Полный текст (470 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
المشتركين في المؤتمرين متفقين على أمر واحد لا غير: التخلص من استبداد عبد الحميد. أما في ما عدا ذلك، فقد كان الأتراك يريدون دولة دستورية موحدة، بينما كان الأرمن لا يريدون ذلك، لأنهم لم يكونوا يرغبون في منح الإمبراطورية فرصة جديدة للاستمرار في الحياة. وقد أعلنوا، في البيان النهائي الصادر عن مؤتمر ١٩٠٢، عدم مشاركتهم سائر الأعضاء في الرغبة في تحويل النظام القائم إلى نظام دستوري، بدعوى أن هذا التحويل «ليس مناسبًا لا بل هو مخالف لمصلحتهم» (٩). كذلك كان الأتراك يشكون في الحكمة من دعوة الدول الأوروبية لمساعدتهم على قلب النظام، إذ كانوا يتخوفون من أن يؤدي ذلك إلى إقامة حماية أجنبية على البلاد، بينما كان المسيحيون لا يعارضون كثيرًا الحماية الأجنبية المسترة أو الظاهرة، إذ كانوا يأملون أن تؤدي إلى الإصلاح.
كان الأرمن المؤيدون لتركيا الفتاة أرمنًا قوميين قبل كل شيء، كما كان العرب سائرين على الطريق التي تؤدي بهم إلى القومية العربية. وقد يكون العامل الأكبر الذي دفع بالعرب في هذا الاتجاه مطالبة الأتراك بالخلافة رسميًا، حوالي منتصف القرن التاسع عشر. وهناك أدلة تشير إلى أن هذه المطالبة كانت تلاقي، في كل مرة ظهرت فيها، موقفًا سلبيًا لدى العرب الذين ورثوا تراث الثقافة الإسلامية. إذ كانوا قد تعلموا من السلف العقيدة الصحيحة في الخلافة، هذه العقيدة المتصلة جوهريًا باعتزازهم بما قام به العرب في سبيل الإسلام. كان من الممكن أن يقبلوا بالسلطان سلطان، أي كحام ضروري للإسلام، لكن لم يكن بإمكانهم القبول بأكثر من ذلك. وقد أجاد في وصف موقفهم المزدوج هذا مراقب عاش في القدس في الخمسينيات والستينيات وكان له اتصال قوي بهذه الفئة من العرب، حين قال إن هؤلاء العرب لا يمكنهم أن يفهموا كيف يكون سلطان الأتراك الأغراب القادمين من بلاد التتر خليفة للنبي العربي القرشي محمد، وكيف تكون له سلطته لتنصيب شريف مكة وإقالته. وهم
стр. 317
يعبرون بأساليب شتى عن استنكارهم لمطلب العثمانيين في الخلافة، منها طريقة لفظهم للقب «خان» الذي يحمله السلطان بحيث يبدو كأنه من مشتقات فعل «خان» إذ يقولون «عبد الحميد الخاين» (١٠) إنهم يمقتون الأتراك ويكرهونهم منذ الفتح العثماني لبلاد العرب. ويعود هذا العداء إلى الفرق في الجنس وإلى ذكريات الفتح المتوارثة. إلا أن ولاءهم للإسلام هو من القوة بحيث يقضي في قلوبهم على أي شعور آخر. فالسلطان في نظر العرب المثقفين خليفة بواقع الحال لا بل خليفة شرعي. لذلك يعترفون به ويطيعونه قيامًا منهم بواجب ديني (١١).
لقد وضع صاحب هذا القول كتابه بين عامي ١٨٧٠ و ١٨٧٢، حين كانت الدعاية للخلافة لم تكد تبدأ بعد. لكن الشكوك العربية أخذت تزداد بازدياد تلك الدعاية، حتى أن العرب الذين كانوا في خدمة عبد الحميد لم يؤمنوا بأن السلاطين هم خلفاء حقًا، أو أن عبد الحميد نفسه هو الرجل الذي سينقذ الإسلام. وكان أبو الهدى يدافع في بعض الأحيان عن الخلافة العربية لتخويف سيده على الأقل، إن لم يكن لأسباب أخرى (١٢). وقد قال ابن أحمد فارس الشدياق (وكان على الأرجح يعكس أفكار أبيه) إلى زائر إنكليزي في ١٨٨٤ أن عبد الحميد، وإن كان ذا نوايا حسنة ولطيفًا نحوه شخصيًا، إنما يجهل أحوال العالم. وإنه بالحقيقة «مجنون» (١٣). كما قال له أن الدولة التركية بكاملها في دور الاحتضار وأن الخلافة ستعود يومًا إلى الجزيرة العربية (١٤). وإذا كانت مثل هذه الأفكار تظهر حتى في معسكر السلطان، فإنها كانت ولا شك أكثر بروزًا لدى دعاة التجديد من المسلمين. فقد كان بينهم وبين المسلمين أمثال أبو الهدى فارق يتعدى التباين في الشخصيات، بل حتى في الآراء السياسية. إذ أنه كان فارقًا في كامل مفهومهم للإسلام. فأبو الهدى كان من مؤيدي الإسلام كما وصل إليه بتقاليده وتعاليمه الصوفية وزعامته التركية. فالأمة «لا تجمع على خطأ»، وإذا كانت قد اتخذت آخر الأمر شكلها
стр. 318
الحالي، فيجب أن يكون مقبولًا على ما هو. أما دعاة التجديد، فكانوا يريدون خوض نهر التطور صعدًا إلى النقطة التي عندها بدأ الضلال، ومنها صعدًا أيضًا حتى الالتقاء بالإسلام الأول كما كانوا يتصورونه. إذ ذاك يتضح أن لا أهمية لعظمة السلطان البارزة اليوم، إذا ما نظر إليها على ضوء الحقيقة، وهي أن العرب كانوا في عصور الإسلام الذهبية رأس الأمة وقلبها. وهكذا كانت العودة إلى نقاوة الإسلام الأولى تعني لهم بالواقع تحويل مركز الثقل من الأتراك إلى العرب. فإذا كان لا بد من خليفة على الإطلاق، فلا يجوز أن يكون إلا خليفة عربيًا.
في كتاب بلنط، «مستقبل الإسلام»، ما يشير إلى شيوع مثل هذه الآراء في أوائل الثمانينيات. فهو يشكل، كما رأينا (١٥)، دفاعًا عن فتح باب الاجتهاد من جديد، وإعادة بناء الخلافة الصحيحة، لتكون هي السلطة العليا التي منها يستمد الإصلاح العقائدي شرعيته. لكن الكتاب يصرح بأن السلطان العثماني لا يمكنه أن يكون خليفة من هذا النوع. فهو لا يملك حقًا شرعيًا في الخلافة، كما أن التقليد العثماني بكامله يتنافى مع فتح باب الاجتهاد. وعلى كل، فإن مستقبل الإمبراطورية غامض. وليس من المستبعد أن تبتلعها روسيا والنمسا، فيتخلى الأتراك، إذ ذاك، عن الإسلام. لذلك فإن الإصلاح متوقف على العرب، وبالأخص على العلماء منهم الذين يحتلون قلب العالم العربي. فهؤلاء هم أجدر الناس بممارسة الاجتهاد. غير أنه لا يمكنهم القيام بذلك بحرية، إلا إذا عادت الخلافة إلى العرب. فإذا ما انهارت الإمبراطورية نهائيًا، فقد ينعقد مجلس من العلماء في مكة لاختيار خليفة عربي، ويكون بالأرجح من أشراف مكة. إذ ذاك تصبح مكة أو المدينة «دولته البابوية». على أنه من الممكن أيضًا أن تكون القاهرة مقرًا للخلافة، فيرضى الجميع، ما عدا الأتراك، بخليفة عربي يصلح بين جميع الفرق والشيع ويرفع عن كاهل الإسلام عبء الجمود التركي.
стр. 319
ويقول بلنط ما يفهم منه أن محمد عبده كان يأخذ بهذه الآراء. لكن من حقنا الشك في صحة هذا القول أو، على الأقل، التساؤل بصدده. فلو كان محمد عبده، بالفعل، قد تبنى مثل هذه الأفكار في مرحلة من حياته، فهل كانت تعبر بالحقيقة عن اعتقاده الناضج؟ صحيح أنه كان يرفض دعوى السلطان التركي للخلافة. فقد قال، في مناسبة لاحقة، إن دعوى العثمانيين هذه لم تكن إلا لمصلحتهم لا لمصلحة الإسلام، وأن الذين كانوا يقومون بالدعاية لها لا يفقهون حقيقة الخلافة. لكنه أخذ، بمرور الزمن وازدياد الضغط الأوروبي، يقدر أكثر فأكثر قيمة السلطنة بالنسبة إلى الإسلام وخطر زوالها عليه. فقد قال لرشيد رضا، في ١٨٩٧، إن العرب، إذا حاولوا الانفصال عن السلطنة، فمن الممكن أن تتدخل أوروبا وتخضعهم وتخضع الأتراك معهم. فالسلطنة العثمانية كانت، مع كل نقائصها، الشيء الوحيد الباقي من استقلال الأمة السياسي. فإذا اضمحلت، خسر المسلمون كل شيء وغدوا بلا قوة كاليهود (١٦).
إن هذا الحذر نفسه، الذي لمسناه في موقف أعيان القدس كما وصفه لنا «فين»، قد ظهر فيما بعد في موقف رشيد رضا، تلميذ محمد عبده. لكن هذا لا يسمح لنا بالاستنتاج أن بلنط نسب إلى غيره آراء كان هو يدين بها. فمن الممكن جدًا أن يكون بعض العلماء في سوريا والحجاز قد قالوا بهذه الآراء عندما وضع كتابه، مع العلم بأن هذه الأفكار انتشرت في الربع اللاحق من القرن انتشارًا واسعًا، وذلك لعدة أسباب. منها ما عرف عن السلطان من عجز عن الدفاع عن الإسلام ضد أعدائه، ناهيك بقيام مختلف الفئات ذات المصلحة في إعداد العقول لقبول فكرة نقل الخلافة إلى العرب. وقد كان شريف مكة مرشحًا لها، بوصفه الحاكم المباشر للأماكن المقدسة وسليل أسرة متحدرة من صلب النبي. إن هذه الحقبة لا تزال غامضة، ومن الضروري التحدث عنها بحذر. وليس من المستبعد، وفقًا لظواهر الأمور، أن بعض الموظفين البريطانيين في الشرق الأدنى
стр. 320
كانوا يأملون بأن يجعلوا من شريف مكة، في حالة وقوع السلطنة العثمانية الضعيفة تحت نفوذ دول غير صديقة، حليفًا لهم. ويبدو أيضًا أن بعض أعضاء البيت الحاكم في مصر قد منوا النفس، منذ وقت يصعب تحديده، بتنصيب شريف مكة خليفة يكون من الناحية الزمنية تحت حماية سلطان مصري. وفي ذلك يقول بلنط، مثلًا، إن الآراء في الخلافة التي شرحها في «مستقبل الإسلام» قد سمعها أولًا من رجلين: الأول سفير العجم، ملكوم خان (وهو مسيحي أصلًا)، والثاني صحفي مسيحي هو لويس صابونجي الذي أسس جريدة عربية اسمها «النحلة» في لندن عام ١٨٧٧ وأصدرها لعدة سنوات. ويبدو أن الصابونجي، مع كونه كاهنًا كاثوليكيًا، كان يعطف في ذلك الوقت على الإسلام أشد من عطفه على دينه؛ فقد دعا في جريدته إلى الإصلاح الديني بلهجة العربي القومي (١٧)، وهاجم عبد الحميد واصفًا إياه «بمغتصب لقب الخليفة» (١٨). ويقول بلنط إن «سرًا كان يحوم حول تمويل هذه الجريدة الصغيرة ... وقد تجمعت لدي أدلة تحملني على الاعتقاد أن الأموال التي كانت تغذيها ... كانت تأتي جزئيًا على الأقل من الخديوي إسماعيل» (١٩). إن ما يرجح صحة هذا القول هو أن إسماعيل كان يتظلم من عبد الحميد الذي أقاله بضغط من الدول؛ وأن جريدة عربية أخرى صدرت في ١٨٧٩ برسالة مماثلة في نابولي وبعنوان «الخلافة»، كان رئيس تحريرها أديب مصري في خدمة إسماعيل، وغايتها مهاجمة دعوى السلطان العثماني للخلافة والدفاع عن دعوى الخديوي بها؛ كما أن إنكليزيًا غريب الأطوار، اسمه مارمديوك بكتهول، قد روى أنه لاحظ، إذ كان يجوب فلسطين من أقصاها إلى أقصاها في التسعينيات، أن مبعوثين من قبل الخديوي عباس حلمي كانوا يبشرون سرًا بعقيدة الخلافة العربية. إن فكرة إمبراطورية عربية يكون الخديوي رئيسها الزمني والشريف رئيسها الروحي كانت لا تزال تستهوي المتقدمين في العمر الذين كانوا لا يزالون يتذكرون
стр. 321
حكم محمد علي «ودعوة ابنه إبراهيم إلى إمبراطورية عربية» (٢٠).
ولعله كان بتشجيع ما، من أحد المصادر، أن أخذ أشراف مكة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، يدعون أنهم أحفاد النبي الخلص، وحراس الإيمان؛ وبمعنى ما، زعماء العالم الإسلامي الروحيون، مع أنه لم يكن لديهم أي أساس ثابت يقيمون عليه هذا الادعاء. لقد كانوا ولا شك يتمتعون ببعض الاحترام كحكام الأماكن المقدسة؛ لكن لم يكن لهم أفضلية دينية بأي معنى من المعاني. وقد وصفهم عالم هولندي مطلع، عاش مدة في مكة، بأنهم أقرب إلى «نبلاء قطاع الطرق» في القرون الوسطى منهم إلى رجال الدين (٢١). كان حكمهم للأماكن المقدسة حكمًا ضعيفًا، لا يمتد بعيدًا إلى ما حولها بصورة مستمرة. واستقلالهم استقلالًا واهيًا يقتنصونه بإقامة توازن بين إسطنبول والقاهرة، إلى أن ساءت أحوالهم، أولًا بعد الفتح الوهابي، ثم بعد الاحتلال المصري للحجاز. ولما عاد الأتراك إلى الحجاز في ١٨٤٧، فرضوا عليهم السلطة ذاتها التي كان قد فرضها عليهم محمد علي، لا بل جعلوها أشد إحكامًا، حتى غدوا، في ١٨٨٠، غير قادرين على مقاومة موظفي السلطان بالقوة، خصوصًا بعد أن أصبح السلطان هو الذي يختارهم ويعينهم. وهذا ما حملهم على السعي لوضع حد لهذه الحالة، والتطلع في سبيل ذلك إلى تأييد قد يأتيهم من الخديوي، أو من الزعماء الدينيين في إسطنبول، أو من عطف العالم الإسلامي العام.
لقد وجدت التيارات الفكرية التي لمحنا إليها تعبيرًا لها في كتابين وضعهما أحد أبناء تلك العائلات الراسخة في العلم من الولايات العربية التي كانت تلك التيارات منتشرة فيها، هو عبد الرحمن الكواكبي (١٨٤٩ - ١٩٠٣). نشأ الكواكبي في كنف عائلة حلبية من أصل كردي، وتلقى تربية عربية وتركية من الطراز القديم في مسقط رأسه. ثم عمل هناك موظفًا وصحفيًا، إلى أن جلب عليه نقمة السلطات التركية، ففضل الرحيل إلى القاهرة
стр. 322
في ١٨٩٨، جاعلًا من هذه المدينة مقره في السنوات الأخيرة من حياته. وهناك كتب مقالات في مجلة «المنار» ومجلات أخرى، وتردد على مجالس محمد عبده. ثم سافر إلى الجزيرة العربية وشرقي أفريقيا، ووضع كتابين: «طبائع الاستبداد»، و «أم القرى»، وهو أحد أسماء مكة المكرمة. لم يكن هذان الكتابان، إجمالًا، على شيء من الابتكار. فآراؤه العامة في الإسلام هي آراء حلقة محمد عبده ورشيد رضا. ولعله تأثر بكتاب «مستقبل الإسلام» لبلنط (٢٢)، كما استمد إطار كتابه عن الاستبداد وبعض أفكاره فيه من كتاب ألفياري في الموضوع نفسه. وهو يعترف، في مقدمة كتابه، بأنه اقتبس عن غيره قدرًا معينًا من الأفكار؛ ويبدو أن ذلك كان معروفًا لدى الكثيرين، إذ إن رشيد رضا يشير إلى ذلك في تأبينه له، لكنه ينفيه على أساس أن الصورة التي رسمها الكواكبي عن المجتمع الشرقي كانت من الصدق بحيث لا يكون قد نقلها عن مؤلف غربي (٢٣). وقد أبانت الدراسات الحديثة، وأن بما لا يزال يقبل الشك، أنه استعار شيئًا من كتاب ألفياري كما أظهرت، بالوقت نفسه، إمكان تعرفه إلى هذا الكتاب. فمن الثابت الآن أن شابًا تركيًا ترجم الكتاب إلى اللغة التركية في ١٨٩٧ ونشره في جنيف؛ ولا يستبعد أن تكون هذه الترجمة قد وصلت إلى حلب أو القاهرة (٢٤). لكن مهما يكن من أمر، فإن مؤلفاته لا تخلو من طابع الابتكار الناجم عن شدة تمسكه بمصالحه ومعتقداته السياسية. فقد كان خصمًا عنيدًا لعبد الحميد في استبداده، ولمستشاره أبي الهدى في آرائه الدينية، ناهيك بما كان بينهما من خصام عائلي. ذلك أن العائلات الدينية في حلب كانت تشك دومًا في ادعاء أبي الهدى، المولود أيضًا في حلب، بأنه من سلالة النبي، وتستاء من استخدام نفوذه في القصر لإسناد نقابة الأشراف في حلب إلى عائلته. وكان الكواكبي، من جهة أخرى، وقد وطد صلته بالخديوي وراح يمتدح سياسة الأسرة المالكة في مصر (٢٥). ولعله قام برحلاته من أجل الخديوي وفي
стр. 323
سبيل بث أفكاره في الخلافة العربية. ولا شك في أن شدة غيرته على هذه القضية هي ما حمله على استخراج بعض مستلزمات تعاليم المصلحين بوضوح كبير، وعلى شرحها شرحًا يوافق فكرة القومية العربية.
ينطلق الكواكبي في آرائه من الفكرة التي ألفناها حتى الآن، وهي فكرة انحطاط الإسلام، ويفسر هذا الانحطاط التفسير المألوف. فيعزوه إلى قيام البدع، ولا سيما الصوفية المتطرفة الغريبة عن روح الإسلام، وإلى التقليد الأعمى ونكران حقوق العقل، والعجز عن التمييز بين الجوهري والعرضي في الدين. لكنة أضاف إلى ذلك شيئًا آخر ذكره الأفغاني ومحمد عبده، وهو أن الحكام المسلمين المتأخرين قد عمدوا إلى تشجيع روح التقليد الأعمى الغاشمة والاستسلام لفكرة الآخرة من أجل تدعيم سلطتهم المطلقة. وقد ألح الكواكبي على هذا العامل المؤدي بحد ذاته إلى الفساد والانحطاط، قائلًا إن الحكام المستبدين لم يكتفوا في عملهم الشرير بتأييد الانحراف عن الدين الصحيح، بل أفسدوا المجتمع بكامله. فالدولة العادلة التي فيها يحقق البشر غايتهم من الوجود هي تلك التي فيها يعيش الفرد حرًا، ويخدم المجتمع بحرية، وتسهر الحكومة على هذه الحرية، وتكون الحكومة نفسها خاضعة لرقابة الشعب. وهذا ما كانت عليه الدولة الإسلامية الحق (٢٦). أما الدولة المستبدة، فنقيض ذلك تمامًا: فهي تتعدى على حقوق المواطنين، وتبقيهم جهلاء كي تبقيهم خانعين، وتنكر عليهم حقهم في القيام بدور فعال في الحياة، فتفصم، آخر الأمر، العلاقة الروحية بين الحكام والمحكومين، كما بين المواطنين أنفسهم، وتشوه كيان الفرد الخلقي بالقضاء على الشجاعة والنزاهة وشعور الانتماء الديني والقومي على السواء (٢٧).
ولتحرير الإسلام من هذه الشرور، يجب إصلاح الشرع وإنشاء نظام شرعي موحد وحديث عن طريق الاجتهاد. ويجب أيضًا قيام تربية دينية صحيحة. لكن هذا وحده لا يكفي، بل أنه من الضروري
стр. 324
تعديل ميزان القوة ضمن الأمة، بنقلها مجددًا من أيدي الأتراك إلى أيدي العرب. فالعرب وحدهم يستطيعون حفظ الإسلام من الفساد، وذلك لمركز الجزيرة العربية في الأمة، ولمكانة اللغة العربية في التفكير الإسلامي. أضف إلى ذلك أن الإسلام العربي قد نجا نسبيًا من المفاسد الحديثة، وأن البدوي بقي بعيدًا عن الانحطاط الخلقي والخنوع الملازمين للاستبداد (٢٨). فيجب إذن إعادة مركز الثقل إلى الجزيرة العربية، بتنصيب خليفة عربي من نسب قريش، يختاره ممثلون عن الأمة، ويكون له سلطة دينية في جميع أنحاء العالم الإسلامي، على أن يعاونه في ممارسة السلطة مجلس استشاري يعينه الحكام المسلمون، كما يكون له سلطة زمنية في الحجاز، على أن يعاونه فيها مجلس محلي.
وظهرت أيضًا لدى المسيحيين العرب ظلال من «القومية». فقد كان معظمهم يخوضون داخل طوائفهم حربًا كانت لها مضاعفاتها القومية. فالطوائف التي انضمت إلى روما وتقبلت العقيدة الكاثوليكية بكاملها، كانت، بالرغم من ذلك، حريصة على عاداتها والامتيازات الممنوحة لها من روما، كاحتفاظ البطاركة بسلطتهم، واستعمال اللغة العربية أو السريانية في إقامة الطقوس. وكانوا دومًا يقاومون بشدة كل محاولة يقوم بها المرسلون الكاثوليك الغربيون لحملهم على تبني الطقوس والفرائض الدينية اللاتينية، أو الفاتيكان لفرض رقابته الشديدة أو المباشرة عليهم. أما في الطائفة الأرثوذكسية فالمسألة «القومية» كانت أكثر حدة أيضًا. فقد كان بطريرك القسطنطينية اليوناني لا يزال رئيسًا مدنيًا للكنيسة الأرثوذكسية في الإمبراطورية بكاملها منذ ١٤٥٣، كما كانت عائلات الفنار اليونانية الكبرى تتمتع، منذ القرن السابع عشر، كما رأينا سابقًا، بنفوذ كبير لدى الحكومة العثمانية. وقد فرض اليونانيون، تدريجيًا، سلطتهم الكهنوتية على الكنيسة جمعاء. فزال البطاركة البلقانيون من الوجود وتعاقب على بطريركية أنطاكية يونانيون على العموم.
стр. 325
وكان بطريركا القدس والإسكندرية من اليونان أيضًا. وإذ كانا يقيمان عادة في القسطنطينية، فقد كانت إدارة شؤون الكنيسة في الأراضي المقدسة ومداخيلها في يد رهبنة قوية متراصة، هي رهبنة القبر المقدس، التي كان جميع أعضائها تقريبًا يونانيين. وكانت الحالة مستقرة نسبيًا في بطريركية الإسكندرية، إذ كان معظم الأرثوذكسيين فيها يونانيين. أما في سوريا، حيث كان معظم الشعب والكهنة من الناطقين بالضاد، فقد ظهرت، حتى ابتداءً من القرن الثامن عشر، علامات الاستياء في صفوفهم، وراحت تتزايد في القرن التاسع عشر. وما ذلك إلا لبروز الشعور بالفوارق الجنسية واللغوية في وعي الشرقيين على العموم، ولاتصال روسيا الوثيق بالأرثوذكسيين داخل الإمبراطورية، وعدم قبولها بالسلطة اليونانية على الكنيسة. وقد تأزمت الحال في أواخر القرن التاسع عشر، إذ حدث تنافس على الكرسي البطريركي في أنطاكية، فأيدت روسيا المرشح العربي ضد المرشح اليوناني، مما حمل الحكومة العثمانية، بضغط من روسيا، على ضمان نجاح المرشح العربي.
وقد اتسم هذا الشعور «القومي»، في أواخر القرن التاسع عشر، بطابع علماني أيضًا. فدعوة جريدة بطرس البستاني، «الجنان»، إلى وحدة الوطن العثماني انطوت أيضًا على دعوة خاصة إلى إحياء شعور إقليمي معين. فقد كان البستاني يقول أن الإمبراطورية هي وطننا، لكن بلادنا هي سوريا (٢٩). وإذا كان في هذه العبارة انحراف عن العبارات الواردة في «نفير سوريا»، فلا يعني ذلك تعديلًا في موقف البستاني الأساسي. لقد كانت الآمال كبيرة، في جو السبعينيات، في الوحدة العثمانية. لكن حرارة شعور البستاني كانت، بالرغم من ذلك، منصبة على وحدة جغرافية أصغر. فهو يمتدح الحكومة العثمانية لإسنادها الوظائف المحلية للوطنيين، كما في بيروت مثلًا، إذ أسندت معظم المناصب في ١٨٧٠ إلى العرب من أبناء البلاد (٣٠).
стр. 326
وفي ١٨٧٥، أنشأ بعض الشبان المسيحيين من حلقة البستاني جمعية سرية صغيرة، وعلقوا، بين ١٨٧٩ و ١٨٨٠، مناشير على جدران بيروت تدعو أبناء سوريا إلى الاتحاد وتطالب بحكم ذاتي موحد لسوريا ولبنان، وبالاعتراف باللغة العربية كلغة رسمية، وبإزالة القيود عن حرية التعبير والمعرفة (٣١). ولعل هؤلاء قد اتصلوا بمدحت باشا عندما كان حاكمًا لدمشق، إذ اتهمه خصومه بالسعي لجعل سوريا ذات حكم ذاتي أسوة بمصر، وهي تهمة لا تتناقض مع طموحه أو رغبته في إصلاح الإمبراطورية بمساعدة من أوروبا.
لم تكن هذه الجمعية الصغيرة على أهمية تذكر (٣٢)، لكنها كانت مظهرًا من مظاهر استيقاظ الوعي السياسي لدى المسيحيين السوريين الذين استمدوا ثقافتهم وأفكارهم العامة من مدارس الإرساليات. فلم يخفف ذلك من رغبتهم في التشديد على تعلقهم بشعبهم الخاص، وعلى ضرورة إيجاد مجتمع يستطيعون الانتماء إليه انتماءً تامًا. لأنه لم يكن هناك، بالواقع، مثل هذا المجتمع. إذ بقيت الإمبراطورية، بالرغم من إصلاحات عهد «التنظيمات»، دولة إسلامية قبل كل شيء. نعم كان بعضهم، كخليل غانم، يقبلون بها، لكن على أمل جعلها دولة إسلامية ليبرالية. أما الآخرون، فقد خرجوا من عوالمهم الطائفية المغلقة ليمنحوا ولاءهم لتلك الأمة التي كانوا يفكرون، لا بل يحملون، بخلقها.
اتخذ هذا الحلم لديهم صورًا مختلفة. منها لبنان مستقل، يكون مركزًا لحياة مسيحية حرة، وتحت حماية دولة أوروبية كاثوليكية. والواقع أن ذلك كان، منذ ١٨٦١، أكثر من مجرد حلم. فهذا السنجق المنفصل، القائم بفضل اتفاق دولي، كان ذا حكم ذاتي داخلي وأكثرية مسيحية. لكنه لم يكن، في نظر الذين انصب شعورهم الوطني على لبنان، سوى خطوة في سبيل الاستقلال الحقيقي الذي لا بد من أن يتم يومًا ما بمساعدة أوروبية. هكذا كان يفكر مثلًا بولس نجيم الماروني، الذي وضع كتابًا في القضية
стр. 327
اللبنانية بقلم «مسيو جوبلان» المستعار. فهذا الكتاب يزعم أن سوريا وحدة تاريخية مميزة، كانت وستبقى أبدًا صلة الوصل بين المدنيات المختلفة، المتوسطية منها والسامية. لكن للبنان، في داخلها، وضع خاص. فقد وجدت الأمة اللبنانية، منذ بدء التاريخ، واستطاعت أن تحتفظ بخصائصها تحت جميع حكام سوريا، وأن تتمتع بحكم ذاتي واسع حتى بعد أن غرقت في خضم السلطنة العثمانية. ولا بد لسوريا بكاملها من أن تصبح يومًا ما مستقلة وحرة، وأن يكون لبنان في طليعتها. فهو يتمتع رسميًا بالحكم الذاتي منذ ١٨٦١؛ لكن من الضروري أن يكون دستوره أكثر ديموقراطية، وأن تتسع حدوده كي تشمل بيروت وبعض الأقضية، وأن تعمل فرنسا على مساعدته في ذلك (٣٣).
وكان هناك آخرون ممن حركتهم هذه الرؤيا نفسها، لكنهم عبروا عنها تعبيرًا مختلفًا. كانت المعطيات هي ذاتها: جبال لبنان وقراه، وأجراس الكنائس التي تدق بحرية، والبواخر الأوروبية التي تحميهم، وأيدي الأوروبيين التي تساعدهم على الإصلاح، وعهد جديد من السلام والتقدم مع جيرانهم المسلمين. لكن الصورة السياسية التي رسموها كانت ضمن إطار سوريا المستقلة لا لبنان، أي صورة دولة تشمل جميع أجزاء سوريا «الجغرافية» من جبال طوروس إلى صحراء سيناء، وصورة مجتمع يضم مسيحيين ومسلمين، دروزًا ويهودًا، يتعاونون تعاونًا تامًا، بحيث تزول أهمية الأكثرية أو الأقلية. لقد رأينا هذه الفكرة تلوح لبطرس البستاني في ١٨٦٠ - ١٨٦١. وفي ١٨٦١ أيضًا، وضع خليل الخوري، أحد الصحفيين العرب الأولين، كتابًا عن «خرائب سوريا» موضوعه الآثار القديمة في البلاد. ومنذ حوالي ذلك الوقت، أخذ اسم سوريا يستعمل على نطاق واسع، محفوفًا بشعور الاعتزاز وإثبات الذات، وذلك بفعل عوامل شبيهة بالتي أدت إلى بروز فكرة مصر. وكانت فكرة سوريا منتشرة بنوع خاص بين متخرجي
стр. 328
مدارس الإرساليات الأميركية. ولعله من السهل معرفة سبب ذلك. إذ كان معظمهم من المسيحيين الأرثوذكس والإنجيليين، وفيما بعد، من المسلمين والدروز. فكان استقلال لبنان يعني لهم سيطرة الموارنة والثقافة الفرنسية وانتشار نفوذ الحكومة الفرنسية، بينما كانت فكرة «سوريا» تبدو لهم كوسيلة للتخلص من وضع الأقلية، دون الوقوع تحت سيطرة أخرى. على أنه كان هناك أيضًا مسيحيون كاثوليك ذوو تربية وميول فرنسية يؤيدون الفكرة السورية. ولعل مرد ذلك، جزئيًا على الأقل، إلى تأثير الأب اليسوعي البلجيكي، هنري لامنس، أحد مؤرخي الإسلام الكبار، الذي درس في الجامعة اليسوعية في بيروت طيلة حياته، وكان شديد الإيمان بكيان اسمه سوريا. وقد ظهر نفوره من الإسلام والقومية العربية بوضوح في كل كتاباته، حيث ميز أشد التمييز بين السوريين والعرب. كذلك ألف مطران بيروت الماروني، يوسف الدبس، تاريخًا واسعًا لسوريا، في ثماني مجلدات، تجلى فيها الالتباس الذي كاد يكون لا واعيًا بين فكرة سوريا وفكرة لبنان. ففي المجلدات الأولى نجد عرضًا لتاريخ سوريا، بمعناها الأعم، يسجل الوقائع التي توالت على البلاد في الأزمنة القديمة والمتوسطة والإسلامية على السواء، معتمدًا في ذلك مؤلفات المؤرخين الأوروبيين. لكنه عندما يصل إلى الأزمنة الحديثة، يتغير في محتواه وفي أسلوبه، فيصبح البحث فيه مقتصرًا أصلًا على تاريخ لبنان وتاريخ الطائفة المارونية بنوع خاص، وتغدو مصادره في معظمها مصادر محلية.
لكن عناصر التفكير لدى جميع هؤلاء الكتاب لم تكن تخلو من عنصر عربي. فقد كانوا يشعرون بصلة اللغة التي يجب أن تجمع بين الذين يختلفون في العقائد الدينية الموروثة، ويعتزون بالثقافة التي تعبر عنها تلك اللغة. من ذلك محاضرة ألقاها بطرس البستاني في ١٨٥٩ ونوه فيها بكيان اسمه «العرب» وبشيء ينتمي هو إليه اسمه «الثقافة العربية». وبعد عشرين سنة من ذلك، وفي قصيدة
стр. 329
شهيرة، ناشد إبراهيم اليازجي، ابن ناصيف، العرب أن يتذكروا عظمتهم الماضية وأن يستيقظوا. كما أن الجمعية السرية التي كان هو أحد أعضائها أشادت في بياناتها، خلال عام ١٨٧٥، «بالعزة العربية» والتي تحرك مشاعر أهل سوريا، ورفضت دعوى السلطان بالخلافة، معتبرة ذلك اغتصابًا لحق عربي. ولعل جرجي زيدان كان أكثر الذين عملوا على إحياء وعي العرب لماضيهم، سواء بتواريخه أو بسلسلة رواياته التاريخية التي نهج فيها نهج الكاتب الإنكليزي ولتر سكوت ورسم، على غراره أيضًا، لوحة رومنطيقية عن الماضي. ومع ذلك، فقد تردد معظم الكتاب المسيحيين في دفع هذا التفكير إلى نتائجه السياسية، وفي التحدث عن «أمة عربية»، إذ أنهم تخوفوا من أن تتكشف القومية العربية عن شكل جديد من أشكال التسلط الإسلامي. ولم يكن بإمكانهم إزالة هذا التخوف إلا بإحدى طريقتين. الأولى أن يجاروا الأكثرية، شأن الأقليات أحيانًا، ولو أثار ذلك بعض الالتباس (٣٤)؛ والثانية أن يصبوا في قالب مفهومهم للعروبة محتوى مفهومهم للبنان أو لسوريا، فيحلموا بأمة عربية تكون منفصلة عن أساسها الديني، وتضم، بدون أي وجه من وجوه التفريق، المسلمين والمسيحيين جميعًا، وتتمتع بحماية رؤوفة من قبل أوروبا الليبرالية.
هذه الطريقة الثانية هي التي اختارها نجيب العازوري، الكاثوليكي السوري، والمربي تربية فرنسية كمعظم رفاقه. كان لفترة من الزمن موظفًا عثمانيًا في القدس. ثم تخلى عن منصبه هذا لأسباب غامضة، وذهب إلى باريس، ثم إلى القاهرة، حيث أقام حتى وفاته في ١٩١٦. وقد أسس في ١٩٠٤ «عصبة الوطن العربي» التي يذكر اسمها بوضوح باسم «عصبة الوطن الفرنسي» المعادية لدريفوس. فاقتصر نشاطها، هذا إذا كانت قد وجدت بالفعل، على إصدار النشرات. ثم أصدر، في ١٩٠٧ في باريس، مجلة لم تعمر إلا قليلًا باسم «الاستقلال العربي».
стр. 330
نجد في كتاب العازوري المنشور باللغة الفرنسية في ١٩٠٥، بعنوان «يقظة الأمة العربية»، تعبيرًا كاملًا عن آرائه. فهو يقول بأن هناك أمة عربية واحدة تضم مسيحيين ومسلمين على السواء، وبأن المشاكل الدينية التي تنشأ بين أبناء أديان مختلفة إنما هي بالحقيقة مشاكل سياسية تثيرها اصطناعيًا قوى خارجية لمصلحتها الخاصة (٣٥)، وبأن المسيحيين لا يقلون عروبة عن المسلمين، وبأن من الضروري أن تقوم كنيسة مسيحية عربية صرف، أي كنيسة كاثوليكية عربية، تحل محل الطوائف المتعددة الحالية التي تمارس العبادة والتفكير باللغة العربية (٣٦). وهو يدافع عن المسيحيين الأرثوذكس الناطقين بالضاد ضد الزعامة الإكليريكية اليونانية (٣٧). وهو يرى أن حدود الأمة العربية تشمل جميع البلدان الناطقة بالضاد في آسيا، دون بلدان مصر وشمالي أفريقيا التي كانت واقعة خارج نطاق اهتمامه كقومي عربي. فمصر لم تكن في نظره عربية بكل معنى الكلمة (٣٨)، كما أن الوطنية المصرية التي نادى بها مصطفى كمال كانت «وطنية كاذبة»، موالية للحركة الإسلامية والحركة العثمانية (٣٩). وقال إن المصريين غير جديرين بعد بأن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، فعليهم أن يكونوا شاكرين على تمتعهم بإدارة بريطانية صالحة (٤٠). على أنه تدخل، في أعوامه الأخيرة، في السياسة المصرية، لا «كمواطن مصري»، بل كسكرتير أجنبي لحزب «مصر الفتاة»، الذي دعا إلى حكم تمثيلي تدريجي بالتعاون مع السلطة المحتلة (٤١).
وكان من رأي العازوري أيضًا أن على الأمة العربية أن تستقل عن الأتراك. وقد برزت النغمة المعادية للأتراك في كتاباته بشكل أوضح من بروزها في كتابات من سبقه. فالأتراك في نظره هم الذين سببوا خراب العرب، ولولاهم لكان العرب في عداد أكثر الأمم تمدنًا في العالم. فالعرب يتفوقون على الأتراك في كل شيء، حتى في الجندية، إذ إن انتصارات الأتراك ما تمت إلا بفضل المحاربين العرب (٤٢). ولم يكن يتوقع أن تصطلح الإمبراطورية أو أن
стр. 331
تمنح العرب مركزًا أفضل. ولو تم ذلك، لكان العرب من الرعايا الموالين. لكن السلطان عبد الحميد لن يغير سياسته وأعضاء «تركيا الفتاة» لن يتسلموا الحكم يومًا (٤٣). لذلك فليس من سبيل إلى الخلاص إلا بالاستقلال. فعلى العرب والأكراد والأرمن أن ينفصلوا عن الإمبراطورية حتى تتقوض وتنهار. لكن كيف السبيل إلى ذلك؟ بالعمل أولًا من الداخل، نظرًا لضعف جهاز الدولة، ومن الخارج أيضًا بواسطة الدول الأوروبية.
ويخصص العازوري قسمًا كبيرًا من كتابه لتحليل مصالح الدول وسياساتها في الشرق الأدنى، ثم ينتهي إلى الاستنتاج أن روسيا تشكل الخطر الأكبر (٤٤)، وأن التوسع الألماني في آسيا الصغرى هو خطر أيضًا (٤٥). لذلك لم يبقى من أمل إلا في إنكلترا وفرنسا، صاحبتي التقاليد الليبرالية، وخصوصًا فرنسا (٤٦). لكن لاح له خطر آخر غير الخطر الروسي. ولعلنا نسمع هنا، للمرة الأولى، تحذيرًا من مطامع القوميين اليهود في العودة إلى فلسطين. وفي ذلك يقول: «تبرز في هذه الآونة في تركيا الأسيوية ظاهرتان خطيرتان متناقضتان على وحدة طبيعتهما، هما يقظة الأمة العربية، وسعي اليهود الخفي لإعادة ملاك إسرائيل القديم على نطاق واسع. أنه مكتوب لهاتين الحركتين أن تتصارعا باستمرار حتى تتغلب الواحدة على الأخرى. وعلى نتيجة هذا الصراع الأخيرة ... يتوقف مصير العالم أجمع (٤٧)، على أن العازوري، في وقت لاحق، ألمح إلى أن إنشاء المستعمرات والمصارف اليهودية يؤدي إلى تقوية القومية العربية بفضل مصالح أقطاب المال في العالم (٤٨)، فلم يكن بذلك منسجمًا مع نفسه.
ويكتفي العازوري برسم الخطوط الكبرى للدولة العربية المستقلة. فهي يجب أن تكون سلطنة دستورية ليبرالية، يرأسها سلطان مسلم عربي، على أن يحترم استقلال لبنان ونجد واليمن (٤٩). لكن من يكون السلطان ومن يكون الخليفة؟ إنه لا يجيب بوضوح على هذا
стр. 332
السؤال. غير أننا قد نستنتج من كلامه أنه كان يفكر بأحد أعضاء الأسرة المصرية الحاكمة كسلطان وبشريف مكة كخليفة. وهكذا تظهر لنا، ههنا مرة أخرى، معالم ذلك «الإنجيل» الذي شاهد بكتهول مبعوثي الخديوي يبشرون به في فلسطين.
بقيت الفوارق بين مختلف النزعات المناهضة لعبد الحميد مستترة، ما بقي عبد الحميد السيد المطلق. وذلك لسببين: الأول استحالة الكتابة والتنظيم والعمل بحرية؛ والثاني المصلحة المشتركة في تغيير نظام الحكم. لكن الأمور أخذت تتغير ابتداءً من ١٩٠٦. فقد قام نفر من ضباط الجيش بتأسيس جمعية ثورية سرية، اتصلت فيما بعد بالمنفيين في باريس، عرفت بـ «لجنة الاتحاد والترقي». كانت هذه الجمعية على أقواها في جيش مقدونيا؛ وكان مركز عملها في سالونيك، حيث اندلعت فجأة، في ١٩٠٨، ثورة انتشرت بسرعة، وأكرهت السلطان على إعادة الدستور المعلق منذ ثلاثين سنة. ثم جاءت حكومة جديدة لإجراء انتخابات لعضوية البرلمان. وهكذا تغيرت القضايا السياسية، وازدادت إمكانات العمل السياسي، وصدرت الجرائد بحرية. فظهرت، بين ١٩٠٨ و ١٩١٤، حوالي ٦٠ جريدة في بيروت (معظمها لم يعمر طويلًا)، وحوالي ٤٠ جريدة في بغداد. ونوقشت المسائل بحرية في البرلمان، كما نشأت أحزاب سياسية عديدة. وحدث ما قد يكون أهم من كل ذلك: فقد أخذ أبناء ولايات مختلفة يتلاقون ويتعاونون في العمل. وهكذا بدأ معظم نواب الولايات العربية، ولم يكن أكثر منهم عددًا سوى النواب الأتراك، يعملون معًا منذ دورة البرلمان الأولى.
لكن تحالف المصالح الذي أفضت إليه الحاجة إلى التخلص من استبداد عبد الحميد بدأ ينحل، كما كان متوقعًا، عندما تحقق الهدف المشترك بخلع السلطان في ١٩٠٩. ذلك أن القضية الحقيقية كانت كامنة في الداخل، أي في التناقض الملازم لحركة «تركيا
стр. 333
الفتاة» الذي أخذ الآن في الظهور. فقد كان أعضاء «تركيا الفتاة» يريدون حكومة دستورية تؤمن الحرية والمساواة لجميع العناصر في الإمبراطورية؛ لكنهم كانوا يريدون أيضًا المحافظة على وحدة الإمبراطورية وتقويتها ضد الضغط الخارجي، الأمر الذي كان يقتضي، في نظرهم، قيام حكومة مركزية قوية وسيطرة العنصر الإسلامي التركي على العناصر الأخرى (٥٠). وقد رافق ذلك تناقض آخر. وهو أن أعضاء تركيا الفتاة، مع تأييدهم للمساواة بين المواطنين العثمانيين، اشترطوا أن تكون هذه المساواة قائمة على اشتراك الجميع في الشعور بالوطنية العثمانية. وكان هذا يعني، في نظرهم، أن على جميع مواطني الإمبراطورية أن يكونوا على صلة متساوية ومباشرة بالحكومة، بحيث يعتبر الجميع ويعاملون على أنهم مواطنون أولًا، لا أبناء طوائف أو جماعات عنصرية أو دينية داخل الإمبراطورية. غير أن معظم اللامسلمين، وكثيرًا من المسلمين غير الأتراك، كانوا يفهمون أن الحرية والمساواة تعنيان حرية الطائفة أو الجماعة والمساواة بين الطوائف والجماعات، ويرون مصلحتهم، ليس في تقوية سلطة الحكومة المركزية وازدياد تدخلها، بل في الإبقاء على حقوق الطوائف أو الجماعات وتقوية الحكم الإداري الذاتي في الولايات. وهكذا انشطرت تدريجيًا الحركة الدستورية، فانفصل أولئك الذين كانوا قبل كل شيء قوميين عثمانيين ومن دعاة المركزية عن أولئك الذين كانوا قبل كل شيء ليبراليين عثمانيين ومن دعاة اللامركزية. ثم اتسع الشق بين الأتراك وغير الأتراك، ومال العرب والألبان والأرمن إلى تأييد الليبراليين. وبعد أعوام من الاضطراب، تسلم الحكم، في ١٩١٣، في أثناء الحرب البلقانية، فئة من الضباط الأتراك ذوي نزعة أكثر قومية منها ليبرالية، فحكموا الإمبراطورية حتى انهيارها. وكان أن تغيرت، في غضون ذلك، معتقدات القوميين العثمانيين أنفسهم. فقد انحلت، بتطور تدريجي مؤلم، معاني فكرة الدولة والجماعة
стр. 334
الدينية والأمة اللغوية، وذلك بتأثير من آراء فيلسوف «تركيا الفتاة»، ضياء جوكلب (٥١)، الذي انطلق أصلًا من الفكرة القائلة بأن الوسيلة الوحيدة للخروج من المأزق الملازم للإمبراطورية إنما هي في فرض شعور قومي واحد على أبنائها. لكنه رأى، فيما بعد، أن الشعور القومي العثماني لا يمكنه القيام بهذا الدور، إذ كان سريع العطب واصطناعيًا وقائمًا بالحقيقة على الولاء للأسرة الحاكمة وحسب. كما رأى أن القومية الفعالة إنما هي القومية المتأصلة الجذور في وحدة موضوعية كاللغة أو العرق. وهكذا تحولت القومية العثمانية إلى قومية تركية، بحيث أصبح أساس الإمبراطورية وحدة قومية تضم جميع الناطقين باللغة التركية والمتحدرين من أصل تركي، كما أصبحت سياستها تتوخى تقوية مصالح الأتراك خارج الإمبراطورية وداخلها، باعتبارها وطن جميع الأتراك. وكانت هذه الفكرة تقضي بالعمل على دعم سيطرة العنصر التركي في الحكومة والادارة، لا بل بالعمل على تتريك الجماعات العنصرية الأخرى، بالتشديد على استعمال اللغة التركية في المدارس وفي الدوائر الحكومية. وقد ظهرت بعض الدلائل التي تشير إلى أن حكومة تركيا الفتاة كانت تسير، في آخر أيام الإمبراطورية، في هذا الاتجاه.
لكنه كان لحكم حزب «تركيا الفتاة» ناحية أخرى. فقد أصلح هذا الحكم الإدارة المحلية والأمن العام، وحقق مشاريع في حقل الأشغال العامة، وزاد في عدد المدارس، وشجع على تحرير المرأة. غير أن هذا كله لم يكن يوازي، في أعين الشعوب الخاضعة له، خطر هذا الحكم على لغتهم وحقوقهم السياسية، من جراء تقوية السلطة المركزية وإتباع سياسة «العثمنة» و «التتريك». وقد عمد الأرمن إلى دفع هذا الخطر عنهم بتعزيز فكرة القومية الأرمنية، وكذلك فعل العرب والألبانيون والأكراد. نعم، ظل بين العرب من أيدوا سياسة «تركيا الفتاة»، إيمانًا منهم بضرورة المحافظة على الإمبراطورية بأي ثمن. وكان أحد زعماء هؤلاء الضابط العراقي
стр. 335
محمود شوكت باشا، المتحدر من أصل شركسي. وقد قتل هذا الضابط في ١٩١٣ عندما كانت سياسة التتريك لا تزال في بدئها. لكن هذه السياسة دفعت الزعماء السياسيين، مع مرور الزمن، إلى صفوف المعارضة. أضف إلى ذلك اشتداد النزعة إلى العروبة في هذه الصفوف. وهكذا نشأت أولى الأحزاب العربية الفعالة المنظمة العلنية منها والسرية. ولن نحاول هنا سرد تاريخها بالتفصيل، بل نكتفي بالتمييز بين نوعين منها، يرسم لنا تاريخهما ومناهجهما تطور الفكرة القومية.
كان السياسيون والمصلحون المسلمون والأعيان والنواب المحليون وأصحاب المكانة يميلون إلى التعبير عن معارضتهم ضمن النظام الدستوري وبالاتفاق مع دعاة اللامركزية الليبراليين العثمانيين الذين كان الأمير صباح الدين زعيمهم الأبرز. ففي ١٩١٢ قام عدد من العرب القاطنين في القاهرة، ومعظمهم من السوريين، بتأسيس حزب للتعبير عن آرائهم، هو «حزب اللامركزية الإدارية العثماني»، الذي كان على صلة بالليبراليين الأتراك، وعلى رأسهم عزت باشا، كاتم أسرار عبد الحميد سابقًا والمنفي منذ ١٩٠٨ (٥٢). وكان لهذا الحزب شبكة من «لجان الإصلاح» في المدن العربية العثمانية وخاصة في بيروت. وكان هدفه الظاهر، كما يتضح من اسمه، إداريًا أكثر منه سياسيًا. فكان يطالب بأن تصبح اللغة العربية لغة رسمية في الولايات العربية، وأن تسند معظم الوظائف إلى المحليين من العرب، وأن تستشار السلطات المحلية عند تعيين الموظفين، وأن تمارس الخدمة العسكرية محليًا في زمن السلم، وأن تخصص بعض الواردات المحلية لسد الحاجات المحلية، وأن توسع صلاحيات مجالس الولايات، وأن يستعان بمستشارين أجانب لإعادة تنظيم قوى الشرطة والجندرمة ودوائر العدل والمال (٥٣). وكان يتوخى تحقيق هذه الغايات بالوسائل العلنية والشرعية. أما هل كان لهذا الحزب، كما ادعى الأتراك فيما بعد، إلى جانب هذه الأهداف، أهداف سرية أخرى
стр. 336
تذهب إلى حد السعي من أجل حكم ذاتي، كما في مصر، يرأسه حاكم وطني وتحميه قوى أجنبية؟ فهذا ما يصعب علينا الجزم به. لكن فحوى هذا الحزب لا يمنع الترجيح بأن أفكاره كانت سائرة في هذا الاتجاه (٥٤).
في ١٩١٣، قام فريق ينتمي معظمهم إلى هذا الحزب بعقد «مؤتمر عربي» في باريس، اشترك فيه حوالي خمسة وعشرين شخصًا، كلهم من سوريا الجغرافية ما عدا اثنين من العراق. كان بعضهم طلابًا أو من المقيمين في باريس، وبعضهم الآخر من وجهاء القاهرة وبيروت. وكان نصفهم تقريبًا من المسلمين ونصفهم الآخر من المسيحيين. وكان يؤيدهم بعض الزعماء السياسيين البارزين في إسطنبول. وتكشف التقارير عن المناقشات التي دارت في المؤتمر عن «الجو» الذي كان مسيطرًا في ذلك الحين على القومية العربية المعتدلة والذي كان مشبعًا «بالروح الغربية». فقد أعلن الخطباء أن رغبتهم في إصلاح الإمبراطورية إنما هي ناجمة عن رغبتهم في الاشتراك في المدنية الحديثة، وأنهم يأملون المعونة من أوروبا. وكان يتخلل خطاباتهم ثناء على فرنسا ومناشدة للضمير الأوروبي، وتعبير عن الأمل بأن تضغط أوروبا على الحكومة العثمانية، ودحض للفكرة القائلة بأن الخطر على الإمبراطورية متأت عن أوروبا، وتأكيد بأن الخطر الحقيقي إنما يكمن في الداخل، في «انحطاطنا نحن» (٥٥)؛ كما تخللها أيضًا، بلهجة لا تقل حرارة، تأكيد ولائهم للإمبراطورية والإعراب عن رغبتهم في تقويتها، مع الإشارة إلى أن مقدار هذا الولاء متوقف على طريقة معاملتها لهم. وقد أفصحوا أيضًا عن الأفكار الآتية: إن قوة الدول تتوقف على نظام الحكم فيها. لذلك توجب أن تكون الحكومة العثمانية حكومة ديموقراطية حقًا، مما يستلزم، في إمبراطورية متعددة القوميات، حرية الولايات التي تتألف منها. فعلى العرب أن يشتركوا اشتراكًا فعليًا في الحكومة المركزية، كما يجب أن تنال الولايات العربية استقلالها الإداري.
стр. 337
أما اللغة العربية. فيجب أن تصبح لغة رسمية في البرلمان وفي دوائر الحكومة المحلية. وأما المسيحيون والمسلمون، فعليهم أن يكونوا واحدًا ضمن الأمة الواحدة.
بدا في أول الأمر أن حكومة تركيا الفتاة حملت هذه المقترحات على محمل الجد، فأرسلت مبعوثًا للتباحث مع الزعماء. لكن سرعان ما اتضح أن التساهلات التي نوت القيام بها كانت محدودة ووهمية، مما عزز اقتناع بعض العرب بأن أساليب طلاب اللامركزية كانت خاطئة ومطالبهم متواضعة، وأنه من الضروري أن يستقل العرب، وأن سبيلهم إلى ذلك لا يتم إلا بالقوة. هذا ما نادى به العازوري منذ زمن طويل، كما رأينا سابقا، لذلك لم يكن متحمسًا للمؤتمر (٥٦). لكنه لم يكن ذا نفوذ، كما كان أولئك الخمسة وعشرين نائبًا عربيًا وأمثالهم الذين وجهوا في ١٩١١، رسالة إلى الحسين شريف مكة بواسطة زعيم البصرة السياسي السيد طالب، يقولون فيها إن العرب على استعداد للنهوض معه إذا أراد خلع النير عن عاتقهم، وإنهم يعترفون به خليفة النبي والمسؤول عن مصالح جميع البلدان العربية (٥٧). لعل في هذه الأقوال بعض البلاغة البرلمانية. لكن جيلًا جديدًا لاحقًا بجيل الأعيان والنواب كان لا بد من أن يأخذها بجدية أكثر. ذاك أن عبد الحميد كان قد وسع جهاز المدارس الرسمية، فنشأت مدارس ثانوية في عواصم الولايات، وتعززت المعاهد المهنية لتدريب الضباط والموظفين، وأخذ العرب المسلمون في المدن الكبرى في سوريا يؤمون هذه المدارس والمعاهد ويتعلمون فيها اللغات الأجنبية ويتعرفون إلى الأفكار الجديدة، ويتخرجون منها ليدخلوا الوظائف الحكومية، أيقظ فيهم الوعي السياسي. وقد يكون مما قوي فيهم شعور الاعتزاز بالماضي أنهم عاشوا بين أقوام من غير قومهم، ومما جلى في أذهانهم فكرة الوحدة الناجمة عن اللغة المشتركة أنهم اختلطوا بمن لا ينطقون بها. أضف إلى ذلك أنهم تأثروا بالأفكار السياسية السائدة في إسطنبول أو القادمة إليهم من
стр. 338
القاهرة وبيروت، كما اقتبسوا بعض الانضباط والشعور بالمسؤولية في جيش إمبراطوري، وإن كان جيشًا لإمبراطورية أوشكت على الانهيار.
وهكذا أخذوا، بعد ثورة ١٩٠٨، ينشؤون الجمعيات السرية ذات الأهداف البعيدة، كا «القحطانية» التي أسسها في ١٩٠٩ ضباط من الجيش في طليعتهم عزيز علي المصري، و «الفتاة» التي أسسها في باريس في ١٩١١ طلاب سوريون، و «العهد» التي أسسها عزيز علي المصري في ١٩١٤ وكان أعضاؤها كلهم تقريبًا من الضباط ومعظمهم من العراقيين (٥٨). وكان هدف هذه الجمعيات الحقيقي الاستقلال، واقعيًا أو كاملًا، وكانت روحها أول روح لا تركية تظهر إلى الوجود كنتيجة طبيعية لانخراط هؤلاء الضباط في جيش كان ذا تراث قومي مختلف عن تراثهم. فقد أعلنت إحدى هذه الجمعيات، في نداء أصدرته في ١٩١١، أن الأتراك هم سبب بؤسنا. إذ أبادوا ثقافتنا، وحالوا دون تقدمنا الاقتصادي، وها هي جميع الأمم التي انفصلت عنهم تباشر حياة قومية نشيطة، بينما لا تزال تلك التي بقيت معهم تتخبط في الفقر والجمود، وأن الحكومة الحالية تضحي بالبلاد في سبيل الأجانب، وأنها لا تؤمن حتى بالإسلام. فعلى العرب أن ينفصلوا عنها، وبالقوة إذا اقتضى الأمر، وعلى جميع العرب أن يساعدوا على ذلك: «أيها العرب المسلمون، إن هذه الدولة المستبدة ليست دولة إسلامية؛ ويا أيها المسيحيون واليهود العرب، اتحدوا مع إخوانكم المسلمين» (٥٩).
بيد أن هذه النداءات من أجل الوحدة العربية والسياسية لم تجد لها استجابة لدى جميع الناطقين بالضاد. فحرية القول والعمل التي اتسعت بعد ١٩٠٨ وسياسة «تركيا الفتاة»، إذ ساعدتا على نمو القومية العربية، ساعدتا أيضًا على نمو قوميات أخرى. فأخذ أولئك المسيحيون المؤمنون بأمة لبنانية أو أمة سورية ينظمون أنفسهم أيضًا ويبثون أفكارهم. ففي لبنان، نشر أخوان من أسرة
стр. 339
الخازن العريقة، في ١٩١٠، دفاعًا عن «الاستقلال التشريعي والقضائي الدائم للبنان». ونشأت في لبنان وفي أمكنة أخرى يقطنها لبنانيون، كالقاهرة ونيويورك وباريس، لجان للسهر على مصالح السنجق المستقل. كانت هذه اللجان تختلف بعضها عن بعض فيما تلح عليه، وخصوصًا في شخصيات أعضائها؛ لكنها كانت كلها على العموم تتوخى أهدافًا واحدة: الإبقاء على الحكم الذاتي القائم، وتقويته إذا أمكن، وتوسيع حدود لبنان لجعله قابلًا للحياة اقتصاديًا، والاعتماد على الأمم الغربية وفي مقدمتها فرنسا لتحقيق كل هذه الأهداف. كذلك كان لفكرة «سوريا» أنصار أقوياء، خصوصًا في باريس، حيث قام بتوضيحها، بتشجيع وتأييد من الكاي دورساي، أديبان مسيحيان لبنانيان، هما شكري غانم وجورج سمنه، اللذان كانا يؤمنان بأن الأمة السورية، بالرغم من وحدتها الطبيعية التي منحتها إياها الجغرافيا وقواها التاريخ، لم تتمتع قط بعد بوحدة اجتماعية وسياسية، وذلك لسببين: الأول، لأن شعبها مختلف الأصول والعادات، وخصوصًا المعتقدات؛ وثانيًا، لأنها لم تتمتع يومًا من الأيام بحكم وطني، أي «بسلطة نالت رضى الشعب وعملت في سبيله» (٦٠). لذلك كانا يعتقدان أن من الضروري أن تحوز سوريا على حكم كهذا، يقوم على مبادئ الديموقراطية والعلمانية واللامركزية، وأن يكون دستورها دستور دولة اتحادية مؤلفة من أقضية متمتعة بحكم ذاتي واسع، تحدد بقعة كل منها حسب العنصر القومي أو الديني الغالب فيها، بحيث يكون لكل جماعة كبيرة منطقة تكون هي الأكثرية فيها، ويكون أساسها الروحي شعور قومي واحد يسمح لجميع الفئات الدينية أو العنصرية بأن تتعاون تعاونًا تامًا ومتساويًا. وكانا يعتقدان أيضًا أن هذه الوحدة كانت في طريق التكون بتأثير التربية والمدنية الحديثتين، وأن القومية السورية المشتركة قد أخذت تبرز إلى الوجود، قائمة على
стр. 340
الثقافة، أي على «اللغة العربية وكنز التقاليد القديمة المشتركة وتراث ذكريات الشرق المجيدة» (٦١). لكنهما كانا يعترفان بأن مثل هذه الروح تحتاج إلى وقت طويل كي تستكمل نموها وتتحرر من الولاءات الدينية التي تجزئ البشر، وبأن على لبنان، ريثما يتم ذلك، وبعد توسيع حدوده، أن يحتفظ بكيانه كمثال على ما ستكون عليه جميع المناطق في المستقبل. لكنه، عندما يحين الوقت لإنشاء الدولة السورية القومية العلمانية، سيأخذ مركزه فيها كإحدى ولاياتها (٦٢).
لم تكن الخطوط الفاصلة بين هذه النزعات المختلفة قد اتضحت بعد. فقد كان أنصار القومية السورية فخورين بثقافتهم العربية، وكانوا على اتصال «بحزب اللامركزية»، حتى أنهم اشتركوا في المؤتمر العربي المنعقد في ١٩١٣ (٦٣). وكانوا، بالوقت نفسه، يدافعون عن استقلال «واقعي» للبنان. كذلك كان القائلون بالقومية العربية يكنون عاطفة خاصة نحو الشعب السوري، ويفكرون أولًا بسوريا وعاصمتها دمشق عندما يطالبون بالاستقلال العربي. أما دعاة لبنان المستقل، فكانوا يفكرون بالمسيحي والمسلم أكثر مما كانوا يفكرون بالعربي والتركي، وكانت رغبتهم في الاستقلال عن دمشق لا تقل عن رغبتهم في الاستقلال عن إسطنبول، إذ كانوا يعتبرون لبنان بلدًا متوسطيًا متصلًا بالمسيحية الغربية. لكنهم كانوا، مع ذلك، حريصين على استقلال كنائسهم الكاثوليكية الشرقية، وفخورين بلغتهم العربية وآدابها، ومدركين بأنه ليس بإمكانهم تجاهل ما وراءهم من بلدان سورية وعربية لها تأثيرها الاقتصادي والثقافي فيهم. والواقع أنه لم يكن هناك من حاجة، قبل ١٩١٤، إلى التمييز الحاد بين هذه النزعات. فمصلحة جميع هذه الفئات المشتركة كانت تقضي بتغير سياسة الحكومة، ولم تكن أي فئة منها تبدو قريبة من تحقيق الاستقلال في أي شكل من أشكاله. لكن الحال تغيرت بعد أن اندلعت نيران الحرب، في آب ١٩١٤، ودخلت تركيا فيها،
стр. 341
قبل آخر السنة (٦٤). من الواضح أن الحرب ستفتح مجالات جديدة وستجعل من الضروري اتخاذ القرارات. إذ كان من الممكن أن تؤدي إلى انهيار الإمبراطورية أو منح الاستقلال أو فرض سيطرة جديدة. وكان هناك بالفعل فريق من القوميين ممن كانوا يتطلعون إلى هذه أو تلك من الدول الأوروبية من أجل مساعدتهم على تحسين وضعهم، لا بل كان بينهم من كانوا على اتصال بممثلي إنكلترا وفرنسا. فأي موقف يجب إذن اتخاذه من الحرب، وأي عمل يجب القيام به، وأي تحالف أجنبي يجب السعي وراءه؟ أثارت هذه الأسئلة جدلًا حاميًا، استمر طويلًا بعد انتهاء الحرب. فكان هناك من يؤيد بحماس يتراوح بين الحرارة والفتور «لجنة الاتحاد والترقي»: إذ أن الولاء القومي لم يكن بعد قد حل محل الولاء الديني لدى الكثيرين من المثقفين، وربما لدى معظم عامة المسلمين، فبقيت قوة الإسلام وسلطة الخليفة واستقلال الإمبراطورية أهم الاعتبارات لديهم. وكان غيرهم، على معارضتهم لسياسة «تركيا الفتاة»، يعتبرون بقاء السلطنة ضروريًا للعرب وللأمة بمجموعها على السواء، إذ كانوا يتوقعون، إذا ما انهارت، أن يخلفها في الحكم دولة أوروبية. لذلك كانوا يؤيدونها، مع الأمل بأن يصطلح نظام الحكم فيها بشكل يؤدي إلى قيام حكم ذاتي في الولايات أو إلى تحويلها إلى ملكية ثنائية. كما كان هناك أيضًا من كانوا يودون استغلال الحرب للحصول على استقلال للبنان أو لسوريا أو للعرب، وذلك بمساعدة أعداء الإمبراطورية. لكن هذا الفريق نفسه كانت تتنازعه عدة تيارات مختلفة. فكان منه من اعتمدوا على إنكلترا أو على فرنسا، بمن فيهم معظم المسلمين، مع أنهم كانوا في حيرة من أمرهم، إذ كانوا يعلمون أن لكل من إنكلترا وفرنسا مصالح خاصة بها، تختلف عن مصالح العرب. لكنهم، بالرغم من ذلك، رأوا أن الأمر يستحق المغامرة، لأن الربح، على كل حال، أكثر من الخسارة. وهذا ما كان ينصحهم به سعد زغلول، حتى
стр. 342
قبل أن يصبح زعيم مصر الشعبي. «فقد قامت حجة زغلول على القول بأنه لم يكن للبلدان العربية في ذلك الحين كيان سياسي أو سيادة يخشى على زوالهما، فلم يكن إذن هناك دولة عربية مستقلة مهددة في صميم وجودها كما كانت تركيا. لذلك لم يكن من خوف عليها إن هي غامرت» (٦٥).
لكن بعضهم على الأقل كانوا يعالجون القضية على ضوء المصلحة، بل على ضوء الضمير أيضًا. فقد كان السلطان على الأقل، وإن لم يقبلوا بادعائه الخلافة، سلطانًا كرست أربعة قرون حكمه الزمني، ناهيك بأنه كان آخر حاكم مستقل كبير للإسلام السني، والرمز السياسي لوحدة الأمة. فإذا ما ثاروا عليه، فإنهم لا يثورون على سيدهم الشرعي فحسب، بل يقضون على وحدة الأمة، وهي في أشد الحاجة إلى هذه الوحدة. أضف إلى ذلك أنهم بعملهم هذا قد يخدمون مصلحة الأعداء. لكن المسيحيين وبعض المسلمين لم يكونوا في مثل هذه الحيرة، إما لثقتهم ضمنًا بحسن نوايا دول أوروبا الليبرالية، وإما لرغبتهم في حماية إنكلترا أو فرنسا لهم لاعتبارات دينية أو لضرورتها من أجل بناء دولة حديثة.
لكن الانقسام الأكبر بين هذه الفئات كان حول الحدود وأنظمة الحكم، بعد تحقيق الاستقلال عن الأتراك. فقد كان العدد الأكبر من دعاة الثورة المسلمين يريدون دولة عربية برئاسة ملك عربي، لعله من سلالة أشراف مكة. لكن بينما كان البعض منهم يحلم بدولة عربية واحدة، يرأسها خليفة، أي ببعث الإمبراطورية العثمانية مع نقل مركز الثقل فيها من يد الأتراك إلى يد العرب، كان البعض الآخر يحتفظ بأفكار حزب اللامركزية، فيطالب بدولة سورية مستقلة ذات نظام اتحادي، على أن تكون علاقتها مطاطة مع عراق مستقل وحجاز مستقل. لكن العلاقة مع الحجاز وشريف مكة شحذت روح المقاومة لدى القوميين اللبنانيين، إما لأنهم تخوفوا من عودة السيادة الإسلامية، أو لأنهم
стр. 343
رأوا وراء الشريف سياسة بريطانيا العظمى وأطماعها. لذلك نادوا باستقلال لبنان التام، تحت الحماية الفرنسية، على أن توسع حدوده وتكون بيروت عاصمته. إلا أنهم لم يتفقوا على نوع الحماية الفرنسية المطلوبة ومقدارها. كذلك قام دعاة «القومية السورية»، ومعظمهم من المسيحيين، يقاومون بشدة أكثر من قبل الفكرة العربية. وكان عددهم صغيرًا، إلا أنه كان لهم تأثير مستمد من دعم الكاي دورسه. فأعلنوا أن السوريين ليسوا عربًا، لا بل ليس هناك من أمة عربية، وكل ما في الأمر أن هناك قومية عربية مزعومة خلقها الأمير فيصل والعملاء الإنكليز- الهنود» (٦٦). وقد أوضح جورج سمنه، الناطق باسم هذا الفريق، في كتاب مشبع بالمعرفة والفكر، خطة إنشاء جمهورية سورية، علمانية، ديموقراطية، اتحادية، تحت حماية فرنسا. ومع أن عدد هؤلاء كان صغيرًا، فقد كان لهم تأثير مستمد من دعم الكاي دورسه لهم (٦٧).
لم تكن هذه الانقسامات حادة، طالما كانت الحرب مستمرة. فقد انخرط كثيرون من المسيحيين اللبنانيين في الجيش الفرنسي. وثار شريف مكة، بالاشتراك مع الجمعيات السرية القومية العربية، على الحكومة العثمانية، إثر تلقيه تأكيدات من البريطانيين لا تخلو من الالتباس، فأعلن استقلال الحجاز، وشكل «جيشًا عربيًا» اشترك في حملة الحلفاء التي أسفرت عن احتلال سوريا. وبعد انتهاء الحرب، بدا لفترة من الزمن أن القوميين اللبنانيين والقوميين العرب سيحققون فحوى ما كانوا يبتغونه. فقد أقام البريطانيون إدارة عسكرية في فلسطين، كما أقام الفرنسيون إدارة أخرى في لبنان وعلى طول الساحل شمالًا. وكانت فرنسا قد ارتبطت ارتباطًا واضحًا بتأييد فكرة لبنان المسيحي المستقل، وذلك تمشيًا مع سياستها التقليدية. أما في الداخل، فقد قام حكم عربي معترف به ومدعوم ماليًا من بريطانيا، رأسه الأمير فيصل، أحد أبناء الشريف حسين،
стр. 344
وتسلم المناصب المهمة فيه أعضاء الجمعيات السرية وضباط من الجيش العربي. لكن لم يكن هناك من قوة ذاتية تدعم هذا الحكم أو الحركة القومية، مما جعلهما يعتمدان دبلوماسيًا وعسكريًا على القوة البريطانية. لذلك وقعتا في مأزق لا مفر منه، وهو المأزق الذي يقع فيه كل ضعيف معتمد على دولة عظمى لتحقيق مآربه، إذ يكون بحاجة إلى قوة تلك الدولة، وهو لا يستطيع أن يحملها على تفضيل مصالحه على مصالحها. فبريطانيا كانت قد التزمت بارتباطات أخرى، تبين في نهاية الأمر أنها تتعارض مع ارتباطاتها مع القوميين العرب. كان هؤلاء مستعدين، إذا اقتضى الأمر، أن يقبلوا بتمسكها لاعتبارات استراتيجية بجنوب العراق وبالساحل الفلسطيني. لكنها كانت قد ذهبت أبعد من ذلك، فالتزمت بتأييد إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين، الأمر الذي كان من شأنه، ولو حاولت إنكاره، أن يؤدي في آخر الأمر - كان بعض السياسيين البريطانيين يعرفون ذلك- إلى إنشاء دولة يهودية لا يكون فيها خيار لسكان فلسطين العرب سوى أن يكونوا أقلية أو أن يهجروا ديارهم. كذلك كانت قد التزمت، في الشمال، بتأييد فرنسا في فرض سلطتها الواقعية على أي دولة عربية أقيمت في سوريا. وكان من الواضح أن فرنسا لن تقبل بقيام دولة مستقلة تمام الاستقلال في سوريا أو بدولة سورية مرتبطة بالحجاز، وذلك مراعاة منها لحلفائها اللبنانيين من جهة، ولأنها كانت من جهة أخرى، ترى وراء الشريف، كما كان اللبنانيون يرون، ظل بريطانيا، خصمها التقليدي في الشرق. وكان مما لا شك فيه أن بريطانيا ستفضل، عند الاقتضاء، حاجتها إلى الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع فرنسا على رغبتها في إنشاء دولة عربية في سوريا. زد على ذلك أن الصهيونيين كانوا أقدر من العرب في الضغط على لندن. وقد حاول الأمير فيصل، طيلة سنتين، وبكثير من المهارة، أن يحافظ على دعم
стр. 345
بريطانيا له بتفاهمه مع الفرنسيين واليهود. لكنه كان واقعًا بين عوامل أقوى منه. فقد كان على شبه اليقين بأن أتباعه في سوريا سيعارضون أي اتفاق قد يرغب في عقده مع فرنسا، كما ربما كان مبالغًا في مقدار الدعم المنتظر من بريطانيا. وفي ١٩٢٠، عقد الزعماء السوريون والفلسطينيون مؤتمرًا في دمشق أعلنوا فيه فيصلًا ملكًا على سوريا ووضعوا بيانًا بمبادئ جاءت، من جهة، كآخر تعبير عن أفكار دعاة اللامركزية العثمانيين، ومن جهة أخرى، كمنهاج للقوميين العرب ساروا عليه طيلة الخمس والعشرين سنة اللاحقة. وقد طالب المؤتمر، بعد التأكيد بأنه يمثل المسلمين والمسيحيين واليهود، باستقلال تام لسوريا في حدودها الطبيعية، من جبال طوروس إلى صحراء سينا ومن البحر حتى الفرات، على أن تكون حكومتها ديمقراطية مدنية ملكية دستورية ولامركزية، مع ضمانات لصيانة حقوق الأقليات؛ ورفض فكرة الانتداب الأجنبي، التي كان مؤتمر الصلح في باريس قد أقرها مبدئيًا. لكنه أوضح بأنه، إذا أكره على قبول الانتداب، فسيعتبره نوعًا من أنواع المساعدة الاقتصادية والفنية التي لا تنقص من الاستقلال التام، كما رفض أيضًا وعد بلفور والهجرة اليهودية وإنشاء دومينيون يهودي وفصل لبنان أو فلسطين عن سوريا، وأكد أخيرًا استقلال العراق، على أن لا يكون بينه وبين سوريا فواصل اقتصادية (٦٨). غير أن بريطانيا وفرنسا رفضتا هذه القرارات. وبعد بضعة أسابيع، وعلى أثر تأزم الحالة، احتل الفرنسيون دمشق وأزالوا حكم فيصل. وهكذا تقرر خلال السنتين اللاحقتين مصير البلدان العربية على أوجه بعيدة كل البعد عما كان العرب يرتقبونه: فقد أبقى على الحجاز مستقلًا، ووضعت البلدان العربية الأكثر تقدمًا، كسوريا والعراق، تحت الانتداب الذي منح الدولة المنتدبة الرقابة الإدارية، لكن مع الالتزام بإعداد البلاد للاستقلال يومًا ما. وعلى هذا دخل العراق تحت
стр. 346
الانتداب البريطاني وفصل جغرافيًا عن سوريا. وقسمت سوريا إلى أربع دويلات: سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وفلسطين وشرقي الأردن تحت الانتداب البريطاني. كما جزئت سوريا نفسها إلى عدد من المناطق المنفصلة إداريًا، بعضها عن البعض الآخر. ووضع الانتداب على عاتق الدولة المنتدية في فلسطين واجب تسهيل الهجرة اليهودية وإنشاء وطن قومي لليهود.
كان من الضروري عرض هذه الأحداث بتفصيل، إذ إنها وجهت نزعة القوميين العرب وأهدافهم طيلة العشرين سنة اللاحقة، إلى أن جاءت حرب جديدة، فغيرت المعطيات السياسية من جديد. فقد انصب الفكر والعمل القوميان العربيان، في البلدان التي نشطا فيها بقوة، أي في العراق وفي بلدان سوريا الجغرافية الأربعة، على ثلاثة أهداف رئيسية: الأول انتزاع مقدار أكبر من الحكم الذاتي من يد الدول المنتدبة، وذلك بإقامة التظاهرات، والقيام بثورات ظرفية، وبرفض التعاون، وبمناشدة وجدان إنكلترا وفرنسا الليبرالي أو أنانيتهما الواعية. ومع أن سوريا كانت أرقى المنطقتين، إلا أن كان العراق أول من حقق ذلك الهدف، بفضل سياسة بريطانيا التي آثرت المحافظة على نفوذها بواسطة حكم وطني يرأسه فيصل. فمنحت العراق، بالمعاهدة الإنكليزية العراقية، الاستقلال وعضوية عصبة الأمم، مقابل التحالف السياسي مع إنكلترا والإبقاء على قواعد جوية لها في البلاد. أما فرنسا، فكانت أقل ميلًا للدخول في مثل هذه الاتفاقيات، فتمنعت عن إبرام ما كانت عقدته آخر الأمر من معاهدات مع سوريا ولبنان في ١٩٣٦، بحيث لم تجل الجيوش الفرنسية عن الأراضي السورية واللبنانية إلا بعد نهاية الحرب. وكان الهدف الثاني محاولة الإبقاء على فكرة الوحدة العربية حية في النفوس، تلك الوحدة التي كانت قائمة نوعًا ما في عهد العثمانيين، والتي جاءت تهددها اليوم التقسيمات السياسية الجديدة. فقد كان من شأن هذه التقسيمات أن تؤدي، لا إلى
стр. 347
إقامة أنظمة إدارية وتشريعية وتربوية متباينة فحسب، وإنما إلى تجزئة الحركة العربية أيضًا، وذلك بإلقاء مهمات مباشرة على عاتقها، تختلف الواحدة عن الأخرى بحسب المناطق. وقد تجلى ذلك في الكتابات، وفي تأسيس أحزاب سريعة الزوال، وفي تبادل المساعدة والعطف بين البلدان العربية في صراعها مع الأجنبي، وفوق كل ذلك في المؤتمرات الدورية التي كانت تجمع معًا رجالًا من مختلف البلدان العربية وتنتهي باتخاذ مقررات عامة: فبعد المؤتمر السوري في ١٩٢٠، عقد مؤتمر الخلافة في مكة في ١٩٢٦، ثم مؤتمر القدس في ١٩٣١، وأخيرًا مؤتمر بلودان في ١٩٣٧. ولعل مؤتمر بلودان هذا كان أهم تلك المؤتمرات، إذ رأسه عراقي وكان بين نواب رئيسه عضو من مجلس الشيوخ المصري ومطران حماه الأرثوذكسي، فأكد بذلك على فكرة الوحدة العربية وألح على طابع التضامن الديني في مفهوم القومية العربية (٦٩).
وكان الهدف الثالث، وهو غير منفصل عن الثاني، إثارة التأييد لعرب فلسطين في مقاومتهم للهجرة اليهودية وشراء الأراضي، وفي مطالبتهم بحكومة موحدة تكون أكثريتها عربية. كانت أهمية هذا الهدف قد برزت في مؤتمر القدس، لكنها أخذت تزداد بازدياد الهجرة اليهودية بعد ١٩٣٣. فقد كان العرب، قبل ذلك، يشكون من سياسة إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، خوفًا من أن تمنع تلك السياسة فلسطين من أن تصبح جزءًا من دولة مستقلة سورية أو عربية. أما الآن، فأخذوا يخشون، فضلًا عن ذلك، أن يؤدي نمو الجالية اليهودية، آخر الأمر، إما إلى إخضاع عرب فلسطين وإما إلى طردهم من البلاد. فوقعت اضطرابات كبيرة في ١٩٢٩. إلا أن أساليب الاحتجاج والتظاهر استبدلت في ١٩٣٦ بالثورة المسلحة. فكان الغرض الرئيسي لمؤتمر بلودان تأكيد ارتباط مصلحة العرب العامة بما كان يجري في فلسطين. كذلك كان غرض المؤتمر البرلماني الإسلامي العربي الذي عقد في القاهرة في ١٩٣٨ (٧٠). وقد اعترفت
стр. 348
الحكومة البريطانية رسميًا، في السنة نفسها، بمصلحة البلدان العربية الأخرى في قضية فلسطين وبوجود شيء اسمه العالم العربي، وذلك بدعوتها عددًا من الحكومات العربية إلى إرسال مندوبين عنها إلى مؤتمر الطاولة المستديرة المقرر عقده في لندن.
في تلك المحاولات لتأمين الحكم الذاتي وللإبقاء على فكرة الوحدة العربية حية، بقيت الزعامة في أيدي فئة قليلة، كان معظم أفرادها من الضباط والموظفين العثمانيين السابقين الذين كانت نظرتهم السياسية قد تقولبت بقوالب حكم «تركيا الفتاة» والجمعيات السرية والثورة العربية. وكان لهم، سوريين كانوا أم عراقيين، تفكير مشترك ومجموعة من الأفكار شكلت ما يمكن اعتباره العقيدة السياسية للسنوات الفاصلة بين الحربين. كانوا كلهم، أولًا، يؤمنون ضمنًا بوجود أمة عربية. فقد تسنى لهم، في المدارس، وفي الثكنات، وفي البرلمان العثماني، وفي النفي في القاهرة، وفي صفوف القوات الشريفية، أن يتعرفوا بعضهم إلى بعض، وأن يشعروا بسهولة التخاطب الناتجة عن الاشتراك في اللغة وفي التربية. أضف إلى ذاك أن فكرة الأمة العربية أخذت تنتشر بتأثير الحرب وانتشار التربية، مما دعم موقفهم دعمًا أقوى من قبل، كما أن التقسيمات السياسية أخذت تشوش حقيقة هذه الأمة، مما جعل دفاعهم عن الفكرة أشد إلحاحًا من ما مضى.
لقد كان الكيان العربي أمرًا مسلمًا به في عهد الإمبراطورية العثمانية الأخير، كما كان ينظر إلى مختلف الولايات العربية كوحدة كاملة. إلا أن التقسيم الناجم عن اتفاقيات ما بعد الحرب جاء يضع فكرة الأمة العربية موضع التساؤل ويهددها بمنافسة فكرة الأمة السورية والأمة اللبنانية والأمة العراقية لها، وذلك بتشجيع من السلطة المنتدبة أحيانًا. لذلك جعل الزعماء العرب همهم التشديد على وجود الأمة العربية، مع الإلحاح على وحدتها، مبررين النضال في سبيل الحكم الذاتي، لكل دولة بمفردها، على أنه الخطوة الأولى نحو الوحدة.
стр. 349
وكان من المفهوم، ضمنًا، أن كل دولة عربية ستستخدم، حينما تتحرر وتستقل، حريتها هذه واستقلالها في مساعدة الدول التي لا تزال في مرحلة النضال، وفي توثيق علاقاتها بالدول التي تكون قد تحررت ونالت استقلالها. هذه هي النظرة التي على أساسها تدخلت الحكومات العربية في الحرب السعودية اليمنية في ١٩٣٤، إذ اعتبرتها حربًا أخوية، وفي الثورة الفلسطينية فيما بعد. وعلى أساسها أيضًا عقدت معاهدة الأخوة العربية بين العراق والسعودية في ١٩٣٦، «نظرًا للروابط الإسلامية والوحدة القومية التي توحد بينهما». وقد كان مفهوم الوحدة لا يزال مفهوم الفترة الممتدة بين ١٩٠٨ و ١٩٢٢، أي اعتبار الأمة العربية لا تشمل مصر وبلدان شمالي أفريقيا، كما كانت كلمة «عرب» تطلق فقط على سكان آسيا الناطقين بالضاد، أي سكان سوريا والعراق وشبه الجزيرة، وبنوع أخص سكان سوريا والعراق الذين كانوا أرقى ثقافيًا من سكان شبه الجزيرة، وبالتالي أكثر استعدادًا لتحقيق كيانهم السياسي واستقلالهم القومي. لذلك كانت قضية الوحدة تثار على مستويات ثلاثة: إعادة توحيد دول سوريا الجغرافية، ثم إقامة اتحاد بين سوريا والعراق، وأخيرًا إنشاء ترابط مرن مع دول عربية أخرى. هذا ما انطوى عليه برنامج المؤتمر السوري في ١٩٢٠، وما دعا إليه مجددًا، بعد جيل، أحد معاوني فيصل الأقربين. فقد اقترح نوري السعيد، في «الكتاب الأزرق» عام ١٩٤٣، توحيد سوريا ولبنان وفلسطين وشرقي الأردن في دولة واحدة، على أن يعطي اليهود في فلسطين مقدارًا من الحكم الذاتي، وأن يمنح الموارنة في لبنان، إذا طلبوا ذلك، نظامًا خاصًا، كما اقترح إنشاء جامعة عربية ينضم إليها، فورًا، العراق وسوريا الموحدة، ثم من يرغب في ذلك من الدول العربية الأخرى، ويرأسها أحد الحكام العرب بطريقة تتفق عليها الدول الأعضاء (٧١).
ومع أن سوريا كانت لا تزال مركز الشعور القومي العربي ومع أن فكرة الأمة العربية قد برزت فيها أولًا، فقد كان
стр. 350
هناك، خلال العشرينيات والثلاثينيات، نزعة إلى اعتبار بغداد زعيمة الحركة الاستقلالية والوحدوية، لأن التحالف بين أماني الفئات القومية ومطامح الأسرة الهاشمية الذي نشأ في أيام «تركيا الفتاة» ووثقته الثورة العربية كان لا يزال قائمًا حينذاك، ولأن عددًا كبيرًا من القوميين كانوا لا يزالون يعتبرون فيصل زعيمًا لحركتهم. أضف إلى ذلك أن العراق، على تأخره السياسي والاجتماعي، كان قد حصل على استقلال نسبي قبل غيره من دول سوريا. وقد قبل الملك وحكومة العراق إجمالًا بتولي هذا الدور، مع أن الوعي السياسي في العراق كان أقل انتشارًا منه في سوريا. فكان الحكام العراقيون يتدخلون في سبيل سوريا وفلسطين بلا كلل، ويأخذون المبادرة في السياسة العربية حيثما أمكن. لكنهم كانوا في ذلك يجابهون خصومًا عديدين. ذلك أن المقاومة ضد الهاشميين، في سوريا والعراق على السواء، كانت أقوى مما بدا في الظاهر؛ كما أن الانتقاد الموجه إليهم على إدارتهم للأماكن المقدسة كان واسع النطاق. هذا فضلًا عن اتهامهم بالاستعداد المفرط لعدم التفريق، في الشؤون العربية العامة، بين مصالحهم ومصالح بريطانيا. وفي ١٩٢٦ استولى عبد العزيز بن آل سعود، منشئ الدولة الوهابية الجديدة في أواسط شبه الجزيرة، على الحجاز، وأخذ نفوذه في النمو والازدياد. فقد كانت دولته الدولة العربية الكبيرة الوحيدة المستقلة، أي التي لم تكن تحتلها جيوش أجنبية؛ وكانت النظرة الوهابية إلى الإسلام تستهوي بعض المصلحين من مدرسة رشيد رضا؛ كما كان الملك نفسه يجسد في شخصه تلك الفضائل القديمة التي كان العرب يميلون إلى الاعتقاد بأنهم يملكونها. وكانت مصر تقف في الجهة الثانية، إلا أنها لم تكن بالرغم من لغتها تعتبر نفسها تمامًا، أو يعتبرها الآخرون، عربية خالصة. ففي ذلك الوقت، كانت نزعتها «الفرعونية» على أشدها، كما كان المصريون منصرفين إلى قضية استقلالهم، وهي وليدة تاريخهم الخاص. وكان نفوذ
стр. 351
الملك فيها قد تضاءل، ولم يعد يتبع سياسة محمد علي وعباس حلمي العربية الإسلامية. لكن بوادر التغيير قد أخذت تظهر، إذ أصبحت مصر مركز الثقافة العربية، بفضل صحفها ودور النشر فيها وأفلامها وإذاعتها. ثم جاء توقيع المعاهدة الإنكليزية المصرية في ١٩٣٦، فأعطاها حرية نسبية في سياستها الخارجية، فاتجه نفوذها مجددًا كما كان دومًا، إلى محيطه الطبيعي، أي المنطقة العربية شرقًا. وأخذ بعض الزعماء العرب يتطلعون إلى إمكان مساعدة مصر لهم في قضية فلسطين المعقدة. فقد أعلن نائب الرئيس المصري، في مؤتمر بلودان، أن قيام دولة يهودية في فلسطين لا يقل خطرًا على مصر منه على جيرانها. كذلك لعب المندوبون المصريون، إلى مؤتمر الطاولة المستديرة في لندن، دورًا مهمًا.
كانت القومية العربية، في تعبيرها عن نفسها، حركة علمانية. فقد كان الزعماء يرغبون في تجريد فرنسا من سلاحها الأقوى، وهو وجود الأقليات المسيحية والأقليات الإسلامية المنشقة، التي كانت تتطلع إلى فرنسا لحمايتها. وكانوا يرغبون في التعبير عن مقاومتهم للصهيونية على أساس قومي، أي على أساس الخطر الذي تشكله على مصالح الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين على السواء، لا على أساس العداء الديني. وكانوا يشعرون بحاجتهم إلى مساعدة تلك الفئات عينها التي كانت، إجمالًا، أكثر ثقافة وأوسع اطلاعًا على أوروبا. زد على ذلك أن الجو الفكري الذي كانوا قد ترعرعوا فيه، إن في المدارس ذات المنهاج الغربي، أو في عهد «تركيا الفتاة» في إسطنبول، كان جوًا علمانيًا، مشبعًا بفكرة فصل الحقل الديني عن ميدان السياسة لخير الاثنين معًا. مما أدى بهم إلى الاعتقاد أن الروابط القومية التي توحد بين الناس هي أهم سياسيًا من المعتقدات الدينية التي تفرق بينهم، وأنه ينبغي للحكم الوطني أن يكون مستقلًا في دائرته الخاصة وطليقًا من كل قيد إلا قيد المصلحة. وقد دعم هذا المبدأ العلماني فوز كمال أتاتورك ومؤيديه، ذاك الفوز
стр. 352
الذي كان له، حتى أزمة الإسكندرونة (١٩٣٧ - ١٩٣٩)، تأثير قوي في تفكير العرب السياسي، وذلك لا لنجاح الأتراك في صد التعديات الأوروبية فحسب، بل أيضًا لأن روابط عميقة في الدين، والتاريخ المشترك، والقرابة الدموية أحيانًا، كانت ما تزال قائمة بين العرب والأتراك. أضف إلى ذلك ما هو أهم: رفض الأتراك كل مساومة على حساب الأمة. نعم، كان القلائل من العرب من الجيل القديم يحبذون نزعة العداء الشديدة لرجال الدين في سياسة أتاتورك. بيد أن ما استهواهم في تلك السياسة إنما هو نظرتها إلى الحكم التي لم تكن تعكس تعاليم أساتذتهم الأوروبيين فحسب، بل عقيدة الإسلام السياسية الحديثة. فقد قال أتاتورك:
«السيادة والحق في الحكم لا يمكن منحهما لأي كان ومن قبل أي كان على أثر مناقشة نظرية. ذلك أن السيادة إنما تكتسب بالقوة والبطش والعنف. فبالعنف قبض بنو عثمان على زمام السلطة وحكموا الأمة التركية واستمروا مسيطرين عليها طيلة ستة قرون. وها هي الأمة اليوم تثور على هؤلاء المغتصبين وتردهم على أعقابهم وتستعيد لنفسها ممارسة السيادة الفعلية» (٧٢).
غير أن العرب لم يكن بإمكانهم أن يفصلوا القومية عن الإسلام بالقدر الذي فعله الأتراك (٧٣). فالإسلام كان من فعل العرب في التاريخ. وهو الذي، بمعنى من المعاني، قد صنعهم، ووحدهم، وأعطاهم شريعتهم وثقافتهم. لذلك أحاط بالقومية العربية، أساسيًا، إشكال كان على العرب المسلمين والمسيحيين على السواء أن يجابهوه. فالعلمانية ضرورية كنظام للحكم، لكن من أين للعلمانية التامة أن تنسجم والشعور العربي؟ ليس من الضروري، في الحياة العملية، أن تجد الإشكالات حلًا لها. ومن الممكن للناس أن يعيشوا وإياها بأمان. والواقع أن معظم العرب الذين فكروا في هذه القضية قد اكتفوا بتأكيد كلا شقيها في آن واحد، متيقنين أن غير المسلمين من العرب هم جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، وأن الإسلام هو
стр. 353
أساس شعور العرب بوحدتهم. فنوري السعيد يرد القومية العربية، مثلًا، في «كتابه الأزرق»، إلى الشعور بالأخوة الإسلامية التي أوصى بها محمد في آخر خطبة عامة له، ويقول فيها إنها «الطموح إلى بعث مدنية الخلفاء الأولين العظيمة السمحاء» (٧٤). وكان هناك من طرح القضية على مستوى أعمق، فاعتبر أن للإسلام تلك الأهمية البالغة، لا لمجرد كونه ينبوع اعتزاز وإلهام، بل لأنه أتى بشريعة خلقية من شأنها توجيه حياة الأمم. إذ أنه لا يجوز للمجتمع أن يكون شريعة لذاته، بل ينبغي له مبدأ منظم يهيمن عليه. وعن هذا أعلن شقيق الملك فيصل، الأمير عبد الله، أمير شرقي الأردن، وفيما بعد ملك الأردن، في دراسة عن القومية العربية أضافها إلى «مذكراته»، إذ قال: إن أول مبدأ لحياة العرب السياسية إنما هو الرضوخ للقرآن والسنة. وطالما سلم السلاطين العثمانيون بهذا المبدأ، كان العرب راضين بحكمهم وإن كانوا غير عرب. لكنهم إذ تخلوا، في القرن التاسع عشر، عن مبادئ الإسلام واقتبسوا نظام حكم غربي لا يفقهونه، انحل رباط الولاء العربي، وأخذ العرب يفكرون بحكم عربي يكون وفيًا للإسلام من جديد (٧٥).
وعلى هذا النمط أيضًا أحاط شيء من الالتباس بموقف القوميين من أوروبا، وخاصة من إنكلترا وفرنسا اللتين كانتا أوروبا كما عرفوها آنذاك. فكثيرون من الذين قد أيدوا الاتفاق مع إنكلترا وإعلان الثورة ضد الحكومة العثمانية، في الحرب العالمية الأولى، وجدوا التسوية السلمية مخالفة للتعهدات التي كانت قد قطعت لهم. ولم يكن بينهم سوى قلائل يقرون لورانس على قوله بأن بريطانيا قد خرجت من مغامرتها العربية «نظيفة الكف». إلا أن السرعة التي منح بها العراق استقلاله خفف من شعور العراقيين بأنهم خدعوا، بينما قوى هذا الشعور في سوريا إحجام فرنسا المستمر عن التخلي عن سلطتها، فضلًا عن نمو الوطن القومي اليهودي في فلسطين. إن ما جعل عرب سوريا والعراق المسلمين يحسون بهول صدمة إخضاعهم للنير الأجنبي، هو
стр. 354
أنهم كانوا جزءًا من العنصر المسيطر في الإمبراطورية العثمانية، وأنهم لعبوا دورًا كبير في حكومتها، طيلة نصف القرن السابق لزوالها. لكنهم كانوا، من جهة أخرى، لا يزالون مفتونين بالمدنية الأوروبية. فقد كانت دول أوروبا أقوى دول العالم بالفعل، وإن كانت لم تعد أقواها من حيث الطاقة. وهي التي خلقت المدنية الحديثة ولا تزال، بمعنى من المعاني، تملك «سرها». وكانت الأفكار والمؤسسات السياسية في أوروبا الغربية لا تزال تبدو لمعظم الناس الأساس الضروري لقوة الأمة، ناهيك بأنها كانت أفضلها. وعلى هذا، لم يستنتج القوميون من إدانتهم للسياسة البريطانية أو الفرنسية أن إنكلترا أو فرنسا فاسدة بحد ذاتها، بل استنتجوا أنها لم تكن أمينة لذاتها. لهذا كانوا يوجهون نداءاتهم إلى إنكلترا الحقيقية وفرنسا الحقيقية، عاقدين الأمل على أنهما ستعودان، ولاريب، إلى حقيقتهما، عاجلًا أو آجلًا، خصوصًا وأن مصالحهما تنسجم مع مصالح العرب. وعندما يتم ذلك ينال العرب الاستقلال التام، أو على الأقل، الاستقلال الذاتي القائم على معاهدات تحدد علاقاتهم مع الدول الكبرى. وقد خيل إليهم، في عالم العشرينيات والثلاثينيات، أن هذا هو السبيل الوحيد الذي يتيح للدول الأسيوية فرصة الانضمام إلى مجموعة الأمم. كما آمنوا، إجمالًا، كحقيقة لا جدال فيها، بأن على الدول العربية، بعد استقلالها، أن تتبنى المؤسسات التي تميز بها المجتمع الليبرالي الأوروبي.
وفي غضون نصف جيل، أي من ١٩٠٨ إلى ١٩٢٢، غدت القومية العربية فكرة سياسية واعية، ثم حركة لها برامجها، ثم اضطرت، قبل حلول الأوان، أن تختار، ثم رأت آمالها تتحطم. فاكتسبت من هذه الخبرة المريرة طريقة جديدة في التفكير. وليس من مكان أفضل لدراسة هذه الخبرة من صفحات «المنار» المليئة والصريحة والمفسرة نفسها بنفسها. كان الغرض من تفكير رشيد رضا السياسي، منذ بدء حياته حتى نهايتها، إعادة بناء الدولة
стр. 355
الإسلامية الحق. لقد عارض جميع المحاولات الرامية إلى إنشاء دول في العالم الإسلامي تقوم على تضامن غير التضامن الديني، كالدول القومية التي تكون فيها الأمة هي موضوع الولاء الأخير، ويكون الشعور القومي هو القوة الموحدة، وتكون المصلحة القومية هي المقياس الأعلى للسياسة والتشريع. فقد بدا له هذا النوع الرفيع من القومية شكلًا جديدًا فقط من أشكال التضامن القبلي الطبيعي الصرف المعروف قبل الإسلام، وظهرت له مبادئه، مبادئ الولاء والشرف، كأنها المبادئ الخاصة بعهود الجاهلية، لا المبادئ التي قامت عليها الشريعة (٧٦). لذلك خالف ابن خلدون في اعتقاده أن العصبية الطبيعية هي أساس الدولة، وأنها الدافع إلى كل عمل اجتماعي، وأن الولاء الديني والشريعة لا يفعلان فعلهما إلا بعد أن تكون العصبية قد فعلت فعلها. وقد استند إلى تاريخ الإسلام في إثباته بطلان هذا الرأي. فقال إن أفعال النبي لم تستهدف تعزيز مركزه الاجتماعي أو دعم سلطة قبيلته، ونجاحه لم ينجم عن قوة العصبية التي كانت تحت تصرفه، والتي سخرها، بالعكس، لمقتضيات الإسلام. وما انهيار الدولة الإسلامية إلا نتيجة ظهور هذه العصبية من جديد. إن الإرادة في السيطرة العمياء هي ما دفع بالحكام إلى فرض سلطتهم الشخصية على الأمة، فأفسدوا كيانها السياسي يجعلهم الطاعة لهم واجبًا دينيًا مطلقًا (٧٨).
قد يبدو أن هنالك تناقضًا بين نظرة رشيد رضا هذه والقول بأن عنصر الشعور القومي كان قويًا في كتاباته، كما كان أقوى في كتابات صديقه شكيب أرسلان. فهما، عندما يتحدثان عن قضية الإسلام، يفكران أولًا بالإسلام العربي، وينظران إلى المسلمين الآخرين «كتلامذة للعرب»، على حد تعبير أرسلان نفسه (٧٩). لكن هذا التناقض ليس إلا تناقضًا في الظاهر. إذ كانا يعتقدان أن بالإمكان، نظرًا لمكانة العرب الخاصة في الأمة الإسلامية، التوفيق بين القومية العربية والوحدة الإسلامية توفيقًا يستحيل في غيرها من القوميات. لا بل كانا يذهبان
следующие страницы →