Полный текст (470 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
أيد مصطفى كامل ورفاقه تركيا في الشؤون الدولية. كالحرب اليونانية التركية في ١٨٩٧، وحادث العقبة في ١٩٠٦ (٢٨)، فمنحه السلطان لقب باشا في ١٩٠٤. غير أن هذا لا يعني أن مصطفى كامل ورفاقه أرادوا أن تقع مصر مجددًا تحت الحكم العثماني. فقد صاح مرة في فقرة تنم عن خصائص عقله الخطابية وعن ازدواجية موقفه من الإمبراطورية قائلًا: إنه من غير المعقول أن يريد المصريون، بعد مئات السنين من المدنية، أن يصبحوا عبيدًا من جديد، وأضاف: «رمانا الطاعنون أيضًا بأننا نريد أن نخرج الإنكليز من مصر لنعطيها لتركيا كولاية عادية، أي إننا نريد تغيير الحاكمين، لا طلب الاستقلال والحكم الذاتي. وما هذه التهمة إلا تصريح بأن علوم الغرب وآدابه التي نقلت إلى مصر من مدة قرن من الزمان ما زادتنا إلا تمسكًا بالعبودية والمذلة، وإن معرفتنا لحقوق الأمم وواجباتها لم ترشحنا إلا أن نكون عبيدًا أرقاء. فهذه التهمة هي مسبة للمدنية والمتمدنين وقضاء على الأمة المصرية بأنها لا ترقى أبدًا ولا تبلغ مبلغ غيرها من الشعوب» (٢٩).
كان السلطان في نظره خليفة أيضًا، وبهذا الوصف استقطب ولاء جميع المسلمين. وكان التضامن الإسلامي أمرًا حقيقيًا، وإن لم يكن يعني، في نظره، إقامة دولة واحدة أو تعبيًرا عن بغض أعمى لجميع من كانوا غير مسلمين. غير أنه رأى أن هناك في ما وراء العالم الإسلامي شيئًا آخر: عالم الشرق بكامله الذي توحده مقاومة التوسع الأوروبي المشتركة والحاجة لقبول المدنية الأوروبية. وقد رأى في انتصار اليابان على روسيا في ١٩٠٥ الدلالة الأولى على إمكانية ذلك، وفي نهضتها التي هزت شعور الوطنيين الشرقيين في كل مكان برهانًا على أن الشرق لم يمت. وكان هو يشارك في هذا الشعور القوي، فكتب كتابًا عن اليابان الجديدة بعنوان «الشمس المشرقة».
غير أنه لم يكن يعتقد أن بإمكان مصر أن تستقل بالاعتماد فقط
стр. 247
على المعونة الخارجية. فهي لا تستطيع بالواقع الحصول على هذه المعونة ما لم يكن لها قوتها الذاتية، كما أثبت ذلك بوضوح الاتفاق الإنكليزي الفرنسي في ١٩٠٤. وقد قال مصطفى كامل عن هذا الاتفاق أنه ألقى على مصر درسًا علمها أن لا نهوض لها إلا بجهودها الخاصة، وهو يعني بذلك جهودها في سبيل الوحدة قبل كل شيء، وأن الاحتلال البريطاني ما كان ليحصل لولا الانشقاق داخل المعسكر المصري الذي شجع عليه البريطانيون أنفسهم، وبالأخص الانشقاق بين «الجراكسة» و «المصريين»، ذلك الانشقاق الذي لم يكن له من داع ما دام كلا الفريقين مصريين بالفعل. وقد أنحى باللائمة في ذلك على عرابي، قائلًا إن خطة ما قد وضعت لمغادرة عرابي مصر كي يتمكن الفريقان من التفاهم، وهو أمر كان من شأنه أن يحول دون التدخل الأجنبي، وأن حس عرابي الوطني كان يجب أن يحمله على القبول بتلك الخطة (٣٠).
لكن كيف يمكن تحقيق هذه الوحدة؟ كان مصطفى كامل يعتقد، على غرار سواه من وطنيي زمانه، أنه بالإمكان إقامة الوحدة على «الشعور»، أي الإحساس بالانتماء إلى الأمة وبالمسؤولية تجاهها. ففي الوطنية يكمن سر القوة الأوروبية وأساس التمدن. وفي هذا يقول: «وكل ما في هذه الديار من عدل ونظام وحرية واستقلال ونعيم عظيم وملك كبير هو ولا ريب من مبتدعات هذا الإحساس الشريف الذي يسوق أفراد أمة بأسرها إلى العمل لغرض مشترك ومطلب واحد» (٣١).
أما «موضوع» هذا الشعور، لدى مصطفى كامل وسواه ممن سبقه من الكتاب، فلم يكن لا اللغة ولا الدين، بل أرض مصر. فهو يتغنى بجمال مصر وماضيها العظيم. وهو لا يعتبر المصريين، بل «بلاد» مصر هي الإله الذي يعبده، «لأن مصر، وهي جنة الدنيا، لا تستحق أن يداس شرفها بالأقدام ونصبح فيها، نحن أبناءها الأعزاء، ممقوتين غرباء» (٣٢).
стр. 248
لكنه يتحدث أحيانًا، لا عن مصر وحدها، بل عن وادي النيل أيضًا، بما فيه السودان. فالشعبان المصري والسوداني كانا عبر التاريخ شعبًا واحدًا (٣٣). وكان كثير الشك في نوايا البريطانيين ويخشى أن يحاولوا، بعد افتتاح السودان، أن يجعلوا منهما شعبين (٣٤). وقد عبر بقوة عن تخوفه من هذا الخطر يوم حضر حفلة فتح سد أسوان في ١٩٠٢، فقال: «إذا قام الإنكليز في المستقبل ببناء خزانات في السودان، فستصبح مصر تحت رحمتهم وتتعرض لأشد الأخطار» (٣٥).
وكان يعتقد أنه لا يجوز للغة أو للدين أو للوضع الحقوقي أن يؤثر في تعيين من يمكن أن تشملهم «الوطنية». فهي تضم مبدئيًا جميع القاطنين في مصر. لكنها يجب أن تجمع أولًا بين الحاكم والشعب. وقد ذكرنا سابقًا أن مصطفى كامل كان ينعم برضى الخديوي في سنواته الأولى، فكان من الطبيعي أن يلح على أهمية الرابطة بين الخديوي والأمة. ولكن آماله بعباس حلمي أخذت تتضاءل تدريجًا. فقد تسنى له أن يرى عيوبه الخلقية تتكشف مع مرور الزمن: كشغفه بالمال، وعدم الاستقرار، وقلة الثبات في طبعه. فصرح لبلنط في ١٩٠٦ «بأن عباسًا وأسرته لا ينفعون شيئًا» (٣٦). وقد تباعد الاثنان بعد ١٩٠٤، وجرت مصالحة بينهما فيما بعد، ثم وقع التباعد النهائي عندما وضع غورست سياسته موضع التنفيذ. ولا شك في أن هذا ما حمل مصطفى كامل، في السنوات الأخيرة، على المطالبة بحكم دستوري وتمثيلي. لكنه كان يعتقد، بصرف النظر عن رأيه في شخص الحاكم، أن الأسرة المالكة هي التي خلقت مصر الحديثة. ففي خطاب ألقاه في الذكرى المئوية لمجيء محمد علي، أثنى على هذا الأخير لتحقيق الاستقلال وتنظيم الحكم وفتح باب التوظيف لجميع المصريين وتحاشى الديون (٣٧). لكنه أضاف إلى ذلك قائلًا: لم يكن الحاكم في كل هذا سوى تعبير عن إرادة الأمة التي رفعته إلى الحكم باختيار الشعب. والواقع أن تعاونًا وثيقًا قد قام بين محمد
стр. 249
علي وزعماء أهالي القاهرة في أثناء حوادث ١٩٠٥ المعقدة، أسفر عن أن هؤلاء عرضوا عليه حكم مصر فوافقت الحكومة العثمانية فيما بعد على هذا الاختيار (٣٨). وهنا يقول مصطفى كامل: في هذه البرهة نشأت الرابطة المعنوية بين الأسرة الحاكمة والأمة (٣٩).
ويقول مصطفى كامل أيضًا إن هذه الرابطة قائمة بين الأقباط والمسلمين إذ عاشوا معًا، طيلة قرون عديدة، في منتهى الوحدة والتجانس. لكن هذا لا يعني، في نظره، أن على أي من الفريقين أن يتخلى عن دينه، أو أن على مصر أن تكف عن كونها إسلامية قبل كل شيء. فهناك دائرتان: الدين والحياة الوطنية، وليس من داع لأن يقوم نزاع بينهما، إذ أن الدين الحقيقي يعلم الوطنية الحقيقية (٤٠). وقد كانت هذه المبادئ التي أعلنها مصطفى كامل فوق الشبهات، لكن الأقليات لم تثق به، بل كانت تأخذ عليه ضعف إيمانه بتلك المبادئ، لا بل استعداده لتضحيتها في سبيل بلوغ السلطة أو من أجل المصلحة الوطنية كما كان يفهمها، هذا فضلًا عن أنها رأت خطرًا في إثارته لقوى شعبية يستحيل عليه ضبطها فيما بعد. ويصح هذا أيضًا على علاقاته بالجاليات الأجنبية في مصر. فقد حاول استمالتها إليه، وكان يصرح بأن الأجانب والمصريين مصلحة واحدة في منع البريطانيين من الاستيلاء على كل شيء في مصر، وأن الأجانب ينفعون مصر نفعًا حقيقيًا، فهم «طلائع المدنية الغربية» فيها، و «ضمانة التقدم والرفاهية» (٤١). لكن نبرة صوته كانت تتغير كلما تحدث عن «الدخلاء» اللبنانيين الذين كانوا، في اعتقاده، يساعدون السلطة المحتلة. وهذه هي تعابيره عنهم بالحرف الواحد: «الدخلاء! الدخلاء! الدخلاء! هؤلاء هم الأعداء! .. لقد أنكروا وطنهم ولم يبادلوا كرم مصر وضيافتها إلا بالعقوق والكراهية» (٤٢).
إن ما يشرح ازدواجية موقف مصطفى كامل وشكوك الأجانب والأقليات فيه إنما هي تلك الأساليب التي كان يأمل تحقيق الوحدة
стр. 250
بواسطتها. ربما كان مصطفى كامل مداهنًا، لكنه كان أيضًا أول سياسي شعبي في مصر الحديثة. فهو، لاعتقاده بأنه لا يمكن للدبلوماسية السرية أن تحمل البريطانيين على إقامة حكومة دستورية. إذ أنهم لا يرضخون إلا للضغط، قد حاول إثارة الهمم الوطنية بتشجيع الجمهور على الاهتمام بالسياسة وبتوجيه هذا الاهتمام في سبل من شأنها أن تؤدي إلى تحقيق هدفه. ومن هذه السبل إنشاء حزب ينتشر في طول البلاد وعرضها، وإقامة تظاهرات شعبية، وتنظيم إضرابات يقوم بها الطلاب. ففي ١٩٠٦ نظم إضرابًا في مدرسة الحقوق كان فاتحة عهد طويل من الهيجان بين الطلاب لم يهدأ إلا عندما هدأ النشاط السياسي نفسه بقيام الحكم العسكري في ١٩٥٢. كان هناك من يفكر تفكيره، لكن لم يكن لأحد غيره تأثيره في الجماهير. ويمكن القول إن حزبه لم يستعد ما فقده قبل ١٩١٤. فهو، وإن ظل يشكل قوة تهابها بريطانيا والخديوي على السواء، لم يوفق قط بعد وفاة مصطفى كامل إلى إيجاد الزعيم المناسب. كان رئيسه الأسمى محمد فريد، وهو رجل جليل لكنه غير فعال. وقد تنحى من تلقاء نفسه عن العمل في ١٩١١ وتوفي في ١٩١٩. فتسلم السلطة الحقيقية في الحزب عبد العزيز شاويش الذي كان أستاذًا للغة العربية في جامعة أكسفورد فيما قبل. كان هذا خطيبًا عنيفًا، عرف كيف يوجه مبادئ مصطفى كامل نحو الوحدة الإسلامية والوحدة العثمانية (كان من أصل تونسي لا مصري). إلا أن العمل الوحيد الذي أتاه هو تفجير التوتر الخفي بين الأقباط والمسلمين، بحيث برز بروزًا لم يسبق له مثيل في تاريخ مصر الحديث. وقد غادر، هو أيضًا، مصر إلى تركيا في أثناء الحرب العالمية الأولى، ثم فقد نفوذه عند انتهائها.
لقد غيرت الحرب ماهية القومية المصرية، إذ تحولت من حركة خاصة بالنخبة المثقفة، إلى حركة كان بوسعها، في أوقات الأزمات، أن تظفر إلى حد بعيد بتأييد الشعب بكامله. ويعود هذا التغيير
стр. 251
إلى الأفكار الجديدة وإلى الروح الجديدة الناجمة عن الحرب، وإلى الوعود المبذولة والبيانات الصادرة في أثناء الحرب. وهي وعود وبيانات لم تقتصر على المصريين، إلا أنها أثرت فيهم. كما يعود إلى الضيم الذي عانته مصر في تلك الحقبة. ففي مطلع الحرب، استبدل الخديوي عباس حلمي بعم له كان ألين منه تجاه البريطانيين. ثم ألغيت السيادة العثمانية على مصر وأدخلت هذه في عداد المحميات البريطانية. فأغاظت هذه التدابير مؤيدي الخديوي والمتمسكين بالرابطة العثمانية، كما أذكت مخاوف الذين كانوا يعتقدون أن السياسة البريطانية كانت تتوخى جعل مصر جزءًا من الإمبراطورية البريطانية إلى الأبد. وبالواقع، فقد عوملت مصر، تحت ضغط ظروف الحرب، معاملة المستعمرة. فتكاثر عدد الضباط البريطانيين فيها، دون أن يرفق ذلك تحسن في النوعية، وسيق كثيرون من الفلاحين إلى الخدمة في صفوف القوات الحليفة في فلسطين. نعم، لقد جلب وجود جيش أجنبي كبير في مصر نفعًا للبعض، لكنه أدى أيضًا إلى متاعب ومشاحنات صغيرة وكبيرة. كذلك أفضى ازدياد الطلب العالمي على القطن إلى إثراء بعض الناس، لكنه سبب أيضًا تخصيص مساحات كبرى من الأرض لزراعة القطن، مما جعل المساحة اللازمة لإنتاج الغذاء غير كافية. وعندما ضاق باب الاستيراد، في السنوات الأخيرة من الحرب، أصبح الغذاء قليلًا وباهظ الثمن. وبتغيير الروح تغيرت القيادة. فلم يعد الحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل الحزب المعبر عن المشاعر الجديدة، بل انتقلت الزعامة إلى رجل لم يكن قط من مدرسة مصطفى كامل، وإلى حزب كانت مبادئه مختلفة عن مبادئها.
كان هذا الزعيم الجديد سعد زغلول (٤٣). لكنه لم يكن جديدًا إلا كسياسي شعبي. فقد كان ينتمي إلى جيل أقدم بقليل من جيل مصطفي كامل، وكان معروفًا جدًا كشخصية من أبرز الشخصيات بين رفاق محمد عبده. وكانت أصوله العائلية شبيهة جدًا بأصول محمد عبده.
стр. 252
كما كانت وشخصيته تعكس صورة تلك الطبقة التي خلقت مصر الحديثة واحتلت مركز الصدارة على مسرح حياتها العامة، إلى أن حلت محلها طبقة جديدة في ١٩٥٢. ولد على الأرجح في ١٨٥٧، في إحدى قرى ولاية الدلتا الغربية، من أب مزارع يشغل مركز العمدة فيها، وأم تنتمي إلى عائلة مماثلة شغلت مراكز رسمية منذ عهد محمد علي. وإذ لم يكن في الولاية مدارس حديثه في صباه، دخل مدرسة دينية قديمة، ثم جاء الأزهر في ١٨٧١. ولهذا التاريخ أهميته، ففيه أتى الأفغاني القاهرة وأقام فيها. وكان سعد زغلول، طيلة السبعينيات، من تلاميذه المقربين، كما كان أيضًا من تلاميذ محمد عبده. وفي ١٨٨٠، ألتحق بمحمد عبده كمحرر للجريدة الرسمية، ثم شغل وظائف رسمية أخرى. لكن الاحتلال البريطاني وضع حدًا لنهج حياته هذا. وليس من الواضح ما هو الدور الذي لعبه في الحركة الوطنية في ذلك الحين؛ لكن من الأكيد أنه كان يعطف عليها، حتى أنه سجن لفترة قصيرة بتهمة تأسيس «جمعية الانتقام». ثم تعاطى المحاماة لمدة عشر سنوات تقريبًا. وفي ١٨٩٢ رضيت عنه السلطات فعين قاضيًا في محكمة الاستئناف. واستمر في عمله هذا طيلة أربع عشرة سنة، كان خلالها يتعاون مع محمد عبده ولطفي السيد وقاسم أمين في ما اعتبروه أهم عمل في زمنهم: إعادة صياغة القوانين وإصلاح المؤسسات في مصر تلبية لحاجات العصر الحديث. وفي ذلك الوقت نفسه، خطا خطوته الأولى نحو الحياة السياسية، فأخذ يتردد على أول «صالون» سياسي في الشرق الأدنى الحديث هو صالون الأميرة نازلي. ثم تعلم الفرنسية، ودرس في مدرسة الحقوق الفرنسية في القاهرة، قبل أن يتزوج في ١٨٩٦ بابنة رئيس الوزراء مصطفى فهمي باشا. وقد عرفت زوجته هذه، على الرغم من انتمائها إلى الأرستقراطية التركية القديمة، كيف تنسجم مع دوره كزعيم للأمة المصرية وكيف تعيش سنوات عديدة بعد وفاته محاطة بالاحترام «كأم المصريين».
стр. 253
وهكذا ألتحق سعد زغلول، بفضل حمية، بالفئة الحاكمة في مصر. وعندما اقتنع كرومر، آخر الأمر، بضرورة إدخال مصريين في الحكومة ممن لهم صفة تمثيلية، وقع اختياره على سعد، فعينه الخديوي عباس وزيرًا للتربية، مع أن الخديوي لم يكن يحبه، إذ اعتبره، بحق، خصمًا للحكم الطلق. وبقي سعد وزيرًا للتربية مدة أربع سنوات كان خلالها وزيرًا قديرًا، وإن قاسيًا. فقد زاد عدد المدارس وأدخل في برامجها بعض التعديلات، كإبدال اللغة الإنكليزية في بعض المواد باللغة العربية. وأهم من ذلك هو أنه كان أول وزير مصري يفرض سلطته، دون خصام يذكر، على المستشارين والموظفين البريطانيين. وكان هؤلاء، على وجه العموم، يحبونه. وقد قال عنه أحدهم إنه، برغم «طريقته الصلبة والجافة»، إداري يقظ، يبدي اهتمامًا بالغًا بتفاصيل الأعمال في الوزارة (٤٤). وفي ١٩١٠، رقي إلى وزارة أهم، هي وزارة العدل. لكنه أخذ يشعر، أكثر فأكثر، بصعوبة الاشتراك في الحكم. كان على صلة طيبة بكرومر، حتى أنه علق صورته في مكتبه إلى جانب صور بسمارك والأفغاني وعبده (٤٥)؛ وكان يحلم، كمحمد عبده، بتعاون المصلحين البريطانيين والمصلحين المصريين لوضع حد لسلطة الخديوي والقيام بالإصلاحات الضرورية. لذلك فإنه لم يحبذ سياسة غورست القائمة على توسيع صلاحيات الخديوي، كما أنه لم يستطع التفاهم مع كتشنر، فاستقال من الوزارة في ١٩١٣، ثم قدم ترشيحه لعضوية الجمعية التشريعية التي أنشأها كتشنر، ففاز بها كما فاز بنيابة الرئاسة. وحين انعقدت الجمعية، لبضعة أشهر في ١٩١٤، برز سعد زغلول كزعيم للمعارضة ضد الحكومة وضد البريطانيين من ورائها. وقد كان في سياسته أقرب إلى حزب الأمة منه إلى حزب مصطفى كامل الوطني، لذلك هاجمه أتباع مصطفى كامل بعنف، عندما كان وزيرًا للتربية. أما الآن، إذ أصبح نائبًا، فقد نظروا إليه كمعبر عن الرأي العام الوطني. وعندما عادت الحياة السياسية إلى نشاطها بعد انتهاء الحرب العالمية
стр. 254
الأولى، وأخذ المصريون يتباحثون بتأليف وفد تمثيلي يدافع عن قضية استقلال مصر في مؤتمر الصلح، كان من الطبيعي أن يتزعم سعد زغلول هذه المباحثات. فانعقد الاجتماع الأول في بيته الريفي وضم لطفي السيد وسواه. وبعد الاتصال ببعض من كانوا يشاطرونهم هذه الفكرة، بمن فيهم عدد من الوزراء: قرر سعد زغلول ورفاقه تأليف «الوفد». ويبدو من الراجح أن الحاكم فؤاد (الذي خلف عباس حلمي حين إلغاء السلطنة) كان على علم بنواياهم وموافقًا عليها. وفي ١٣ تشرين الثاني ١٩١٨، أي بعد مرور يومين على الهدنة، توجه سعد مع عضوين من «الوفد» إلى مقابلة المفوض السامي البريطاني لطلب التسهيلات اللازمة للذهاب إلى لندن لعرض قضية مصر على الحكومة البريطانية. ومن ذلك الحين حتى وفاته، اقترن تاريخ حياته بتاريخ مصر. لقد رفضت الحكومة البريطانية ذلك الطلب. وكان لها بعض العذر، إذ كان من الصعب عليها قبول سعد زغلول ممثلًا للمصلحة الوطنية عوضًا عن الحكومة المصرية. لكن وزارة الخارجية البريطانية رفضت أيضًا طلبًا مماثلًا تقدم به رئيس الوزراء، رشدي باشا، مما حمله على الاستقالة. وهكذا اشتد التوتر، فألقي القبض على سعد وبعض رفاقه في آذار ١٩١٩ ونفوا إلى مالطا، مما أدى إلى وقوع اضطرابات واسعة. إذ ذاك ضحت الحكومة البريطانية بمفوضها السامي، جاعلة منه كبش المحرقة، فاستبدلته بالجنرال ألنبي، المنتصر على العثمانيين في حرب فلسطين. ثم أحلت سياسة التفاهم محل سياسة القمع، فأطلقت سراح سعد وسمحت له بالذهاب إلى باريس لعرض قضية مصر على مؤتمر الصلح، وأعلنت أن بعثة خاصة برئاسة اللورد ميلنر ستدرس الموضوع. وحين وصلت بعثة ميلنر إلى مصر في كانون الأول ١٩١٩ قاطعتها البلاد بأجمعها تقريبًا. وقد برهنت هذه المقاطعة، التي دبرها أتباع سعد، على نفوذ سعد المتزايد. أما تأثيرها على البعثة فكان شديدًا. لذلك راحت، بعد عودتها إلى
стр. 255
لندن، تفاوض سعد على الصعيد الشخصي (وكان لا يزال في أوروبا). عارضة عليه اعتراف بريطانيا بمصر كدولة مستقلة ومملكة دستورية لقاء ارتباط مصر ببريطانيا بتحالف يمنح البريطانيين حق الاحتفاظ بقوة عسكرية فيها تقتصر على تأمين مواصلات الإمبراطورية. وإذ فشلت هذه المفاوضات مع سعد، حاولت الحكومة البريطانية الاتفاق مع المصريين بدونه. وكان رئيس الوزراء عدلي يكن باشا مستعدًا للقبول بذلك، متحديًا موقف سعد. على أنه طلب إلى سعد الاشتراك في المحادثات، فرفض وراح ويعارض مهمة عدلي بنجاح. إذ ما كادت أن تبدأ المفاوضات، حتى وجد عدلي نفسه عاجزًا عن عقد أي اتفاق. وما ذلك إلا لأن أي اتفاق كان يعني التسوية. فإذا ما قبل هو بالتسوية، تسنى لسعد أن يزايد عليه فيجعل موقفه صعبًا. لذلك استقال في تشرين الثاني ١٩٢١. ثم ألقي القبض مجددًا على سعد ونفي إلى جزر سيشيل. لكن هذا التدبير ضد سعد جاء متأخرًا، إذ كان قد أثبت أن ليس بالإمكان عقد أية معاهدة إنكليزية مصرية إلا معه ومع أنصاره. مما لم يترك للحكومة البريطانية إلا سبيلًا واحدًا مفتوحًا أمامها، وهو أن تتنازل، من طرفها وحدها، عما كانت مستعدة للتنازل عنه في أية معاهدة. فأصدر مفوضها السامي، في شباط ١٩٢٢، إعلانًا باستقلال مصر. وهكذا زالت الحماية وأصبحت مصر مستقلة. إلا أن بريطانيا احتفظت لنفسها بأربع مسائل ريثما يتم الاتفاق عليها فيما بعد: مواصلات الإمبراطورية، والدفاع، والمصالح الأجنبية والأقليات، والسودان.
وهكذا نجح سعد في أن يحقق لمصر استقلالًا مؤقتًا على الأقل، دون أي ارتباط. ثم سمح له بالعودة إلى مصر في أيلول ١٩٢٣، وكان الدستور قد وضع في أثناء غيابه، كما كانت الانتخابات قد أسفرت عن فوز أنصاره الذين انتظموا في حزب برلماني أطلقوا عليه اسم «حزب الوفد». فاستلم سعد زغلول رئاسة الوزارة، ودخل في
стр. 256
مفاوضات مع الحكومة البريطانية حول المسائل الأربع المعلقة. وكان رامزي ماكدونالد قد أصبح رئيسًا للوزارة البريطانية، وهو ممن كانوا يعطفون على المطالب المصرية. لكن المفاوضات فشلت، فاشتد التوتر في مصر. وهاجمت دوائر الدعاية في الوفد السياسة البريطانية بعنف. وحين قتل قائد القوات البريطانية، ألقى المفوض السامي المسؤولية على سعد وأتباعه، فوجه إلى الحكومة المصرية إنذارًا صارمًا أدى إلى استقالتها. ثم بدأت مرحلة ظهر فيها الوفد وكأنه خسر المبادرة، إذ تسلمت السلطة حكومة ائتلافية من أشخاص عينهم القصر، ومن الأحرار المستقلين. لكن هذا الائتلاف كان مزعزعًا، ولم يمض وقت طويل حتى طغت قوة القصر على كل شيء، فتصالح المستقلون مع الوفد الذي أخذ يطالب بانتخابات جديدة. وجرت الانتخابات في ١٩٢٦، ففاز فيها الوفد بالأكثرية. لكن سعد لم يتسلم رئاسة الوزارة في وجه معارضة بريطانيا، بل انتخب رئيسًا لمجلس النواب. وهكذا تشكلت حكومة ائتلافية من الوفدين والأحرار. لكن هذا الائتلاف كان مزعزعًا أيضًا. غير أن تأثير سعد على أتباعه جعله يستمر حتى وفاته في ١٩٢٧.
تنقسم حياة سعد زغلول العامة إلى قسمين واضحين، تفصلهما حرب ١٩١٤ - ١٩١٨. على أن هذا التقسيم، ككل التقسيمات في التاريخ أو في حياة الإنسان، إنما هو أقل دقة في الواقع مما هو في الظاهر. لكن من المؤكد أن هناك فرقًا بين سعد زغلول القاضي المصلح، وسعد الزعيم الشعبي، ينم عنه ذلك التباين البادي، إن لم يكن في محتوى تفكيره في شؤون السياسة والمجتمع، فعلى الأقل في مدى إلحاحه على بعض نواحيها. لقد بقيت أفكاره إجمالًا أفكار مدرسة محمد عبده، إلى أن انخرط انخراطًا تامًا في الحياة السياسية. كان موضوع تفكيره مصر، كشيء محدد في المكان ومتصل في الزمان، فرعوني وعربي على السواء. وكان يعتقد أن على مصر أن تستقل، وأن الاستقلال الحقيقي لا يتم إلا بالإصلاح؛
стр. 257
وأن الحاجة إلى الإصلاح هي على أشدها في حقلي التربية والقانون. وأنه من الضروري إقامة نظام تشريعي مستمد من مبادئ الفقه الإسلامي، على أن يلبي، بالوقت نفسه، حاجات العصر. ومن شأن هذا النظام أن يسيطر على المجتمع كي لا يقع في الفوضى وعلى الحكم كي لا ينقلب إلى استبداد.
هذه المجموعة من المعتقدات تفسر نشاطه قبل ١٩١٤. فقد كان معروفًا، في ممارسته القضاء، بحرصه على إقامة العدل. لكنه كان، في حالات الشك، يميل إلى التسامح، إذ كان يرى أنه من الأفضل تبرئة المجرم من تجريم البريء (٤٦). وكان أيضًا، في بعض الحالات، يخالف القواعد الإجرائية لتصحيح خطأ في الحكم. وكان يشجب التجاء البوليس إلى وسائل التهديد والضغط، لأن ذلك كان في نظره أشد خطرًا على الناس من اختفاء المجرم أو تهربه من العقاب. كما كان من شأنه أن يلحق الضرر بالقضاء، فيجعل منه حليفًا للاستبداد لا نصيرًا للعدل (٤٧). فالعدل، في اعتقاده، يجب أن يسود، لكن من الواجب تحديد العدل على ضوء المصلحة العامة، وتحديد المصلحة العامة على ضوء مجموع المصالح الخاصة. لقد أعلن، في أثناء حكم أصدره ضد سلطات الري في الإسكندرية لتعديها على أملاك خاصة، أنه من غير الممكن أن يكون القصد من هذا القانون إجازة التدابير الجورية المخالفة للعدل والقانون والملحقة للضرر بحقوق الأفراد والخالية من النفع العام (٤٨). وهكذا يمكن اعتبار عمله في القضاء كمحاولة لجعل مبادئ محمد عبده الرامية إلى إصلاح الشرع أساسًا للمحاكم العلمانية أيضًا. أما الشرع بحد ذاته، فقد حول إليه بعض الاهتمام بوصفه وزيرًا للعدل، فأسس مدرسة لقضاة الشرع يتلقون فيها التربية الحديثة.
إن حرصه هذا على إصلاح جهاز المجتمع يتجلى في البيان الانتخابي الذي ألقاه يوم ولج باب الحياة السياسية كمرشح في انتخابات ١٩١٣. ومما جاء فيه أنه سيسعى، إذا قدر له الفوز
стр. 258
في الانتخابات، إلى إصلاح النظام التشريعي، وتوسيع نطاق التربية بحيث تشمل أولاد الفقراء، ومنح الصحافة حرية أوسع ضمن حدود النظام العام، وإصلاح البلديات في القاهرة، وتحسين أوضاع الفلاحين (٤٩). وعندما اضطر، بعد انتخابه، إلى معارضة الحكومة، متخذًا بذلك أولى خطواته نحو الشهرة، بقي سائرًا على هذا النهج ذاته. ذلك أن عدم سيادة القانون، أو حكم الخديوي المطلق، قد ظل، كما كان، موضع خصومته. ومن أجل إحراز النصر، لم يتردد في استخدام البريطانيين ما أمكن، مع أنه لم يكن من مؤيدي وجودهم بلا حساب، ولا ممن يطيقون منهم كثرة الرقابة والتدخل.
أما شخصيته فلم تتغير إلا قليلًا، بعدما أصبح الزعيم الشعبي لمصر. فقد بقيت الأفكار ذاتها قابعة في ذهنه حتى آخر حياته، كما بقي، على الأقل في الساعات الهادئة، تلميذ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. ولم يتنازل عن إيمانه بالديمقراطية أسلوبًا للحكم. ذلك أن الحكومة في نظره هي لخدمة صالح الفرد والمجتمع، ولذلك حق لها أن تطلب مساعدة الشعب. لكن الشعب المصري ينظر إلى الحكومة نظرة العصفور إلى الصياد، لا نظرة الجيش إلى القائد. فمن الواجب استبدالها، بحيث يثق الشعب بالحكومة ويقتنع بأنها جزء من الأمة (٥٠). وقد حاول، في الخطب الأولى التي دشن بها زعامته السياسية، إزالة المخاوف بالتعبير عن اعترافه بمصالح جميع الفئات: مصالح الأجانب المالية، ومصالح العالم في قناة السويس، ومصالح الأقباط داخل المجتمع القومي المصري. وهكذا كانت روحية الوفد الأولى روحية «الاتحاد المقدس»، ووحدة الرابطة القومية التي فيها تذوب الفروقات الدينية. لكن هذه الروحية لم تدم، لأنها ربما كانت أبسط مما ينبغي، إذ لا تتلاشى الفروقات الدينية بهذه السهولة. لكن ليس من داع للشك في إخلاص سعد زغلول، وهو الذي لم يفقد يومًا تأييد كبار الأقباط. وعلى هذا النحو أيضًا استهوت وطنية الوفد عنصرًا مضطهدًا آخر، هو المرأة المصرية
стр. 259
المثقفة. والواقع أن فكرة مناصرة المرأة كانت قد أصبحت، منذ قاسم أمين، هاجس التفكير الوطني في مصر. وليس من قبيل المصادفة أن تدخل في عداد الأيام الوطنية الخالدة تلك الأيام التي سارعت فيها النساء، بقيادة هدى شعراوي، إلى خلع الحجاب والاشتراك في الحياة العامة.
لكن استمرار الصراع أدى تدريجًا إلى تضاؤل ساعات التفكير الهادئ. فأخذ الجميع يلاحظون، مصريين كانوا أم أجانب، أن «الزعيم» بدأ يتكلم بلهجة جديدة وبإلحاح آخر. لقد أصبح أكثر استبدادًا، لا بل أكثر ميلًا إلى الانتقام في علاقاته مع الزعماء الآخرين. ولم يمر زمن طويل على الوفد حتى أخذ يتصدع من أعلى. فلم ينفصل عنه السياسيون الطموحون فحسب، أمثال محمد محمود وإسماعيل صدقي، بل لطفي السيد أيضًا، وهو ذلك المتعقل القنوع وزميل سعد في التلمذة على محمد عبده. وأصبح سعد أيضًا أكثر تعنتًا في تصرفاته مع الآخرين وأضيق في مفهومه للأمة المصرية. فقد قال في إحدى خطبه بأن أهم نتائج الثورة كانت تمصير الاقتصاد المصري، وخلع الحجاب، واشتراك المرأة في الحركة الوطنية، وإزالة طبقة الباشوات، وتسلم الفلاحين الحكم، واختفاء العنصر التركي من السياسة المصرية (٥١). ثم أضاف قائلًا: أن الاستقلال آت بعد كل ذلك. لأن لا قيمة للاستقلال الخارجي إن لم يرافقه التحرر الداخلي أيضًا. كانت آراء كهذه مما يرضى عنه محمد عبده، باستثناء المسائل الثلاث الأخيرة. فقد كان محمد عبده يدعو دومًا إلى الوحدة الاجتماعية (الوطنية والدينية على السواء)، وإلى توافق جميع المصالح، وإلى فكرة عن الأمة المصرية لا تعير العرق أي وزن.
فما الذي أحدث هذا التغيير في سعد زغلول؟ هنالك من يزعم أن بريق السلطة قد أخل بتوازن طبعه. وفي هذا، ولا شك، بعض الحقيقة. فمن شأن الحياة السياسية أن تقوي في الإنسان ما قد يكون عليه أصلًا من ميل إلى العنف والانتقام. وقد ظهر ذلك بوضوح،
стр. 260
عند سعد زغلول، حين واجهت المصاعب علي عبد الرازق من جراء كتابه عن «الإسلام وأصول الحكم». كان من المتوقع أن يبدي سعد بعض العطف على رجل لم يكن من أتباع محمد عبده فحسب، بل ممن توسعوا في تطبيق مبادئه في التفسير- حتى لو اعتبر هذا التوسع انحرافًا. فكان شهيدًا للحرية الفكرية. لكن سعد لم يظهر نحوه أي عطف، لا بل سره أن تحل به هذه المحنة، لاتصاله بالحزب الدستوري الحر الذي أسسه المنشقون الأول عن الوفد، ولأن مثل هذه المحنة فضيحة كان من شأنها إضعاف هذا الحزب المنافس (٥٢).
لم يكن سعد رجل فكر بالمعنى الدقيق، بل رجل اتجه ذهنه بطبيعته نحو الأمور العملية. كانت ثقافته ثقافة رجل عملي: فلم يطالع من الكتب إلا ما كان له علاقة بعمله، ولم يدرس اللغة الفرنسية لأنها كانت مفتاح كنوز المدنية الحديثة، بل لأنها كانت ضرورية لعمل رجل سياسي طموح. كما أنه لم يدرس اللغة الإنكليزية إلا لتساعده على التعامل مع الإنكليز، وبعض أصول اللغة الألمانية في أثناء الحرب العالمية الأولى إلا تحسبًا للمستقبل. وكان دافعه الرئيسي لقراءة القرآن العثور على آيات مفيدة يستشهد بها (٥٣). وإذا كانت وجهة نظره قد تغيرت فيما بعد، فليس لتغيير طرأ على طبعه، بل لضرورة الاستجابة لقضايا عملية جابهته. فتردده، في هذه المرحلة، في التعاون مع الإنكليز لا يفسره إلا ما طرأ من تحول على وضع بريطانيا في مصر والعالم. ففي ١٩١٨ كانت السلطة الإدارية الإنكليزية في مصر قد تزايدت وأخذت تستهدف حماية المصالح البريطانية، لا تحقيق ما كان ضروريًا لإصلاح مصر، كما كان في الماضي. أضف إلى ذلك أن نقاط ولسن الأربعة عشرة ووعود الحلفاء الأخرى كانت قد خلقت روحًا جديدًا في العالم. ولعل هذا التغير هو ما يفسر اهتمام سعد، آنذاك، بالإصلاح الداخلي أكثر من اهتمامه بالاستقلال. فقبل ١٩١٤، كان حتى الاستقلال المحدود مستحيلًا، ولم يكن لمصلح مصري عملي من خيار سوى القبول بالوجود
стр. 261
البريطاني ومحاولة الانتفاع به لمصلحة البلاد. وعلى هذا قد يكون الكثير من تصرفات سعد التي بدت عنيفة وغير متعقلة راجعًا إلى طبيعة المشاكل السياسية التي واجهته. وبتعبير آخر، كان سعد يحاول أن يقود حركة جديدة لا عهد لمصر بها من قبل، وفي ظروف كانت تجعل بعض الأعمال مستحيلة وبعضها محتمة، فأثرت طبيعة الأفعال التي كان عليه القيام بها في المفاهيم التي كان يفهم ذاته على ضوئها ويبرر نفسه.
كان الوفد الذي زار السير رجينالد فنفات في تشرين الثاني ١٩١٨ وفدًا قد شكل نفسه بنفسه، وكان ادعاؤه التكلم باسم الشعب المصري لا أساس له سوى ذلك الادعاء نفسه. وإذ لم يكن هناك برلمان أو جهاز آخر منظم ومعترف به ومؤهل للتعبير عن الرأي العام، فلم يكن من بد لذلك الوفد، لدعم ادعائه هذا تجاه البريطانيين وتجاه منافسيه، من فرض إرادته عليهم، وذلك بتوليد نوع من القوة يستعيض بها عن القوة التي كان من الممكن استمدادها من أكثرية برلمانية في بلد دستوري، أو من جيش، أو من شبكة من العلاقات الخارجية في بلد مستقل. وهكذا كان لا بد له من تحقيق غرضين جوهريين، الواحد مرتبط بالآخر: إيجاد قوة بديلة عن القوة البرلمانية والوطنية، وإيجاد أساس معنوي لأعماله، أي نوع من التبرير المعنوي لادعائه حق التفاوض باسم الشعب المصري، وعند الاقتضاء تحدي السلطة القائمة، أكانت سلطة الدولة الحامية أم سلطة الحكومة الشرعية.
وقد اجتازت هذه العملية فترتين حرجتين: الأولى فترة اصطدام سعد الأول بالبريطانيين في ١٩١٨ - ١٩١٩، إذ رفضت وزارة الخارجية البريطانية السماح له بالسفر إلى لندن وباريس للتباحث في مستقبل مصر. كان هذا الرفض بالحقيقة بمثابة عدم قبول البريطانيين بادعائه حق التكلم باسم الشعب المصري. نعم، كان سعد رجلًا ذا منزلة وخبرة؛ لكنه لم يكن وحده يتحلى بهذه الصفات، فضلًا
стр. 262
عن أنه لم يكن عضوًا في الحكومة. فجرت في بادئ الأمر محاولة لإضفاء نوع من الشرعية على الوفد، وذلك بربطه بالهيئة التمثيلية الوحيدة التي قد يجوز القول بأنها كانت موجودة في ذلك الحين، أي الجمعية التشريعية، التي كانت قد انتخبت في ١٩١٣ لكنها توقفت عن الانعقاد منذ وقوع الحرب، والتي كان بعض أعضائها (بمن فيهم سعد) أعضاء في الوفد. ثم ظهرت تدريجًا نظرية أخرى تقول بأن سعد لم يكن مجرد زعيم سياسي كغيره، وبأن الوفد لم يكن حزبًا سياسيًا بالمعنى المألوف، وإنما كان ممثلًا للشعب المصري على نحو خاص، مما يلقي على عاتقه بعض الالتزامات ويحرره بالوقت نفسه من بعضها؛ وبأن وفدًا كهذا يعود له وحده القرار النهائي في ما يجب أن يقوم به.
وقد نص الدستور الأول للوفد، الموضوع في ١٩١٨، على أن «الوفد يستمد سلطته من إرادة الشعب المصري المعبر عنها إما مباشرة وإما بواسطة ممثليه في الهيئات التمثيلية» (٥٤). وفي مرحلة سابقة، جرت محاولة للحصول على توكيل من المصريين في سائر أنحاء البلاد يخول الوفد العمل من أجل استقلال مصر بجميع الوسائل الممكنة. وقد وقع بالفعل هذه الوثيقة أبناء الطبقات المثقفة، لا بل أعضاء المجالس المحلية، ومخاتير القرى وأعيان الريف، بتشجيع من الحكومة المصرية في ذلك الحين (٥٥). وعلى هذا الأساس ادعى سعد زغلول بأنه يتكلم باسم مصر في وجه بريطانيا. وقد صرح، في رده على فنفات في ١٩١٨، بأنه هو ورفاقه إنما هم الممثلون الطبيعيون المكلفون من قبل الأمة المصرية نفسها (٥٦). وبعد ثلاث سنوات، ذهب سعد أبعد من ذلك، فاستخرج من هذا الادعاء مستلزماته المنطقية. ففي كانون الأول ١٩٢١، وفي فترة الاضطرابات التي نشبت على أثر إخفاق المفاوضات بين عدلي وكرزون، حذر مستشار وزارة الداخلية آنذاك سعد زغلول من تعاطي النشاط السياسي. فأجابه بأنه لا يستطيع الكف عن هذا
стр. 263
النشاط. لأن القانون الخلقي الوحيد الذي يمكنه الاعتراف به إنما هو الواجب الوطني. ثم أضاف قائلًا أن الأمة انتدبته للعمل من أجل استقلالها، وما من أحد سواها له الحق في أن يمنعه من القيام بهذا الواجب المقدس (٥٧). إن مثل هذا الموقف إنما هو تأكيد للمبدأ، ناهيك بأنه يتضمن. منطقيًا، منهاجًا للعمل. فالطريقة الوحيدة التي كان يمكن لسعد بلوغ أهدافه بها إنما كانت توليد التأييد الشعبي، أو بكلمة أخرى، جعل الأمة تتصرف كما لو كان ادعاؤه صحيحًا. نعم، كان بإمكانه استخدام وسيلة أخرى. فهو، كمصطفى كامل، لا بل كجميع الزعماء الوطنيين في البلدان الخاضعة للدول الديمقراطية، قد وثق إلى حد ما بالأحرار الأوروبيين، فكان يقول: إذا لم تساعدنا أي حكومة أجنبية، فلنا بين شعوبها عددًا من الأحرار ممن يعطفون على قضيتنا ويخدمونها بالخطابة والكتابة (٥٨). لكن هذه الوسيلة لم تكن في نظره سوى وسيلة ثانوية. أما الوسيلة الأولى، فهي التأييد الشعبي. ولكي يتمكن من استخدام هذه الوسيلة، توجب عليه أن يفرض سلطته على الشعب المصري، بحيث يضطر البريطانيون للقبول به ناطقًا وحيدًا باسم مصر.
وفي أواخر ١٩١٩، كان هذا النهج الذي سلكه قد بلغ نهايته أو كاد. فمقاطعة الشعب المصري لبعثة ميلنر، وصعوبة تأليف حكومة تتسلم الحكم في أثناء إقامة تلك البعثة في مصر، قد ترك أثره في ميلنر وزملائه، بحيث حملهم على التفاوض مع سعد بصفة شخصية. إذ بدا لهم أن اتفاقًا يعقده سعد مع بريطانيا، هو اتفاق يقبل به الشعب المصري ولا يقبل بسواه. وهكذا لم يعد أحد يشك بصحة أوراق اعتماده كزعيم الشعب. لكنه، مع هذا، لم يكن هو الحكومة المصرية. وهذا ما كان محور القضية في أثناء الأزمة الثانية، أي أزمة ١٩٢١، التي وقعت عندما حاول عدلي باشا آن يهيئ نفسه لإجراء مفاوضات تمهد لعقد معاهدة مع بريطانيا. وهو في ذلك قد كاد يتغلب على سعد، لا لأن في يده سلطة الحكومة
стр. 264
فحسب، بل لأنه كان بإمكانه أيضًا اكتساب عاطفة الشعب الوطنية. إلا أنه كان يشكو من عيب كبير، هو انتماؤه إلى إحدى العائلات التركية القديمة التي أثرت وقويت في خدمة محمد علي وخلفائه. ولعله لم يستطع، لكونه «السيد الكبير»، أن يستهوي المصريين كما استهواهم سعد الذي كتب عنه دبلوماسي إنكليزي قائلًا: «كان زغلول إنسانًا إلى حد بعيد. فهو، مثلًا، يحب القمار والنكت البذيئة والطعام الطيب ... وهو، بمعنى من المعاني، أول مصري يمثل المصريين حقًا ويعتبر ابن الأرض النقي. فهو إن أرعد فكنبي صغير، أو مزح فكأحد أبناء العامة» (٥٩).
لكن عدلي كان، من جهة أخرى، رجلًا سياسيًا موهوبًا، وذا أخلاق شريفة ولطيفة، وليبراليًا، ووطنيًا أيضًا لكن على طريقته الخاصة. فقد شجع الوفد في مراحله الأولى، وذهب إلى باريس بطلب من سعد في ١٩٢٠ للعمل على إنجاح المحادثات مع بعثة ميلنر. لكن المنافسة قامت بين الرجلين بالرغم من العلاقات الودية التي كانت تربطهما. فقد اختلف أعضاء الوفد فيما بينهم حول الموقف الواجب اتخاذه من اقتراحات ميلنر، فالتف حول عدلي القائلون بقبولها، بما فيهم لطفي السيد. وعندما أعلنت الحكومة البريطانية، بعد نشر اقتراحات ميلنر، استعدادها للمفاوضة، اتسع الخلاف. فأصر عدلي، وكان قد أصبح رئيسًا للوزراء، على أن الحكومة هي التي يجب، مع موافقة الوفد طبعًا، أن تقوم بالمفاوضات، بينما أصر سعد على أن يكون الوفد هو المفاوض الوحيد. وقد بدا إذ ذاك لبعض الزعماء المصريين أن إصرار سعد هذا إنما هو بمثابة الزعم بأن من حق رجل واحد، لم تمنحه القوانين المرعية هذا الحق، أن يفرض إرادته على صاحب العرش وعلى البلاد بمجموعها، وأن يتعدى في سبيل ذلك حدود القانون والنظام (٦٠). لذلك كان في وسع البعض ممن كانوا أكثر تحفظًا وخبرة من سعد، أو على غير استعداد لقبول وجهة نظره، أن يجدوا في عدلي زعيمًا يسهل العمل معه.
стр. 265
وهكذا كان من الضروري لسعد أن يمنع عدلي من التفاوض باسم مصر. أو إذا استحال ذلك، أن يحول دون نجاح المفاوضات. واستمر هذا الصراع حول السلطة طيلة ذلك العام، حتى انتهى بزج سعد في السجن ثم بنفيه مرة ثانية، كما انتهى أيضًا بإخفاق المحادثات بين عدلي وكورزون. وقد ظهرت، في أثناء هذا الصراع، نظرية جديدة لسعد في ماهية الوفد، وفي ما هو بالنسبة للوفد، فقال بأن الوفد ليس حزبًا سياسيًا، شارحًا ذلك بقوله: «يقولون أين برنامجكم؟ فنقول نحن لسنا بحزب وإنما نحن وفد موكل عن الأمة يعبر عن إرادتها في موضوع عينته لنا، هو الاستقلال التام. فنحن نسعى لهذه الغاية وحدها ... أما المسائل الداخلية: هل يكون التعليم إجباريًا ومجانًا أم بمصاريف؟ هل يجب في الأمور الاقتصادية أن يكون هناك فوائد على الدين؟ هل نزرع القطن في ثلث الزمام أو نصفه؟ فهذه مسائل أترك الأمر فيها لمن هو أعرف مني بها. وأما فيما يتعلق بالاستقلال، فنحن أمة لا حزب. ومن يقول لنا إننا حزب يطلب الاستقلال يكون مجرمًا. لأن هذا يدل على أن في الأمة حزبًا أو أحزابًا أخرى لا تريد الاستقلال. أن الأمة بتمامها تريد الاستقلال التام، ونحن تراجمة الأمة فيما يتعلق بهذا الاستقلال. نحن أمناء الأمة فيما يتعلق بهذا الاستقلال» (٦١).
كان الوفد جزءًا ثابتًا من كيان مصر السياسي، لا بل الأمة المصرية نفسها منتظمة للعمل في سبيل أهداف سياسية. كانت مهمة الحكومة أن تحكم، أما مهمة الوفد وزعيمه فكانت تمثيل الرأي العام. فعلى الحكومة أن تقبل بذلك، فلا تحاول توجيه الرأي العام أو التأثير فيه ضد الوفد؛ وإذا ما دخلت في مفاوضات فعليها أن تضع أمام الوفد نتيجة مفاوضاتها (٦٢). وبتعبير آخر، كان الحكم أمرًا ثانويًا بالنسبة للوفد، فهو، في الحكم أو خارج الحكم، الحارس الدائم للمصلحة العامة. إن هذه التأكيدات التي صيغت خلال استعار النزاع غدت، فيما بعد، جزءًا من عقيدة الوفد، وكان لها تأثير عميق في آرائه وسياسته.
стр. 266
الفصل التاسع
رشيد رضا
في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، كانت تحوم في مختلف أرجاء العالم الإسلامي أفكار شبيهة بأفكار محمد عبده، كما كانت تظهر في جميع البلدان الإسلامية المتقدمة نخبة من المصلحين أمثاله. ولعله من التبسيط أن يعزى ذلك إلى تأثير الأفغاني ومحمد عبده. إذ يمكن القول، من جهة أخرى، إن مجلة «العروة الوثقى» لم تكن لتملك مثل ذلك التأثير لولا وجود فئات إسلامية صغيرة ترى رأي القائمين عليها.
كان من هذه الفئات، في تونس، تلك التي تألفت من بعض رفاق خير الدين وأتباعه، نخص بالذكر منهم محمد بيرم. كان هذا من أسرة أنجبت سلسلة من علماء الدين، وصاحب عدد من المؤلفات في إصلاح الشريعة، فضلًا عن كتاب مهم في تأريخ عصره. وكان منها، في بغداد، علماء أسرة الألوسي. فقد وضع أحدهم شرحًا مسهبًا للقرآن، وملخصًا متقنًا للتعاليم التقليدية، كما وضع آخر، وهو من جيل لاحق، دفاعًا عن ابن تيمية ضد تهمة الانحراف، مما يدل على أن الوهابية كانت آخذة في التأثير في المسلمين المثقفين المنتمين إلى مذاهب أخرى (١). ومنها أيضًا من احتلوا المراكز الكبرى للتعليم الإسلامي في حلب ودمشق وطرابلس والقدس، كطاهر الجزائري (١٨٥١ - ١٩٢٠) الذي عاصر محمد عبده وكان على صلة به. وهو من أصل جزائري ومن بطانة الأمير عبد القادر الشهير. وقد كتب في الأدب واللغة، واحتل مكانة مرموقة بفضل مسعاه
стр. 267
في إقامات المدارس الحديثة وصيانة الكتب القديمة. فهو الذي أنشأ المكتبة الظاهرية في دمشق وجعل منها دارًا للمخطوطات التي كانت موزعة في جوامع المدينة ومدارسها القديمة. ومن هؤلاء أيضًا الشيخ حسين الجسر (١٨٤٥ - ١٩٠٩) من طرابلس، الذي أبدى في حياته وتآليفه الاهتمام ذاته بالتوفيق بين التعاليم القديمة والحديثة، وبتبني ما لا يهدم معتقدات الإسلام وقيمه من نزعات العالم الحديث.
وقد تخرج الأستاذ الجسر من الأزهر، حيث تأثر بتعاليم المرصفي. ثم أصدر صحيفة من أوليات الصحف العربية، وأسس «المدرسة الإسلامية الوطنية» في مسقط رأسه طرابلس. كان منهاج هذه المدرسة يشتمل على تعليم اللغات العربية والفرنسية والتركية، والعلوم الدينية، والمنطق، والرياضيات، والعلوم الطبيعية الأوروبية الحديثة. وكانت جميع كتب تدريس هذه العلوم الحديثة مترجمة إلى لغة عربية واضحة صحيحة بفضل الدكتور فان دايك، المرسل الأميركي، الذي كان يزود بها الكلية البروتستانتية السورية (٢). ووضع الشيخ الجسر «الرسالة الحميدية»، وهي عرض للعقيدة الإسلامية، توخى منه تعريف الإسلام بطريقة جديدة وسهلة المنال، تلبية لرغبة في فهم هذا الدين أخذت تظهر، أو هكذا اعتقد، لدى غير المسلمين. وفي هذه «الرسالة» يقف المؤلف، في كثير من المسائل، الموقف التقليدي، لا الموقف الذي جعله محمد عبده عنوان السنة الجديدة. فيقول، مثلًا، إن الجهاد مشروع لا للدفاع عن الإسلام فحسب، بل لهداية الذين يصرون على رفضه أيضًا. وهو يدافع عن المفهوم الإسلامي للرق، ويقبل بالرأي التقليدي القائل إن باب الاجتهاد قد أقفل بنهاية القرون الثلاثة الأولى. والحجة على ذلك أن علماء تلك العصور كانوا يتكلمون بسلطان أقوى من الذين جاؤوا بعدهم، وأنهم كانوا أقرب زمنيًا إلى النبي وإلى الذين عرفوه، وأن جميع المسائل الهامة قد انتهت إلى حل، بعدهم بزمن قصير (٣). لكن طريقة معالجته لشخصية محمد وتعاليمه يمكن اعتبارها
стр. 268
نهجًا جديدًا، وبالأخص إلحاحه على حق العقل في تفسير نصوص القرآن والحديث (٤). فهو يدعو إلى تفسيرها حرفيًا ما لم يتعارض هذا التفسير الحرفي صراحة مع أحد المبادئ العقلية. عندئذ يجب تفسيرها رمزيًا، إذ لا يجوز قبول أي تفسير يتناقض والدليل العقلي القاطع.
وكان بين السوريين واللبنانيين من الجيل اللاحق فريق أعدته تعاليم أمثال هؤلاء لاستساغة أفكار الأفغاني ومحمد عبده وتقبلها تقبلًا تامًا، منهم عبد القادر المغربي الذي كان، في سني حداثته، على اتصال وثيق بالأفغاني حين كان في إسطنبول؛ ومحمد كرد علي؛ والأمير شكيب أرسلان؛ ومحمد رشيد رضا. وقد دفعت الحياة بكل منهم في سبيل مختلف، فصرف كرد علي والمغربي حداثتهما في العمل الصحفي في القاهرة ودمشق، ثم انصرفا في عهد النضج إلى التعليم، فأسسا المجمع العربي في دمشق، وغدا كرد علي مؤرخ المدينة. أما شكيب أرسلان، فمع أنه لم يتخل قط عن الاهتمام بالإصلاح الإسلامي، فقد جذبته السياسات القومية العربية، كما سنرى. وأما رشيد رضا (١٨٦٥ - ١٩٢٥) فقد ثابر على السير، أكثر من سواه، في الاتجاه الذي شقه لهم محمد عبده (٥).
ولد رشيد رضا في قرية قرب طرابلس، من عائلة شبيهة بعائلة محمد عبده، من حيث أنها قروية ذات مكانة وإرث من العلم والتقوى. بدأ دراسته على النهج القديم في «الكتاب». إلا أنه استطاع، وهو من الجيل اللاحق بجيل أستاذه محمد عبده، أن يستفيد من التربية الحديثة، فاستقى شيئًا من العلوم الجديدة، وتعلم اللغة الفرنسية في مدرسة حكومية تركية ثم في مدرسة حسين الجسر في طرابلس. لكنه امتلك أيضًا ناصية الفقه واللغة العربية. وها هي كتاباته تشهد له بالعلم الراسخ من الطراز القديم.
ترك لنا رشيد رضا ما لم يكن نادرًا في العربية. كما كان يتصور، وهو سيرة لحياته يصف فيها تكونه الذهني والروحي خلال ما يقرب من الثلاثين سنة الأولى من عمره (٦)، وتظهر التأثيرات
стр. 269
الكبرى التي فعلت فيه. ففي مدرسة حسين الجسر، ومن خلال كتابات صحفيي القاهرة اللبنانيين، لاحت له بعض ملامح العلم الحديث وعالم أوروبا وأميركا الجديد. وذلك بالإضافة إلى تأثره بالقدامى من العلماء المسلمين، لا سيما الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين»، حيث يقيم الغزالي توازنًا بين الطاعة الخارجية للشريعة وبين التقوى الشخصية الداخلية التي كان رشيد رضا، كمحمد عبده، يعلق عليها وعلى النوايا الحسنة أهمية كبرى ويعتبرها شرطًا ضروريًا لجعل الصلاة والأفعال مقبولة. إلا أن هذا التوازن قد اختل لدى الأجيال اللاحقة، فتحولت التقوى الداخلية المنضبطة بالشريعة إلى تمارين صوفية طليقة من قيود الشريعة اتخذت لنفسها طقوسًا وعقائد خاصة بها. وقد تنبه رشيد رضا إلى هذا الأمر على أثر التحاقه، تحت تأثير الغزالي، بإحدى الطرق الصوفية وممارسته الحياة الروحية على يد شيخ من مشايخها. فبعد أن اختار طريقة النقشبندي وتبع، لمدة، تعاليمها ومارس تمارينها الزهدية الصارمة، أخذ يشعر بأخطار الأنظمة الصوفية. وأخيرًا انفجرت شكوكه بعنف، في حلقة من حلقات المولويين الملقبين «بالدراويش الراقصين»، فنهض وغادر المكان غاضبًا (٧).
كانت هذه الخبرة أحد العوامل التي حملته، في السنوات اللاحقة، على التقرب من تعاليم ابن تيمية ومسالك الوهابيين، بالرغم من أنه، عندما كتب سيرة حياته، لم يكن قد تعرف بعد إلى ابن تيمية إلا من خلال كتابات أخصامه. ولم يكن يعرف شيئًا عن الوهابيين سوى رفض السنة لهم وبعض الأساطير عنهم كالتي تروي أنهم كانوا يربطون خيولهم في جامع النبي (٨). ثم تعرف إلى أفكار الأفغاني ومحمد عبده، كما اطلع على مجلة «العروة الوثقي» للمرة الأولى بين عامي ١٨٨٤ و ١٨٨٥، أي في أوائل عهد صدورها. وكذلك التقى، حوالي ذلك التاريخ، بمحمد عبده عندما زار طرابلس (٩). غير أن المجموعة الكاملة للمجلة لم تقع
стр. 270
بين يديه إلا بعد نحو عشر سنوات من ذلك التاريخ، أي بين عامي ١٨٩٢ و ١٨٩٣، فكان تأثيرها فيه عميقًا. وفي هذا يقول: «ثم إني رأيت في محفوظات والدي بعض نسخ الجريدة فكان كل عدد منها كسلك من الكهرباء اتصل بي فأحدث في نفسي من الهزة والانفعال والحرارة والاشتعال ما قذف بي من طور إلى طور ومن حال إلى حال ... والذي علمته من نفسي بالخبر ومن غيري بالخبر ومن التاريخ أنه لم يوجد لكلام عربي في هذا العصر ولا في قرون قبله بعض ما كان لها من إصابة موقع الوجدان من القلب والاقناع من العقل» (١٠).
وراودت رشيد رضا طويلًا فكرة الذهاب إلى إسطنبول للالتحاق بالأفغاني، لكن هذا لم يتحقق. ولم يمر زمن طويل حتى كان تأثير محمد عبده فيه قد حجب تأثير الأفغاني. ففي ١٨٩٤ كرر عبده زيارته لطرابلس. فلقيه رشيد رضا للمرة الثانية وتحدث إليه طويلًا. وغدا، منذ تلك البرهة حتى مماته، تلميذه الأمين وشارح أفكاره، وحامي سمعته، ومؤرخ حياته. إلا أننا نجد، بين تلاميذ محمد عبده الآخرين، من ألقى شكًا على ادعاء رشيد رضا خلافة محمد عبده الروحية. والواقع أن عقائد محمد عبده قد تعرضت لبعض التحوير على يده، كما سنرى فيما بعد. لكن لا يمكن الشك مطلقًا في صدق إخلاصه له. وفي ١٨٩٧، غادر سوريا إلى القاهرة. وفي السنة اللاحقة، أصدر العدد الأول من مجلة «المنار» التي أصبحت منبرًا للدعوة إلى الإصلاح وفقًا لمبادئ محمد عبده. وقد استمر على إصدارها بانتظام شبه كامل حتى وفاته في ١٩٣٥. ويمكن القول إن «المنار» كانت، منذ تأسيسها، بمثابة سجل لحياة رشيد رضا. ففيها كان يفرغ تأملاته في الحياة الروحية، وشروحه للعقيدة، ومجادلاته اللامتناهية والعنيفة في هجومها ودفاعها على السواء، وينشر الأخبار التي كانت تأتيه من أطراف العالم الإسلامي، وآراءه في سياسات العالم، وشروحه الكبرى للقرآن. وهي الشروح التي سماها «تفسير
стр. 271
المنار»، التي بناها على محاضرات محمد عبده وكتاباته. وقد واظب على كتابتها حتى وفاته، دون أن يتمكن من إنهائها. لكن نشاطاته الأخرى كانت عديدة أيضًا. فقد وضع مؤلفات عديدة، منها ما كان مجموعة لمقالات له نشرت أولًا في «المنار»، ومنها ما كان جديدًا ومهمًا، كسيرة محمد عبده، وهي أهم مصدر لتاريخ الفكر العربي الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر. وقد حقق كذلك إحدى الأفكار العزيزة على قلب محمد عبده، فأسس دارًا للمرسلين والمدربين الروحيين المسلمين، دعاها «دار الدعوة والإرشاد»، بعد أن حاول أولًا تأسيسها في إسطنبول تحت رعاية «تركيا الفتاة» فلم يفلح. لكن نشاطها توقف عند وقوع حرب ١٩١٤. ثم إنه لعب دورًا هامًا في السياسات الإسلامية، واشترك في المؤتمرين الإسلاميين المنعقدين، الأول في مكة في ١٩٢٦، والثاني في القدس في ١٩٣١. وبصفته «سوريا»، فقد بقي على هامش السياسات المصرية، لكنه لم يكن غريبًا عنها، كناطق باسم محمد عبده. فكانت صلته بالخديوي عباس حلمي سيئة، حين كان الخديوي على خلاف مع عبده، لكنها تحسنت فيما بعد. وفي احتفالات الذكرى المئوية، وجه، على غرار محمد عبده، نقدًا قاسيًا إلى محمد علي، شمل مجمل الخط السياسي الذي سارت عليه الأسرة العلوية (١١). غير أن الخديوي قدم بعد مدة معونة مالية لداره. فكان لهذه البادرة. ولصلاته الطيبة أيضًا مع علي يوسف، شأن في معارضته لمصطفى كامل وللوطنيين من حزبه. إذ كان يعتقد أن علي يوسف رجل نزيه ومستقل الرأي، بخلاف مصطفى كامل (١٢). وقد لعب رشيد رضا دورًا أكبر في كفاح سوريا السياسي، منذ ثورة «تركيا الفتاة» حتى وفاته، وذلك في حزب اللامركزية قبل ١٩١٤، وفي المفاوضات التي جرت في أثناء الحرب مع البريطانيين، وكرئيس للمؤتمر السوري في ١٩٢٠، وكعضو للوفد السوري الفلسطيني إلى جنيف في ١٩٢١، وفي اللجنة السياسية في القاهرة عند وقوع الثورة السورية عامي
стр. 272
١٩٢٥ و ١٩٢٦. غير أن جميع هذه النشاطات لم تكن سوى نتائج جانبية لعمله الأساسي، أي كقيم على أفكار محمد عبده.
كانت نظرة رشيد رضا ورفاقه إلى الإسلام، إجمالًا، نظرة الأفغاني وعبده. فهو يبدأ بالسؤال: «لماذا البلدان الإسلامية متخلفة في كل ناحية من نواحي التمدن؟ » ويجيب عليه، بالاستناد إلى العلاقة الجوهرية بين الحقيقة الدينية والازدهار الدنيوي، أن تعاليم الإسلام وقواعده الخلقية من شأنها، إذا فهمت على حقيقتها وطبقت بكاملها، أن تؤدي إلى الفلاح، لا في الآخرة فحسب، بل في هذه الدنيا أيضًا- الفلاح في جميع أشكاله المعروفة في العالم: القوة والهيبة والتمدن والسعادة. أما إذا لم تفهم على حقيقتها أو لم تطبق، فإنها تفضي إلى الضعف والفساد والبربرية. وهذا ينطبق ليس على الأفراد فحسب، بل على الجماعات أيضًا. فالأمة الإسلامية كانت قلب العالم المتمدن حين كانت حقًا إسلامية. أما الآن، فالمسلمون متخلفون في مضمار العلم والتمدن أكثر من غير المسلمين. وليس من الضروري لإثبات ذلك أن نقابل بين مسلمي الشرق الأدنى ومسيحي أوروبا، بل يكفي أن نقابل بينهم وبين المسيحيين الشرقيين المقيمين بينهم. فما هو، بعد قرن من التربية الحديثة، عدد أصحاب الرأي المستقل في مصر، أو قل بين المسلمين الهنديين إذا ما قيس بالهندوسيين والبارسيين؟ إن سبب هذا التخلف هو أن المسلمين قد فرطوا بحقيقة دينهم بتشجيع من حكام سياسيين فاسدين. فالإسلام الحقيقي ينطوي على أمرين: القول بالتوحيد، والشورى في شؤون الدولة. وقد حاول الحكام المستبدون حمل المسلمين على تناسي الثاني بتشجيعهم على التخلي عن الأول (١٣). لكن ما حدث في الماضي يمكنه أن يحدث من جديد: فالمدنية الإسلامية انبثقت من لا شيء بفضل القرآن ومبادئه الخلقية الموضوعة، ويمكن بعثها من جديد بعودة المسلمين إلى القرآن. وليس من الوارد القول بأن المدنية الحديثة قائمة على التقدم التقني، وإذن، لا يمكن بعث المدنية
стр. 273
الإسلامية ما دام المسلمون متخلفون تقنيًا. إذ أن المهارة التقنية في متناول الجميع، واكتسابها يتوقف على بعض الملكات الخلقية والمبادئ العقلية. فإذا اكتسب المسلمون هذه الملكات والمبادئ، تمكنوا بسهولة من اكتساب المهارة التقنية. وعل كل، فإن هذه العادات والمبادئ موجودة في الإسلام (١٤).
ما هي إذن تلك المبادئ المشتركة بين الإسلام والمدنية الحديثة؟ يقول رشيد رضا إنها السعي قبل كل شيء. فالجهاد الإيجابي هو جوهر الإسلام. وهذا هو معنى كلمة «الجهاد» في مفهومها الأعم (١٥). والأوروبيون يتصفون بهذه الحيوية أكثر من سواهم في العالم الحديث، ولهذا تمكنوا من اكتساح العالم. فهم مستعدون لبذل حياتهم ومالهم في سبيل أمتهم، فيخلصون لها ذلك الإخلاص الأعمى الذي يشكل أساس قوة الأمم (١٦). لكن المسلمين كانوا هكذا، ويمكنهم العودة إلى ما كانوا عليه، وإن بطريقة مختلفة. فالأوروبيون نشيطون وناجحون، لأنهم تخلوا عن دينهم اللادنيوي واستعاضوا عنه بمبدأ الوطنية. أما المسلمون، فبوسعهم أن يجدوا مبدأ الوحدة والولاء هذا في دينهم نفسه. إذ أن ميزة الإسلام الثانية، إلى جانب السعي والجهاد، هي أنه أنشأ جماعة واحدة ليست، على غرار الكنيسة، مجموعة من الناس يربطهم الإيمان والعبادة لكن تفرقهم خصائصهم الطبيعية، بل جماعة بكل معنى الكلمة. فتاريخ الخلافة الطويل، وانتشار ثقافة مشتركة، وقرون من الاحتكاك والزواج المختلط، قد أنشأ أمة هي كنيسة و «أمة» في آن واحد، تجمعها وحدة الدين والشريعة، والمساواة. وتبادل الحقوق والواجبات، كما تجمعها أيضًا روابط طبيعية، وبالأخص رابطة اللغة، إذ أن اللغة العربية هي وحدها لغة التقوى والعقيدة والشريعة أينما وجد الإسلام (١٧).
لا سبيل، إذن، إلى المبالغة في وصف أهمية الوحدة وعار الانقسام، في نظر رشيد رضا وأقرانه من الكتاب. إلا أنهم، عندها
стр. 274
يتحدثون عن الوحدة، لا يعنون الوحدة القائمة على الشعور أو التقاليد فقط. فهم يعلمون حق العلم، كما كان يعلم الأفغاني، كم هي مؤقتة ومتقلبة تلك الوحدة الشعورية الصرف، وكم تكون خطرة إذا كانت ثابتة. وهم لا يعنون أيضًا أن على الوحدة أن تتجسد بالضرورة في شكل دولة إسلامية واحدة. وسنرى فيما بعد نوع الوحدة السياسية التي كان رشيد رضا يراها ممكنة. لكنهم يعنون بالوحدة الإسلامية، جوهريًا، وحدة القلوب بين المؤمنين العائشين معًا في تساهل متبادل، والتعاون الإيجابي بين الجميع على تنفيذ وصايا الدين. وهذه الجماعة القائمة على هذا الأساس تستمد سلطتها من الله، بشهادة الحديث القائل: «لن تجمع أمتي على خطأ». أما ممارسو السلطة فيها، فهم «أهل الحل والعقد». وهي عبارة غامضة قد تعني، إجمالًا، أولئك المسؤولين عن وحدة الأمة واستمرارها، أو بتعبير أدق، علماء الشريعة وأصحاب السلطة السياسية.
لكن الوحدة مرتبطة، ضرورة، بالحقيقة. فلا يمكن أن يكون اتفاق حقيقي بين المسلمين ما لم يكونوا كلهم متفقين على الحقيقة، والعكس بالعكس. فالاتفاق هو علامة الحقيقة. وامتلاك الحقيقة هو، في اعتقاد رشيد رضا، الميزة الثالثة والأساس الأثبت للإسلام. والإسلام الحق هو ما أعلنه النبي والسلف الصالح، وهو نظام من العقائد والمعاملات بسيط نسبيًا ومن السهل فهمه، حواه القرآن والحديث وسنة النبي وأصحابه. وقد أنزل بكامله في أيام النبي الذي أعلن في حجة الوداع: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا». وعلى هذا، فإن إسلام السلف الصالح هو إسلام الجيل الأول الذي عرف النبي، وأن الإجماع الوحيد المقبول هو إجماع ذلك الجيل (١٨).
هنا نلحظ ابتعادًا عن تعاليم محمد عبده. وهو ابتعاد يدل على عقلية رشيد رضا وطريقته في التفكير. فعندما تحدث محمد عبده عن السلف
стр. 275
الصالح، كان يعني، إجمالًا، منشئي التقليد الأساسي للفكر والتقوى الإسلاميين من عهد النبي حتى الغزالي. وقد اكتفى، إما للغموض في بعض مفاهيمه، وإما لحسه الشديد بما للوحدة من أهمية فائقة، ببناء جهاز فكري موحد من عناصر كان من الممكن أن يظهر التناقض بينها، فيما لو دفع بأي منها إلى نتائجه المنطقية. أما رشيد رضا فقد كان يتحلى، فضلًا عن روحية التلميذ، بقوة عقلية ووضوح فكري جعلاه، بالرغم من إلحاحه على الوحدة، أقل ليونة من محمد عبده في التعبير عن أفكاره وأكثر تعصبًا لها. لذلك نجد النزعة السنية أبرز في تفكيره منها في تفكير محمد عبده، أو تفكير جمال الدين الأفغاني (الذي كان على الأرجح، شيعيًا، كما رأينا سابقًا). وكان يعتقد أن الوحدة بين السنة والشيعة ضرورة ماسة، وأن من المكن تحقيقها على قاعدتين: الأولى أن تتعاون الطائفتان على ما يتفقان عليه، وأن تعذر إحداهما الأخرى في ما يختلفان فيه. والثانية أنه إذا تهجم أحد من إحدى الطائفتين على الطائفة الأخرى فالواجب أن يتولى الرد عليه من هم من طائفته (١٩).
إنها لعواطف نبيلة ولا ريب. لكن ما كان أسرع رشيد رضا، عند وقوع الخلاف، أو إدراكه تعذر تحقيق الوحدة، إلى إلقاء اللوم على الشيعيين واتهام زعمائهم بالبواعث الدنيئة. فزعم أن أكثر البدع والخرافات إنما جاءت من غلاة الشيعة (٢٠)، وأن زعماءهم كانوا يعرقلون الوحدة بسبب تهافتهم على المال والجاه العريض، وأن الشيعة نفسها قد انبثقت عن خلاف عقائدي لم يكن قائمًا في عهد السلف الصالح، بل أثارته خصوصًا دسائس معتنقي الإسلام الأول من اليهود، كما شاع عند علماء الكلام من الأقدمين. فلا عجب، إن كانت علاقة رشيد رضا بالكتاب الشيعيين لا تخلو من التوتر.
لقد فسر رشيد رضا المذهب السني تفسيرًا مستمدًا من الحنبلية المتزمتة التي كانت سائدة في سوريا، خصوصًا دمشق، أكثر منها في مصر. ومع أنه خالف ابن تيمية في بعض النواحي، فقد لا يقل ما
стр. 276
استقاه من تآليفه التي نشر بعضها في «المنار» عما استقاه من تعاليم الغزالي. وهذا العطف على الحنبلية هو ما حمله، في ما بعد، على الاندفاع في تأييد انبعاث الوهابية في أواسط الجزيرة العربية، وسياسة زعيمها عبد العزيز بن سعود، مرحبًا بفتح الوهابيين للحجاز، ومبرئًا إياهم من تهمة الخروج على الدين، معلنًا أن عقيدتهم سنية صرف ودينهم دين المسلمين الأولين. فهم، وإن قاوموا كل فكرة تضع محمدًا في مرتبة فوق البشر، يعتبرون رتبة محمد بين البشر أعلى الرتب. وهم، فيما يختص بالأولياء، لا يعارضون الفكرة القائلة بأن هؤلاء اجترحوا أعمالًا خارقة، وإنما يعارضون جهل الجهلاء الذين يخصونهم بالتعبد الذي لا يجوز إلا الله وحده (٢١). ورأى رشيد رضا أن ابن سعود يكاد يكون أفضل من حافظ على المبادئ الجوهرية للسنة ودافع عنها بعد الخلفاء الأربعة الأولين (٢٢). وهو في هذا القول لم يسلم من تلميح أعدائه إلى أنه باع نفسه من ابن سعود. وقد رد على ذلك بأن ما حمله على التخلي عن رأيه الأول في أن الوهابية بدعة إنما هو القراءة والتفكير، وإنه لم يتصل بابن سعود إلا فيما بعد، وأن هذا الاتصال نفسه لم يكن إلا على مستوى سياسي، وكجزء من خطة ترمي إلى تحقيق اتحاد بين زعماء العرب يقف سدًا في وجه التدخل الأجنبي (٢٣).
أما بصدد التطور اللاحق للفكر الصوفي وكيفية ممارسته في الإسلام السني، فقد حذا رشيد رضا حذو محمد عبده في استنكاره، كما حذا حذوه في التمييز بين التصوف الصحيح والتصوف المزيف. فرأى أن من الضروري للمسلم أن يضيف إلى العقيدة السليمة والأعمال الصالحة التي تقتضيها الشريعة شيئًا آخر هو «الصدق والإخلاص والأخذ بالعزائم ومحاسبة النفس» (٢٤)، على أن لا يؤدي ذلك إلى الخروج على حقائق الدين وإلى عبادات لا تؤيدها الشريعة. فمثل هذا التصوف ينطوي على أخطار روحية. ذلك أن الإغراق في الاستسلام لإرادة الشيخ يصبح حاجزًا بين النفس والله، كما قد تؤدي الطقوس
стр. 277
الروحية التي ابتدعتها الطرق الصوفية إلى إهمال أشكال العبادة التي أمر الله بها صراحة في القرآن، ناهيك بعادة استحضار الأرواح التي تنطوي على أخطار عقائدية. كان من المعقول أن يوافقه الإمام محمد عبده على مثل هذه الانتقادات؛ غير أن رشيد رضا كان يشك في بواعث المتصوفين. فقال: مرددًا صدى ما دار من جدل سابق، بأن هذا النوع من التصوف قد دخل الإسلام على يد جماعة من الزرادشتين «لإفساد دين العرب وتقويض دعائم ملكهم بالشقاق الداخلي لتتمكن تلك الجمعيات بذلك من إعادة ملك المجوس وسلطان دينهم اللذين أزالهما العرب بالإسلام» (٢٥).
وكان رشيد رضا ورفاقه ينتقدون الصوفيين أيضًا لاعتبارات عملية. فهم، في نظرهم، لا يضعفون المجتمع فحسب، بل يشكلون خطرًا على الدين أيضًا، إذ أنهم يهملون واجباتهم في هذه الدنيا بانصرافهم إلى أمور لا قيمة لها (٢٦)، ويفسدون الإسلام بإظهاره بمظهر دين الخضوع الأعمى لا دين القوة والسعي. زد على ذلك أن احتفالاتهم تفسح المجال للسكر وتعاطي المخدرات وأنواع أخرى من الموبقات (٢٧).
إلا أن إلحاح رشيد رضا على طبيعة الإسلام التي لا تتغير لا يعني تصلبًا في تفكيره. إذ أنه يميز، على غرار الحنبلين، بين ما هو جوهري في الإسلام وبين ما هو عرضي. فهو يقر بالفارق بين ما نص عليه القرآن والحديث الصحيح وبين تلك العادات والتقاليد التي نشأت وتراكمت حولهما. كما يقر بالفارق بين أفعال العبادة وبين الأفعال الخلقية، بين الأفعال التي تتصل بالله وبين الأفعال التي تتصل بالناس. فالأولى قد وضعت بشكلها النهائي الكامل في القرآن والحديث ولا يمكن تعديلها أو الإضافة إليها. وإجماع الجيل الأول، أي إجماع أولئك الذين عرفوا النبي وسمعوا كلماته، ملزم بحقها. وهذا ينطبق أيضًا على العادات الدينية الشخصية التي لا تقع تحت أي موجبات دينية معينة ولا تؤثر على العلاقات مع الآخرين. إذ من الأفضل، إجمالًا، أن يقتدي المسلمون اليوم
стр. 278
بسنة المسلمين الأول كما أوردها الحديث، لما في ذلك من تقوية لأواصر الجماعة. غير أن من واجب المسلمين أن يقوموا بذلك من تلقاء أنفسهم، بفعل عفوي صادر عن وجدانهم. وليس لأحد الحق في إكراههم على ذلك (٢٨). أما مجموعة العلاقات البشرية فلم تضبطها ولا يمكن أن تضبطها نصوص صريحة. فإذا وجد بشأنها مثل هذه النصوص، وكانت دقيقة صريحة لا إشكال فيها، فلا مجال للأخذ والرد فيها وعلى الناس أن يتقيدوا بها. غير أنه لا بد من إضافة شرطين. الأول هو أنه عندما يتعارض نص خاص مع نص عام يتضمن مبدأ خلقيًا عامًا، كمبدأ «لا ضرر ولا ضرار» أو كمبدأ «الضرورات تبيح المحظورات»، فمن الواجب ترجيح العام على الخاص (٢٩). والثاني هو أنه عندما تجابهنا مسائل لم يرد بها نص قط، أو ورد بها نص غامض أو مشكوك في صحته، فيجب اللجوء إلى العقل البشري لمعرفة ما هو أكثر انسجامًا مع روح الإسلام. وعلى العقل أن يهتدي، في عمله هذا، بمبدأ المصلحة، مفسرًا على ضوء المبادئ العامة الواردة في القرآن والحديث.
لقد رأينا أن مبدأ المصلحة لم يكن جديدًا على الفقهاء المسلمين. وها أن رشيد رضا يستشهد، في دعمه لهذا المبدأ، بابن قيم الجوزية وبابن تيمية وسواهما. لكنه يذهب، في بعض النواحي، أبعد من معلميه، فيصرح تصريحًا بما تضمنته كتاباتهم تضمينًا. فالمصلحة كانت، وفقًا للفكر التقليدي، مبدأ ثانويًا، أي مبدأ إرشاد في عملية القياس، لا بديلًا عن القياس نفسه. أما لدى رشيد رضا، فإنها تكاد تصبح هي نفسها المبدأ الإيجابي الحاسم عوضًا عن القياس. كما أن الأوامر والنواهي، سواء كانت عامة أم خاصة، تتخذ لديه طابعًا سلبيًا، فتصبح مجرد حدود يجب على العقل أن لا يعمل إلا ضمن نطاقها. إن هذا الرأي من شأنه أن يفضي إلى نتائج خطيرة، نظرًا لتغير المصالح بتغير الأحوال. فكأنما رشيد رضا أراد أن يقول، من وراء ذلك، أن ليس هناك في الشؤون الخلفية الاجتماعية من
стр. 279
إجماع. حتى ولا عند الجيل الأول، ولا يمكن أن يكون. وهذا يعني أن للأمة الإسلامية صلاحية التشريع. فصلاحيات حكام الأمة لا تقتصر على الصلاحيات التنفيذية والقضائية، بل تتعداها إلى صلاحيات التشريع في سبيل المصلحة العامة. وإذن، من الممكن وضع قوانين خاضعة للشريعة، بحيث يتغلب حكم الشريعة على حكمهم في حال التصادم بينهما. لكنها تبقى، في غير ذلك من الحالات، مستقلة تستمد قوتها الإلزامية من مبادئ الإسلام العامة. إذ من حق الأمة الإسلامية، بل من واجبها أيضًا أن «يكفل نظامها اشتراع عادل يناسب حالتها التي وضعها فيها تاريخها الماضي» (٣٠).
هذا لا يعني، ولا شك، أن لكل مسلم الحرية في استخدام عقله لوضع القوانين التي يرتئيها. فمهمة وضع القوانين ومبادئ الخلقية الاجتماعية وتعديلها إنما هي من اختصاص «أهل الحل والعقد»، أي أصحاب السلطة في الأمة أو في هيئاتها السياسية، أو بتعبير آخر، أصحاب المسؤولية تجاه الإسلام. وكان رشيد رضا، عندما يستعمل هذه العبارة، يفكر، على غرار الفقهاء المسلمين بعد سقوط الخلافة، بتلك الشراكة بين نوعين من السلطة: سلطة الحاكم المسلم الورع العادل، وسلطة العلماء الحقيقيين الذين لهم المؤهلات الشخصية لممارسة الاجتهاد. وكان يعتبر أن اشتراع القوانين، كمهام الحكم الأخرى، يجب أن يتم بالشورى بين أصحاب هاتين السلطتين. لكننا هنا أيضًا نسمع نغمة جديدة. فهو يفكر بالعلماء كهيئة منظمة، وبالشورى كعملية مدروسة، وبالشرائع الناجمة عنها كأمر يتم الوصول إليه بنوع من الإجراءات الشكلية. وهذا يعني الاستعاضة عن مفهوم الإجماع القديم بمفهوم جديد، هو الإجماع كمبدأ تشريعي لا قضائي، يتم بين علماء كل عصر بأساليب شبيهة بالأساليب البرلمانية. وهذا هو، في نظر رشيد رضا، المفهوم الأصيل للتشريع في الإسلام، الذي انتابه الغموض على ممر الزمن، إلا أنه لم يعدم من يتذكره من علماء الشريعة الذين كان يخرسهم، باستثناء أكابرهم،
стр. 280
الخوف من الحكام، أو يهملون التمييز بين ما هو جوهري وبين ما هو عرضي. وهكذا تفشى في الإسلام ذلك المرض الذي يعزوه رشيد رضا إلى الجمود حينًا، وإلى التقليد حينًا آخر، والذي تجلى في مضمار الشريعة، بالطاعة العمياء لأحد مذاهب الشرع الأربعة المقبولة. وهو يورد مثالًا على ذلك أن شيخ الإسلام، وهو أعلى مرجع قضائي في السلطنة العثمانية، قد امتنع هو ومنع المفتين التابعين له عن إصدار أي فتوى بشأن مجموعة القوانين المدنية المسماة بالمجلة. وهي تلك التي أصدرتها الحكومة العثمانية استنادًا إلى المذهب الحنفي. وما ذلك إلا لأنها اشتملت على بعض التعديلات التي افتقرت إلى ما يسندها عند مؤسس هذا المذهب.
كان رشيد رضا يرى أن الجمود والتقليد شران بحد ذاتهما، لكنه كان يعتبر خطرهما الآن أشد من ذي قبل، إذ تجابه البلدان الإسلامية اليوم مدنية جديدة تجعل حاجتها أشد إلى قوانين جديدة. وكان بين رفاق رشيد رضا من كان يرحب بمدنية أوروبا الحديثة ويعترف بما انطوت عليه بحد ذاتها من قيمة. فمحمد كرد علي، مثلًا، كان شديد الإعجاب بما شاهده خلال زياراته إلى البلدان الغربية، بحيث دعا إلى الكثير مما يمكن للعرب أن يتعلموه منها، كالإصلاح الاجتماعي، والمساواة أمام القانون، وحرية الفكر، وأهمية التضامن الوطني، وعلى الأخص، فضيلة النشاط (٣١). غير أن ما أثار رشيد رضا ليس الإعجاب بقدر ما كان الضرورة. فهو من ذلك الجيل الأخير الذي كان بإمكانه، بالرغم من ثقافته الكاملة، أن يعيش في عالم الفكر الإسلامي المكتفي بنفسه. لقد كان لأستاذه محمد عبده صلات شخصية ودية ووثيقة بعدد من الأوروبيين، وكان قد سافر أكثر من مرة إلى أوروبا. أما رشيد رضا فقد سافر مرة واحدة فقط، وذلك لغرض سياسي معين. ويبدو أنه لم يقرأ شيئًا، أو ربما قليلًا، مما كتب في اللغات الأوروبية. وكان له اتصال وثيق بأوروبي واحد، هو الفرد متشل- إنز، مساعد وكيل وزارة
стр. 281
المالية في الحكومة البريطانية. وإنه لمن الصعب علينا أن نتصور ما كان من الممكن أن يدور بينهما من أحاديث (٣٢). وكان يكره حياة الأوروبيين الاجتماعية، كما كان يشير إلى المسيحية بطريقة عدائية على العموم. وكان يعتقد أنه من الممكن لأوروبا أن تعتنق الإسلام لولا الكنيسة ورجال السياسة وانحطاط الإسلام نفسه داخليًا (٣٣). غير أنه كان يرى، بفضل حسه السليم، أن من الضروري للإسلام أن يتحدى العالم الجديد وأن يقبل بالمدنية الجديدة بالمقدار الكافي لاستعادة قوته. ولكي يبقى، كما كان دومًا، منسجمًا مع تفكيره ومنطقيًا مع نفسه، كان يبرر موقفه هذا بقوله، مستندًا إلى أحد مبادئ الإسلام، أن الجهاد لزام على المسلمين، لكنهم لا يستطيعون تأديته ما لم يصبحوا أقوياء. وهم، في هذا العالم الحديث، لا يصبحون أقوياء ما لم يقتبسوا علوم الغرب وفنونه التقنية. ولما كان الشرط اللازم للقيام بواجب هو نفسه واجب، ترتب على المسلمين دراسة علوم العالم الحديث وأساليبه (٣٤). وهو بقوله هذا إنما كان يردد صدى فكرة كان الطهطاوي وخير الدين أول من عبر عنها، وهي أن المسلمين، بقبولهم المدنية الغربية، إنما يستعيدون ما كان لهم من قبل. إذ أن أوروبا نفسها لم تتقدم إلا بفضل ما تعلمته من المسلمين في إسبانيا وفي الأراضي المقدسة (٣٥).
أمام هذه الحاجة الجديدة، لا بد للشرائع من أن تتغير تغيرًا كبيرًا لم يسبق له مثيل. وهذا التغير المنشود يجب أن لا يقتصر على تعديل المذاهب الأربعة القائمة، بل يجب أن يتعداه إلى إنشاء مذهب واحد جديد. لذلك دعا رشيد رضا علماء زمانه إلى العمل معًا في سبيل إخراج كتاب في الشرائع، قائم على القرآن والحديث، ومنسجم بالوقت نفسه مع حاجات العصر. على أن يخلو من كل التباس، ويفهمه جميع المؤمنين بسهولة، ويورد في أول كل باب من أبواب المعاملات فيه تعريفًا واضحًا يميز بين ما هو فعل إيمان قائم على النصوص وبين ما هو استنتاج عقلي. وبذلك يكون «حجة ناطقة على كل من
стр. 282
ينسب القصور إلى الشريعة أو الدين» (٣٦). غير أنه لم يقصد بهذا إلى التخلي التام عن المذاهب التقليدية الأربعة، بل إلى التقريب بينها ومزجها تدريجًا. وهو في ذلك يتذرع، كمحمد عبده، بمبدأ التلفيق، على أن يتم تطبيقه بنظام أفضل من ذي قبل. فالمبدأ ذاته لم يحرمه إجماع الفقهاء، كما أنه، بحد ذاته، لا يخالف العقل أو مبادئ الإسلام. وهو إنما يصبح غير جائز لو طبق بلا هدى وبدون تمييز. فقبول المسلم بحكم مذهب شرعي غير مذهبه قبولًا أعمى. لا يقل سوءًا عن قبوله بحكم من أحكام مذهبه قبولًا أعمى. أما إذا استعمل مبدأ التلفيق بطريقة معقولة، فإنه يغدو نوعًا من الاجتهاد ويصبح بالتالي شرعيًا بحد ذاته (٣٧).
لقد كرس رشيد رضا الكثير من تفكيره لرسم خطوط النظام الشرعي الجديد، وذلك في دراسات مستقلة خاصة بمواضيع معينة، وفي شروحه للقرآن، وعلى الأخص في فتاويه في «المنار». فقد أفرد، في كل عدد من هذه المجلة، بابًا خاصًا للإجابة على أسئلة حول قضايا تتعلق بالمبادئ الخلقية أو بالعادات. حتى ليمكن القول بأنه كاد أن لا يترك قضية خلقية واحدة تتعلق بحياة الجماعة إلا تعرض لها على نحو ما في مجلته. وسنذكر هنا، على سبيل المثال، بعض القضايا لنتبين إلى أي حد تخلى رشيد رضا عن الموقف التقليدي ليتخذ موقفًا أكثر انسجامًا مع «روح العصر». ففي قضية الارتداد مثلًا، نراه يقلع عن النظرة التقليدية القائلة بأنه من الواجب قتل المرتد من المسلمين، مميزًا بين المرتد الذي يثور ضد الإسلام ويشكل بذلك خطرًا على الأمة، وبين المرتد الذي يترك الإسلام بهدوء وبصفة شخصية فقط. فيقول بأن الأول يجب أن يقتل إذا ما قبض عليه وأما الثاني فلا. وتظهر طريقة تبريره بهذا القول المبادئ المسيرة لتفكيره. فهو يعترف، أولًا، بأن وجوب قتل المرتد يؤيده إجماع الفقهاء التام. لكنه لا يتوقف عند هذا الاعتبار، بل يتعداه إلى التساؤل إذا كان هذا الاجماع مرتكزًا إلى نص
стр. 283
صريح في القرآن. وإذ لا يجد نصًا في القرآن بوجوب قتل كل مرتد، بل يجد، بالعكس، نصًا يحرم كل إكراه في الدين، يستنتج أن ذلك الإجماع إنما هو مخالف لمبادئ الإسلام ويجب بالتالي رفضه (٣٨).
وفيما يختص بالجهاد ضد غير المسلمين، فإنه يقر، كذلك، بوجوبه. لكنه، حرصًا على تعيين الحدود التي يكون هذا الجهاد فيها مشروعًا، يميز بين الحرب التي تستهدف نشر الإسلام، وبين الحرب التي تتوخى الدفاع عنه. فيقول إن الثاني مشروع دومًا، أما الأول فليس مشروعًا إلا إذا تعذر انتشار الإسلام سلميًا، أو إذا كان لا يسمح للمسلمين بالعيش وفقًا لشريعتهم. ويستنتج من هذا أن اللجوء إلى القوة لإكراه أهل الكتاب على اعتناق الإسلام إنما هو مناقض لمبدأ حرية الإيمان عينه (٣٩).
هذان المثلان يثبتان كيف كشف رشيد رضا عن النتائج المنطقية التي كانت مكنونة في مبادئ أستاذيه. إلا أن معالجته لبعض نواحي الحياة الاقتصادية تنم عن تحرره من التقليد تحررًا أقوى. فالشريعة الإسلامية تحرم الربى. وكان رشيد رضا مقتنعًا بأفضلية هذا النظام على أي نظام سواه. لكنه رأى أن الإسلام اليوم أمام خطر لم يجابهه يوم كانت الشريعة في إبان تكوينها، هو خطر توغل الرأسمالية الغربية وسيطرتها الاقتصادية. لذلك التجأ إلى مبدأ الضرورة الذي يقول بأن الضرورات تبيح المحظورات، والذي قد يحمل المسلمين على الانحراف عن التفسير التقليدي للشريعة وعلى بناء حياتهم الاقتصادية على الأسس التي بنت عليها الأمم الغربية اقتصادياتها، فيقول:
«إذا كان المال قوام حياة الأمم والدول في كل زمان، وصار له من الشأن في هذا الزمان ما لم يكن له من قبل، ولاسيما في عصر النبي الذي كانت فيه الأمة قليلة الحاجات، وغير مرتبطة في حياتها بمعاملات الأمم الأخرى. ولكن عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم
стр. 284
قد أنزل في ذلك العصر قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾، فأرشدنا به إلى مكانة المال في حياة الأمم ونظام أمرها وكونها لا تقوم إلا به ... فهل يمكن أن يقال إن مقتضى شرع هذا الدين أن يكون أهله فقراء، وأن يكون ما به قيام معاشهم وعزة أمتهم ودولتهم في أيدي الطامعين فيهم من الأمم الأخرى؟ » (٤٠).
ولعل ما يظهر بجلاء حدود ميله إلى العالم الحديث، وبالوقت نفسه مقدار تأصل جذوره في التقليد، معالجته لحقوق المرأة إسهامًا منه في الجدل الذي أثاره قاسم أمين حول هذا الموضوع. ويمكن تلخيص آرائه بهذا الشأن في ما يلي: يحق للمرأة المسلمة أن تشترك في حياة الإسلام الجماعية، كما فعلت طيلة الأيام العظمى في التاريخ الإسلامي. فإيمانها مثل إيمان الرجل نفسه، وواجباتها الدينية مثل واجباته، وكذلك واجباتها الاجتماعية بمقدار ما هي مستمدة من مبادئ الدين. فهناك إذن مساواة في الحقوق. لكن هناك أيضًا لا مساواة فعلية بسبب تفوق الرجل على المرأة في القوة والذكاء والقدرة على العلم وعلى الاضطلاع بمعظم ضروب العمل. لكن سيطرة الرجل هذه على المرأة يجب أن تمارس، على غرار سيطرة الحاكم على الدولة، لا بالاستبداد، بل بالتشاور. فعلى الرجال في هذا أن يقتدوا بالنبي الذي كان في معاملته لزوجاته مثال الرجل الكامل. لقد كان تعدد الزوجات في حقه عدلًا، إذ كان في مصلحة الجماعة. ولا شك أن تعدد الزوجات جائز دومًا إذا لم يناقض مبدأ العدل وكان من شأنه أن يؤول إلى فوائد. كذلك لا يتنافى الرق مع العدل بالضرورة، إذ أنه يقي النساء من الضرر ويمنحهن جميعًا فرصة إنجاب الأولاد، وبكلمة، إن مبدأ الشريعة الإسلامية في حق المرأة هو:
«إن الإصلاح الإسلامي المحمدي يقضي بأن يكون لكل امرأة كفيل شرعي يكفيها كل ما يهمها لتكون بنتًا مكرمة، فزوجًا
стр. 285
صالحة، فإما مربية، فجدة معظمة. ومن حرمت الزوجية أو الأمومة، لم تحرم الكفالة والكرامة» (٤١).
كان محور تفكير رشيد رضا الحاجة إلى خلق نظام تشريعي يستطيع الناس في العالم الحديث التقيد به فعلًا، ويكون فيه القانون قانونًا بمعناه الصحيح، كما يكون إسلاميًا بمعناه الصحيح أيضًا. وكان هذا أحد العوامل التي حملته على الاتجاه نحو الحنبلية التي جمعت بين التصلب الشديد في المبدأ والليونة البالغة في التطبيق. (لا يزال المذهب الحنبلي في السعودية أساس النظام التشريعي، وفيها فقط لم يحصل الفصل بين الشريعة الإسلامية والقانون الحديث الذي حصل في سائر بلدان الشرق الأدنى الإسلامية) (٤٢). لكن الشريعة تقتضي، في نظر رشيد رضا، سلطة تحافظ عليها وتطبقها. والإسلام، بطبيعته، دين السيادة والسياسة والحكم (٤٣)، فلا يمكن إصلاح الشريعة الإسلامية إلا بإعادة تكوين الدولة الإسلامية. ولدينا نظام سياسي إسلامي حقيقي قائم على التشاور بين الحاكم وحراس الشريعة ومفسريها. لكن هناك شرطين لإعادة بنائه: علماء حقيقيون وحاكم إسلامي حقيقي، أو بتعبير آخر، خليفة حقيقي.
كانت نظرة رشيد رضا إلى الخلافة غامضة في بعض نواحيها. لكن مما لا شك فيه هو أنه لم يدع إلى الخليفة كحاكم مطلق. وليس من الواضح إلى أي حد كان يرغب في أن يكون الخليفة حاكمًا زمنيًا. وإذا كان الخليفة حاكمًا زمنيًا، فما هو نوع صلته بسائر الحكام المسلمين. إذ أنه لم يكن يعتقد أن من الممكن إعادة توحيد جميع أجزاء الأمة في دولة واحدة. لكن رأيه في وظيفة الخليفة الجوهرية كان واضحًا، وهي أنها لا تقوم على الحكم بل على سن الشرائع والسهر على تطبيقها. فالخليفة، في نظره. يجب أن يكون المجتهد الأكبر، أي الرجل المؤهل، بذكائه ومراسه الخاص وبمساعدة العلماء، لتطبيق مبادئ الإسلام على
следующие страницы →