن تكون الجماعة الإسلامية منذ البدء جماعة سياسية. وفضلًا عن ذلك، فبما أن الكتاب والشريعة لم ينزلا من أجل جيل معين، بل من أجل كل الأجيال، وجب دائمًا وجود من يمارس السلطة السياسية في الأمة. فالدين الإسلامي قائم على السعي وراء السيطرة والسلطة والقوة والسؤدد، ورفض أي شريعة تنافي شريعته وسنته الإلهية وعدم الاعتراف بأي سلطة لا يكون صاحبها مكلفًا بتنفيذ أحكامها (٧٧). فإذا لم يكن النبي زعيمًا سياسيًا، والأمة أمة سياسية، فإما أن لا وجود للنبي وللأمة، وإما يجب تغيير مفهومنا لهما، أي تغير ماهية الإسلام ذاتها.
ويتابع الشيخ بخيت نقده، فيجد في كتاب عبد الرازق ما هو أفظع من ذلك، وهو أنه يعطل الأداة التي بها يمكن، بمسؤولية، إحداث التغيير والتطور في الإسلام. فطريقة النظر الحذرة القائمة على القياس بمقدماته المستمدة من القرآن والحديث، والإجماع الذي كان نتاجًا لهذه العملية، وبالوقت نفسه حاميًا لها، أمر طرحه عبد الرازق جانبًا ليقيم مكانه عقل الفرد وأوهامه وشهواته، معتمدًا السفسطة والافتراض والأدلة الشعرية، مع أن الأمور التي أنكرها وأنكر براهينها إنما هي واقعة في حقل الفقه والشريعة الذي لم يكن للعقل أن يسير فيه وحده، والذي لا خيار فيه سوى اعتماد القرآن والسنة والإجماع أو القياس (٧٨). وهذا يشكل خطرًا دائمًا، لكنه أشد خطرًا في الوقت الحاضر، إذ يتجه المسلمون اليوم لتنوير عقولهم الطبيعية، لا نحو المصادر الإسلامية، بل نحو المصادر الأوروبية والمسيحية، مع أن هناك فرقًا أساسيًا بين الإسلام والمسيحية في باب التعاليم الاجتماعية، وبنوع خاص في باب هذه القضية ذاتها، أي السلطة السياسية وطبيعة الجماعة الدينية.
стр. 231
فعبد الرازق، بنظريته هذه، إنما ينفي ضمنًا هذا الفارق ويدخل في الأمة تمييزًا بين النبوة والحكم السياسي، بين ملكوت الله وملكوت الدنيا، ذلك التمييز الذي يصح على المسيحية لا على الإسلام (٧٩).
ولا يعتبر الشيخ بخيت هذا الخطر نظريًا وحسب، إذ أن ما يقوله عبد الرازق يفضي، آخر الأمر، إلى إنكار الشريعة ذاتها. فإذا لم يكن من شريعة، أي قانون يعلو على الحكم، انتفى المجتمع السياسي بمعناه الصحيح، وآلت الأمة إلى فوضى. إن البشر بحاجة إلى ضابط وحاكم يبقيهم ضمن الحدود المفروضة ويحول دون الاضطهاد ويقيم العدل ويحكم على ضوء قانون يقبل به الجميع. ولا يمكن تركهم أحرارًا يدبرون شؤونهم الدنيوية وفقًا لما يمليه عقلهم ومعرفتهم أو مصالحهم ورغباتهم، إذ يعني ذلك سيطرة القوي على الضعيف ونهاية الأمان الفردي (٨٠).
يبدو، للوهلة الأولى، أن صوت الشيخ بخيت منبثق عن تراث الفكر الإسلامي العظيم. لكننا لو تحرينا القانون السياسي الذي يستنتجه هو من مبادئ الإسلام، لسمعنا صوتًا مختلفًا. فهو يتبنى قول عبد الرازق بأن الفكر السني قد أرجع دومًا سلطة الخليفة إما إلى الله مباشرة، وإما إلى الأمة، ويصرح مؤكدًا بأن الرأي الصحيح هو القائل بأن الأمة هي مصدر سلطة الخليفة، وبأن الخليفة يستمد سلطانه منها، وبأن الحكم الإسلامي الذي يرأسه الخليفة والإمام الأعظم إنما هو حكم ديمقراطي، حر، استشاري، دستوره كتاب الله وسنة رسوله (٨١).
وبهذا القول لا يعني الشيخ بخيت أن لمؤسسات الإسلام السياسية جميع فضائل المؤسسات الحديثة السياسية وحسب، بل يضمر أيضًا أنها لا تختلف عنها أصلًا. وهكذا نرى أن التوفيق بين المفاهيم الإسلامية والمفاهيم الحديثة الذي نادى به الكتاب السالفون أصبح اليوم مقبولًا بلا تساؤل. ويبدو أن الشيخ بخيت لم يكن يعلم أنه، بقوله هذا، إنما كان يمهد السبيل لتوغل العقلانية الغربية في الإسلام، وهو ما من أجله انتقد خصمه.
стр. 232
الفصل الثامن
القومية المصرية
كان أتباع محمد عبده وسطًا بين طرفين متناقضين: التقاليد من طرف، والعلمانية من الطرف الآخر. فتبنوا مؤسسات العصر الحديث وأفكاره وعملوا على تشجيعها، لكنهم اشترطوا ربطها بمبادئ الإسلام التي رأوا فيها الأساس الوحيد الصالح للتفكير الاجتماعي أو، بتعبير الشيخ بخيت. «القانون السياسي المقبول من الجميع». ثم أخذوا، مع الأيام، يتوجهون باهتمامهم نحو الطرف الثاني. اعتقادًا منهم أن الخطر الحقيقي قد كمن فيه لا في الطرف الأول. ذلك أن النزعة التقليدية المتحجرة لا بد من أن تظهر يومًا عجزها عن تفهم العالم الحديث فيستحيل عليها توجيهه، بل ربما اضمحلت آخر الأمر. أما الأفكار الحديثة فبوسعها، نظرًا لزخمها الذي لا يقاوم، إما أن تهدم المجتمع الإسلامي، وإما أن تعيد بناءه من جديد. وهي تهدمه إذا ما بقيت طليقة، أو تعيد بناؤه من جديد إذا أخضعت لغايات الإسلام الأزلية. وكان لا بد من أن يرافق محاولة إخضاعها لهذه الغايات تنازلات متوالية.
هذا ما نراه في الموقف الذي وقفه «العصريون» من فكرة القومية، وهي الشكل الذي تجلت فيه، على أقوى وجه، فكرة المجتمع العلماني بالمفهوم الحديث. وسنتحدث، في فصل لاحق، عن كيفية انتقال تلاميذ محمد عبده السوريين، من حيث يدرون أو لا يدرون، من الفكرة السياسية الإسلامية إلى الفكرة العربية، وهو أمر يسهل إدراكه نظرًا لمركز العرب الخاص في الإسلام،
стр. 233
كواقع كرسته سيطرة العنصر العربي في بدء التاريخ الإسلامي. أما العلاقة بين الإسلام والقومية المصرية. فلا يستطاع إدراكها بمثل هذه السهولة: ذلك أن فكرة الأمة المصرية، ككيان ذي وجود سياسي منفصل، تقتضي إنكار وحدة الأمة الإسلامية سياسيًا، لا بل القول بإمكان قيام مجتمع فاضل على غير الأساس المشترك الذي وضعه الدين والشريعة المنزلة. ومما أدى إلى جعل هذه العلاقة بين الإسلام والقومية المصرية أمرًا ملحًا ومتأزمًا، الوضع الذي صارت عليه مصر وبعد الاحتلال البريطاني في ١٨٨٢. إذ عمد البريطانيون إلى صهر النزعة الإسلامية العصرية في القومية المصرية، فنشأت عن ذلك، كما سنرى، فكرة قومية أنشأها وقادها أحد معاوني محمد عبده المقربين، ثم لم تلبث في أثناء تطورها أن تخلت عن مبدأ الإمام الأول.
لم يقم بالفعل، أي نزاع حول هذه الفكرة في مراحلها الأولى، فقد كان العلماء، وهم الذين تزعموا ثورة القاهرة ضد بونابرت في ١٧٩٨، ثم دعموا محمد علي في ١٨٠٥، يتصرفون كزعماء الرأي العام في البلاد. لكن الدافع الذي حركهم، إذ ذاك، لم يكن فكرة الأمة القومية بمفهومها الصريح. إذ كانت فكرة الجماعة الإسلامية تسير جنبًا إلى جنب مع فكرة القومية المصرية، حتى في ذهن الطهطاوي بعد ذلك بجيل، دون أن يشعر بالتناقض المحتمل بينهما. فقد أصر، كأمر مفروغ منه، على وجود ولائيين: الواحد تجاه من يدينون بالدين الواحد. والآخر تجاه المواطنين، واعتبر أن من البديهي بقاء سيطرة الشريعة في دولة مصرية، كما في دولة الفقهاء الإسلامية المثلى. لكن فكرة «الوطن» الفرنسية كانت قد انتصرت في مصر بعد وفاته. وكان من مظاهر انتصارها إنشاء إحدى الصحف الكبرى الأولى، في ١٨٧٧، باسم «الوطن». وعندما وضع حسين المرصفي، أحد أساتذة الأزهر وكبار علماء اللغة فيه، كتيبًا، في ١٨٨١، لشرح بعض «المفردات الشائعة على ألسنة
стр. 234
الناس»، أدخل كلمة «الوطن» و «الأمة» في عداد تلك المفردات. كان عنوان الكتيب «رسالة الكلم الثمان». لكنه كان غير ما ينطوي عليه هذا العنوان. إذ أنه لم يتقدم بشرح واضح للمفردات المختارة، بل أتى على تبيان كيفية انتشارها وتطور معانيها. فللأمة مثلًا، في نظره، معنى أوسع بكثير من المعنى الديني. فقد تستعمل للدلالة على أي فريق من الناس تربط بينهم رابطة ما، كاللغة والبلد والدين. والأمة التي تستحق هذه التسمية أكثر من سواها هي الأمة القائمة على رابطة اللغة، لأن وحدة اللغة تحقق، على أكمل وجه، الغاية من المجتمع. ومهما يكن الأساس الذي تقوم عليه، فلكل إنسان دور فعال فيها، وعلى الحكومة أن تستشير الجميع، كما أن من واجب الحكام أن لا يعاملوا عامة الناس معاملة البهائم (١).
ثم كان لتطور مصر في السبعينيات من القرن التاسع عشر والأحداث التي انتهت بالاحتلال البريطاني في ١٨٨٢ شأن في سيطرة هذه الأفكار على عقول الناس، وأهمية في الحياة السياسية. فحوالى ١٨٧٩، انتظم عدد من الضباط في حزب شبه سري دعوه «الحزب الوطني» (٢). وقد جذب هذا الحزب إليه عددًا من المدنيين وأصبح، بقيادة عرابي باشا، محور الحركة الوطنية. ثم تسلم الحكم في الأشهر الأخيرة التي سبقت الاحتلال البريطاني. ومع اقتراب خطر الاحتلال، التف حوله أولئك الذين أرادوا صد هذا الخطر. لكن هذا الالتفاف لم يكن سوى تحالف مؤقت أدى إليه الضغط الخارجي، إذ كان يخفي تباينًا عميقًا بين من استهدف خلق الشعور القومي وبين من آثر خلق حياة وطنية سليمة قائمة على مبادئ صالحة. وقد رأينا هذا التباين في ما أخذه محمد عبده على عرابي باشا من جهل لحقيقة معنى الكلمات التي كان يستعملها. وهو يتجلى أيضًا في مقابلتنا بين مقالات محمد عبده الباكرة وبين مقالاته خلال هذه الحقبة. وفي هذه الحقبة نفسها، بدأت الصحافة التوجيهية
стр. 235
تلعب دورًا مهمًا في الحياة السياسية المصرية، وبرزت شخصية الصحافي السياسي كشخصية رئيسية في العصر الحديث، وهو الذي عني خصوصًا، لا بنشر الآراء، بل، لمهارته في استعمال اللغة، بإثارة المشاعر الصاخبة.
كان بين الممثلين الأول لهذه الشخصية يهودي مصري هو جيمس صنوع (٣)، ومسيحي سوري لعب دورًا قصيرًا مهمًا في السنوات التي انتهت بالاحتلال في ١٨٨٢، هو أديب إسحاق (١٨٥٦ - ١٨٨٥). كان هذا الأخير من تلك القافلة التي أضافت، كما سنرى، عنصرًا جوهريًا على عناصر الفكر العربي الحديث. وقد تتلمذ أديب إسحاق على الآباء اللعازاريين الفرنسيين في دمشق واليسوعيين في بيروت، ثم سافر إلى مصر في حداثته ورأس تحرير جريدة «مصر»، أولًا في الإسكندرية، ثم في باريس، تحت اسم آخر. ولم يلعب أديب إسحاق دورًا كبيرًا في حوادث ١٨٨٢، ولم تكن أهميته ناجمة عن تأثيره السياسي المباشر، بقدر ما كانت ناجمة عن نقله إلى القراء المصريين بعض الأفكار التي استمدها من تربيته الفرنسية. كانت فكرة المجتمع السياسي، القائم على تضامن غير التضامن الديني، تحتل مكانًا رئيسيًا في تفكيره. ولعل ذلك عائد إلى كونه من أصل مسيحي سوري، وإلى مشاعره العدائية نحو الإكليروس. وقد نادى أيضًا بعدد من أمثال الأفكار الآتية: فكرة الجماعة «الشرقية» التي يوحدها احتقار أوروبا لها ومقاومتها للنفوذ الأوروبي، وفكرة الجماعة «العربية» القائمة على وحدة الشعور، وفكرة الجماعة «العثمانية» التي تربط بينها شريعة مشتركة وسلطة واحدة ورغبة في العيش المشترك، وفكرة «الوطن» الذي هو الوحدة الإقليمية التي ينتمي إليها جميع القاطنين فيها والغيورين عليها.
غلب على كتابات أديب إسحاق طابع أدبي فضفاض، ونداء إلى الوحدة والقوة، حد من جموحه اهتمامه بالفضيلة السياسية.
стр. 236
فقد رأى أن الجماعة ليست شرعة عليا لنفسها. كما رأى مع لابرويار أن لا وطن بدون حرية. ولا حرية بدون فضيلة (٤). وزعم أن الشرق الأدنى بحاجة ملحة إلى التربية السياسية، أي إلى تهذيب الخلقية السياسية، لأنه لا يزال في بدء المرحلة السياسية من التطور الاجتماعي، التي يكون الناس فيها مسؤولين عن أنفسهم. لكن هذا الاتزان الذي يظهر لدى أديب إسحاق ينحرف قليلًا لدى صحفي آخر من صحفيي ذلك العهد هو عبد الله النديم (١٨٤٤ - ١٧٨٦). كان عبد الله النديم، إبان الأزمة بين مصر وبريطانيا، لسان حال عرابي ورفاقه، ثم أصبح بفضل مواهبه كخطيب شعبي ذا نفوذ كبير. لكنه توارى عن الأنظار بعد إخفاق حركة عرابي، ولم يعد إلى الظهور حتى ١٨٩١. إذ ألقي القبض عليه ونفي. وعندما خلف عباس حلمي الخديوي توفيق، سمح لعبد الله النديم بالعودة إلى مصر. لكنه ما لبث، حين استأنف نشاطه كصحفي شعبي، أن أثار عليه حفيظة الخديوي، فأعاده إلى المنفى مرة أخرى، حيث قضى أيامه الأخيرة في إسطنبول على نفقة السلطان.
عبرت مقالات عبد الله النديم: للمرة الأولى، تعبيرًا كاملًا عن تلك المشاعر التي تراكمت حول مفهوم الأمة وكونت الحالة النفسية المعروفة «بالقومية». وقد شدد، قبل كل شيء، على أهمية الوحدة الوطنية. فوضع رواية كانت من أولى الروايات التمثيلية، عنوانها «الوطن»، أظهر فيها «الوطن»، في صورة رمزية، مبشرًا بأهمية التعاون (٥). وكان يعتقد أن الوحدة الوطنية تشمل الأقباط في أرض مصر كالأجانب، وخصوصًا السوريين الذين هاجمهم بعنف بالغ على أنهم دخلاء ومرابون فاحشون وصنائع للفاتح الأجنبي (٦). وأعار أهمية خاصة للتربية الوطنية التي تعلم الناس المحافظة على الثقافة الوطنية التي هي خيرهم المشترك. وكان يقول إن الشبان المصريين، ممن توافدوا على باريس. كانوا
стр. 237
يعودون منها، أكثر الأحيان، غرباء عن أمتهم (٨). وهاجم أيضًا المرسلين الأجانب بحجة أن التربية التي يقدمونها تشكل خطرًا لا على لغة التلاميذ وثقافتهم فحسب، بل على معتقداتهم الدينية الموروثة أيضًا. وقد تخللت كتاباته نزعة إلى «كره الأجنبي» كثيرًا ما ترافق المشاعر القومية الحادة، وبعض التزمت الذي غالبًا ما يقترن بها أيضًا. ففي مقال كتبه في نقد الخديوي إسماعيل، نراه يلومه على إدخاله أوروبيين إلى مصر يفتحون قاعات للتمثيل ونواد للرقص وأماكن أخرى للفساد (٩). وهكذا يمكن اعتبار عبد الله النديم أول الوطنيين المصريين الشعبيين. غير أنه لم يكن يعتقد، بالرغم من قوة شعور الإباء وسوء الظن لديه، أن الأمة المصرية مكتفية بذاتها وتستطيع بعث نهضتها بالاقتصار على مواردها الخاصة. نعم، كانت أوروبا في نظره العدو السياسي، لكنها كانت، مع ذلك، المعلم أيضًا. وقد عنون إحدى مقالاته الطويلة بهذا العنوان: «لماذا يتقدمون ونحن على تأخر؟ ». وهو يدحض تفسيرين خاطئين لهذا الواقع، فيقول إن مصر ليست متأخرة بسبب المناخ أو الدين، بل لأنها لا تملك مصادر القوة الأوروبية بعد، مع أن باستطاعتها امتلاكها جميعًا، وهي اللغة والدين، والوقوف في وجه العالم الخارجي، والنشاط الاقتصادي، ونظام التعليم الشامل، والحكم الدستوري، وحرية التعبير.
كان عبد الله النديم خطيبًا وكاتبًا يبشر بفجر سرابي. وما كانت السنوات التسع من الانفراد والصمت التي عاشها إلا رمزًا لما جرى للوعي الوطني في مصر بعد الاحتلال البريطاني. فطيلة ثلاث وعشرين سنة (١٨٨٤ - ١٩٠٧) كان حاكم مصر الفعلي قنصل بريطانيا العام السير أفلين بارينغ، الذي سمي فيما بعد بالورد كرومر. نعم، لقد حقق كرومر الاستقرار المالي لمصر، وزودها بجهاز للأقنية أفضل وأوسع، وبقضاء أكمل، لكنه أخضع البلاد مجددًا لسلطة الخديوي التي لم يكن ليحد منها سوى الرقابة البريطانية،
стр. 238
كما أخضعها لسلطة حاملي الأسهم الأجانب، ولنظام الامتيازات الاقتصادية والحقوقية الخاص بالجاليات الأجنبية. وهكذا انهارت، على حد تعبير لطفي السيد، ثقة الأمة بنفسها قبل أن تشتد، أو تزعزعت، على الأقل لدى طبقتها المثقفة الصغيرة. فالذين شاهدوا، بعد «تل الكبير»، تصدع الأمة وعدم أهلية زعيمها وعجز مصر اليائس أمام دولة أوروبية، اعتزلوا أو استنتجوا من هذه العبرة، كما فعل محمد عبده نفسه، أن مصر، ما دامت عاجزة عن إخراج البريطانيين، فلتحاول الاستفادة من وجودهم. لكن عندما أخذ الشعور الوطني، بعد نصف جيل، يبرز من جديد، كان قواده أحدث سنًا وأشد تصلبًا. ولم ينجم ذلك عن سنوات الاحتلال العشر وعن الفارق بين الصراع لمنعه والصراع لإنهائه فحسب، وإنما نجم أيضًا عن تحد جديد جاء يهدد الفكرة الوطنية. فبينما كان على رجال السبعينيات من القرن التاسع عشر أن يحاربوا التمسك بالقديم لدى المحافظين المسلمين والجمود لدى الشعب، كان على رجال التسعينيات أن يقارعوا أيضًا فكرة أتت من الخارج، أي من حكام مصر البريطانيين والجاليات الأجنبية المسيطرة على حياة مصر الاقتصادية، تقول بأن مصر لا تشكل أمة ولا يمكنها تحقيق كيان وطني مستقل. ومع أن هذه النظرة يمكن اعتبارها تعبيًرا عن مصالح الدولة الحاكمة والتجار الأجانب، فقد كان لها بعض التأثير على عقول المصريين المثقفين أنفسهم. وإننا لنعثر بشروح لها في تقارير كرومر السنوية، كما في كتابه «مصر الحديثة». وقد نشأت الرغبة لدى لطفي السيد والوطنيين الجدد في دحض هذه النظرة التي تتلخص في أن الحكم الذاتي الحقيقي الوحيد الذي يناسب مصر هو الذي يسمح لجميع القاطنين فيها من مسلمين ومسيحيين، ومن أوروبيين وأسيويين وأفريقيين أن ينصهروا معًا في هيئة حاكمة واحدة. فإذا لم يتحقق ذلك، وقد يتطلب تحقيقه أعوامًا لا بل أجيالًا، فمن الضروري أن تتخلى مصر عن فكرة الحكم الذاتي (١٠).
стр. 239
وبتعبير آخر. كان هذا الذي زعمه كرومر ينفي أنه كان أو يمكن أن يكون هنالك أمة سياسية واحدة في مصر. فكل ما في الأمر أن هنالك عددًا من الجماعات المنفصلة، بعضها عن بعض، لكنها تشترك فيما بينها اشتراكًا متساويًا في الحكم. وإذا ما بلغت مصر الحكم الذاتي. توجب إنشاء «مجلس تشريعي دولي» تتمثل فيه الجاليات الأجنبية وفقًا لعددها، وعلى بريطانيا أن تبقى في مصر لعدة سنوات بعد ذلك، إن لم يكن لعدة أجيال. إلا أن مثل هذه الأفكار كانت تتعارض تمامًا مع أفكار محمد عبده ورفاقه. وقد نشأت كتابات لطفي السيد السياسية عن الحاجة إلى دحضها دحضًا عقليًا. غير أنها استدعت، لدى فئة أخرى، جوابًا أعنف، يؤكد من جديد وجود أمة مصرية يجب أن تحكم نفسها بنفسها. كان مصطفى كامل هو مؤسس هذه الوطنية الجديدة وزعيمها. وما أن جاء ١٩١٣ حتى كانت أفكار أتباعه وأتباع محمد عبده قد تقاسمت عقول المصريين وولاءهم.
ولد مصطفى كامل في ١٨٧٤، وهو تاريخ له أهميته (١١). وقد بدأت حياته السياسية في السبعينيات وتوفي في ١٩٠٨. لكنه كان ينتمي إلى جيل لم يبلغ، على وجه العموم، النضج السياسي إلا فيما بعد. كان له من العمر ثماني سنوات فقط عندما احتل البريطانيون مصر. وهذا يعني أنه لم يتذكر ما كانت عليه مصر قبل مجيء البريطانيين. لقد كان معقولًا أن يتردد أبناء الجيل السابق في رفض سلطة البريطانيين رفضًا قاطعًا، وذلك إما لشعورهم بالضعف، أو لعجزهم عن أن ينكروا أن مصر كرومر كانت في كثير من النواحي أفضل من مصر إسماعيل. أضف إلى ذلك أن إخفاق حركة عرابي بددت ثقة الناس بعدد منهم. فلما أعاد انتعاش قوة مصر وازدهارها إلى الأمة ثقتها بنفسها، لم ينهض واحد منهم ليتزعم حركة المقاومة الوطنية، فملأ ذلك الفراغ شاب في العشرين من العمر تجدوه ثقة الشباب الصلبة ويعتبر إنكلترا العدو الأوحد.
كان هذا الشاب ينتمي هو أيضًا إلى ذلك الجيل الذي أفاد من
стр. 240
المدارس التي أنشأها إسماعيل ثم نمت، وأن في حدود ضيقة، تحت الحكم البريطاني. وكانت عائلة والده وعائلة والدته تنتميان إلى الطبقة المثقفة الجديدة التي أوجدها محمد علي. ولم يتلق مصطفى كامل التربية التقليدية في الأزهر، بل تربى تربية حديثة، إذ دخل كلية الحقوق في ١٨٩١، ثم كلية الحقوق الفرنسية التي أنشئت بعد عام في القاهرة، إلى أن تخرج في ١٨٩٤ من جامعة تولوز. وكان، في هذه الأثناء، قد برز اسمه كزعيم لفريق من الشبان أخذ يعرف إجمالًا بالحزب الوطني. وكان قد قاد هجومًا على مكاتب «المقطم» التي كانت أهم صحيفة في ذلك العهد، والتي أسسها مسيحيان من لبنان، والتي كانت تدعم، على وجه العموم، سياسة كرومر. وكان أيضًا قد قام بزيارتين إلى فرنسا وألقى هناك محاضرات وأدلى بتصريحات عن مطامح بلاده، كما أخذ يقيم علاقات حميمة مع سياسيين وطنيين فرنسيين ممن كانت وطنيتهم في ذلك الوقت لا تقل مناهضة للبريطانيين عن وطنيته.
وقد تكونت أفكاره الرئيسية في هذه الفترة أيضًا، مع العلم بأنه طرأ عليها، فيما بعد ومع تغير الظروف، شيء من التعديل من حيث التشديد على بعض الآراء. لقد دعا إلى وضع حد للاحتلال البريطاني، ورأى إمكان تحقيق ذلك بمساعدة دولة ثالثة، هي إما فرنسا، الخصم التقليدي لإنكلترا في الشرق الأدنى، أو السلطان العثماني. واعتقد أيضًا أن مصر أمة واحدة، لكنها جزء من عالم أكبر لا بل من عدة عوالم: العثماني والمسلم والشرقي، كما اعتقد أن عليها أن توطد علاقاتها مع كل من هذه العوالم الثلاثة. وقد نشر هذه الأفكار خطابة وكتابة، فكان خطيبًا مفوهًا وصحافيًا ناجحًا. ويعزى إليه الفضل في إنشاء ثاني صحيفة مصرية في ١٩٠٠، هي «اللواء»، بعد أن كان علي يوسف قد أنشأ «المؤيد» في ١٨٨٩، حين كانت معظم الصحف بأيدي اللبنانيين. وقد أصدر أيضًا صحيفته «اللواء» في طبعتين إنكليزية وفرنسية. وهكذا أكسبته
стр. 241
أفكاره وبلاغته وصحفه نفوذًا لدى الشباب المثقف. لكن ما أكسبه النفوذ السياسي المباشر تأييد الخديوي عباس حلمي له وصلته به. وقد كان عباس، بخلاف سلفه توفيق الذي أعاده البريطانيون إلى عرشه، فكان، عن ضرورة وعن ضعف. آلة طيعة في يد كرومر، شابًا يكره الائتمار بأوامر رجل مسن ويرغب في أن يحكم بنفسه. أضف إلى ذلك أنه كان متأثرًا، وإن بمقدار ضئيل، بفكرة الوطنية المصرية. فوجد في مصطفى كامل أداة مفيدة للحد من سلطة كرومر، كما وجد مصطفى كامل فيه وسيلة لكسب النفوذ. وظن كل منهما أنه يستخدم الآخر. وعلى هذا الأساس المتزعزع قام بينهما تحالف ذو فائدة متبادلة. وكانت سياستهما واحدة: استخدام سلطة القصر وتأييد الجماهير ونفوذ إسطنبول وباريس لمنع مصر من الوقوع كليًا وبشكل دائم في دائرة النفوذ البريطاني. إلا أن هذا التحالف أخذ يضعف تدريجًا ببروز نقاط الضعف في هذه السياسة. فانخذال فرنسا في فاشودا، في ١٨٩٨، والاتفاق الإنكليزي الفرنسي، في ١٩٠٤، جعلا من الصعب التصديق أن بإمكان فرنسا دعم الوطنيين في مصر. فاتجه الخديوي، بعد ١٩٠٤، نحو التقرب من البريطانيين، إذ أصبح هذا ممكنًا بعد اعتزال كرومر ومجيء غورست خلفًا له. وكان مصطفى كامل قد توصل إلى الاعتقاد أن اهتمام الخديوي عباس بسلطته الخاصة كان أشد من اهتمامه باستقلال مصر، كما كانت حاجته إلى الخديوي قد أخذت تتضاءل، إذ وجد له وسائل أخرى لنشاطه. من ذلك أن نمو طبقة الطلاب قد أتاح له مجالًا أوسع للخطابة والكتابة، كما أن حادث دنشاواي الشهير قد فجر الشعور بالذل الوطني. ففي ١٩٠٦ نشب قتال بين أهالي قرية دنشاواي قرب طنطا على الدلتا وبين فريق من الضباط البريطانيين كانوا يصطادون الحمام في الجوار، فوقع بعض الجرحى من الضباط ومات أحدهم من الرعب ومن حرارة الشمس. فما كان من الجنود البريطانيين إلا أن ضربوا أحد القرويين حتى الموت بعد أن اكتشفوا جثة الضابط
стр. 242
القتيل. وكان كرومر في إجازة، ذلك الوقت، ففقد الذين كانوا متسلمين مهامه صوابهم، وأقاموا محكمة خاصة قضت بشنق عدد من القرويين وبجلد عدد آخر. وقد نفذت فيهم الأحكام بتشهير بربري، وما ترك في الشعور العام تأثيرًا عميقًا (١٢). وبضغط هذا الشعور وبفضل تخفيف شدة الرقابة في عهد كرومر في أعوامه الأخيرة، ثم في عهد غورست، خطا الوعي السياسي خطوة إلى الأمام، وظهرت الأحزاب السياسية المنظمة. فبرزت إلى الوجود في ١٩٠٧ ثلاثة أحزاب، هي: الحزب الشعبي الذي أنشأه أتباع محمد عبده، وحزب الإصلاح الدستوري الذي أسسه علي يوسف، وكان بالواقع حزب الخديوي، والحزب الوطني الذي كان قائمًا، لسنوات خلت، فأعطاه الآن مصطفي كامل ورفاقه طابعًا رسميًا. وهكذا بدا مصطفى كامل، بعد أن تسلم زعامة الطلاب والشارع وبفضل نمو الوعي السياسي والهيجان الشعبي، قادرًا على تسلم زمام الحكم، إلا أنه توفي في السنة التالية.
وبعد وفاته، أحيط بالشهرة التي خلفها وراءه بعض الالتباس. فكان، في نظر بعض المصريين من جيله، حتى لبضع سنوات خلت، زعيم مصر الحقيقي، لا يحجب مجده لديهم مجد زغلول والنحاس. أما محمد عبده ورفاقه، فاعتبروه خطيبًا شعبيًا فارغًا. وقد هاجمه بعض خصومه السياسيين، بعنف، فوصفه مثلًا زعيم «حزب الأحرار» القصير العدر «بالمنافق الدنيء ... والخائن لوطنك والعدو لشعبك! يا من حركك الشر فبعت نفسك مادحًا أساليب العبودية والاستبداد والانحطاط وأسوأ المفاسد ومبطنًا إياها بكلمات الحرية والإيمان» (١٣). لقد كان له في فرنسا مؤيدون عنيدون. أما في بريطانيا، فقد انقسمت حوله وحول نشاطه الآراء. فسماه السكرتير الشرقي للوكالة البريطانية، وكان رجلًا لا يخلو من العطف على المصريين وعلى الناحية الماجنة من الطبيعة البشرية، «دجالًا من الطراز الأول، ومخجلًا في حياته الخاصة، ومرتشيًا حتى قمة
стр. 243
رأسه من قبل جميع الفرقاء» (١٤)، أما بلنط فرسم لنا عنه صورة أخرى، إذ قال عنه: «إنه متحمس وبليغ وذو موهبة فائقة في الخطابة ... وأفكار واضحة كل الوضوح ... ومعرفة بالناس وبالأشياء عجيبة ... وإني أعتبره أيضًا مخلصًا في وطنيته، ولم أتمكن أن أكتشف لديه طيلة حديثه اليوم أية نغمة زائفة. وهو فضلًا عن ذلك شجاع مقدام وذو رأي ثاقب ثابت» (١٥).
ومهما يكن من أمر خصاله الحميدة ونقائصه الشخصية، فالأكيد أنه كان في نظر الكثيرين من المصريين رمزًا ضخمًا لآمالهم. وكان مأتمه أول وأكبر تظاهرة شعبية للروح الوطنية الجديدة. فقد قال قاسم أمين إنه لم يشعر بقلب مصر يدق إلا مرتين: في دنشاواي، وعندما دفن مصطفى كامل.
لم ليس محتوى تعاليمه هو ما استهوى مواطنيه، على ما في خطبه وكتاباته من أفكار في كيفية تنظيم المجتمع. فقد استشهد مرة بعبارة الخديوي إسماعيل الشهيرة، وهي أن مصر جزء من أوروبا (١٦). ليدلل على ضرورة تبني ما كان ذا قيمة في المدنية الغربية. فما من أمة يمكنها أن تعيش عيشة كريمة ما لم تسر على هذا الدرب (١٧). غير أن هذا لا يعني أن على مصر تقليد أوروبا تقليدًا أعمى، إذ يجب أن تبقى وفية لمبادئ الإسلام المفسرة تفسيرًا صحيحًا. فالإسلام الحقيقي هو الوطنية والعدل، النشاط والاتحاد، المساواة والتساهل (١٨)، وبإمكانه أن يكون أساسًا لحياة إسلامية جديدة تستمد قوتها من العلم ومن الفكر الواسع والرفيع (١٩). وكان مصطفى كامل يردد كلمتي «الحرية والتقدم» الرنانة، ويشدد على أهمية الثقافة العالمية، ويشير، وإن عرضًا، إلى الصناعة الوطنية (٢٠). لكن كل هذا وأمثاله من الآراء كان مألوفًا لدى الفكر التقدمي المصري منذ أيام الأفغاني. غير أن ما يستحق الذكر هو أن اتصاله الشخصي بأفكار الأفغاني قد تم على يد عبد الله النديم الذي تعرف إليه في ١٨٩٢ (٢١)، فكان أقرب روحيًا إلى خطيب الحركة العرابية
стр. 244
منه إلى أتباع المدرسة الأفغانية الأكثر رزانة وتعقلًا. ولم يكن همه الرئيسي تحليل طبيعة المجتمع المصري ولا تربية المصريين على الفضيلة السياسية، بل تحريك الهمم في الصراع ضد البريطانيين.
كان يعتبر البريطانيين أعداء الشعب المصري، ويعتقد أن هذه العداوة لن تزول إلا بزوال الاحتلال. فوجودهم، في نظره، لم يكن ضروريًا للإصلاح. فالإصلاح يتم بدونهم، لا بل يتم على وجه أكمل (٢٢). لذلك كان شعار حزبه، حتى طويلًا بعد موته: الجلاء الفوري بلا قيد ولا شرط. وبعد جيل، كان ما تبقى من حزبه يشكل الفريق السياسي الوحيد الذي رفض أن يشترك في المفاوضات الإنكليزية المصرية حول معاهدة ١٩٣٦. وكان البريطانيون أيضًا، في نظره، أعداء الإمبراطورية العثمانية. وقد وضع تاريخًا مطولًا للمسألة الشرقية أوضح فيه العلاقة بين سياسات الدول والحركات الداخلية في الإمبراطورية، مشددًا على الأخطاء الناجمة عن الاستغلال البريطاني لهذه الحركات. قائلًا إن من الثابت أن بريطانيا عدوة العثمانيين من مسلمين ومسيحيين على السواء، وإنها، من أجل الاحتفاظ بمركزها في مصر، تعمل على إضعاف السلطان وتحول دون إثبات حقوقه في السيادة. لذلك أرادت نقل الخلافة من يد السلطان إلى رجل يأتمر بأمرها. وما فكرة الخلافة العربية إلا خطة بريطانية، وما كتاب بلنط، «مستقبل الإسلام»، إلا نشرة دعائية للسياسة البريطانية. زد على ذلك أن بريطانيا شجعت، للسبب نفسه، الحركات الانفصالية لدى المسيحيين، وتدخلت بينهم وبين سيدهم باسم الدين. لكن ذلك بقي بدون كبير جدوى، إذ حافظ معظم المسيحيين على ولائهم للسلطان الذي كانت حكومته تعاملهم دومًا معاملة حسنة، ولم يتجه إلى الدول الأجنبية سوى بعضهم، فعانوا المتاعب من جراء ذلك (٢٣).
وكان مصطفى كامل يحاول تحريك العالم الخارجي ضد سلطة بريطانيا وخطتها. فكان يناشد الضمير الليبرالي في العالم وبالأخص في
стр. 245
فرنسا، حيث كان يحسبه حيًا أكثر من أي مكان آخر، إذ كانت فرنسا غريمًا لإنكلترا، ومهد الثقافة الأوروبية كما عرفها دائمًا، وأم الثورة الفرنسية. وكان أول عمل رسمي قام به في هذا السبيل رسالة قدمها، في ١٨٩٥، إلى الجمعية الوطنية الفرنسية يطلب فيها مساعدة فرنسا لتحقيق الاستقلال. وقد أرفقها بصورة رمزية تمثل مصطفى كامل ووراءه شعب مصر يقدم طلبه إلى فرنسا، فرنسا التي «أعلنت حقوق الإنسان»، ودعمت التقدم والمدنية، وحررت عددًا كبيرًا من الأمم (٢٤). وكان يشجعه ويساعده عدد من الفرنسيين من الرجال والنساء، أمثال الكاتبة القومية جوليات آدم والكاتب القصصي بيار لوتي. وكتب مصطفى كامل، في ١٨٩٤، هذه العبارة: «إن حلمي هو أن أكون أخًا لبيار لوتي الذي أحب الشرق والمسلمين كما لم يحبهم ويفهمهم أي فرنسي من قبل» (٢٥). لكن انسحاب فرنسا من فاشودا أثبت له أن فرنسا لم تكن قادرة أو عازمة على تحدي مركز بريطانيا في وادي النيل. وقد قضى اتفاق ١٩٠٤ على آخر أمل لديه. فكتب في هذه الفترة إلى مدام آدم قائلًا: «إنني أكون سخيفًا لو اعتقدت أن فرنسا تستطيع أن تكون صديقة لمصر وللإسلام. فوداعا لكل أحلام الماضي، وليس لي في فرنسا سواك» (٢٦).
وفي أعوامه الأخيرة حصر آماله في قوة السلطان العثماني من بين جميع القوى الأخرى. فكان يقول إن بقاء الإمبراطورية أمر ضروري للجنس البشري، إذ أن انهيارها قد يؤدي إلى حرب عالمية (٢٧)، وأن على المسلمين أن يلتفوا حول عرش السلطان، وأن هذا الالتفاف مهم لمصر بنوع خاص، لأن الدول الكبرى لا تستطيع، ما دام السلطان سيدًا، أن تفعل بها ما تريد. فما تمكنت بريطانيا من احتلال مصر إلا لسوء العلاقات بين السلطان والخديوي، وهي لن تستطيع دمج مصر في إمبراطوريتها إلا إذا تمكنت من عقد اتفاق مع تركيا مماثل لاتفاقها مع فرنسا. لذلك فعلى الذين يريدون أن تكون مصر مستقلة أن يساعدوا على إبقاء تركيا مستقلة. وقد
стр. 246
أيد مصطفى كامل ورفاقه تركيا في الشؤون الدولية. كالحرب اليونانية التركية في ١٨٩٧، وحادث العقبة في ١٩٠٦ (٢٨)، فمنحه السلطان لقب باشا في ١٩٠٤. غير أن هذا لا يعني أن مصطفى كامل ورفاقه أرادوا أن تقع مصر مجددًا تحت الحكم العثماني. فقد صاح مرة في فقرة تنم عن خصائص عقله الخطابية وعن ازدواجية موقفه من الإمبراطورية قائلًا: إنه من غير المعقول أن يريد المصريون، بعد مئات السنين من المدنية، أن يصبحوا عبيدًا من جديد، وأضاف: «رمانا الطاعنون أيضًا بأننا نريد أن نخرج الإنكليز من مصر لنعطيها لتركيا كولاية عادية، أي إننا نريد تغيير الحاكمين، لا طلب الاستقلال والحكم الذاتي. وما هذه التهمة إلا تصريح بأن علوم الغرب وآدابه التي نقلت إلى مصر من مدة قرن من الزمان ما زادتنا إلا تمسكًا بالعبودية والمذلة، وإن معرفتنا لحقوق الأمم وواجباتها لم ترشحنا إلا أن نكون عبيدًا أرقاء. فهذه التهمة هي مسبة للمدنية والمتمدنين وقضاء على الأمة المصرية بأنها لا ترقى أبدًا ولا تبلغ مبلغ غيرها من الشعوب» (٢٩).
كان السلطان في نظره خليفة أيضًا، وبهذا الوصف استقطب ولاء جميع المسلمين. وكان التضامن الإسلامي أمرًا حقيقيًا، وإن لم يكن يعني، في نظره، إقامة دولة واحدة أو تعبيًرا عن بغض أعمى لجميع من كانوا غير مسلمين. غير أنه رأى أن هناك في ما وراء العالم الإسلامي شيئًا آخر: عالم الشرق بكامله الذي توحده مقاومة التوسع الأوروبي المشتركة والحاجة لقبول المدنية الأوروبية. وقد رأى في انتصار اليابان على روسيا في ١٩٠٥ الدلالة الأولى على إمكانية ذلك، وفي نهضتها التي هزت شعور الوطنيين الشرقيين في كل مكان برهانًا على أن الشرق لم يمت. وكان هو يشارك في هذا الشعور القوي، فكتب كتابًا عن اليابان الجديدة بعنوان «الشمس المشرقة».
غير أنه لم يكن يعتقد أن بإمكان مصر أن تستقل بالاعتماد فقط
стр. 247
على المعونة الخارجية. فهي لا تستطيع بالواقع الحصول على هذه المعونة ما لم يكن لها قوتها الذاتية، كما أثبت ذلك بوضوح الاتفاق الإنكليزي الفرنسي في ١٩٠٤. وقد قال مصطفى كامل عن هذا الاتفاق أنه ألقى على مصر درسًا علمها أن لا نهوض لها إلا بجهودها الخاصة، وهو يعني بذلك جهودها في سبيل الوحدة قبل كل شيء، وأن الاحتلال البريطاني ما كان ليحصل لولا الانشقاق داخل المعسكر المصري الذي شجع عليه البريطانيون أنفسهم، وبالأخص الانشقاق بين «الجراكسة» و «المصريين»، ذلك الانشقاق الذي لم يكن له من داع ما دام كلا الفريقين مصريين بالفعل. وقد أنحى باللائمة في ذلك على عرابي، قائلًا إن خطة ما قد وضعت لمغادرة عرابي مصر كي يتمكن الفريقان من التفاهم، وهو أمر كان من شأنه أن يحول دون التدخل الأجنبي، وأن حس عرابي الوطني كان يجب أن يحمله على القبول بتلك الخطة (٣٠).
لكن كيف يمكن تحقيق هذه الوحدة؟ كان مصطفى كامل يعتقد، على غرار سواه من وطنيي زمانه، أنه بالإمكان إقامة الوحدة على «الشعور»، أي الإحساس بالانتماء إلى الأمة وبالمسؤولية تجاهها. ففي الوطنية يكمن سر القوة الأوروبية وأساس التمدن. وفي هذا يقول: «وكل ما في هذه الديار من عدل ونظام وحرية واستقلال ونعيم عظيم وملك كبير هو ولا ريب من مبتدعات هذا الإحساس الشريف الذي يسوق أفراد أمة بأسرها إلى العمل لغرض مشترك ومطلب واحد» (٣١).
أما «موضوع» هذا الشعور، لدى مصطفى كامل وسواه ممن سبقه من الكتاب، فلم يكن لا اللغة ولا الدين، بل أرض مصر. فهو يتغنى بجمال مصر وماضيها العظيم. وهو لا يعتبر المصريين، بل «بلاد» مصر هي الإله الذي يعبده، «لأن مصر، وهي جنة الدنيا، لا تستحق أن يداس شرفها بالأقدام ونصبح فيها، نحن أبناءها الأعزاء، ممقوتين غرباء» (٣٢).
стр. 248
لكنه يتحدث أحيانًا، لا عن مصر وحدها، بل عن وادي النيل أيضًا، بما فيه السودان. فالشعبان المصري والسوداني كانا عبر التاريخ شعبًا واحدًا (٣٣). وكان كثير الشك في نوايا البريطانيين ويخشى أن يحاولوا، بعد افتتاح السودان، أن يجعلوا منهما شعبين (٣٤). وقد عبر بقوة عن تخوفه من هذا الخطر يوم حضر حفلة فتح سد أسوان في ١٩٠٢، فقال: «إذا قام الإنكليز في المستقبل ببناء خزانات في السودان، فستصبح مصر تحت رحمتهم وتتعرض لأشد الأخطار» (٣٥).
وكان يعتقد أنه لا يجوز للغة أو للدين أو للوضع الحقوقي أن يؤثر في تعيين من يمكن أن تشملهم «الوطنية». فهي تضم مبدئيًا جميع القاطنين في مصر. لكنها يجب أن تجمع أولًا بين الحاكم والشعب. وقد ذكرنا سابقًا أن مصطفى كامل كان ينعم برضى الخديوي في سنواته الأولى، فكان من الطبيعي أن يلح على أهمية الرابطة بين الخديوي والأمة. ولكن آماله بعباس حلمي أخذت تتضاءل تدريجًا. فقد تسنى له أن يرى عيوبه الخلقية تتكشف مع مرور الزمن: كشغفه بالمال، وعدم الاستقرار، وقلة الثبات في طبعه. فصرح لبلنط في ١٩٠٦ «بأن عباسًا وأسرته لا ينفعون شيئًا» (٣٦). وقد تباعد الاثنان بعد ١٩٠٤، وجرت مصالحة بينهما فيما بعد، ثم وقع التباعد النهائي عندما وضع غورست سياسته موضع التنفيذ. ولا شك في أن هذا ما حمل مصطفى كامل، في السنوات الأخيرة، على المطالبة بحكم دستوري وتمثيلي. لكنه كان يعتقد، بصرف النظر عن رأيه في شخص الحاكم، أن الأسرة المالكة هي التي خلقت مصر الحديثة. ففي خطاب ألقاه في الذكرى المئوية لمجيء محمد علي، أثنى على هذا الأخير لتحقيق الاستقلال وتنظيم الحكم وفتح باب التوظيف لجميع المصريين وتحاشى الديون (٣٧). لكنه أضاف إلى ذلك قائلًا: لم يكن الحاكم في كل هذا سوى تعبير عن إرادة الأمة التي رفعته إلى الحكم باختيار الشعب. والواقع أن تعاونًا وثيقًا قد قام بين محمد
стр. 249
علي وزعماء أهالي القاهرة في أثناء حوادث ١٩٠٥ المعقدة، أسفر عن أن هؤلاء عرضوا عليه حكم مصر فوافقت الحكومة العثمانية فيما بعد على هذا الاختيار (٣٨). وهنا يقول مصطفى كامل: في هذه البرهة نشأت الرابطة المعنوية بين الأسرة الحاكمة والأمة (٣٩).
ويقول مصطفى كامل أيضًا إن هذه الرابطة قائمة بين الأقباط والمسلمين إذ عاشوا معًا، طيلة قرون عديدة، في منتهى الوحدة والتجانس. لكن هذا لا يعني، في نظره، أن على أي من الفريقين أن يتخلى عن دينه، أو أن على مصر أن تكف عن كونها إسلامية قبل كل شيء. فهناك دائرتان: الدين والحياة الوطنية، وليس من داع لأن يقوم نزاع بينهما، إذ أن الدين الحقيقي يعلم الوطنية الحقيقية (٤٠). وقد كانت هذه المبادئ التي أعلنها مصطفى كامل فوق الشبهات، لكن الأقليات لم تثق به، بل كانت تأخذ عليه ضعف إيمانه بتلك المبادئ، لا بل استعداده لتضحيتها في سبيل بلوغ السلطة أو من أجل المصلحة الوطنية كما كان يفهمها، هذا فضلًا عن أنها رأت خطرًا في إثارته لقوى شعبية يستحيل عليه ضبطها فيما بعد. ويصح هذا أيضًا على علاقاته بالجاليات الأجنبية في مصر. فقد حاول استمالتها إليه، وكان يصرح بأن الأجانب والمصريين مصلحة واحدة في منع البريطانيين من الاستيلاء على كل شيء في مصر، وأن الأجانب ينفعون مصر نفعًا حقيقيًا، فهم «طلائع المدنية الغربية» فيها، و «ضمانة التقدم والرفاهية» (٤١). لكن نبرة صوته كانت تتغير كلما تحدث عن «الدخلاء» اللبنانيين الذين كانوا، في اعتقاده، يساعدون السلطة المحتلة. وهذه هي تعابيره عنهم بالحرف الواحد: «الدخلاء! الدخلاء! الدخلاء! هؤلاء هم الأعداء! .. لقد أنكروا وطنهم ولم يبادلوا كرم مصر وضيافتها إلا بالعقوق والكراهية» (٤٢).
إن ما يشرح ازدواجية موقف مصطفى كامل وشكوك الأجانب والأقليات فيه إنما هي تلك الأساليب التي كان يأمل تحقيق الوحدة
стр. 250
بواسطتها. ربما كان مصطفى كامل مداهنًا، لكنه كان أيضًا أول سياسي شعبي في مصر الحديثة. فهو، لاعتقاده بأنه لا يمكن للدبلوماسية السرية أن تحمل البريطانيين على إقامة حكومة دستورية. إذ أنهم لا يرضخون إلا للضغط، قد حاول إثارة الهمم الوطنية بتشجيع الجمهور على الاهتمام بالسياسة وبتوجيه هذا الاهتمام في سبل من شأنها أن تؤدي إلى تحقيق هدفه. ومن هذه السبل إنشاء حزب ينتشر في طول البلاد وعرضها، وإقامة تظاهرات شعبية، وتنظيم إضرابات يقوم بها الطلاب. ففي ١٩٠٦ نظم إضرابًا في مدرسة الحقوق كان فاتحة عهد طويل من الهيجان بين الطلاب لم يهدأ إلا عندما هدأ النشاط السياسي نفسه بقيام الحكم العسكري في ١٩٥٢. كان هناك من يفكر تفكيره، لكن لم يكن لأحد غيره تأثيره في الجماهير. ويمكن القول إن حزبه لم يستعد ما فقده قبل ١٩١٤. فهو، وإن ظل يشكل قوة تهابها بريطانيا والخديوي على السواء، لم يوفق قط بعد وفاة مصطفى كامل إلى إيجاد الزعيم المناسب. كان رئيسه الأسمى محمد فريد، وهو رجل جليل لكنه غير فعال. وقد تنحى من تلقاء نفسه عن العمل في ١٩١١ وتوفي في ١٩١٩. فتسلم السلطة الحقيقية في الحزب عبد العزيز شاويش الذي كان أستاذًا للغة العربية في جامعة أكسفورد فيما قبل. كان هذا خطيبًا عنيفًا، عرف كيف يوجه مبادئ مصطفى كامل نحو الوحدة الإسلامية والوحدة العثمانية (كان من أصل تونسي لا مصري). إلا أن العمل الوحيد الذي أتاه هو تفجير التوتر الخفي بين الأقباط والمسلمين، بحيث برز بروزًا لم يسبق له مثيل في تاريخ مصر الحديث. وقد غادر، هو أيضًا، مصر إلى تركيا في أثناء الحرب العالمية الأولى، ثم فقد نفوذه عند انتهائها.
لقد غيرت الحرب ماهية القومية المصرية، إذ تحولت من حركة خاصة بالنخبة المثقفة، إلى حركة كان بوسعها، في أوقات الأزمات، أن تظفر إلى حد بعيد بتأييد الشعب بكامله. ويعود هذا التغيير
следующие страницы →