← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

عاري الظنابيب مُمتد نواشره ... مدلاج أسحم واهي الماء غساق فذاك همي وغزوي أستغيث به ... إذا استغثت بضافي الرأس نغاق كالحقف حدأه النامون قُلت له ... ذو ثلتين وذو بهم وأرباق وكلمة تأبط شرا الكافية التي مدح بها صديقه شمس بن مالك، تجمع أطراف مذهب الصعلكة من بسالة واعتداد بالذات واكتفاء بها وغلو في طلب الحرية مع التزام لأدب النفس: وإني لمُهد من ثنائي فقاصد ... به لابن عم الصدق شمس بن مالك (١) أهز به في ندوة الحي عطفه ... كما هز عطفي بالهجان الأوارك قليل التشكي للمهم يصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك يبيت بموماة ويمسي بغيرها ... جحيشًا ويعروري ظهور المهالك ويسبق وفد الريح من حيثما انتحى ... بمنخرق من شده المتدارك إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل ... له كاليء من قلب شيحان فاتك ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلة من حد أخلق باتك يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك وغير خاف عن القارئ الكريم ولع الصعاليك بذكر العدو، يرومون من أنفسهم أن يكونوا كالوعول وحمر الوحش، وظباء القفر انطلاقًا وحرية، ويستنكفون أن يستعينوا بالخيل فضلاً عن أن يفخروا بها. وكل هذا كما ترى جار مع جوهر طبيعة الصحراء وما يرومه البدو فيها من الفوضى التي لا تلتزم بشيء غير أدب النفس الذي يرفع من قدر الانطلاق ويربأ به أن يسف إلى الدنايا.

стр. 1017

على أن القبائل العربية في جملتها قد صارت قبيل الإسلام إلى حال من النمو والقلق تريد التجمع والاندفاع دون الفوضى التي كان ينشدها شعراء الصعاليك بثورتهم على الفروسية وأوضاع المجتمع القبلي. ذلك بأن من القبائل ما أثري وتزايد عدده كقريش وبني حنيفة، ومنها ما تتابعت رياساته في بيوت جعلت تتطلع إلى السلطان كبني كنده وبني شيبان. ومثل هذا النمو لم يكن ليسمح بتغلب دعوة الفوضى، ولم يكن ليلقي بالاً إلى شعراء الصعاليك إلا على سبيل الاستظراف. ولعله لم يكن من القبائل ما كان يتجاوب حقًا مع قيم الصعلكة إلا هذيل لإيغالها في التبدي وشدة فقرها .. وشعر هذيل في جملته شديد الشبه بأشعار الصعاليك. وإذ قد كانت الصعلكة، وهي كما قدمناه ثورة على الفروسية والقبلية، مقضيًا عليها أن تكون مذهب القلة النادرة، والشذاذ من الأفراد، فإن الشاعر العربي آثر أن ينزل عن مكان الصدارة المرتبط مع الفروسية، إلى مكان دونه كيما يظل محتفظًا لنفسه بمقدار كبير من حريتها ويظل مع ذلك صاحب الكلمة المسموعة في المجتمع. فآثر من أجل ذلك أن يكون فارسًا بلسانه، ساحرًا ببيانه. وجعل من هذا الاتجاه الجديد سببًا إلى المكسب ووسيلة إلى الشهرة ومخالطة العلية من غير ما تقيد بقيودهم. ولقد كان رضا الشاعر بالنزول عن مرتبة السيد والفارس تضحية عظيمة وثورة خطيرة. ولقد أصاب أوائل الشعراء الذين أقدموا على هذا النزول عن عمد أو اتفاق شر كثير. وعلى رأسهم امرؤ القيس، إذ قد نزل عن مرتبة الملك إلى صحبة الشذان والخلعاء وهو القائل: وقربة أقوام جعلت عصامها ... على كاهل مني ذلول مُرحل وواد كجوف العير قفر قطعته ... به الذئب يعوي كالخليع المُعيل فقلت له لما عوى إن شأننا ... قليل الغنى إن كنت لما تمول كلانا إذا ما نال شيئًا أفاته ... ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل

стр. 1018

وقد وهم صاحب الخزانة فأنكر أن يكون هذا من قول امرئ القيس وقال: «وهذا أشبه بكلام اللص والصعلوك لا بكلام الملوك»، ونفس امرئ القيس في هذا الكلام غير خاف، ولذلك أثبته له في المعلقة من صيارفة الكلام الأوائل أبو سعيد السكري وكان شديد التحري، وذكر صاحب الخزانة أن الرواة رووا هذه الأبيات لتأبط شرًا، منهم الأصمعي وأبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات وابن قتيبة، ولعمري إن قوله «على كاهل مني ذلول مرحل» أشبه بامرئ القيس وكأنه يشعرنا بأنه قد راض نفسه رياضة على أسلوب الصعاليك حتى ذل كاهله لحمل القربة وعصامها. وكذلك قوله «كالخليع المعيل» والبيت الأخير لا يقع مثله عند تأبط شرا بحال وهو أشبه شيء بكلام امرئ القيس، وأما قوله: فقلت له لما عوى إن شأننا ... قليل الغنى إن كنت لما تمول فهو لا يشبه كلام تأبط شرًا هو القائل: سدد خلالك من مال تُجمعه ... حتى تلاقي الذي كل امرئ لاقى ولا يشبه في ظاهره مطالب امرئ القيس الذي إنما كان يزعم أنه يريد الملك والثأر لا المال، وهو القائل: فلو إنما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكن الحوار شبيه بالذي يقع عند امرئ القيس. وقوله فقلت له لما عوى إلخ. فيه أصداء من قوله: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل والراجح عندي أن طريقة الخطاب منها تقليد من امرئ القيس لما كان يتداوله الخلعاء واللصوص الذين صحبهم، من ضروب القول والآمال. ولم يكن صعاليك امرئ القيس أصحاب قصيد ومُثل عليا كتأبط شرا والشنفري. وأذن لقد

стр. 1019

كنا سمعنا عنهم. هذا والرقة التي في قوله؟ : «إن شأننا قليل الغنى إن كنت لما تمول» من سنخ كلام امرئ القيس وتأتيه. والله تعالى أعلم (١). هذا وبعد أن آل الملك إلى امرئ القيس، ونهض هو إلى الثأر، أبت له الأيام إلا أن ينزل عن هذه المرتبة إلى غربة ممضة وحرمان أليم. ويعجبني قوله في ذلك: أبعد الحرث الملك ابن عمرو ... له مُلك العراق إلى عمان مجاورة بني شمجي بن جرم ... هوان ما علمت من الهوان ويمنعها بنو شمجي بن جرم ... معيزهم حنانك ذا الحنان وأبى الناس إلا أن يذكروا له ما كان فيه من خلاعة ويأخذوه به، فسموه الملك الضليل مع أنهم يروون أن ضلاله إنما كان قبل الملك. ولحقته الأساطير إلى بلاد الروم فجعلته يروم من امرأة قيصر أو ابنته نحوًا مما كان يفعل أيام فجوره بنجد، وجعلوا هذه المغامرة منه سببًا في قوله، إذ زعموا أن قيصر كساه حلة مسمومة تناثر منها لحمه. وقد عمد جماعة من الشعراء على زمان امرئ القيس وبعده عمدا إلى مدح السادة والملوك وتقبل الرفد منهم- من أولئك علقمة بن عبدة صاحب البائية في أحد ملوك غسان، ومنهم المسيب بن علس وأوس بن حجر. وقد عمد النابغة وزهير إلى التكسب بالمدح وقيل إن ذلك مما عيب عليهما ونزل بهما عن مراتب السادة. ولكن الشعراء ما لبثوا أن تبينوا صواب هذا المسلك فأقبلوا عليه كل إقبال. من ذلك ما فعله الأعشى إذ جعل يلتمس أسباب الرحلة إلى كل ماجد يسمع به. وقد يقال إن العمى كان يملي عليه هذا المسلك إذ لم تكن له سبيل إلى حمل السلاح. ولكن ما بال حسان بن ثابت يصنع مثل صنيعه، وكان يكره القتال ويتحرز منه حتى وصم بالجبن؟ وما بال بشر بن أبي خازم، وكان ذا قتال وغارات يقبل عطاء أوس بن حارثة بن لأم

стр. 1020

ويمدحه، ونحن نعلم أن أوسًا لم يعف عنه لما ظفر به أسيرًا إلا لما علمه من شاعريته وما أمله من مدحه؟ والحق أنه لم يمض على زمان امرئ القيس قليل حتى صار الشاعر ذا وضع خاص في المجتمع العربي، ربما تجاوز القبيلة إلى أطراف الجزيرة- كان في منزلة البطولة البيانية، التي تتيح له أن يغير كما يغير الفارس، وينطق بالحكمة والكلم الرهيب كما يفعل الكاهن، ويتغنى حرًا طليقًا كالصحراء وصعاليكها- ثم يظل بعد ذلك مرتفعًا عن منزلة العامة، خارجًا عن حلبة السادة، إلا أن تتفق له اتفاقًا في الفروسية الشخصية أو الرياسة الموروثة. على أن قول الشعر قد صار يحيف بمنزلة المرء في هذين البابين لما تواضع الناس عليه أن يسمحوا للشاعر بالحرية، ولكن يتقاضونه ثمنها في الإجحاف به والنزول بقدره. ومن أجل هذا نجد الرواة يذكرون أمن منزلة الشاعر قد نزلت عن منزلة الخطيب بعد أن كان فوقه، وأن الشعر قد صار يعد أدنى مروءة السرى وأسرى مروءة الدنى (١) وما أحسب أن قريشًا اتهمت النبي ﷺ بأنه شاعر، إلا ليلهوا الناس عن خطره ويهونوا عليهم أمره. فما أفلحوا. بطولة الشاعر: على أن المجتمع حين خس بقدر الشاعر، مقابل ما أتاح له من حرية القول المباشر، يمدح إن شاء، ويهجو إن شاء، وينسب إن شاء، ويفتن كما أراد- لم يضعه وضعًا خارجًا عن القانون الاجتماعي بالكلية، بحيث يسلم من المحاسبة على كل حال. بل فرض عليه حسابًا عسيرًا، يناقض مبدأ ما أقر له به من الحرية، كما يناقض ما اعتمده من الإزراء بقدره. وذلك أن مكان الشاعر من الإفصاح أتاح له منزلة من الشرف لا تنكر- فصار من حيث هو شاعر يعد في ساداتهم وإن لم يرفع إلى

стр. 1021

قدر هؤلاء، بسبب أن شاعر كما قدمنا. وإذ عُد في السادة لزمه أن يتخلق بأخلاقهم، كي لا يسب بالإسفاف فيكون ذلك سبًا لقومه، ثم لزمه أيضًا مع ما هو مطلوب منه من الشجاعة في القول، والصراحة في البيان، أن يحترس فلا يقول ما يُؤبن به هو، مما يصير عارًا عليه وعلى قومه، أو ما يسوء سادة قومه، أو ما يسوء الكرام من غيرهم إساءة تحفظهم، إذ القول يُؤثر جيلاً بعد جيل والشاعر مهما يكن كاللسان بالنسبة إلى قبيلته، فإنه إن برز كان بمنزلة الحكم بالنسبة إلى غيرها من القبائل. والحق أن فردية الشاعر المتأصلة، وحرصه على التحدث بلسان نفسه، ثم كونه مع ذلك مرادًا منه بحكم البيان وبحكم الكيان الاجتماعي أيضًا، أن يصدق عن مجتمعه، ثم يسايره مع ذلك، ويزينه ويطربه ويشجوه ويزهوه. كل هذا كان يضعه أحرج وضع ويعرضه إلى أن يقف موقفًا من البطولة بمقدار ما وهبه الله من ملكة البيان الشعري، فكلما كانت ملكته قوية بارعة، كان موقفه من البطولة أقوى وحرجه من المجتمع أشد إذ يكون صدقه حينئذ أكثر واحد، ونفاذه إلى القلوب أسرع، واحفاظه ذوي الحفيظة أقرب، واستدعاؤه للريبة في ما ينطق به عن نفسه أوشك. والله تعالى أعلم. طريقة القصيدة ووحدتها: لعلك الآن أيها القارئ الكريم -ذاكر ما كنا قدمناه لك من قبل في فصل «قرض الشعر» - من أن الشاعر العربي لا يتكلف التماس الوسائط إلى سامعه، وإنما يروم مصارحته وإيصال تجربته إليه حتى يشاركه السامع فيها ويكون كأنه هو نفسه قد جربها. ثم لعلك أيضًا ذاكر ما ألمنا به من قولنا إن الصراحة الصلتة طريق عسر، وإن الشاعر، قد طلب لها التذليل بإيرادها في إطار من الوزن والقوافي والزخرفة النغمية. ثم لابد أنت ذاكر مع كل هذا ما قدمناه من أن القافية والوزن معًا

стр. 1022

يكونان بمنزلة المفتاح للتعبير، وموسيقا الشعر التي يتمثلها الشاعر فيهما تحمل نفسًا واحدًا منه يشير إلى وحدة كلمته من لدن مطلعها إلى مقطعها. ونريد هنا أن نضيف أمرًا آخر في ضوء هذا الذي قدمناه من منزلة الشاعر في مجتمعه، وبطولته المفروضة عليه من قبل المجتمع والملكة معًا، وهو أنه ينبغي أن يفتن في أساليب الاحتراس البياني مع ما هو مطلوب منه من الصراحة- فلم يجد إلى ذلك سبيلاً خيرًا من أن يلتزم طرقًا خاصة في إلقاء القول، تقوم مقام الرمز المعروف الدلالة. ثم قد اكتسبت هذه الطرق الخاصة بمرور الزمان جمالاً شكليًا وروحًا في ذات نفسها، فضلاً على مدلولها الرمزي، ثم إن الشاعر يُضمن هذه الطرق الشكلية الرمزية الخاصة ما شاء من المعاني تضمينًا يدركه السامع، يكون أحيانًا إيحاء خفيًا مُستسرًا، ويكون أحيانًا جهيرًا لا يضرب دونه من حجاب. هذه الطرق البيانية الخاصة، ذات الدلالة الرمزية، والجمال الشكلي المعتق بمرور الزمان وتقبل الجيل بعد الجيل، هي ما تواضع عليه النقاد وقالوا إنه الشعر، ولك أن تسميه مذهب القصيدة. وهو مذهب غريب غاية الغرابة إذا قيس إلى أصناف الشعر الأفرنجي. ولقد ثبت على الأجيال منذ زمان امرئ القيس إلى يومنا هذا. ولعمري إني إذ أقول إنه غريب غاية الغرابة بالنسبة إلى الشعراء الأفرنج إنما أتجوز. والواجب أن أقول بعكس ذلك- أي أن الشعر الأفرنجي غريب غاية الغرابة بالنسبة إلى مذهب القصيدة. ذلك بأن مذهب القصيدة بالنسبة إلينا نحن الناطقين بالعربية المعبرين بها شيء كالأساس ومذاهب الشعر الأفرنجي مهما تخلبنا إنما هي شيء غريب عنا، وقصارى جهدنا أن نقتبس منها ثم نؤول إلى الأصل الذي كنا عليه. ومن رام سوى ذلك سبيلاً أصابه ما أصاب الغراب حين رام محاكاة الطاووس. وشر من ذلك أن يروم طاووس محاكاة غراب. ولقد درج النقاد منا المعاصرون على أخذ قسمة الإفرنج للشعر قضية مسلمة.

стр. 1023

وقد نبهنا في المرشد الجزء الأول على خطل هذا الرأي. إذ ليس ضربة لازب أن يكون كل الشعر إما دراما وإما ملحمة، وإما غناء- أجل كل الشعر في أصله وعامة مدلوله، فيه روح الغناء أو الروم إلى الغناء، ولكنه مع ذلك بيان قوي شديد التأثير وثيق الصلة بتأريخ الأمم وكيانها. وقد اختار الإفرنج منهجًا خاصًا في صياغة الشعر- أملته عليهم ظروف حضارتهم المنبثقة في أصلها بزعمهم من تراث اليونان والروم مضافًا إليهما أساطير الأمم الجرمانية وعاداتها وخرافاتها. وقد اختار العرب مذهبًا آخر مباينًا لمذهب الإفرنج كل المباينة. ولقد مر بك آنفًا فرق ما بين طريقة الأداء الشعري العربي في الوزن، والأداء الإفرنجي، وإنه لفرق عظيم، كما مر بك آنفًا إلماع منا إلى الإبلاغ المباشر، والثاني يتأمل ويتأتى ويفعل فعل الصانع. ولقد قال أرسطو إن الشعر محاكاة للطبيعة وقد صدق من حيث إن صاحب الدراما يروم إنطاق الناس وتحريكهم كما يفعلون في الحياة، ولكن على نحو مبالغ فيه، وفي ضوء رسوم وطقوس خاصة. وكذلك يفعل صاحب الملحمة. يقص عليك خبر إبطال ويتتبع أحداث حياتهم وأقوالهم ويضفي حول ذلك أجواء فيها أيما محاكاة لما يقع في الحياة. والذي يقول الغنائي من الشعر، وهو ألصق أشعار الإفرنج وأسلافهم من يونان والروم بحاق الذات وأبعدها عن محض تقليد الطبيعة، أيضًا يعمد إلى النعت، دون التحدث عن نفسه هو نفسه. وفي هذا من محاكاة الطبيعة وتقليدها ما فيه. أما الشاعر العربي فيذهب بالقصيدة مذهبًا بين الغناء والخطابة والعرافة، وهذا المذهب يحتمل أصنافًا من تقليد الطبيعة الذي يقع في الدراما والملحمة والنعت الغنائي ثم ينفرد بعد ذلك بوجدانية صرفة، مصدرها الرمز والموسيقا، وشكلية الجمال الأدائي. وسنمثل لهذا الذي نزعمه من بعد إن شاء الله. هذا ولما كان مذهب الشاعر العربي موغلاً في الوجدانية، عظيم الاعتماد على

стр. 1024

الرمز والموسيقا، حريصًا في ذات الوقت على الإفصاح الصلت الصارح الذي تفرضه عليه بطولة الشاعر بحسب ما بيننا عن حقيقتها فيما مضى، كان أمر الوحدة في القصيدة العربية مستمدًا في جوهره من موسيقا القصيدة، ومن رمزيتها ومن المعاني الواضحة التي تطرقها ثم بعد ذلك وفوق ذلك كله من نفس الشاعر وحرارته، إذ القصيدة كلها حديث صريح بلسانه، وإفصاح جهير بمكنون نفسه، وروم بين إلى أن يشاركه السامع في تجربته. ولاختلاط هذه العناصر المكونة لوحدة القصيدة العربية وتلاحمها تلاحمًا يبلغ بها أحيانًا إلى نوع من الأثيرية التي لا تكاد تُحس، خفي أمرها عن كثير من النقاد. أما عامة المستشرقين فجزموا بفقدانها. على أن منهم من لم يخف عنه وجودها، من هؤلاء المحقق البارع كارلوس يعقوب ليال، وإدراكه لوجود هذه الوحدة يستشفه القارئ من خلال تعليقه على قصائد المفضليات في مجلد ترجمته لها، وسنعرض لشيء من ذلك إن شاء الله. وكثير من كلام المستشرقين بعد، باطل حنبريت، عليه ظلال آراء العنصرية التي كانت نافقة في القرن التاسع عشر (١)، من ذلك مثلاً حديث كاتب مقالة الشعر في الموسوعة البريطانية في أخريات كلامه عن الشعر العربي. وأما المحدثون من نقادنا فالغالب عندهم أن الوحدة شيء مفقودة في القصيدة العربية وفي الذي سنذكره من بعد ما نأمُل أن يتلافى هذا الوهم. وأما القدماء فلم يشكوا في الوحدة فيتحدثوا عنها، وإنما ألمعوا وأومأوا كعادتهم، كقولهم شعر له قِران وشعر ليس له قران، وكقولهم: وشعر كبعر الكبش فرق بينه ... لسان دعي في القريض دخيل وهذا باب نأمل أن نُفيض فيه من بعد إن شاء الله.

стр. 1025

شكل القصيدة: قدمنا لك أن مذهب الشاعر أمر بين الغناء والخطابة والعرافة. وأن طريقته في البيان أن يصطفي السامع إلى نفسه، ثم إذا صار إلى حالة الجذب، طلب أن يمد من نطاقها حتى يدخل السامع فيه، ويشاركه ما يحس. ثم هو بعد ذلك يدفع بكلامه دُفعًا، حتى إذا بلغ نهاية ما تجيش به نفسه انقطع. وهذه الطريقة في الأداء عسرة للغاية. إذ الشاعر أبدًا قريب من أن تختلط عليه مسالك التعبير فتخرج به عن حاق ما يجيش به صدره إلى آخر يظنه منه وليس منه. ولأمر ما قال الحطيئة: الشعر صعب وعسير سُلمه إذا ترقى فيه من لا يُحكمه زلت به إلى الحضيض قدمه يريد أن يُعر به فيعجمه وقد قدمنا لك أن الشاعر يبالغ في الموسيقا ويلتزم وزنًا وقافية وهلم جرا ليزين بذلك صراحته ويخفف وقعها على السامع ويدعوه ليشاركه في تجربتها. ونضيف على هذا الذي قدمناه، أن في التزاماته هذه أيضًا أدبًا وطريقة ومنهاجًا يؤمنه شيئًا من العثار ويرده إلى الإبانة عن ذات فؤاده في نفس واحد من غير اضطراب ولا تشويش. وقد ألمعنا إلى جانب من هذا المعنى بمعرض الحديث عن مدلولات المعاني التي تشير إليها الأوزان وما يصرن إليه من الانحصار في دائرة ما، عندما تنتظمهن القوافي. ولكي يضمن الشاعر لنفسه تمام الأدب وكمال الطريقة والمنهاج -ثم أيضًا حرصًا منه على تزيين صراحته وإشراك السامع فيها- عمد إلى أسلوب خاص في الأداء، لم يحد عنه بحال، والتزمه كالتزامه للوزن وللقافية، وجعله مسلكًا للبيان كما

стр. 1026

قد جعل الوزن والقافية والحركات والسكنات اللائي بداخلهن مسالك للموسيقا والجرس. هذا الأسلوب الخاص في الأداء، هو شكل القصيدة الذي اتسمت به من مبدأ وخروج ونهاية على حد تعبير ابن رشيق. أو قل من نسيب وإيجاب للحقوق بذكر السفر وما إليه، ثم صيرورة بعد ذلك إلى ما يهم الشاعر بقوله من أغراض، كما بين ابن قتيبة في مقدمته للشعر والشعراء. وهذا الشكل يتفاوت في أنواع القصائد وتختلف ألوانه ولكن جوهره واحد. وقد آثره شعراء العرب واختاروه. ثم قد أخذ بنفوسهم كل مأخذ حتى إنه ما زال كل ناطق بالعربية إلى يومنا هذا إذا نظم شعرًا قبيحًا أو عاميًا نظر إلى شكل القصيدة من قريب أو بعيد. لا أكاد استثني من ذلك شيئًا إلا ما تنشره مجلة «شعر» اللبنانية فإنها تتبع طريقًا غريبًا لا أراه يعيش غير ساعة تأليفه وعسى أن يجيء ميتًا ساعة تأليفه (١). وإذ هذه هي الحال، فعلينا أن نفهم شكل القصيدة ونروم درك أسراره. فذلك خير من أن نحاول إقحامه على القسمة الغربية المعروفة- دراما، ملحمة ليرك (غناء). المبدأ والخروج والنهاية: إذ صح ما قدمناه، من أمر وحدة القصيدة، وهو صحيح عندنا ل نرتاب فيه، فإن مبدأها وخروجها ونهايتها كل أولئك متصلات على ما قد يبدو من افتراقهن للنظرة السطحية. ولشعراء العرب مذهبان في المبدأ: ١ - أولهما أن يكافحوا أغراض القول كفاحًا من دون تقديم شيء بين يديها.

стр. 1027

وهذا إنما يتأتى في الأشعار التي ينحو بها أصحابها منحى الخطب ويفترضون فيها أن أبواب الوصايا وفي بعض المديح والهجاء والرثاء. أو قل بلفظ أعم، إن أكثر ما يقع هذا في القصائد اللواتي يربط بين أطرافهن موضوع بياني واحد فتكون الخطابة أنجح في الأداء من طلب الإيحاء. وأكاد أزعم أن الأشعار التي تقع في هذا الباب يكون أكثرها في المرتبة الثانية من الجودة. إلا أن هذا القول لا يمكن القطع به دائمًا أبدًا إذ الملكات تتفاوت. ومن أرباب الملكات من يصعدون بنحو هذا القول إلى الرتب العليا. فمن أمثلة الوصايا كلمة يزيد بن الحكم المشهورة: يا بدر والأمثال يضربها لذي اللب الحكيم وكلمة عبده بن الطبيب: أبني إني قد كبرت ورابني ... بصري وفي لمُصلح مُستمتع وكلمة عبد قيس بن خُفاف البرجمي: أجبيل إن أباك كارب يومه ... فإذا دُعيت إلى المكارم فاعجل ومن الحكم التي تجري مجرى الوصايا ميمية معن بن أوس: وذي رحم قلمت أظفار غيظه ... بحلمي عنه وهو ليس له حلم ومن أمثلة المدح بائية النابغة: أتاني أبيت اللعن أنك لُمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب وإنما أوردها هكذا لما علمه النعمان من مذهبه في الاعتذار ولا ريب في جودة الكلمة وعلو مرتبتها.

стр. 1028

ومن أمثلته أيضًا رائية كعب وهي قصيرة: من سره شرف الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار وقد قالها لما ظن الأنصار أنه يُعرض بهم في قوله من «بانت سعاد»: يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل ومن أمثلة المدح العظام التي لم يُمهد لها صاحبها بتقديم، بائية أبي تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب وله غيرها جياد استهلهن بهذه الطريقة. على أنه من الخير لنا في هذا المقام أن نستشهد بشعر الأوائل إذ هو الأصل. ثم إذا صرنا إلى شعر المحدثين ذكرنا ما أدخلوه على ذلك الأصل. ومن أمثلة الرثاء كلمة أوس بن حجر: أيتها النفس أجملي جزعا وكلمة الخنساء: أعيني جُودا ولا تجمدا وتوشك المراثي أن تقارب الوصايا والحكم في طرح المقدمات. والجياد من المراثي لسن كثيرات كثرة الجياد من غيرهن. هذا والقصائد اللاتي يكافحن أغراضهن من المطلع، يستغنين بذلك عن أن يكون لهن خروج وليست نهاياتهن سوى انتهاء ما الشاعر بصدده من وصية أو مدح أو رثاء. (١) هذا والمذهب الثاني في المبدأ هو الذي عليه أكثر القصائد وهو الاستهلال بالنسيب والخروج إلى السفر وذكر الأغراض، ونعني بالأغراض ههنا الأمور التي يريد أن يعرب بها الشاعر عن ذات نفسه. وينبغي التنبيه على أن هذا التقسيم

стр. 1029

تقريبي فيه تجوز كثير إذ القارئ يعلم أن الشاعر قد يبدأ في ذكر بعض أغراضه مع النسيب. بل قد يكون بعض النسيب من أغراضه وقد يذكر الرحلة مع النسيب أو يؤخرها إلى القسم الثالث أو يخلط بين الأقسام فيدخل بعضهن على بعض. أو يحذف أحدهن استغناء عنه كالذي وقع من زهير في المعلقة: أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم فإنه قد ترك الرحلة وإن يك قد أدخل بعض أوصافها فيما جاء به من نسيب. وقد اكتفى بالإيحاء العجل إليها في لاميته فقال: تأوبني ذكر الأحبة بعد ما ... هجعت ودُوني قُلة الحزن فأقسمت جهدًا بالمنازل من منى ... وما سحقت فيها المقادم والقمل لأرتحلن بالفجر ثم لأدأبن ... إلى الليل إلا أن يُعرجني طفل وقد اكتفى من النسيب بثلاثة أبيات فحسب، في داليته التي مطلعها: غشيت ديارًا بالبقيع فثهمد ... دوارس قد أقوين من أم معبد وأطال في وصف الرحلة. وقد خلط امرؤ القيس بين النسيب وغيره أيما خلط في طواله المشهورات. وقد ذكرنا في الجزء الأول أن استهلال الشعراء بالنسيب يراد به إحداث روح من الشجى والحنين. وقد أشار إلى هذا المعنى ابن قتيبة في الشعر والشعراء قال (١): «وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار، وبكى وشكا وخاطب الربع واستوقف الرفيق ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها، إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر لانتقالهم عن ماء إلى ماء وانتجاعهم الكلأ وتتبعهم مساقط الغيث حيث

стр. 1030

كان. ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق. ليُميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه لأن التشبيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب، لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقًا منه بسبب وضاربًا فيه بسهم، حلال أو حرام، فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عقب بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا النصب والسهر، وسرى الليل، وحر الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير. فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء، وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح فبعثه على المكافأة وهزه للسماع وفضله على الأشباه وصغر في قدره الجزيل». وهذا كما ترى وصف مجمل للقصيدة من حيث هي، ولقصيدة المدح بوجه خاص. ومحل النظر حديثه على الأطلال والنسيب فهو عميق دقيق. وقد أشرنا في الجزء الأول، إلى رأي للأستاذ المستشرق جب، في كلمة نشرها في مجلة معهد الدراسات الشرقية بلندن، بعنوان «اللغوي والشاعر» (١) تحدث فيها عن روح الحنين الذي يرومه الشعراء بمطالع النسيب. وقد ذكر أن هذا الحنين وثيق بالارتباط بالصحراء وحياة الحل والترحال، وأن العربي لم يكد يتخلص منه بحال في طريقة أدائه. وذكر في هذا المجرى أن كثيرًا من مطالع المتنبي الحزينة إنما هي ضرب من النسيب. والكلمة قيمة جيدة للغاية وقد أشرنا في المرشد إلى أنه ربما يكون قد نظر من خلالها إلى بعض حديث ابن رشيق في العمدة، في باب المبدأ والخروج، والنهاية إذ تعرض لأسلوب المتنبي في التقديم بالفخر ونعوت الخيل وإلى أساليب بعض المحدثين في ذكر الرياض والرياحين (٢).

стр. 1031

هذا ونريد أن نضيف على ما قدمناه في الجزء الأول، وعلى ما ذكرناه من قول ابن قتيبة وتفريع غيره عليه، أن النسيب في جملته تراد به أغراض أربعة: أولها رمزي محض وثانيها إثارة الحنين وثالثها الغزل ورابعها النعت، وهذه الأغراض الأربعة تتداخل وتختلط، وإنما نفرق بينها ههنا من أجل التوضيح والتحليل ليس إلا. والله تعالى أعلم وبه التوفيق.

стр. 1032

الباب الثالث المبدأ والنسيب ذكرنا آنفًا أن أغراض النسيب أربعة هي الرمزية المحضة والحنين والغزل والنعت، وهذا حين نبدأ في شيء من تفصيل ونكرر ههنا ما ذكرناه من أن هذه الأغراض تتداخل وإنما نفصل بينها من أجل التحليل. (١) الرمزية المحضة تمهيد: نعود بالقارئ الكريم إلى ما كنا ذكرناه من صلة الشعر القديم بالعرافة والكهانة، وما ألمعنا إليه من حاجة الشاعر إلى الوحي والرمز ليزين بهما صراحته عن نفسه حتى تنال من السامع القبول. فإذا ذكر القارئ أصلحه الله هذا، رجعنا به إلى قديم الحياة الجاهلية، وما كان عليه أمر العرب من عبادة الأوثان. والذي يترجح عندنا أن المرأة كانت إله العرب المقدم في باب العبادة الوثنية بادئ يدًا، ألهوها من أجل الخصوبة. (وقد كانت من الديانات الأوليات تفعل نحوًا من هذا. ثم إنه لما فطن الناس إلى خصوبة الرجل، جعلوه إلهًا. فبعض المجتمعات أعرضت عن عبادة الأنثى مرة واحدة وخست بقدرها أي خس. وبعض المجتمعات احتفظت ببعض مراسيم عبادتها لها وأحلتها درجات من التقديس، تتفاوت علوًا ودنوًا بالنسبة إلى الرجل). ويبدو أن العرب لم يتركوا عبادة المرأة بحال، لارتباط معنى الخصوبة بها، حتى بعد أن صاروا إلى عبادة الإله الرجل. يدلك على ذلك أنهم ظلوا يؤلهون

стр. 1033

مناة واللات والعزى ويقدمونهن كل التقديم، وهذه كما ترى أسماء إناث. وقد كانت لهم آلهة مثل هبل وود وسواع ونسر ويغوث ويعوق وذي الخلصة. وقد تعلم من استقراء أخبار القدماء أن حج المشركين في الجاهلية كانت تختلط به طقوس الخصوبة. من ذلك ما ذكره ابن إسحق من أن الرجال كانوا يطوفون بالبيت عراة وأن النساء كن يرتدين أقبية مشقوقات لا تكاد تستر وكُن يطوفن ويغنين (١): اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أُحله وقد تعلم أيضًا أن إسافًا ونائلة مما ألهته قريش، وخبرهما أنهما رجل وامرأة أحدثا في الحرم فيه فمسخهما الله حجرين، والمسخ يناقض ما صارا إليه من التأليه لولا أن يكون ما فعلاه في القديم قد كان رسمًا من رسوم الخصوبة وطقوسها. وما يذكرونه من عبادة الدوار وهو صنم كانت تطوف به العذاري- وهو الذي ذكره امرؤ القيس في قوله: فعن لنا سرب كأن نعاجه ... عذاري دوار في ملاء مُذيل يحف به لون غير خاف من ألوان الخصوبة وطقوسها.

стр. 1034

هذا وقد ذكر لنا القرآن غير قليل من عقائد العرب الوثنية في المرأة وتأليهها: من ذلك زعمهم أن الملائكة بنات الله، وزعمهم أن لله من البشر إناثهم دون ذكورهم، ولشركائه الذكور دون الإناث، فقال تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾. وأكاد أجزم أن الوأد الذي كانت تفعله قريش وكثير غيرها من العرب، ما كان إلا من قبيل العبادات الوثنية. والذي يذكره المتأخرون من أن العرب إنما كانوا يئدون البنات نفاة للعار سبب ثانوي فيما أرى وليس برئيسي وسنعرض لذلك من بعد عندما نتحدث عن الغيرة في باب الغزل، والقرآن صريح، في أن أسباب الوأد الرئيسية قد كانت وثنية واقتصادية. قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ وقال تعالى في الإسراء: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾. وزعم بعض الزاعمين أن الوأد إنما كان في قبائل قليلة من العرب هراء محض (وأحسبه من باب الرد على الشعوبية) يشهد بذلك صريح القرآن (١) إذ كان إنما يخاطب قريشًا ثم العرب كلهم، وليس في الآيتين السالفتي الذكر ما يدل على أن المشار إليهم بعادة قتل الأولاد كانوا نفرًا قليلاً. وآية الموؤدة في سورة التكوير صريحة في إدانة قريش وعامة المشركين ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾. هذا وقوله تعالى: ﴿أَوْلادَكُمْ﴾ يدخل فيه الذكور والإناث. ويُقوي ما نراه من أن التضحية للآلهة كانت تنال الذكور كما تنال الإناث، ثم إن العامل الاقتصادي حمل القوم على استبقاء

стр. 1035

الذكور دون الإناث، إذ حياة الصحراء حياة حرب ونضال تؤثر القوي القادر، على الضعيف العاجز، وغير خاف غناء الرجل في هذا الباب وضعف المرأة. وقد احتالت العرب على استبقاء الذكور بالفدية، ثم استبدلت تضحيتهم مرة واحدة بضحايا الأنعام والبهائم. ويبدو أن طريقة تضحية الذكور كانت الذبح على الصفا. وفي خبر حروب قيس صدر الإسلام ما يشهد بذلك إذ أخذوا بعض أبناء الكلبيين يذبحونهم على الصفا (١). وقال الشاعر (٢): لعمري أنني وأبا رباح ... على طول التجاوز منذ حين ليُبغضني وأُبغضه وأيضًا ... يراني دونه وأراه دوني فلو أنا على حجر ذُبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين فهو كما ترى ههنا يذكر الذبح على الحجر. وفي خبر سيدنا إسماعيل في سورة الصافات: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾. وسياق الآيات كما ترى يدل على أن حديث سيدنا إبراهيم لابنه كان عند السعي بين الصفا والمروة، فيكون تله له على الجبين، على هذا، عند الصفا، ثم جاءت الفدية، فصارت سنة. ومضى العرب يذبحون فدياتهم -وكانوا يسمونها العتائر والنسك- على الصفا، على النحو الذي كانوا يذبحون به ضحاياهم البشرية.

стр. 1036

قال زهير يصف الصقر: فزل عنها وأوفى رأس مرقبة ... كمنصف العتر دمى رأسه النسك ومنصب العتر هو الحجر الذي كانت تذبح عليه العتائر. هذا وقد بقيت من تراث القربان البشري بالذكور من الأولاد بقايا إلى قريب من عهد الإسلام. من ذلك ما يروى من نذر عبد المطلب جد رسول الله ﷺ أن يذبح أحد أبنائه، إذ بلغوا عشرة، فوقعت القرعة على عبد الله، فأبت قريش على عبد المطلب أن يفي بنذره، فانطلق إلى عرافة بخيبر فأشارت عليه بالفدية ففداه بمائة من الإبل (١). وفي خبر هند إذ لاكت كبد حمزة ما يشعرك بلون من العبادة الوثنية. ولا أستبعد أن تكون هند عدّت في نفسها حمزة قربانًا مقدسًا، ونالت من كبده لتصل إلى بعض حيويته إذ كان رجلاً مشهورًا بالنجدة والشجاعة. هذا وكما ذهب العامل الاقتصادي أو كاد بتضحية الذكور من البنين وأدى إلى استبدالها بالفدي في القرابين والعتائر والنسك من الأنعام والظباء، قال كعب بن زهير: فما عتر الظباء بحي كعب ... ولا الخمسون قصر طالبوها (٢) كان ذا أثر فعال في الاحتفاظ بتضحية البنات إلى أيام البعثة، وذلك كما قدمنا لضعفهن عن القتال وكونهن أبدًا عبئًا وعالة في جدب الصحراء.

стр. 1037

ويبدو أن الوأد كان في البدء طريقة وثنية في تقريب الأنثى، كما كان الذبح على الصفا طريقتهم في تقريب الذكر. وروى الزمخشري في تفسير التكوير: «كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحييها ألبسها جُبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية. وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمها طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول لها انظري ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض (١)». ولا يخفى ما في هذه الطريقة من مراسيم العبادة. فالتي تلبس الصوف والشعر يبغي أبوها أن يلبس على الآلهة أمرها، إذ كأنه يزعم بما يصنعه بها للآلهة أنها أمة لا تستأهل أن تقرب، وأنها له من دونهم. وأما الأخرى فإنه يحسن إليها ويدعها كما ترى حتى تقارب أن تصلح عروسًا على طريق التشبيه والتمثيل، فيزفها إلى الآلهة كما تزف العروس. وفي هذا من المشاكلة لما كان يصنعه قدماء الفراعنة بعرائس النيل ما فيه. وجلى أن مثل هذا التقريب المُتأتى له، الذي وصفه الزمخشري، إنما هو وثني ديني محض، لا يفعله فاعله من خوف الفقر، بدليل الاحتفال بتزيين الموؤدة، وفيه من كلفة النفقة ما فيه. وقد فطن القدماء من أهل الحديث إلى هذا الجانب الوثني في الوأد. قال الطبري: «حدثنا بشر، قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة: وإذا الموؤدة سئلت هي في بعض القراءات، سألت بأي ذنب قتلت؟ لا بذنب. كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه، فعاب الله ذلك عليهم (٢)». وقتل البنات من خوف الإملاق لم يكن يُتأتى له بما تقدم من التزيين والتأجيل

стр. 1038

إلى سن السادسة. وإنما كانت الحامل تسارع بقتل ابنتها ساعة ميلادها. قال الزمخشري (١): «وقيل كانت الحامل إذا أقربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة، فإذا ولدت بنتًا رمت بها في الحفرة، وإن ولدت ابنًا حبسته». وأحسب أن نحوًا من هذا كانت تفعله الحوامل بالذكور بما يلدن، في سنوات الجدب، وحين يخفن الفقر. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ فيه معنى الإطلاق على النوعين كما ترى. هذا، وكما بطلت تضحية الذكور من طريق الفدية، جعلت تضحية الإناث تأخذ في سبيل البطلان، قبيل الإسلام، من طريق الفدية أيضًا. من ذلك ما رووه من قصة صعصعة بن ناجية جد الفرزدق أنه كان يفدي من يراد وأدهن من البنات بالإبل. وافتخر الفرزدق في الإسلام بذلك فقال: ومنا الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم تُوأد ويشتم من بيت الفرزدق أنه عنى الحوامل اللاتي كن يقبرن ما يلدن من بنات ساعة مولدهن. أم لعله كانت النساء تحتفل بوأد الموؤدات، كما يحتفلن بالعرائس، فمن أجل ذلك سماهن الفرزدق بالوائدات؟ وهذا باب تحقيقه يطول، وغير هذا الموضع أشبه به. وفي تفسير الطبري: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال ثنا ابن ثور عن معمر، عن قتادة، قال «جاء قيس بن عاصم التميمي إلى النبي ﷺ فقال: إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية. قال فأعتق عن كل واحدة بدنة (٢)». وفي هذا كما ترى من معنى الفدية ما فيه، كأنه ﷺ إن صح هذا الحديث جعل ذلك بمنزلة الكفارة لما سبق من إثم الجاهلية. ولا ريب أن قيسا ضحى بناته تقربًا للآلهة إذ

стр. 1039

لا يعقل من مثله خوف الفقر فقد كان سيدًا في قومه ذا مال، وأمر رسول الله ﷺ إياه باعتاق البدنات يُؤكد ذلك. وبعد فما سقنا لك هذا التمهيد إلا من أجل أن نثبت عندك مرادنا من قولنا الرمزية المحضة- وذلك أنها تتضمن أغراضًا وثيقة الارتباط بعقائد الجاهليين الأولين في تقديس الأنثى وتأليه الخصوبة، وهذا التقديس والتأليه يدخلان في مضمون النسيب خفية فيحدثان فيه إيحاء بروح أخاذ من نوع العبادة الغامضة. وهذه العبادة الغامضة فيها بلا شك ألوان من اشتهاء للحياة وتجريد لحاق الذات ثم إلقاء لها على مظاهر ما يشتهي حتى يسهل التغني به. والله أعلم. رموز الأنثى ورمزيتها: هذا، وقد كان الجاهليون يمثلون ما يؤلهونه من ذكور وإناث بصور الرجال والنساء، ثم بصور الحيوان الذي يتمثلون معناه فيما يؤلهون، كالذي ذكره الزمشخري في تفسير سورة نوح من أن ودًا كان على هيئة رجل وأن سواعًا كان على هيئة امرأة وأن يغوث كان على هيئة أسد وأن يعوق كان على هيئة فرس وأن نسرًا كان على هيئة نسر. وقد زعم بعض المفسرين أن جميع هؤلاء كانوا بشرًا صالحين من ولد آدم ثم ألهم الناس من بعد. هذا، ويبدو أن العرب لضعفها في الصناعة عدلت عن تمثيل الآلهة بما يشبهها من الصور إلى مجرد الرمز لها بالأصنام، تقام من الحجر والطين والخشب (١). وهذا

стр. 1040

التطور المعنوي (وإن يك تدهورًا من حيث الصناعة) يؤيده ما يذكره المفسرون من أن الأصنام التي تحدثنا عنها آنفًا، كانت في اليمن، وفي اليمن كما تعلم الحذق العربي والصناعة وغير قليل من تراث المدنية والحضارة. هذا، ويبدو أن هذه الأصنام لما صارت هي أو نظائرها إلى شمال الجزيرة، حيث البداوة والصحراء الجدبة، اعتيض عن إتقانها بمجرد الرمز لها. يقوى هذا الوجه الذي نراه أن الرواة لا يذكرون لمناة أو العزى أو اللات صورًا معينة، وإنما كن أصنامًا لإلهة مؤنثات. وابن إسحق يذكر أن اللات كانت عليها حلي من ذهب وجزع ولا يذكر أنه كان لها وجه امرأة (١) ولا يستبعد أنه كان لها وجه ما، وقفًا ما، وإشعارها بالأنوثة، على النحو الذي يكون في الرموز الوثنية البدائية. وقد يقوى هذا الحدس ما ذكره ابن إسحق في خبر أصنام الكعبة عن النبي ﷺ ، إذ جعل يهدمها، فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه (٢) فهو كما ترى يذكر ههنا للأصنام وجوهًا وظهورًا. هذا، وكما رمزت العرب لإلهتها بالأصنام، رمزت لها أيضًا بكائنات محسوسة من الحيوان والنبات. فمما رمزوا به من الحيوان للمرأة العقاب، ولا ريب أنهم كانوا يؤلهونها كما يؤلهون النسر. وقد ذكرت الشعراء العقاب في الكناية عن المرأة، قال نصب (٣) ألا يا عقاب الوكر وكر ضرية ... سقتك الغوادي من عقاب ومن وكر تمر الليالي والشهور ولا أرى ... مرور الليالي منسياتي ابنة العمر نقول صلينا واهجرينا وقد نرى ... إذا هجرت أن لا وصال مع الهجر وقد ذكرت أيضًا القلوص في الكناية عن المرأة. وقد كانت الناقة مما ألهته

стр. 1041

العرب. من آية ذلك معجزة سيدنا صالح في الناقة وفصيلها إذ أخرجهما الله له من الحجر، وكتب على تمود أن يجعلوا لأنفسهم شرب يوم وللناقة شرب يوم آخر معلوم. وقد بغت ثمود وعتت عن أمر ربها فعقر أشقاها الناقة. ولعلهم راموا بصنيعهم هذا أن يجعلوا منها ومن فصيلها (وقد أفلت) ضحية وثنية مقدسة. فمن أجل ذلك حل بهم العقاب. هذا، وقد قال نصيب في كلمته الرائية التي منها الأبيات السابقات: ظللت بذي دوران أنشد بكرتي ... ومالي عليها من قلوص ولا بكر وما أنشد الرعيان ألا تعلة ... بواضحة الأنياب طيبة النشر وأوضح من جميع هذا في الكناية عن المرأة بالقلوص قول بعض أهل الجهاد كتب به إلى سيدنا عمر لما بلغه أن رجلاً يقال له جعده، من سليم، كان يخرج بالعقائل فيلهو معهن بأن يعقلهن، فإذا قمن تعثرن أو تكشفن. قال: ألا أبلغ أبا حفص رسولاً ... فدى لك من أخي ثقة إزاري قلائصنا هداك الله إنا ... شغلنا عنكم زمن الحصار يُعقلهن جعدة من سليم ... فبئس معقل الذود الطواري وما رمزوا به للمرأة من النبات أصناف من الشجر. منها النخلة مثلاً. وقد ذكر صاحب السيرة أن أهل نجران كانوا يعبدون نخلة قبل أن يطرأ عليهم فيميون النصراني (١) ومنها السدرة، فقد ذكروا أن ذات أنواط (٢) التي مر بها بعض من كانوا حديثي عهد بشرك من أصحاب الرسول، فقالوا له اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، كان سدرة، وقد اتصلت كرامة السدرة بالإسلام في سدرة المنتهى. وقد

стр. 1042

ظل بعض العامة عندنا إلى عهد قريب يعتقدون أن إيقاد السدر يتبعه الشؤم وربما جر الثكل واليتم. وأحسب تشبيه الظعائن بالنخل والدوم راجعًا في أصله إلى رمزية المرأة الكامنة في النخلة، مع الذي قد يتبادر إلى الذهن من أن هذا التشبيه من وحي البيئة وظاهر ما يبديه النظر لا غير، إذ جماعات الإبل تلوح من بعيد كأنها الشجر، وإن كانت عليها الهوادج كانت شديدة الشبه بالدوم والنخل وهما إخوان. والذي يرجح عندي أنه راجع إلى الرمزية، ما قدمته لك من عبادة النخلة، وما يحيط بها من معاني الخصوبة المؤنثة في رشاقتها وبسوقها واحتفال أشطرها بالتمر. وفي الحديث ما ينبئ بأن النخلة ذات كرامة وبركة. ومن ذلك تشبيهها بالمؤمن (١)، واستحسان وضع شيء من جريدها الأخضر على قبر الميت. وعندنا في السودان يزينون سرير العروس بأقواس من جريد. النخل، وكذلك يفعلون بسرير الختان (٢) وفي هذا من دلالات الخصوبة ما فيه وقول امرئ القيس في الرائية، يوشك أن يكون نصًا على قوة الصلة بين الخصوبة والتشبيه الدائر في الشعر من جعل الظعائن كالنخل والدوم وذلك هو: فشبهتهم في الآل لما تكمشوا ... حدائق دوم أو سفينًا مُقيرًا أو المكرعات من نخيل ابن يامن ... دُوين الصفا اللائي يلين المُشقرا سوامق جبار أثيث فروعه ... وعالين قنوانًا من البسر أحمرا حمته بنو الربداء من آل يا من ... بأسيافهم حتى أقر وأوقرا وأرضى بني الربداء واعتم زهوه ... وأكمامه حتى إذا ما تهصرا أطافت به جيلان عند قطاعه ... تردد فيه العين حتى تحيرا كأن دُمى سقف على ظهر مرمر ... كسا مُزبد الساجوم وشيًا مُصورًا غرائر في كن وصون ونعمة ... يُحلين ياقوتا وشذرًا مُفقرًا

стр. 1043

فالشاعر كما ترى ههنا وقف وقفة غير قصيرة عند فروع النخل الأثائث وبسره الزاهي، وحمله المُكتنز، وخصبه الذي تردد فيه العين حتى تتحير ثم خلص من ذلك إلى ذكر الدمى، فكأنه أراد أن يوقع عندك أن هذا النخل الموصوف هو الدمى التي في السقف ذي المرمر، وهو أيضًا الغرائر اللواتي في الصون والنعمة وكما تصون بنو الربداء من آل يامن نخيلها بالسيوف، فهي كذلك يحوطهن من يُذبب عنهن بالسيوف. وقريب من قول امرئ القيس في الدلالة على الخصوبة قول عبيد بن الأبرص: كأن ظُعنهم نخل موسقة ... سُود ذوائبها بالحمل مكمومة وقول الهذلي: صبا صبوة بل لج وهو لجوج ... وزال لها بالأنعمين حُدوج كما زال نخل بالعراق مُكمم ... أمر له من ذي الفرات خليج والشاهد هنا تخصيصه نخل العراق. وفي هذا دلالة على أن مراده معنى اللين والخصب في النخلة (١). لا مجرد مرآها من بعد، وشبهها في الحسن المظهري بالهودج. وقال أبو دؤاد الأيادي: هل ترى من ظعائن باكرات ... كالعدولي سيرهن انقحام والعدولي ضرب من السفن واكنات يقضمن من قضب الضرو ... ويُشفى بدلهن الهيام وسبتني بنات نخلة لو كنـ ... ـت قريبًا ألم بي إلمام

стр. 1044

يكتبين الينجوج في كبة المشـ ... ـي وبله أحلامهن وسام ويصن الوجوه في الميسناني (١) ... كما صان قرن شمس غمام وتراهن في الهوادج كالغزلان ... ما إن ينالهن السهام أي السموم نخلات من نخل بيسان أينعن ... جميعًا ونبتهن توأم وتدلت على مناهل بُرد ... وفليج من دونها وسنام وفي قول أبي دؤاد ما ترى من تسميته النساء الألى يشبب بهن ههنا «بنات نخلة». وعسى أن تكون نخلة موضعًا كما يذكر بعض الشراح. ولكن هذا لا يدفع ما نذهب إليه إذ الدليل عليه واضح في قول أبي داؤد: - نخلات من نخل بيسان أينعن جميعًا ونبتهن توأم والنخلات يكن «بنات نخلة» و «بنات نخل ونخيل» ضربة لازب. ولا شك أنه عنى بقوله «نخلات» ههنا نساءه المنعوتات. ولا أكاد أرتاب أن مراده من قوله «بنات نخلة» التشبيه لهن بالنخلات اليوانع المتفرعات من نخلة شيخة أم لهن. وعسى أن يكون الموضع «نخلة» إن صح قول الشراح مكان عبادة لنخلة بعينها. وعسى أن كانت لها بغايا كما لبيوت الأوثان بغايا فشبه الشاعر نساءه بهن، كأن مراده أنهن من حسنهن يصلحن أن يكن من بغاياها. وعسى أن يكون قد توهمهن بنات لنخلة كانت امرأة الاهة ثم صارت نخلة ذات قداسة وثنية وهن مثلها نساء وآلهة ونخلات وبنات نخلة. ومهما يكن من شيء فالرمزية في قوله «بنات نخلة» و «نخلات» لا تخفى. هذا وألفت نظر القارئ الكريم إلى تشبيه السفينة في هذه الأبيات من أبي

стр. 1045

دؤاد، وفي أبيات أمرئ القيس، فهو أيضًا مما يترجح عندي دخوله في رموز الخصوبة، إذ لا ريب أن السفينة قد تكون من أداة الخصب والخفص عند مقاربي البحر من العرب كأهل عمان وقريش. وصلة البحر بالخصوبة وعبادتها أمر موغل في القدم (١). وفي القرآن الكريم «وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام» (٢)، والجوار ههنا جمع الجارية بمعنى السفينة- قال تعالى ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾. ولكنك تعلم أيضًا أيها القارئ الكريم أن الجارية من أوصاف النساء وأسمائهن. والإنشاء فيه معنى التهيئة والزخرفة. وقد ذكره الله تعالى في قوله ينعت النساء: «أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين». والتخفيف قراءة أبي عمرو والتثقيل قراءة عاصم، والمعنى واحد أو متقارب. ولا أحسبنا نباعد أن زعمنا أن في نعت السفائن بالجوار المنشآت أشعارًا بالتأنيث لهن. هذا وقد ألغز مسلم بن الوليد بهذه العلاقة بين معنى السفينة ومعنى الجارية في بيتيه المشهورين: وملتطم الأمواج يرمي عُبابه ... بجرجرة الآذي للعبر فالعبر قطعت إلى معلومه منكراته ... بجارية محمولة حامل بكر هذا، ومما نصت به الشعراء على إرادة المرأة من ذكر شجرة بعينها قول الآخر (٣). ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام

стр. 1046

سألت الناس عنك فخبروني ... هنا من ذاك تكرهه الكرام وليس بما أحل الله بأس- ... إذا هو لم يُخالطه الحرام قال صاحب الخزانة: «قال ابن أبي الأصبع، ومن مليح الكناية النخلة، فإن هذا الشاعر كنى عن المرأة بالنخلة، وبالهناة عن الرفث، فأما الهناة فمن عادة العرب الكناية بها عن مثل ذلك، وأما الكناية بالنخلة عن المرأة فمن ظريف الكناية وغريبها. انتهى. «وأصل ذلك: أن عمر بن الخطاب كان نهى الشعراء عن ذكر النساء في أشعارهم لما في ذلك من الفضيحة، وكان الشعراء يكنون عن النساء بالشجر وغيره ولذلك قال حميد بن ثور الهلالي: وهل أنا إن عللت نفسي بسرحة ... من السرح مسدود علي طريق أبى الله إلا أن سرحة مالك ... على كل أصناف العضاه تفوق «وعلم بهذا سقوط قول اللخمي: سلم على النخلة لأنها معهد أحبابه أو ملعبه مع أترابه، لأن العرب تقيم المنازل مقام سكانها، فتسلم عليها وتكثر الحنين إليها، قال الشاعر: وكمثل الأحباب لو يعلم العا ... ذل عندي منازل الأحباب ويحتمل أن يكون كنى عن محبوبته بالنخلة لئلا يشهرها، وخوفًا من أهلها وقرابتها انتهى (١)».

стр. 1047

قلت، هذا هو الوجه إن شاء الله. ومثل الأبيات التي قدمناها قول الحماسي (١): ولا غرو إلا ما يخبر سالم ... بأن بني أستاهها نذروا دمي ومالي من ذنب إليهم جنيته ... سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي نعم فأسلمي ثم اسلمي ثُمت اسلمي ... ثلاث تحيات وإن لم تكلمي قال التبريزي (٢): «جعل السرحة وهي شجرة كناية عن امرأة فيهم» - قلت وكلام التبريزي هذا أقوى في الدلالة على ما نحن بصدده. هذا ومما هو نص صريح أيضًا في أن السرحة يكنى بها عن المرأة قافية حميد بن ثور الهلالي (٣) التي مر بك منها البيتان اللذان ذكرهما صاحب الخزانة آنفًا «وهل أنا إن عللت نفسي بسرحة إلخ.» ومنها قوله: سقى السرحة المحلال والأبطح الذي ... به الشري غيث مُدجن وبُروق بأبطح راب كل عام يُمده ... على الحول عراص الغمام دفوق عراص الغمام أي الغمام الكثيف المهتز. فما ذهبت عرضًا ولا فوق طولها ... من السرح إلا عشة وسحوق أي ليست بعريضة ثم ليست فاحشة الطول، بل لا تطولها إلا السحوق المفرطة الطول والعشة أي الضعيفة القليلة الأغصان. وهذا النعت مع أنه في شجرة كما ترى يشعرك بأن حميدًا يريد إلى نعت فتاته بأنها ممشوقة القوام ممكورة لا مفاضة

стр. 1048

مترهلة ولا عشة زائدة الطول: تنوط فيها دُخل الصيف بالضحا ... ذُرى هدبات فرعهن وريق ودُخل الصيف طيوره الصغار. وتنوطها هو اتخاذها أوكارًا أو مهابط على أغصان تلك الشجرة- وهذا الوصف أشبه بالشجرة منه بالمرأة وجاء به الشاعر لكيلا تخرج معاني كنايته من الغموض اللطيف إلى الوضوح المكشوف (١). علا النبت حتى طال أفنانها العلا ... وفي الماء أصل ثابت وعروق أي أفنانها علت سائر النبات وطالته- وقوله «العلا» فيه نظر إلى نعت أمرئ القيس للشعر حيث قال «غدائره مستشزرات إلى العلا»: فيا طيب رياها ويا برد ظلها ... إذا حان من حامي النهار ودُوق وهل أنا إن عللت نفسي بسرحة ... من السرح مسدود علي طريق هذا البيت كما ترى فيه رجعة واضحة إلى معنى المرأة: حمى ظلها شكس الخليقة خائف ... عليها غرام الطائفين شفيق وهذا نحو البعل والأخ ومن يجري مجراهما في الغير: فلا الظل منها بالضحا تستطيعه ... ولا الفيء منها بالعشى نذوق وما وجد مُشتاق أُصيب فُؤاده ... أخي شهوات بالعناق نسيق؟ (٢) بأكثر من وجدي على ظل سرحة ... من السرح إذ أضحى علي رفيق ولولا وصال من عُميرة لم أكن ... لأصرمها. إني إذن لطليق

стр. 1049

قلت هذه الأبيات فيها فكاهة وتخابث. والشاعر في البيت «ولولا إلخ .. » يريد أن يزعم أنه قد نال وصلا من هذه المحبوبة، دليل ذلك أنه هجرها والذي لم ينل وصلا لا يصح الحديث عنه بأنه هجر وصارم- ودليل آخر أنه مشغوف بها، ولو كان لم ينل منها وصلاً، لم يكن في قلبه كل هذا الشغف والشوق، لأن المرء إنما يشتاق إلى ما كان عنده ثم حرمه- وهذا معنى قوله «إني إذن لطليق» أي لولا سابق الوصال وما تلاه من هجر لكنت امرأ طليقًا خالي القلب من الصبابة. هذا وفي ذكره «عميرة» ما يبطل حديث صاحب الخزانة عن هذا الذي زعمه من نهى سيدنا عمر عن ذكر أسماء النساء، ولا يخالجني شك في أن هذا الخبر منظور فيه إلى قصة المهدي العباسي حين نهى بشارًا وأضرابه عن ذكر أسماء جواريه. وهذا، كما ترى، فإن عميرة ههنا تفسير للرمز بعد أن بلغ الشاعر أقصى غاياته، على أنها عندي في ذاتها قد تكون كناية عن اسم المحبوبة الحقيقي أو ربما كانت رمزًا أراده الشاعر علمًا لعدة محبوبات ألبسهن هو صورة محبوبة واحدة، ليرتقي بهن من أرض الواقع إلى سماء الخيال والمثل الأعلى. ثم يقول عائدًا إلى الرمز بعد أن فسره: أبى الله إلا أن سرحة مالك ... على كل أصناف العضاه تفوق وهذا البيت كما ترى يجمع لك معنى المرأة والشجرة معًا، ويعطيك ذلك الروح المثالي المفعم بالصبابة ومعاني الخصوبة الذي منه نبع وجدان الشاعر وبيانه. هذا وروى صاحب الأمالي (١)، مما يجري قريبًا من مجرى أبيات حميد هذه: أمن أجل دار بين لوذان فالنقا ... غداة اللوى عيناك تبتدران فقلت ألا لا بل قذيت وإنما ... قذى العين لي ماهيج الطللان فيا طلحتي لو ذان لا زال فيكما ... لمن يبتغي ظليكما فننان وإن كنتما هيجتما لاعج الهوى ... ودانيتما ما ليس بالمتداني

стр. 1050

وجلي ههنا من الكناية بالطلحتين عن امرأتين أو امرأة واحدة أو معان متصلة بامرأة. وقد نظر مطيع بن إياس إلى هذا القرى في كلمته المشهورة التي يذكر فيها نخلتي حلوان. ومما رواه صاحب الأمالي أيضًا: ألا يا سيالات الدحائل باللوى ... عليكن من بين السيال سلام وإني لمجلوب لي الشوق كلها ... تغرد في أفنانكن حمام والكناية بالسيال والطلح في ما رواه صاحب الأمالي أخفى من كناية النخلة والسرحة في المتقدم من استشهادنا، لجواز أن يكون الشاعر أراد سيالات بأعيانها وطلحتين بأعينهما. على أن توهم مثل هذا الجواز مما يفسد مراد الشاعر إن حمل عليه، ولكن يزيده حسنًا إن استشعره القارئ والسامع وهما على علم موقن بما يريده الشاعر. وهنا يكمن سر القوة في سائر أصناف الكناية والرمز. هذا ومما رمزت به العرب للمرأة، أو قرنته بمعناها، من غير الحيوان والنبات أصناف كثيرة، قدمنا لك منها السفينة على سبيل الاستطراد بمعرض ذكر النخلة والدوم والظعائن. وقد نثثنا لك ثم طرفا من رأينا في صلة السفينة بالعبادة وطقوس الخصوبة القديمة ولا بأس ههنا من الإشارة إلى قصة سيدنا نوح وسفينته. ومنها النار. وقولهم «أحسن من النار الموقدة» نعت معروف. وذكر صاحب السيرة أنه كانت لأهل اليمن نار يحتكمون عندها (١ - ٣٣/ ٣٤) حتى جاءهم وافد من أهل الكتاب فأطفأها الله به (١). وعسى إن كانت هذه النار من رموز الشمس، فقد كان السبئيون من اليمن يعبدون الشمس بدليل قوله تعالى في سورة النمل عن الهدهد يخبر عن بلقيس وقومها ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.

стр. 1051

وكان غيرهم من العرب والسامين يعبدونها أيضًا. ومهما يكن من شيء فالنار رمز قديم في العبادة، من شواهد ذلك قصة ابني آدم إذ قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، وكانت علامة القبول أن أكلته النار. واتصال معنى الخصوبة بالنار عند العرب بين جلي في رمزيتها المشهورة للكرم. قال المعري: نار لها ضرمية كرمية ... تأريثها إرث عن الأسلاف تسقيك والأري الضريب ولو عدت نهي الإله لثلثت بسلاف وقال الأعشى: لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار باليفاع تحرق تُشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق ونار الحرب لا تخرج عن هذا المعنى لاتصال ما بين الفروسية والكرم، قال الفرزدق: وأضياف ليل قد نقلنا قراهم ... إليهم فأتلفنا المنايا وأتلفوا قريناهمو المأثورة البيض قبلها ... يُثج العروق الأيزني المثقف وقال القطامي: حتى إذا ذكت النيران بينهم ... للحرب يُوقدون لا يُوقدن للزاد فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا ... كما تعجل فراط لوراد نقريهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد وأحسب أن النار قد كانت مما يُرمز به من قريب أو من بعيد إلى خصوبة الأنثى وحيويتها وحرارة ما يكون من اشتهائها. وقد قرنت العرب قرنًا قويًا بين

стр. 1052

ذكر النار والمحبوبة في نسيبها. وغير بعيد أن يكون منشأ هذا القرن من عبادة الخصوبة الأولى في الشمس أو غيرها من النيران المؤنثات. ومما يقوى عندك أن المراد من ذكر النار رمزية الشوق الغزلي والهوى دون مجرد نعتها الحسي قول امرئ القيس مثلاً: تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي فقد جعل حبيبته كما ترى هي النار المتنورة. وفي أبيات هذه اللامية ما هو قوي الدلالة على هذا المعنى نحو قوله: كأن على لباتها جمر مُصطل ... أصاب غضى جزلاً وكف بأجذال وقال النابغة: أقول والنجم قد مالت أوائله ... إلى المغيب تأمل نظرة حار أي يا حارث: ألمحة من سنا برق رأى بصري ... أم وجه نعم بدا لي أم سنا نار وهنا وفي البيت الذي يلي مكان الاستشهاد: بل وجه نُعم بدا والليل مُعتكر ... فلاح من بين أثواب وأستار تلوث بعد افتضال الدرع مئزرها ... لوثًا على مثل دعص الرملة الهاري والبيت الأخير نص في الإشعار بالخصوبة: ومما هو مشهور من وصل التشبيت بذكر النار قول عدي بن ريد العبادي: يا لُبيني أوقدي النارا ... إن من تهوين قد حارا رُب نار بت أرمقها ... تقضم الهندي والغارا وبها ظبي يُؤججها ... عاقد في الخصر زُنارًا

стр. 1053

وإلى هذه الأبيات أشار أبو العلاء المعري في تأئيته السقطية التي مطعلها: هات الحديث عن الزوراء أوهيتا .... وموقد النار لا تكرى يتكريتا ليست كنار عدي نار عادية ... باتت تُشب على أيدي مصاليتا وقد حول أبو العلاء رمز النار من إرادة المرأة إلى إرادة السيف ثم مضى في نعت السيف وبريقه واتخذ ذلك سبيلاً إلى ذكر أصحابه من البدو الفاتكين ومن يحمونه من العقائل الحسان البعيدات المنال. ووقف وقفة طويلة عند حسناء منهن يتعلل بذكراها، ويسلي النفس عن بعد منالها لما يحيط بها من رجالها الغير أهل الفتك أو كما قال: أروي النياق كأروى النيق يعصمها ... ضرب يظل له السرحان مبهوتًا ثم كأنه جعل هذه الفاتنة رمزًا لبغداد التي كان يحن إليها، ودون بلوغها الأهوال، من عناء السفر، ووعورة الطريق، وتعرض من يسلكه للخاربين واللصوص. والذي ينظر إلى القصيدة نظرة سطحية يخيل إليه أنها متباينة الأطراف، متعددة الموضوعات. وإنما كان موضوعها واحدًا وهو الشوق إلى بغداد، وسائر ما في القصيدة تصريح أو كناية عن هذا المعنى، ولعل بغداد نفسها قد كانت رمزًا من رموز الشاعر عن نفسه وآماله الممتنعات. هذا، ومما يدلك على قوة اتصال النار بمعاني الهوى والعشق والمرأة، حتى صارت كأنما تراد لذاتها إذ تذكر في هذا الباب لقوة دلالتها وعظيم اشتمالها على ما يراد من هذه المعاني، قول جميل (١): أكذبت طرفي أم رأيت بذي الغضى ... لبثنة نارًا فاحبسوا أيها الركب إلى ضوء نار في القتام كأنها ... من البعد والأهوال جيب بها نقب

стр. 1054

وأحسب أن الشاعر لم يخل من نظر في هذا البيت إلى قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾. لأن النار إذا لاحت من نقب، كان ضوؤها قويًا بارعًا. وما خفيت عني لدن شُب ضوؤها ... وما هم حتى أصبحت ضوؤها يخبو أي لاحت لي منذ بدء شبوبها ثم ظل ضوؤها منيرًا إلى الصباح لم يهم طوال الليل أن يخبو وقال صحابي ما ترى ضوء نارها ... ولكن عجلت واستناع بك الخطب فكيف مع المحراج أبصرت نارها ... وكيف مع الرمل المنطقة الهضب ولا ريب أن النار كانت في قلب جميل، إذ كما ترى أبصرها هو وحده دون صحبه ولا تكون مثل هذه النار إلا من ذكر بثينة وتمثلها- على أن هذا القول كله راجع إلى ما قدمناه من مقالة امرئ القيس: «تنورتها من أذرعات البيت». ويشبه هذا المذهب ما رواه صاحب الأمالي أيضًا لأحد الأعراب (١): رأيت وقد أتت نجران دوني ... ليالي دون أرحلنا السدير لليلى بالعنيزة ضوء نار ... تُشب كأنها الشعري العبور إذا ما قُلت أخمدها زهاها ... سواد الليل والريح الدبور سواد الليل متنازع بين الفعلين «أخمدها» و «زهاها» أي إذا ما قلت أخمدها سواد الليل وأخمدتها الريح إذا بهما يزيدانها شبوبًا. وما كادت ولو رفعت سناها ... ليبصر ضوءها إلا البصير

стр. 1055

وهذا البيت يدلك على أنها كانت من نيران القلب لا من نيران القرى التي تلوح للركب. فبت كأنني باكرت صرفًا ... مُعتقة حُمياها تدور أقول لصاحبي هل يُبلغني ... إلى ليلى التهجر والبكور وهذا البيت الأخير نص في أن النار لم تكن إلا ليلى التي اشتاق إليها هذا الشاعر الأعرابي. هذا ومن رموز المرأة السحابة. وخصوبة السحابة لا تخفى. قال الأعشى: «مر السحابة لا ريث ولا عجل» يصف بذلك مشي هريرة محبوبته. وقال طرفة: لا تلمني إنها من نسوة ... رقد الصيف مقاليت نُزر كبنات المخر يمأدن كما ... أنبت الصيف عساليج الخضر وبنات المخر سحائب يأتين مع الصيف قليلات المطر. وهذا من دقيق التشبيه إذ أراد طرفة أن ينعت صاحبته بالنعمة والشباب والكبرياء والصون وامتداد القامة والبهاء وقلة النائل. وبنات المخر رمز صالح لكل هذه الصفات. وفيهن خصوبة كما ترى إلا أنها خصوبة متعذرة نزرة. وقد كانت العرب مما تعد قلة الأولاد من علامات العتق والكرم. قال قائلهم: بغاث الطير أكثرها فراخًا ... وأم الصقر مقلات نزور ويعجبني تقوية طرفة لتشبيه بقوله «كما أنبت الصيف عساليج الخضر» - إذ عساليج الصيف دقيقات لدنات وريات وسط الظمأ المحيط بهن مع بهاء ونضرة وبريق. هذا ومن أبين ما نعتت به المرأة في باب التشبيه بالسحابة قول القطامي المشهور: وفي الخدور غمامات برقن لنا ... حتى تصيدننا من كل مصطاد
следующие страницы →