Полный текст (470 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
المالية في الحكومة البريطانية. وإنه لمن الصعب علينا أن نتصور ما كان من الممكن أن يدور بينهما من أحاديث (٣٢). وكان يكره حياة الأوروبيين الاجتماعية، كما كان يشير إلى المسيحية بطريقة عدائية على العموم. وكان يعتقد أنه من الممكن لأوروبا أن تعتنق الإسلام لولا الكنيسة ورجال السياسة وانحطاط الإسلام نفسه داخليًا (٣٣). غير أنه كان يرى، بفضل حسه السليم، أن من الضروري للإسلام أن يتحدى العالم الجديد وأن يقبل بالمدنية الجديدة بالمقدار الكافي لاستعادة قوته. ولكي يبقى، كما كان دومًا، منسجمًا مع تفكيره ومنطقيًا مع نفسه، كان يبرر موقفه هذا بقوله، مستندًا إلى أحد مبادئ الإسلام، أن الجهاد لزام على المسلمين، لكنهم لا يستطيعون تأديته ما لم يصبحوا أقوياء. وهم، في هذا العالم الحديث، لا يصبحون أقوياء ما لم يقتبسوا علوم الغرب وفنونه التقنية. ولما كان الشرط اللازم للقيام بواجب هو نفسه واجب، ترتب على المسلمين دراسة علوم العالم الحديث وأساليبه (٣٤). وهو بقوله هذا إنما كان يردد صدى فكرة كان الطهطاوي وخير الدين أول من عبر عنها، وهي أن المسلمين، بقبولهم المدنية الغربية، إنما يستعيدون ما كان لهم من قبل. إذ أن أوروبا نفسها لم تتقدم إلا بفضل ما تعلمته من المسلمين في إسبانيا وفي الأراضي المقدسة (٣٥).
أمام هذه الحاجة الجديدة، لا بد للشرائع من أن تتغير تغيرًا كبيرًا لم يسبق له مثيل. وهذا التغير المنشود يجب أن لا يقتصر على تعديل المذاهب الأربعة القائمة، بل يجب أن يتعداه إلى إنشاء مذهب واحد جديد. لذلك دعا رشيد رضا علماء زمانه إلى العمل معًا في سبيل إخراج كتاب في الشرائع، قائم على القرآن والحديث، ومنسجم بالوقت نفسه مع حاجات العصر. على أن يخلو من كل التباس، ويفهمه جميع المؤمنين بسهولة، ويورد في أول كل باب من أبواب المعاملات فيه تعريفًا واضحًا يميز بين ما هو فعل إيمان قائم على النصوص وبين ما هو استنتاج عقلي. وبذلك يكون «حجة ناطقة على كل من
стр. 282
ينسب القصور إلى الشريعة أو الدين» (٣٦). غير أنه لم يقصد بهذا إلى التخلي التام عن المذاهب التقليدية الأربعة، بل إلى التقريب بينها ومزجها تدريجًا. وهو في ذلك يتذرع، كمحمد عبده، بمبدأ التلفيق، على أن يتم تطبيقه بنظام أفضل من ذي قبل. فالمبدأ ذاته لم يحرمه إجماع الفقهاء، كما أنه، بحد ذاته، لا يخالف العقل أو مبادئ الإسلام. وهو إنما يصبح غير جائز لو طبق بلا هدى وبدون تمييز. فقبول المسلم بحكم مذهب شرعي غير مذهبه قبولًا أعمى. لا يقل سوءًا عن قبوله بحكم من أحكام مذهبه قبولًا أعمى. أما إذا استعمل مبدأ التلفيق بطريقة معقولة، فإنه يغدو نوعًا من الاجتهاد ويصبح بالتالي شرعيًا بحد ذاته (٣٧).
لقد كرس رشيد رضا الكثير من تفكيره لرسم خطوط النظام الشرعي الجديد، وذلك في دراسات مستقلة خاصة بمواضيع معينة، وفي شروحه للقرآن، وعلى الأخص في فتاويه في «المنار». فقد أفرد، في كل عدد من هذه المجلة، بابًا خاصًا للإجابة على أسئلة حول قضايا تتعلق بالمبادئ الخلقية أو بالعادات. حتى ليمكن القول بأنه كاد أن لا يترك قضية خلقية واحدة تتعلق بحياة الجماعة إلا تعرض لها على نحو ما في مجلته. وسنذكر هنا، على سبيل المثال، بعض القضايا لنتبين إلى أي حد تخلى رشيد رضا عن الموقف التقليدي ليتخذ موقفًا أكثر انسجامًا مع «روح العصر». ففي قضية الارتداد مثلًا، نراه يقلع عن النظرة التقليدية القائلة بأنه من الواجب قتل المرتد من المسلمين، مميزًا بين المرتد الذي يثور ضد الإسلام ويشكل بذلك خطرًا على الأمة، وبين المرتد الذي يترك الإسلام بهدوء وبصفة شخصية فقط. فيقول بأن الأول يجب أن يقتل إذا ما قبض عليه وأما الثاني فلا. وتظهر طريقة تبريره بهذا القول المبادئ المسيرة لتفكيره. فهو يعترف، أولًا، بأن وجوب قتل المرتد يؤيده إجماع الفقهاء التام. لكنه لا يتوقف عند هذا الاعتبار، بل يتعداه إلى التساؤل إذا كان هذا الاجماع مرتكزًا إلى نص
стр. 283
صريح في القرآن. وإذ لا يجد نصًا في القرآن بوجوب قتل كل مرتد، بل يجد، بالعكس، نصًا يحرم كل إكراه في الدين، يستنتج أن ذلك الإجماع إنما هو مخالف لمبادئ الإسلام ويجب بالتالي رفضه (٣٨).
وفيما يختص بالجهاد ضد غير المسلمين، فإنه يقر، كذلك، بوجوبه. لكنه، حرصًا على تعيين الحدود التي يكون هذا الجهاد فيها مشروعًا، يميز بين الحرب التي تستهدف نشر الإسلام، وبين الحرب التي تتوخى الدفاع عنه. فيقول إن الثاني مشروع دومًا، أما الأول فليس مشروعًا إلا إذا تعذر انتشار الإسلام سلميًا، أو إذا كان لا يسمح للمسلمين بالعيش وفقًا لشريعتهم. ويستنتج من هذا أن اللجوء إلى القوة لإكراه أهل الكتاب على اعتناق الإسلام إنما هو مناقض لمبدأ حرية الإيمان عينه (٣٩).
هذان المثلان يثبتان كيف كشف رشيد رضا عن النتائج المنطقية التي كانت مكنونة في مبادئ أستاذيه. إلا أن معالجته لبعض نواحي الحياة الاقتصادية تنم عن تحرره من التقليد تحررًا أقوى. فالشريعة الإسلامية تحرم الربى. وكان رشيد رضا مقتنعًا بأفضلية هذا النظام على أي نظام سواه. لكنه رأى أن الإسلام اليوم أمام خطر لم يجابهه يوم كانت الشريعة في إبان تكوينها، هو خطر توغل الرأسمالية الغربية وسيطرتها الاقتصادية. لذلك التجأ إلى مبدأ الضرورة الذي يقول بأن الضرورات تبيح المحظورات، والذي قد يحمل المسلمين على الانحراف عن التفسير التقليدي للشريعة وعلى بناء حياتهم الاقتصادية على الأسس التي بنت عليها الأمم الغربية اقتصادياتها، فيقول:
«إذا كان المال قوام حياة الأمم والدول في كل زمان، وصار له من الشأن في هذا الزمان ما لم يكن له من قبل، ولاسيما في عصر النبي الذي كانت فيه الأمة قليلة الحاجات، وغير مرتبطة في حياتها بمعاملات الأمم الأخرى. ولكن عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم
стр. 284
قد أنزل في ذلك العصر قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾، فأرشدنا به إلى مكانة المال في حياة الأمم ونظام أمرها وكونها لا تقوم إلا به ... فهل يمكن أن يقال إن مقتضى شرع هذا الدين أن يكون أهله فقراء، وأن يكون ما به قيام معاشهم وعزة أمتهم ودولتهم في أيدي الطامعين فيهم من الأمم الأخرى؟ » (٤٠).
ولعل ما يظهر بجلاء حدود ميله إلى العالم الحديث، وبالوقت نفسه مقدار تأصل جذوره في التقليد، معالجته لحقوق المرأة إسهامًا منه في الجدل الذي أثاره قاسم أمين حول هذا الموضوع. ويمكن تلخيص آرائه بهذا الشأن في ما يلي: يحق للمرأة المسلمة أن تشترك في حياة الإسلام الجماعية، كما فعلت طيلة الأيام العظمى في التاريخ الإسلامي. فإيمانها مثل إيمان الرجل نفسه، وواجباتها الدينية مثل واجباته، وكذلك واجباتها الاجتماعية بمقدار ما هي مستمدة من مبادئ الدين. فهناك إذن مساواة في الحقوق. لكن هناك أيضًا لا مساواة فعلية بسبب تفوق الرجل على المرأة في القوة والذكاء والقدرة على العلم وعلى الاضطلاع بمعظم ضروب العمل. لكن سيطرة الرجل هذه على المرأة يجب أن تمارس، على غرار سيطرة الحاكم على الدولة، لا بالاستبداد، بل بالتشاور. فعلى الرجال في هذا أن يقتدوا بالنبي الذي كان في معاملته لزوجاته مثال الرجل الكامل. لقد كان تعدد الزوجات في حقه عدلًا، إذ كان في مصلحة الجماعة. ولا شك أن تعدد الزوجات جائز دومًا إذا لم يناقض مبدأ العدل وكان من شأنه أن يؤول إلى فوائد. كذلك لا يتنافى الرق مع العدل بالضرورة، إذ أنه يقي النساء من الضرر ويمنحهن جميعًا فرصة إنجاب الأولاد، وبكلمة، إن مبدأ الشريعة الإسلامية في حق المرأة هو:
«إن الإصلاح الإسلامي المحمدي يقضي بأن يكون لكل امرأة كفيل شرعي يكفيها كل ما يهمها لتكون بنتًا مكرمة، فزوجًا
стр. 285
صالحة، فإما مربية، فجدة معظمة. ومن حرمت الزوجية أو الأمومة، لم تحرم الكفالة والكرامة» (٤١).
كان محور تفكير رشيد رضا الحاجة إلى خلق نظام تشريعي يستطيع الناس في العالم الحديث التقيد به فعلًا، ويكون فيه القانون قانونًا بمعناه الصحيح، كما يكون إسلاميًا بمعناه الصحيح أيضًا. وكان هذا أحد العوامل التي حملته على الاتجاه نحو الحنبلية التي جمعت بين التصلب الشديد في المبدأ والليونة البالغة في التطبيق. (لا يزال المذهب الحنبلي في السعودية أساس النظام التشريعي، وفيها فقط لم يحصل الفصل بين الشريعة الإسلامية والقانون الحديث الذي حصل في سائر بلدان الشرق الأدنى الإسلامية) (٤٢). لكن الشريعة تقتضي، في نظر رشيد رضا، سلطة تحافظ عليها وتطبقها. والإسلام، بطبيعته، دين السيادة والسياسة والحكم (٤٣)، فلا يمكن إصلاح الشريعة الإسلامية إلا بإعادة تكوين الدولة الإسلامية. ولدينا نظام سياسي إسلامي حقيقي قائم على التشاور بين الحاكم وحراس الشريعة ومفسريها. لكن هناك شرطين لإعادة بنائه: علماء حقيقيون وحاكم إسلامي حقيقي، أو بتعبير آخر، خليفة حقيقي.
كانت نظرة رشيد رضا إلى الخلافة غامضة في بعض نواحيها. لكن مما لا شك فيه هو أنه لم يدع إلى الخليفة كحاكم مطلق. وليس من الواضح إلى أي حد كان يرغب في أن يكون الخليفة حاكمًا زمنيًا. وإذا كان الخليفة حاكمًا زمنيًا، فما هو نوع صلته بسائر الحكام المسلمين. إذ أنه لم يكن يعتقد أن من الممكن إعادة توحيد جميع أجزاء الأمة في دولة واحدة. لكن رأيه في وظيفة الخليفة الجوهرية كان واضحًا، وهي أنها لا تقوم على الحكم بل على سن الشرائع والسهر على تطبيقها. فالخليفة، في نظره. يجب أن يكون المجتهد الأكبر، أي الرجل المؤهل، بذكائه ومراسه الخاص وبمساعدة العلماء، لتطبيق مبادئ الإسلام على
стр. 286
حاجات العالم الجديدة. كما يجب أن يكون القادر، نظرًا للاحترام الذي يتمتع به، على فرض ما يتوصل إليه من نتائج على الحكومات الإسلامية. إذ أنه بينما «يتبع كل أمرئ اجتهاد نفسه أو فتوى قلبه وراحة وجدانه في الأمور الشخصية الخاصة به ... فإن اجتهاد الخليفة في المصالح العامة مرجح على اجتهاد غيره» (٤٤). وليس من وجود للإسلام الحقيقي إلا بوجود خليفة كهذا. فهو وحده قادر على العودة إلى حكم الشورى الإسلامي الحقيقي بالتشاور مع أهل الحل والعقد في الشؤون التي لم يرد بشأنها نص في القرآن أو حديث صحيح أو إجماع أو اجتهاد رسمي سابق. وهو وحده قادر على إحياء المدنية الإسلامية وتلقيحها بالعلوم والفنون التقنية الضرورية لدفع الأمة في دروب القوة والازدهار. وهو وحده قادر على أن يعيد إلى الدين نقاوته، وأن ينبذ الخرافات والبدع، وأن يقيم وحدة إسلامية تضم الشيعة والزيدية والإباضية، كما تضم السنة بمذاهبها الشرعية الأربعة (٤٥).
كانت الإمبراطورية الإسلامية لا تزال قائمة، وكان السلطان لا يزال يدعي بأنه الخليفة، طيلة النصف الأول من حياة رشيد رضا. ولم يكن رشيد رضا ورفاقه يعترضون على وجود الإمبراطورية، لا بل كانوا يعتقدون أنها ضرورية للعرب والشعوب الإسلامية، لأنها كانت وحدها قادرة على بذل القوة الضرورية لحمايتهم من الضغط الأجنبي. وكان رشيد رضا يقاوم الفكرة الناشئة إذ ذاك، والرامية إلى الاستعاضة عن الخلافة العثمانية بخلافة جديدة، معتبرًا هذه الفكرة وحيًا أجنبيًا من شأنه أن لا يخدم إلا المصالح الأجنبية (٤٦). وكان من الممكن، في رأيه، القبول بالخلافة العثمانية على أنها «خلافة بالضرورة»، مع أنها لم تكن خلافة أصيلة، إذ كان العثمانيون يفتقرون إلى أحد الشروط الجوهرية للاجتهاد، وهو معرفة اللغة العربية، أي اللغة التي بها وحدها يمكن التفكير في عقائد الإسلام وشرائعه. كما كانوا، من جهة أخرى، غير مؤهلين للاجتهاد (٤٧).
стр. 287
غير أن الحالة تغيرت بعد حرب ١٩١٤ - ١٩١٨. فقد وقع السلطان في البدء تحت نفوذ إنكلترا وفرنسا اللتين احتلتا إسطنبول. ثم جاء مصطفى كمال فخلعه، فبقيت قضية الخلافة تشغل المفكرين المسلمين طيلة السنوات القليلة اللاحقة. ولم يكن اهتمام رشيد رضا بالإسلام ولا نزعته الجدلية يسمحان له بالبقاء بعيدًا عن المعركة. فاشترك في الجدل الكبير الذي أثاره كتاب عبد الرازق، وهاجم هذا الكتاب بشدة على صفحات «المنار»، قائلًا إن خطر آراء عبد الرازق يكمن في إمكان استخدام أعداء الإسلام لها. فهؤلاء الأعداء يجاهدونه بالسيف، لكنهم في الأخص، يحاولون تقطيع الروابط التي ترتبط بها الشعوب الإسلامية «ليسهل جعلها طعمة للطامعين وفريسة لوحوش المستعمرين». وهم يشنون «حربًا معنوية» من شأنها أن تضعف الإسلام من الداخل. فكتاب كهذا يشكل في هذه الحرب صدمة قاسية للإسلام (٤٨).
وقد أسهم رشيد رضا أيضًا في هذا الجدل بوضع دراسة طويلة وشاملة عن الخلافة، نشرت حين أقامت الحكومة التركية الجديدة خليفة لم يكن له إلا سلطة «روحية» فقط. وفي هذه الدراسة أظهر معارضته، بخلاف سائر المسلمين، لهذا الأمر الذي لم يأخذ بعين الاعتبار الغاية من الخلافة، وهي تطبيق الشريعة، وإنما استهدف ترضية الإحساس القومي والشعور الإسلامي العام على صعيد سياسي أشبه ما يكون بالتظاهرات السياسية التي أقيمت في مصر تأييدًا لزغلول (٤٩).
وإذن، فالخلافة الأصلية ليست موجودة اليوم، ولذلك وجب إعادة بنائها. وهذا لا يتم إلا على مرحلتين: الأولى إقامة «خلافة الضرورة» لتنسيق جهود البلدان الإسلامية ضد الخطر الخارجي، والثانية إقامة «خلافة الاجتهاد الصحيحة» عندما يحين الوقت. ولتحقيق هاتين المرحلتين لا بد من بعض الشروط التي أولها إقامة علاقات حسنة بين العرب والأتراك، لأنهم يشكلون جميعًا دعامة
стр. 288
العالم الإسلامي. فبالرغم من المشاعر المريرة التي أثارتها أولًا سياسة «تركيا الفتاة» ثم الثورة العربية، يظل العرب والأتراك بحاجة، بعضهم إلى بعض. فقد حافظ العرب على روح الإسلام الحقيقية وعلى معرفة اللغة العربية، بينما تميز الأتراك بالتماسك السياسي والقدرة على القيادة اللذين تفتقر إليهما (٥٠) الأمة. إن مصطفى كمال رجل عظيم، لكنه لسوء الحظ لا يعرف شيئًا عن الإسلام. وهو لو عرف الإسلام على حقيقته لكان هو الرجل المنشود (٥١).
أما الشرط الآخر، وهو الأهم، فيقضي بأن يعمل «أهل الحل والعقد» جميعًا من أجل إقامة الخلافة: «فالأمة كلها مطالبة (بنصب الإمام الحق) وهي صاحبة الأمر والشأن فيه ... وإنما يقوم به ممثلوها من أهل الحل والعقد ... فأهل الحل والعقد هم المطالبون بجميع مصالح الأمة العامة ومسألة السلطة العليا خاصة ... هم سراة الأمة وزعماؤها ورؤساؤها الذين تثق بهم في العلوم والأعمال والمصالح التي بها قيام حياتها وتتبعهم فيما يقررونه بشأن الديني والدنيوي منها» (٥٢).
لكن أين يوجد مثل هؤلاء الناس؟ إنه لمن الصعب العثور عليهم في الأمم الإسلامية الخاضعة للدول الأوروبية. فالزعماء في تلك الأمم إنما يمثلون، عادة، السلطة التي عينتهم (باستثناء بعضهم ولا شك كمحمد عبده و «ابنه الروحي» سعد زغلول في مصر، وغاندي ومولانا أبو الكلام آزاد في الهند)، وليس من أمل كبير في العثور عليهم في المؤسسات الدينية الرسمية، أي دور التعليم الكبرى كالأزهر في القاهرة، وجامع الزيتونة في تونس، ومعهد ديوباند الديني في الهند. ومن طرف آخر، فإن الخير لن يجيء على يد «المتفرنجين» الذين سيطروا على الحياة العامة طيلة الأجيال القليلة الماضية، إذ كانت عقيدتهم تقوم على الاعتقاد أن الدين يتعارض مع المجتمع الحديث، لذا أخذوا ينشؤون مؤسسات ويسنون قوانين لا جذور لها في الإسلام. أضف إلى ذلك أنهم آمنوا بأن
стр. 289
الرابطة الوطنية أو الجنسية هي أساس القانون الإسلامي، فهدموا بذلك الأساس الخلقي للمجتمع (٥٣). على أن فريقًا وسطًا قام بين الطرفين هو «حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل، الجامع بين الاستقلال في فهم فقه الدين وحكم الشرع الإسلامي وكنه الحضارة الأوروبية» (٥٤). هذا الحزب الذي يقبل بالتغييرات الضرورية على أن يربطها بمبادئ صالحة، ويوفق، بتعبير آخر، بين التغيير من جهة، وصيانة أساس الأمة الخلقي من جهة أخرى. لكن قيام مثل هذا الفريق غير ممكن إلا إذا كان قويًا، أي إذا كان متحدًا. والاتحاد سهل في عالمنا الحديث أكثر منه في أي يوم مضى، وما ذلك إلا لتحسين المواصلات التي تمكن أصحاب الآراء المتشابهة من التلاقي. حتى أن الإجماع الحقيقي أصبح اليوم ممكنًا، إذ غدا من الممكن، للمرة الأولى، أن يجتمع جميع علماء العصر في مكان واحد (٥٥).
وماذا يمكن عمله فيما لو تحقق هذان الشرطان؟ كان رشيد رضا يعتقد أن هناك سبل عدة لإقامة «خلافة الضرورة» المؤقتة، كأن يبايع حكام الجزيرة العربية خليفة من بينهم، وعلى وجه التفضيل، إمام اليمن الذي كان حائزًا على معظم الخصائص المطلوبة؛ أو أن تأخذ مصر المبادرة في تعيين الخليفة، إذ أن البلدان العربية الأخرى ميالة إلى السير وراء القاهرة؛ أو أن يقتنع الأتراك بضرورة الاستعاضة عن خلافتهم الوهمية بخلافة أكثر جدية. ثم إن تعيين مركز الخلافة أمر مهم كيفما كانت طريقة إقامتها. فيرى رشيد رضا أن هذا المركز لا يمكن أن يكون في الحجاز، لأن حاكمها خاضع لحكم أجنبي من جهة، ولسبب أخلاق الملك وعائلته من جهة أخرى (وسنعود إلى هذا فيما بعد)؛ ومن الصعب أيضًا أن يكون في تركيا، لسبب موقف الحكومة من الخليفة ومن اللغة العربية. لكنه من الممكن أن يكون في مركز وسط كالموصل على الحدود بين الأتراك والعرب والأكراد (٥٦). (كان مصير
стр. 290
الموصل لم يقرر بعد آنذاك، إذ كانت تركيا تطالب بها مع أنها كانت تعتبر إداريًا جزءًا من العراق).
هذه هي الخطوة الأولى. أما الثانية، فعلى حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل أن ينشئ مدرسة عالية لتخريج المرشحين للإمامة العظمى وللاجتهاد الشرعي بعد دراسة أصول القوانين الدولية، وخلاصة تاريخ الأمم، وسنن الاجتماع، ونظم المؤسسات الدينية كالبابوية. وبكلمة، جميع المسائل الضرورية لتطبيق الإسلام على العالم الحديث تطبيقًا صحيحًا. وهكذا تتشكل هيئة جديدة من العلماء تصون جوهر الشريعة ووحدة الأمة. لكنها قد تحقق أكثر من ذلك، إذ سيكون فيها عرب من سلالة قريش. ومن يدري، فقد ينتخب أحدهم، عندما يحين الزمن، من قبل ناخبي جميع البلدان الإسلامية، وتعقد له البيعة من قبل أهل الحل والعقد، فيكون الخليفة الحق الذي سيبني من جديد ذلك الحكم الإسلامي الأصيل الذي هو أفضل حكم على الإطلاق.
لم يكن رشيد رضا ليشك بأن هذا الحكم هو الأفضل بالنسبة للمسلمين، لكنه هل هو الأفضل أيضًا بالنسبة للمسيحيين واليهود العائشين في البلدان الإسلامية؟ على هذا يجيب بالإيجاب أيضًا. فهو يقول بأن وضع الأقليات في دولة إسلامية يكون أفضل منه في دولة علمانية، إذ أن الدولة الإسلامية تكون قائمة على العدل وعلى الشريعة التي منحت المسيحيين واليهود حقوقهم وحريتهم، بينما تكون الدولة العلمانية قائمة على العصبية الطبيعية الصرف التي لا تصلح أساسًا للنظام الخلقي. فالعدل يوحد، بينما التعصب يفرق. والبغض بين الذين ليس لهم ما يعبدونه سوى جماعاتهم لأسوأ من البغض بين أصحاب أديان مختلفة. وإذا كانت قد حدثت اضطهادات في الشرق الأدنى، فذلك مرده إلى انحطاط الإسلام، كما أثبتت موجة البغض التي حركتها ثورة «تركيا الفتاة» العلمانية في ١٩٠٨ (٥٧).
стр. 291
الفصل العاشر
طلائع العلمانية (الشميل- فرح أنطون)
نقل الإمام محمد عبده وأتباعه الأفكار السائدة في أوروبا وطبقوها على مجتمعهم، فكان لذلك تأثير أقوى بكثير مما توقع هو نفسه. فقد أدت محاولة صياغة مبادئ المجتمع الإسلامي صياغة جديدة إلى فكرة مجتمع قومي علماني يكون الإسلام فيه مقبولًا ومحترمًا، لا بل مساعدًا على شد الروابط العاطفية بين المواطنين، دون أن يكون مصدرًا لقواعد الشريعة والسياسة. وقد نادى بفكرة مماثلة، في الوقت نفسه، فريق من الكتاب المسيحيين السوريين. ولما كان هؤلاء مسيحيين من الأقليات، فقد دفعوا بهذه الفكرة في اتجاه مختلف.
كان الشدياق والبستاني رائدي مدرسة من الكتاب الذين فتح نمو الصحافة الدورية العربية مجالًا جديدًا لمواهبهم. ففي السبعينيات من القرن التاسع عشر أخذ يظهر بالعربية نوعان جديدان من الصحف: الصحف السياسية المستقلة التي تنشر أخبار السياسات العالمية وتعبر عن الآراء السياسية؛ والمجلات التي كانت تتوخى غرضًا مزدوجًا، هو إطلاع الفكر العربي على أفكار أوروبا وأميركا واختراعاتها، وعلى كيفية التعبير عنها باللغة العربية. وكان العدد الأكبر من هذه المجلات، الصادرة في القاهرة أو بيروت، يحررها مسيحيون لبنانيون تثقفوا في المدارس الفرنسية أو الأميركية، فزودوا القراء، طيلة جيل بكامله، بمادة للمطالعة الشعبية تكاد تكون الوحيدة في اللغة العربية آنذاك، جاعلين للبنانيين تأثيرًا كبيرًا،
стр. 292
وإن يكن قصير الأمد، في جمهور قراء العربية.
كانت المجلة الأولى المهمة من هذا النوع مجلة «الجنان» التي أصدرها بطرس البستاني، وكتب معظم مقالاتها ابنه سليم. وقد عاشت مدة ستة عشرة سنة، من ١٨٧٠ إلى ١٨٨٦، حين توقفت عن الصدور لسبب تزايد الصعوبات في وجه الكتابة الحرة في عهد السلطان عبد الحميد، مما حمل عددًا من تلاميذ البستاني على الانتقال من بيروت إلى القاهرة، يجذبهم إليها أيضًا عدد القراء، وحرية التعبير النسبية، والرعاية التي شملهم بها أمثال رياض باشا من الحكام والمسؤولين. وكان أشهر هذه المجلات اللبنانية المصرية «المقتطف» التي أنشأت في ١٨٧٦، و «الهلال» التي ظهرت لأول مرة في ١٨٩٢. وكان قد أنشأ الأولى في بيروت معلمان شابان من أساتذة الكلية البروتستانتية السورية، هما يعقوب صروف وفارس نمر، اللذان انتقلا في ١٨٨٥ إلى القاهرة، حيت بقيت المقتطف تصدر طيلة نصف قرن على قاعدة قلما طرأ عليها تغيير جوهري. فإذا أخذنا العدد الصادر في كانون الثاني ١٨٩٦ على سبيل المثال، لوجدنا أنه يشتمل على مقالات في الأمراض السارية، والمكروبات في الهواء، والفروق بين الرجال والنساء، وتحليل فلسفي لمركز الإنسان بين الحيوانات، ومقال عن الإدارة في جبل لبنان في عهد رستم باشا (وهو أحد الحكام المعينين وفقًا لنظام ١٨٦١)، وملخص لتقرير لجنة أميركية عن أسس التربية، ومجموعة أقوال في اليمامة مستقاة من الأدب العربي؛ وأخبار صغيرة عن الأساليب الصناعية والزراعية والاكتشافات العلمية.
أما مؤسس الهلال، فكان جرجي زيدان (١٨٦١ - ١٩١٤) الذي تلقى علومه لفترة في الكلية البروتستانتية السورية أيضًا، لكنه لم يتأثر بها إلى الحد الذي تأثر به زملاؤه. فقد كان ذا تركيب ذهني مختلف فأعار العلوم الطبيعية في مجلته اهتمامًا أقل، موجهًا جل عنايته إلى علم الاجتماع وأدب النفس، والسياسات العالمية، والجغرافيا، والتاريخ
стр. 293
واللغة والأدب، وآثار العرب. وعلى سبيل المثال أيضًا نأخذ العدد الصادر في شباط ١٩١٣، فنراه يشتمل على مقالات في تاريخ لبنان وحصار الصليبيين لدمياط، وعن مكيافيلي وابن خلدون، وفي التربية والنظام الاجتماعي، وفي العمر والشيخوخة، وفي كيفية معالجة السمنة، كما تشتمل على وصف زيارة قام بها رئيس التحرير إلى فرنسا وإنكلترا وسويسرا، وعلى فصل من قصته التاريخية عن صلاح الدين والحشاشين.
قد تبدو المواضيع التي كانت تعالجها هاتان المجلتان عديمة المغزى، خصوصًا وأنهما كانتا تتحاشيان كل ما يتعلق مباشرة بالسياسات المحلية أو بالدين أو بما شأنه أن يثير ضدهما العداء. غير أن وراء هذه المواضيع ووراء غيرها من هذا النوع كانت تكمن بعض الأفكار المعينة الدائرة حول ما هي الحقيقة وكيفية البحث عنها، وما على جمهور قراء العربية أن يعرفوه وهو أن المدنية خير بحد ذاتها، وأن ابتكارها وصيانتها إنما هما محك العمل وقاعدة الخلقية، وأن العلم إنما هو أساس المدنية، وأن للعلوم الأوروبية قيمة عالمية، وأن بإمكان العقل العربي ومن واجبه تحصيلها بواسطة اللغة العربية، وأنه بالإمكان أن نستخرج من الاكتشافات العلمية نظامًا للخلقية الاجتماعية التي هي سر القوة الاجتماعية، وأن أساس هذا النظام الخلقي إنما هو التحسس بالمصلحة العامة، أي الوطنية، التي هي حب الوطن والمواطنين الذي يجب أن يعلو على جميع الروابط الاجتماعية الأخرى حتى الدينية منها. وقد أصبحت مثل هذه الأفكار مألوفة في ما بعد بفضل هاتين المجلتين على الأخص.
لقد توقف المقتطف، آخر الأمر، عن الصدور، لأنه كان قد أنهى مهمته، بينما استمر الهلال، لأنه كان موجهًا لجمهور مختلف من القراء. كانت تلقي هذه الآراء لدى نشرها للمرة الأولى بنبرة رسولية، ولم تكن مقبولة في كل مكان. من ذلك أنه عندما وصلت الأعداد الأولى من المقتطف إلى بغداد في ١٨٧٦، لم يرحب بالمجلة إلا بعض الشباب، بينما قاومها المحافظون من مختلف
стр. 294
المذاهب السنية والشيعية والمسيحية واليهودية. لأنها كانت، في نظرهم، تنشر عقائد جديدة وخطرة. حتى أن نعمان الألوسي نفسه، الذي كان زعيم حركة إصلاح إسلامية لا تختلف عن حركة محمد عبده، قاومها هو أيضًا. وقد انقضى بعض الوقت قبل أن أخذت عقائدها في الانتشار (١).
كانت هذه الأفكار تبث إجمالًا بطريقة التضمين. إلا أنه كان هناك بعض الكتاب اللبنانيين والسوريين الذين حاولوا صياغة نظرتهم إلى المجتمع بطريقة منظمة. ولعل أولهم كان فرنسيس مراش (١٨٣٦ - ١٨٧٣)، وهو من عائلة حلبية درس الطب في باريس. لقد مات في مقتبل العمر، ولم يترك لنا سوى بعض المؤلفات، منها «غابة الحق»، وهي قصة رمزية كتبت بشكل حوار يدور حول كيفية إقامة «مملكة المدنية والحرية» (٢). كانت أفكار هذا الكتاب هي الأفكار الأوروبية المنتشرة في ذلك الوقت: فوائد السلم، وأهمية الحرية والمساواة (وفيه استنكار للرق قد يكون انعكاسًا لموضوع الحرب الأهلية الأميركية)، وحاجة العرب قبل كل شيء إلى أمرين: مدارس حديثة وحب للوطن طليق من الاعتبارات الدينية (٣). وكان الكتاب يشتمل أيضًا على نقاش حول معنى المدنية، مما يدل على الأهمية التي كان يعلقها المؤلف على مفهوم هذه الكلمة. فالمدنية، في نظره، هي ما يقود الإنسان إلى كمال أوضاعه الطبيعية والخلقية (٤). وهي لا يمكن أن تتحقق إلا إذا توافرت لها بعض الشروط. وفي مقدمة هذه الشروط، التربية السياسية التي تعلم أن على الحاكم أن يكون معدًا الإعداد اللازم للقيام بمهام منصبه، وأن يكون متحليًا بصفات العقل والخلق الضرورية. ومنها أن من الواجب أن يكون الجميع متساوين أمام القانون بدون أي تمييز بينهم، وأن تكون القوانين مناسبة للمجتمع، وأن يكون الخير العام هدف الحكم. هذا فضلًا عن شروط أخرى، كتنمية العقل وتهذيب العادات والأخلاق الاجتماعية وتنظيف المدن
стр. 295
وإتقان بنائها.
قد يكون إلحاح مراش على علم حفظ الصحة انعكاسًا لدراسته الطبية في باريس. غير أنه عاش قبل الثورة التي أحدثتها نظريات دارون في التفكير البيولوجي. فكان من نصيب كاتب من الجيل اللاحق، مسيحي سوري وطبيب أيضًا، أن يكون أول من أدخل تلك النظريات إلى العالم العربي، نعني به شبلي الشميل (١٨٥٠ - ١٩١٧)، الذي كان بين المتخرجين الأول من المعهد الطبي التابع للكلية البروتستانتية السورية. ثم تابع دراسة الطب في باريس قبل أن يستقر في مصر، حيث مارس مهنته وكتب مرارًا وتكرارًا في المقتطف ومجلات أخرى من هذا النوع. وقد اهتم أيضًا بالشؤون العامة، ولخص في كتيب موجه إلى عبد الحميد في ١٨٩٦ بعنوان «شكوى وأمل» نظرته إلى ما كانت تفتقر إليه السلطنة العثمانية من علم وعدل وحرية (٥).
كان الشميل يعتقد أن أعظم هذه الأمور شأنًا، لا بل أساسها جميعًا، إنما هو العلم. لقد كان ينتمي إلى تلك الحركة الكبرى التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر، والتي كانت تعتبر العلم أكثر من مجرد طريقة لاكتشاف النظام في ترابط الأشياء، إذ كان مفتاحًا لحل لغز الكون، لا بل نوعًا من العبادة. وكان العلم يعني عند الشميل النظام الميتافيزيقي الذي بناه هكسلي وسبنسر في إنكلترا وهاكل وبوخنر في ألمانيا على فرضيات دارون الحذرة. وكان مؤلفه الرئيسي ترجمة شرح بوخنر لأفكار دارون مع ملاحظات وإضافات من عنده. وكان أساس ذلك النظام فكرة وحدة الكائنات. فجميع الأشياء تتكون من المادة بحركة عفوية وجدت منذ الأزل وستبقى إلى الأبد. والأشكال المتكونة، أي المعادن والنبات والحيوان والإنسان، تكون في كل مرحلة أكثر تميزًا بعضها عن بعض وأكثر تعقدًا منها في المرحلة السابقة. وكل مرحلة تنبثق من المرحلة التي سبقتها بدون انفصال، وذلك بفضل قوي ملازمة أصلًا للمادة
стр. 296
نفسها، تتخذ بدورها أشكالًا مختلفة باختلاف المستويات، بحيث أن ما يبدأ نورًا يصبح حركة ثم جاذبية ثم رغبة ثم حبًا. والإنسان هو قمة هذا التطور والكائن الأول القادر على السيطرة عليه والمساهمة فيه عن وعي، وذلك بتغيير ظروفه الخارجية وبالاستعاضة عن الصراع من أجل البقاء بالتعاون وتوزيع العمل. وهذا الإنسان لا يزال ساعيًا لبلوغ كماله الذاتي، وتنمية قواه العقلية، والاستعاضة عن النزاع بالتعاون، والإكراه بالتنظيم الإرادي، والرغبة الأنانية في سعادته الخاصة بالسعي وراء سعادة الجميع. إن هذه الرؤيا لتسلسل الكائنات، ولأساس كل الأشياء ومصدرها، وللإنسان كغايتها الأخيرة، قد هزت في الشميل حس الجمال والجلال كما هزت حس أبناء جيله في أوروبا وأميركا. فهو يتساءل قائلًا: هل هناك ما هو أبهج وأنفع من معركة تحول المادة وقواها، والعلم بأن جميع الأشياء بالحقيقة شيء واحد؟ ولم يكن من قبيل الصدفة أنه أطلق على وحدة الطبيعة التعبير المستعمل في علم الكلام الإسلامي للدلالة على وحدة الله: التوحيد (٦).
يعلن الشميل عقيدته بحرارة إيمان المهتدي والثائر معًا. ولا عجب، فقد كان لا يزال لتلك النظرية، يوم ترجم بوخنر في العقد الثامن، وقع الصاعقة. وقد جرى حادث يدل على ذلك قبل بضع سنين في الكلية البروتستانتية السورية، أي بعد بضع سنوات فقط من دراسته فيها. وهو أن أستاذ العلوم الطبيعية فيها ألقى، لمناسبة حفلة المتخرجين لعام ١٨٨٢، خطابًا أبدى فيه تأييده لنظريات دارون، مما حمل معظم زملائه والقيمين على إدارة المعهد على الاستنكار. ثم طرحت القضية على مجلس الأمناء، فصرح الرئيس بأن مجلس الإدارة وهيئة الأساتذة ومجلس الأمناء لا يقبلون قط بأن يقال أو يعلم في المعهد ما يسمى بالدارونية. فما كان من المذنب إلا أن استقال، فقبلت استقالته. وقد شاركه في الاستقالة عدد من المعلمين الآخرين احتجاجًا، كما أبدى بعض طلاب الطب
стр. 297
عطفهم، فطردوا ثم أعيدوا بعد أن طلبوا الصفح والغفران (٧). وقد حفظ مؤرخ الكلية، كما جرى عليه التقليد الشفهي حتى اليوم، صورة عن الحادث يبدو منها أنه كان أشد عنفًا مما روينا، وأنه ترك أثرًا عميقًا في الذين شهدوه. وقد لمح الشميل نفسه إليه (٨) قائلًا إن لا غرابة في أن يثير ذلك الخطاب مثل ردة الفعل تلك، إذ أن دين العلم هو إعلان حرب على الديانات القديمة. وما نشأت المسيحية، في نظره، إلا عن الأنانية، وعن حب السيطرة من قبل رؤساء الدين، وعن رغبة الإنسان العادي في البقاء الفردي. وليس ما يحرر الإنسان من نير الأنانية سوى إدراك فكرة وحدة المادة والإقرار بها. لكن للدين الحديد مستلزمات اجتماعية وسياسية واسعة أيضًا. فالعلوم الطبيعية هي أساس العلوم الإنسانية، ولا تستمد الشرائع السليمة إلا من العلوم الإنسانية الصحيحة. أما العلوم الزائفة، فهي تؤدي إلى شرائع وأنظمة حكم زائفة. وليس الحكم الديني والحكم الاستبدادي فاسدين فحسب، بل هما غير طبيعيين وغير صحيحين. فالحكم الديني يرفع بعض الناس فوق سواهم، ويستخدم السلطة لمنع نمو العقل البشري نموًا صحيحًا؛ أما الحكم الاستبدادي، فينكر حقوق الأفراد (١٠). وما مصدر الاثنين إلا المبدأ الخاطئ القائم على تفضيل المنفعة الشخصية على المنفعة العامة. وهما يشجعان العقل على البقاء في حالة الجمود، وبذلك يعرقلان ذلك التقدم التدريجي الذي هو ناموس الكون. لكن بالإمكان تصور نظام للشرائع وللحكم يقوم على نواميس الكون، ويسمح بالتالي لتطور النمو الكوني أن يستمر وللإنسان «أن يعيش وفقًا لطبيعته». ومثل هذا النظام ينبثق عن المبادئ ذاتها التي تنبثق عنها نواميس الطبيعة، وهي أن الأشياء كلها سائرة إلى التباين والتغير، وأن التطور يتحقق بالصراع من أجل البقاء، وأن البقاء للأصلح.
لكن ما هو الأصلح للبقاء؟ على هذا يجيب الشميل بقوله: كما أن الجسد يكون صالحًا للبقاء عندما تعمل كل أجزائه بتعاون،
стр. 298
هكذا يقوم المجتمع بعمله على أحسن وجه عندما تعمل أجزاؤه معًا في سبيل خير الجميع. فالتعاون ناموس المجتمع الأعلى. وعن هذا ينتج أن القوانين والمؤسسات يجب أن لا تعتبر معصومة وغير قابلة للتغيير، إذ ما هي سوى تدابير في حقل الحياة الاجتماعية، تقاس قيمتها بمقدار ما تخدم الخير العام وهي تتغير بتغير شروطه (١١). لكن على هذا التغيير أن يتم تدريجًا. نعم، هناك حالات لا بد فيها من الثورة، حين لا يكون من علاج سواها لإخراج السم من الجسد؛ لكن الإصلاحات التي تنجح إنما هي، على العموم، تلك التي تنبثق عن تغير في الإرادة العامة وتستهدف الخير العام (١٢). على أنه لا يمكن الاتفاق على ما هو الخير العام إذا لم تتوافر الحرية، وبالأخص حرية الفكر. ففي الحكم الاستبدادي يسيطر عضو من أعضاء المجتمع على الآخرين بالقوة ويضع مصالحه فوق مصالحهم. كذلك لا تكون إرادة عامة بدون وحدة اجتماعية تقوم عليها، مما يقتضي فصل الدين عن الحياة السياسية. إذ أن الدين هو عنصر تفرقة، لا بحد ذاته، بل لأن رؤساء الدين يبذرون الشقاق بين الناس، مما يبقي المجتمعات ضعيفة. والأمم تقوى بمقدار ما يضعف الدين (١٣). فهذه أوروبا، فهي لم تصبح قوية ومتمدنة، فعلًا، إلا عندما حطم الإصلاح (إصلاح لوثر) والثورة الفرنسية سلطة الإكليروس على المجتمع. وهذا يصح أيضًا على المجتمعات الإسلامية. إذ أن ما أضعف الأمة ليس الإسلام أو القرآن بل سلطة رجال الدين. وقد توسع الشميل في شرح هذه الفكرة، ردًا على ما وجهه اللورد كرومر من انتقادات إلى الإسلام في كتابه «مصر الحديثة». فقد حكم اللورد كرومر على الإسلام بأنه «أخفق كنظام اجتماعي»، ملقيًا اللوم في ذلك على وضع المرأة المنحط، والقبول بالرق، وتصلب الشريعة، وضيق الإيمان (١٤). ولم يكن يعتقد بإمكان إيجاد علاج لذلك، كما يتبين مما كتبه عن رجل سيصبح يومًا من دعاة الإصلاح، هو محمد بيرم التونسي، إذ قال:
стр. 299
«قد يأخذنا العطف على أمثال محمد بيرم من المسلمين، لكن ليعلم السياسيون العمليون أن ليس لدى هؤلاء أي خطة جديرة بأن تقيم من الموت جسدًا لم يمت، لكنه في حالة نزاع، وقد يبقى هكذا لقرون عديدة ... أنه غير قابل للحياة ولا يمكن وقف انحلاله بأي مخدر من المخدرات الحديثة، مهما استعملت بمهارة».
لقد أثار هذا النقد اهتمامًا كبيرًا وعددًا من الردود. وقد يبدو غريبًا أن يسارع شميل المسيحي إلى الدفاع عن الإسلام. لكنه كتب عن الإسلام بحرية أوسع مما كان بإمكان مسيحي عربي من جيل سابق أن يكتب.
ليس من الصعب العثور على مصدر أفكار الشميل في مؤلفات سبنسر وبوخنر. لكنها كانت ترمي هنا إلى هدف معين في مجتمع كان لا يزال قائمًا على فكرة الجامعة الدينية. وكان الكثيرون من الكتاب العرب المسيحيين من معاصري شميل يبشرون بتلك الأفكار ويستنتجون منها وجوب وجود وحدة قومية تتعدى الفروق الدينية. لكن الشميل نفسه ذهب أبعد من ذلك في استنتاجه. فهو لم يكن يحاول الاستعاضة عن التضامن الديني بالتضامن القومي فحسب، بل راح أيضًا يعلن أن لجميع أنواع التضامن الجزئي خطر التضامن الديني، لأنها تجزئ المجتمع البشري. فالتعصب القومي الأعمى لا يقل شرًا عن التعصب الديني الأعمى. لذلك لا بد من أن تحل، عاجلًا أم آجلًا، الوطنية العالمية محل الولاء للوطن المحدود. وعندما ناقش المجلس التشريعي، في ١٩٠٩، مسألة تمديد امتياز قناة السويس وانتهى إلى الرفض، كتب شميل أن من مصلحة مصر تمديد هذا الامتياز، وقبول البدل المعروض من الشركة، لأن التقدم العلمي أسرع اليوم مما كان عليه في الماضي، وكذلك التقدم الاجتماعي. فمفهوم الوطن على تحول، وقريبًا سيشمل العالم كله. وعندما ينتهي الامتياز في ١٩٦٨، لن تكون القناة ملكًا لمصر أكثر مما تكون ملكًا للصين أو لأميركا. فلتأخذ، إذن، مصر البدل المعروض
стр. 300
ما دام حقها في القناة معترفًا به، ولتستخدمه في سبيل الخير العام (١٦).
أثارت عليه مقاومته هذه للقومية وعقيدته الاشتراكية كثيرًا من الانتقاد يومذاك. فهو أول من نشر بالعربية فكرة الاشتراكية، وإن لم يكن أول من سماها بهذا الاسم. ومن الواضح أن القضية التي تبناها لم تكن قضية الاشتراكية الأوروبية، قضية الملكية الخاصة أو العامة لوسائل الإنتاج. فهذه ليست مشكلة مصر التي لم تكن قد تعرفت بعد إلى الصناعة الحديثة؛ بل ما كان يهمه إنما هي القضية الليبرالية التي أثيرت حول حدود تدخل الدولة. فعندما كان يدعو نفسه اشتراكيًا، كان يعبر بالحقيقة عن اعتقاده أن على الحكومة أن تعمل على التقدم الاجتماعي وتحقيق التعاون في سبيل الخير العام. فعليها مثلًا أن تجد عملًا للقادرين على العمل، وأن تؤمن المساواة في الأجور، وتحسن الصحة العامة (١٧). وقد ذهب أبعد من ذلك في المنهاج الذي وضعه في ١٩٠٨ للحزب الاشتراكي في مصر؛ فقال إن للحزب سياستين: سلبية وإيجابية. الأولى هي السعي إلى إزالة جميع الكتب غير النافعة، ومدرسة الحقوق، والجامعة الجديدة التي كانت في مرحلة التأسيس، والمحاكم المختلطة، لا بل جميع المحاكم الموجودة، والشركات المحتكرة لتوزيع المياه، والصحف التي تبذر الشقاق بالتحدث عن المسلم والقبطي والدخيل (وفي هذا إشارة إلى التهجمات المصرية على الجالية اللبنانية في مصر). والثانية هي أن يقيم، بعد تهديم جميع هذه المؤسسات، جامعة حقيقية تدرس فيها العلوم، ومدرسة تقنية بدلًا من مدرسة الحقوق، ومحاكم محلية بسيطة جدًا، ومؤسسات عامة لتوزيع المياه، ومدارس ابتدائية في كل قرية وحي، وصحف لائقة لتنوير الرأي العام.
قد يكون من المستحيل تطبيق مثل هذه الأفكار. لكن نشرها، بحد ذاته. قد ساعد على تخمير الأفكار والأفعال التي أطلقت الحركة الدستورية في مصر وفي الإمبراطورية العثمانية. كان شميل على العموم من أنصار «تركيا الفتاة» في معارضتها لاستبداد عبد الحميد. فقد
стр. 301
كتب في ١٨٩٨، عن هذا الحزب، أن أعضاءه لم يكونوا كلهم ليبراليين مخلصين، لكنهم كانوا من أنصار التقدم الكوني والاجتماعي، يؤيدون الحرية، والوحدة الاجتماعية التي تتعدى جميع الفروق الدينية، وانتشار التربية. وكانوا، بالرغم من كل نقائصهم، يشكلون طلائع حركة الجنس البشري والكون (١٩)، بينما كان عبد الحميد يمثل نقيض ذلك. ومما يدل على ما كان يجده الشميل من انسجام بين نواميس الكون وقوانين كل مجتمع إنساني، أنه ختم مقدمة كتابه عن الدارونية بهذا الإنذار الموجه إلى الطغاة: إن يومكم آت، حتى في الشرق، مع انتشار المعرفة (٢٠).
علينا، لنفهم فكر شبلي الشميل، أن نضعه في إطار النقاش الحاد الذي كان دائرًا يومذاك حول العلم والدين. وهذا ينطبق أيضًا على صحفي لبناني آخر من جيل أفتى بقليل هو فرح أنطون (١٨٧٤ - ١٩٢٢). نزح فرح أنطون من طرابلس إلى القاهرة، في ١٨٩٧، وصرف بقية حياته بين مصر ونيويورك، رئيسًا لتحرير عدة مجلات عربية، وبنوع خاص مجلة «الجامعة» الشهيرة في زمانها. وقد عبر، في هذه المجلات وفي قصصه، عن الفكر الأوروبي «المتقدم» في عصره، مما أدى إلى نزاعه مع محمد عبده في تلك المناقشة الشهيرة التي حملت هذا الأخير على وضع دراسته في الإسلام والمسيحية، كما حملت الشميل على نشر أفكاره عن المجتمع والحكم. لقد ولدت تلك المناقشة كثيرًا من الحدة، وقطعت العلاقات الطيبة التي كانت قائمة بين الرجلين، كما قطعت العلاقات بين فرح أنطون ورشيد رضا. وكان فرح أنطون ورشيد رضا قد سافرا معًا من لبنان إلى مصر، فانقلب، في أثناء الجدل، ما كان قد تولد بينهما من صداقة إلى عداوة عنيفة ساخطة (٢١)، إذ طعنت أفكار فرح أنطون معتقدات محمد عبده في الصميم.
كان مصدر الخلاف دراسة طويلة عن حياة ابن رشد وفلسفته نشرها فرح أنطون في مجلته «الجامعة». ويدل اختيار هذا الموضوع
стр. 302
على تأثير رينان عليه. فهو الذي ترجم «حياة يسوع» لرينان، وها هو الآن ينهج في كتابته عن ابن رشد النهج الذي رسمه معلمه. فالآراء العامة التي أدلى بها كانت آراء رينان نفسها تقريبًا، وإنما جردت من صوت المعلم وإنشائه الرائع الصافي المؤثر والمتصف بشيء من اللاجدية. من ذلك قوله إن بالإمكان حل «النزاع» بين العلم والدين، وذاك بتحديد الحقل الخاص بكل منهما. فهناك قوتان إنسانيتان مستقلتان: العقل والقلب، ولكل منهما قواعد عمله ونطاق نشاطه وطرق إثبات حقائقه. فالعقل يستند إلى الملاحظة والاختبار، وحقله هو العالم المخلوق، أما القلب، فيسلك طريق القبول بما تحويه الكتب المنزلة بدون أن يتفحص أساساتها، ومواضيعه الخاصة إنما هي الفضائل والرذائل والحياة الأخرى. وما يتوصل إليه الواحد منهما لا يمكن للآخر دحضه. لذلك يجب أن يحترم الواحد الآخر، وأن لا يتجاوز الواحد حدود الآخر (٢٢).
كل هذا كان بحد ذاته بريئًا. غير أنه كان من شأن مثل هذه الأفكار، وقد ألقيت في مجتمع قائم على أساس الإيمان بالأديان المنزلة، أن تؤدي إلى نتائج ثورية. وكان فرح أنطون يعي ذلك، فأهدى كتابه إلى «النبت الجديد في الشرق»، أي «أولئك العقلاء في كل ملة وكل دين في الشرق، الذين عرفوا مضار مزج الدنيا بالدين في عصر كهذا العصر، فصاروا يطلبون وضع أديانهم جانبًا في مكان مقدس محترم، ليتمكنوا من الاتحاد اتحادًا حقيقيًا ومجاراة تيار التمدن الأوروبي الجديد لمزاحمة أهله، وإلا جرفهم جميعًا وجعلهم مسخرين لغيرهم» (٢٣).
ثم يشرح السبب الذي من أجله يكتب عن ابن رشد، فيقول إن غرضه إنما هو «تقريب الأبعاد بين عناصر الشرق وغسل القلوب وجمع الكلمة ... لا بأن يبرهن الفريق الواحد للفريق الثاني أن دينه أفضل من دينه، فهذا أمر قد مضى زمانه ... فهذا الزمان زمان العلم والفلسفة (الذي يقضي) بأن يحترم كل فريق رأي
стр. 303
غيره ومعتقده» (٢٤).
إن ما جذب فرح أنطون إلى ابن رشد هو بالضبط ما كان قد جذب رينان إلى هذا الفيلسوف المسلم، أي تأكيده على أن النبوة نوع من الإدراك، وأن الأنبياء فلاسفة، وأن الحقيقة واحدة يسربلها الأنبياء بالرموز الدينية من أجل العامة، بينما تفقهها النخبة مباشرة. لكن فرح أنطون قصد أيضًا إلى غرض آخر. فقد كان كتابه، ككتاب الشميل، شبيهًا بالنشرة السياسية، بالرغم من شدة طابعه النظري. كما كان هدفه السياسي شبيهًا بهدف الشميل وسواه من كتاب عصره اللبنانيين. ذلك أنه توخى وضع أسس دولة علمانية يشترك فيها المسلمون والمسيحيون على قدم المساواة التامة. ورأى أن هنالك أساسين: الأول فصل الجوهري عن العرضي في جميع الأديان. فالجوهري هو مجموعة المبادئ، والعرضي مجموعة الشرائع، عامة كانت أم خاصة. فإذا تفحصنا مجموعة المبادئ، وجدنا أنها واحدة في جميع الأديان: فمسألة التثليث ليست إلا «مسألة شعرية مجازية» (٢٥)؛ وليس المسيح ابن الله بسبب طبيعة خاصة به، بل لأنه حاز بمقدار أكبر على «روح الله» الذي هو فينا جميعًا، والذي يجعل منا كلنا، بمعنى من المعاني، «أبناء الله» (٢٦). كذلك إذا تفحصنا مجموعة الشرائع لوجدنا أن غايتها الوحيدة إنما هي حث الناس على الفضيلة. فالثابت فيها هو إذن المبدأ الخلقي الكامن وراءها، ويجب أن نفسرها تفسيرًا يسمح لها بالقيام بوظيفتها، حتى لو اقتضى ذلك تأويلها (٢٧). وبعبارة أخرى، إن جميع الأديان إنما هي دين واحد يعلم بعض المبادئ العامة. أما الشرائع الدينية، فلا قيمة لها بحد ذاتها، إذ ما هي إلا وسائل لغاية. فالطبيعة البشرية واحدة أساسيًا في نظر جميع الأديان، والحقوق والواجبات البشرية واحدة أيضًا. حتى أن الذين لا دين لهم لا يختلفون عن غيرهم في الطبيعة أو الحقوق.
هذا كان، في نظر فرح أنطون، أساس التساهل (٢٨). لكن
стр. 304
هناك أساسًا آخر للعلمانية لا يقل عن الأول أهمية، هو الفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية، وذلك لخمسة أسباب: أولها، أن غايات السلطتين تختلف، لا بل تناقض بعضها عن البعض الآخر. فالدين يبتغي العبادة والفضيلة وفقًا للكتب المنزلة؛ ولما كان كل دين يدعي الحقيقة لنفسه ويطلب من الناس أن يسلكوا سبيله لبلوغ الخلاص، كان من الطبيعي للسلطات الدينية، إذا ما كانت ذات سلطة سياسية، أن تضطهد الذين يخالفونها وبالأخص المفكرين. أما غاية الحكم، فهي صيانة الحرية البشرية في حدود الدستور. لذلك لا تضطهد الحكومات الناس بسبب آرائهم إذا ما تركت وشأنها. ثانيًا، إن المجتمع الصالح يقوم على مساواة مطلقة بين جميع أبناء الأمة، تتعدى الفروق في الأديان. ثالثًا، إن السلطات الدينية تشترع للآخرة، لذلك كان من شأن سلطتها أن تتعارض وغاية الحكومة التي إنما تشترع لهذا العالم. رابعًا، إن الدول التي يسيطر عليها الدين ضعيفة. فالسلطات الدينية ضعيفة بطبيعتها، لأنها تحت رحمة مشاعر الجمهور، وهي تسبب بدورها ضعف المجتمع، لأنها تلح على ما يفرق بين الناس؛ والجمع بين الدين والسياسة، مما يضعف حتى الدين نفسه، إذ ينزله إلى حلبة السياسة ويعرضه لجميع أخطار الحياة السياسية. خامسًا وأخيرًا، إن الحكومات الدينية تؤدي إلى الحرب. فمع أن الدين الحق واحد، فالمصالح الدينية المختلفة تتعارض أبدًا بعضها مع بعض؛ ولما كان الولاء الديني قويًا بين الجماهير، فمن الممكن دائمًا أن يثير المشاعر (٢٩).
في هذا تكمن، ضمنًا، نظرية فرح أنطون في الدولة. فالدولة يجب أن تقوم على الحرية والمساواة، ويجب أن تتوخى بقوانينها وسياستها السعادة في هذه الدنيا والقوة الوطنية والسلم بين الأمم، ولا يمكنها أن تحقق ذلك، إلا إذا كانت السلطة العلمانية مستقلة عن أي سلطة أخرى. كان محمد عبده يوافق على بعض هذا
стр. 305
القول لا كله. فهو أيضًا قد ميز بين ما هو جوهري وبين ما هو عرضي في الدين، لكن تمييزه هذا لم يكن كتمييز فرح أنطون: فهو يعتقد أنه إذا كانت جميع الأديان تنم عن الحقيقة الواحدة، فإن الإسلام، والإسلام وحده، هو، بمعنى دقيق خاص، الدين المعبر عن هذه الحقيقة بكاملها. وكان محمد عبده يقبل بأن تتمتع الحكومة بقدر كبير من الحرية في تشريعها، لكنه كان يفترض أن الشرائع الحديثة ستنمو من ضمن الشريعة، لا باستقلال عنها، فضلًا عن أنه كان يريد مشاركة متساوية، لا انفصالًا، بين الحكام وحراس الشريعة. وكان أيضًا موافقًا على أن يتمتع غير المسلمين بالمساواة القانونية والاجتماعية التامة، شرط أن تبقى الدولة دولة إسلامية. لذلك ليس من الصعب فهم رد فعله العنيف على أفكار فرح أنطون. لكنه تذرع، في الأخص، بنقطة ثانوية لدى فرح أنطون الذي لم يثرها إلا عرضًا، وهي القول بأن الإسلام اضطهد العلم أكثر مما اضطهدته المسيحية. فجاء كتابه عن الإسلام والمسيحية ردًا على ما أعتقد أن فرح أنطون قد قصد إليه. والواقع أن فرح أنطون لم يقصد تمامًا إلى ما ظهر من معنى ذلك القول الذي أثار غضب محمد عبده. إن ما أراد فرح أنطون أن يقوله هو أن انفصال السلطتين في المسيحية هو ما سهل على المسيحيين أن يكونوا أكثر تساهلًا من المسلمين، لكنه أسرع إلى التوضيح بأن سجل الديانتين يكاد يكون واحدًا من هذا القبيل. وإذا كانت البلدان الأوروبية اليوم أكثر تساهلًا، فليس ذلك لأنها مسيحية، بل لأن العلم والفلسفة جرداها من التعصب الديني الأعمى وتم فيها انفصال السلطات (٣٠). كان هذا نقضًا مباشرًا لعقيدة محمد عبده، وهي أن الدين، إذا ما عاد إلى نقاوته، يمكنه أن يكون أساسًا للحياة السياسية، لا بل يكون أساسها الثابت الوحيد. وقد أبرز فرح أنطون هذا التناقض بوضوح في ردوده على محمد عبده. فهو يذكر محمد عبده بأن العالم قد تغير: فالدول الحديثة لم تعد قائمة على الدين، بل على
стр. 306
أمرين: الوحدة الوطنية وتقنيات العلم الحديث. ويعطي مثلًا على هذا التغير اندحار الوهابيين على يد جيوش محمد علي ثم يقول: لو كانت نظرية محمد عبده في أن الإصلاح الديني يؤدي إلى القوة نظرية صادقة لانتصر الوهابيون. لكنهم خسروا بالفعل، لأن محمد علي كان أول من أدرك في الشرق أن العالم قد تغير. ثم يصر على القول بأن أمل محمد عبده في الوحدة الإسلامية باطل. فهي لن تتحقق، وإذا تحققت، فلن يغير ذلك شيئًا، لأنها لن تولد القوة الضرورية لصد الخطر الأوروبي (٣١). والأمثلة من التاريخ المسيحي والإسلامي على السواء عديدة، تثبت كلها أن الوحدة الدينية غير ممكنة، وأن على الدولة أن تجد لها نوعًا آخر من الوحدة إذا ما أرادت البقاء. أما في العصر الحديث، فالوحدة تتم بخلق الولاء القومي والفصل بين السلطة المدنية والسلطة الدينية. وفي هذا قوله: «فلا مدنية حقيقية ولا تساهل ولا عدل ولا مساواة ولا أمن ولا ألفة ولا حرية ولا علم ولا فلسفة ولا تقدم في الداخل إلا بفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية» (٣٢). وهو لم يوافق على ادعاء محمد عبده بأن الأتراك هم الذين قضوا على وحدة الإسلام وقوته، وأنه يمكن استعادة هذه الوحدة وهذه القوة بنقل مركز الثقل من الأتراك إلى العرب. إذ كان الأمر بخلاف ذلك. فما مكن الأمة من البقاء إنما هو بالضبط روح الوطنية التي تميز بها الأتراك والفرس وتلك القوة التي المتولدة منها. فثقافة الفرس وفضائل الأتراك العسكرية قد نفحت الإسلام بقوة جديدة: «إن دولة سلاطين آل عثمان ورثت الميراث العربي بانتخاب طبيعي فكفت بقوتها ذلك الميراث ما كان يحدق به من المصائب والأخطار» (٣٣).
وكان محمد عبده قد أدلى بحجة أخرى، وهي أن فصل الدين عن الدولة ليس غير مرغوب فيه فحسب، بل هو مستحيل. ذلك أن الحاكم لا بد له من أن ينتمي إلى دين معين، فكيف يمكنه أن يتحرر في أفعاله من تأثير هذا الدين؟ فالإنسان وحدة، لا مجرد
стр. 307
شيئين يتصل أحدهما بالآخر، هي الجسد والروح اللذان لا انفصال بين وظائفهما. فكيف يمكن، إذن، فصل السلطات التي تهيمن عليها؟ على هذا يجيب فرح أنطون بعرض النظرية الديمقراطية بكاملها. فالحاكم لا يحكم وفقًا لإرادته الخاصة أو معتقداته الشخصية، بل على ضوء القوانين التي تضعها جمعية ممثلي الشعب. والشعب يجب أن يكون سيدًا، وإلا ساد الاستبداد أو الفوضى. ولممثلي الشعب حكمة أوسع من حكمة أي حاكم منفرد، وذكاؤهم المشترك أدق من ذكاء أي واحد منهم بمفرده (٣٤).
لذلك يجب أن يكون مجلس النواب أعلى من السلطات الدينية وأعلى من الحاكم نفسه. هذا ما كان فرح أنطون يعنيه حقًا بفصل السلطات الروحية عن السلطات الزمنية. فهو يرى الخطر في تدخل رؤساء الدين في الشؤون الدنيوية؛ إذ عندما تكون الحكومة علمانية، فضلًا عن تمتعها بسلطان فائق، وتضع حدودًا معينة للسلطة الدينية، لا يبقى هنالك من مجال للبلبلة أو الاختلاط، ولا يتعدى الحكومة أو الدين أحدهما على حدود الآخر. لكن فرح أنطون لم يتنبه، كما يبدو للخطر المعاكس. فهو يتساءل: ما هو الداعي للظن بأن الحكومة قد تتدخل في الشؤون الدينية؟ ثم يجيب: إذا لم يكن للسلطات الدينية صلاحيات سياسية، فلن تستجلب التدخل في شؤونها. وعلى كل، فقضيتها قد دخلت طور النزع الأخير. إذ إن باستطاعة النخبة الاستغناء عن معونتها، حتى في الشؤون الدينية. أما ما يهم الجماهير فهو شؤون هذا العالم: إن الاشتراكية إنما هي «دين الإنسانية»، وهي آخذة في الحلول محل الأديان المنزلة (٣٥).
إننا نسمع، من وقت إلى وقت، من خلال صفحات فرح أنطون، نغمة هي أكثر من مجرد صدى لمعلميه الأوروبيين. إنها التعبير عن وعي سياسي إيجابي عند المسيحيين العرب. لقد بقوا مدة طويلة مكتفين بأن لا يتدخل أحد في شؤونهم، مكرسين مواهبهم السياسية لمعالجة شؤون بطريركيتاهم المعقدة. لكن فرح أنطون الآن،
стр. 308
بمطالبته بدولة علمانية، لم يطالب بعدم اضطهاد المسيحيين ومنحهم حقوقًا متساوية فحسب، بل طالب بمجتمع يتسنى لهم فيه القيام بدور إيجابي، لا بل بمجتمع يتمكنون فيه من ممارسة شطر من المسؤولية السياسية. إنه يسعى جاهدًا للتمييز بين المسيحيين الشرقيين وبين المرسلين الغربيين، وبنوع خاص، بينهم وبين الدول الأوروبية التي كانت تستخدم الدين لأغراض سياسية. فهو لا ينكر فضل المرسلين ولا ينساه، لكنه لا ينسى أيضًا ضررهم السياسي. إن كلامه صادر عن وعي مسيحي شرقي صرف. فهو يقول بفخر، وربما برغبة أيضًا في الدفاع عن النفس: نحن هم المسيحيون الحقيقيون، وديننا لم يتدخل في السياسة. ونحن لسنا مسؤولين عن أعمال المسيحية الغربية. إن ولاءنا هو للشرق، وقد عشنا دومًا أوفياء للسلطان (٣٦).
стр. 309
الفصل الحادي عشر
القومية العربية
الاعتقاد أن الناطقين بالضاد يشكلون أمة، وأن هذه الأمة يجب أن تكون مستقلة ومتحدة، لم يتضح ويكتسب قوة سياسية إلا في القرن الحالي. لكننا نجد، إذا ما توغلنا بعيدًا في الماضي، أن العرب كانوا دومًا يحسون إحساسًا فريدًا ويعتزون اعتزازًا خاصًا بلغتهم، وأنه كان لهم، قبل الإسلام، إحساس «عرقي»، أي نوع من الشعور بأن هناك، وراء منازعات القبائل والعائلات، وحدة تضم جميع الناطقين بالضاد المتحدرين من القبائل العربية. فكانت لكل قبيلة «شجرة عائلية» مشتركة، معروفة ومقبولة لدى الجميع، ولا فرق بالنسبة إلى موضوعنا هنا، أكانت حقيقية أم وهمية. وبعد ظهور الإسلام وانتشاره مع اللغة العربية خارج الجزيرة، أصبحت هذه «العائلة» تضم الكثيرين من المتحدرين من أصول شتى، دون أن تتنكر للذين كانوا، كالغساسنة، من أصل عربي ولكنهم لم يعتنقوا الدين الجديد.
وكان للعرب نصيب خاص من تاريخ الإسلام، لا بل من جوهر تكوينه. فالقرآن كان عربيًا، والنبي كان عربيًا، ودعوته الأولى كانت موجهة إلى العرب، وكان العرب «مادة الإسلام»، أي الآلة البشرية التي بواسطتها انتشر الدين وسلطانه، كما أصبحت اللغة العربية، وبقيت، لغة العبادة والفقه والشرع. ومع أن التمييز الحاد، الذي كان قائمًا في البدء بين الطبقة العربية الحاكمة وبين المهتدين الجدد، تضاءل فيما بعد، فإن الشعور بالفارق العرقي ظل
стр. 310
مستمرًا بالواقع، وراح يتجلى، لا في المجادلات الأدبية حول الشعوبية فحسب، بل أيضًا في الصراع من أجل السلطة الكامن وراءها. وعندما انتقلت السلطة، آخر الأمر إلى الأتراك والجماعات المنتسبة إليهم وغدت اللغة التركية لغة الحكم، احتفظت اللغة العربية بمركزها الممتاز كلغة الثقافة الدينية والشرع، أو بتعبير آخر، لغة الدولة التي كانت من الوجهة الدينية عماد الشريعة، فكانت بذلك الوسيلة التي بواسطتها استمر العرب يقومون بدورهم في شؤون المجتمع العامة.
ولما تفككت الإمبراطورية، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، اتسم التطور الطبيعي، كما حدث غالبًا في التاريخ، ببعض الملامح القومية: فقد تزعم الشعور الإقليمي وحركة المقاومة في ولايات الإمبراطورية زعماء من الأسر الدينية في المدن الكبرى، تلك الأسر التي استطاعت، بفضل النظام الديني، أن تحافظ على ثروتها ومركزها الاجتماعي وأن تشغل مراكز دينية محلية كانت تربطها بالزعماء الدينيين في جميع أنحاء الإمبراطورية، وتكسبها، في الغالب، الوضع الممتاز الذي كان يتمتع به الأشراف المتحدرون من صلب النبي. وكانت هذه العائلات تدخر علوم اللغة العربية وتتوارثها من جيل إلى جيل كوسيلة ضرورية لعلوم الدين. وكان الاعتزاز بالأصل العربي، أو غالبًا بالتحدر من صلب النبي أو من صلب أحد أبطال الإسلام الأولين، يمتزج لدى هذه العائلات بالافتخار بما فعله العرب في سبيل الإسلام، مما كان من شأنه أن يعزز شعورها بالمسؤولية نحو الجماعة وماضيها، ذلك الشعور الذي تميز به دومًا أهل السنة والجماعة. وعلى هذا، يمكن اعتبارها، بمعنى من المعاني، لسان حال الوعي «العربي». ومن جهة أخرى، كانت المملكة الوهابية في الجزيرة عربية، وذلك لا لكونها قامت عرضًا في منطقة عربية اللسان فحسب، بل لأنها كانت أيضًا، بدعوتها المسلمين إلى العودة إلى نقاوة الإسلام الأولى، تحيي في أذهانهم ذكرى
стр. 311
العهد العربي في تاريخ الأمة الإسلامية. وكانت أيضًا إمبراطورية محمد علي القصيرة العمر عربية بفضل الجغرافيا: فالتوسع المصري كان لا بد له في البدء أن يكون توسعًا في البلدان العربية. لكن هل كانت عربية بمعنى آخر، وهل توخى محمد علي إنشاء مملكة عربية؟ لم يكن هناك، لا في أقواله ولا في سياسته، ما يدل على ذلك؛ لكننا نجد بعض ما يشير إلى ذلك في أقوال ابنه ومساعدة الأكبر إبراهيم باشا. فهو يقول: «أنا لست تركيًا. فقد أتيت إلى مصر عندما كنت فتيًا، ومنذ ذلك الوقت غيرت شمس مصر دمي وجعلته عربيًا خالصًا». وقد استشهد الكثيرون بهذه العبارة التي قالها إبراهيم باشا إلى زائر فرنسي، كما استشهدوا بتعليق هذا الزائر عليها إذ قال أن هدف إبراهيم إنما كان تأسيس دولة عربية خالصة يعيد بها «للعنصر العربي قوميته ووجوده السياسي» (١). وفي ذلك الوقت عينه، كتب إبراهيم إلى والده كتابًا يكاد ينم عن المعنى نفسه، يقول فيه إن الحرب مع الأتراك كانت حربًا وطنية وعنصرية، وأن على الإنسان أن يضحي بحياته في سبيل أمته (٢). لكنه ليس واضحًا لدينا ما الذي عناه بهذا القول، وما إذا كان يعبر به عن أكثر من حالة فكرية عابرة.
غير أن بعض المظاهر تدل على أن الشعور بالفرق بين الأتراك والعرب كان، بتأثير من هذه الحركات وربما أيضًا بتأثير من انتشار القومية بين رعايا الإمبراطورية البلقانيين، آخذًا في النمو خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر. لكن القومية العربية الصريحة، كحركة لها أهميتها وأهدافها السياسية، لم تظهر إلا حوالي آخر القرن التاسع عشر. فحتى ذلك التاريخ، كانت مصالح العرب العثمانيين ونشاطاتهم السياسية موزعة بين الحركات العامة المتصارعة داخل الإمبراطورية بشكل سافر أولًا ثم بشكل خفي طيلة عهد عبد الحميد. فمن جانب، وقف السلطان يؤيده ليس من كانت مصلحتهم تقضي بالإبقاء على النظام القائم فحسب، بل أيضًا من كانوا يعتقدون أنه لا
стр. 312
يمكن المحافظة على وحدة الإمبراطورية إلا بقوة السلطان وسيطرة العنصر الإسلامي، وأنه لا يصون ما تبقى من وحدة الإسلام واستقلاله إلا الإمبراطورية. وهكذا كان بين مستشاري السلطان ومؤيديه الأقربين عرب أمثال أبو الهدى، المنفذ لسياسته الدينية، وعزت باشا، كاتم أسراره ومدبر أموره السياسية، كما كانت أكثرية العرب، على الأرجح، وبالأخص في الولايات السورية، غير مستاءة من حكمه، وذلك لاعتبارات دينية من جهة، وبسبب المكاسب المادية التي كانت الولايات السورية تحصل عليها من انتشار المدارس وتمديد الخطوط الحديدية، من جهة أخرى. لكن كان هنالك من يعتقد أنه لا يمكن المحافظة على الإمبراطورية إلا بتحويلها إلى ملكية دستورية، يتمتع فيها بحقوق متساوية المسلمون وغير المسلمين والأتراك وغير الأتراك. وقد ظهرت هذه الفكرة أولًا لدى «الشباب العثمانيين» في باريس ولندن، ولدى رجال الدولة المصلحين الذين قاموا بانقلاب ١٨٧٥ بقيادة مدحت باشا، واضعين بذلك موضع التنفيذ أول تجربة دستورية (٣). لكن بعد إخفاق هذه التجربة وعودة السلطان إلى الحكم الشخصي، انهارت المقاومة المنظمة وأخذ الاستياء يعمل في الخفاء، وباستثناء حزب «الاتحاد والترقي» القصير العمر، المؤسس في ١٨٨٩ على يد طلاب في المدارس الحربية والمنحل عمليًا في ١٨٩٦، لم يبق من مقاومة ملحوظة، إلا تلك التي أبقاها حية وعبر عنها فريق صغير من المنفيين في باريس وأمكنة أخرى في أوروبا. فقد أصدر هؤلاء، بقيادة أحمد رضا الذي انضم إليه في ١٨٩٩ أحد أصهرة السلطان داماد محمود باشا وولداه صباح الدين ولطف الله، مجلات بالتركية والفرنسية، ونظموا مؤتمري «العثمانيين الأحرار»، المنعقدين الأول في ١٩٠٢ والثاني في ١٩٠٧ لتنسيق المقاومة ضد حكم السلطان الأوتوقراطي.
وقد ساهم في هذه الحركة العرب أيضًا، لكن المسيحيين السوريين منهم أكثر من المسلمين. ويبدو أنه كان هناك، منذ بدء
стр. 313
الستينيات، بعض الاتصالات بين صحفيي بيروت ورجال الدولة المصلحين في إسطنبول، قد يكون ساعد على قيامها وجود أحمد فارس الشدياق في العاصمة، أو إقامة فؤاد باشا في سوريا، حين جاءها كمفوض عثماني خاص للتحقيق في حوادث ١٨٦٠. وكانت حرية التعبير عن الرأي في الستينيات والسبعينيات واسعة نسبيًا، فكانت الصحف العربية في بيروت تعبر عن آراء شبيهة بآراء حزب «تركيا الفتاة» ومدحت باشا، مع الفارق أنها كانت تتسم بطابع العلمانية الذي اتصف به الكتاب المسيحيون. من أمثال تلك المنشورات مجلة «الجنان» التي أسسها بطرس البستاني في ١٨٦٠ وأدار شؤونها هو وعائلته مدة ست عشرة سنة. ففيها نقرأ أن الشرق كان مزدهرًا ومتمدنًا في الماضي، ثم فقد ما كان عليه بسبب الحكم الفاسد، وأنه ليس من علاج لذلك إلا الحكم الصالح الذي لا يمكن أن يقوم إلا بفضل اشتراك الجميع فيه، وفصل الدين عن السياسة، وفصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، وفرض ضرائب نظامية، وإجراء أشغال عامة مفيدة، وجعل التعليم إجباريًا، وقبل كل شيء، إقامة العدل والاتحاد بين أبناء الأديان المختلفة، وتقوية الشعور الوطني الموحد بين جميع المواطنين العثمانيين (٤).
عندما انعقد أول برلمان عثماني في ١٨٧٧، نقلت «الجنان» مناقشاته الأولى ونشرت خبرًا عن جريدة التايمس ينبئ عن ظهور حزب معارض (٥). لكن لم يمض زمن طويل حتى اختفت الأخبار عن صفحات المجلة. ولم يكن ذلك عرضًا، بل كان دلالة باكرة على أن السلطان قد استعاد القبض على زمام الحكم وقمع نشاط المعارضة، مما أنهى حياة المجلة نفسها في ١٨٦٦، ونقل مركز الصحافة اللبنانية من بيروت إلى القاهرة. لكن أفكار السبعينيات لم تندرس. فمدحت باشا، وقد قضى عدة أشهر حاكمًا لدمشق في ١٨٧٩، أي بعد إخفاق حركة الدستوريين وقبل أن يسجنه عبد الحميد وينفيه ثم يهلكه، أنشأ بينه وبين صحفيي بيروت
стр. 314
صلات تركت فيهم تأثيرًا دائمًا. فترجم واحد منهم، وهو خليل الخوري؛ مقالته عن ماضي الإمبراطورية وحاضرها ومستقبلها إلى العربية، كما لعب آخر فيما بعد، وهو سليمان البستاني ابن عم بطرس، دورًا في السياسة العثمانية بعد إعادة الدستور في ١٨٠٩. وقد اكتسب سليمان البستاني شهرة خاصة كمترجم للإلياذة إلى العربية، بعد أن درس اليونانية لهذا الغرض. ولعله كان أول كاتب عربي قام بدراسة جدية للشعر اليوناني وفلسفة الشعر. لكن أحد مؤلفاته الأخرى كان أقرب إلى موضوعنا، وهو «عبرة وذكرى»، أو الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده، الذي صدر فورًا بعد ثورة ١٩٠٨. ففي هذا الكتاب، كما يدل عنوانه، وصف لما كانت عليه الإمبراطورية في عهد عبد الحميد، وبرنامج عمل أيضًا، منطلقة القومية العثمانية وبطله مدحت باشا الذي قدم الكتاب إليه إحياء لذكراه. يقول المؤلف أن هناك أمة عثمانية تضم مختلف الشعوب والطوائف الدينية في الإمبراطورية، لكن مع بعض الأولوية فيها للأتراك والمسلمين. كانت هذه الأمة، قبل عبد الحميد، تسير قدمًا في طريق التمدن والتفاهم الديني، وبإمكانها الآن أن تتقدم من جديد. لكن الشرط الأول لتقدمها إنما هو زوال التعصب الديني والعرقي الأعمى وإنماء الروح القومية.
وقد استمر الكتاب اللبنانيون والسوريون، وهم بمأمن من بوليس عبد الحميد، على نشر الأفكار الدستورية علنًا، حتى قبل ثورة ١٩٠٨. وكانت الجريدتان اللبنانيتان في القاهرة، أي المقطم والأهرام، تهاجمان السلطان بلا ملل. وكان خليل غانم، المقيم في باريس بعد حل برلمان ١٨٧٨، يكتب ويؤلف. وهو أحد زعماء جماعة «تركيا الفتاة» الصغيرة التي أبقت على الأفكار الليبرالية حية طيلة أعوام التضعضع، وأحد النواب الموارنة عن بيروت في برلمان ١٨٧٨. من مؤلفاته كتاب عن السلاطين العثمانيين يوضح لنا ماهية تفكيره: كان ما أهلك «الأمة العثمانية»، في نظره، أمران:
стр. 315
الأول، الاستبداد الذي «يطيح بالعواطف في أعماق النفس، ويفسد الروح ويقضي على معنى الانصاف ومفهوم العدل الدقيق عند الإنسان ويشوش أحكامه ويجعل من أناس قد يبرزون بذكائهم أو بطيبة قلبهم أشرارًا وحمقى» (٦)؛ والثاني، الإسلام الذي، بعد أن كان في البدء متسامحًا، ما لبث أن أصبح مستبدًا، إن في أيام الخلفاء العرب الذين كانوا «تحت ستار مظهرهم المتدروش على استبداد مقيت»، وإن على أيام الأتراك الذين درجوا على عدم التساهل أثناء صراعهم الطويل مع المسيحية. أما العلاج فكان، في نظره، العودة إلى دستور ١٨٧٦ ومراقبة تربية الأمراء ومحيطهم الخلقي مراقبة دقيقة (٧).
لقد كان خليل غانم لا عروبيًا قبل كل شيء. فروح الاضطهاد تميز، في نظره، جميع الشعوب الإسلامية، لكنها تميز العرب على الأخص (٨). قد يكون موقفه هذا متأثرًا بمارونيته أو نتيجة لذوبانه التام في حركة الإصلاح العثماني؛ غير أن مثل هذا الذوبان كان نادرًا، إذ كانت النعرات والمشاعر الوطنية قليلًا ما تختفي تحت سطح الوحدة العثمانية. فقد كان هناك اختلاف في المواقف في صميم حركة «تركيا الفتاة» في المنفى. فأحمد رضا ورفاقه كانوا قوميين أتراكًا قبل كل شيء، يدافعون عن استمرار سيطرة العنصر التركي في الدولة حتى في حالة إعادة الدستور؛ بينما كان الأمير صباح الدين وعصبة اللامركزية الإدارية التي كان يتزعمها، يطالبان بمساواة تامة بين الأجناس والأديان، وبحكم ذاتي واسع للولايات. وكان هذا الانقسام مهمًا، لأنه كان يخفي انقسامًا في الرأي حول علاقات الدولة العثمانية بالشعوب الخاضعة لها. فكان صباح الدين يعتقد أن الشعوب، لو ترك لها الخيار، لاختارت الولاء للإمبراطورية، بينما كان أحمد رضا يعتقد أنها سوف تستفيد من حرية الخيار هذه لتحقق استقلالها. ومن الصعب الشك في صحة نظرة أحمد رضا. فما جرى في مؤتمري الأحرار العثمانيين يبدو مؤيدًا لذلك. فقد كان جميع
стр. 316
المشتركين في المؤتمرين متفقين على أمر واحد لا غير: التخلص من استبداد عبد الحميد. أما في ما عدا ذلك، فقد كان الأتراك يريدون دولة دستورية موحدة، بينما كان الأرمن لا يريدون ذلك، لأنهم لم يكونوا يرغبون في منح الإمبراطورية فرصة جديدة للاستمرار في الحياة. وقد أعلنوا، في البيان النهائي الصادر عن مؤتمر ١٩٠٢، عدم مشاركتهم سائر الأعضاء في الرغبة في تحويل النظام القائم إلى نظام دستوري، بدعوى أن هذا التحويل «ليس مناسبًا لا بل هو مخالف لمصلحتهم» (٩). كذلك كان الأتراك يشكون في الحكمة من دعوة الدول الأوروبية لمساعدتهم على قلب النظام، إذ كانوا يتخوفون من أن يؤدي ذلك إلى إقامة حماية أجنبية على البلاد، بينما كان المسيحيون لا يعارضون كثيرًا الحماية الأجنبية المسترة أو الظاهرة، إذ كانوا يأملون أن تؤدي إلى الإصلاح.
كان الأرمن المؤيدون لتركيا الفتاة أرمنًا قوميين قبل كل شيء، كما كان العرب سائرين على الطريق التي تؤدي بهم إلى القومية العربية. وقد يكون العامل الأكبر الذي دفع بالعرب في هذا الاتجاه مطالبة الأتراك بالخلافة رسميًا، حوالي منتصف القرن التاسع عشر. وهناك أدلة تشير إلى أن هذه المطالبة كانت تلاقي، في كل مرة ظهرت فيها، موقفًا سلبيًا لدى العرب الذين ورثوا تراث الثقافة الإسلامية. إذ كانوا قد تعلموا من السلف العقيدة الصحيحة في الخلافة، هذه العقيدة المتصلة جوهريًا باعتزازهم بما قام به العرب في سبيل الإسلام. كان من الممكن أن يقبلوا بالسلطان سلطان، أي كحام ضروري للإسلام، لكن لم يكن بإمكانهم القبول بأكثر من ذلك. وقد أجاد في وصف موقفهم المزدوج هذا مراقب عاش في القدس في الخمسينيات والستينيات وكان له اتصال قوي بهذه الفئة من العرب، حين قال إن هؤلاء العرب لا يمكنهم أن يفهموا كيف يكون سلطان الأتراك الأغراب القادمين من بلاد التتر خليفة للنبي العربي القرشي محمد، وكيف تكون له سلطته لتنصيب شريف مكة وإقالته. وهم
стр. 317
يعبرون بأساليب شتى عن استنكارهم لمطلب العثمانيين في الخلافة، منها طريقة لفظهم للقب «خان» الذي يحمله السلطان بحيث يبدو كأنه من مشتقات فعل «خان» إذ يقولون «عبد الحميد الخاين» (١٠) إنهم يمقتون الأتراك ويكرهونهم منذ الفتح العثماني لبلاد العرب. ويعود هذا العداء إلى الفرق في الجنس وإلى ذكريات الفتح المتوارثة. إلا أن ولاءهم للإسلام هو من القوة بحيث يقضي في قلوبهم على أي شعور آخر. فالسلطان في نظر العرب المثقفين خليفة بواقع الحال لا بل خليفة شرعي. لذلك يعترفون به ويطيعونه قيامًا منهم بواجب ديني (١١).
لقد وضع صاحب هذا القول كتابه بين عامي ١٨٧٠ و ١٨٧٢، حين كانت الدعاية للخلافة لم تكد تبدأ بعد. لكن الشكوك العربية أخذت تزداد بازدياد تلك الدعاية، حتى أن العرب الذين كانوا في خدمة عبد الحميد لم يؤمنوا بأن السلاطين هم خلفاء حقًا، أو أن عبد الحميد نفسه هو الرجل الذي سينقذ الإسلام. وكان أبو الهدى يدافع في بعض الأحيان عن الخلافة العربية لتخويف سيده على الأقل، إن لم يكن لأسباب أخرى (١٢). وقد قال ابن أحمد فارس الشدياق (وكان على الأرجح يعكس أفكار أبيه) إلى زائر إنكليزي في ١٨٨٤ أن عبد الحميد، وإن كان ذا نوايا حسنة ولطيفًا نحوه شخصيًا، إنما يجهل أحوال العالم. وإنه بالحقيقة «مجنون» (١٣). كما قال له أن الدولة التركية بكاملها في دور الاحتضار وأن الخلافة ستعود يومًا إلى الجزيرة العربية (١٤). وإذا كانت مثل هذه الأفكار تظهر حتى في معسكر السلطان، فإنها كانت ولا شك أكثر بروزًا لدى دعاة التجديد من المسلمين. فقد كان بينهم وبين المسلمين أمثال أبو الهدى فارق يتعدى التباين في الشخصيات، بل حتى في الآراء السياسية. إذ أنه كان فارقًا في كامل مفهومهم للإسلام. فأبو الهدى كان من مؤيدي الإسلام كما وصل إليه بتقاليده وتعاليمه الصوفية وزعامته التركية. فالأمة «لا تجمع على خطأ»، وإذا كانت قد اتخذت آخر الأمر شكلها
стр. 318
الحالي، فيجب أن يكون مقبولًا على ما هو. أما دعاة التجديد، فكانوا يريدون خوض نهر التطور صعدًا إلى النقطة التي عندها بدأ الضلال، ومنها صعدًا أيضًا حتى الالتقاء بالإسلام الأول كما كانوا يتصورونه. إذ ذاك يتضح أن لا أهمية لعظمة السلطان البارزة اليوم، إذا ما نظر إليها على ضوء الحقيقة، وهي أن العرب كانوا في عصور الإسلام الذهبية رأس الأمة وقلبها. وهكذا كانت العودة إلى نقاوة الإسلام الأولى تعني لهم بالواقع تحويل مركز الثقل من الأتراك إلى العرب. فإذا كان لا بد من خليفة على الإطلاق، فلا يجوز أن يكون إلا خليفة عربيًا.
في كتاب بلنط، «مستقبل الإسلام»، ما يشير إلى شيوع مثل هذه الآراء في أوائل الثمانينيات. فهو يشكل، كما رأينا (١٥)، دفاعًا عن فتح باب الاجتهاد من جديد، وإعادة بناء الخلافة الصحيحة، لتكون هي السلطة العليا التي منها يستمد الإصلاح العقائدي شرعيته. لكن الكتاب يصرح بأن السلطان العثماني لا يمكنه أن يكون خليفة من هذا النوع. فهو لا يملك حقًا شرعيًا في الخلافة، كما أن التقليد العثماني بكامله يتنافى مع فتح باب الاجتهاد. وعلى كل، فإن مستقبل الإمبراطورية غامض. وليس من المستبعد أن تبتلعها روسيا والنمسا، فيتخلى الأتراك، إذ ذاك، عن الإسلام. لذلك فإن الإصلاح متوقف على العرب، وبالأخص على العلماء منهم الذين يحتلون قلب العالم العربي. فهؤلاء هم أجدر الناس بممارسة الاجتهاد. غير أنه لا يمكنهم القيام بذلك بحرية، إلا إذا عادت الخلافة إلى العرب. فإذا ما انهارت الإمبراطورية نهائيًا، فقد ينعقد مجلس من العلماء في مكة لاختيار خليفة عربي، ويكون بالأرجح من أشراف مكة. إذ ذاك تصبح مكة أو المدينة «دولته البابوية». على أنه من الممكن أيضًا أن تكون القاهرة مقرًا للخلافة، فيرضى الجميع، ما عدا الأتراك، بخليفة عربي يصلح بين جميع الفرق والشيع ويرفع عن كاهل الإسلام عبء الجمود التركي.
стр. 319
ويقول بلنط ما يفهم منه أن محمد عبده كان يأخذ بهذه الآراء. لكن من حقنا الشك في صحة هذا القول أو، على الأقل، التساؤل بصدده. فلو كان محمد عبده، بالفعل، قد تبنى مثل هذه الأفكار في مرحلة من حياته، فهل كانت تعبر بالحقيقة عن اعتقاده الناضج؟ صحيح أنه كان يرفض دعوى السلطان التركي للخلافة. فقد قال، في مناسبة لاحقة، إن دعوى العثمانيين هذه لم تكن إلا لمصلحتهم لا لمصلحة الإسلام، وأن الذين كانوا يقومون بالدعاية لها لا يفقهون حقيقة الخلافة. لكنه أخذ، بمرور الزمن وازدياد الضغط الأوروبي، يقدر أكثر فأكثر قيمة السلطنة بالنسبة إلى الإسلام وخطر زوالها عليه. فقد قال لرشيد رضا، في ١٨٩٧، إن العرب، إذا حاولوا الانفصال عن السلطنة، فمن الممكن أن تتدخل أوروبا وتخضعهم وتخضع الأتراك معهم. فالسلطنة العثمانية كانت، مع كل نقائصها، الشيء الوحيد الباقي من استقلال الأمة السياسي. فإذا اضمحلت، خسر المسلمون كل شيء وغدوا بلا قوة كاليهود (١٦).
إن هذا الحذر نفسه، الذي لمسناه في موقف أعيان القدس كما وصفه لنا «فين»، قد ظهر فيما بعد في موقف رشيد رضا، تلميذ محمد عبده. لكن هذا لا يسمح لنا بالاستنتاج أن بلنط نسب إلى غيره آراء كان هو يدين بها. فمن الممكن جدًا أن يكون بعض العلماء في سوريا والحجاز قد قالوا بهذه الآراء عندما وضع كتابه، مع العلم بأن هذه الأفكار انتشرت في الربع اللاحق من القرن انتشارًا واسعًا، وذلك لعدة أسباب. منها ما عرف عن السلطان من عجز عن الدفاع عن الإسلام ضد أعدائه، ناهيك بقيام مختلف الفئات ذات المصلحة في إعداد العقول لقبول فكرة نقل الخلافة إلى العرب. وقد كان شريف مكة مرشحًا لها، بوصفه الحاكم المباشر للأماكن المقدسة وسليل أسرة متحدرة من صلب النبي. إن هذه الحقبة لا تزال غامضة، ومن الضروري التحدث عنها بحذر. وليس من المستبعد، وفقًا لظواهر الأمور، أن بعض الموظفين البريطانيين في الشرق الأدنى
стр. 320
كانوا يأملون بأن يجعلوا من شريف مكة، في حالة وقوع السلطنة العثمانية الضعيفة تحت نفوذ دول غير صديقة، حليفًا لهم. ويبدو أيضًا أن بعض أعضاء البيت الحاكم في مصر قد منوا النفس، منذ وقت يصعب تحديده، بتنصيب شريف مكة خليفة يكون من الناحية الزمنية تحت حماية سلطان مصري. وفي ذلك يقول بلنط، مثلًا، إن الآراء في الخلافة التي شرحها في «مستقبل الإسلام» قد سمعها أولًا من رجلين: الأول سفير العجم، ملكوم خان (وهو مسيحي أصلًا)، والثاني صحفي مسيحي هو لويس صابونجي الذي أسس جريدة عربية اسمها «النحلة» في لندن عام ١٨٧٧ وأصدرها لعدة سنوات. ويبدو أن الصابونجي، مع كونه كاهنًا كاثوليكيًا، كان يعطف في ذلك الوقت على الإسلام أشد من عطفه على دينه؛ فقد دعا في جريدته إلى الإصلاح الديني بلهجة العربي القومي (١٧)، وهاجم عبد الحميد واصفًا إياه «بمغتصب لقب الخليفة» (١٨). ويقول بلنط إن «سرًا كان يحوم حول تمويل هذه الجريدة الصغيرة ... وقد تجمعت لدي أدلة تحملني على الاعتقاد أن الأموال التي كانت تغذيها ... كانت تأتي جزئيًا على الأقل من الخديوي إسماعيل» (١٩). إن ما يرجح صحة هذا القول هو أن إسماعيل كان يتظلم من عبد الحميد الذي أقاله بضغط من الدول؛ وأن جريدة عربية أخرى صدرت في ١٨٧٩ برسالة مماثلة في نابولي وبعنوان «الخلافة»، كان رئيس تحريرها أديب مصري في خدمة إسماعيل، وغايتها مهاجمة دعوى السلطان العثماني للخلافة والدفاع عن دعوى الخديوي بها؛ كما أن إنكليزيًا غريب الأطوار، اسمه مارمديوك بكتهول، قد روى أنه لاحظ، إذ كان يجوب فلسطين من أقصاها إلى أقصاها في التسعينيات، أن مبعوثين من قبل الخديوي عباس حلمي كانوا يبشرون سرًا بعقيدة الخلافة العربية. إن فكرة إمبراطورية عربية يكون الخديوي رئيسها الزمني والشريف رئيسها الروحي كانت لا تزال تستهوي المتقدمين في العمر الذين كانوا لا يزالون يتذكرون
следующие страницы →