Полный текст (470 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
بسط هذه الأفكار، خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن الحالي، عدد من الكتاب الموهوبين الذين، وإن لم ينتموا جميعًا إلى الوفد، كانوا مجمعين على اتخاذ موقف عام من السياسة والمجتمع، أمثال أحمد أمين، وعباس محمود العقاد، وتوفيق الحكيم، وعبد القادر المازني، وطه حسين. كان هؤلاء الأئمة في الإنشاء العربي، والمتربون تربية أوروبية (إنكليزية أو فرنسية)، والمتضلعون في الثقافة التقليدية، رجال أدب قبل كل شيء. فقد عبروا عن أفكارهم، غالب الأحيان، على صفحات المجلات أو بكتابة القصص والروايات. وكانوا، مع غيرهم من أبناء جيلهم، طليعة كتاب القصة في اللغة العربية الحديثة. وكان بعضهم، على الأقل، يهتم بإمكان خلق المسرح العربي. (لم يعرف الأدب العربي القديم أيًا من هذين النوعين الأدبيين. وقد أخر اقتباسهما عن الغرب صعوبتان: صعوبة استعمال الحوار في لغة تختلف فيها كثيرًا الصيغة الكتابية عن الصيغة المحكية؛ وصعوبة التعبير عن توتر المشاعر الشخصية في وصف مجتمع تعيش فيه المرأة وراء الحجاب). وكان طه حسين أشد هؤلاء التزامًا للأدب، وقد يكون أعظمهم فنًا. وهو جدير بالدراسة، أولًا لشخصه، وثانيًا لإمكان اعتباره آخر ممثل كبير لنهج معين في التفكير، والكاتب الذي وضع الصيغة النهائية لطائفة من الأفكار قام عليها الفكر الاجتماعي والعمل السياسي في البلدان العربية طيلة ثلاثة أجيال.
ولد طه حسين في قرية من قرى مصر العليا في ١٨٨٩ من عائلة فقيرة، ولكنها لم تكن معدمة. وقد فقد بصره في سن باكر، مما قد يفسر، في آن واحد، نوعية خياله وبعض الخصائص في إنشائه الأدبي، التي منها بوادر نشوء الأسلوب القصصي والجدلي، والتكرار اللفظي اللامتناهي، والجمل الطويلة المؤلفة من عبارات لا يربط بينها سوى أداة العطف. وقد وصف لنا، في مجلدين عن سيرة حياته، يقظة الإحساس والعقل لدى صبي فاقد البصر،
стр. 387
تربى، بادئ الأمر، في «كتاب» إسلامي، ثم أم الأزهر في سنة الثالثة عشرة. فلم يعجبه الأزهر كثيرًا، لكنه لعب دورًا جوهريًا في تنشئته. ففيه تعرف إلى أفكار محمد عبده، إذا استمع إلى محاضرة أو اثنتين من محاضراته، كما اكتسب كل ما كان لا يزال في الوسع اكتسابه في الأزهر: معرفة واسعة للغة العربية وآدابها الكلاسيكية التي كان يتقن تدريسها أستاذ أبعد نظرًا من معظم زملائه. ومع أنه مكث في الأزهر عشر سنين، فإن فكره اتجه اتجاهًا آخر قبل أن يغادره نهائيًا. كان قد قرأ المؤلفين المصريين العصريين والصحفيين اللبنانيين، وألتحق بحلقة لطفي السيد و «الجريدة»، ودرس اللغة الفرنسية، واستمع إلى محاضرات في الجامعة المصرية الجديدة كان يلقيها كبار مستشرقي أوروبا وأميركا، أمثال ليتمان، ونالينو، وسنتيانا، ففتحت لثقافته الموروثة آفاقًا جديدة. ثم ذهب إلى فرنسا في ١٩١٥، حيث مكث أربع سنوات كانت له، كما كانت للطهطاوي، عاملًا حاسمًا في توجيه تفكيره. فهناك طالع مؤلفات أناتول فرانس، واستمع إلى دروس دوركهايم، ووضع رسالة عن ابن خلدون، وتزوج بالمرأة التي كانت له بمثابة عينيه.
وبعد عودته في ١٩١٩، تسنى له أن يتوسط، طيلة ثلاثين عامًا أو ما يقاربها، الحياة الأدبية والتدريسية في مصر، كأستاذ وعميد في جامعتي القاهرة والإسكندرية أولًا، ثم كموظف في وزارة التربية، وأخيرًا، من ١٩٥٠ إلى ١٩٥٢، كوزير للتربية في حكومة الوفد الأخيرة. وقد مر، خلال هذه المرحلة النشيطة من حياته، في أزمتين حادتين، وقعت الأولى في ١٩٢٦، عندما أحدث كتابه «في الشعر الجاهلي» ضجة حملته على تعديله. ففي هذا الكتاب الذي طبق فيه أساليب النقد العلمي الحديث على شعر شبه الجزيرة العربية القديم، بين الأسباب التي تحمل على الشك في أن يكون هذا الشعر قد نظم فعلًا قبل الإسلام. وقد أثار ذلك معارضة
стр. 388
شديدة، لأن إتباع مثل هذا المنهج النقدي بصدد النصوص الدينية قد يلقي الشك على أصالتها. أضف إلى ذلك أنه قد يدك أسس جهاز العلوم العربية التقليدي الذي نهض عليها الإيمان. أما الأزمة الثانية، فقد وقعت في ١٩٣٢، عندما أقالته حكومة صدقي باشا من منصبه كعميد لكلية الآداب في القاهرة لميوله الوفدية. إلا أن هذا التدبير أكسبه كثيرًا من التأييد، فأعادته الحكومة الوفدية اللاحقة، في ١٩٣٦، إلى منصبه هذا.
طرق طه حسين عددًا من الفنون الكتابية، كالقصة، والرواية، والنقد الأدبي، والدراسة التاريخية الإسلامية، والسيرة الذاتية، والمقالة الاجتماعية والسياسية. وكان أفضل إنتاجه ما صدر خلال العشرين سنة الواقعة بين ١٩١٩ و ١٩٣٩، مع أنه كتب الكثير فيما بعد، وغدا عميدًا للأدب المصري. وقد منح عددًا من شهادات الدكتوراه الشرفية، ودعي للاشتراك في حلقات دراسية دولية عديدة.
إن أهم مؤلف له في التفكير الاجتماعي، وكدنا نقول مؤلفه الأوحد في التفكير النظامي، إنما هو كتابه عن «مستقبل الثقافة في مصر»، الصادر في ١٩٣٨. إن صدور هذا الكتاب في هذا التاريخ يلقي ضوءًا على مضمونه. ففي ١٩٣٦، وقعت المعاهدة الإنكليزية المصرية التي أنهت رسميًا الاحتلال. وفي ١٩٣٧ وقعت اتفاقية مونترو التي ألغت «الامتيازات». فنشأ من جراء ذلك شعور عام بحلول عهد جديد من الحياة الوطنية. لقد استقلت مصر، لكن ما معنى هذا الأمر بالحقيقة؟ وماذا يجب على مصر أن تفعل بهذا الاستقلال؟ لقد تحقق الهدف الذي نشدته الحياة العامة طيلة جيل بكامله، فما هو الهدف الحديد المطل على الأفق؟ وفي هذا يقول طه حسين:
«وقد شعرت، كما شعر غيري من المصريين، بأن مصر تبدأ عهدًا جديدًا من حياتها أن كسبت فيه بعض الحقوق، فإن عليها
стр. 389
أن تنهض فيه بواجبات خطيرة وتبعات ثقال ... فنحن نعيش في عصر من أخص ما يوصف به أن الحرية والاستقلال فيه ليسا غاية تقصد إليها الشعوب وتسعى إليها الأمم، وإنما هما وسيلة إلى أغراض أرقى منهما وأبقى وأشمل فائدة وأعم نفعًا» (١).
على مصر، إذن، من الآن فصاعدًا، أن تهتم بنوعية حياتها الوطنية. ويقوم طه حسين هذه النوعية على ضوء مبادئ يمكن دعوتها «فلسفة المجتمع والتاريخ»، استمدها، إلى حد ما، من ابن خلدون. إلا أنه استمد أسسها من مفكرين فرنسيين، أخصهم كونت، ورينان، ودوركهايم، وأناتول فرانس. وهي أن الحضارة هي غاية الحياة البشرية، وأنها تعني سيطرة العقل على الطبيعة والحياة؛ وأنها تتحقق بتطور تدريجي على مراحل عدة. ففي البدء يسيطر الدين والإيمان الأعمى على حياة الإنسان برمتها؛ ثم يستقل العقل عن الدين، وينشأ صراع بينهما لردح من الزمن؛ وأخيرًا، يقوم التوازن بينهما، فيحكم كل منهما في نطاق دائرته حكم السيد المطاع. فمهمة العقل توجيه أفعال الإنسان؛ ومهمة الدين إملاء فراغ قلبه، وإرضاء عواطفه، وإلهامه إلى الأعمال النبيلة، وتعزيته في مصائبه (٢).
ويرى طه حسين فحوى أوروبا الحديثة في أنها سجلت لنفسها أعلى مرحلة بلغها هذا التطور، مرحلة تحقيق التوازن المثالي، الذي يترك للعقل حريته في حكم العالم الاجتماعي، وإخضاع الطبيعة بتطبيق العلم، وسن الشرائع التي تستهدف السعادة البشرية، وإقامة حكومات تحترم القانون وتوفق بين المصالح. لقد طغت على خياله، طيلة سنواته الخلاقة، صورة أوروبا التي استشفها للمرة الأولى من خلال ما كتبه عنها الصحفيون اللبنانيون، وما خبره هو بنفسه مدة أربع سنوات من حياته. وقد عنت أوروبا له ثلاثة أشياء: الحضارة الإنسانية، والفضائل المدنية، والديمقراطية. كان طه حسين أديبًا أكثر منه مفكرًا، يتحسس الجمال تحسسًا شحذه كفاف
стр. 390
بصره، وإن كان قد حده منه. فهو لم ينظر إلى أوروبا نظرته إلى مستودع للأفكار الصحيحة فحسب، بل رأى فيها خالقة الصور الجميلة، وعلى الأخص، الصور الشعرية. فهو عندما يكتب عن الشعر الإغريقي أو الدراما الإغريقية، لا يترك لنا مجالًا للشك في إخلاص إحساسه الشخصي بالعالم الكلاسيكي، حتى لو كان يراه بعيون عابدي الجمال من الفرنسيين العلمانيين المتلهفين إلى استخراج دروس لا مسيحية منه، كأناتول فرانس، مثاله الأعلى، أو أندره جيد الذي تعرف إليه شخصيًا وترجم إلى العربية كتابية «تيزة» و «أوديب». وهو لا يقل إخلاصًا في تمجيد فضائل المدنية الأوروبية التي هي أساس المجتمع الخلقي. فالأوروبيون، عنده، يضحون بكل شيء في سبيل معتقداتهم. وليس صحيحًا أن الغرب مادي، كما يظن الشرقيون. فانتصارات الغرب المادية إنما هي نتاج عقله وروحه. والملحدون أنفسهم يموتون في سبيل معتقداتهم (٣). والأوروبي يعتبر الأمة القطب السياسي الأول لولائه ولتضحيته، لذلك يرى طه حسين أن الإنسان لا يكون عصريًا ومتمدنًا كاملًا ما لم ينتم إلى أمة مستقلة (إذا بدا هذا القول اليوم بديهيًا بمعنى ما، وخاطئًا بمعنى آخر، فلا ننس كم كان قليلًا عدد الدول المستقلة في آسيا وأفريقيا في زمن الإمبراطوريات العظمى ذاك). لكنه كي يكون أوروبيا، يجب أن ينتمي إلى أمة ديمقراطية. ولا تكون الأمة ديمقراطية إلا إذا كان لها حكومةً مسؤولة أمام مجلس نيابي منتخب انتخابًا عامًا.
قلنا إن الكتاب صدر في ١٩٣٨. لكنه لا يحتوي إطلاقًا أي إشارة إلى الأفكار السياسية المخالفة التي كانت ألمانيا وإيطاليا تبشران بها في ذلك الحين. وهذا لا يميز تفكير طه حسين وحده، بل يميز أيضًا عقيدة الوفد القومية. فقد كان الوفد مرتبطًا، من الناحية الثقافية، ارتباطًا عميقًا بفرنسا. كما أن النشوة التي أحدثتها معاهدة ١٩٣٦ لم يتخللها أي شعور معاد لإنكلترا. إنما كان هناك خوف من مطامع إيطاليا في غربي مصر وجنوبها.
стр. 391
بهذا المعنى كانت تمثل أوروبا العالم الحديث. وكان طه حسين يعتقد أن مصر المستقلة يجب أن تصبح جزءًا من أوروبا، إذ بذلك فقط تصبح جزءًا من العالم الحديث. وهذا هو، في نظره، المعنى الحقيقي للمعاهدة الإنكليزية المصرية ولاتفاقية مونترو. فهاتان الوثيقتان هما بمثابة اتفاقية بين مصر وأوروبا، بها تؤكد أوروبا إيمانها بالمدنية المصرية، وبها تلتزم مصر التزامًا صحيحًا وقاطعًا، أمام العالم المتحضر، «بأننا سنسير سيرة الأوروبيين في الحكم والإدارة والتشريع» (٤).
لذلك أصبح على عاتق مصر أيضًا أن تثبت أنها أهل لهذه الثقة، وأن بإمكانها تنفيذ هذا الالتزام. ويخاطب طه حسين مواطنيه قائلًا إن على المصريين أن يرفعوا من شأن مصر بحيث يكف الأوروبيون عن اعتبارهم أدنى منهم شأنًا ويكف المصريون عن اعتبار أنفسهم أدنى منهم قدرًا. ومن ميزات الزمن الذي ألف فيه كتابه أن الطريقة عنده لبلوغ ذلك لم تكن بإنشاء مدنية مصرية تضاهي مدنية أوروبا، بل باستيعاب مدنية أوروبا ذاتها، وباقتناع المصريين بأن لا فرق بينهم وبين الأوروبيين. وفي ذلك يقول:
«صدقي يا سيدي القارئ أن الواجب الوطني الصحيح، بعد أن حققنا الاستقلال وأقررنا الديمقراطية في مصر، إنما هو أن نبذل ما نملك وما لا نملك من القوة والجهد ومن الوقت والمال لنشعر المصريين، أفرادًا وجماعات، أن الله قد خلقهم للعزة لا للذلة، وللقوة لا للضعف، وللسيادة لا للاستكانة، وللنباهة لا للخمول، وأن نمحو من قلوب المصريين، أفرادًا وجماعات، هذا الوهم الآثم الشنيع الذي يصور لهم أنهم خلقوا من طينة غير طينة الأوروبي وفطروا على أمزجة غير الأمزجة الأوروبية ومنحوا عقولًا غير العقول الأوروبية ... علينا أن نصبح أوروبيين في كل شيء، قابلين ما في ذلك من حسنات وسيئات .... علينا أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا ولنكون لهم
стр. 392
شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد فيها وما يعاب» (٥).
وكيف يتم ذلك؟ يعتقد طه حسين أن أول خطوة في هذا السبيل هي أن يدرس المصريون تاريخهم، ويفهموا أن مصر كانت دومًا جزءًا من أوروبا. كان طه حسين يكتب في زمن كان فيه التمييز بين «الشرق» و «الغرب» مألوفًا لدى الكتاب الشرقيين والغربيين على السواء. وكانت مصر تعتبر على العموم من الشرق. وقد مثل هذا التفكير على أكمله كتاب بعنوان «الشرق والغرب» وضعه معاصر لطه حسين، هو أحمد أمين. فهذا الكتاب الذي صدر بعد كتاب طه حسين بعشر سنوات يعكس الأفكار الشائعة في ذلك العهد، وهي أن الغرب يأخذ بالسببية، ولا يعني إلا بخيرات هذا العالم، وأن روحه علمية، وتفكيره في الشؤون الاقتصادية تفكير عقلي؛ في حين أن الشرق لا يفتقر إلا إلى اقتباس روح الغرب العلمية ونظمه الإنتاجية كي ينتعش من جديد ويعطي العالم ما عنده من «روحانيات وأديان وتأملات» (٦). لكن طه حسين، على قبوله بتقسيم العالم إلى شرق وغرب، يعتقد جازمًا أن مصر تنتمي إلى الغرب لا إلى الشرق. فالتمييز الجوهري، في نظره، ينجم عن جغرافية الروح لا عن جغرافيا الطبيعة، إذ أن في العالم مدنيتين تختلف الواحدة منهما عن الأخرى اختلافًا جوهريًا: الأولى متحدرة من فلسفة الإغريق وفنهم، وشرائع روما وتنظيمها السياسي، وقيم المسيحية الخلقية، والثانية متحدرة من الهند. أما مصر فهي من الأولى لا من الثانية.
لكن لماذا تعتبر مصر عادة بلادًا شرقية؟ يذهب طه حسين إلى أن الفكرة الخاطئة القائلة بانتماء مصر إلى العالم الشرقي تعود إلى واحد من سببين: الأول هو وجود مصلحة مشتركة ما، سياسية أو اقتصادية، كمصلحة البلدان الأسيوية والإفريقية في التحرر من السيطرة الأوروبية. لكنه يرى أن هذه المصلحة سطحية وعابرة ولا تخلق الرابطة الدائمة الضرورية لمدنية مشتركة. والثاني هو الوحدة الدينية التي هي
стр. 393
أيضًا لا تستطيع أن تكون أساسًا لأسرة اجتماعية سياسية. ويعتقد طه حسين أن الرجوع إلى تاريخ مصر يكفي للتأكد من أن «الوحدة» التي تشترك فيها مصر، على هذا المستوى، إنما هي «الغرب». فهي لم تكن ذات صلة مستمرة مع بلدان الشرق بمعناه الدقيق، بينما كان لها مثل هذه الصلة بالبلدان التي نشأت فيها المدنية الأوروبية، أي بلدان الشرق الأدنى والبحر الإيجي والبحر المتوسط. وهي لم تلعب، في ذلك دور المتأثر فحسب، بل شاركت في خلق مدنية البحر المتوسط. وكان تيار التأثير، طيلة العصور القديمة، يسير بينها وبين اليونان في كلا الاتجاهين. وكان تاريخ مصر، داخل العالم الغربي، متصلًا. فكانت مصر، حتى ضمن الإمبراطورية الإسلامية، من أولى المناطق التي «استعادت شخصيتها القديمة» في عهد ابن طولون وبعده. وهذه الشخصية لا تزال اليوم قائمة على أساس ثابت من الجغرافيا والدين واللغة والتاريخ العريق (٧).
لماذا إذن ظهرت الفوارق الحاضرة؟ ولماذا تخلفت مصر وسائر بلدان شرقي البحر المتوسط عن بلدان أوروبا في المدنية؟ كان جواب طه حسين على هذا السؤال الجواب الشائع آنذاك، وهو أن السيطرة العثمانية هي التي أنزلت الخراب بالمدنية. لكنه يوضح أن المرحلة الحالية ما هي إلا مرحلة عابرة. فأوروبا كان لها أيضًا عصورها المظلمة، وعصر الإسلام المظلم إنما هو أقل ظلامًا في مصر منه في غيرها من البلدان. وللأزهر، بالرغم من كل ما يقال فيه، فضله في حماية المدنية من الأتراك. إن عصر الانحطاط يسرع نحو نهايته في مصر أكثر من البلدان الأخرى. فهي قد «تأوربت» من جديد، خلال المئة عام الفائتة، في جميع نواحي حياتها المادية والمعنوية. وهي، حتى في حياتها السياسية، إنما تعاني قضية أوروبية صرف هي قضية الديمقراطية والأوتوقراطية. فالذين حكموها استبداديًا (وهو يشير هنا إلى إسماعيل)، كانوا أقرب شبهًا بلويس الرابع عشر منهم بعبد الحميد (٨). بل إن مؤسسات مصر
стр. 394
الإسلامية قد «تأوربت» أيضًا. فالمحاكم الشرعية فيها، مثلًا، أقرب إلى المحاكم الأوروبية منها إلى المحاكم الإسلامية التقليدية. نعم، لا تزال هناك فروق بين مصر وأوروبا. لكن هذه الفروق ناجمة جميعًا عن عامل واحد، هو أن نهضة أوروبا قد تمت في القرن الخامس عشر، بينما نهضة مصر لم تبدأ إلا في القرن التاسع عشر. غير أن مصر آخذة الآن في الاستعاضة بسرعة عما فاتها. وهذا تطور لا يعكس. فحتى الذين يلقبون أنفسهم بالمحافظين لا يريدون، بالحقيقة، العودة إلى الماضي.
يمكن، ولا شك، الاعتراض على نظرية طه حسين هذه بالقول إن الغرب، بالمفهوم العادي، مسيحي، بينما مصر إسلامية. ولعل طه حسين تحاشى، في هذا الكتاب، التطرق إلى مسألة الفارق الديني. فالعاصفة التي أثارها كتابه في الشعر الجاهلي ربما هزت أعماقه بحيث أنه أخذ، منذ ذلك الحين، يتحاشى أي نقاش حول الإسلام من شأنه إثارة عاصفة أخرى. غير أن اللجوء إلى مثل هذا الافتراض الذي ينتقص من قدر طه حسين ليس ضروريًا. فعدم إعارته الفارق الديني أي أهمية ينسجم هنا تمامًا مع تفكيره العام. إذ أنه رأى أن للعالم الحديث ميزة خاصة في فصله عمليًا بين الدين والمدنية جاعلًا لكل منهما دائرة خاصة به. لذلك أصبح بالمستطاع اقتباس «أسس» المدنية الأوروبية بدون اقتباس دينها (٩). غير أن هذا يفترض توفر شرط واحد، هو أن يقبل المصريون على إجراء فصل مماثل بين الدين والمدنية. وهم قادرون على ذلك، لا بل إن ذلك أسهل على المسلمين منه على المسيحيين، ما دام لا كهنوت في الإسلام، ولم تنشأ فيه طبقة ذات منفعة معينة في سيطرة الدين على المجتمع. لقد اقتبس الإسلام المدنيتين الإغريقية والفارسية بسهولة، وبإمكانه أن يفعل ذلك إزاء مدنية أوروبا الحديثة. وفي وسع الإسلام، في المجتمع الحديث، حيث تتعلق مهمة الدين الحقيقية بالعواطف لا بالعقل، أن يقوم بهذه المهمة على خير وجه
стр. 395
كالمسيحية. فالمذهبان واحد في الجوهر: فالإسلام لم يأت ليحل محل التعاليم المسيحية، بل ليكملها (١٠).
الأمة، في العالم الحديث، هي قطب الولاء ووحدة المجتمع. وأمة طه حسين هي مصر. فالأرض الواحدة، في نظره، كما كانت في نظر بعض من سبقه من المفكرين، هي المحور الرئيسي للشعور الاجتماعي. أما شعوره الوطني فهو، كشعور أقرانه وشعور لطفي السيد من الجيل السابق، رومانسي حار، ينصب على الوطن ذاته، لا على القاطنين فيه، وتغذيه صور نابضة من حياة الريف المصري بأفراحها وأتراحها، وذلك بخلاف ما عرفه الفكر المصري السابق أو الفكر المعاصر في البلدان العربية الأخرى، ربما باستثناء لبنان. ويمكن اعتباره إسهامًا خاصًا أداه هؤلاء إلى الوعي العربي الحديث. وهم، حين كتبوا أفضل قصصهم عن حياة الريف، إنما فعلوا ذلك بتواضع وقليل من التبجح.
أما الأمة المصرية فلا تزال، عند طه حسين، تلك التي تشتمل مبدئيًا على جميع من يقطنون أرض مصر ويعتبرونها وطنًا لهم. لكنها أضيق مما كانت عليه في ذهن الطهطاوي. فهو يميز، كسعد زغلول، بعض التمييز بين المصريين الأصيلين وبين الجاليات الأوروبية والمشرقية المسيطرة على حياة مصر الاقتصادية. لكنه لا يفرق قط بين المصري المسلم والمصري المسيحي. فالشعور الوطني، في نظره، أهم من أي شيء آخر. ثم إن الفرد وحقوقه فوق الأمة، لكن الأمة فوق كل الجماعات التي تتألف منها. أما الدين، فإنما يكتسب قيمته الاجتماعية مما يقدمه للفكرة الوطنية من محتوى ولوحدة الأمة من قوة: فالإسلام عنصر من عناصر الوطنية المصرية (١١). وعلى المدارس أن تلقن الدين الوطني كما تلقن التاريخ الوطني. وهذا أيضًا مما ينسجم مع معتقداته العامة. فمهمة الدين أن يشبع عواطفنا، لا أن يوجهنا في المجتمع الحديث أو يزودنا بالمبادئ التي بموجبها نحاسب على أفعالنا. وبما أن الإسلام هو دين المسلمين
стр. 396
التقليدي الذي يرضي قلوبهم، فمن الواجب أن يتعلموه. لكن أديانًا أخرى قد تصلح أيضًا لأمم أخرى. وعلى هذا، فالمسيحية القبطية التي ترضي قلوب المصريين الأقباط يجب أن تدرس على ما ينبغي، وذلك حفاظًا على عافية الأمة الروحية.
قد يتبادر إلى الذهن أن نظرة طه حسين إلى الصلة بين الدين والأمة قد تغيرت خلال العشرين سنة الأخيرة. فغالبًا ما قيل إن أهمية العنصر الديني قد تزايدت في ما كتبه في الثلاثينيات والأربعينيات عن النبي، وقادة الإسلام الأولين، وعهود الإسلام البطولية، أسوة بمعاصريه كالعقاد وهيكل. لكننا إذا تحرينا الطريقة التي بها يعالج طه حسين الدين في هذه الكتب، ككتاب «على هامش السيرة» (١٩٣٧ - ١٩٤٣)، وكتاب «الوعد الحق» (١٩٥٠)، لتبين لنا بوضوح أنها لا تدل على تغير في نظرته إلى الإسلام. فالدين إنما وجد لبعث الطمأنينة في النفوس، بما يكشفه من حقائق عن الكون، مغلفة برموز ذات قوة وتأثير. هذه الرموز يجب تقييمها حسب نتائجها، أي بمقدار ما تزيد في قوة الفرد أو الأمة. على أن عقول الناس تتغير من زمن إلى زمن، لذلك توجب التعبير عن هذه الرموز تعبيرًا جديدًا. من هنا يجب أن نرى في مؤلفات طه حسين الدينية محاولة لسرد قصة الإسلام سردًا جديدًا، بطريقة تستهوي الوجدان المصري الحديث. فهو يصور لنا النبي بطلًا بالمعنى الحديث، وعثمان رمزًا للضعف البشري، وعلى نموذجًا للحاكم المسلم المنصف. كما يصف لنا تاريخ الأمة في عهدها الأول كصراع الحقيقة والفضيلة ضد العالم، وكمسعى إلى إقامة حكم العدل في الأرض. وهو، في جميع هذه الحالات، لا يكتفي بعرض الرمز عرضًا جديدًا، بل يرسمه لنا بلباقة رسمًا من شأنه أن يستهوي عقول المثقفين ثقافة غربية. ففي كتابه «الوعد الحق» يلح على ما قاساه المسلمون الأولون من آلام، وذلك بأسلوب يؤثر في أولئك الذين يعيشون، عن رضى أو غير رضى، في العالم الروحي الذي أقامته المسيحية.
стр. 397
وفي «الفتنة الكبرى»، يصف الخلفاء الراشدين كثوار باكرين يبتغون حكمًا قائمًا على العدل الاجتماعي، هو بمثابة «طريق وسط» بين الاشتراكية والرأسمالية، أو نظام للضمان الاجتماعي شبيه بـ «مشروع بيفريدج» - حكمًا فريدًا من نوعه يضم جميع حسنات سواه، حكمًا يشكل تجربة جريئة أطلقتها روح المغامرة، لكنها قد أخفقت لأنها جاءت سابقة لأوانها (١٢).
ويرى طه حسين أن الدين، مهما بلغت أهميته العاطفية، لا يستطيع أن يوجه الحياة السياسية. ففكرة الأمة يجب أن تقوم على مفاهيم غير المفاهيم الدينية، بخلاف ما زعمه الطهطاوي ولطفي السيد إلى حد ما. وقد بقيت المرحلة العربية من التاريخ المصري محور اهتمامه، بالرغم من إشادته الشكلية بماضي مصر الفرعوني. فاللغة العربية هي، عنده، خير المصريين المشترك. وهو خير ورثوه عن الماضي ووهبهم ما لديهم من فرص وطاقات. إلا أن طه حسين، بخلاف المصلحين المسلمين، لا يشدد على أهمية اللغة العربية كوسيلة للبعث الديني، بل كأساس للحياة الوطنية السليمة، مستنتجًا من ذلك أن أهميتها بالنسبة إلى الأقباط لا تقل عن أهميتها بالنسبة إلى المسلمين: فهي، على حد قوله، ليست لغة المسلمين فحسب، إنما هي لغة جميع الناطقين بها على اختلاف أديانهم (١٣). على أنه شكا من ركاكة اللغة العربية في الكنائس الشرقية، فتبرع، كما قيل، بالإسهام في وضع صيغة جديدة لها، تتيح للمسيحيين العرب عبادة الله بلغة عربية صحيحة.
وفي رأي طه حسين أن مصر هي التي حفظت اللغة العربية وثقافتها في أيام الأتراك المظلمة، وهي التي تعمل اليوم على تجديدها وتعزيزها، لذلك أصبحت هي مركز الثقافة العربية الحديثة، وغدت رسالتها في البلدان العربية السعي إلى نشر العلوم الحديثة فيها، بتوزيع الكتب والمجلات، وإعارة الأساتذة، واستقبال الطلاب العرب استقبالًا حسنًا في مصر، وتوحيد برامج التعليم، وإنشاء
стр. 398
مدارس ابتدائية وثانوية مصرية (معاهد التعاون الثقافي) في البلدان العربية الأخرى (١٤).
وهكذا كان كتاب «الوعد الحق» تعبيرًا أخيرًا عن نوع معين من الوطنية المصرية الخالصة، يعكس الحقبة التي وضع فيها، ويعتبر الخطوة الأولى نحو الانصهار في بوتقة القومية العربية. فقد أتاحت المعاهدة الإنكليزية المصرية لمصر، للمرة الأولى منذ جيلين، فرصة انتهاج سياسة خارجية مستقلة، نسبيًا على الأقل، في شؤون الشرق الأوسط. فغدت الحكومات المصرية، أيًا كانت، ترى في البلدان العربية المجاورة المجال الطبيعي لاهتمامها، كما كانت الحال دومًا منذ قديم الزمن. لكن طه حسين، وهو الوفي لسلسلة التفكير التي كان هو آخر حلقة فيها، لم يدع أن اللغة العربية وثقافتها التقليدية تتفوق على اللغات الأخرى وثقافاتها، إنما كان غرضه من إنعاش اللغة العربية تمكين الإنسان العربي الحديث المثقف من أن يعيش بلغته، مما يقتضي أن تستوعب اللغة العربية التفكير الأوروبي بأسره. وقد خصص جزءًا كبيرًا من حياته لتحقيق هذا الغرض. فشجع، مثلًا، على ترجمة الأدب الإغريقي القديم، لا بل قام هو بنفسه ببعض هذه الترجمات، وحاول تجربة تدريس اليونانية واللاتينية في الجامعات، وأقنع الحكومة، في السنوات اللاحقة، أن تعد العدة لترجمة آثار شكسبير بكاملها.
إن الأمم التي أنجزت وحدتها واستقلالها وحققت استقرارًا ثقافيًا واجتماعيًا عميقًا قبل قيام الاستقلال الشعبي، والتي فيها تكون الفضائل التي بها تحيا المجتمعات سائدة في المنزل، وعبر الماضي، وفي الحياة العامة المزدهرة، قد تجد من الصعب أن تقدر ما كان وما يزال للمدرسة الحديثة من أهمية عظمى في بلد كمصر. إن اقتناع طه حسين بهذه الأهمية، فضلًا عن تنشئته الخاصة، هو ما يشرح الاهتمام الذي أعاره لإصلاح النظام
стр. 399
المدرسي. نعم، إنه يعتبر غاية التربية الأولى تلقين الثقافة والعلم، لكنه يرى أيضًا أنها تلعب دورًا حيويًا في تلقين الفضائل المدنية وخلق الظروف التي يمكن فيها لحكم ديمقراطي أن يعيش.
لذلك عني القسم الأكبر من كتابه بنقد التربية المصرية ووضع برنامج إصلاحي لها. فالتربية الابتدائية، وهي أساس الحياة الديمقراطية، يجب أن تكون عامة وإجبارية، لكن التربية الثانوية تواجه مشاكل أصعب، لأنها حاليًا في مصر على أنواع كثيرة، دينية، وأجنبية، وحكومية، تسبب باختلافها بلبلة ثقافية. فمن الضروري، وإن كان لا بأس من التنوع بحد ذاته (١٥)، أن يكون هناك حد أدنى من الانسجام فيما بينها، وهذا ما لا يمكن تحقيقه إلا بتدخل الدولة. إن المدارس الأجنبية هي أفضل المدارس في البلاد، وهي تكون بذلك شكلًا من أشكال الثروة الثقافية؛ فلا يجوز إذن إغلاقها؛ لكنها يجب أن تخضع لرقابة ما فيما يتعلق بتعليم لغة البلاد وتاريخها وجغرافيتها، وفيما يتعلق بتلقين الدين أيضًا: فمن حق الأولاد المسلمين أن يتلقنوا دينهم حتى لو كانوا في مدارس الإرساليات المسيحية. إلا أن هذه المدارس لا يمكنها قط، حتى لو تم ذلك، أن تفي تمامًا بالغرض. وما ذلك إلا لأنها، بطبيعتها، لا تستطيع أن تلقن الفتى المصري أن يحب الأمة المصرية، أو أن يحمي الديمقراطية المصرية (١٦). أما المدارس الدينية المصرية، وهي المدارس الابتدائية والثانوية التابعة للأزهر، فيجب أن توضع تحت رقابة الحكومة (١٧). وأما المدارس الحكومية، فيجب إدخال ثلاث تعديلات هامة عليها: أولًا، يجب أن تنتشر في البلاد بالسرعة الممكنة. ولا يخفى على طه حسين الاعتراض القائل بأن ذلك يؤدي إلى قيام طبقة مثقفة لا تجد لها مجالًا للعمل، وهو ما احتج به كرومر لتبرير تقاعسه عن إعارة التربية اهتمامًا أوفى. وكان هذا الخطر قد أصبح خطرًا حقيقيًا في ١٩٣٨، وذلك بسبب ازدياد عدد العاطلين عن العمل من المتخرجين وما دون المتخرجين. لكن طه حسين كان يرد على هذا
стр. 400
بقوة قائلًا: إنه قد يجوز لدولة أجنبية، حريصة قبل كل شيء على تجنب الاضطرابات السياسية، أن تتذرع بمثل هذه الحجة. لكنه من المخجل أن تلجأ حكومة وطنية إلى ذلك، إذ أن هدفها الأول يجب أن يكون خلق الديمقراطية الصحيحة. فالحد من التربية يعني جعل الجهل أساس الحياة الوطنية. أما إذا أدى توسيع التربية إلى مشاكل اجتماعية معقدة، فالدواء الوحيد لذلك إنما هو في تغيير النظام الاجتماعي لفتح مجالات جديدة للعمل، وخاصة لوضع حد للظلم، وهذا معناه تصغير الأملاك الكبرى، وتمصير الحياة الاقتصادية (١٨).
ويقضي التعديل الثاني يجعل التربية الثانوية في متناول جميع القادرين على دفع رسومها، وبتوفير مقاعد مجانية للأولاد الأذكياء من الفقراء. أما التعديل الثالث، وهو الأهم، فإنه يرمي إلى تغيير مواد التعليم. وهذا يعني، في تلك الحقبة، تغييرًا في مادة تعليم اللغات في المدارس المصرية. إذ في هذه المادة بالذات تكمن المشكلة الرئيسية للمدارس العربية اليوم: كيف تلقن اللغة العربية، هذه اللغة الصعبة التي تدرس وفق أساليب تقليدية محددة؟ وما هي اللغات الأجنبية التي يجدر تعلمها كمفتاح لا لتلقي التعليم العالي فحسب بل لمعرفة العالم الحديث؟ ومتى تعلم هذه اللغات وكيف؟ وعلى هذا يجيب طه حسين بالقول إنه لا يجوز تدريس أي لغة أجنبية قبل السنة الخامسة، لكنه يجب فيما بعد تدريسها بوفرة. وعلى التلميذ أن يختار بين اللغة الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية، كما يجب أن تتوفر، للذين يطمحون إلى التضلع، دراسة اللغات الكلاسيكية: اليونانية واللاتينية لمن يريد التخصص في تاريخ أوروبا ومدنيتها، والعبرية والفارسية للمعنيين باللغة العربية وآدابها. ثم يضيف على ذلك قوله بأن معرفة اللغات الكلاسيكية، بصرف النظر عما فيها من قيمة بحد ذاتها، ضرورية للمصريين، إذا هم أرادوا أن يتبنوا شطرًا كاملًا من تاريخ مصر. فقد كانت مصر يونانية لعدة قرون،
стр. 401
ثم رومانية. وما دام المصريون يجهلون اليونانية واللاتينية، فلا مفر لهم من النظر إلى جزء من تراثهم القومي بمنظار أجنبي. إن الثقافة الكلاسيكية هي من المقتضيات الضرورية للقومية المصرية (١٩).
أما التعليم العالي، فلا يتعرض له طه حسين بمثل هذه الاقتراحات التفصيلية. وما ذلك إلا لأنه يعتقد أن الجامعات يجب أن لا تخضع لرقابة الحكومة أو توجيهاتها، بل من الضروري لها أن تتمتع بحرية مطلقة: حرية مالية للتصرف كما تشاء بما تقدمه لها الحكومة من مخصصات، وحرية أكاديمية في كل ما يتعلق بالتعليم والتعلم. غير أن من الواضح أن مفهومه للتعليم العالي، لا بل للتربية بكاملها، إنما هو مفهوم إنساني: فالجامعة يجب أن تكون، قبل كل شيء، مجتمعًا فكريًا قائمًا على المودة والصداقة والتعاون والتضامن (٢٠).
أما الأزهر، وهو مركز رئيسي من مراكز التعليم العالي، فيجب أن يتمتع بالحرية التي يتمتع بها سواه، لما له من دور مهم في تكوين ثقافة مصر القومية، وذلك لكثرة عدد طلابه، وصلاته الوثيقة بجميع طبقات الشعب، وتراثه الخاص. لكن وظيفته تنحصر في أمر واحد، هو أن يكون مركز الدراسات الدينية، وبالتالي «معينًا للحياة الروحية» في الأمة. وليس للأزهر له أن يعني بالتربية العامة: فاحتكاره التقليدي لتخريج أساتذة اللغة العربية للمدارس يجب أن يبطل ما دام هو نفسه لا يحسن تعليم اللغة العربية. (تناول طه حسين، في الجزء الثاني من سيرة حياته، بالنقد اللاذع الطريقة التي تلقن بها اللغة العربية هناك). والأزهر يجب أن يتغير أيضًا حتى «كمعين للحياة الروحية»، فيعمد إلى تدريس الإسلام الحقيقي، دين الحرية والعلم والمعرفة. دين التطور والتقدم ونشدان المثل الأعلى في الحياتين المادية والروحية على السواء. وعلى الأزهر أن يلقن المعنى الصحيح للوطنية الإقليمية، لا الفكرة القديمة عن القومية الدينية (٢١). (لا شك، قياسًا على هذا، أن طه حسين كان يفكر التفكير ذاته في التربية الدينية القبطية. فتدريس المسيحية القبطية
стр. 402
تدريسًا صحيحًا هو، في نظره، على الدرجة ذاتها من الأهمية لقوة مصر وخيرها) (٢٢).
لقد تمكن طه حسين من وضع بعض هذه الأفكار على الأقل موضع التنفيذ. فكان له ضلع كبير، بوصفه مستشارًا لوزارة التربية من ١٩٤٢ إلى ١٩٤٤، في تأسيس جامعة الإسكندرية التي كان هو أول عميد لها. ولم يكن الغرض من تأسيس هذه الجامعة جعلها نسخة طبق الأصل عن جامعة القاهرة أو امتدادًا لها، بل كان الغرض من ذلك جعلها جامعة حقيقية، متحررة من ضغط الوزارة والجماهير، تحدد بنفسها أهدافها ومقاييسها، وتجتذب إليها أحسن الطلاب والأساتذة، وتكون منفتحة على البحر المتوسط ووريثة لتاريخ الإسكندرية برمته، ومركزًا للدراسة الإنسانية الكلاسيكية. وقد قام طه حسين، فيما بعد، بوصفه وزيرًا للتربية، بعملية واسعة النطاق لتوسيع المدارس الحكومية على جميع مستوياتها: فأنشأ جامعات ومعاهد عليا ومختلف أنواع المدارس الجديدة، وجعل التعليم الثانوي مجانًا، وعدل منهاج الدروس وفقًا للخطوط التي كان قد رسمها. وقد وجهت إلى مساعيه هذه انتقادات كثيرة، مستندة إلى أن من شأنها أن تحدث تغييرًا وتوسيعًا في النظام التربوي بسرعة لا تتناسب مع طاقته على النمو. وسواء كانت تلك الانتقادات مصيبة أو مخطئة، فإن مساعيه التربوية تدل، كما يدل كتابه نفسه، على مقدار حرصه على توفير الفرص المتساوية للجميع. وهذا، بالواقع، عنصر ثابت من عناصر تفكيره تجلى بصورة أوضح في مؤلفاته اللاحقة. ففي كتابه «المعذبون في الأرض» (١٩٤٩) مثلًا، يبسط الرأي القائل بالأمتين، الغنية والفقيرة، اللتين لا تربط بينهما عاطفة. فيعلن خيبة أمله من ذلك الاستقلال الذي كان قد أثار، لعشر سنوات خلت، آمالًا كبيرة، فيقول: إن هذا البلد الذي خلق الحرية لا يزال مستعبدًا (٢٣).
غير أن طه حسين لم ينتقد النظام الاجتماعي والاقتصادي إلا لمامًا.
стр. 403
وليس في ما كتبه ما ينم عن معرفة تفصيلية بالقضايا الاجتماعية، باستثناء قضايا التربية؛ فيما برزت هذه المعرفة وهذا الاهتمام بصورة أجلى لدى غيره من كتاب عصره. فموسى سلامه القبطي، وهو معاصر له، قد دعا إلى نوع من الاشتراكية استمده من «الفكر التقدمي» الذي عرفت به إنكلترا الإدواردية، ومن كتابات شو، وويلز، وبواسطتها من إبسن ونيتشه وتولستوي، أكثر مما استمده من ماركس. كان سلامه موسي قوميًا، وقوميًا مصريًا صرفًا. ومن آرائه أن لا قيمة للاستقلال بحد ذاته ما لم يقترن بالإصلاح الداخلي. فالاستقلال والإصلاح صنوان، وأعداؤهما لمتحالفون أبدًا. فالمستعمرون الأوروبيون والرجعيون المصريون يعملون يدًا بيد. والإصلاح يعني، في جوهره، إنشاء صناعة حديثة واستيعاب الثقافة العلمية. أما الثقافة المصرية الحديثة فهي ليست علمية، بل لا تزال أدبية متطلعة إلى الوراء، نحو الماضي، وقائمة على احتقار الفلاحين والعمال أو تجاهلهم (٢٤). وهنا أيضًا نرى أن التفاصيل لا تخلو من الإبهام. لكنه قدر لكاتب آخر من أبناء هذا الجيل أن يسد هذا النقص، هو حافظ عفيفي، أحد رفقاء لطفي السيد الحديثين في السن، وأحد مؤسسي «حزب الأحرار الدستوريين» في ١٩٢٠. فقد حول حافظ عفيفي اهتمامه إلى التنظيم الاقتصادي، بحيث أسهم في إنشاء مجموعة «شركات مصر»، التي كانت أول خطوة ناجحة يخطوها المصريون في حقل التنظيم الاقتصادي الحديث. وقد أصدر، في ١٩٣٨، كتابًا بعنوان: «على هامش السياسة»، كانت نقطة الانطلاق فيه قريبة جدًا من نقطة انطلاق طه حسين. فقال بأن المصريين قصروا تفكيرهم على علاقاتهم ببريطانيا وبالجاليات الأجنبية. أما الآن وقد نالت مصر الاستقلال، فعلى المصريين أن يتساءلوا ما هي الغاية منه؟ وفي جوابه على هذا السؤال يصرح، كطه حسين، بأن مصر هي أمة مميزة ومتجانسة؛ وبأن نظام الحكم فيها يجب أن يكون ديموقراطيًا، مما يقتضي أن يكون لها
стр. 404
برلمان وأحزاب منظمة وانتخابات حرة. والانتخابات الحرة هي، بالضرورة، انتقاء عقلي بين مخططات للعمل هي من صنع العقل وصياغته، تنوي الأحزاب حقًا وضعها موضع التنفيذ. وفي كتابه «على هامش السياسة» اقترح مخططًا للعمل الاجتماعي الإيجابي، تناول فيه الصحة العامة والتربية والدخل الوطني، كما تناول مسألة تنظيم الحياة الاقتصادية. وكما رسم طه حسين نظامًا تربويًا مثاليًا حاولت حكومات لاحقة تطبيقه إلى حد بعيد، هكذا رسم عفيفي في كتابه سياسة اقتصادية غدت فيما بعد هدفًا تبنته جميع الأحزاب. وقد برز في هذا الكتاب أعقد قضايا الحياة المصرية وأصعبها حلًا، هي قضية تزايد عدد السكان في وقت تسعى مصر فيه أن تصبح جزءًا من العالم الحديث، وتعمل على رفع مستوى معيشة سكانها. ويعتقد عفيفي أنه وإذا كان لهذه القضية من حل، فهو في التصنيع السريع، مما يقتضي سياسة ضرائبية جديدة، وتشريعًا جديدًا للعمال، وخطوط مواصلات أصلح، واعتمادات صناعية، ومساهمة مصرية في الشركات الأجنبية.
стр. 405
الفصل الثالث عشر
خاتمة: الماضي والمستقبل
كان عام ١٩٣٩ خاتمة عهد أنطوي بانطوائه نهج معين من التفكير، كان في أبرز مظاهره نهجًا «قوميًا» -عربيًا أو مصريًا أو تركيًا أو فارسيًا أو كرديًا أو يهوديًا أو أرمنيًا- يقول بوجود رابطة بين مجموعة معينة من البشر، وبأن هذه الرابطة هي من القوة والأهمية بحيث تفرض على هذه المجموعة تكوين مجتمع سياسي تتمتع فيه الحكومة بسلطة خلقية بمقدار ما تعبر عن إرادة هذا المجتمع وتخدم مصالحه. وقد توجد أنواع مختلفة من المجتمعات. ففي الشرق الأوسط، في المرحلة التي تناولها هذا الكتاب، كان هنالك ثلاثة أنواع من القوميات. وهي أنواع متداخلة، وإن انبثق كل منها عن مبدأ يختلف عن الآخر. أولها، في التسلسل الزمني، القومية الدينية القائلة بأن على جميع أتباع الدين الواحد أن يكونوا جماعة سياسية واحدة. كانت هذه الفكرة، بمعنى من المعاني، الفكرة السياسية الأساسية التي هيمنت على هذه المنطقة منذ أن اعتنقت الإمبراطورية الرومانية الدين المسيحي وغدا المعتقد الديني، شخصيًا كان أم موروثًا، الميزة التي بها يعرف الإنسان. لكن هذه الفكرة كانت، بمعنى آخر، فكرة جديدة، وشكلًا من أشكال القومية الحديثة. فالأمة الإسلامية، كما تصورها المفكرون من دعاة الجامعة الإسلامية، أو الشعب اليهودي كما تصوره الصهيونيين، لم يكن يوحد كلًا منهما الإيمان المشترك بعقيدة دينية، أو الإرادة في العيش وفقًا لشريعة منزلة، بل التراث المشترك القائم لا على العقيدة أو الحكمة الدينية فحسب، بل على الثقافة والعادات
стр. 406
والطبائع التي نشأت حولها. وكان المطلب الديني الوحيد الذي طالبت به هذه الحركات مطلبًا سلبيًا، يقضي على المسلم أو المسيحي أو اليهودي أن لا يرتد عن دين أجداده ولا يعتنق دينًا آخر. أما مطلبها الإيجابي، فقد كونته الروابط القائمة بين أبناء الأمة الواحدة، وهي روابط عاطفية ودنيوية، كالثقافة وذكريات ما أنجزوه معًا في الماضي، فضلًا عن المصالح الزمنية. وقد تميزت القومية الدينية بأنها كانت، باستثناء الحركة الصهيونية القائمة على حس بالتضامن وبالمصالح المشتركة فريد في قوته، أقل ثباتًا من الأنواع الأخرى، مع أنها كانت تشكل عنصرًا من عناصرها. فقد كان «التركي» يتضمن إلى حد ما معنى «السني» و «الفارسي» معنى «الشيعي»، ناهيك بأن الوعي العربي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالوعي الإسلامي. (عندما عمدت جامعة الأمم، بعد حرب ١٩٢٠ - ١٩٢٢ اليونانية التركية إلى إجراء تبادل بين الأتراك في اليونان واليونانيين في تركيا، لم تجد، للقيام بذلك، سوى المعيار الديني، فاعتبرت أبناء الكنيسة الأرثوذكسية يونانيين، سواءً كانت لغتهم يونانية أو تركية، والمسلمين أتراكًا، سواءً كانت لغتهم تركية أو يونانية).
أما النوع الثاني من القومية، وهو القومية الإقليمية، فقد كان مألوفًا بالأخص في البلدان القديمة والمستقرة من أوروبا الغربية. وهو كناية عن الشعور بالانتماء إلى جماعة واحدة من القاطنين رقعة محددة من الأرض والمتأصلي الجذور في حب هذه الرقعة. وكان هذا الشعور على أشده في تلك الأجزاء من الشرق الأوسط حيث يعيش في الرقعة الواحدة جماعة مستقرة فيها منذ زمن طويل، وحيث تكون لتلك الرقعة حدود واضحة وتقليد متصل من الكيان الإداري أو السياسي القائم بذاته، كما كانت الحال في مصر وجبل لبنان وتونس. وكان هذا النوع من القومية يثير، حيثما وجد، ذكريات البلد وسكانه في العصور القديمة، كالفراعنة والفينيقيين والحثيين. وذلك لأن إعلان الانتماء إلى ماض قديم كان أحد السبل للتهرب من
стр. 407
ماض أحدث، ولأن هذا الماضي الأحدث كان يمثل، في معظم أجزاء المنطقة، الاندماج في وحدات أوسع من القوميات، كالخلافة أو السلطنة العثمانية. إلا أن هذا النوع من القومية كان، على العموم، أضعف هنا مما كان عليه في أوروبا الغربية. وما ذلك إلا لأن الحدود كانت هنا أقل استقرارًا والكيانات السياسية أقل ثباتًا، ولأن الحياة الحضرية كانت، في كل مكان، ما عدا بعض المناطق المحظية، كوديان لبنان أو الساحل التونسي، أكثر تعرضًا لهجمات الأعداء.
أما النوع الثالث والأقوى من أنواع القومية، فهو القومية العنصرية أو اللغوية القائمة على الاعتقاد أن جميع الناطقين بلغة واحدة إنما ينتمون إلى أمة واحدة، وأن عليهم بالتالي أن يشكلوا وحدة سياسية مستقلة. وقد غدا هذا النوع، لحسن الحظ أو لسوئه، الفكرة السائدة في الشرق الأوسط، بحيث حل محل النوعين الآخرين، أو امتصهما. وعلى هذا، أصبحت الفكرة القائلة بأن جميع الناطقين بالضاد يكونون أمة واحدة وعليهم أن ينشؤوا دولة واحدة أو كتلة واحدة من الدول القوة السياسية العظمى في البلدان العربية، وإن لم تتجسد في كيان سياسي. غير أن الأفكار السياسية لا توجد غالبًا على النقاوة، بل تكون ممتزجة بغيرها، لا بل بأضدادها. ولا شك أن بروز فكرة القومية العربية بتلك القوة وذلك المنطق الظاهرين في كتابات ساطع الحصري كان أمرًا نادرًا. فقد كانت الفكرة العربية، لدى معظم المفكرين وفي برامج معظم الأحزاب السياسية والزعماء السياسيين، ممتزجة بأفكار مستمدة من نوعي القومية الآخرين. فكان اتصالها بفكرة الأمة الإسلامية وثيقًا، حتى أن قومية القوميين العرب المسيحيين أنفسهم لم تكن لتخلو من نوع من الانتماء المعنوي إلى الإسلام كحضارة، إن لم يكن كدين. كذلك كانت القومية اللغوية العربية، لدى معظم المفكرين الذين تناولناهم بالبحث سابقًا، ممتزجة بالقومية الإقليمية. فقد كانت القومية العربية، في هذه الحقبة، ذات أهمية بالغة في سوريا (نستعمل هنا مرة أخرى هذا
стр. 408
الاسم بمعناه الأوسع)؛ إلا أن المطالبة بتوحيد جميع العرب كانت تتضمن المطالبة بإعادة توحيد سوريا الجغرافية، على غرار ما كانت عليه (في كل النواحي ما عدا الناحية السياسية) قبل تقسيم البلدان العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.
ليست القومية نظامًا فكريًا، بل فكرة منفردة، لا تكفي بحد ذاتها لتنظيم حياة المجتمع بأسرها. لكنها فكرة فعالة، فكرة من ذلك النوع الذي يقوم بدور مركز الجاذبية بالنسبة إلى الأفكار الأخرى. وعلى هذا، فقد نشأت، في الحقبة التي كانت موضوع بحثنا، وضمن إطار القومية، مجموعة من الأفكار حول طبيعة الإنسان وحياته في المجتمع. وقد رأينا كيف تكونت هذه الأفكار من تضافر عناصر مختلفة تحدرت من ينبوعين: الأول، العلمانية الليبرالية التي تميزت بها إنكلترا وفرنسا في القرن التاسع عشر، والتي كان استيعابها وقبولها مباشرًا. وكان أول من عبر عنها في اللغة العربية بطرس البستاني وأتباع مدرسته، ثم أخذها عنهم لطفي السيد ومدرسة القوميين المصريين التي أنشأها. كان هذا الاتجاه علمانيًا، بمعنى أنه كان يؤمن بأن المجتمع والدين يزدهران كلاهما الازدهار الأفضل عندما تكون السلطة المدنية منفصلة عن السلطة الدينية، فتتصرف وفقًا لمقتضيات خير البشر في هذا العالم. وكان اتجاهًا ليبراليًا، بمعنى أنه ارتكز إلى أن قوام خير المجتمع إنما هو خير الأفراد، وأن واجب الحكومة إنما هو حماية الحرية، وبنوع خاص حرية الفرد في تحقيق ذاته، وبالتالي في إنشاء المدنية الحقيقية. أما الينبوع الثاني، فكان حركة الإصلاح الإسلامية التي صاغ مفاهيمها محمد عبده ورشيد رضا. كانت هذه الحركة إسلامية، لأنها قامت على إعادة تأكيد حقيقية الإسلام الفريدة الكاملة؛ وكانت إصلاحية، لأنها استهدفت إحياء ما كانت تعتبره العناصر المهملة في التراث الإسلامي. غير أن عملية هذا الإحياء قد تمت تحت تأثير الفكر الليبرالي الأوروبي، فأدت تدريجًا إلى تفسير جديد للمفاهيم الإسلامية بغية جعلها معادلة
стр. 409
للمبادئ الموجهة للفكر الأوروبي في ذلك الحين. «عمران» ابن خلدون تحول تدريجًا إلى «تمدن» غيزو، و «مصلحة» الفقهاء المالكيين وابن تيمية إلى «منفعة» جون ستوارت مل، و «إجماع» الفقه الإسلامي إلى «الرأي العام» في النظرية الديمقراطية، و «أهل الحل والربط» إلى أعضاء المجالس البرلمانية. وكانت نتيجة ذلك، لدي ما سميناه بالجناح العلماني لمدرسة محمد عبده، الفصل الواقعي الحاسم بين دائرة الحياة المدنية ودائرة الدين، ثم فتح باب جديد أمام القومية العلمانية. لكن التمييز، حتى في الجناح الآخر، جناح رشيد رضا والوهابيين المتجددين، بين العقيدة والعبادة القائمتين على الوحي الذي لا يتغير وبين قواعد الخلقية الاجتماعية التي يجب سنها على ضوء المصلحة قد أدى إلى الاتجاه ذاته، وإن كانوا قد استمروا على الاعتقاد، أو بالأقل على التأكيد، بأن هذه القواعد يجب أن تستمد من المبادئ العامة للأخلاق الإسلامية.
في هذا النظام من الأفكار، سواء كانت مستمدة مباشرة من الفكر الليبرالي الأوروبي أو مداورة عن طريق حركة التجدد الإسلامية، كان الإلحاح على الاستقلال القومي أو الحرية الفردية أشد منه على العدالة الاجتماعية. لقد كان من السهل علينا أن نلاحظ، مما ورد في هذا الكتاب، ومن إشارتنا بصراحة إلى ذلك في حينه مرارًا، أن مضمون القومية لم يشتمل، في تلك الحقبة، إلا على القليل من الأفكار الدقيقة حول الإصلاح الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، مما يمكن تفسيره إما باللامبالاة، أو بأن معظم زعماء الحركة القومية والناطقين باسمها كانوا ينتمون إلى عائلات ذات مكانة وثروة أو ارتفعوا إلى هذه الطبقة بمجهودهم الشخصي. لكن يمكن تفسيره أيضًا بمناخ الزمن الليبرالي. نعم، لقد كان هدف القومية تفجير الطاقة الوطنية في الحقل الاقتصادي كغيره من حقول الحياة الأخرى. إلا أنها كانت تنظر إلى الاستقلال، من ناحيته الاقتصادية، كعملية لتحرير حياة الأمة الاقتصادية من التحكم الأجنبي وتفجير
стр. 410
قوى العمل الوطني التي كان يعتقد إجمالًا أن من شأنها تحقيق ازدياد الثروة والرفاهية. لذلك كان من المسلم به، على وجه العموم، أن الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وإن كان بحد ذاته أمرًا مرغوبًا فيه، يمكن ويجب أن يؤجل إلى ما بعد الاستقلال، وأن من الممكن تحقيق الاستقلال بدونه، وذلك بوسائل سياسية وباستخدام القوى الوطنية المتوفرة حاليًا. كما كان من المسلم به أيضًا أن التغير الاجتماعي سيتم حتمًا عندما يتم الاستقلال، إذ كان قليلًا يومذاك عدد المفكرين المتنبهين إلى مشكلات السياسة الاجتماعية في الدول المستقلة حديثًا، تلك المشكلات التي تجابه تلك الدول في سعيها للاحتفاظ بالمستوى الإداري الذي تحقق بفضل السلطة الأوروبية، ولتعيين الحدود بين النشاط الخاص والرقابة الحكومية، وللحصول على الرأسمال الأجنبي الضروري للتنمية السريعة دون الوقوع تحت نوع جديد من النفوذ الأجنبي.
كانت إذن غاية القوميين الجوهرية تحقيق الاستقلال. لكن مفهوم هذا الاستقلال كان محدودًا لديهم. فقد كان يعني، في لغة العصر، الحصول على الحكم الذاتي الداخلي، والانتماء إلى جامعة الأمم. لكنه لم يكن لينفي (وبالواقع كاد أن يفرض) بقاء رابطة دائمة مع الدولة المحتلة سابقًا، تبقى على القواعد العسكرية والعلاقات الاقتصادية والثقافية، وتخضع لسياسة تلك الدولة الشؤون الرئيسية في العلاقات الخارجية. والواقع هو أنه لم يكن بالإمكان غير ذلك. فدول الشرق الأوسط، مستقلة كانت أو غير مستقلة، لم يكن بوسعها، في ذلك الحين، التخلص من سلطة إنكلترا وفرنسا المحيطة بها من كل جانب، مجسدة في الجيوش البرية والقوات البحرية والجوية وفي المدارس والمصارف والمشاريع الاقتصادية والتجارية. لذلك لم يكن لها أن تختار بين الاستعمار وبين الاستقلال الحقيقي، بل بين درجات وأنواع مختلفة من السيطرة.
كتب ابن خلدون عما يتمتع به الفريق الحاكم من قوة جاذبية
стр. 411
تستحوذ على عقول المحكومين ومخيلتهم، كما كتب «طوينبي» عن قوة الاستهواء التي بها تستطيع الأقلية أن تجر الأكثرية وراءها. لقد كان عدم إمكان التخلص من قبضة السلطة الأوروبية، الممقوتة والمقبولة في آن واحد، من أهم الأسباب التي جعلت قومية ذلك الجيل تتخذ موقفًا ازدواجيًا من أوروبا. فبالرغم من الرغبة في التخلص من سيطرة إنكلترا أو فرنسا، أو على الأقل من حكمهما المباشر، كانت هذه القومية تناشد الوجدان الليبرالي لدى البريطانيين والفرنسيين أنفسهم لمساعدتها في تحقيق تلك الرغبة. ولم يكن هدفها الصريح من السعي وراء الاستقلال تحرير نفسها تمامًا من أوروبا بقدر ما كان إقامة علاقة جديدة معها: علاقة متساوية ملؤها الثقة، قائمة على قبول عفوي وتام لقيم المدنية الحديثة التي خلقتها أوروبا. فها طه حسين يقول: «علينا أن نقتفي آثار الأوروبيين كي نصبح مساوين لهم وشركاؤهم في المدنية». وهو يرى، كما رأى بطرس البستاني لجيلين مضيًا، أن العصر إنما هو عصر أوروبا، وأنه من الضروري، كي نكون عصريين، أن نوطد الصلة بها.
لم يمض طويلًا على كلمات طه حسين هذه حتى اندلعت نيران الحرب العالمية الثانية، وحدثت، خلال العشرين سنة اللاحقة، تغييرات كبيرة، تجلى بعضها بصورة أوضح من بعضها الآخر. وكان أبرز التغييرات الناجمة عن الحرب، التبدل في موقف الدول الأوروبية بعضها من بعض ومن بقية العالم. لقد فقدت الدول الأوروبية سيطرتها المعنوية، ومعها تلك القوة الاستهوائية التي كانت تتمتع بها منذ زمن طويل بفضل قوتها وفضائلها السامية الكامنة، أو المعتقد أنها كامنة وراء تلك القوة. فمنظر أوروبا تتمزق، وفرنسا تنهار فجأة، قد آثار الشكوك حول تلك القوة وتلك الفضائل: فمن يدري، قد تكون أوروبا لا تملك بالحقيقة «سر» السعادة الدائمة. وبالواقع، كانت تلك الشكوك في محلها إلى حد ما. فوضع أوروبا قد تغير بالفعل. غير أن هذا لا يعني أن قوتها قد ضعفت بالنسبة إلى بلدان
стр. 412
آسيا والشرق الأوسط. بل كان الأمر على خلاف ذلك. فإتقان الأسلحة الحديثة قد أدى إلى رجحان ميزان القوة العسكرية لصالح البلدان المتقدمة صناعيًا. أما التغير الذي نعنيه، فقد حدث على صعيد آخر. لقد انتاب أوروبا ما سمي أحيانًا، وربما بغير إنصاف، بـ «ارتخاء الأعصاب». وهو الإحجام المتزايد مع الزمن عن استعمال القوة لقمع المقاومة كما كان يجرى في الماضي. وقد كان هذا التغير أسرع في إنكلترا منه في فرنسا، حيث جعلت الصعقة من الاحتلال الألماني وضعف الجهاز السياسي من الصعب على فرنسا التنازل برضى عما تبقى لها من مركزها الاستعماري. وفضلًا عن ذلك، فقد تغيرت علاقات الدول الغربية بعضها ببعض. فإنكلترا لم تعد الدولة الأقوى في العالم أو في الشرق الأوسط، مع أن تضافر الظروف مكنها من التصرف في هذه المنطقة من العالم كما لو كانت لا تزال الدولة الأقوى. وقد تمت خسارتها لمركزها المتفوق هذا في السنوات الواقعة ما بين ١٩٤٥ و ١٩٥٤، إذ تنازلت أولًا للولايات المتحدة عن مسؤوليتها في اليونان وتركيا وإيران؛ ثم عانت اندحارًا كبيرًا في أحد مراكز قوتها الرئيسية، فلسطين؛ وتراجعت أخيرًا بملء إرادتها عن مركزها في مصر والعراق. غير أن هذه الخسارة لم تبرز على أتمها حتى ١٩٥٦، إذ حاولت للمرة الأخيرة أن تتصرف تصرف الدولة الأقوى، فلم تجن من ذلك سوى غضب الذين كانوا أقوى منها. بيد أن السيطرة التي فقدتها لم تنتقل إلى دولة أخرى بمفردها. بل الذي حدث هو أن سيطرة الدولة الواحدة حل محله توازن ضعيف بين دول عدة كانت كل منها قادرة على الإصرار على ضرورة أخذ مصالحها بعين الاعتبار، دون أن تكون قادرة على فرض سيطرتها بلا منازع.
كانت إحدى نتائج هذا الوضع الجديد أن أصبح بإمكان دول الشرق الأوسط، للمرة الأولى، أن تستقل استقلالًا حقيقيًا، بفضل ضعف الخصم، أو تغير المناخ السياسي، أو توازن القوى
стр. 413
الجديد في المنطقة. وهكذا، ما أن جاء عام ١٩٦٢ حتى كانت المنطقة بكاملها مستقلة عمليًا، وأصبح هدف القوميين الأول، لا الحصول على الاستقلال، بل المحافظة عليه. من هنا كانت أهمية الكتلة الأسيوية الأفريقية في الأمم المتحدة، التي نفحت الدول الجديدة الضعيفة بقوة جماعية كانت سريعة العطب، لكنها لم تكن وهمية. ومن هنا أيضًا كانت أهمية فكرة الحياد، وهي الأساس النظري الذي قامت عليه هذه الكتلة. لم يكن هذا الحياد يمثل الرغبة في تجنب الانخراط في خصومات الدول الكبرى فحسب، بل كان يمثل أيضًا الشكل الجديد للرغبة في الاستقلال. فقد كان الحياد، بحد ذاته، يتوخى استخدام خصومات الدول الكبرى لإنشاء دائرة لا تستطيع أي منها أن تفرض إرادتها فيها. وهكذا عم، كموقف سياسي، جميع بلدان المنطقة تقريبًا، مع أنه اتخذ أشكالًا مختلفة في ظروف مختلفة: فتركيا وإيران اللتان مالتا نحو المعسكر الغربي تجنبًا لضغط المعسكر الثاني عليهما قد تعودان إلى موقف أسلم في الوسط فيما لو خف هذا الضغط.
ولعل ما لم يظهر بمثل هذا الوضوح قيام نوع آخر من الاستقلال. فالتمييز بين الشرق والغرب، المسيطر على تفكير الحقبة التي عالجها هذا الكتاب، كان قد اضمحل. لقد كان من الطبيعي، لأبناء جيل محمد عبده ورشيد رضا، بل حتى لخلفائهم في السنوات الواقعة بين الحربين، أن ينظروا إلى الغرب كمستودع للمدنية الحديثة وكمعلم في أساليب التفكير والتقنية التي كانت تلك المدنية متوقفة عليها. أما الآن، فقد أكمل الغرب رسالته التاريخية بخلق عالم جديد موحد. لقد أصبح العالم واحدًا: واحدًا، أولا، على صعيد التقنية المادية. فبالرغم من أن المراكز الكبرى للعلوم الخلاقة لا تزال حيث كانت قبل جيل، أي في أوروبا الغربية وروسيا الأوروبية وأميركا، فقد ظهرت المهارة التقنية بتزايد في كل مكان، ورافقها اقتناع عام بوجود طريقة صالحة واحدة لصنع الطيارات ومكافحة الأمراض
стр. 414
مثلًا. كذلك أصبح العالم واحدًا على الصعيد السياسي، بحيث غدا الكون مسرحًا واحدًا للحوار السياسي. لا شك أنه كان هناك أنظمة سياسية مختلفة؛ غير أنها لم تكن من النوع الناجم عن التراث أو عن الطابع الإقليمي أو القومي. فقضية آسيا والشرق الأوسط لم تعد قضية المحافظة على نظام تقليدي فريد، كالسلطنة الإسلامية أو الإمبراطورية الصينية، بل أصبحت قضية إنشاء نظام ما من الأنظمة المختلفة الممكنة في ظروف المجتمع الحديث، والمحافظة على هذا النظام. ذلك أن الأنظمة التقليدية كانت، في كل مكان، حتى في المجتمعات الأشد محافظة، في طريق التحول إلى شيء قريب من روح العصر الحديث. فسلطنة مراكش القديمة أصبحت، بالرغم من طابعها الديني، ملكية حديثة ذات طابع قومي؛ كما أن التغير السياسي، حتى في شبه الجزيرة العربية، قد أخذ في التحفز.
وهكذا أصبح بمقدور الدول الشرقية، للمرة الأولى في التاريخ الحديث، أن تقطع، إذا شاءت، صلتها تمامًا بالغرب وتستغني عن مثل هذه الصلة وتبقى، بالرغم من ذلك، جزءًا من العالم الحديث. لقد أصبح بإمكانها الآن أن ترفض الاتصال بالغرب، وتقتبس، مع ذلك، جميع الأساليب التقنية والأفكار التي تقوم عليها المدنية الحديثة. وكان لهذا بدوره نتيجتان متعاكستان: الأولى أن الاتصال بالغرب قد أصبح، بالنسبة إلى عدد قليل من السياسيين والمفكرين، شأنًا اختياريًا ومؤقتًا يتخذ على ضوء التفكير والتعقل أكثر من ذي قبل. وما ذلك إلا لسبب بسيط هو أنه لا بد من الاختيار ومن المدافعة عن هذا الاختيار. أما بالنسبة إلى الآخرين، وهذه هي النتيجة الثانية، فلم يعد الاتصال بالغرب ضروريًا، فضلًا عن أن رفضه أصبح واجبًا، باعتباره أثرًا من آثار عهد السيطرة الاستعمارية. كان هذا، بالحقيقة، أحد المعاني الذي انطوت عليه ثورة ١٩٥٢ المصرية. فقد جاءت إلى الحكم برجال رفضوا، بالرغم من إدراكهم التام ضرورة اقتباس تقنية الصناعة الحديثة والعيش في عالم
стр. 415
الحوار السياسي الحديث، أن يعترفوا للغرب بأي مركز ممتاز، وأن يهتموا بالثقافة الغربية إلا قليلًا. وهكذا تسنى لمصر، للمرة الأولى في غضون ما ينيف عن القرن، أن يحكمها من لم يردد صدى كلمات الخديوي إسماعيل: «لم تعد مصر جزءًا من أفريقيا»، ومن لم ينظر إلى باريس كعاصمة العالم الروحية.
لكن هذا لا يعني أن حكام مصر الجدد أشاحوا بوجوههم عن باريس وأداروها نحو مكة. فالشيء الجديد الأهم بين جميع التغيرات التي طرأت خلال العشرين سنة هذه، هو أن التاريخ قد ألغي، سواء تاريخ «تقليد الغرب»، أو تاريخ المجتمع التقليدي السابق، في سبيل مجتمع جديد لاحت تباشيره في جميع بلدان العالم العربي. كان من ميزات هذا المجتمع، من الناحية الاقتصادية، نمو الصناعة على نطاق واسع، والتنظيم العلمي للزراعة، وتدخل الحكومة الإيجابي في كل منهما. وقد ظهرت للوجود، كنتيجة لهذه التطورات، ثلاث طبقات اجتماعية جديدة: طبقة وسطى من المقاولين ومديري الأعمال والتجار من أهالي البلاد؛ وطبقة النخبة الفكرية من التقنيين والموظفين والضباط والأخصائيين من رجال ونساء؛ وطبقة عمال المدن التي عززها تفاقم نزوح سكان الريف.
وفيما كانت هذه الطبقات آخذة في النمو، دخلت طبقتان أخريان قديمتان في طور التقهقر، هما طبقة البورجوازية الأوروبية والمشرقية التجارية في المدن، وطبقة كبار ملاكي الأراضي في الريف. وما ذلك إلا لأن الحياة العامة في المجتمع لم تعد وقفًا على فريق صغير من المحظوظين. وقد عاد الفضل إلى تحرر المرأة، وازدهار وسائل المواصلات الجديدة، كالصحافة والسينما والراديو والتلفزيون، ونشوء أدب جديد منسجم معها. وكانت القضايا التي أثارها ظهور هذا المجتمع الجديد على درجة من الجدة والتعقد والغرابة، بحيث عجز التاريخ حيالها أن يقدم أية عظة أو عبرة. نعم، كان لا يزال في وسع الناس أن يلتفتوا بعقولهم ومخيلاتهم إلى الماضي لاستلهامه، وأن يستمدوا منه
стр. 416
درسًا، محقًا أو مخطئًا، بأن العرب كانوا أسيادًا من قبل، فباستطاعتهم أن يستعيدوا سيادتهم اليوم، وإن اتخذوا الثقافة الموروثة عن الماضي أساسًا لتضامنهم القومي. لكنهم لم يعودوا يؤمنون، في غالب الأحيان، بأن الماضي قد سلمهم قاعدة للحكمة لا تقبل التغير، أي نظامًا من المبادئ وجه، ويجب أن يوجه دومًا، سير المجتمع ونشاط الدولة، أكانت تلك القاعدة مستمدة من عادات الأجداد أم من الشريعة المقدسة. لقد تخلوا عن الشريعة تخليًا مدهشًا بسرعته وشموله، بحيث قارب هذا التخلي، الذي بدأ في أوائل القرن التاسع عشر بتبني القوانين الحديثة، حد الاكتمال. ففي كل مكان، ما عدا بعض شبه الجزيرة العربية الأشد انعزالًا، حلت القوانين العلمانية محل الشرائع الدينية في كل من حقول التشريع المدني والجزائي والتجاري والدستوري. وقد كان هذا التحول تامًا في بلد كمصر، حيث جرى بصورة غير ملحوظة تقريبًا، كما كان تامًا في تركيا، حيث جاء نتيجة للثورة الكمالية. حتى أن هجومًا قد شن في تركيا وتونس على آخر معقل من معاقل الشريعة، أي القوانين الخاصة بالأحوال الشخصية. فألغى فيهما نظام تعدد الزوجات وسمح بالزواج المدني، دون أن يثير ذلك ضجة كبيرة على ما يظهر. ولا عبرة في عاصفة الاستياء التي أثارها في تونس انتقاد الرئيس بورقيبة فريضة الصوم في رمضان. ذلك لأن رمضان قد أصبح في العصر الحديث مظهرًا كبيرًا لوحدة الإسلام. وهو الشهر الذي يستيقظ فيه وعي المسلمين، مؤمنين أو غير مؤمنين، لماضيهم ولصلتهم بالأجداد. لذلك قد تكون عاصفة الاستياء تلك عائدة لا إلى ما يخالف الشريعة في انتقاد الرئيس بورقيبة، بل بالأحرى إلى ما قد يهدد تضامن الأمة الإسلامية في هذا الانتقاد.
لم تكن إذن القاعدة التي اتخذها المفكرون ورجال السياسة مقياسًا لأعمالهم مستمدة من الماضي، بقدر ما كانت مستلهمة من المستقبل. فقد وضعوا أمام أعينهم صورة للمستقبل، رمز إليها، مثلًا،
стр. 417
تبديل الطوابع البريدية، بحيث لم يعد يظهر عليها رسوم الجوامع أو أبي الهول أو الملوك، بل رسوم العمال والفلاحين في مواقف بطولية، وهم يهزون قبضاتهم في وجه القدر. وهذه الصورة تكاد أن تكون واحدة في كل مكان، سواء تحت نظام الحكم الجمهوري القومي أو الملكي الدستوري. وهي ترمز بقوة إلى القوم أو الشعب بعد أن كانت ترمز، قبل جيل، إلى الوطن. لقد كانت الوطنية القديمة تدعو ذوي النوايا الطيبة من الناس إلى الدفاع عن وطن مستعبد. أما في القومية الجديدة، فقد أصبح البشر هم الفاعلون: إنهم أصحاب السلطة وأسياد مصيرهم، يصرون على خلق عالمهم الاجتماعي خلقًا جديدًا، متخذين من مفهومهم الخاص لما هو خيرهم مقياسًا أخيرًا لأعمالهم. ولم يعد خير المجتمع يحدد بمفاهيم الحرية الفردية، بل بالنمو الاقتصادي، ورفع مستويات العيش العامة، وتأمين الخدمات الاجتماعية.
أثارت جميع هذه التغيرات قضايا جديدة أمام الفكر الاجتماعي والسياسي. أولاها، قضية ما هي الأمة، أي ما هي الجماعة التي هي، ويجب أن تكون، مصدر السلطة السياسية وقطب الولاء؟ والثانية، ما هي، وما يجب أن تكون عليه العلاقة بين خير المجتمع وبين أحكام الدين وشرائعه الموروثة؟ والثالثة، ما هو، وما يجب أن يكون موقف الأمة، أو الدولة التي تتجسد فيها الأمة، من العالم الخارجي؟ والرابعة، ما هو، بين الاتجاهات المتعددة، الاتجاه الذي يجب على الحكومة السير بموجبه في سعيها لتعزيز النمو الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية؟
كانت جميع الأجوبة التي تقدمت بها على هذه الأسئلة مختلف تيارات الفكر الكبرى في الشرق الأوسط، في غضون السنوات الخمسة عشرة بعد الحرب، واحدة إلى حد ما. لكنه كان بينها فروق كبيرة، ليس في برامج العمل فحسب، بل في المبادئ التي انطلقت منها تلك البرامج أيضًا. فقد كان لا يزال من الممكن العثور، في أبحاث
стр. 418
بعض الكتاب والمفكرين، على أفكار كانت قد ألهمت أبناء جيل أسبق، كأبحاث الفيلسوف اللبناني شارل مالك، حيث نجد تأكيدًا على الصلة بالغرب يزيد في وقعه صدوره عن إدراك أوضح لمعنى المدنية الغربية. فالغرب، عنده، لم يعد غرب روسو أو كونت أو مل، بل هو الحضارة الممتدة إلى الماضي البعيد، إلى عهود الشرق الأدنى القديمة. وفي هذا يقول: «إن عهود الشرق الأدنى العظيمة هي ديانة العالم ... فالرسالة التي حملها عبر تاريخه الطويل قامت على أن هناك نظامًا متساميًا أصيلًا، مليئًا بالمعنى والقوة، ومنفتحًا للمؤمن والنقي- نظامًا يخلق ويدين ويقلق ويشفي ويسامح» (١). وقد أعاد الغرب بدوره هذه الحضارة إلى الشرق الأدنى، فعلى هذا أن يتقبلها، شرط أن يبقى الغرب وفيًا لذاته، أي لمبادئ العقل والحرية والتسامي الكامنة في صميم كيانه. وللبنان، في عملية العرض والقبول هذه، دور خاص. إذ لما كان الغرب مسيحيًا بجوهره، كان لا بد للشرق الأوسط من وسيط مسيحي يكون، بالوقت نفسه، جزءًا منه. وما من بلد سوى لبنان يستطيع أن يكون هذا الوسيط. أما إسرائيل، فلا يسعها القيام بهذا الدور، وإن ادعت ذلك، لأنها غير مرتكزة أصلًا إلى ما هو الأعمق في حضارة الغرب، ولأنها، بالوقت نفسه، غريبة عن الشرق الأدنى الذي أقامت كيانها فيه (٢)».
كذلك يمكن العثور، في هذه المرحلة الأخيرة، على امتداد التفكير الإسلامي العصري الذي كان الموضوع الرئيسي لهذا الكتاب. فقد وضع كاتب عراقي، هو علي الوردي، عدة مؤلفات، أعاد فيها كتابة تاريخ الإسلام من زاوية النضال الثوري لتحقيق العدالة، متوخيًا تفسير الإسلام على ضوء ما كان يبدو أشد الأحداث وقعًا في زمانه، تمامًا كما فسرته مدرسة محمد عبده على ضوء أفكار زمانها ومنجزاته (٣). وقد أوحت هذه الغاية ذاتها لمحمد كامل حسين، الطبيب المصري، كتابه المرموق «قرية ظالمة» (٤). كان هذا الكتاب، في الظاهر، بمثابة تأمل في معنى صلب المسيح. أما في الواقع، فكان
стр. 419
عرضًا جديدًا لتعاليم الإسلام على ضوء مظهرين مهيمنين على عصره: علم النفس الذي جاء يزعزع التفكير المألوف، كما فعل علم الفيزيولوجيا لمائة سنة خلت، وخطر الحرب. يستهل المؤلف كتابه، أسوة ببعض أتباع محمد عبده، بالتمييز بين النظامين الروحي والزمني. فالنظام الزمني، في رأيه، هو من فعل البشر. إنه ناقص وموقت وعرضة للتغير ... ولذا يجب أن تبقى النواحي المتعلقة بالحقل الاجتماعي شؤونًا بشرية صرف تحيط بها ضمانات يكون البشر أنفسهم مسؤولين عنها (٥). غير أن تعاليمه حول النظامين لم تكن تمامًا كتعاليم أتباع محمد عبده. نعم، كان العقل في تعاليمهم هو المهيمن على الدائرة الزمنية. غير أن هذا العقل أخذ ينطق هنا، في تعاليم محمد كامل حسين، بلهجة أخرى أثارتها النزعة إلى الأممية والسلمية، واستفظاع إزهاق الروح البشرية، ومسؤولية الفرد الأدبية عن أعمال مجتمعه. وفيما كان صوت الله يخاطب الجيل السابق في الشؤون الدينية علنًا وبواسطة القرآن، أصبح اليوم يهمس كصوت الضمير الهاتف في سريرة الفرد. فالضمير هو، في اعتقاد المؤلف، ما يفرض الحدود على أفعال الإنسان ويضع القوانين التي على النفس التقيد بها، وإلا اعتراها المرض والفساد (٦).
لقد حاول هذان الكاتبان أن يبينا أن انسجام العالم الحديث مع الإسلام أمر ممكن. وقد قام بمثل هذه المحاولة أيضًا، لكن بإطلاق أشد، عبد الله القصيمي في كتابه، «هذه هي الأغلال». ففي هذا الكتاب، يطالعنا المؤلف بالتهجم المألوف على الجمود الديني وعلى الاستكانة إلى الآخرة، وعلى الطلاق بين الروحي والمادي، محاولًا شرح هذه الأخطاء التي وقع فيها المسلمون بردها إلى الفقه الإسلامي، ومنها اعتقاد علماء الكلام السنيين أن الله هو الفاعل الحقيقي الوحيد والعلة المباشرة لكل ما يحدث، بينما أساس القوة والتقدم إنما هو الاعتقاد أن الإنسان فاعل حر، وأن له القدرة على الكمال، وأن الكون مسير بناموس السببية. وهو يدعي أن العرب كانوا على هذا
стр. 420
الاعتقاد قبل الإسلام، كما كان عليه أيضًا المسلمون الأولون قبل أن تفسد دينهم التأثيرات الخارجية. لكن هذا لا يعني، عنده، أن على الإنسان الحديث أن يحاول محاكاة السلف، لأن التقدم يكتنف طبيعة الإنسان كما يكتنف المدنية، ولأن لا يمكننا العثور على الكمال في الماضي (٧).
قد يكون على الدرجة ذاتها من الأهمية كتاب آخر وضعه خالد محمد خالد الذي، بالرغم من افتقاره إلى روح الابتكار في التفكير واللباقة في الأسلوب، استطاع أن يبث تفسيرًا عصريًا للإسلام بين جمهور كبير. وهو في هذا التفسير يعمد، بدوره، إلى التمييز المألوف بين الدين الحقيقي والدين المزيف، بين ما هو جوهري وبين ما هو عرضي. لكن الدين الحقيقي فقد عمليًا معناه على يده، إذ أصبح مجرد «ينبوع للقوة والأخوة والمساواة». لقد بطل أن يكون عقيدة، بل غدا موقفًا روحيًا. زد على ذلك أن تمييزه هذا كان أحد، لا بل أقسى، من تمييز المفكرين قبله. فالدين الذي يتدخل في الحقل العلماني هو، في نظره، دين زائف، وآلة بين يدي «الكهنة» في سعيهم لاقتناص السلطة وإبقاء الناس على فقرهم وجهلهم. والدين الحقيقي لا يكون ممكنًا إلا إذا سادت العدالة الاجتماعية والاقتصادية. فالمعدة المليئة شرط ضروري للحياة الروحية (٨). وهو يقول أيضًا أن على المجتمع، كي يحقق العدالة، أن يعيد بناءه من جديد، وإن التغييرات الضرورية عميقة وواسعة النطاق بحيث يستحيل تحقيقها إلا بوسائل ثورية. ويرسم خالد محمد خالد لنا، في كتاب آخر، خطوط الثورة الاجتماعية التي يتصور قيامها في مصر، فيقول إنها تقتضي تقسيم الأملاك الكبرى، وفرض إيجارات زراعية، وتأميم الموارد، وحماية حقوق العمل، وتحرير المرأة، وتحديد النسل. وهي تقتضي أيضًا إنشاء ديمقراطية برلمانية وأحزاب سياسية. إذ إن الثورة يجب أن تكون ثورة ديمقراطية (٩).
لقد حاول هؤلاء المفكرون أن يفهموا الإسلام فهمًا جديدًا،
стр. 421
وأن يدافعوا عنه على ضوء مفاهيم عصر ساده علم النفس والنزعة إلى الثورة في كل شيء. وقد طرأ على فكرة القومية العربية تغير مماثل تحت ضغط كارثة جذرية، هي كارثة فلسطين. فقد كان لإنشاء دولة إسرائيل، واندحار الجيوش العربية، وتشريد السكان العرب، أثر عميق في التفكير القومي. وقد أسهم في النقاش الواسع حول أسباب التخاذل العربي بعض الشباب الفلسطيني (١٠). لكن خير من عالج هذا الموضوع من المفكرين هما قسطنطين زريق وموسى العلمي. الأول أتينا على ذكره، بصدد كتابه «الوعي القومي». لكنه، في ١٩٤٨ العصيبة، وضع كتابًا آخر عنوانه «معنى النكبة» (١١)، ألح فيه على أن خطر التوسع الصهيوني أهم ما يواجه العرب اليوم، وأن لا سبيل لهم إلى صده إلا ببذل كل ما يملكونه من قوة، وهذا يقتضي منهم تحويل كيانهم تحويلًا تامًا. وهو يرى أن السبب الأساسي لهزيمة العرب وللخطر المحدق بهم إنما هو عدم وجود أمة عربية بالمعنى الصحيح. فالعقلية التقدمية والديناميكية لا تقوى عليها العقلية البدائية والجامدة (١٢)، ولا يمكن التغلب عليها إلا بتغيير أساسي في حياة العرب وتفكيرهم يفضي بهم إلى إنشاء دولة موحدة، متطورة اقتصاديًا واجتماعيًا، بحيث يصبح العرب، واقعيًا وروحيًا، جزءًا من العالم الذي نعيش فيه (١٣)، فيتبنوا أساليبه التقنية المادية، وعلمانيته، وطرق تفكيره العلمي، وقيمه الخلقية. ولا يحقق هذا الأمر إلا نخبة مثقفة تستطيع أن تنظر إلى نفسها وإلى العرب بالوضوح والتواضع اللذين لا ينجمان إلا عن فهم حقيقي للتاريخ. وقد حدد قسطنطين زريق، في كتاب لاحق، حقيقة التفكير التاريخي الصحيح ونطاقه (١٤).
أما موسي العلمي، فقد أعرب عن آراء مماثلة. في كتابه «عبرة فلسطين» (١٥) فسرد الأخطاء التي ارتكبها العرب في معالجتهم للقضية الفلسطينية، كتقصيرهم في إعداد العدة، وعدم اتحادهم، وعدم تفهمهم بوضوح لما ستكون عليه الحرب، وعدم الجد في
стр. 422
خوضها. لكنه انصرف، من جهة أخرى، إلى الكشف عن مصادر الضعف الكامنة، بوجه عام، وراء هذه الأخطاء، كعدم وجود وحدة دائمة وثابتة فيما بينهم، والخلل في أجهزة الحكم، وغياب الوجدان السياسي عند الشعوب العربية، وفقدان الاتصال بينها وبين حكوماتها. ثم يقول إن لا قدر للعرب على صد التوسع الصهيوني إلا بالوحدة الحقيقية بين بلدان الهلال الخصيب أولًا (مع الاحتفاظ بوضع خاص للبنان)، وبإصلاح أنظمة الحكم إصلاحًا يجعل منها أنظمة دستورية حقة، يوجه العقل سياستها، والعلم إدارتها، وتعني بخير الشعب، ويكون فيها الحق في الحرية وفي العمل وفي الأمن وفي الخدمات الاجتماعية معترفًا به. إذ لا يمكن أن يكون ثمة أمة بالمعنى الحقيقي إلا إذا كان فيها للشعب ما يملكه ويدافع عنه.
لقد وضع قسطنطين زريق وموسى العلمي ثقتهما، عند تفصيل وسائل تحقيق هذه الإصلاحات، حيث وضع القوميون الليبراليون ثقتهم، أعني في النخبة المخلصة العاملة على خلق رأي عام متنور وعلى استخدامه لتحقيق الإصلاح سلميًا. لكن هناك، حتى بين الذين شاركوهم نظرتهم العامة إلى الأمور، من كان يشكك في فعالية هذه الوسائل. فادمون رباط، الذي كان، لعشرين سنة خلت، من ألمع الداعين إلى القومية، يؤكد، في محاضرته عن «مهمة النخبة»، أن القومية إنما كانت تعبيرًا عن طور اجتماعي معين، هو طور نهوض الطبقة الوسطى. أما الآن، وقد انطوى هذا الطور، فلم يعد بوسع النخبة القومية البورجوازية، التي أفلتت السلطة من يدها، أن تزود الأمة بزعماء منها (١٦). وعلى هذا الغرار يذهب فايز صايغ، أحد الشباب الفلسطيني، إلى أن إنشاء قومية عربية موحدة لن يتم بوسائل سياسية صرف، بل لا بد من تغيير اجتماعي أساسي، إذ لا تتحقق الوحدة إلا بالقوة الدينامية المتفجرة من مثل هذا التغيير (١٧). كما يفسر عبد العزيز الدوري، وهو مؤرخ ذو معتقدات قومية، تاريخ العرب بكامله على ضوء الحركات الشعبية المتكررة الرامية إلى
стр. 423
التحرر والوحدة (١٨).
وقد برز التوتر القائم بين مختلف أنواع القومية هذه في مؤتمر لكتاب العرب عقد في القاهرة عام ١٩٥٧. فمن خلال المناقشات التي تناولت الأدب الخالص والأدب الملتزم، طرحت استطرادًا قضية الحرية الفردية والمصلحة القومية، فشدد طه حسين، وكان إذ ذاك عميد الكتاب العرب ومناصرًا، لا للقومية المصرية الصرف، بل للقومية العربية، على أن ما يميز روح القومية العربية جوهريًا إنما هو الحرية والتسامح؛ كما جعل مندوب تونس من الحرية الفكرية شرطًا لفعالية الأدب، بينما ألح غيرهما على مسؤولية الكاتب تجاه أمته، فقال أحدهم: لا نريد حرية تتناقض مع الحقيقة (١٩). وقد تكشفت الحرب الأهلية في لبنان عام ١٩٥٨ عن توتر مفجع بين نوعين من القومية. فقد قام في لبنان، منذ ١٩٤٣، «ميثاق وطني» بين الذين يؤمنون بلبنان مستقل متصل بالغرب، ومعظمهم من المسيحيين، وبين الذين يؤمنون بأن لبنان، على تمتعه بكيان منفصل، إنما هو جزء من العالم العربي، ومعظمهم من المسلمين. فقبل هؤلاء بأن يعترفوا باستقلال لبنان، على أن يقبل أولئك بأن ينسق لبنان سياسته وفقًا لسياسة الدول العربية. وقد أخذ هذا الاتفاق يتزعزع، بعد ١٩٥٤، بظهور قومية عربية حيادية جديدة متطرفة، وبتمنع الدول الغربية عن القبول بحياد الشرق الأوسط. فأدت مخاوف القوميين اللبنانيين، والثقة المتزايدة لدى القوميين العرب الممزوجة بنقمة المسلمين على انحصار السلطة في أيدي المسيحيين، فضلًا عن عوامل شخصية مختلفة، إلى إضرام حرب أهلية خمدت بتأكيد جديد «للميثاق الوطني»، الذي بقي، بالرغم من ذلك، سريع العطب (٢٠).
وقد نشأ كذلك توتر مماثل في بلدان عربية أخرى. غير أن موجة الشعور بين الشباب كانت تتدفق، على العموم، نحو قومية عربية أكثر شمولًا. وقد أعطى «حزب البعث» شكلًا سياسيًا لهذه
стр. 424
القومية، حين تأسس في دمشق في الأربعينيات، فلعب دورًا مهمًا في لبنان والأردن والعراق فضلًا عن سوريا، كما كان له ضلع كبير في قيام الجمهورية العربية المتحدة في ١٩٥٨. كان هذا الحزب يطمح إلى تسلم الحكم، فلم يسمح لنفسه بتحديد موقفه التحديد الدقيق الذي من شأن المفكر المنعزل أن يقوم به. غير أن دستوره انطوى ضمنًا على عقيدة متناسقة وصفها مؤسسه، ميشال عفلق، بأنها عقيدة عروبية شاملة قبل كل شيء، تقول بـ «أمة عربية ذات رسالة خالدة» (٢١)، وترى أن الرابطة القومية بين الفرد وأمته هي أساس الفضيلة السياسية، وأن هذه الرابطة لا يمكن أن تكون إلا رابطة عربية لدى كل من كانت لغته عربية وكان مستوطنًا بلدًا عربيًا ومؤمنًا بانتمائه إلى الأمة العربية (٢٢). وهي تستبعد كل انتماء إلى وحدات إقليمية أو دينية أصغر، وتعتبر جميع البلدان العربية أجزاءً متساوية من الأمة العربية الواحدة.
وكان بين الانتقادات التي وجهها ميشال عفلق إلى القومية القديمة أنها بلا محتوى. وهكذا ألح «البعث»، في سنواته الأولى، على المحتوى الإسلامي للقومية العربية، واعتبر أن الإسلام هو ثقافة العرب القومية والصورة الحقيقية والرمز الكامل الأبدي لطبيعة الذات العربية، وأن محمدًا يخص «العرب كلهم». كما حذر هذا الحزب من خطر فصل الدين عن القومية الذي تعرض له الأوروبيون (٢٣). لكن ميشال عفلق رأى جوهر الإسلام في ميزته «الثورية»، فراح الحزب، فيما بعد، خصوصًا بعد اندماجه بحزب أكرم الحوراني الاشتراكي، يلح إلحاحًا أشد على الحاجة إلى الثورة الاجتماعية، فاشتمل برنامجه على إعادة توزيع الثروة، والحد من ملكية الأرض، والضمان الجماعي، وسن تشريع للعمل، وإنشاء نقابات حرة، وتأمين حد أدنى لمستوى المعيشة، مع التأكيد على أن الاستقلال العربي والوحدة العربية والعدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق، بعضها بمعزل عن البعض الآخر. ذلك أن الاشتراكية
стр. 425
جزء جوهري من القومية العربية.
لم يكن البعث شيوعيًا، بل اشتراكيًا ينادي مبدئيًا بالديمقراطية الدستورية، لكنه ارتبط إلى حد كبير بنظام الحكم العسكري في مصر خلال السنوات السابقة لقيام الجمهورية العربية المتحدة. وما ذلك إلا لأن سياسته الخارجية كانت حيادية، ولأن علاقاته الخارجية كانت وثيقة مع الكتلة الأسيوية الإفريقية التي كان الرئيس عبد الناصر أحد زعمائها (٢٤). بيد أن هناك سببًا إيجابيًا وطبيعيًا لذلك، هو تطلع الراغبين في إحداث تغييرات سريعة في منطقة لم يكتمل وعيها السياسي بعد إلى قوة ما تستطيع أن تحقق بنفسها ما يحققه ضغط الرأي العام المثقف والمنظم في بلدان أخرى. وفي ذلك يقول أحد مراقبي الحياة السياسية العربية: «أن طبقة الضباط العرب النبهاء غدت مستودع القوة السياسية الواعية في وقت كانت فيه الطبقة الحاكمة التقليدية قد أفلست، ولم تكن القوى الأخرى النامية قد تبلورت بعد، فأخذت الجماهير ترى بالفعل في هذه الطبقة «المخلص المنتظر» (٢٥) والواقع أن الفئة العسكرية المصرية كانت، من بين جميع الفئات العسكرية التي تسلمت الحكم في مختلف البلدان، الفئة التي أحرزت أقصى النجاح في استقطاب آمال القومية العربية وأمانيها ومطامحها. على أن «الناصرية»، على حد قول المراقب المذكور، هي حركة راديكالية اختبارية. «فهي ليست عقيدة، بل موقفًا ذهنيًا» (٢٦)، إذ عنيت أولًا بمصالح مصر كما فهمتها، وسعت لتأمينها بوسائل مختلفة ومرنة، معبرة بذلك عن إحساسين كانا واسعي الانتشار في مصر وفي بلدان عربية أخرى. أولهما هو الإحساس بمصلحة طبقة الفلاحين التي خرج منها معظم القادة العسكريين. لذلك عمدت الناصرية، من البدء، إلى انتزاع ملكية الأراضي من كبار الملاكين، فدشنت تلك السياسة التي وصفها الرئيس عبد الناصر بـ «السياسة الاشتراكية الديمقراطية التعاونية» (٢٧)، والتي رمت إلى إنشاء تعاونيات زراعية، وإلى تحسين الأوضاع الاجتماعية في القرى،
следующие страницы →