← Общие книги

Общие книги · id 150935

الفكر العربي في عصر النهضة

ألبرت حوراني

Полный текст (470 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الملك فيها قد تضاءل، ولم يعد يتبع سياسة محمد علي وعباس حلمي العربية الإسلامية. لكن بوادر التغيير قد أخذت تظهر، إذ أصبحت مصر مركز الثقافة العربية، بفضل صحفها ودور النشر فيها وأفلامها وإذاعتها. ثم جاء توقيع المعاهدة الإنكليزية المصرية في ١٩٣٦، فأعطاها حرية نسبية في سياستها الخارجية، فاتجه نفوذها مجددًا كما كان دومًا، إلى محيطه الطبيعي، أي المنطقة العربية شرقًا. وأخذ بعض الزعماء العرب يتطلعون إلى إمكان مساعدة مصر لهم في قضية فلسطين المعقدة. فقد أعلن نائب الرئيس المصري، في مؤتمر بلودان، أن قيام دولة يهودية في فلسطين لا يقل خطرًا على مصر منه على جيرانها. كذلك لعب المندوبون المصريون، إلى مؤتمر الطاولة المستديرة في لندن، دورًا مهمًا. كانت القومية العربية، في تعبيرها عن نفسها، حركة علمانية. فقد كان الزعماء يرغبون في تجريد فرنسا من سلاحها الأقوى، وهو وجود الأقليات المسيحية والأقليات الإسلامية المنشقة، التي كانت تتطلع إلى فرنسا لحمايتها. وكانوا يرغبون في التعبير عن مقاومتهم للصهيونية على أساس قومي، أي على أساس الخطر الذي تشكله على مصالح الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين على السواء، لا على أساس العداء الديني. وكانوا يشعرون بحاجتهم إلى مساعدة تلك الفئات عينها التي كانت، إجمالًا، أكثر ثقافة وأوسع اطلاعًا على أوروبا. زد على ذلك أن الجو الفكري الذي كانوا قد ترعرعوا فيه، إن في المدارس ذات المنهاج الغربي، أو في عهد «تركيا الفتاة» في إسطنبول، كان جوًا علمانيًا، مشبعًا بفكرة فصل الحقل الديني عن ميدان السياسة لخير الاثنين معًا. مما أدى بهم إلى الاعتقاد أن الروابط القومية التي توحد بين الناس هي أهم سياسيًا من المعتقدات الدينية التي تفرق بينهم، وأنه ينبغي للحكم الوطني أن يكون مستقلًا في دائرته الخاصة وطليقًا من كل قيد إلا قيد المصلحة. وقد دعم هذا المبدأ العلماني فوز كمال أتاتورك ومؤيديه، ذاك الفوز

стр. 352

الذي كان له، حتى أزمة الإسكندرونة (١٩٣٧ - ١٩٣٩)، تأثير قوي في تفكير العرب السياسي، وذلك لا لنجاح الأتراك في صد التعديات الأوروبية فحسب، بل أيضًا لأن روابط عميقة في الدين، والتاريخ المشترك، والقرابة الدموية أحيانًا، كانت ما تزال قائمة بين العرب والأتراك. أضف إلى ذلك ما هو أهم: رفض الأتراك كل مساومة على حساب الأمة. نعم، كان القلائل من العرب من الجيل القديم يحبذون نزعة العداء الشديدة لرجال الدين في سياسة أتاتورك. بيد أن ما استهواهم في تلك السياسة إنما هو نظرتها إلى الحكم التي لم تكن تعكس تعاليم أساتذتهم الأوروبيين فحسب، بل عقيدة الإسلام السياسية الحديثة. فقد قال أتاتورك: «السيادة والحق في الحكم لا يمكن منحهما لأي كان ومن قبل أي كان على أثر مناقشة نظرية. ذلك أن السيادة إنما تكتسب بالقوة والبطش والعنف. فبالعنف قبض بنو عثمان على زمام السلطة وحكموا الأمة التركية واستمروا مسيطرين عليها طيلة ستة قرون. وها هي الأمة اليوم تثور على هؤلاء المغتصبين وتردهم على أعقابهم وتستعيد لنفسها ممارسة السيادة الفعلية» (٧٢). غير أن العرب لم يكن بإمكانهم أن يفصلوا القومية عن الإسلام بالقدر الذي فعله الأتراك (٧٣). فالإسلام كان من فعل العرب في التاريخ. وهو الذي، بمعنى من المعاني، قد صنعهم، ووحدهم، وأعطاهم شريعتهم وثقافتهم. لذلك أحاط بالقومية العربية، أساسيًا، إشكال كان على العرب المسلمين والمسيحيين على السواء أن يجابهوه. فالعلمانية ضرورية كنظام للحكم، لكن من أين للعلمانية التامة أن تنسجم والشعور العربي؟ ليس من الضروري، في الحياة العملية، أن تجد الإشكالات حلًا لها. ومن الممكن للناس أن يعيشوا وإياها بأمان. والواقع أن معظم العرب الذين فكروا في هذه القضية قد اكتفوا بتأكيد كلا شقيها في آن واحد، متيقنين أن غير المسلمين من العرب هم جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، وأن الإسلام هو

стр. 353

أساس شعور العرب بوحدتهم. فنوري السعيد يرد القومية العربية، مثلًا، في «كتابه الأزرق»، إلى الشعور بالأخوة الإسلامية التي أوصى بها محمد في آخر خطبة عامة له، ويقول فيها إنها «الطموح إلى بعث مدنية الخلفاء الأولين العظيمة السمحاء» (٧٤). وكان هناك من طرح القضية على مستوى أعمق، فاعتبر أن للإسلام تلك الأهمية البالغة، لا لمجرد كونه ينبوع اعتزاز وإلهام، بل لأنه أتى بشريعة خلقية من شأنها توجيه حياة الأمم. إذ أنه لا يجوز للمجتمع أن يكون شريعة لذاته، بل ينبغي له مبدأ منظم يهيمن عليه. وعن هذا أعلن شقيق الملك فيصل، الأمير عبد الله، أمير شرقي الأردن، وفيما بعد ملك الأردن، في دراسة عن القومية العربية أضافها إلى «مذكراته»، إذ قال: إن أول مبدأ لحياة العرب السياسية إنما هو الرضوخ للقرآن والسنة. وطالما سلم السلاطين العثمانيون بهذا المبدأ، كان العرب راضين بحكمهم وإن كانوا غير عرب. لكنهم إذ تخلوا، في القرن التاسع عشر، عن مبادئ الإسلام واقتبسوا نظام حكم غربي لا يفقهونه، انحل رباط الولاء العربي، وأخذ العرب يفكرون بحكم عربي يكون وفيًا للإسلام من جديد (٧٥). وعلى هذا النمط أيضًا أحاط شيء من الالتباس بموقف القوميين من أوروبا، وخاصة من إنكلترا وفرنسا اللتين كانتا أوروبا كما عرفوها آنذاك. فكثيرون من الذين قد أيدوا الاتفاق مع إنكلترا وإعلان الثورة ضد الحكومة العثمانية، في الحرب العالمية الأولى، وجدوا التسوية السلمية مخالفة للتعهدات التي كانت قد قطعت لهم. ولم يكن بينهم سوى قلائل يقرون لورانس على قوله بأن بريطانيا قد خرجت من مغامرتها العربية «نظيفة الكف». إلا أن السرعة التي منح بها العراق استقلاله خفف من شعور العراقيين بأنهم خدعوا، بينما قوى هذا الشعور في سوريا إحجام فرنسا المستمر عن التخلي عن سلطتها، فضلًا عن نمو الوطن القومي اليهودي في فلسطين. إن ما جعل عرب سوريا والعراق المسلمين يحسون بهول صدمة إخضاعهم للنير الأجنبي، هو

стр. 354

أنهم كانوا جزءًا من العنصر المسيطر في الإمبراطورية العثمانية، وأنهم لعبوا دورًا كبير في حكومتها، طيلة نصف القرن السابق لزوالها. لكنهم كانوا، من جهة أخرى، لا يزالون مفتونين بالمدنية الأوروبية. فقد كانت دول أوروبا أقوى دول العالم بالفعل، وإن كانت لم تعد أقواها من حيث الطاقة. وهي التي خلقت المدنية الحديثة ولا تزال، بمعنى من المعاني، تملك «سرها». وكانت الأفكار والمؤسسات السياسية في أوروبا الغربية لا تزال تبدو لمعظم الناس الأساس الضروري لقوة الأمة، ناهيك بأنها كانت أفضلها. وعلى هذا، لم يستنتج القوميون من إدانتهم للسياسة البريطانية أو الفرنسية أن إنكلترا أو فرنسا فاسدة بحد ذاتها، بل استنتجوا أنها لم تكن أمينة لذاتها. لهذا كانوا يوجهون نداءاتهم إلى إنكلترا الحقيقية وفرنسا الحقيقية، عاقدين الأمل على أنهما ستعودان، ولاريب، إلى حقيقتهما، عاجلًا أو آجلًا، خصوصًا وأن مصالحهما تنسجم مع مصالح العرب. وعندما يتم ذلك ينال العرب الاستقلال التام، أو على الأقل، الاستقلال الذاتي القائم على معاهدات تحدد علاقاتهم مع الدول الكبرى. وقد خيل إليهم، في عالم العشرينيات والثلاثينيات، أن هذا هو السبيل الوحيد الذي يتيح للدول الأسيوية فرصة الانضمام إلى مجموعة الأمم. كما آمنوا، إجمالًا، كحقيقة لا جدال فيها، بأن على الدول العربية، بعد استقلالها، أن تتبنى المؤسسات التي تميز بها المجتمع الليبرالي الأوروبي. وفي غضون نصف جيل، أي من ١٩٠٨ إلى ١٩٢٢، غدت القومية العربية فكرة سياسية واعية، ثم حركة لها برامجها، ثم اضطرت، قبل حلول الأوان، أن تختار، ثم رأت آمالها تتحطم. فاكتسبت من هذه الخبرة المريرة طريقة جديدة في التفكير. وليس من مكان أفضل لدراسة هذه الخبرة من صفحات «المنار» المليئة والصريحة والمفسرة نفسها بنفسها. كان الغرض من تفكير رشيد رضا السياسي، منذ بدء حياته حتى نهايتها، إعادة بناء الدولة

стр. 355

الإسلامية الحق. لقد عارض جميع المحاولات الرامية إلى إنشاء دول في العالم الإسلامي تقوم على تضامن غير التضامن الديني، كالدول القومية التي تكون فيها الأمة هي موضوع الولاء الأخير، ويكون الشعور القومي هو القوة الموحدة، وتكون المصلحة القومية هي المقياس الأعلى للسياسة والتشريع. فقد بدا له هذا النوع الرفيع من القومية شكلًا جديدًا فقط من أشكال التضامن القبلي الطبيعي الصرف المعروف قبل الإسلام، وظهرت له مبادئه، مبادئ الولاء والشرف، كأنها المبادئ الخاصة بعهود الجاهلية، لا المبادئ التي قامت عليها الشريعة (٧٦). لذلك خالف ابن خلدون في اعتقاده أن العصبية الطبيعية هي أساس الدولة، وأنها الدافع إلى كل عمل اجتماعي، وأن الولاء الديني والشريعة لا يفعلان فعلهما إلا بعد أن تكون العصبية قد فعلت فعلها. وقد استند إلى تاريخ الإسلام في إثباته بطلان هذا الرأي. فقال إن أفعال النبي لم تستهدف تعزيز مركزه الاجتماعي أو دعم سلطة قبيلته، ونجاحه لم ينجم عن قوة العصبية التي كانت تحت تصرفه، والتي سخرها، بالعكس، لمقتضيات الإسلام. وما انهيار الدولة الإسلامية إلا نتيجة ظهور هذه العصبية من جديد. إن الإرادة في السيطرة العمياء هي ما دفع بالحكام إلى فرض سلطتهم الشخصية على الأمة، فأفسدوا كيانها السياسي يجعلهم الطاعة لهم واجبًا دينيًا مطلقًا (٧٨). قد يبدو أن هنالك تناقضًا بين نظرة رشيد رضا هذه والقول بأن عنصر الشعور القومي كان قويًا في كتاباته، كما كان أقوى في كتابات صديقه شكيب أرسلان. فهما، عندما يتحدثان عن قضية الإسلام، يفكران أولًا بالإسلام العربي، وينظران إلى المسلمين الآخرين «كتلامذة للعرب»، على حد تعبير أرسلان نفسه (٧٩). لكن هذا التناقض ليس إلا تناقضًا في الظاهر. إذ كانا يعتقدان أن بالإمكان، نظرًا لمكانة العرب الخاصة في الأمة الإسلامية، التوفيق بين القومية العربية والوحدة الإسلامية توفيقًا يستحيل في غيرها من القوميات. لا بل كانا يذهبان

стр. 356

إلى أبعد من ذلك، فيقولان بأن نهضة الأمة الإسلامية رهن بنهضة العرب. فالفكر الإسلامي لا يزدهر إلا إذا ازدهر اللسان العربي، إذ أنه اللغة الوحيدة التي يمكن فيها دراسة الإسلام دراسة حقيقية وتفسيره تفسيرًا صحيحًا. لذلك كان واجب كل مسلم أن يتعلم اللغة العربية إذا استطاع إلى ذلك سبيلًا (٨٠). وفضلًا عن ذلك، لا يمكن أن تقوم وحدة عميقة في أمة ما، إن لم تكن موحدة اللغة. واللغة لا يمكن أن تكون في الأمة الإسلامية إلا اللغة العربية. وما من أحد غير عربي استطاع خدمة الإسلام إلا بمعرفته هذه اللغة التي هي خير المسلمين المشترك. وفي هذا يقول رشيد رضا: «وقد كان من إصلاح الإسلام الديني والاجتماعي توحيد اللغة بجعل لغة هذا الدين العام لغة لجميع الأجناس التي تهتدي به. فهو قد حفظ بها وهي قد حفظت به. فلولاه لتغيرت كما تغير غيرها من اللغات، وكما كان يعروها التغيير من قبله. ولولاها لتباعدت الأفهام في فهمه، ولصار أديانًا يكفر أهلها بعضهم بعضًا، ولا يجدون أصلًا جامعًا يتحاكمون إليه إذا رجعوا إلى الحق وتركوا الهوى. فاللغة العربية ليست خاصة بجيل العرب سلائل يعرب بن قحطان، بل هي لغة المسلمين كافة» (٨١). وليس العرب حراس لغة الإسلام فحسب، بل هم حراس الأماكن المقدسة أيضًا. لقد عملوا الكثير من أجل الإسلام، وهم مؤهلون للقيام بأكثر من ذلك فيما بعد، لأنهم لا يزالون، في شبه الجزيرة على الأقل، مخلصين لدينهم وغير متأثرين فيهم بمفاسد الغرب. إن أولئك المسلمين الذين يخفضون من شأن العرب إنما يضعفون الإسلام فعلًا. وهنا نسمع صدى للمنازعات «الشعوبية»، وهو بالواقع صدى واعٍ. وقد أطلق كرد على هذا التعبير على أولئك الذين يطعنون بالدين. فكتابه في «الإسلام والمدنية العربية» إنما هو دفاع عن المساهمة العربية في المدنية الإسلامية والأوروبية على السواء ضد مهاجميها، أكانوا من القوميين المسلمين (كالقوميين الفرعونيين)،

стр. 357

أو من المستشرقين كرينان مثلًا. وكان رشيد رضا ورفاقه ينتقلون أحيانًا من موقف الدفاع إلى موقف الهجوم. فيؤكدون أن غير العرب هم الذين أفسدوا حقيقة الخلافة والأمة، إذ دسوا في الإسلام تعاليم غريبة عنه حول الحقيقة الخفية والإمام المعصوم، وأفرطوا في مدح الخلفاء كثيرًا، ومحوا الفكرة الصحيحة عن الحكم بالشورى. وبينما قيد مجيء الإسلام عصبية العرب، استمرت عصبية الأتراك والفرس بدون ضابط حتى آلت إلى خراب الإسلام آخر الأمر (٨٣). وبتعبير آخر، إن عصبية الشعوب الإسلامية الأخرى تتعارض مع مصالح الأمة، بخلاف العصبية العربية. وقد تبسط رشيد رضا في شرح هذه الفكرة عندما ناقش الاعتقاد التقليدي القائل بوجوب انتساب الخليفة إلى سلالة قريش. لقد بدا هذا الشرط منافيًا لعالمية الإسلام، ولهذا لم يجمع عليه الفقهاء. أما رشيد رضا، فكان، على العكس، يراه ضروريًا، إذ لا بد لأي حاكم أو أسرة حاكمة من أن يكون على اعتزاز بأهله واهتمام بمصلحتهم. والواقع أن ليس هناك ما ينسجم دومًا، وبالضرورة، مع عزة الإسلام ومصلحته إلا اعتزاز قريش ومصلحتها. فقريش عشيرة النبي، ومجدهم مرتبط بمجد الإسلام، وفيهم وحدهم دون سواهم تتداعم الحمية الدينية والحمية النسبية (٨٤). وقد ادعى رشيد رضا أنه هو نفسه ينتمي إلى هذا الفرع وأكد، بفخر، الاتحاد الأبدي بين الإسلام والعروبة قائلًا: «إنني عربي مسلم ومسلم عربي. فأنا قرشي علوي، من ذرية محمد النبي العربي، الذي ينتهي نسبه الشريف إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام. وملته الحنيفية هي ملة جده إبراهيم، أساسها التوحيد الخالص وإسلام الوجه لله تعالى وحده ... فإسلامي مقارن في التاريخ لعروبتي ... قلت إنني عربي مسلم، فأنا أخ في الدين لألوف الألوف من المسلمين من العرب وغير العرب، وأخ في الجنس لألوف الألوف من العرب المسلمين وغير المسلمين» (٨٥).

стр. 358

كانت عقيدة رشيد رضا منذ البدء تنطوي على الشعور العربي، إلا أن هذا الشعور لم يدفع به إلى حمل لواء الدعوة إلى الاستقلال القومي العربي إلا تدريجًا، وبتأثير من الظروف السياسية. فقبل ١٩٠٨ وبالرغم من كونه، كمحمد عبده، من أنصار السلطنة المخلصين وللاعتبارات ذاتها، عارض علنًا السلطان عبد الحميد الثاني لسببين: استبداده الشخصي، من جهة، وتشجيعه، من جهة أخرى، لما كان رشيد رضا يرى فيه نوعًا ضالًا من الإسلام. (وهذا ما أثار عليه ضغينة أبو الهدى الذي أساءه انتقاده للطرق الصوفية وتمجيده للأفغاني، والذي، على ذمة رشيد رضا نفسه على الأقل، حاول إخراجه من مصر، ومنع «المنار» من الدخول إلى سوريا، وعرض عليه ألقابًا ومناصب إذا ما هو تراجع عن موقفه هذا). وقد أسس جمعية سياسية اسمها «جمعية الشورى العثمانية»، وقفت نفسها على العمل في سبيل اتحاد جميع العثمانيين وإحلال الحكم الاستشاري محل الحكم الاستبدادي. وانتقد أيضًا «لجنة الاتحاد والترقي» لأنها كانت، في نظره، بالفعل إن لم يكن بالاسم، إسلامية صرف (٨٧). كان، بادئ الأمر، كبير الأمل في ثورة ١٩٠٨. لكن معارضته لسياسة الحكومة الجديدة تجاه العرب اشتدت فيما بعد، وربما نجم ذلك عن الصدمة الشخصية التي أصابته يوم أخفق في الحصول على تأييد الحكومة لمشروعه القاضي بإنشاء معهد ديني للمرسلين المسلمين. وإذ كان في إسطنبول عام ١٩٠٩، نشر سلسلة مهمة من المقالات عن «العرب والأتراك» (٨٨)، بذل فيها جهدًا كبيرًا للتدليل على ولاء العرب للدولة العثمانية. ومما قاله فيها إن المستعمرين يحاولون تشجيع الانفصالية العربية لتحويل القوات العثمانية عن مقدونيا والأناضول، وبالتالي لإضعاف مركزها هناك. إلا أنهم باءوا بالفشل، إذ لم يناد أي عربي بالاستقلال، حتى على عهد عبد الحميد الأسوأ، باستثناء بعض المسيحيين (٨٩)، كما لم تظهر على العرب، إلا مؤخرًا، دلائل البغض لحكامهم الأتراك. فهم لم ينظروا إليهم، بالحقيقة، نظرتهم

стр. 359

إلى أجانب بالمعنى الذي كان به الحكم البريطاني أجنبيًا، إذ أن الإسلام قاد أزال «عصبية» العرب العرقية. وها أن معظم العرب قبل أيدوا، بعد الثورة، النظام الجديد. فإذا كانت نظرتهم قد أخذت تتغير اليوم، فذلك راجع إلى الموقف الذي وقفه الأتراك منهم. فقد كان الأتراك دومًا يكنون نوعًا من البغض أو الاحتقار للعرب، وهم يضيفون الآن إلى ذلك سياسة ترمي إلى تحويل الإمبراطورية إلى دولة تركية. وذلك، مثلًا، بصرف عدد من الموظفين العرب من مناصبهم، وبإهمال تدريس اللغة العربية في المدارس الرسمية. إن هذه السياسة لا يمكن أن تنجح، لأنه يستحيل تحويل عنصر عرقي إلى عنصر عرقي آخر بالقوة، ولأنه لا بد للعصبية التركية من أن تثير العصبية العربية، مما يؤدي إلى هدم الإمبراطورية -إذ أن الولايات العربية فيها تشكل الجزء الأكبر والأغنى- ولأن الشعوب العربية على ذكاء وقوة عسكرية كامنة، ولأن لغتهم هي لغة النظام الشرعي ولغة الدين الرسمية أيضًا. إلا أنه لا يزال من الممكن استعادة العلاقات الطيبة، وذلك بتغيير روح التربية، وبتطبيق الدستور تطبيقًا صحيحًا يعطي لكل فئة من السكان ما لها، فيخلق بذلك تضامنًا قوميًا أوسع من تضامن العرق أو اللغة، تضامنًا يقوم على المصلحة المشتركة والرضوخ للشريعة، وعلى المساواة بين أبناء الفئات العرقية المختلفة (٩٠). وهكذا سعى رشيد رضا مع العرب العثمانيين إلى الحصول على الاعتراف بمركز أمتهم ضمن الجامعة العثمانية. فاشترك في تأسيس «حزب اللامركزية» في القاهرة، كما باشر بتأسيس جمعية شبه سرية تشترط على أعضائها تأدية قسم الولاء لها، اسمها «جمعية الجامعة العربية» (٩١). وأخذت القضية العربية، منذ ذلك الحين، تحتل على صفحات «المنار» أهمية لم تكن لها من قبل. وكان رشيد رضا، حتى في ذلك الوقت، متنبهًا إلى خطر الهجرة الصهيونية على عرب فلسطين، وكان ينتقد التسهيلات التي ظن أن حكومة

стр. 360

السلطان المركزية كانت تمنحها للصهيونيين (٩٢). وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، خطت آراؤه في الموضوع خطوة أخرى إلى الأمام، فمثل أمامه، للمرة الأولى، إمكان الاستقلال التام. وها هي صفحات «المنار» تشهد على الصراع الداخلي الذي أثاره ذلك في نفسه. فهو يقول تكرارًا إن العرب كانوا دومًا مخلصين للسلطنة عن ولاء للإسلام، لكن سياسة التتريك قد غيرت كل شيء، فأصبحت اللغة العربية بخطر، وأصبح من واجب العرب الديني أن ينقذوها، حتى لو عنى ذلك قيامهم بما يضعف دولة إسلامية ويعرضها لخطر النفوذ الأوروبي. لكنه، بالرغم من اعتقاده أن الإسلام هو المبرر للاستقلال العربي وأنه يجب أن يكون شريعة العرب الخلقية، فهو يلح، وهذا من مزايا تفكيره، على عضوية العرب غير المسلمين التامة في المجتمع القومي، ويضيف أنه إذا وجدت منطقة عربية تقطنها أكثرية غير مسلمة (ولا شك أنه كان يفكر هنا بجبل لبنان)، فلها أن تستقل مع الحفاظ على صلة بالمملكة العربية (٩٣). كان رشيد رضا ينتمي إلى ذلك الجناح من الحركة القومية المستعد للتعاون مع بريطانيا لتحقيق الاستقلال. وقد لعب دورًا في المفاوضات التي جرت إبان الحرب، حين أعطت بريطانيا بعض التعهدات لسبعة من السوريين في القاهرة، كان رشيد رضا واحدًا منهم. إلا أنه اختلف، حول هذا الأمر، مع صديقه شكيب أرسلان الذي كان يخشى، بالرغم من استنكاره لسياسة تركيا الفتاة، مخاطر تفكيك الوحدة التي تربط الأتراك والعرب. ولذلك آثر العمل على تغيير السياسة التركية. ويبدو أن رشيد رضا نفسه قد ساورته شكوك أخذت تتزايد بتزايد سني الحرب، بحيث أثار، كما يقال، استياء الإنكليز منه قبل أن تضع الحرب أوزارها (٩٤). ثم جاءت أحداث ما بعد الحرب تزيد في هذه الشكوك، فاشترك اشتراكًا فعليًا في حركة المقاومة القومية الجديدة للحكم الفرنسي

стр. 361

في سوريا، وذلك بوصفه رئيسًا «للمؤتمر السوري» الذي عرض عرش سوريا على فيصل في ١٩٢٠، وعضوًا في «المؤتمر السوري الفلسطيني» المنعقد في جنيف في ١٩٢١، وعضوًا في اللجنة التنفيذية التي أنشأها هذا المؤتمر في القاهرة، والتي أيدت قضية الاستقلال السوري والفلسطيني، وبقيت على اتصال وثيق بزعماء البلاد، وأجرت أحيانًا مفاوضات مع السلطات الفرنسية. وقد حملته آراؤه القومية، في هذه المرحلة الجديدة، على معارضة الدول الأوروبية معارضة أشد. فهو قد كان دائمًا يرى في فرنسا نصيرًا للإرساليات المسيحية ومستعمرًا هدم مؤسسات شمالي أفريقيا الدينية ونظامها الاجتماعي. لكنه غدا الآن يرى في إنكلترا أيضًا عدوًا للإسلام. ذلك أنها أخذت على عاتقها، على حد قوله، تهديم دين الإسلام في الشرق بعد أن هدمت سلطانه الدنيوي (٩٥). وقد اعترف مرة لشكيب أرسلان بأنه، بالرغم من تحقير الأتراك للعرب، فإنه يفضل حكمهم على حكم الأوروبيين (٩٦). (مع أنه غير رأيه في هذا الصدد بعد سنوات قليلة استنكارًا لإلحاد الأتراك) (٩٧). ومما يشير إلى تحويل موقفه من الدول الأوروبية، مقال كتبه عن البولشفية عند نهاية الحرب (٩٨)، جاء فيه أن البولشفية ليست سوى اسم آخر للاشتراكية، وأن الاشتراكية تحرر العمال من الرأسماليين والحكومات الجائرة. فعلى المسلمين أن يتمنوا فوزها، لأنهم هم أيضًا عمال ويعانون الجور نفسه، ولأن في فوز الاشتراكية نهاية استعباد الشعوب. نعم، إن الشيوعية مخالفة للشريعة الإسلامية، لكن أعمال الحكومات الأوروبية مخالفة لها أيضًا. كانت هذه المقاومة المتزايدة التي أعلنها رشيد رضا في وجه الدول الأوروبية سببًا في خصومته للأسرة الهاشمية التي اعتبرها كارثة «نكداء» حلت بالإسلام في هذا العصر (٩٩). فالملك حسين وأبناؤه، باعتمادهم على إنكلترا، افسحوا مجال سيطرتها على البلدان العربية والإسلامية، لا بل على الديار المقدسة نفسها.

стр. 362

وقد خدعوا السوريين بوعود الاستقلال التام، بينما كانوا متفقين دومًا مع إنكلترا. وكانوا مستعدين، في الخفاء، لقبول الانتداب الفرنسي. كما أنهم خانوا عرب فلسطين، وتهجموا على حكام العرب إخوانهم. ثم إنهم أساؤوا حكم الحجاز، فتفشى فيه الفساد والوهن والطمع وعدم الاستناد إلى الشورى. وكانوا، ككل أشراف مكة تقريبًا، يجهلون شؤون الدين ويطمسون كل معرفة من شأنها أن تساعد على الإصلاح الروحي والدنيوي. ولم يكن حتى نسبهم نفسه شريفًا نصف ما عليه نسب إمام اليمن من الشرف. لهذه الأسباب جميعًا قاوم رضا مطالبة الحسين بالخلافة كما قاوم مطامحه الزمنية (١٠٠). لكنه لم يهضم الحسين حقه عندما كتب عنه بعد وفاته قائلًا: إن الملك العجوز كان عنيدًا وجاهلًا، لكنه كان ذكيًا، قوي الإرادة، نزيه النفس، محافظًا على الفرائض الدينية، أديب المجلس، حسن الحديث (١٠١). كان كرهه للهاشميين ولحكمهم في الحجاز ولسياستهم العربية العامة أحد العوامل التي حملته على تحبيذ استيلاء عبد العزيز بن سعود على الحجاز، فضلًا عن التجانس الإيجابي القائم بين تفكيره الديني وتفكير الوهابيين. لكنه لم يكن متصلبًا في آرائه السياسية. وكانت معتقداته السياسية، وبنوع خاص ما كان منها مختصًا بسوريا، أهم لديه من رأيه في هذا الزعيم السياسي أو ذاك. ففي أوائل الثلاثينيات، اشترك في المفاوضات الفرنسية العربية الرامية إلى توحيد العراق وسوريا تحت لواء فيصل، كخطوة أولى نحو الوحدة العربية. وقد أيد المشروع بالرغم من شكه في إمكانية تحقيقه، وبالرغم من ميله المعروف إلى ابن سعود. لكنه أصر على أن تعقد الدولة العربية، إذا ما ظهرت إلى الوجود، تحالفًا مع السعودية العربية، وأن تعترف بالوضع الراهن في الحجاز، بحيث لا تستخدم كقاعدة لاستيلاء الهاشميين مجددًا على المدن المقدسة (١٠٢). لقد تغيرت أفكار رشيد رضا السياسية كثيرًا في حياته، لكن هذا التغير لم يكن إلا في درجة تشديده على هذه أو تلك من المسائل. أما

стр. 363

هدفه الأخير فبقي واحدًا، وهو خير الإسلام كما كان يفهمه. فقد برر الموقف الذي وقفه من الثورة العربية بالقول إن مصلحة العرب السياسية هي بالذات مصلحة الأمة بمجموعها، إذ أن من شأن الدولة العربية المستقلة أن تحيي لغة الإسلام وشريعته. فلو لم تكن المصلحتان واحدة، لكان آثر واجباته الدينية على واجباته القومية، إذ أن الواجبات الدينية تتعلق بالسعادة في الدارين على السواء (١٠٣). وهكذا يتبين أنه كان للإسلام، في تفكيره، أولوية على العروبة. وهي أولوية تقضي، ضرورة، أن تكون شرائع الإسلام الخلقية ملزمة للدولة القومية. فالأمة ليست، في نظره، مطلقًا بحد ذاته، بل عليها أن تعمل وفقًا لشريعة مستمدة من شيء يتعدى مصلحتها الخاصة وعلى أساسه تحاكم. ظل لهذه الأفكار تأثيرها طالما بقي رشيد رضا على قيد الحياة. إذ كانت دعوته موجهة إلى أولئك الذين تربوا تربية إسلامية، أو ترعرعوا في عهد الإمبراطورية قبل ١٩٠٨، فاحتفظوا بفكرة الدولة الإسلامية التي يوحدها الخضوع المشترك للشريعة الإلهية. وكان شكيب أرسلان، أقرب معاونيه إليه، يشاطره هذه الأفكار وينشرها طيلة حياته السياسية التي كانت أكثر نشاطًا من حياته. فقد كان شكيب أرسلان نائبًا في البرلمان العثماني من ١٩١٣ حتى ١٩١٨، وكان يؤيد «تركيا الفتاة» في أثناء الحرب، كما رأينا سابقًا. ثم أقام، من ١٩١٨ حتى وفاته في ١٩٤٦، في سويسرا خصوصًا وفي بلدان غربية أخرى، يسمع جمعية الأمم صوت المطالب السورية، ويفاوض باسم سوريا أحيانًا فرنسا وغيرها من الدول الكبرى، ويصدر مجلة اسمها «الأمة العربية» كان لها بعض التأثير في ذلك الوقت. وكانت له صلات ودية ووثيقة مع حركات سياسية في شمالي أفريقيا، «كرابطة العلماء الجزائريين» و «نجمة شمالي أفريقيا» لمؤسسها مصلي حاج، و «الدستور» في تونس، والجماعات القومية الأولى في مراكش. كما كان بالواقع صلة

стр. 364

الوصل بين هذه الحركات، من جهة، وبين التيار الرئيسي للشعور القومي العربي في الشرق، من جهة أخرى. ظل القوميون يجلونه حتى وفاته، كرجل عقيدة سياسية وكأديب عربي كبير. إلا أن تأثيره ضعف في أعوامه الأخيرة. نعم، إن تأييده لألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية لم يولد الاستياء لدى العرب الذين كانوا قد فقدوا الأمل في التفاهم مع إنكلترا أو فرنسا، لكن دفاعه عن إيطاليا في الوقت الذي كانت تحاول فيه بناء إمبراطورية لها في أفريقيا أثار عليه الكثير من النقمة. هذا فضلًا عن أن عروبته كانت، في نظر الجيل الجديد، شبيهة برابطة الأفغاني الإسلامية. فلما عاد إلى سوريا في زيارة قصيرة بعد توقيع معاهدة ١٩٣٦، أثارت خطبه كثيرًا من الانتقاد لتشديدها على الطابع الإسلامي للقومية العربية بأسلوب لم يعد دارجًا إذ ذاك، بل بدا غير مناسب. أضف إلى ذلك أن جيلًا جديدًا أخذ يحل محله ومحل أقرانه، كناطقين حقيقيين باسم الحركة. لقد ترعرع هذا الجيل، قبل حرب ١٩١٤ بقليل، في الجو القومي العلماني المسيطر على سياسة «تركيا الفتاة» وعلى المعاهد العثمانية العليا. كما كان منهم من بلغوا نضجهم بعد الحرب في المدارس الرسمية للدول العربية الجديدة وفي جامعة بيروت الأميركية، أو في المعاهد العليا في إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة. وإذن، كان هنالك نوع جديد من القومية، أكثر تشعبًا وشمولًا من قومية الجيل السابق، آخذًا في النمو، في العشرينيات، لا بل في الثلاثينيات، من القرن العشرين، حتى لم تعد وسائل التنظيم والعمل القديمة ترضي القوميين الجدد، كالتحالفات الواهية والمتقلبة بين الزعماء المحليين، وكالمفاوضات الصبورة التي تتخللها التظاهرات العرضية أو المؤتمرات الكبيرة المنعقدة لإعادة تأكيد الأهداف. نعم، لقد كان النجاح نصيب بعض تلك الكتل، «كالكتلة الوطنية» في سوريا، بحيث توصلت في ١٩٣٦ إلى عقد

стр. 365

معاهدة الاستقلال التي لم تنفذ، غير أنه كان لهذه الكتل عيوبها في نظر الشباب. من ذلك أنها كانت في فحواها مخالفات واهية بين زعماء مستقلين انصرفوا، بالرغم من اهتمامهم المبدئي بالوحدة العربية، إلى القضايا المحلية. أضف إلى ذلك أن هدفهم لم يكن تحقيق الاستقلال التام، بل إحداث الضغط الكافي للتوصل إلى اتفاق مع الدول المسيطرة. وهم لم يقوموا بأي محاولة منظمة في سبيل التربية السياسية القومية، كما لم يكن لديهم فكرة واضحة عما يجب عمله بعد تحقيق الاستقلال. لكنه قام تدريجًا، إلى جانب هذه الكتل، أحزاب أخرى وجهت دعوتها، في الأخص، إلى أبناء الجيل اللاحق. كانت هذه الأحزاب ذات نظام إداري متدرج، وعضوية مشتركة بين جميع البلدان العربية، وعقيدة قومية وبرنامج للعمل. ففي العراق، نادى «حزب الأهالي»، المؤسس في ١٩٣١، بالديموقراطية البرلمانية، وبالحقوق الفردية، وبالإصلاح الاجتماعي الشامل، رافضًا نظرية حرب الطبقات ومشددًا على وحدة الأمة. وفي سوريا، دعا حزب «عصبة العمل القومي»، الذي باشر عمله في ١٩٣٥، إلى برنامج مماثل نوعًا ما، نص على الاستقلال الوطني والوحدة العربية، والعلمانية، والإصلاح الاجتماعي. وقد لعب أمثال هذين الحزبين، في الثلاثينيات، دورًا معينًا في حياة سوريا والعراق السياسية. لكنها لم تكن أكثر فعالية من الأحزاب التي رغبت في الحلول محلها. بيد أن أهميتها ترجع، في الأخص، إلى كونها حاولت أن تعبر عن عقيدة قومية أشد ترابطًا وأقل تساهلًا من عقيدة الجيل السابق: عقيدة أدى فيها هذا التشديد، الذي لاحظناه في تفكير رشيد رضا، إلى نتيجة لم يكن هو ليقبل بها. لقد انتقل مركز الثقل، في هذه العقيدة، من الإسلام كشريعة إلهية، إلى الإسلام كحضارة. أو، بتعبير آخر، لقد استعيض عن النظر إلى القومية العربية كخطوة لا بد منها لإحياء الإسلام، بالنظر إلى الإسلام كخالق للأمة العربية ومستودع لثقافتها أو موضوع عزتها المشتركة.

стр. 366

فعبد الرحمن البزاز، مثلًا، وهو أستاذ عراقي شاب، ينفي، في محاضرة له عن الإسلام والقومية العربية، أن يكون بينهما أي تناقض. ويقول إنه إذا ظهر أي تناقض، فإنما هو ناجم عن المفهوم الغربي للإسلام والقومية، وأن قبول العدد الكبير من العرب بهذا المفهوم لدليل على سيطرة الغرب الفكرية عليهم، بينما الواقع أن مضمون الإسلام هو مضمون القومية العربية بالذات، وأن هذا لا يصح إلا على العرب دون سواهم من الأمم الإسلامية الأخرى. كان من الممكن لرشيد رضا أن يوافق على هذا القول، لكن إلى هذا الحد فقط. وقد مررنا بتحليل مماثل في كتاباته. غير أن الفرق الجوهري بين الرجلين هو أن رشيد رضا لم يعرف الحضارة العربية إلا بمفاهيم الإسلام، بينما فعل البزاز نقيض ذلك. فالإسلام، في نظره، هو دين قومي. وهو، في حقيقته، الإسلام العربي الذي أفسدته الأمم الأخرى بخصائصها فيما بعد. وهذا الإسلام ليس إلا صورة مكبرة عما كان مطويًا من قبل في طبيعة العرب، وما مثله الخلقية العليا إلا مثل الخلقية العربية الطبيعية. وليس الشورى، وهي مثاله السياسي الأعلى، إلا ديمقراطية العرب الطبيعية ذاتها. ولم يكن انتشار الإسلام سوى الوسيلة التي بها قام العرب بمساهمتهم العظيمة في التاريخ. ويقول البزاز أيضًا أن اللغة العربية هي «روح الأمة العربية». فالناطقون بالضاد هم العرب. لكن، لما كانت الحضارة الإسلامية هي ذاتها مضمون اللغة العربية، فبإمكان الناطقين بالضاد أن يجعلوا من الحضارة الإسلامية ومن الماضي الإسلامي كله حضارتهم وماضيهم. أما العرب المسيحيون، فهم أيضًا جزء من الأمة العربية، وبوسعهم أن يعتزوا اعتزازًا حميمًا بما فعلت في التاريخ أسوة بالعرب المسلمين أنفسهم. إن هذا الاستنتاج، الكامن ضمنًا في تحذير البزاز من الاستئثار الإسلامي، قد استنتجه تصريحًا، ولأسباب واضحة، كاتبان مسيحيان من أبناء الجيل ذاته، تجلت فيهما بوضوح عملية تبني

стр. 367

المسيحيين للتراث الإسلامي العربي. فأحدهما، قسطنطين زريق، وهو مسيحي أرثوذكسي من دمشق، وأستاذ في جامعة بيروت الأميركية، ومؤرخ مرموق للقرون الوسطى، ومرجع لجيل كامل من القوميين، قد نشر في ١٩٣٩ كتابًا هو مجموعة من الأبحاث في «الوعي القومي»، انطلق فيها من تقدير وفهم جليين لوضع العرب الحالي. فهو يقول بأن مشكلتنا الأساسية اليوم هي أنه ليس لدينا عقيدة، ولا يمكننا، بدون عقيدة، أن نخضع رغباتنا وشهواتنا الفردية لمؤسسة قائمة على مبدأ. لذلك، فنحن لا نستطيع، كمجموع، العمل بنجاح. إن القومية هي العقيدة التي نفتقر إليها، إذ أنها تولد الشعور بالمسؤولية المشتركة والإرادة في خلق مجتمع والمحافظة عليه. لكن مجتمعنا العربي هو من نوع خاص. فهو يستمد وحيه ومبادئه من الدين، ديننا نحن، وهذا الدين لا يمكن أن يكون، بالنسبة إلى العرب، إلا الإسلام. قد يبدو مستغربًا صدور مثل هذا القول عن مسيحي، لكن غرابته تزول عندما يتابع زريق فيميز بين «الروح الدينية» و «العصبية الطائفية» (١٠٥). وهذا التمييز قائم على حقيقتين يسلم بهما زريق: الأولى أن جميع الأديان تنطوي على جوهر واحد للحقيقة هو في متناول جميع البشر، والثانية أن مبادئ الدين الخلقية هي المبادئ عينها التي لا بد منها لبناء مجتمع مستقر ومزدهر. نعم، إن «الرموز» التي تعبر بها هذه المبادئ عن نفسها تختلف بين دين وآخر، إلا أن لهذا الاختلاف أهمية حضارية لا فكرية. بهذا المعنى كانت العلاقة بين العرب والإسلام علاقة جوهرية. فمحمد هو منشئ الحضارة العربية، وموحد الشعب العربي، ورجل العقيدة الذي منه يستطيع هذا الشعب أن يستمد الإلهام. لكن ليس هناك ما يشير إلى أن على العرب أن يستمدوا منه أكثر من هذا، أو أن يسترشدوا بالشريعة الإسلامية أو بمؤسسات الخلافة. ومما لا شك فيه أن على العرب أن يكونوا شعبًا حديثًا، وعليهم، بالتالي، أن يقتبسوا المؤسسات التي يتميز بها الغرب.

стр. 368

وهناك عرض أكثر توسعًا وتفصيلا لهذه الفكرة ذاتها لدى ادمون رباط، وهو مسيحي كاثوليكي من حلب، لعب دورًا قياديًا في سياسة «الكتلة الوطنية»، وساعد في مفاوضات معاهدة ١٩٣٦. فكتابه «الوحدة السورية والمصير العربي» هو محاولة لتحديد طبيعة الأمة وحدودها. ففيه يعلن أن ليس هناك أمة سورية، بل أمة عربية (١٠٦). ثم يحدد الأمة العربية استنادًا إلى عوامل مختلفة هي، أولًا، وحدة العرق والأصل. فالأمة العربية قد تكونت، حتى خارج حدود شبه الجزيرة، بفضل موجات متتابعة من الهجرة؛ وثانيًا، وحدة اللغة التي هي «العامل القومي الأكمل» (١٠٧)؛ وثالثًا، الدين. وهو ينظر إلى وظيفة الدين السياسية نظرة الفلاسفة الوضعيين ذاتها. فالدين يلعب دورًا كبيرًا في المرحلة الأولى من حياة الأمم، والتضامن الديني هو الذي يمهد للتضامن القومي، ويعبد الطريق للشراكة السياسية، ويوحد بين أتباعه في وجه الفاتح الأجنبي. أما الدين الذي قام بهذا الدور في التاريخ العربي، فهو، ولا ريب، الإسلام، الذي هو دين ذو فحوى قومي (١٠٨). وهكذا فإن الأمة الإسلامية ليست سوى الأمة العربية في مرحلة تكوينها الأولى. أما حدود الأمة العربية فهي، في نظر رباط، ما كانت عليه في نظر الجيل السابق، أي البلدان الناطقة بالضاد في آسيا. وهي تشمل ثلاث وحدات جغرافية وبشرية: العراق، وشبه الجزيرة، ولا سيما سوريا بمعناها الأوسع. فسوريا هي وحدة، وإن لم تكن أمة قائمة بذاتها. ولبنان جزء منها، لكنه جزء متميز عنها إلى حد ما، إذ أنه عربي في شعوره كما هو في لغته. غير أن «مدنية عربية بطابع محلي» (١٠٩) أو شعور إقليمي قد نشأت فيه مع الزمن، على غرار ما نشأ في كل من الأقضية السورية الأخرى. وقد دام واستقر بفضل تراث قائم على الحرية الدينية والحكم الذاتي والسيطرة المسيحية والاتصال بالغرب. ولكي تتجسد القومية العربية يجب، أولًا، أن يكون هناك وحدة بين مختلف الأجزاء التي تجزأت إليها سوريا على يد

стр. 369

الدول المنتدبة (مع الاحتفاظ بوضع خاص للبنان ضمن هذه الوحدة)؛ وثانيًا، أن يتحد «الهلال الخصيب» ويكون فيه العراق «قطب الجاذبية الذي حوله تتبلور، لتنتظم وتفعل، آمال الوحدة العربية» (١١٠)؛ وأخيرًا يمكن لشبه الجزيرة أن تنضم إلى هذه الوحدة. لكن عليها، في الوقت الحاضر، أن تبقى منفصلة عنه، نظرًا للفرق بين تطورها الاجتماعي والسياسي وتطور بلدان الشمال الأكثر تقدمًا منها. أما مصر فهي، بالرغم من عناصر قرابتها العديدة، ذات شعور قومي خاص. وأما بلدان أفريقيا الشمالية الفرنسية، فلا تزال في عهد ما قبل القومية، إذ لم يحل التضامن الاجتماعي فيها بعد محل التضامن الديني، ولم تزل القوة الوحيدة فيها القادرة على تحريك الجماهير في الإسلام لا العروبة (١١١). لا بد لأبناء الأقلية الذين يتبنون قضية الأكثرية من أن يدفعوا ثمن هذا التبني. والثمن إنما هو نوع من التردد بين طرف وطرف معاكس، بين قبولهم التام بتلك الأمور التي تمنعهم من أن يكونوا هم أنفسهم مقبولين قبولًا تامًا، وبين تذكرهم لهذه الأمور. لقد ظل شيء من الالتباس عالقًا بنظرة العرب المسيحيين إلى الإسلام. وليس من قبيل العرض أن تأتي عقيدة القومية العربية الأشد وضوحًا ومنطقًا وتصلبًا على يد مسلم، لكنه مسلم يقف على هامش العملية التي كان يضعها وينظر إليها بذلك الوضوح المقلق الخاص بالإنسان الهامشي، نعني به ساطع الحصري. إنه من أصل سوري، وعلى صلة قربى بأسرة الأشراف في حلب، لكنه ربي في إسطنبول، فنشأ تركيًا أكثر منه عربيًا. تلقى في حداثته التربية المعهودة لدى جيل «تركيا الفتاة» تلك التي كانت تستند إلى أفكار الفلسفة الوضعية الفرنسية والقومية الأوروبية. وقد شغل مناصب رفيعة في وزارة التربية العثمانية، قبل أن يحمله انهيار الإمبراطورية، كما حمل الكثيرين سواه. إلى اختيار أحد جانبي ثقافته المنعقدة. فالتحق بالحكومة العربية بدمشق، وأصبح وزيرًا لفيصل في شؤون التربية الوطنية، ولعب دورًا مهمًا

стр. 370

في المفاوضات النهائية قبل الاحتلال الفرنسي لدمشق وزوال مملكة فيصل. وقد كتب كتابًا مهمًا عن ذكريات هذه الحقبة. ثم رافق فيصل بعد سقوطه إلى العراق، حيث اعتلى من جديد بعض المناصب في وزارة التربية، فكان له تأثير كبير في تكوين وعي عربي في العراق. وبعد إخفاق انقلاب رشيد علي، نفي من البلاد. وفيما كان في بيروت، ثم في الجامعة العربية في القاهرة، وضع سلسلة من الأبحاث دارت خصوصًا حول النظرية القومية والدفاع عن القومية العربية. هذه الأبحاث تمت بصلة وثيقة إلى أدب الأربعينيات والخمسينيات. ذلك أن حياته العملية النشيطة لم تترك له متسعًا من الوقت للتأليف المنظم. ولعل انتقاله من لغة إلى لغة قد أخر في تبلور أفكاره النهائي. إلا أن هذه الأفكار تنتمي جوهريًا إلى عهد سابق، ويمكن النظر إليها كالتعبير النهائي لتلك الفكرة القومية التي برزت خلال الأعوام اللاحقة لعام ١٩٠٨ والتي سيطرت على الحياة السياسية في سوريا والعراق حتى ١٩٤٥. نجد في كتاباته نظرية «نقية» للقومية، أدركت جميع افتراضاتها وقبلت بها وجابهت كل قضاياها- نظرية استمدها، خلافًا لسواه من الكتاب، لا من الفكر الإنكليزي والفرنسي فحسب، بل من جذورها في الفلسفة الألمانية أيضًا. لقد قرأ «فيخته» كما لم يفعل، حسب علمنا، أي قومي عربي آخر، فالمجتمعات السياسية تنشأ، في نظره، عن ثلاث عواطف: عاطفة القومية، وعاطفة القومية الإقليمية، وعاطفة الولاء للدولة. لكن أهمها الأولى، إذ هي التي لعبت، منذ بدء القرن التاسع عشر، دورًا فعالًا في خلق الوطنية وإنشاء الدول. فالوطن، بالنسبة إلى الإنسان الحديث، هو الأرض التي يعيش فيها أبناؤه. وحق الدولة في ولاء المواطن لها قائم على كونها تجسد إرادة الأمة (١١٣). وقد يكون موضوع العواطف الثلاث واحدًا: فقد يعيش جميع أبناء الأمة الواحدة في «الوطن» الواحد، ولا يقطن فيه سواهم، فيكون الوطن بكامله، لا أكثر ولا أقل،

стр. 371

أرض الدولة الواحدة. وفي هذه الحالة، يكون المجتمع مستقرًا سياسيًا، كما تكون الأفكار والمشاعر السياسية مستقرة أيضًا. فلا صراع ولا التباس ولا تساؤل ولا توزع في الولاء. أما عندما لا تتوافر ذلك، فيما تتعقد الأفكار السياسية وتلتبس على أهلها وينشأ عن ذلك انقسام في المعتقدات السياسية قد ينذر بالخطر (١١٤). في مثل هذه الحالات يصبح من الضروري توضيح المفهوم الحقيقي للقومية والدفاع عنه. وهذا هو الهدف الرئيسي، لا بل الأوحد، لكتابات الحصري. ما هي الأمة إذن؟ يخالف الحصري مخالفة تامة المفكرين الإنكليز والفرنسيين القائلين بأن الأمة هي أي جماعة تريد أن تكون أمة. فالأمة، عنده، شيء موجود بالفعل: فالإنسان يكون عربيًا أو غير عربي، شاء أم أبى. وهو ينتقد تحديد رينان الشهير للأمة القائل: «الأمة هي الاشتراك في الأمجاد في الماضي وإرادة واحدة في الحاضر وإتيان الأعمال العظام معًا والعزم على الإتيان بالمزيد منها» (١١٥). إذ أن الأمة تقوم على أساس موضوعي، وهذا الأساس هو، في نهاية الأمر وقبل كل شيء آخر، اللغة. والأمة العربية هي مجموع من كانت لغتهم الأصلية اللغة العربية، لا أكثر ولا أقل (١١٦). (قد يبدو غريبًا أن يتبني الحصري هذه النظرة، فيناقض بذلك اختباره الشخصي. فلغته الأصلية كانت اللغة التركية، وهو لم يصمم على التضلع من اللغة العربية إلا بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، إذ كان عليه أن يقرر أن يكون إما عربيًا، أو تركيًا. لا شك أن بإمكانه أن يرد على هذا بالقول إن ما جعله عربيًا لم يكن اختياره أن يكون عربيًا لا تركيًا، بل تصميمه، بعد أن قام بهذا الاختيار، على اقتباس اللغة العربية وجعلها اللغة الأولى لفكره ولحياته، وإن الحاجة إلى القيام بذلك لدليل على الأهمية البالغة للغة في حياة الأمة). ويلي اللغة في الأهمية التاريخ. فالتاريخ المشترك أمر مهم، لكنه ثانوي، إذ من شأنه أن يقوي الرابطة

стр. 372

القومية، لكنه لا يمكنه أن يخلقها، وهو لا يستطيع أن يقويها إلا إذا استخدم عمدًا في سبيل هذه الغاية. «فنحن لسنا سجناء ماضينا، إلا إذا أردنا ذلك. وعلى كل أمة أن تنسى جزءًا من تاريخها، ولا تتذكر منه إلا ما تجد فيه نفعًا لها» (١١٧). أما الدين، فالحصري لا ينكر تأثيره في المشاعر الإنسانية. فهو يساعد على خلق نوع من الوحدة في مشاعر الأفراد. لكن نوع هذا التأثير وكيفية ارتباطه بالوحدة القومية يختلفان من دين إلى دين. فالدين القومي لا يثير أي مشكلة قط، إذ لا شك في أنه يدعم الشعور القومي. لكن الأمر يتعقد عندما يكون الدين عالميًا، كالمسيحية والإسلام. فمن طبيعة هذا الدين أن يخلق مشاعر عالمية، لا بل مشاعر لا قومية. إلا أن هناك ما يحد من هذه النزعة. فالأديان لا تنتشر إلا بواسطة أداة التعبير القومي، أي اللغة؛ ولكل دين علاقة جوهرية مع لغة معينة، تنشأ عن التبشير به وعن كتبه وطقوسه المقدسة، ولا يمكنه أن ينتشر إلا بواسطة هذه اللغة، ولا ينتشر إلا إذا كان للأمة الناطقة بتلك اللغة مصلحة قومية في انتشاره. فيستخدم الشعور القومي الدين كوسيلة لتأكيد ذاته. وفي هذا يقول: «إن الدين إذا اتحد بلغة من اللغات قوى جذور تلك اللغة وحافظ على كيانها أكثر من جميع العوامل الاجتماعية الأخرى. ومما يلاحظ في سير الوقائع التاريخية أن الديانة، عندما تتفرع إلى مذاهب عديدة، قد تربط مقدرات بعض هذه المذاهب ببعض اللغات بوجه خاص. وتنتشر اللغة المذكورة مع انتشار المذهب الذي تبناها، وتتوسع سيطرة الأمة التي كانت الصاحبة الأصلية للغة المذكورة بفضل هذا الانتشار ... وعلى سبيل المثال، من المعلوم أن المذهب الأرثوذكسي قد اعتمد على النص اليوناني من الإنجيل، مما أدى إلى اصطباغ الكنيسة الأرثوذكسية بصبغة يونانية. وهذه الصبغة قويت بوجه خاص في بلاد البلقان، وصارت الكنيسة اليونانية تسيطر على الأمم المسيحية في مقدونيا وبلغاريا سيطرة معنوية شديدة من

стр. 373

الوجهة الدينية، على الرغم من أنها كانت هي بدورها تحت سيطرة الدولة العثمانية من الوجهة السياسية ... ولهذا السبب بدأت النهضة القومية البلغارية أولًا بالقيام ضد الكنيسة اليونانية، وضد رجالها اليونانيين ... وأوجدوا كنيسة قومية قائمة بنفسها ... إن البلغار وضعوا بذلك حدًا للخلافات التي كانت تظهر في بلادهم بين السياسة القومية وبين السياسة الدينية، وضمنوا استقلالهم القومي عن الكنيسة اليونانية، قبل أن يتموا استقلالهم السياسي عن الدولة العثمانية. إني أعتقد أن هذه الأمثلة كافية لإظهار قوة النزعات القومية تجاه الروابط الدينية وللبرهنة على أن الأديان العالمية نفسها لا تستطيع أن تقضي على النزعات القومية» (١١٨). تنعكس في هذا القول بشكل جلي نظرية ابن خلدون في العلاقة بين الدين والعصبية. فالدين لا يمكنه بحد ذاته أن ينشئ جماعة سياسية، بل بوسعه فقط أن يقوي الجماعة التي تكون قد نشأت عن تضامن طبيعي ناجم عن صلات طبيعية. ويستخرج الحصري، بشكل أوضح ومنطق أقوى مما فعله غيره من المفكرين، ما تنطوي عليه ضمنًا هذه النظرة. وهو أنه لما كان وجود الأمة يسبق منطقيًا وجود الجماعة الدينية، فليس من علاقة جوهرية بين الأمة وبين دين معين من الأديان. نعم، كان نشوء الأمة العربية، من الوجهة التاريخية، متصلًا اتصالًا وثيقًا بالإسلام؛ إلا أن العرب لا يشكلون جوهريًا أمة إسلامية. فهم يبقون عربًا حتى لو لم يبقوا مسلمين. وعلى هذا، فالمسيحيون الناطقون بالضاد عرب كالمسلمين وبالمعنى ذاته بالضبط، ويمكنهم أن يكونوا عربًا بدون أن يتخلوا عن أي شيء من تراثهم الديني أو أن يقتبسوا تراث الإسلام. والواقع أنهم لم يستيقظوا على قوميتهم العربية إلا عن طريق تراثهم الديني، إذ أن قوميتهم بدأت بنضال العرب الأرثوذكس للتخلص من السيطرة اليونانية في بطريركية أنطاكية، ونضال الكنائس الشرقية المتحدة مع روما لمقاومة اجتياح العادات والطقوس وأساليب التفكير

стр. 374

اللاتينية كنائسهم (١١٩). ولما كانت الأمة تحدد بلغتها، فهي لذلك تشمل جميع الناطقين بهذه اللغة. وحدود هذه، هي حدود تلك، لا أكثر ولا أقل. من هنا كانت معارضة الحصري للقوميين المسلمين الذين يدعون أن ولاء العرب السياسي هو للأمة الإسلامية جمعاء، أكانت لغتها العربية أم سواها. ومن هنا أيضًا كانت معارضته للإقليميين الذين يقولون بأمم متميزة داخل العالم الناطق بالضاد. لقد صرف كثيرًا من الوقت محاولًا إقناع المصريين بأنهم جزء من العالم العربي، فراح يكتب في هذا السبيل حتى منذ مطلع الثلاثينيات. وهذا جدير بالاعتبار، إذ أن التيار الرئيسي للقومية المصرية في ذلك الحين كان فرعونيًا أو متوسطيًا، لا عربيًا، ولأن القوميين العرب من أبناء جيله كانوا يميلون، كما رأينا سابقًا، إلى التطلع إلى بغداد لا إلى القاهرة، وإلى الاعتقاد أن الأمة العربية إنما تنتهي عند صحراء سيناء. مع أن الكثيرين من الجيل الأفتى كانوا يحلمون عاطفيًا بوحدة أوسع. فهو يقول، حتى في وقت باكر كعام ١٩٣٦: «لقد زودت الطبيعة مصر بكل الصفات والمزايا التي تحتم عليها أن تقوم بواجب الزعامة والقيادة في إنهاض القومية العربية. لأنها تقع في مركز البلاد العربية، بين القسمين الإفريقي والأسيوي منها، كما أنها تكون أكبر كتلة من الكتل التي انقسم إليها العالم العربي بحكم السياسة والظروف. وهذه الكتلة قد أخذت حظًا أوفر من الحضارة العالمية الحديثة، وقد أصبحت أهم مركز من مراكز الثقافة في البلاد العربية. وهي أغنى هذه البلاد بأجمعها. كما أنها أقدمها في تشكيلات الدولة العصرية وأقواها في الآداب وأرقاها في الفصاحة» (١٢٠). وقد دخل فيما بعد في مجادلات عديدة مع الكتاب المصريين الذين كانوا يدافعون في ذلك الحين عن قومية مصرية صرف، بمن فيهم لطفي السيد (١٢١)، وطه حسين (١٢٢)، مدعومًا بالاقتناع بأن التاريخ يؤيده. فهو يقول: «إنني لست متخوفًا أو متشائمًا من

стр. 375

شيوع وذيوع الآراء الانفصالية، لأني أعتقد أنها من نوع «غيوم اليأس» التي تستولي على النفوس عادة عندما تمنى بالإخفاق في تحقيق مشروع من المشاريع المحببة إليها، في مرحلة من مراحل العمل من أجلها، ولكنها لا تلبث أن تنقشع وتزول، عند التفكير في الأمور بشيء من الهدوء، وعند العودة إلى العمل مع شيء من الحزم والأمل» (١٢٣). وبدا أكيدًا، بعد تأسيس جامعة الدول العربية في ١٩٤٥ وتزعم مصر لها، أن التاريخ يبرر أمله. وقد رأس ساطع الحصري معهد جامعة الدول العربية للدراسات العربية معتبرًا هدف هذا المعهد التنشئة القومية الصحيحة. وليس من المستبعد أن تكون كتاباته قد ساهمت مع عوامل أخرى في تلوين القومية المصرية بلونها العربي. إن هذا التوسيع لمفهوم الأمة بحيث يشمل مصر (وشمالي أفريقيا أيضًا) كان نتيجة ضرورية لتحديد الأمة باللغة وحدها. وقد تبين أن القومية اللغوية أو الثقافية، إنما هي لدى العرب، مثلما هي تقريبًا في كل مكان من الشرق الأدنى، أقوى من القومية الإقليمية. ويمكن رد ذلك إلى أسباب عدة، منها الاقتداء بالقومية الألمانية والقومية الإيطالية، وتأثير الحركات القومية الأخرى في الإمبراطورية العثمانية، واستيلاء اللغة العربية على قلوب الذين يعتبرونها لغة الدين والقومية على السواء. ولعل مرد ذلك أيضًا إلى تجزئة سوريا الجغرافية بعد الحرب العالمية الأولى. فسوريا كانت دومًا مركز الشعور القومي العربي. غير أن جيل ما قبل ١٩١٤ كان قد أخذ يشعر بشعور وطني معين نحو سوريا كوحدة جغرافية وتاريخية. ولو قدر لسوريا أن تستقل كوحدة غير مجزأة، لتسنى للشعور القومي العربي أن ينصب على هذه الوحدة المعينة، ولقام شيء من التوازن بين الشعور العربي والشعور السوري، على غرار ما حدث في مصر وفي العراق. فتجزئة سوريا إلى دويلات لم يكن أي منها يشكل وحدة طبيعية سوى لبنان قد جعلت الشعور القومي في سوريا يتحول نحو

стр. 376

الخارج، إذ لم يجد في الدولة القائمة ما يستأثر به. ولا شك أن القوميين العرب، في الدول «السورية»، كانوا يستهدفون توحيد هذه الدول في سوريا كبرى، لكن هدفهم هذا أخذ يتسع تدريجًا عندما اتضح لهم أن الاتحاد مع بلدان عربية أخرى قد يكون أسهل من توحيد سوريا، لا بل قد يكون بالحقيقة الخطوة الأولى في هذا السبيل. فكانت النتيجة أن القومية السورية الصرف التي تعرفنا إليها قبل ١٩١٤ ضعفت بعد ١٩١٨. إلا أنه اعتراها بعض الانتعاش في الثلاثينيات، بفضل قيام حزب كانت القومية السورية من صلب مبادئه، نعني به «الحزب السوري القومي»، الذي أسسه أنطون سعادة في ١٩٣٢. كان أنطون سعادة مسيحيًا لبنانيًا، نشأ في البرازيل، وربما تشرب هناك ذلك النوع من الوطنية السورية الذي كان شائعًا بين الطبقة اللبنانية المثقفة في أواخر القرن التاسع عشر، والذي حافظت عليه الجاليات اللبنانية المتحجرة في المهجر، بينما كان آخذًا في الزوال في الوطن الأم. كان الحزب، على غرار الفاشستية الشائعة في أوروبا الثلاثينيات، منظمًا تنظيمًا صارمًا وذا تسلسل إداري دقيق يرأسه زعيم واحد مطلق الصلاحية عمليًا. وقد لعب هذا الحزب، بشكل متقطع، دورًا مهمًا في شؤون كل من لبنان وسوريا. وفي ١٩٤٩، التجأ زعيمه إلى سوريا، على أثر محاولته القيام بثورة في لبنان، فسلمه الدكتاتور السوري، حسني الزعيم، إلى الحكومة اللبنانية، فحاكمته محاكمة سريعة وأعدمته، لكن الحزب انتقم له، فاغتال أحد أعضائه رئيس الوزارة اللبنانية، رياض الصلح، المسؤول عن عملية الإعدام، كما أن الدكتاتور السوري الذي خلف حسني الزعيم مباشرة، وهو أديب الشيشكلي، كان هو نفسه من محبذي الحزب في الماضي. غير أن موجة الشعور العربي المؤيد لمصر، التي تفجرت في سوريا بعد سقوط الشيشكلي، لم تكن مؤاتيه للحزب. لكنه لعب دورًا مهمًا في الحرب الأهلية في لبنان عام ١٩٥٨ تأييدًا للرئيس شمعون وسياسته الغربية.

стр. 377

يعود ما كان لهذا الحزب من تأثير وما أصابه من نجاح إلى ما كان عليه من انسجام، ومن عقيدة قومية نظامية انغرست في نفوس أعضائه بفضل عمل تربوي سياسي. لقد بسط أنطون سعادة بنفسه هذه العقيدة في مؤلف عام لم يصدر منه إلا الجزء الأول. فقال بأن الأمة هي الوحدة الأساسية للتاريخ الإنساني، وبأنها تنشأ عن المصلحة والإرادة، لا عن اللغة أو الدين، وبأنها قائمة بذاتها، لا تخضع لأي سلطة إلا التي تنبثق عن ذاتها (١٢٤). ثم يحاول، بدراسة مفصلة للتاريخ، أن يثبت أن هناك، بهذا المعنى، أمة سورية لها وجدان اجتماعي مشترك نما خلال حقبة طويلة من التاريخ، وهي تشمل سكان سوريا الجغرافية بكاملها. وقد ظلت موجودة، كوحدة قائمة بذاتها، حتى عندما أدمجت في إمبراطوريات أوسع أو جزئت إلى دويلات أصغر. فوجدت قبل الإسلام بزمن طويل، لكنها بلغت ذروة عظمتها، بعد نشوء الإسلام، على عهد الخلافة الأموية التي إنما كانت دولة سورية تعمل وفقًا لمبادئ المدنية السورية (١٢٥). أما على الصعيد السياسي، فقد دعا سعادة إلى إعادة توحيد هذه الأمة وإلى استقلالها السياسي استقلالًا تامًا، كما دعا، على الصعيد الداخلي، إلى توحيد المجتمع توحيدًا حقيقيًا وعميقًا، وذلك بتحقيق أمرين: الأول، فصل الدين عن السياسة فصلًا تامًا، لئلا تبقى الانقسامات الداخلية مستمرة. إلا أنه رأى من الضروري، «لاعتبارات دينية سياسية»، أن يكون للبنان، موقتًا، كيان منفصل. أما الأمر الثاني، فهو إصلاح اجتماعي واقتصادي واسع النطاق. كان الحزب يميل إلى معارضة الفكرة القائلة بوحدة عربية شاملة. فهذه الفكرة كانت، في نظره، غير عملية، لا بل خطرة، من شأنها أن تصرف العقول والقوى عما كان ممكن التحقيق. لكنه، بعد ١٩٤٥، صاغ برنامجه صيغة أكثر عروبة، مبررًا الوحدة السورية على أنها خطوة أولى نحو تكتل عربي أوسع، تتزعمه سوريا بعد

стр. 378

توحيدها واستقلالها، وموسعًا مفهومه لسوريا بحيث شمل جميع البلدان التي كانت سريانية اللغة، أي سوريا الجغرافية والعراق أيضًا (١٢٦). يدل هذا، أكثر من أي شيء آخر، على صعوبة تكوين مفهوم إقليمي للوطنية في عصر وفي منطقة كانت فكرة القومية العنصرية تسودها. ومع مرور الزمن ونشوء جيل جديد قبل بالحدود المصطنعة على أنها طبيعية، فقدت فكرة سوريا الجغرافية قوتها. لكن العوامل التي أدت إلى إضعاف القومية «السورية» كانت هي نفسها التي قوت القومية «اللبنانية». فبعد الاحتلال الفرنسي، في ١٩١٨، أعيد للبنان حكمه الذاتي الذي كان الأتراك قد أزالوه في أثناء الحرب. وفي ١٩٢٠، أعلن لبنان مستقلًا بحدود موسعة. وفي ١٩٢٢، اعترف له ضمنًا، في صك الانتداب، بكيان منفصل. وفي ١٩٢٦، أصبح لبنان جمهورية دستورية برلمانية. وفي لبنان الجديد والأوسع هذا، لم يعد الموارنة هم الأكثرية، كما كانوا في الجبل المتمتع بالحكم الذاتي الذي حصل عليه في ١٩٦١، بل أصبحوا فقط أكبر طائفة بين طوائف عدة. لكنهم احتفظوا، بالرغم من ذلك، بسيطرتهم السياسية، أولًا بفضل دعم فرنسا لأولئك الذين كانوا حلفاءها طيلة ثلاثة قرون، ثم بفضل ثقافتهم العليا وتضامنهم الطائفي. لكنه كان هناك معارضة شديدة لسيطرتهم وللبنان الجديد بحد ذاته. فلم يعترف معظم القوميين في سوريا بكيان منفصل للبنان الموسع، كما لم يعترف بهذا الكيان أيضًا معظم المسلمين الذين ألحقوا به عند تعديل الحدود في ١٩٢٠ وبعض المسيحيين من غير الكاثوليك، وكان عددهم كبيرًا في ذلك الحين. لذلك ترتب على المؤمنين بالكيان اللبناني المستقل أن يبرروا إيمانهم هذا بصورة أجلى، وذلك بسلوك إحدى طريقين: إما التأكيد على أن لبنان، وإن كان عربيًا، فله، على حد تعبير ادمون رباط، «وجه محلي من المدنية العربية يجدر أن يحافظ عليه مؤقتًا على الأقل»، وإما تعريف لبنان بأنه ملجأ المسيحيين وسط محيط من الإسلام والقومية العربية التي لم

стр. 379

تكن إلا مظهرًا آخر من مظاهر الشعور الإسلامي، ثم تعريف الشعب اللبناني بأنه أمة قائمة بذاتها، مسيحية ومتوسطية، مرتبطة بدول أوروبا اللاتينية. وقد تزايدت الطريق الأولى أهمية في الأربعينيات، كما سنرى، وذلك بسبب الظروف الجديدة، بعد أن كانت الطريق الثانية هي السائدة خلال العشرين سنة الفاصلة بين الحربين، إذ سلكها فريق من الكتاب اللبنانيين ذوي التربية الأوروبية والتفكير الأوروبي وغالبًا اللغة الأوروبية، وفي مقدمتهم الشعراء شارل قرم وميشال شيحا وسعيد عقل. لقد قالوا بوجود أمة لبنانية قائمة بذاتها، برزت في التاريخ للمرة الأولى في عهد الفينيقيين، واتخذت تدريجًا شكلها الحالي. وقد قولبها، أكثر من أي شيء آخر، عاملان: الأول موقعها الجغرافي. فالجبل الذي هو قوامها كان ملجأ، والطرق الكبيرة التي تحف بجانبيه استرعت دومًا انتباه أسياد العالم، والثاني استمرار سكانها الذي لم ينقطع منذ أقدم الأزمان، وتضخمهم بالهجرات المتتابعة حتى يومنا هذا. (يشير شيحا في ١٩٤٢ إلى أن عشر سكان لبنان الحاليين قد دخلوا لبنان خلال العشرين سنة الماضية، بمن فيهم أفراد من أسرة السلاطين العثمانيين. ويضيف قائلًا: «لقد كان من الخليق بأسياد الشرق السابقين أن يجدوا ملجأهم الأخير على أرضنا» (١٢٧). وهكذا نشأ شعب وحيد من نوعه، لا يمكن وصفه بتعابير غير التعابير الخاصة به. وفي هذا يقول ميشال شيحا: «أيقال بعد هذا أن لبنان اليوم هو سامي؟ أم يقال إنه عربي؟ لكل رأيه. فالأب لامنس، الذي افترض أن له بعض الوزن، كان يشك بعروبة سوريا نفسها. فلسوريا، في نظره، طابع خاص: إنها سورية. ونحن نقول من جهتنا، وحججنا أدمغ، إن أهالي لبنان هم لبنانيون وحسب، وإنهم، مع التحفظ بشأن التجنسات الجديدة، ليسوا

стр. 380

فينيقيين أكثر مما هم مصريون أو إيجيون أو أشوريون أو ماديون أو يونانيون أو رومانيون أو بيزنطيون أو عرب ربطت بينهم روابط القربى العرقية أم لم تربط، أو أوروبيون بالتزاوج، أو أتراك مثلًا» (١٢٨). إن هذه الأمة، التي وجدت على مر العصور، كان لها، منذ أقدم الأزمان، «أشكال وراثية من الإحساس القومي خاصة بها (١٢٩). وقد أنشأت لها مجتمعًا ومدنية من نوع خاص، كانا صغيرين حقًا، إلا أنهما ليسا بدون أهمية بالنسبة إلى بقية العالم. فادعى أحد شعراء هذا الفريق، بحماس مألوف في الحركات القومية، لكنه حماس جردته من الخطر براءته، أن لبنان قد لعب دورًا فريدًا في إنشاء الحضارة العالمية: ففكرة النشاط الاقتصادي، والتفكير المجرد، والمحبة المسيحية، وتجسد الحقيقة في الكنيسة، وفن السياسة الذي بلغ كماله على يد الأمويين، كل ذلك قد وهبته للعالم مدن لبنان: صيدا والقدس وأنطاكية ودمشق، فانتقل منها إلى مصر واليونان وروما وأوروبا الحديثة، ثم عاد من أوروبا إلى لبنان عن طريق باريس، «عاصمة العالم الروحية ومستودع تراثه الفكري» (١٣٠). ليس لهذه اللغة الشعرية سوى علاقة غير مباشرة بالحقيقة. ولو تصدى لهذا الموضوع كتاب النثر لما صدر عن معظمهم مثل هذه الادعاءات الجارفة، بل لاكتفوا بالقول أن لبنان جزءًا لا يتجزأ من العالم المحيط بالبحر المتوسط، ذلك البحر المختار الذي جعلته العناية الإلهية ضروريًا لتقدم الخليقة، وإن سكان شواطئه يشعرون بأواصر القربي حيثما التقوا (١٣١)، وإن لبنان، حتى ضمن هذا العالم، فريد من نوعه: فهو يتاخم عالمًا آخر، عالم الصحراء العربية، هذا البحر الداخلي الذي يطبع بطابعه أيضًا الذين يعيشون حوله. وهكذا لم تكن مدنية لبنان، في نظر هؤلاء المفكرين، مدنية البلدان المحيطة به، متوسطية كانت أم عربية، بل مدنية خاصة

стр. 381

تحمل طابع المدنيتين معًا. فالقرون الثلاثة عشر الأخيرة يجب أن لا تنسينا القرون الأربعين التي سبقتها، لذلك يجب أن يكون للبنان لغتان على الأقل، وبالتالي ثقافتان، كما يجب، عن ضرورة أو عن مصلحة، أن يكون منفتحًا على الأفكار والبضائع الخارجية، وأن تكون التجارة الحرة والتنقل الحر أساسًا لحياته الاقتصادية ولأمنه السياسي أيضًا، على أن لا يفقده ذلك شخصيته وطبيعته. إن وحدته لعميقة، لكن في أساس هذه الوحدة تنوعًا لا يقل عمقًا. فهو، منذ الفتح الإسلامي، قد تجزأ إلى طوائف دينية، يشكل كل منها مجتمعًا مغلقًا يفرض على أبنائه واجب الولاء الأول له. وهكذا يمتد التنوع فيه، لا إلى الحقل الديني فحسب، بل إلى الحقلين الاجتماعي والفكري (١٣٢). من هذه الوقائع نشأت قضية لبنان الأساسية. فعليه، لكونه متناقضًا في ذاته ومزيجًا من عالمين، أن يحاول أن لا يتنكر لأي من جانبي طبيعته أو لأي من مصلحتيه، أي أن يكون هو ذاته، وأن يكون، بالوقت نفسه، جزءًا من شيء أوسع منه. وهذا يعني، على صعيد السياسة الداخلية، أن على الطوائف الدينية فيه أن تتعلم كيف تعيش معًا. ولهذا يجب أن لا تقوم فيه ثورات أو انتفاضات من شأنها أن توقظ الولاءات الطائفية وبالتالي الانقسامات الطائفية، وأن لا تسيطر فيه طائفة على أخرى. ويجب أن لا يصدر من القوانين في البلاد إلا ما يمكن تطبيقه على جميع أجزاء الأمة بالتساوي. ويجب، قبل كل شيء، أن يكون هناك مجلس نواب حر وسيد، تلتقي فيه الطوائف الدينية وتتحد، كي تفرض رقابة مشتركة على الحياة السياسية. ومن شأن هذا المجلس، كما قال ميشال شيحا، أن «يدعم» الرغبة في العيش المشترك لدى اللبنانيين، ويفسح المجال أمام الماروني والسني، والشيعي والدرزي، والأرثوذكسي والكاثوليكي، وغير هم كي يتناقشوا معًا في جو المصلحة العامة، وبعيدًا، لفترة، عن المصلحة الطائفية (١٣٣). إن الحرية السياسية،

стр. 382

التي هي، بالنسبة إلى الدول الأخرى، شرط من شروط الحياة الصالحة، إنما هي، بالنسبة إلى لبنان، شرط ضروري من شروط الحياة نفسها. أما على الصعيد الخارجي، فعلى لبنان أن يسعى للمحافظة على كيانه. إن مأساته ناشئة لا عن أن وجوده فقط، بل تركيب كيانه أيضًا، متوقفان على قوى خارجة عن نطاق إرادته، وأن جميع المشاكل، في دولة صغيرة، إنما تتصل بالسياسة الخارجية. لذلك توجب على لبنان أن يكون على علاقات ودية مع جميع ذوي السيطرة والنفوذ في العالم، بما فيه الشرق الأدنى، أي جميع من هم بحاجة إلى استخدام طرقاته لجيوشهم أو لتجارتهم. لكن هذا لا يعني أنه لا يجوز له أن يفضل دولة على دولة. فهو، بأعمق معنى، يحتاج إلى الغرب الذي هو الدوحة الكبرى لثقافته. وهو لا يمكنه أن يطمئن داخليًا وخارجيًا إلا إذا كان الغرب قويًا، وكانت سلطته في شرقي البحر المتوسط نافذة. وفي هذا يقول ميشال شيحا: «نحن هنا في لبنان أصدقاء سادة العالم، وذلك عن مبدأ وعن ضرورة. لكننا، في سبيل مصلحة هذا الشرق الذي ننتمي إليه، لسنا مستعدين أن نرضى بتدهور أوروبا» (١٣٤). تنطوي هذه التصريحات، ضمنًا، على المشكلة الجوهرية للقومية اللبنانية. لقد حرص ميشال شيحا على تحديد لبنان على أساس لا طائفي كبلد يخص المسلمين والمسيحيين على السواء، وعلى تحديد العرب تحديدًا يشمل الإسلام كما يشمل المسيحية. لكن رؤياه للبنان ولأوروبا استهوت بطبيعتها المسيحيين اللبنانيين أكثر بكثير مما استهوت المسلمين. فهؤلاء قد يقبلون بكيان لبنان لأسباب سياسية، لكن لا يمكن لمشاعرهم أن تهتز بعمق اهتزاز مواطنيهم المسيحيين عند سماع أصوات أجراس الكنائس، أو عند التفكير بأثينا وروما وباريس. فلبنان، عندهم، ليس شيئًا فريدًا أو قائمًا بذاته. إنه، في أقصى ما يمكن أن يكونه، جزء مستقل من العالم العربي. وإذا فرض عليهم الاختيار بين العالم العربي والغرب، فلا مجال عندهم

стр. 383

للتردد. فما هو السبيل، إذن، لجعل النصف المسلم من سكان لبنان يقبل بتلك الرؤيا والسياسة اللتين لم تستهويا سوى نصفه المسيحي؟ كيف يمكن إنشاء دولة متعددة الطوائف وقائمة على أساس المساواة، مع احتفاظ المسيحيين بالسلطة العليا على السياسة فيها؟ وكيف يمكن تجنب ضرورة الاختيار بين العرب والغرب؟ هذه هي المآزق التي يجد القومي المسيحي اللبناني نفسه فيها.

стр. 384

الفصل الثاني عشر طه حسين اتجه القوميون في مصر وسوريا وغيرهما من بلدان آسيا، خلال السنوات الفاصلة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، اتجاهين: فقد توخوا، من جهة، خلع السيطرة السياسية الأوروبية عن بلادهم، مع استمرار رقابة إنكلترا أو فرنسا على السياسة الخارجية واحتفاظهما بقواعد عسكرية؛ لكنهم أقروا، من جهة أخرى، عن طيب خاطر إجمالًا، بتفوق المدنية الأوروبية. فقد كان من النادر، في تلك الحقبة، سماع صوت كصوت غاندي، كما أنه لم يصغ إليه كثيرًا خارج الهند. بل كانوا يعترفون، بوجه عام، بالرغم من بريق الرومانسية القومية المتخلفة لديهم وشعورهم بالإباء دفاعًا عن النفس، أن الحضارة الأوروبية هي أرقى حضارات العالم. وكانوا، في دفاعهم عن قضية الاستقلال، يعتمدون المفاهيم الأوروبية. فيقولون بأن مصر لا تستطيع أن تصبح أمة «غربية» بكل معنى الكلمة، فتنشئ لها نظامًا سياسيًا ديمقراطيًا ليبراليًا، وتتبنى عن طيب خاطر قيم الحضارة الغربية، إلا إذا كانت مستقلة. وكانوا يعتبرون معونة أوروبا ضرورية لتحقيق الاستقلال ولاستخدامه استخدامًا صحيحًا. فكان مصطفى كامل يأمل أن تقتنع فرنسا بأن من مصلحتها الحد من تفاقم النفوذ البريطاني، كما كان زغلول يناشد وجدان إنكلترا الليبرالي. وكانوا يقبلون أيضًا بحكم أوروبا الخلقي، معتقدين أن على الدول الجديدة أن تبرهن عن جدارتها، فتثبت لأوروبا أنها قادرة على حكم ذاتها بذاتها.

стр. 385

كذلك كان مقبولًا، بوجه عام، تعريف معين للمدنية الأوروبية: فقيمة أوروبا إنما هي القيمة التي تدعيها لنفسها، أو بتعبير أدق، القيمة التي كان ينسبها إليها مفكرو القرن التاسع عشر الليبراليون. وكانت العوامل المعتبرة أسسًا للمدنية الأوروبية و «سر» قوتها وازدهارها العوامل الآتية: المجتمع القومي؛ وحكم الأمة لنفسها على ضوء مصلحتها الخاصة؛ وفصل الدين عن السياسية؛ والنظام الديمقراطي في الحكم، أي سيادة الإرادة العامة المتمثلة في مجالس وطنية منتخبة بحرية ووزارات مسؤولة أمام هذه المجالس؛ واحترام الحقوق الفردية، وبنوع خاص، الحق في حرية القول والنشر؛ ومتانة الفضائل السياسية، كالولاء للمجتمع والاستعداد للتضحية في سبيله؛ وما هو أهم من كل ذلك، تنظيم الصناعة الحديثة، و «الروح العلمية» الكامنة وراءها. لقد وافق «الوفد» في مصر، رسميًا، على هذه المبادئ. فكان هدفه الأول، الذي فيه كان اتحاده ومنه زخمه، التوصل إلى اتفاق معقول مع بريطانيا، يحقق لمصر استقلالها الداخلي، ويكرس وضعها الدولي، مع المحافظة على المصالح البريطانية المشروعة. وكانت فكرته عن مصر المستقلة قائمة على مفاهيم الفكر الليبرالي. فهي دولة يجب أن توحد بين المسلمين والأقباط فيها رابطة الولاء القومي المقدسة، وأن تكون حكومتها دستورية، والحقوق الفردية فيها محترمة، والمرأة حرة، والتربية الوطنية شاملة، والصناعة الوطنية دعامة لمستوى من العيش رفيع. لكن الوفد، كغيره من الأحزاب التي جابهتها الحاجة إلى اتخاذ قرارات، لم يحترم دومًا هذه المبادئ، خلال فترة حكمه القصيرة. ثم إن النزاعات المتعاقبة، التي فككت وحدته تدريجًا، أفقدته شيئًا من هيبة الناطق بلسان الأمة. غير أنه بقي، طيلة تلك السنوات العشرين، أقوى حزب في مصر. كما ظل تجسيدًا، وإن مشوبًا ببعض الشوائب، لمجموعة من الأفكار دان بها معظم المثقفين.

стр. 386

بسط هذه الأفكار، خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن الحالي، عدد من الكتاب الموهوبين الذين، وإن لم ينتموا جميعًا إلى الوفد، كانوا مجمعين على اتخاذ موقف عام من السياسة والمجتمع، أمثال أحمد أمين، وعباس محمود العقاد، وتوفيق الحكيم، وعبد القادر المازني، وطه حسين. كان هؤلاء الأئمة في الإنشاء العربي، والمتربون تربية أوروبية (إنكليزية أو فرنسية)، والمتضلعون في الثقافة التقليدية، رجال أدب قبل كل شيء. فقد عبروا عن أفكارهم، غالب الأحيان، على صفحات المجلات أو بكتابة القصص والروايات. وكانوا، مع غيرهم من أبناء جيلهم، طليعة كتاب القصة في اللغة العربية الحديثة. وكان بعضهم، على الأقل، يهتم بإمكان خلق المسرح العربي. (لم يعرف الأدب العربي القديم أيًا من هذين النوعين الأدبيين. وقد أخر اقتباسهما عن الغرب صعوبتان: صعوبة استعمال الحوار في لغة تختلف فيها كثيرًا الصيغة الكتابية عن الصيغة المحكية؛ وصعوبة التعبير عن توتر المشاعر الشخصية في وصف مجتمع تعيش فيه المرأة وراء الحجاب). وكان طه حسين أشد هؤلاء التزامًا للأدب، وقد يكون أعظمهم فنًا. وهو جدير بالدراسة، أولًا لشخصه، وثانيًا لإمكان اعتباره آخر ممثل كبير لنهج معين في التفكير، والكاتب الذي وضع الصيغة النهائية لطائفة من الأفكار قام عليها الفكر الاجتماعي والعمل السياسي في البلدان العربية طيلة ثلاثة أجيال. ولد طه حسين في قرية من قرى مصر العليا في ١٨٨٩ من عائلة فقيرة، ولكنها لم تكن معدمة. وقد فقد بصره في سن باكر، مما قد يفسر، في آن واحد، نوعية خياله وبعض الخصائص في إنشائه الأدبي، التي منها بوادر نشوء الأسلوب القصصي والجدلي، والتكرار اللفظي اللامتناهي، والجمل الطويلة المؤلفة من عبارات لا يربط بينها سوى أداة العطف. وقد وصف لنا، في مجلدين عن سيرة حياته، يقظة الإحساس والعقل لدى صبي فاقد البصر،

стр. 387

تربى، بادئ الأمر، في «كتاب» إسلامي، ثم أم الأزهر في سنة الثالثة عشرة. فلم يعجبه الأزهر كثيرًا، لكنه لعب دورًا جوهريًا في تنشئته. ففيه تعرف إلى أفكار محمد عبده، إذا استمع إلى محاضرة أو اثنتين من محاضراته، كما اكتسب كل ما كان لا يزال في الوسع اكتسابه في الأزهر: معرفة واسعة للغة العربية وآدابها الكلاسيكية التي كان يتقن تدريسها أستاذ أبعد نظرًا من معظم زملائه. ومع أنه مكث في الأزهر عشر سنين، فإن فكره اتجه اتجاهًا آخر قبل أن يغادره نهائيًا. كان قد قرأ المؤلفين المصريين العصريين والصحفيين اللبنانيين، وألتحق بحلقة لطفي السيد و «الجريدة»، ودرس اللغة الفرنسية، واستمع إلى محاضرات في الجامعة المصرية الجديدة كان يلقيها كبار مستشرقي أوروبا وأميركا، أمثال ليتمان، ونالينو، وسنتيانا، ففتحت لثقافته الموروثة آفاقًا جديدة. ثم ذهب إلى فرنسا في ١٩١٥، حيث مكث أربع سنوات كانت له، كما كانت للطهطاوي، عاملًا حاسمًا في توجيه تفكيره. فهناك طالع مؤلفات أناتول فرانس، واستمع إلى دروس دوركهايم، ووضع رسالة عن ابن خلدون، وتزوج بالمرأة التي كانت له بمثابة عينيه. وبعد عودته في ١٩١٩، تسنى له أن يتوسط، طيلة ثلاثين عامًا أو ما يقاربها، الحياة الأدبية والتدريسية في مصر، كأستاذ وعميد في جامعتي القاهرة والإسكندرية أولًا، ثم كموظف في وزارة التربية، وأخيرًا، من ١٩٥٠ إلى ١٩٥٢، كوزير للتربية في حكومة الوفد الأخيرة. وقد مر، خلال هذه المرحلة النشيطة من حياته، في أزمتين حادتين، وقعت الأولى في ١٩٢٦، عندما أحدث كتابه «في الشعر الجاهلي» ضجة حملته على تعديله. ففي هذا الكتاب الذي طبق فيه أساليب النقد العلمي الحديث على شعر شبه الجزيرة العربية القديم، بين الأسباب التي تحمل على الشك في أن يكون هذا الشعر قد نظم فعلًا قبل الإسلام. وقد أثار ذلك معارضة

стр. 388

شديدة، لأن إتباع مثل هذا المنهج النقدي بصدد النصوص الدينية قد يلقي الشك على أصالتها. أضف إلى ذلك أنه قد يدك أسس جهاز العلوم العربية التقليدي الذي نهض عليها الإيمان. أما الأزمة الثانية، فقد وقعت في ١٩٣٢، عندما أقالته حكومة صدقي باشا من منصبه كعميد لكلية الآداب في القاهرة لميوله الوفدية. إلا أن هذا التدبير أكسبه كثيرًا من التأييد، فأعادته الحكومة الوفدية اللاحقة، في ١٩٣٦، إلى منصبه هذا. طرق طه حسين عددًا من الفنون الكتابية، كالقصة، والرواية، والنقد الأدبي، والدراسة التاريخية الإسلامية، والسيرة الذاتية، والمقالة الاجتماعية والسياسية. وكان أفضل إنتاجه ما صدر خلال العشرين سنة الواقعة بين ١٩١٩ و ١٩٣٩، مع أنه كتب الكثير فيما بعد، وغدا عميدًا للأدب المصري. وقد منح عددًا من شهادات الدكتوراه الشرفية، ودعي للاشتراك في حلقات دراسية دولية عديدة. إن أهم مؤلف له في التفكير الاجتماعي، وكدنا نقول مؤلفه الأوحد في التفكير النظامي، إنما هو كتابه عن «مستقبل الثقافة في مصر»، الصادر في ١٩٣٨. إن صدور هذا الكتاب في هذا التاريخ يلقي ضوءًا على مضمونه. ففي ١٩٣٦، وقعت المعاهدة الإنكليزية المصرية التي أنهت رسميًا الاحتلال. وفي ١٩٣٧ وقعت اتفاقية مونترو التي ألغت «الامتيازات». فنشأ من جراء ذلك شعور عام بحلول عهد جديد من الحياة الوطنية. لقد استقلت مصر، لكن ما معنى هذا الأمر بالحقيقة؟ وماذا يجب على مصر أن تفعل بهذا الاستقلال؟ لقد تحقق الهدف الذي نشدته الحياة العامة طيلة جيل بكامله، فما هو الهدف الحديد المطل على الأفق؟ وفي هذا يقول طه حسين: «وقد شعرت، كما شعر غيري من المصريين، بأن مصر تبدأ عهدًا جديدًا من حياتها أن كسبت فيه بعض الحقوق، فإن عليها

стр. 389

أن تنهض فيه بواجبات خطيرة وتبعات ثقال ... فنحن نعيش في عصر من أخص ما يوصف به أن الحرية والاستقلال فيه ليسا غاية تقصد إليها الشعوب وتسعى إليها الأمم، وإنما هما وسيلة إلى أغراض أرقى منهما وأبقى وأشمل فائدة وأعم نفعًا» (١). على مصر، إذن، من الآن فصاعدًا، أن تهتم بنوعية حياتها الوطنية. ويقوم طه حسين هذه النوعية على ضوء مبادئ يمكن دعوتها «فلسفة المجتمع والتاريخ»، استمدها، إلى حد ما، من ابن خلدون. إلا أنه استمد أسسها من مفكرين فرنسيين، أخصهم كونت، ورينان، ودوركهايم، وأناتول فرانس. وهي أن الحضارة هي غاية الحياة البشرية، وأنها تعني سيطرة العقل على الطبيعة والحياة؛ وأنها تتحقق بتطور تدريجي على مراحل عدة. ففي البدء يسيطر الدين والإيمان الأعمى على حياة الإنسان برمتها؛ ثم يستقل العقل عن الدين، وينشأ صراع بينهما لردح من الزمن؛ وأخيرًا، يقوم التوازن بينهما، فيحكم كل منهما في نطاق دائرته حكم السيد المطاع. فمهمة العقل توجيه أفعال الإنسان؛ ومهمة الدين إملاء فراغ قلبه، وإرضاء عواطفه، وإلهامه إلى الأعمال النبيلة، وتعزيته في مصائبه (٢). ويرى طه حسين فحوى أوروبا الحديثة في أنها سجلت لنفسها أعلى مرحلة بلغها هذا التطور، مرحلة تحقيق التوازن المثالي، الذي يترك للعقل حريته في حكم العالم الاجتماعي، وإخضاع الطبيعة بتطبيق العلم، وسن الشرائع التي تستهدف السعادة البشرية، وإقامة حكومات تحترم القانون وتوفق بين المصالح. لقد طغت على خياله، طيلة سنواته الخلاقة، صورة أوروبا التي استشفها للمرة الأولى من خلال ما كتبه عنها الصحفيون اللبنانيون، وما خبره هو بنفسه مدة أربع سنوات من حياته. وقد عنت أوروبا له ثلاثة أشياء: الحضارة الإنسانية، والفضائل المدنية، والديمقراطية. كان طه حسين أديبًا أكثر منه مفكرًا، يتحسس الجمال تحسسًا شحذه كفاف

стр. 390

بصره، وإن كان قد حده منه. فهو لم ينظر إلى أوروبا نظرته إلى مستودع للأفكار الصحيحة فحسب، بل رأى فيها خالقة الصور الجميلة، وعلى الأخص، الصور الشعرية. فهو عندما يكتب عن الشعر الإغريقي أو الدراما الإغريقية، لا يترك لنا مجالًا للشك في إخلاص إحساسه الشخصي بالعالم الكلاسيكي، حتى لو كان يراه بعيون عابدي الجمال من الفرنسيين العلمانيين المتلهفين إلى استخراج دروس لا مسيحية منه، كأناتول فرانس، مثاله الأعلى، أو أندره جيد الذي تعرف إليه شخصيًا وترجم إلى العربية كتابية «تيزة» و «أوديب». وهو لا يقل إخلاصًا في تمجيد فضائل المدنية الأوروبية التي هي أساس المجتمع الخلقي. فالأوروبيون، عنده، يضحون بكل شيء في سبيل معتقداتهم. وليس صحيحًا أن الغرب مادي، كما يظن الشرقيون. فانتصارات الغرب المادية إنما هي نتاج عقله وروحه. والملحدون أنفسهم يموتون في سبيل معتقداتهم (٣). والأوروبي يعتبر الأمة القطب السياسي الأول لولائه ولتضحيته، لذلك يرى طه حسين أن الإنسان لا يكون عصريًا ومتمدنًا كاملًا ما لم ينتم إلى أمة مستقلة (إذا بدا هذا القول اليوم بديهيًا بمعنى ما، وخاطئًا بمعنى آخر، فلا ننس كم كان قليلًا عدد الدول المستقلة في آسيا وأفريقيا في زمن الإمبراطوريات العظمى ذاك). لكنه كي يكون أوروبيا، يجب أن ينتمي إلى أمة ديمقراطية. ولا تكون الأمة ديمقراطية إلا إذا كان لها حكومةً مسؤولة أمام مجلس نيابي منتخب انتخابًا عامًا. قلنا إن الكتاب صدر في ١٩٣٨. لكنه لا يحتوي إطلاقًا أي إشارة إلى الأفكار السياسية المخالفة التي كانت ألمانيا وإيطاليا تبشران بها في ذلك الحين. وهذا لا يميز تفكير طه حسين وحده، بل يميز أيضًا عقيدة الوفد القومية. فقد كان الوفد مرتبطًا، من الناحية الثقافية، ارتباطًا عميقًا بفرنسا. كما أن النشوة التي أحدثتها معاهدة ١٩٣٦ لم يتخللها أي شعور معاد لإنكلترا. إنما كان هناك خوف من مطامع إيطاليا في غربي مصر وجنوبها.
следующие страницы →