والذريرة طيب بعمل من الصندل المدقوق وهي معروفة عندنا في السودان.
وقول الأخرى:
يا رب من عادى أبي فعاده
وارم بسهمين على فؤاده
واجعل حمام نفسه في زاده
واذكر على سبيل الاستطراد أن هذا اللون من تساب الفتيات معروف عندنا في قرى السودان. منه مثلاً قول إحداهن:
أبوي أنا
الراكب الحمرا
المحجلة
وأبوك انت
الراكب الكديس
يمشي وينيص
والكديس هو القط في عاميتنا.
هذا ولا يبعد إن كانت العرب تذهب بأناشيد الأعراس إلى شيء من التنويع والتسميط، بدليل اعتمادها الأوزان القصار كالذي يروي عن الجرادتين:
أقفر من أهله مصيف ... فبطن مكة فالعريف
هل تُبلغني ديار قومي ... مهرية سيرها ذفيف
يا أم نعمان نولينا ... قد ينفع النائل الطفيف
وقد روى المعري في رسالة الغفران بيتين من قصير المتقارب، مما كانت تتغنى به الجواري في الأعراس، لا يكاد يشك الناقد أنهما بقية بقيت من أسماط تشبههما، وهما (١):
стр. 982
وأهدي لنا أكبشا ... تُبحبح في المربد
وزوجك في النادي ... ويعلم ما في غد
ولا يخفى أن نحو هذا إنما كان يراد به محض الترنم، لتباعد أطراف معانيه، وأحسب أن هذين البيتين خلصا إلينا لارتباطهما ببعض ما جاء في الحديث. إذ هما كالمشار إليهما في حديث البخاري عن غناء الجواري في عرس الربيع بنت معوذ بن عفراء، وذلك أن الجواري أنشدن «وفينا نبي يعلم ما في غد» فنهى عن ذلك الرسول ﷺ إذ لا يعلم الغيب إلا الله، ولم ينهين عن الغناء نفسه. والله أعلم.
هذا وشواهد الإيطاء والإقواء وتقارب المخارج نحو:
بُني إن البر شيء هين ... المنطق اللين والطعيم
كلها مما يقوي حجتنا في أن أمر القوافي لم يبدأ محكمها. ولعل أكثر الأنماط الشعبية لم تكن تلتزم الإحكام أو تعمد إليه. وفي فواصل القرآن ما ينبئنا أن تشابه الوزن والجرس وتقارب المخرج ربما نزل منزلة الروي كالذي في سورة الطور مثلاً: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾.
وكالذي في سورة قاف: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)﴾.
وقبل هذا: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾. وفي سورة الإنسان تجد فواصل
стр. 983
من أمثال: «كان مزاجها سلسبيلاً» ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ «قوارير. قواريرًا» ﴿جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾.
ثم إن الشعراء أحكمت القوافي كما أحكمت الوزن بعد طول تدرج، والتمست وحدة الروي فيما تحتفل له من كلام، وهذا مدلول قول ابن سلام الذي ذكرناه آنفًا قال إن القصيد إنا قُصد على عهد هاشم وعبد المطلب بن هاشم.
الرجز والهزج:
أحسب أن القصيد أطلق أول أمره على ما يكون رؤيه واحدًا دون ما تُنوع فيه القوافي وتكون الأوزان فيه أميل إلى القصر والخفة كالرجز والهزج. أما الرجز فالراجح عندي أنه كان غناء تصحبه حركة، ويتناشده الجماعة والأفراد في أوقات الحماسة، سواء أكان ذلك عند الطواف أو بإزاء القتال أو في ملاعب الفتيات اللواتي يتفاخرن. وما روى لنا من الأراجيز القديمة يقوي هذا الحدس من جانبنا، كالذي جاء في خبر غزوة الخندق من أن الصحابة ارتجزوا برجل اسمه جُعيل وحول النبي اسمه إلى عمرو فقالوا:
سماه من بعد جُعيل عمرًا ... وكان للبائس يومًا ظهرًا
قالوا وكان النبي يشاركهم فإذا قالوا «عمرًا» «قال عمرًا» وإذا قالوا ظهرًا «قال ظهرًا» وهذا نص في الحركة والإنشاد الجماعي (١). ومما هو أيضًا نص على الإنشاد والحركة خبر الهذلي، إذ كان يطوف بالكعبة ويعد أشواطه هكذا: (الخزانة ٢ - ٢٥٦):
لا هم هذا خامس إن تما
أتمه الله وقد أتما
стр. 984
وقد ذكروا أن النبي ﷺ كان يعجبه الرجز (١) وقد تعلم فيما روى أصحاب السير أن عمرو بن سالم الخزاعي أنشده ﷺ الرجز وهو يستنصر به على قريش إذ نقضوا صلح الحديبية:
إن قريشًا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا
واشتقاق لفظ الرجز نفسه يدل على الحركة. إذ يقال أرتجز الرعد. وإنما طُول الرجز وذُهب به مذهب الروي الواحد بعد تمصير الكوفة والبصرة. وأحسب أن العرب اتخذته ضربًا من الملهاة تتبدى به في حضارتها الجديدة. واحتاجت إلى أن تطوله لأن ذلك أدخل في حاق التسلية. وهذا باب سنعرض له إن شاء الله. ومما يدلك على معنى مما نروم إليه في أمر الملهاة والتسلية أخبار أبي النجم العجلي مع هشام بن عبد الملك (٢)، وخبر العجاج ودكين الراجز إذ كانا يجمعان الصبيان ليسمعا تراجزهما. وزعم العجاج أن الصبيان يُغلبون ويُبلغون (٣). وقصة أبي النجم مع العجاج من هذا القبيل، إذ جاء على جمل أجرب، فاهتاج جمله إلى ناقة العجاج، وجعل ينشد (٤):
إني وكل شاعر من البشر ... شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
والناس يضحكون من المنظر وعندهم أن أبا النجم قد غلب وقد كانوا مما ينحون في ملهاة الرجز وغيره، منحى الفُحش. والفُحش قد يكون من فكاهات البداوة، ما دام لا يشوبه قذع مريض. وأعني بالقذع المريض نحو هذا الذي نجده
стр. 985
عند ابن حجاج وابن سكرة ممن نفقوا بأخرة عند بعض الأذواق المتحضرة. وهذا باب نامل أن نتناوله في موضعه (١)، ونتمثل له بشيء يسير إذ أمثلته كثيرة لا يكاد يخلو منها مرجع قديم من كتب اللغة والأدب والأخبار وهلم جرًا.
هذا، وأما الهزج فيبدو أنه لقب كان يطلق على أصناف من الغناء الخفيف، وفي اللسان «كأنها جارية تهزج» (راجع المادة)، والذي استشهدنا به آنفًا من كلام الوليد بن المغيرة، حيث قسم الشعر إلى قريض وهزج رجز، ينبئك أنهم كانوا يرون الهزج أمرًا غير القريض. ولعل أبيات جواري الربيع بنت معوذ بن عفراء: «وأهدى لنا أكبشًا إلخ» -وهن متقارب قصير- مما كان يدخل في مدلول مسمى الهزج، لا أنه كان مقصورًا على ما كانت تفعيلاته هزجية لا غير، نحو «عفا من آل ليلى الحزم» وهلم جرا. ولعل أكثر قصار الأوزان تدخل هذا المدخل. ألم يقولوا عن بائية عبيد بن الأبرص أنها من قري الخطب (٢)؟ أم لم يذكروا عن الخليل أنه لم يكن يعد الرجز المشطور والمنهوك من الشعر؟ وأحسبه أراد بالشعر القصيد خاصة ههنا- وهذا قول العرب إذ كانوا يفرقون بين الشاعر صاحب القصيد وبين الراجز صاحب المشطور (٣) - وإلى هذا المعنى أشار المعري في رسالة الغفران، إذ جعل الرجاز في
стр. 986
مرتبة دون الشعراء، وذلك قوله (١): «ويمر بأبيات ليس لها سموق أبيات الجنة. فيسأل عنها، فيقال: هذه جنة الرجز، يكون فيها أغلب بني عجل والعجاج ورؤبة وأبو النجم وحميد الأرقط وعذافر بن أوس وأبو نخيلة وكل من غفر له من الرجاز، فيقول: تبارك العزيز الوهاب، لقد صدق الحديث المروي، إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها، وإن الرجز من سفساف القريض، قصرتم أيها النفر فقصر بكم ا. هـ». ومقالة المعري هذه تنبئ عن حقيقة رأي العرب في القصيد، من أنه قد كان عندهم ذروة المنظوم، ومعرض الجد فيه، وما سواه من أصناف المشطور وقصار الأسماط إنما كانت تراد به ناحية الترنم دون حاق التأليف البياني النغمي الشعري، وقد قارب المرزوقي هذا المعنى في ذيل مقدمته لشرح الحماسة حيث قال (٢): «فلما اختلف المبنيان -يعني مبنى الشعر ومبنى النثر- كما بينا، وكان المتولي لكل واحد منهما يختار أبعد الغايات لنفسه فيه، اختلفت فيهما الأصابتان لتباين طرفيهما، وتفاوت قطريهما (٣). وبعد على القرائح الجمع بينهما، يكشف ذلك أن الرجز وإن خالف القصيد مخالفة قريبة ترجع إلى تقطيع شأو اللفظ فيه، وتزاحم السجع عليه، قل عدد الجامعين بينهما، لتقاصر الطباع عن الإحاطة بهما إلخ».
القصيدة والقافية الواحدة:
هذا وأصل القصيد فيما أرى من التقصيد الذي هو التكسير (٤). ألا تراهم يقولون: «قصد القنا» بكسر القاف وفتح الصاد، جمع قصدة بكسرها وسكون الصاد، أي ما يكون من الرماح المتكسرة بعد القتال. وما أحسبهم سموا القصيدة قصيدًا إلا من أجل ما يقع في أوزانه من تقطيع الضربات الذي ينتهي عند معقد
стр. 987
القافية، وتتابع الأبيات الذي يمتد من المطلع إلى المقطع. وقول العروضيين في حلقات الدرس: «قطع البيت الآتي» مما يقوي هذا المعنى. وعندنا في عامية السودان يقولون «فلان بيقطع» أي يقول الشعر. كأنهم عنوا أنه يقطعه قطعًا متساويات. وعسى أن يكونوا عنوا أنه يقتطعه من نفسه بدليل قولهم: «فلان يقطع من رأسه» من تأليفه لا من حفظه (١).
وكأن القصيدة إنما سميت قصيدة على سبيل التشبيه بالقنا ذي الكعوب والأنابيب المتناسبات الأبعاد، إذ القصيدة كالقناة وحدة من قطع الأبيات المتلاحقات تلاحق الأنابيب. والقافية تعقد آخر كل أنبوب بما يليه.
وقولهم القريض عندي من هذا الباب نفسه إذ أصله من القرض. وهو أحسبه أريد به وصف صياغة الشعر ثم أطلقه المجاز على الشعر نفسه. وكأن الشاعر عندهم يقرض الكلمات قرضًا ثم ينظمنا في نطاق الوزن.
هذا ولقد ترى ما في لفظي القصيد والقريض من الإراغة إلى وصف المجهود الذي يكون من الشاعر، إذا قابلتهما بقولهم «هزج» أي غناء و «رجز» أي حركة. ومنشأ هذا المجهود بلا ريب هو ما يعانيه الشاعر من كلفة التأليف بين الوزن واللفظ والقافية. أو قل ما يعانيه من كلفة إبراز الوحدة الكمينة فيهن إلى حيز العبارة الناصعة والبيان الواضح.
هذا ولقد يعيب بعض المعاصرين على الشاعر العربي ما وقع فيه من هذه الكلفة ولا سيما كلفة القافية الواحدة، يزعمون أنها تجحف بالمعاني من أجل تصيد الشاعر للألفاظ المتشابهة الروي، وأنها تجحف بالنغم من أجل تكرر جرسها ورتابته. وقد ذكرنا في المرشد الأول أن الشاعر العربي المُلم بمادة اللغة لا يجد عسرًا في القافية من حيث هي سجع وروي إذ اللغة العربية غنية بالكلمات متشابهات
стр. 988
الأواخر، وطبيعة بنيتها خصبة بالأسجاع. ونزيد ههنا أن دعوى الرتابة باطلة، تدل على وهم عظيم وفساد في الإدراك.
ذلك بأن جرس القافية، كما قلنا من قبل، ما هو إلا تكييف لرنة الوزن المجرد المبني عليه عروض البيت. ومتى كان هذا الجرس منبعثًا من روي واحد في القصيدة الواحدة، كان أدعى إلى أحكام موسيقاها وإتقانها. ولنرجع مرة أخرى إلى ما كنا تمثلنا به من دقات القدم على الأرض، وصوت القرع المكفأ وهلم جرا، فنفرع منه تمثيلاً آخر نقرب به مرادنا من دعوى الإحكام والإتقان اللذين ينشآن من توحيد الروي.
هب الوزن بمنزلة دقات ما والقافية بمنزلة صوت يصبغ هذه الدقات كما قد ذكرنا من قبل، فإن اتحاد وزن العروض في البيت الذي تقع فيه، مع جرسها، يجعلهما معًا بمنزلة آلة بعينها تحدث صوتًا بعينه على نسق معلوم. ثم إذا تكررت الأبيات آخذًا بعضها برقاب بعض، وكل منها فيه ألوان من التنويع الموسيقي الناشئ من السكنات والزحافات والحركات والسكنات بحسب ما وضحناه لك حين تمثلنا بقول جرير:
دعوتك واليمامة دون أهلي ... ولولا البعد أسمعك المنادي
كان ذلك كله بمنزلة دُفع من التأليف الموسيقي يشرف عليهن صوت واحد متكرر يكون لهن بمنزلة الإطار، ويربط بينهن برابط الوحدة والانسجام، ويصبغ أنغامهن المختلفات بلونه الواحد المنيف عليهن. فإذا أضفت إلى كل هذا ما تحدثه ألفاظ التعبير نفسها من تلوين للحركات والسكنات بأجراسها وإيقاعها وأصباغها البيانية، تبينت مقدار الربط والانسجام والوحدة التي يحدثها اتحاد الوزن والقافية برنينه المنتظم لجميع ذلك.
ولئن شبهنا تأليف القصيدة كله بأوركسترا عامرة بأنواع الأنغام واللحون،
стр. 989
فإن اتحاد الوزن والقافية في هذه الأوركسترا أشبه شيء بالقرع المملوء حبًا، يُهز به على وتيرة واحدة من لدن شروعها في العزف إلى نهايته، أو بالنحاس الذي ينقر به كذلك، أو بالدفوف التي تقرع على هذا النمط وهلم جرا- ولن تخلو أنغام الأوركسترا في هذه الحال من أن تصطبغ بصوت القرع الأجش أو النحاس الطنان أو الدفوف المُتهزمة، وعسى ذلك وحده أن يفي بعنصر الربط والوحدة في تأليفها كله. وهذا بعد مجرد تمثيل وتقريب.
ولعمري إن من القوافي لما يكون له صوت أجش كالقرع أو طنان كالنحاس، أو حنان كالدفوف.
قرض الشعر:
عسى هذا الذي قدمناه أن يكون قد أوقع في نفسك أيها القارئ الكريم شيئًا مما نراه، من أن القافية والوزن معًا هما مفتاح القصيدة، بما يشيعان في موسيقاها من وحدة ارتباط.
وإذ هما كذلك فإنهما وثيقا الصلة بالمعاني التي تدور في قلب الشاعر وتنبعث من أعماق تجربته إلى محض البيان. ولقد تذكر أنا أفردنا في كتابنا المرشد الأول بحثًا مستفيضًا عن طبائع الأوزان طوالها وقصارها وما يرتبط بهن من ألوان المعاني. فالذي زعمناه هناك نريد أن نجعله ههنا أساسًا لزعم آخر قد كنا ألمعنا لك بطرف منه، وهو أن اتحاد القافية مع الوزن يحصر دائرة المعاني التي يهم بها الشاعر في نطاق أقل حيزًا من نطاق الوزن المجرد قبل أن تصحبه القافية. ثم ضروب التنويع الموسيقي من زحاف إلى سكنات وحركات وهلم جرا، يزدن في هذا الحصر حتى لا تبقى أمام الشاعر إلا وثبة البيان التي تحيل مدلول موسيقا الوزن والقافية والزحاف والحركات والسكنات والاختلاسات، كل ذلك إلى تعبير ناطق.
وأقول وثبة البيان، لأن الوزن والقافية وما يتبعهن كل ذلك في الإمكان
стр. 990
تصوره مجردًا غير مصحوب بتجربة الشاعر. ولنا أن نزعم أن محض القدرة على تصنيع الإيقاع كفيل بأن يهيئ هيكلاً، ذا وزن وقافية وأصناف من الزخارف النغمية. ولكن هذا الهيكل يكون باردًا خاليًا من الروح هامدًا حتى تصحبه وثبة البيان المنبعثة من حاق التجربة والرغبة في التعبير عنها. ووثبة البيان هذه هي ما كان يسميه القدماء «نفس الشاعر»، يعنون به الروح الذي ينتظم رنة نظمه من المطلع إلى المقطع. ويربط بين سائر أجزاء كلامه ويشيع فيها وحدة عميقة ذات جرس مبين ووحي نافذ.
وإذ بلغنا هذا المبلغ فإنا نجسر فنقول إن القصيدة العربية شكل وهيكل ذو وحدة تامة مصدرها إطار موسيقى السنخ ونفس حار ينبعث منه هذا الإطار الموسيقي حتى يكون مفتاح التعبير له، ووسيلة تأتيه إلى البيان.
ذلك بأن الشاعر العربي يُقبل على القول إقبالاً مباشرًا ولا يتكلف التماس الوسائط، وأعني بهذا أنه يروم إيصال تجربته إلى السامع حتى يشاركه السامع فيها مشاركة تامة، وحتى يصير كأنه هو نفسه قد اجتاز بمراحلها وأحس نشواتها وحرقاتها. وهذا المرام من الشاعر العربي يضطره إلى الصراحة الصلتة، وإلى أن يكافح نفس سامعه كفاحًا، حتى يتصل بها اتصالاً لا تشوبه شائبة من حجاب.
وإذ الصراحة الصلتة طريق عسر، فإن الشاعر العربي قد طلب لها التذليل بإيرادها في إطار من الوزن والقوافي والزخرفة النغمية، مصنوع من مادة الموسيقا والغناء. ذلك بأن الموسيقا والغناء مما يحركان النفوس ويسموان بها- يسموان بنفس الشاعر حتى يملك الشجاعة التي يقوى بها على الصراحة وعلى مكافحة نفوس السامعين، ويسموان بالسامعين حتى يتجردوا من حجب الذاتية إلى لقاء الشاعر في تجاربه.
والشاعر يُرزم في أعماق فؤاده بالموسيقا والنغم والحركات والسكنات قبل أن تُسمح نفسه إلى طريقه من الوزن والتقفية. وهذا الإرزام يكون أول مراحل التعبير،
стр. 991
وأول مراحل الوثبة البيانية. ومن طريقه ينتقل الشاعر من أرض الحجاب الذي يكون بينه وبين السامع المنتظر، إلى سموات من الإسفار، وتصحبه في انتقاله هذا نشوة نفسية تزداد عُنفًا كلما قارب البيان والإفصاح- هذه النشوة النفسية إنما هي ضرب من الجذب الروحي الذي يعتري الكهان والعرافين وأمثالهم من أهل الوجدان والتطلع إلى الملأ الأعلى.
والشاعر تعتريه هزة الجذب الروحي والنشوة الشعرية قبل أن تتفتح نفسه إلى موضوع بعينه. وقد تعتريه بعد أن يصدم نفسه حادث ما أو موضوع ما. فإذا اعترته قبل أن يكون قد استثاره موضوع يعرف أمره، فإن حاله النفسية تكون في ظلام من الانقباض أشبه شيء باليأس الخانق. على أنه وهو في هذه الحال، يدرك أنما هي إرهاص بالتعبير الذي لا بد أنه تاليها. ثم ينكشف عنه الظلام إما رويدًا إلى نور الإفصاح، وإما بفجاءة بعد عسر طويل. والغالب عليه في هذه الحالة أن يتخبط في التماس سبل البيان آخذًا بهذا الوزن وتلك القافية. وآنا بهذاك الوزن وهاتيك القافية، وربما نظم قصيدة كاملة ثم وجدها لا تحمل كبير معنى من نفسه فاطرحها، ولا يزال في نحو من هذا العناء حتى يفرج عنه.
والحق أن الشاعر في هذه الحالة إنما يكون قد ألمت به دوافع تجارب من الماضي طال اختباؤها حتى إذا حان أوان بروزها اجتذبته بعنفها فلم يجد بدا من الانقباض والضجر حتى يستذكرها إلى أن تشرق عليه واضحة جهيرة. هذا وإذا اعترت الشاعر حالة الجذب بعد حادث بعينه أو موضوع بعينه، فالغالب أن يكون اعتراؤها اياه يسير المس أول الأمر، ضعيف الإلمام، وربما وجد نفسه ينطق برنة الوزن والقافية أو بيت كامل أو عدة أبيات.
وقل أن يتصل له الإسماح بعد ذلك إلى أن يستوفي التجربة حقها. فإذا أعرض بعدما تأتي له أولاً، فإنه لابد أن تعاوده دوافع هذه التجربة ولو بعد أمد
стр. 992
طويل، وتصنع به نحوًا مما قدمنا نعته من قبل. وإن لم يُعرض، وأقبل على إيفاء التجربة حقها من التعبير، فإنه لابد أن تلم به حالة الضجر والقلق والظلام بعد انقطاع أوائل الأبيات أو أوائل التعبير عنه. ولا تزل هذه الحال تشتد به وهو يلتمس السبل إلى البيان حتى يجد مسالكه إليه. ومن هنا تتشابه حالة الجذب في مظهريها- أي حين تعر وبلا سابق حادث، وحين تعرو بأثر صدمة حادث بعينه أو موضوع. وعندي أن منشأ هذا التشابه من أن الشاعر في كلتا الحالتين يروم استخراج خبئ تجارب الماضي التي توحي إليه بالبيان. ولعل صدمة الحادث المُعين أو الموضوع المُعين إن هي إلا مجرد سبب مباشر لإنارة التجارب المودعات. وكثير، من حالات الجذب تقع في طرائق وسط بين مجرد الانبعاث من دون سابق حادث، أو مجرد الاستجابة إلى صدمة حادث أو موضوع، من ذلك مثلاً أن يتذكر الشاعر حادثًا مضى ثم يعتريه انقباض ما إلى أن يقول فيه بيتًا أو بيتين، ثم يُقطع به. ثم يراجعه القول بعد ذلك.
هذا وإن من تجارب الشاعر ما يندفع به إلى البيان اندفاعًا. ومنها ما يستتر إلى حين. ومنها ما يروم مخرجًا من سبيل الجهد والإعمال المتواصل. وأكثرها يختمر ويتعتق ويمكث دهورًا، ثم يحدث في نفس الشاعر ما سبق لي نعته من انقباض وإظلام ثم وضوح وانبلاج وإفصاح.
وهذا الوصف كله تقريبي لا أزعم أنه يصدق على أحوال الشعر جميعها. وأراني غير واجد بدًا من أن استثني ضروب القول المتعمد، وهو الذي يصطلح له المعاصرون قولهم شعر المناسبات. إذ الشاعر لا يصدر فيه عن دافع منبعث من الأعماق، ولكنما يستجيب إلى دعوة من الخارج يسخر لها ملكته.
على أنه حين يجمع أطراف ملكته ويتخير مفتاح التعبير في الوزن والقافية، ويُمد بنانات فكره إلى شتى قطوف المعاني، لا يخلو في كل ذلك من رجعة إلى ماضي تجاربه، ومن وثبة إلى قُنن من الخيال. وحينئذ يبطل عامل المناسبة، ويتلئب التعبير
стр. 993
على طريقة مستقيمة من طرق البيان الأصيل. ومتى تأتي للشاعر ذلك أمكنه أن يصعد بالنفس الخطابي. وهو النفس الغالب على أصناف البيان المتعمد بمعرض المناسبات، إلى مراق من الإفصاح الرحب المدى، الذي ربما استثار همم مجموعة بأسرها. على أنه لابد من الاحتراس ههنا بأن النظم في المناسبات مزلة أقدام. وربما وثق الشاعر بملكته ثقة أعمته عن حقائق عوامل الأصالة في نفسه. فتكون هجيراه أن يترنم أنغامًا بما أوتيه من ملكة ودربة، ويحكم نظامًا من المعاني، ثم لا يصاحب ذلك جميعه عنصر الجذب الروحي الذي لابد من لحياة الإطار الموسيقي والعبارة البيانية.
وقد كان أحمد شوقي ﵀ كثيرًا ما يزال هذا الذلل، وتشفع له مقدرته على النظم والتنغيم. ولقد سبق لي أن ضربت من ذلك في المرشد أمثالاً، ولا أهاب ههنا أن أصف سائر مراثية بأنها من شعر المناسبات وأنها خالية من الروح كل الخلو، لا أكاد أستثني من ذلك شيئًا إلا بيته في سعد ﵀:
شيعوا الشمس ومالوا بضحاها ... وانثنى الشرق عليها فبكاها
والصناعة في الشطر الأول لا تخفى، إذ ضمنه قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ على أنها صناعة خفية التكلف، ورنة النغم تشفع لها.
هذا، ومما يقارب شعر المناسبات في خطورة المرقى، ومقارنة الزلل، شعر المجاريات، وأحسب أن المجاراة الجيدة لا يقدر عليها إلا ملهم موفق أو تجئ على محض الاتفاق والمصادفة.
ذلك بأن الوزن والقافية كما قدمنا لك هما مفتاح التعبير. فالذي يجاري شاعرًا آخر، إما أن يكون قد اتفق له ذلك اتفاقًا وأما أن يكون قد تعمده. فمن أمثلة الأول كلمة أبي الطيب:
يا أُخت خير أخ يا بنت خير أب
стр. 994
فهذه لا يعقل أن يكون هو قد تعمد بها مجاراة أبي تمام حيث قال:
السيف أصدق أنباء من الكتب
ومن أمثلة الثاني كلمة شوقي
بسيفك يعلو الحق والحق أغلب
فإنه جاري كلمة أبي الطيب:
أُغالب فيك الشوق والشوق أغلب
ومحل النظر هو هذا الضرب الثاني، لأن الشاعر الذي يوافق آخر قبله في الوزن والقافية على سبيل الاتفاق والمصادفة، إنما يشابهه في أمر واحد فقط، وهو أن كلامه في جملته داخل في حيز المعاني العامة العاطفية التي تشير إليها طبيعة الوزن والقافية: كاستشعار البطولة مثلاً، إذ غير خاف أن أبا الطيب أسبغ على خولة ألوانًا من البطولة، واستشعر ذلك منها، وحسبك شاهدًا صريحًا قوله:
فما تقلد بالياقوت مُشبهها ... وما تقلد بالهندية القضب
ولا تصح المجاراة المتعمدة من الضرب الثاني إلا إذا احتدم جانب العاطفة والروح وغلب على الشاعر غلبة جعلته يتخذ من وزن الشاعر الآخر الذي هو يجاريه، ومن قافيته نموذجًا يحتذى، ومجري يرتاد فيه مسالك تجربته وانفعاله ومقاصد تعبيره. ولا ريب أنه تصاحب هذا النوع من التعمد حالة من حالات الجذب شبيهة بما يعانيه الشاعر حين تُظلم نفسه قُبيل إشراق الشعر عليه. وذلك أنه بالتماسه للنموذج يكون كالمتحسس في الظلمة. فمتى وقع خاطره على كملة شاعر بعينها نزلت عنده بمنزلة المفتاح لما يعلتج في نفسه. ولا أكاد أمتري أن عبدة بن الطبيب قد لاقى عناء من هذا الضرب في قصيدته التي أولها:
هل حبل خولة بعد الهجر موصول ... أم أنت عنها بعيد الدار مشغول
إذ قد نظر فيها إلى كلمة كعب بن زهير:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
стр. 995
ولعلنا لا نباعد أن عددنا هذا القري من قُريان المجاراة أدخل في باب الاتفاق والمصادفة منه في باب التعمد البحت الكالح، الذي استشهدنا له بكلمة شوقي في مجاراة المتنبي.
ذلك بأن المتعمد تعمدًا بحتًا إنما يروم مباراة الوزن والقافية بالاجتهاد وقوى الملكة. ولا أشك أنه يرتكب الكلفة والصناعة بادئ أمره. وربما عمد إلى ألوان من التدليس بما هو من بضاعة الشعراء كالافتنان في التنغيم والمحسنات البلاغية واصطياد المعاني الشاردة، كل ذلك يروم أن يضاهئ به ما لابد للشعر الصالح منه، من حرارة النفس، واندفاق الطبع.
وقد يتفق الشاعر المجيد بعد هذا التكلف أن تنفسح بعض آفاق نفسه فيصدق في التعبير، على أن هذا إن تأتي إنما يجئ كالفلتة، وفي الأبيات القلائل. وأكثر مجاريات المرحوم أحمد شوقي من هذا الضرب، كهذه البائية التي استشهدنا بمطلعها فإنها في جملتها ليست بشيء، وكسينيته التي جارى بها البحتري وليته لم يفعل. ومن أغرب ما قرأت من المجاريات كلمة للأديب الغزي أوردها صاحب الخريدة في اختياراته، يجارى بها تائية أبي العلاء التي في سقط الزند:
هات الحديث عن الزوراء أو هيتا ... وموقد النار لا تكرى بتكريتا
وهي كلمته:
أمط عن الدرر الزهر اليواقيتا ... واجعل لحج تلاقينا مواقيتا
ولا أدري لماذا يطلب المواقيت إذ تيسر له التلاقي، ولكنه أتي من طلب المؤاخاة بين الحج والمواقيت فأفسد هذا المعنى كل الإفساد، وخور الشطر الأول يخفي على القارئ
فثغرك اللؤلؤ المبيض لا الحجر الـ ... مسود لاثمه يطوي السباريتا
واللثم يُجحف بالملثوم كرته ... حاشا ثناياك من وصم وحوشيتا
стр. 996
والمقابلة ههنا بين اللؤلؤ المبيض والحجر المسود اجتهاد مرهق. ولعمري لو قد شبه ثغرها بالحجر الأسود لكان أبلغ، إذ يسبغ عليه قداسة ونورًا، ولكنه اندفع مع الطباق، ورام المقابلة بذكره أن لاثم الحجر الأسود يطوي السباريت، وهذا كما لا يخفى معنى سرقة من أبي العلاء المعري إذ هو كثير الدوران في لزومياته وما على من يريد لثمًا من ثغر محبوب أن يطوي إليه السباريت؟ أليس كعب بن زهير يقول:
أمست سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل
هذا ولقد جمح خيال الغزي ﵀ اللهم غفرًا، بل إغرابه حتى أخذ ينعي على الحجر الأسود أن الشفاه أجحفت به وأثرت فيه، وثغر المحبوب بزعمه يزداد حسنًا على اللثم فهو ههنا يُربي على الحجر الأسود، فتأمل هذا العنت.
ولعمري أن قوله «واللثم يُجحف بالملثوم كرته» آبدة من الأوابد لجساوة عباراتها وخشونتها. وما للكر واللثم. ولا أحمد قوله «الملثوم» كما لا أحمد قوله «يجحف» - وأما «حاشا» و «حوشيتا» وما إليها فتذكير لنا بأنه يجاري المعري. وويل للكوادن من مجاراة العراب. وإنما أراد إلى قول المعري:
ذم الوليد ولم أذمم دياركم ... فقال ما أنصفت بغداد حوشيتا
فإن لقيت وليدًا والنوى قذف ... يوم القيامة لم أُعدمه تبكيتا
ثم قال الأديب الغزي:
قابلت بالشنب الأجفان مُبتسمًا ... فطاح من ناظريك السحر منكوتا
فكان فُوك اليد البيضاء جاء بها ... موسى وجفناك هاروتًا وماروتا
جمعت ضدين كان الجُمع بينهما ... لكل جمع من الألباب تشتيتا
جسمًا من الماء مشروبًا بأعيننا ... يضم قلبًا من الأصلاد منحوتا
وإنما نظر في هذه الأبيات إلى قول أبي العلاء:
يا دُرة الخدر في لُج السراب أرى ... مُقلدًا بعقيق الدمع منكوتا
стр. 997
إلى آخر ما قاله. ولقد بالغ في التكلف. وإنما سقنا هذا الذي سقناه من تاتئيه لنضرب مثلاً على المجاراة التي يُراد بها إظهار البراعة، فإنها أكثر ما تؤول إلى نقيض ما يريده صاحبها.
هذا والنقائض في الشعر مما يدخل في باب المجاراة المتعمدة كالذي تجده في مناقضات جرير والفرزدق. غير أن هذين كانا يُجريان كلاهما الخطب وقد سبق لهما قبل المباراة أن حددا لأنفسهما مجال القول، فإذا استهل أحدهما بوزن ما وقافية ما كان ذلك كالمؤذن لصاحبه بأن مجال القول ههنا. فمتى جاراه صاحبه في وزنه وقافيته لم يكن بالمبعد كل الإبعاد عن طريقة الإسماح التي تنشأ من الانفعال والنفس العاطفي الحار. ولقد نرى عند جرير والفرزدق أنه ربما عمد أحدهما إلى مخالفة صاحبه في القافية لا في الوزن ليجعل ذلك أقرب إلى ما يهم هو بقوله، من ذلك ما فعله جرير في مجاراة الفرزدق إذ يقول:
إن الذي سمك السماء بني لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول
فإنه قد خفض الروي لينحو بالقول عن التفخيم إلى ما هو من طريقه ومذهبه من الوثب والاندفاع. تأمل في التدليل على هذا الذي نذهب إليه قول الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول
بيتًا زُرارة محتب بفنائه ... ومُجاشع وأبو الفوارس نهشل
أحلامنا تزن الجبال رزانة ... وتخالنا جنا إذا ما نجهل
وتأمل بعده قول جرير:
أخزى الذي سمك السماء مجاشعا ... وبنى بناءك بالحضيض الأسفل
بيتًا يُحمم قينكم بفنائه ... دنس مقاعده خبيث المدخل
أبلغ بني وقبان أن حلومهم ... خفت فما يزنون حبة خردل
стр. 998
ولعمري إذ عمد الفرزدق إلى التفخيم والرفع، فلا شيء أبلغ في نقض ذلك من التحقير والخفض، وهذا ما عمد إليه جرير فأجاد.
وقد تجد أحد هذين الشاعرين ربما عدل عن وزن صاحبه ورويه متى بدا له أن يغير مجال القول نفسه، فأما تبعه صاحبه وأما خالفه، وجرير مما يروم جذب الفرزدق إلى الوافر والكامل والقوافي الذلل المنطلقات.
والفرزدق ما يجنح إلى الطويل وإلى ما يكون حزنًا من ضروب الروي.
شيطان الشعر:
هذا ونعود بك أيها القارئ الكريم إلى ما كنا فيه من نعت حال الشاعر حين يروم القول ويلتمس أسبابه في أصناف النغم الذي يصير من بعد مفتاحًا للتعبير وطريقة للبيان والإفصاح.
إن حال الجذب والانفعال التي ترافق تطلع الشاعر إلى اقتناص الوزن المناسب والقافية المؤاتية، هي التي تصبغ كلامه كله بصبغ واحد، وتشيع فيه روحًا واحدًا، وتجعله ذا نفس واحد تصل، وهي في رأينا سر الوحدة عند الشاعر العربي وجوهر الروح العاطفي في كلامه، تفيض أول أمرها نغمًا صرفًا، ثم تنسرب بعد ذلك في مسارب القول الناصع.
وقد بينا لك آنفًا أن طريقة الشاعر العربي في التعبير الجهير المباشر هي التي ألجأته إلى أن يصعد بنفسه إلى قمم من الانفعال حتى يقدر على التصريح غير هائب، لأن همه الاعتراف، وحتى يتقبل السامعون ذلك من صنيعه قبولاً حسنًا. وهو إذ يصعد بنفسه إلى علياء الانفعال، ويُهمهم في أعماقها بالنغم ملتمسًا للتعبير، يصير كما قدمنا إلى شيء من حالة الجذب والُهيام، يرتفع به عن مطلق الفردية البشرية إلى شيء من البطولة. ولذلك زعمت العرب أن الشاعر يصاحبه شيطان يلقي إليه، قال
стр. 999
سويد بن أبي كاهل:
وأتاني صاحب ذو غيث ... زفيان عند إنفاد القُرع
قال لبيك وما استصرخته ... حاقرًا للناس قوال القذع
ذو عُباب زبد أذيه ... خمط التيار يرمي بالقلع
زغربي مُستعز بحره ... ليس للماهر فيه مُطلع
هل سُويد غير ليث خادر ... ثئدت أرض عليه فانتجع
وغير خاف ههنا أن شيطان سويد هو سويد نفسه بدليل البيت الأخير، وهذا يقوى ما نزعمه من حالة الجذب. وقضية شيطان الشعر معروفة فلا تحتاج إلى بسط ههنا. ويحسبك شاهدًا على إيمان العرب بها أن الدين ألمع إلى مذهبهم هذا في قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾. والمنعوتون بالإفك والإثم والكذب ههنا هم الكهان، ثم أضيف الشعراء إليهم بسبيل المشابهة والمضاهاة ومنهم من استثنته الآيات كما ترى. وفي الأثر أن حسان بن ثابت أُعين بروح القدس بعد أن أسلم، وهذا أيضًا دليل على إثبات الهاتف الذي يجذب الشاعر ويجيش في صدره.
ويحسن بنا هنا أن نوازن بين مزاعم الفرنجة أخذًا عن يُونان في نسبة الشعر إلى «الميوازت» أو «عرائس الشعر» وبين مزاعم العرب في الشيطان والرئي. ألا ترى أن الذي تلهمه العرائس جدير أن يكون في بيانه ذا ريث ومهل وانفصاله بنفسه شيئًا ما عن طبيعة الموضوع الذي هو بصدده، حتى يجئ كلامه نعتًا أو كالنعت، لا اعترافًا ولا تصريحًا ولا رومًا إلى إيصال تجربة بعينها إيصالاً مباشرًا إلى نفس السامع.
стр. 1000
ذلك بأنه من طبيعة المستلهم إلى العرائس أن يتأملهن ويعجب بهن ويتأتى إليهن، وفي كل هذا شوق وطرب مع تقية وانفصال.
أما من كان قرينه شيطانًا فإنه يخالطه مخالطة لا يدع معه له انفرادًا بنفسه أو انفصالاً بذاتها. وعلى هذا فإن تعبيره يكون ضربة لازب ألوانًا من الاعتراف يتدافعن تدافعًا وينفجرن انفجارًا. فعسى هذا التمثيل أن يعين شيئًا على إدراك بعض حقيقة الفوارق بين مذاهب الشعر الإفرنجي والشعر العربي.
هذا وإذ نحن بصدد الحديث عن شيطان الشعر، فقد لا نبعد عن تثبيت معاني ما نحن بمعراضه، إذا استطردنا بالقارئ شيئًا إلى نعت بعض شعراء العرب المشاهير بنعوت شياطينهم. أليس معلومًا أن كل شاعر قد كان يدعي لنفسه شيطانًا؟ أم لم يمر كلام سويد بن أبي كاهل من قبل؟ أم لا تعلم قول حسان:
ولي صاحب من بني الشيصبان ... فطورًا أقول وطورًا هوه
وقول الأعشي:
دعوت خليلي مسحلاً ودعوا له ... جهنام جدعا للهجين المذمم
فأبو العتاهية مثلاً شيطانه من الحن بالحاء المهملة، وهم أمة خسيسة من الجن شديدو الخبث مع ضعف وتخاذل. ويخيل لي أن أكثر شياطين الشعر «المتعاصر» (١) من هذه القبيلة. وآية الضعف والتخاذل في أبي العتاهية أنه تنكب الجزالة في التعبير بدعوى الزهد، والناس يذكرون أنه كان زنديقًا وكان جشعًا أشد خلق الله حرصًا على المال، والذي في أسلوبه من الركاكة والهجنة لا يخفي. وأحسبه لو لم يتخذ الزهد طريقة ما كان لينفق في زمان كان يستمع إلى أبي نواس وبشار ومروان ابن أبي حفصة.
стр. 1001
ودعبل شيطانه من الجن الآبدين، سكان الفلوات الذين يلمون بالناس أحيانًا ليصرعوهم. وقد ذكر الرواة أنه كان يألف القفار وربما صاحب جماعة الشطار واللصوص وربما قطع الطريق، وهو في كل ذلك يلم بالحضر. وما كان يفعل ذلك إلا ليفتك بعظيم أو خليفة، بهجاء يصمه به آخر الدهر.
وديك الجن، وهو من معاصري دعبل، قد كان شيطانه من العُمار وهم الجن الذين يسكنون البيوت. وقد كان صاحب طريقة من النظم عسى أن يكون سبق بها أبا تمام لما كان يستعمله من البديع والإغراب. وروي له ابن رشيق أنه ألم به دعبل فأنشده قوله:
كأنها ما كأنه خلل الخلة ... وقف الحبيب إذ بغما
وإنما أراد أن يروعه بهذا، فأنكره دعبل عليه وسخر منه.
وقد كان ديك الجن قبيح المذهب فاجرًا. ويذكر عنه إنه اتخذ جارية وغلامًا للذاته، ثم لما أنست الجارية إلى الغلام وزنها هو بريبة قتلهما، وجعل يرثيها ليكفر عن ذنبه. وذلك لا يكفره. ولعله نظم مرثيتهما وهما حيان ثم قتلهما بعد ذلك. وحسبك هذا من شره.
والحسين بن الضحاك الخليع من العمار أيضًا، إلا أن شيطانه أسكن حالاً وأنعم بالاً من شيطان ديك الجن، وقد غبر زمانًا طويلاً، وقد كان ﵀ مبتلى بالغلمان، وله فيهم أشعار ذكرها صاحب الأغاني غاية في الرفث والخبث وأعجب كيف غفل النقاد المعاصرون عنه، واتهموا أبا نواس دونه.
ولك بعد أيها القارئ الكريم أن تجمع بخيالك، فتتمثل لأبي تمام شيطانًا تظاهر بالإيمان واتخذ سمت القضاة، وهذا ما نعته به ابن رشيق، وتتمثل لبشار شيطانًا تظاهر بالإيمان واتخذ سمت القضاة، وهذا ما نعته به ابن رشيق، وتتمثل لبشار شيطانًا من قبيل الغيلان، وللبحتري عفريتًا سمع القرآن وآمن، ولأبي الطيب آخر
стр. 1002
من المردة الغضاب يزعم أنه قوي أمين (١)، ولأبي العلاء صاحبًا كأبي هدرش إلا أنه شهد الردة وانحاز إلى الخوارج وهلم جرا.
حالة الجذب
لعل ما سبق يوضح مراد العرب من نسبة الشعر إلى قرناء من الجن يلقونه إلى الشعراء، ذلك بأنهم رأوا ما ينتاب الشعراء من انفعال ثم ما يصيرون إليه بعد هذا الانفعال من جسارة على الاعتراف والصراحة لا يقدر عليها غيرهم ولا يروموها ولا يُتقبل منه ذلك إن فعل، فلم يجدوا وجهًا من وُجوه الرأي يفسرون به هذه الظاهرة المخالفة لما عليه مألوف الطبيعة غير أن ينسبوها إلى الجن.
وأريد أن أذكرك ههنا بخبر الفرزدق إذ تحداه غلام من الأنصار بقصيدة حسان بن ثابت الميمية. وسياق الخبر كما ذكره صاحب الأغاني يرويه بسنده إلى إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: «قدم الفرزدق المدينة في إمارة أبان ابن عثمان. فأتى الفرزدق وكثير عزة. فبينما هما يتناشدان الأشعار إذ طلع عليهما غلام شخت رقيق الأدمة في ثوبين مُمصرين، فقصد نحونا فلم يُسلم وقال: أيكم الفرزدق؟ فقلت مخافة أن يكون من قريش: أهكذا تقول لسيد العرب وشاعرها؟ فقال لو كان كذلك لم أقل هذا. فقال له الفرزدق من أنت لا أُم لك؟ قال رجل من الأنصار، ثم من بني النجار، ثم أنا ابن أبي بكر بن حزم، بلغني أنك تزعم أنك أشعر العرب، وتزعمه مُضر. وقد قال شاعرنا حسان بن ثابت شعرًا. فأردت أن أعرضه عليك وأُؤجلك سنة، فإن قلت قيله فأنت أشعر العرب كما قيل، وإلا فأنت مُنتحل كذاب، ثم أنشده:
ألم تسأل الربع الجديد التكلما
стр. 1003
حتى بلغ إلى قوله:
وأبقى لنا مر الحروب ورزؤها ... سُيوفًا وأدراعًا وجمعًا عرمرما
متى ما تُردنا من معد عصابة ... وغسان نحمي حوضنا أن يُهدما
لنا حاضر فعم وباد كأنه ... شماريخ رضوى عزة وتكرما
بكل فتى عاري الأشاجع لاحه ... قراع الكماة يرشح المسك والدما
ولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
يُسود ذو المال القليل إذا بدا ... مُروءته منا وإن كان مُعدما
وأنا لنقري الضيف إن جاء طارقًا ... من الشحم ما أمسى صحيحًا مُسلمًا
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحا ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فأنشد القصيدة وهي نيف وثلاثون بيتًا وقال له قد أجلتك في جوابها حولاً. فأنصرف الفرزدق مُغضبًا يسحب رداءه. وما يدري أنه طرفه حتى خرج من المسجد. فأقبل علي كثير فقال لي قاتل الله الأنصاري ما أفصح لهجته وأوضح حجته وأجود شعره فلم نزل في حديث الأنصاري والفرزدق بقية يومنا. حتى إذا كان من الغد خرجت من منزلي إلى المسجد الذي كنت فيه بالأمس. فأتي كثير فجلس معي وإنا لنتذكر الفرزدق ونقول ليت شعري ما صنع إذ طلع علينا في حُلة أفواف قد أرخى غديرته حتى وافى مجلسه بالأمس، ثم قال ما فعل الأنصاري فنلنا منه وشتمناه فقال، قاتله الله، ما مُنيت بمثله، ولا سمعت بمثل شعره. فارقته وأتيت منزلي أُصعد وأُصوب في كل فن من الشعر، فكأني مُفحم لم أقل شعرًا قط. حتى إذا نادى المنادي بالفجر رحلت ناقتي وأخذت بزمامها حتى أتيت ريانًا (١) وهو جبل بالمدينة، ثم ناديت بأعلى صوتي «أخاكم أخاكم» يعني شيطانه فجاش صدري كما يجيش المرجل فعقلت ناقتي وتوسدت ذراعها فما قمت حتى قلت مائة بيت من الشعر وثلاثة عشر بيتًا، فبينما هو
стр. 1004
ينشد إذ طلع الأنصاري حتى إذا انتهى إلينا سلم علينا إلخ الخبر» (١).
وأذكر لك أيضًا خبرًا شبيهًا بهذا عن جرير، قال صاحب الأغاني (٢): «أخبرن يعلى بن سليمان قال حدثنا أبو سعيد السكري عن الرياشي عن الأصمعي، قال: وذكر المغيرة بن حجناء قال حدثني أبي عن أبيه قال كان راعي الإبل يقضي للفرزدق على جرير ويفضله وكان راعي الإبل قد ضخم أمره، وكان من شعراء الناس. فلما أكثر من ذلك خرج جرير إلى رجال من قومه فقال هلا تعجبون لهذا الرجل الذي يقضي للفرزدق علي وهو يهجو قومه وأنا أمدحهم. قال جرير فضربت رأيي فيه. ثم خرج جرير ذات يوم يمشي ولم يركب دابته، وقال والله ما يسرني أن أعلم أحدًا. وكان لراعي الإبل والفرزدق وجلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة يجلسون فيها. فخرجت أتعرض له لألقاه من حيال حيث كنت أراه يمر إذا انصرف من مجلسه. وما يسرني أن يعلم أحد. حتى إذا هو قد مر على بغله وابنه جندل يسير وراءه على مهر له أحوى محذوف الذنب وإنسان يمشي معه يسأله عن بعض السبب. فلما استقبلته قلت مرحبًا بك يا أبا جندل. وضربت بشمالي على معرفة بغلته. ثم قلت أبا جندل: إن قولك يستمع، وإنك تفضل الفرزدق علي تفضيلاً قبيحًا، وأنا أمدح قومك وهو يهجوهم وهو ابن عمي ويكفيك من ذلك إذا ذكرنا أن تقول كلاهما شاعر كريم ولا تحتمل مني ولا منه لائمة. قال فبينا أنا وهو كذلك واقف علي وما رد علي بذلك شيئًا حتى لحق ابنه جندل، فرفع كرمانية معه فضرب بها عجز بغلته، ثم قال لا أراك واقفًا على كلب من بني كليب كأنك تخشى منه شرًا أو ترجو منه خيرًا. وضرب البغلة ضربة فرمحتني رمحة وقعت منها قلنسوتي. فوالله لو يُعرج علي الراعي لقلت سفيه غوى يعني جندلاً ابنه، ولكنه والله ما عاج علي، فأخذت قلنسوتي فمسحتها ثم
стр. 1005
أعدتها على رأسي، ثم قلت:
أجندل ما تقول بنو نُمير ... إذا ماالأير في است أبيك غابا
فسمعت الراعي قال لابنه: «أما والله لقد طرحت قلنسوته طرحة مشئومة.» قال حرير: والله ما القلنسوة بأغيظ أمره إلي لو كان عاج علي. فأنصرف جرير غضبان. حتى إذا صلى العشاء بمنزله في علية له، قال ارفعوا لي باطية من نبيذ وأسرجوا لي. فأسرجوا له وأتوه بباطية من نبيذ. فجعل يُهمهم. فسمعت صوته عجوز في الدرا. فاطلعت في الدرجة. حتى نظرت إليه فإذا هو يجبو على الفراش عريان (١) لما هو فيه. فانحدرت فقالت ضيفكم مجنون رأيت منه كذا وكذا. فقالوا لها اذهبي لطيتك نحن أعلم به وبما يمارس. فما زال كذلك حتى كان السحر. ثم إذا هو يكبر، قد قالها ثمانين بيتًا في بني نمير. فلما ختمها بقوله:
فغض الطرف إنك من نُمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
كبر ثم قال، أخزيته ورب الكعبة. ثم أصبح حتى إذا عرف أن الناس قد جلسوا في مجالسهم بالمربد، وكان يعرف مجلسه ومجلس الفرزدق دعا بدهن فادهن إلى آخر الخبر.» والخبر الأول فيه مصداق بعض ما ذكرناه لك آنفًا من أن الشاعر قد يعمد إلى القول فتضيق نفسه ويضطرب فكره ويضجر وتأخذه السآمة، ثم يصير إلى ضرب من الجنون العصبي ثم يفتح عليه آخر الأمر. واستنجاد الفرزدق بشيطانه نص في هذا الباب. ثم ما قد ذكرناه بادي بدا من أنه رام فنون الشعر فأعيت عليه. ولعله إنما حاول ألوانًا من الأوزان، حتى فُتح عليه آخر الأمر بالطويل وبالفاء المرفوعة المطلقة. والخبر الثاني فيه مصداق أيضًا لبعض ما ذكرناه آنفًا. وذلك أن الشاعر فتح عليه منذ البدء بمفتاح تعبيره وهو الوافر والباء المفتوحة المطلقة في قوله:
أجندل ما تقول بنو نُمير ... إذا ما الأير في است أبيك غابا
стр. 1006
ثم كما ترى عاد إلى منزله، وجعل يهمهم ويزمزم واعترته حالة الجذب وضاقت. نفسه حتى تعرى من ثيابه ثم اتلأب به منهاج القول.
واتفق الشاعر إن في كلتا الحالين في طلب الخلوة. والحق أن حال الجذب نفسها تضطر الشاعر إلى الخلوة والتأبد المطلق. ومن ههنا زعم الناس له مصاحبة الرئي. وليس السر في طلب الخلوة هو طلب التروي وحده، فمن الناس من يروض نفسه على التروي بحضور غيره، من ذلك ما يفعله كثير من المؤلفين حين يُملون- ولا يخالجني أدنى شك في أن أبا العلاء المعري قد كان يدير شعره في نفسه مرات قبل أن يمليه. وقد كانت خلوات ذلك الرجل الفذ أكثر من لقائه الناس، كما أنه قد كان بينهم بمنزلة الملك إذا أراد أن ينصرف الناس عنه انصرفوا.
وإنما السر في طلب الخلوة هو الحرص على طرح الشواغل والانصراف الكامل إلى النفس واستخراج مخزونها المغيب الذي يضن به صاحبه عن كل مشهد.
وأكاد أزعم أنه ليس من عمل للإلهام فيه نصيب، إلا وصاحبه يؤثر العزلة التامة. ومن أجل ذلك غري الأنبياء بالخلاء قبيل دعواتهم. وللكاتب المؤرخ الإنجليزي تُوينبي فصل جيد في كتابه «دراسة في التاريخ» أفرده لأهمية العزلة بالنسبة للإنتاج جميعه (١)، هذا والشاعر العربي لشدة ما يلم به من حالة الجذب، من أشد الخلق حاجة إلى العزلة، وحاجته إليها أشد من حاجة الناثر وما بمجراه، ولا شك أن الناثر ومن بمجراه قد يكفيهم أن يتيسر لهم جو الروية ولو في غير عزلة تامة، والذي يروى عن أحمد شوقي من أنه كان ينظم في كل مكان مما يقوي عندنا أنه كان يندفع إلى الصناعة كثيرًا، على قوة ملكته وإجاده التي لا تنكر وأحسب أيضًا أن كثيرًا مما نظمه صاحب اللزوميات ليوفي به شروط ما التزم به أو يتم به بعض الأبواب، لم يخل فيه إلى
стр. 1007
نفسه كثيرًا، كسائر ما في الظائيات والشينيات، وهلم جرا.
ويعجبني قول ابن قتيبة في الشعر والشعراء: «وللشعر أوقات يسرع فيها أتيه، ويسمح فيها أبيه. منها أول الليل قبل تغشي الكرى. ومنها صدر النهار قبل الغداء. ومنها يوم شرب الدواء. ومنها الخلوة في الحبس والمسير (١)». والذي يعجبني من قول ابن قتيبة هذا، أنه بفكره الناقد الثاقب قد تنبه إلى أن قرض الشعر لا يتأتى إلا مع العزلة، ولما كان هو في ذات نفسه ليس بشاعر فإنه افترض أن الشاعر إنما تتأتى له العزلة في الأوقات التي تتأتى فيها لسائر الناس من أهل زمانه، كأول الليل، وصدر النهار إلى آخر ما قاله. ولا يفوتنك ذكر الحبس، فهو يدل على أن الفضلاء كانوا كثيرًا ما يتعرضون لبائقته في ذلك العصر وقل منهم من كان يسلم منه. (ولا أحسب عصرنا هذا أرحب صدرًا بالفضلاء أو أقل جورًا عليهم، وأفاضل الناس أغراض لذا الزمن، كما قال أبو الطيب (٢)).
هذا وقد خفي عن ابن قتيبة أن الشاعر لا ينتظر أن تتأتى له ظروف العزلة التي تتأتى لغيره من سائر الناس، ولكنه يصنع العزلة لنفسه صنعًا عندما يحس بدافع الشعر. وذلك بأن ينفر من الناس كما ينفر الوحش أو يختفي كما يختفي ذو الجريرة. ولقد يكره حينئذ مقدم الزور الكريم وإيناس الصاحب الحميم. والشاعر في هذه الحال أحوج ما يكون لمن يعطف على حاله، ويعينه بالتخلية على أن يعتزل كما يشاء، ويهيئ له في عزلته ما عسى أن يرغب إليه من حاجة الطعام والشراب. وقصة جرير التي مرت آنفًا نص في هذا الذي نراه، إذ قد أمر بنبيذ يُعد له، وسراج يوقد، ثم اعتزل وتعرى وجعل يهمهم كمن أصابه مس من الجن، حتى فزعت العجوز من أمره.
стр. 1008
ولا ينبغي بعد أن يصرفنا درك هذه الحقيقة عن أن نعترف لابن قتيبة بما وُفق إليه من دقة الحدس ونفاذ البصيرة. وإني لأعجب من بعض نقاد العصر إذ يتهمون ذلك العالم الناقد القدير بالسطحية وما إليها. ولعمري لو قد فطنوا إلى أن الرجل كان رأس مدرسة وكان يقرن بالجاحظ في أهل عصره، لقد تريثوا شيئًا قبل أن ينبروا إلى الحط من قدره. وأرى حقًا علي أن أذكر في هذا الموضع أن مقدمته للشعر والشعراء من أجود ما كتب في النقد في العربية، وما فئتنا -تلامذة الأدب- عالة على كثير من فصولها المفعمة القصار. وهذا بعد أوان نعود إلى ما كنا فيه.
منزلة الشاعر:
أحسب الشاعر العربي كان أول أمره من قبيل الكهان. ألا تراهم يذكرون له صاحبًا من الجن كما للكهنة أصحاب من الجن يخطفون أخبار السماء ويلقونها إليهم؟ ثم خذ لفظ الشاعر نفسه- أليس اشتقاقه من قولهم شعر بمعنى عرف؟ من أن العّراف (وهذه صيغة المبالغة لقولك العارف) قد كان أحد كهان العرب، وكانوا يطلبون لديه الطب ويحتكمون إليه في كثير من النوازل. قال عروة بن حزام:
جعلت لعراف اليمامة حُكمه ... وعراف نجد إن هما شفياني
وقد كان الكهان يصطنعون لأنفسهم أحوالاً من الجذب، ، ويلقون كلامهم في أسجاع ورموز، وعلى طريقة لا أشك أنها كانت من طريقة الشعر في أول أمره. فهذا أيضًا مما يقوي عندك أن الشاعر كان أول أمره من قبيل الكهنة.
على أن الشاعر في طبيعة نفسه طلق حر. وللكهنة عبادات ورسوم وقيود وحدود. ثم إن الشاعر أصيل مصادر الإلهام يتغنى بالقيم ما راقت له، فمتى أنكرها، جعل يطلب غيرها ويتغنى به، مفصحًا في كل ذلك عن ذات نفسه. وهذا من طريقة
стр. 1009
الشاعر ومذهبه مباين كل المباينة لما تقتضيه أصول التكهن من المحافظة المطلقة وإخضاع الذات للرسوم والقيود، والتماس مصادر القول من وجوه التعبد، وعلى ضوء الشعائر، وعلى نحو رتيب يراد به ترويع النفوس وإرهابها، لا استثارة كوامنها وإطراب أسرارها ومخالطة خلجاتها- وكل هذا من مطالب الشعر ومقاصده.
ولا أباعد إن زعمت أنه لما امتازت طبقة الكهنة فصار لها مذهبها وحدودها وقيودها، وضاق بذلك نطاقها عن نزوات الشعر وجمحاته، أخذ الشاعر العربي يلتمس لنفسه متنفسًا من غير طريق التكهن. ولعله بدأ ذلك بالثورة على التكهن، ومخالفة أساليب الكهنة في منهج الحياة ومنهج القول.
وإذ الشاعر لا يقدر بحال أن يبعد عن استشعار القيم واختراعها والتغني بها، لدقة خسه وقوة خياله، فإنه أبدًا في طلب المذاهب. على أن المذاهب مهما تلائمه في أولها فإن مصيرها إلى ألا تلائمه آخر الأمر، لما تقتضيه طبيعة كل مذهب من الاستقامة على وجه من وجوه المحافظة والشكلية متى نضج واتلأب أمره.
وأحسب أن الشاعر العربي في قلقه عن مذهب الكهان أخذ يجنح إلى الفروسية، طلبًا للحرية والانطلاق من سبيلها. والذي يدعوني إلى هذا الزعم هو ما أجده من كثرة الشعراء الفرسان في الذي بين أيدينا من دواوين القدماء ومختاراتهم. ومن أمثلة ذلك الحرث بن ظالم وعامر بن الطفيل وطفيل الغنوي، والمهلهل بن ربيعة وعنترة بن شداد والحصين بن الحمام وعمرو بن كلثوم، وكثير غير هؤلاء. وكالراجح عندي أن الفروسية العربية ما ثبت قيمتها إلا الشعر. ذلك بأن الشعراء كما قدمت لك أبدًا في طلب المذاهب والقيم. وإذ أحسوا في الفروسية طلاقة يخرجون بها من قيود التكهن، ثم لا يكونون مع ذلك بعيدين عن مكان السيادة، فإنهم اقبلوا على تجاربهم فيها يتغنون بها، ويبثون نبأها بين مجتمعهم بها في منزلة وسط، بين الدين ذي الرهبوت، والرياسة ذات الوقار.
стр. 1010
ثم إن الفروسية نفسها صارت آخر أمرها مذهبًا محافظًا، ذا رسوم وأدب وقيود. وأصبح غير عسير على الكريم من القوم أن يكون فارسًا بطلاً من غير أن يكون شاعرًا خالصًا شعر. بل لعل من لم يكن شاعرًا من القوم قد كان حريًا أن يكون أقوم بواجب الفروسية ورسمها من الشاعر، لما تقتضيه طبيعة الشعر من كراهة المحافظة ومن الجنوح إلى الحرية والانطلاق.
ولا أدل على ثبوت مذهب الفروسية عند العرب من هذه القصص الكثيرة التي يذكرها لنا الرواة عن ربيعة بن مكدم حامي الظعن، وبسطام بن قيس، وجساس بن مرة، وعنترة بن شداد. وإليك، على سبيل المثال، هذه القصة مما رواه ابن إسحق في السيرة، يرفعه إلى سيدتنا أم المؤمنين أم سلمة ﵂ في خبر هجرتها، قالت: «فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة قالت: وما معي أحد من خلق الله قالت: فقلت اتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي. حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عُثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار. فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أمية؟ قالت: أريد زوجي بالمدينة. قال أو ما معك أحد؟ قالت: لا والله إلا الله وبُني هذا قال والهل ما لك من مترك. فأخذ بخطام البعير. فانطلق يهوي بي. فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه. كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأجر عني. حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه ثم قيده في الشجرة ثم تنحى إلى الشجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله. ثم استأخر عني فقال: اركبي. فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه. فقاد بي حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة. فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية، (وكان أبو سلمة بها نازلاً)، فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعًا إلى مكة. فكانت تقول: ما أعلم أهل البيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل
стр. 1011
أبي سلمة. وما رأيت صاحبًا قط أكرم من عثمان بن طلحة» (١).
وعثمان بن طلحة المذكور ههنا قد كان من المشركين، شديد العداوة للمسلمين وبقي على ذلك إلى الحديبية فآمن. وكان من بيوت السيادة في قريش وأهل بيته بنو عبد الدار كانوا أصحاب مفاتيح الكعبة كما كانوا أصحاب اللواء وقتل عمه وإخوان له وهم يحملون اللواء يوم أحد.
وفي القصة بعد من أدب الفروسية ما ترى من المبالغة في إكرام الكريمة ورعاية حرمتها. ولا يناقض هذا ما يروي عن العرب من أمر الوأد، فإن المجموعات التي تلتزم أدب الفروسية تحتقر المرأة من حيث هي ضعيفة عاجزة عن حمل السلاح، وتغار عليها من حيث هي معرض للمباهاة وإظهار الرجولة، وفي أخبار الفروسية الأوربية في القرون الوسطى أنباء تصلح شاهدًا على هذه النظرة المزدوجة المتناقضة الجانبين، من ذلك على سبيل المثال ما اشتهر عن الصليبيين من إلزام حلائلهم لباس أحزمة خاصة ليضمنوا ألا يخنهم أثناء غيابهم في الأرض المقدسة. وقد كان في هذا من الوحشية والقسوة ما لا يخفى.
هذا، وما لبث الشعراء أن وجدوا أنفسهم كالغرباء بين طبقة الفرسان. ذلك بأن الفروسية بعد أن صارت مذهبًا معروفًا وأدبًا محذوًا ومنهجًا في الحياة ذا أدب وحدود، برز فيها رجال لم يكونوا شعراء خُلصًا، وإنما تعاطى من تعاطى منهم الشعر، ليُتم به آلة الفروسية ومظهرها. إذ يبدو أن الشعر لطول ارتباطه بالفروسية قد صار يُعد من متمماتها: من شواهد ما يروى عن عنترة أنه لما فخر بكمال الفروسية تحداه عائبوه بأنه لا يقول الشعر، واتفق إن كان هو شاعرًا سليقة فأجابهم بمعلقته المشهورة:
هل غادر الشعراء من مُتردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
стр. 1012
وأشعر منها نفسًا عندي كلمته الفائية التي قالها وهو عبد مملوك لا يعترف به، في زوج أبيه سمية:
أمن سمية دمع مذروف ... لو أن ذا منك قبل اليوم معروف
وقد سبق أن استشهدنا بها في المرشد الأول. وقد ذكرها أبو العلاء في رسالة الغفران ووقف عندها شيئًا.
فممن برزوا في الفروسية ولم يكونوا من حاق الشعراء بسطام بن قيس وعتيبة ابن الحرث بن شهاب وربيعة بن مكدم، وجماعة كثيرون.
ويبدو أن تحجر مذهب الفروسية وانحيازه إلى مذهب السيادة بوجه عام، وما صحب ذلك من التزام سمت المظهر وقيوده، جعل يسوء الشعراء منذ عهد بعيد. وعسى إن كان انحراف المهلهل إلى أن يكون زير نساء، قبيل نهوضه بثأر كليب، واستصحاب امرئ القيس للشذان والخلعاء وطلبه للإباحة، وعرام طرفة بن العبد، واختصاره مذهب الحياة والفروسية كله في قوله:
فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عُودي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كُميت متى ما تُعل بالماء تُزبد
وكري إذا نادى المضاف مُجنبًا ... كسيد الغضى نبهته المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن مُعجب ... ببهكنة تحت الطراف المُعمد
عسى إن كان ضربًا من ثورة الشعراء على «تحجر» أدب الفرسان والفروسية. ولقد كان عروة بن الورد سيدًا فارسًا إلا أن طبع الشاعر كان أغلب عليه وثورته على تقاليد السيادة والفروسية هي التي دفعته فيما أرى إلى التماس مذهب آخر أشد طلاقة وحرية، في صحبة الصعاليك وتجهيزهم بما يحتاجون إليه من
стр. 1013
أداة الغزو. وكأنه كان في نفسه يتوق إلى أن يكون من الخلعاء والصعاليك إلا أن ما درب عليه من مذهب الفروسية القبلية والسيادة في بني عبس كان يعدوه عن أن يبلغ إلى حاق الصعلكة. وما كان الصعاليك إلا من ذي الجرائر وخلعاء القبائل. وما كانوا ليرجعوا إلى مأوى يُؤويهم إنما هي الصحراء والدماء، واختلاس العاجل من اللهو. ولقد لقي عروة من تناقضه بين مذهبي القبيلة والصعلكة أيما عنت. من ذلك قصته مع امرأته سلمى الكنانية. قال صاحب الأغاني: «ذكر أبو عمرو الشيباني من خبر عروة بن الورد وسلمى هذه أنه أصاب امرأة من بني كنانة بكرًا يقال لها سلمى، وتكنى أُم وهب، فأعتقها، واتخذها لنفسه، فمكثت عنده بضع عشرة سنة، وولدت له أولادًا، وهو لا يشك في أنها أرغب الناس فيه. وهي تقول له، لو حججت بي فأمر على أهلي وأراهم. فحج بها فأتى مكة. ثم أتى المدينة وكان يخالط من أهل يثرب بني النضير، فيُقرضونه إن احتاج، ويبايعهم إذا غنم. وكان قومها يخالطون بني النضير. فأتوه وهو عندهم. فقالت لهم سلمى إنه خارج بي قبل أن يخرج الشهر الحرام. فتعالوا إليه وأخبروه أنكم تستحون أن تكون امرأة منكم، معروفة النسب، صحيحته، سبية وافتدوني منه فإنه لا يرى أني أفارقه، ولا أختار عليه أحدًا. فأتوه فسقوه الشراب. فلما ثمل قالوا: فادنا بصاحبتنا فإنها وسيطة النسب فينا، معروفة. وإن علينا سُبة أن تكون سبية. فإذا صارت إلينا، وأردت معاودتها فاخطبها إلينا، فانا ننكحك. فقال لهم: ذاك لكم، ولكن لي الشرط في أن تخيروها، فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها، وإن اختاركم انطلقتم بها. قالوا: ذاك لك. قال: دعوني أله بها الليلة وأفاديها غدًا. فلما كان الغد، جاءوه فامتنع من فدائها. فقالوا قد فاديتنا بها منذ البارحة. وشهد عليه بذلك جماعة ممن حضر. فلم يقدر على الامتناع. وفاداها. فلما فادوه بها خيروها. فاختارت أهلها. ثم أقبلت عليه فقالت: «يا عروة أما إني أقول فيك وإن فارقتك الحق. والله ما أعلم امرأة من العرب ألقت سترها على
стр. 1014
بعل خير منك، وأغض طرفًا، وأقل فحشًا، وأجود يدًا، وأحمى لحقيقته. وما مر علي يوم منذ كنت عندك إلا والموت أحب إلي من الحياة بين قومك. لأني لم أكن أشاء أن أسمع امرأة من قومك تقول: قالت أمة عروة كذا وكذا، إلا سمعته. ووالله لا أنظر في وجه غطفانية أبدًا. فارجع راشدًا إلى ولدك وأحسن إليهم».
وأحسب أن لو كان عروة صعلوكًا حقًا، لا نتبذ بامرأته هذه مكانًا قصيًا عن قومه، وإذن لأغناها عن أن تسمع أذاة الغطفانيات لها. ولقد كانت لكونها من كنانة ترى نفسها لا يفضلها من العرب إلا قُرشية، على شك منها في ذلك، فكيف تراها تحس وقد ألفت نفسها أمة في البدو بأرض الشربة بين عبس وذبيان؟
وأوضح في الذي نظنه من تناقض عروة قصته مع أصحاب الكنيف كما سماهم. فهؤلاء جماعة من الصعاليك قد مولهم وجهزهم وأغار بهم، وظفر وهو معهم بمائة من الإبل وسبى امرأة بارعة الجمال. فلما جاءت القسمة أراد أن يجُور المرأة في نصيبه فأبوا ذلك عليه إلا أن يدخلها في أسهم الغنيمة. فنزل لهم عن نصيبه من الإبل ثم طلب منهم راحلة يحملها عليها فأبوا ذلك عليه. فحز ذلك في نفسه ونظم كلمات يذكر هذا من عقوقهم منها لأميته:
ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم ... كما الناس لما أخصبوا وتمولوا
وإنما أُتي عروة من حيث إنه ظن إنهم سيسلمون إليه السيادة من أجل تمويله، وتجهيزه لهم. ونسي إن مذهبهم في الصعلكة لا يقبل إلا محض المساواة.
على أن صنيع عروة هذا على ما كان من تناقضه كان في بابه روما صادقًا للطلاقة والحرية. وقد روي عن عبد الملك بن مروان أنه كان يفضل عروة على حاتم في الكرم. وعن الحطيئة أنه كان شاعر عبس، ففضله كما ترى على عنترة في الشعر، إذ ذكر أن عنترة كان فارس عبس. وانظر أنساب الأشراف للبلاذري.
стр. 1015
الصعلكة والفروسية:
ولقد أخلص لمحض الصعلكة جماعة من الشعراء إذا ضاق بهم مذهب الفروسية أو حدود القبلية أو ما شئت من أسباب أخر. وهؤلاء قد عمدوا إلى أن يضفوا على قيم الصعلكة بهاء أشد من بهاء قيم الفروسية وكأنما راموا أن يجعلوا منها مذهبًا هو فروسية الفروسية، وكأنهم كانوا ينشدون بصنيعهم هذا إلى أن يلفتوا الناس إلى طلاقة الحرية الصحراوية التي جعلت تُضيق مظاهر السيادة القبلية من نطاقها.
وعلى رأس هؤلاء تأبط شراء والشنفري. وقد كان الشنفري عندي أقرب إلى المثل الأعلى للصعلوك الشاعر، ولأنه قد كان كما قال:
طريد جنايات تياسرن لحمه ... عقيرته لأيهما حُم أول
وفي لامية العرب والتائية التي اختارها المفضل:
ألا أم عمرو أجمعت فاستقلت ... وما ودعت جيرانها إذ تولت
نجده قد عدد مآثر الصعلوك وفضائله كما كان يراها، من صبر على الشدائد ومنعة في النفس، وكرم مسرف واحتقار لعرض الدنيا، واستبسال للموت ورضا به إن جاء، وتحنن على النساء مع عفة في اللفظ، ونُبل في الضريبة. ويبدو أن الشنفري كان يفعل ما يقول بآية ما مدحه صاحبه تأبط شرًا فقال:
لكنما عولي إن كنت ذا عول ... على بصير بكسب الحمد سباق (١)
سباق غايات مجد في أرومته ... مُرجع الصوت هذا بين أرفاق
стр. 1016
عاري الظنابيب مُمتد نواشره ... مدلاج أسحم واهي الماء غساق
فذاك همي وغزوي أستغيث به ... إذا استغثت بضافي الرأس نغاق
كالحقف حدأه النامون قُلت له ... ذو ثلتين وذو بهم وأرباق
وكلمة تأبط شرا الكافية التي مدح بها صديقه شمس بن مالك، تجمع أطراف مذهب الصعلكة من بسالة واعتداد بالذات واكتفاء بها وغلو في طلب الحرية مع التزام لأدب النفس:
وإني لمُهد من ثنائي فقاصد ... به لابن عم الصدق شمس بن مالك (١)
أهز به في ندوة الحي عطفه ... كما هز عطفي بالهجان الأوارك
قليل التشكي للمهم يصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك
يبيت بموماة ويمسي بغيرها ... جحيشًا ويعروري ظهور المهالك
ويسبق وفد الريح من حيثما انتحى ... بمنخرق من شده المتدارك
إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل ... له كاليء من قلب شيحان فاتك
ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلة من حد أخلق باتك
يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك
وغير خاف عن القارئ الكريم ولع الصعاليك بذكر العدو، يرومون من أنفسهم أن يكونوا كالوعول وحمر الوحش، وظباء القفر انطلاقًا وحرية، ويستنكفون أن يستعينوا بالخيل فضلاً عن أن يفخروا بها. وكل هذا كما ترى جار مع جوهر طبيعة الصحراء وما يرومه البدو فيها من الفوضى التي لا تلتزم بشيء غير أدب النفس الذي يرفع من قدر الانطلاق ويربأ به أن يسف إلى الدنايا.
стр. 1017
على أن القبائل العربية في جملتها قد صارت قبيل الإسلام إلى حال من النمو والقلق تريد التجمع والاندفاع دون الفوضى التي كان ينشدها شعراء الصعاليك بثورتهم على الفروسية وأوضاع المجتمع القبلي. ذلك بأن من القبائل ما أثري وتزايد عدده كقريش وبني حنيفة، ومنها ما تتابعت رياساته في بيوت جعلت تتطلع إلى السلطان كبني كنده وبني شيبان. ومثل هذا النمو لم يكن ليسمح بتغلب دعوة الفوضى، ولم يكن ليلقي بالاً إلى شعراء الصعاليك إلا على سبيل الاستظراف. ولعله لم يكن من القبائل ما كان يتجاوب حقًا مع قيم الصعلكة إلا هذيل لإيغالها في التبدي وشدة فقرها .. وشعر هذيل في جملته شديد الشبه بأشعار الصعاليك.
وإذ قد كانت الصعلكة، وهي كما قدمناه ثورة على الفروسية والقبلية، مقضيًا عليها أن تكون مذهب القلة النادرة، والشذاذ من الأفراد، فإن الشاعر العربي آثر أن ينزل عن مكان الصدارة المرتبط مع الفروسية، إلى مكان دونه كيما يظل محتفظًا لنفسه بمقدار كبير من حريتها ويظل مع ذلك صاحب الكلمة المسموعة في المجتمع. فآثر من أجل ذلك أن يكون فارسًا بلسانه، ساحرًا ببيانه. وجعل من هذا الاتجاه الجديد سببًا إلى المكسب ووسيلة إلى الشهرة ومخالطة العلية من غير ما تقيد بقيودهم.
ولقد كان رضا الشاعر بالنزول عن مرتبة السيد والفارس تضحية عظيمة وثورة خطيرة. ولقد أصاب أوائل الشعراء الذين أقدموا على هذا النزول عن عمد أو اتفاق شر كثير. وعلى رأسهم امرؤ القيس، إذ قد نزل عن مرتبة الملك إلى صحبة الشذان والخلعاء وهو القائل:
وقربة أقوام جعلت عصامها ... على كاهل مني ذلول مُرحل
وواد كجوف العير قفر قطعته ... به الذئب يعوي كالخليع المُعيل
فقلت له لما عوى إن شأننا ... قليل الغنى إن كنت لما تمول
كلانا إذا ما نال شيئًا أفاته ... ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل
стр. 1018
وقد وهم صاحب الخزانة فأنكر أن يكون هذا من قول امرئ القيس وقال: «وهذا أشبه بكلام اللص والصعلوك لا بكلام الملوك»، ونفس امرئ القيس في هذا الكلام غير خاف، ولذلك أثبته له في المعلقة من صيارفة الكلام الأوائل أبو سعيد السكري وكان شديد التحري، وذكر صاحب الخزانة أن الرواة رووا هذه الأبيات لتأبط شرًا، منهم الأصمعي وأبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات وابن قتيبة، ولعمري إن قوله «على كاهل مني ذلول مرحل» أشبه بامرئ القيس وكأنه يشعرنا بأنه قد راض نفسه رياضة على أسلوب الصعاليك حتى ذل كاهله لحمل القربة وعصامها. وكذلك قوله «كالخليع المعيل» والبيت الأخير لا يقع مثله عند تأبط شرا بحال وهو أشبه شيء بكلام امرئ القيس، وأما قوله:
فقلت له لما عوى إن شأننا ... قليل الغنى إن كنت لما تمول
فهو لا يشبه كلام تأبط شرًا هو القائل:
سدد خلالك من مال تُجمعه ... حتى تلاقي الذي كل امرئ لاقى
ولا يشبه في ظاهره مطالب امرئ القيس الذي إنما كان يزعم أنه يريد الملك والثأر لا المال، وهو القائل:
فلو إنما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكن الحوار شبيه بالذي يقع عند امرئ القيس. وقوله فقلت له لما عوى إلخ. فيه أصداء من قوله:
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل
والراجح عندي أن طريقة الخطاب منها تقليد من امرئ القيس لما كان يتداوله الخلعاء واللصوص الذين صحبهم، من ضروب القول والآمال. ولم يكن صعاليك امرئ القيس أصحاب قصيد ومُثل عليا كتأبط شرا والشنفري. وأذن لقد
стр. 1019
كنا سمعنا عنهم. هذا والرقة التي في قوله؟ : «إن شأننا قليل الغنى إن كنت لما تمول» من سنخ كلام امرئ القيس وتأتيه. والله تعالى أعلم (١).
هذا وبعد أن آل الملك إلى امرئ القيس، ونهض هو إلى الثأر، أبت له الأيام إلا أن ينزل عن هذه المرتبة إلى غربة ممضة وحرمان أليم. ويعجبني قوله في ذلك:
أبعد الحرث الملك ابن عمرو ... له مُلك العراق إلى عمان
مجاورة بني شمجي بن جرم ... هوان ما علمت من الهوان
ويمنعها بنو شمجي بن جرم ... معيزهم حنانك ذا الحنان
وأبى الناس إلا أن يذكروا له ما كان فيه من خلاعة ويأخذوه به، فسموه الملك الضليل مع أنهم يروون أن ضلاله إنما كان قبل الملك. ولحقته الأساطير إلى بلاد الروم فجعلته يروم من امرأة قيصر أو ابنته نحوًا مما كان يفعل أيام فجوره بنجد، وجعلوا هذه المغامرة منه سببًا في قوله، إذ زعموا أن قيصر كساه حلة مسمومة تناثر منها لحمه.
وقد عمد جماعة من الشعراء على زمان امرئ القيس وبعده عمدا إلى مدح السادة والملوك وتقبل الرفد منهم- من أولئك علقمة بن عبدة صاحب البائية في أحد ملوك غسان، ومنهم المسيب بن علس وأوس بن حجر. وقد عمد النابغة وزهير إلى التكسب بالمدح وقيل إن ذلك مما عيب عليهما ونزل بهما عن مراتب السادة. ولكن الشعراء ما لبثوا أن تبينوا صواب هذا المسلك فأقبلوا عليه كل إقبال. من ذلك ما فعله الأعشى إذ جعل يلتمس أسباب الرحلة إلى كل ماجد يسمع به. وقد يقال إن العمى كان يملي عليه هذا المسلك إذ لم تكن له سبيل إلى حمل السلاح. ولكن ما بال حسان بن ثابت يصنع مثل صنيعه، وكان يكره القتال ويتحرز منه حتى وصم بالجبن؟ وما بال بشر بن أبي خازم، وكان ذا قتال وغارات يقبل عطاء أوس بن حارثة بن لأم
стр. 1020
ويمدحه، ونحن نعلم أن أوسًا لم يعف عنه لما ظفر به أسيرًا إلا لما علمه من شاعريته وما أمله من مدحه؟
والحق أنه لم يمض على زمان امرئ القيس قليل حتى صار الشاعر ذا وضع خاص في المجتمع العربي، ربما تجاوز القبيلة إلى أطراف الجزيرة- كان في منزلة البطولة البيانية، التي تتيح له أن يغير كما يغير الفارس، وينطق بالحكمة والكلم الرهيب كما يفعل الكاهن، ويتغنى حرًا طليقًا كالصحراء وصعاليكها- ثم يظل بعد ذلك مرتفعًا عن منزلة العامة، خارجًا عن حلبة السادة، إلا أن تتفق له اتفاقًا في الفروسية الشخصية أو الرياسة الموروثة. على أن قول الشعر قد صار يحيف بمنزلة المرء في هذين البابين لما تواضع الناس عليه أن يسمحوا للشاعر بالحرية، ولكن يتقاضونه ثمنها في الإجحاف به والنزول بقدره. ومن أجل هذا نجد الرواة يذكرون أمن منزلة الشاعر قد نزلت عن منزلة الخطيب بعد أن كان فوقه، وأن الشعر قد صار يعد أدنى مروءة السرى وأسرى مروءة الدنى (١) وما أحسب أن قريشًا اتهمت النبي ﷺ بأنه شاعر، إلا ليلهوا الناس عن خطره ويهونوا عليهم أمره. فما أفلحوا.
بطولة الشاعر:
على أن المجتمع حين خس بقدر الشاعر، مقابل ما أتاح له من حرية القول المباشر، يمدح إن شاء، ويهجو إن شاء، وينسب إن شاء، ويفتن كما أراد- لم يضعه وضعًا خارجًا عن القانون الاجتماعي بالكلية، بحيث يسلم من المحاسبة على كل حال. بل فرض عليه حسابًا عسيرًا، يناقض مبدأ ما أقر له به من الحرية، كما يناقض ما اعتمده من الإزراء بقدره. وذلك أن مكان الشاعر من الإفصاح أتاح له منزلة من الشرف لا تنكر- فصار من حيث هو شاعر يعد في ساداتهم وإن لم يرفع إلى