← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وكان غيرهم من العرب والسامين يعبدونها أيضًا. ومهما يكن من شيء فالنار رمز قديم في العبادة، من شواهد ذلك قصة ابني آدم إذ قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، وكانت علامة القبول أن أكلته النار. واتصال معنى الخصوبة بالنار عند العرب بين جلي في رمزيتها المشهورة للكرم. قال المعري: نار لها ضرمية كرمية ... تأريثها إرث عن الأسلاف تسقيك والأري الضريب ولو عدت نهي الإله لثلثت بسلاف وقال الأعشى: لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار باليفاع تحرق تُشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق ونار الحرب لا تخرج عن هذا المعنى لاتصال ما بين الفروسية والكرم، قال الفرزدق: وأضياف ليل قد نقلنا قراهم ... إليهم فأتلفنا المنايا وأتلفوا قريناهمو المأثورة البيض قبلها ... يُثج العروق الأيزني المثقف وقال القطامي: حتى إذا ذكت النيران بينهم ... للحرب يُوقدون لا يُوقدن للزاد فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا ... كما تعجل فراط لوراد نقريهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد وأحسب أن النار قد كانت مما يُرمز به من قريب أو من بعيد إلى خصوبة الأنثى وحيويتها وحرارة ما يكون من اشتهائها. وقد قرنت العرب قرنًا قويًا بين

стр. 1052

ذكر النار والمحبوبة في نسيبها. وغير بعيد أن يكون منشأ هذا القرن من عبادة الخصوبة الأولى في الشمس أو غيرها من النيران المؤنثات. ومما يقوى عندك أن المراد من ذكر النار رمزية الشوق الغزلي والهوى دون مجرد نعتها الحسي قول امرئ القيس مثلاً: تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي فقد جعل حبيبته كما ترى هي النار المتنورة. وفي أبيات هذه اللامية ما هو قوي الدلالة على هذا المعنى نحو قوله: كأن على لباتها جمر مُصطل ... أصاب غضى جزلاً وكف بأجذال وقال النابغة: أقول والنجم قد مالت أوائله ... إلى المغيب تأمل نظرة حار أي يا حارث: ألمحة من سنا برق رأى بصري ... أم وجه نعم بدا لي أم سنا نار وهنا وفي البيت الذي يلي مكان الاستشهاد: بل وجه نُعم بدا والليل مُعتكر ... فلاح من بين أثواب وأستار تلوث بعد افتضال الدرع مئزرها ... لوثًا على مثل دعص الرملة الهاري والبيت الأخير نص في الإشعار بالخصوبة: ومما هو مشهور من وصل التشبيت بذكر النار قول عدي بن ريد العبادي: يا لُبيني أوقدي النارا ... إن من تهوين قد حارا رُب نار بت أرمقها ... تقضم الهندي والغارا وبها ظبي يُؤججها ... عاقد في الخصر زُنارًا

стр. 1053

وإلى هذه الأبيات أشار أبو العلاء المعري في تأئيته السقطية التي مطعلها: هات الحديث عن الزوراء أوهيتا .... وموقد النار لا تكرى يتكريتا ليست كنار عدي نار عادية ... باتت تُشب على أيدي مصاليتا وقد حول أبو العلاء رمز النار من إرادة المرأة إلى إرادة السيف ثم مضى في نعت السيف وبريقه واتخذ ذلك سبيلاً إلى ذكر أصحابه من البدو الفاتكين ومن يحمونه من العقائل الحسان البعيدات المنال. ووقف وقفة طويلة عند حسناء منهن يتعلل بذكراها، ويسلي النفس عن بعد منالها لما يحيط بها من رجالها الغير أهل الفتك أو كما قال: أروي النياق كأروى النيق يعصمها ... ضرب يظل له السرحان مبهوتًا ثم كأنه جعل هذه الفاتنة رمزًا لبغداد التي كان يحن إليها، ودون بلوغها الأهوال، من عناء السفر، ووعورة الطريق، وتعرض من يسلكه للخاربين واللصوص. والذي ينظر إلى القصيدة نظرة سطحية يخيل إليه أنها متباينة الأطراف، متعددة الموضوعات. وإنما كان موضوعها واحدًا وهو الشوق إلى بغداد، وسائر ما في القصيدة تصريح أو كناية عن هذا المعنى، ولعل بغداد نفسها قد كانت رمزًا من رموز الشاعر عن نفسه وآماله الممتنعات. هذا، ومما يدلك على قوة اتصال النار بمعاني الهوى والعشق والمرأة، حتى صارت كأنما تراد لذاتها إذ تذكر في هذا الباب لقوة دلالتها وعظيم اشتمالها على ما يراد من هذه المعاني، قول جميل (١): أكذبت طرفي أم رأيت بذي الغضى ... لبثنة نارًا فاحبسوا أيها الركب إلى ضوء نار في القتام كأنها ... من البعد والأهوال جيب بها نقب

стр. 1054

وأحسب أن الشاعر لم يخل من نظر في هذا البيت إلى قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾. لأن النار إذا لاحت من نقب، كان ضوؤها قويًا بارعًا. وما خفيت عني لدن شُب ضوؤها ... وما هم حتى أصبحت ضوؤها يخبو أي لاحت لي منذ بدء شبوبها ثم ظل ضوؤها منيرًا إلى الصباح لم يهم طوال الليل أن يخبو وقال صحابي ما ترى ضوء نارها ... ولكن عجلت واستناع بك الخطب فكيف مع المحراج أبصرت نارها ... وكيف مع الرمل المنطقة الهضب ولا ريب أن النار كانت في قلب جميل، إذ كما ترى أبصرها هو وحده دون صحبه ولا تكون مثل هذه النار إلا من ذكر بثينة وتمثلها- على أن هذا القول كله راجع إلى ما قدمناه من مقالة امرئ القيس: «تنورتها من أذرعات البيت». ويشبه هذا المذهب ما رواه صاحب الأمالي أيضًا لأحد الأعراب (١): رأيت وقد أتت نجران دوني ... ليالي دون أرحلنا السدير لليلى بالعنيزة ضوء نار ... تُشب كأنها الشعري العبور إذا ما قُلت أخمدها زهاها ... سواد الليل والريح الدبور سواد الليل متنازع بين الفعلين «أخمدها» و «زهاها» أي إذا ما قلت أخمدها سواد الليل وأخمدتها الريح إذا بهما يزيدانها شبوبًا. وما كادت ولو رفعت سناها ... ليبصر ضوءها إلا البصير

стр. 1055

وهذا البيت يدلك على أنها كانت من نيران القلب لا من نيران القرى التي تلوح للركب. فبت كأنني باكرت صرفًا ... مُعتقة حُمياها تدور أقول لصاحبي هل يُبلغني ... إلى ليلى التهجر والبكور وهذا البيت الأخير نص في أن النار لم تكن إلا ليلى التي اشتاق إليها هذا الشاعر الأعرابي. هذا ومن رموز المرأة السحابة. وخصوبة السحابة لا تخفى. قال الأعشى: «مر السحابة لا ريث ولا عجل» يصف بذلك مشي هريرة محبوبته. وقال طرفة: لا تلمني إنها من نسوة ... رقد الصيف مقاليت نُزر كبنات المخر يمأدن كما ... أنبت الصيف عساليج الخضر وبنات المخر سحائب يأتين مع الصيف قليلات المطر. وهذا من دقيق التشبيه إذ أراد طرفة أن ينعت صاحبته بالنعمة والشباب والكبرياء والصون وامتداد القامة والبهاء وقلة النائل. وبنات المخر رمز صالح لكل هذه الصفات. وفيهن خصوبة كما ترى إلا أنها خصوبة متعذرة نزرة. وقد كانت العرب مما تعد قلة الأولاد من علامات العتق والكرم. قال قائلهم: بغاث الطير أكثرها فراخًا ... وأم الصقر مقلات نزور ويعجبني تقوية طرفة لتشبيه بقوله «كما أنبت الصيف عساليج الخضر» - إذ عساليج الصيف دقيقات لدنات وريات وسط الظمأ المحيط بهن مع بهاء ونضرة وبريق. هذا ومن أبين ما نعتت به المرأة في باب التشبيه بالسحابة قول القطامي المشهور: وفي الخدور غمامات برقن لنا ... حتى تصيدننا من كل مصطاد

стр. 1056

والسحاب والغمام وثيق الصلة بالسقيا إذ هو مصدرها. والسقيا كأنها أصل قائم بذاته في عبادات الخصوبة القديمة كقيام الأنوثة. وقد نعلم أن البلاد الحارة الكثيرة المطر لا يزال لكهنة السقيا فيها شأن عظيم، فكيف ترى كان شأنهم في بلاد العرب الغالبة الجدب. وما أستبعد أن سقاية بني هاشم قد كانت في أصلها رسمًا دينيًا موصولاً بالسقيا. ثم أن بني هاشم قد عرفوا حتى في الجاهلية بالطهر والصلاح وكان قومهم بما يسقون بهم الغيث. من ذلك ما ذكره أصحاب السير من بركة عبد المطلب وإفاضته الماء على الركب بعد ما كادوا يهلكون من العطش ومن ذلك قول أبي طالب يمدح رسول الله ﷺ ولم يكن هو ممن دخل في الإسلام، وإنما كان ينافح بحمية السيد والعم والجار: وأبيض يستسقي الغمام بكفه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل وحتى في الإسلام قد تبرك سيدنا عمر بسيدنا العباس في استسقائه المشهور، وذلك لقرابته من رسول الله ﷺ ، ولأن رسول الله ﷺ قد أقر السقاية عنده فيما أقره من المآثر القديمة. هذا والبرق من رموز السقيا وصلته بالسحابة واضحة. وقد قرنه الشعراء بذكر النار كما رأيت في قول النابغة وفي قول القطامي، فاختلطت بعض معانيه بمعانيها. وهنا يلزمنا التنبيه إلى التمييز بين الرمزية المرادة لمحض الشوق والرمزية المرادة لمحض المرأة. فالرمزية المرادة لمحض المرأة كان أصلها في ما نرى عبادة الأنوثة وخصوبتها، من ذلك رمزية القلوص وربما كان أصلها مقتبسًا من أحوال البيئة، ثم تداخلت الرمزيتان وتفرعت منهما شتى الفروع، وهذا حين نأخذ في الحديث عن رموز الشوق والحنين.

стр. 1057

(٢) رمزية الشوق والحنين تمهيد: الشوق والحنين من أعمق المعاني الإنسانية وأشدها لصوقًا وعلوقًا بالنفس. وحياة البداوة مما يزيدهما ويقويهما، لأنها أكثر ما تقوم على الفصيلة والأسرة والدار والوطن. وحياة الصحراء أشد إيغالاً في هذا المعنى من سائر أصناف الحياة البدوية لشسوعها وانجرادها وجدبها وقوة اتصال الذاكرة والوجد بمواضع الاستقرار فيها. ولا يزال أخو الصحراء أبدًا يلتفت بقلبه إلى مكان إقامة تركه وراءه ويتطلع إلى آخر ينتظره من أمامه وما الدنيا كلها إلا معالم بين هذين الطرفين. قال البحتري: سرنا وأنت مقيمة ولربما ... كان المقيم علاقة للسائر وقال ﵀: حنت قلوصي بالعراق وشاقها ... في ناجر برد الشأم وريفه ومدافع الساجور حيث تقابلت ... في ضفتيه تلاعه وكهوفه وهو ههنا إنما نزع من ريف إلى ريف، فكيف به لو قد نزع من شعب إلى شعب، ومن مُرتبع إلى مرتبع كما كان يفعل الجاهليون. وقد كان السفر للغارة وللمرعى يهيئ للمرء لقاء الأحبة والعدا. والخُيلس من متع العيش، والألوان المختلفات من مادة الذكريات، فيخزن ذلك كله في قلبه ويجعله ذخيرة للحياة وقيامًا. والتقاء الأحباء في المرابع كان يتيح من الأنس والشهوات واللحظات والساعات والبُكر والأصائل. ثم الافتراق بعد اللقاء كان يُودع في السرائر صبابات أصنافًا وأزوادًا ألفافًا من الذكرى والشوق. والمسافر يكون رفيقه الذميل والراحلة وصُوى الطريق ومعالمه وامتداد القفر وما ينشأ فيه من جبال وسراب وأودية، وما يعن فيه من طير ووحش، وفي الليل يكون

стр. 1058

رفيقه النجم والظلمة والقمر والهدوء الشامل يتخلله عزيف الريح، وما يتوهمه الساري من أصوات الجنان وما يلوح له من نيران المضارب وما يشيمه من البروق. وكل هذه الأشياء تخالط النفس وتداخل أشواقها وحنينها. فرب حجر يمر به الراكب فيتذكر لمرآه معلمًا وثيق الصلة بماضي تجاربه. ورب ظل يُذكره ظلاً آخر أصاب عنده أُنسا أو لقاء. ورب نجم يطلع من تلقاء وطن خلفه الراكب وراءه أو يترقبه أمامه. وأن لشمول الصحراء واتساعها وتشابه مراميها لسحرًا أخاذًا يحيط بأكناف النفس ويحدث فيها شجوا عميقًا هو مزيج من وحشة الفردية الأصيلة في الذات الإنسانية، والنزوع إلى الأحبة الشديد المخالطة لأغوارها. من أجل هذا جميعه جعل الشعراء العرب من الشوق والحنين أصلاً من أصول التعبير، له رموز تشير إليه، وتنساق منه إلى غيره مما يلابسه من المعاني كالهوى والغزل والنفور والقلق وهلم جرا. رمزية المعاهد والديار: وأول رموز الشوق والحنين هو المأوى. والدار والمنزل أوضح ما يدل على المأوى. ثم المرأة فرع من هذا المعنى، إذ هي قد كانت المأوى الأول حين كانت أما ثم هي المأوى الثاني حين تكون الخدن والزوجة والصاحبة. والعرب بما تكني بالبيت عن المرأة، وقد يذهب بعض المفتنين إلى أن هذا من باب المجاز اللغوي، على تقدير حذف المضاف والمراد أهل البيت. وقد ذهب ابن حزم إلى أن أهل البيت في قوله تعالى= ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ إنما أريد به أزواج النبي ليس إلا. وتقول العرب «بني بُفلانة» والبناء إنما يكون للبيت. ويقولون «امرأة مُثفاة» يشتقون ذلك من الأثفية، إذا كان لها ضرتان، والأثافي من متاع البيت الذي لا يفتأ العرب يذكرونه.

стр. 1059

وقد رمزت العرب في شعرها للمرأة بالطلول والرسوم والديار والمعالم والمواضع رمزية لا يعسر دركها على أدنى تأمل. قال امرؤ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وقال: قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان ومثل هاتين الوقفتين فيهما من الشوق والحنين ومن معنى الوفاء والحب ما لا يخفى وقال النابغة: يا دار مية بالعلياء فالسند ولو قال «يا مية» ما باعد عن هذا الذي أصابه بذكر دارها وذكر العلياء والسند معها إلا أن ذكر الدار والموضع كما ترى يُشيع في التعبير روح الحنين. ثم للشاعر بعد أغراض أخر مع الحب والحنين سنعرض لها فيما بعد إن شاء الله. وقال الأحوص: يا دار عاتكة التي أتعزل ... حذر العدا وبها الفؤاد مُوكل وقد كشفت هذا المعنى جرير حيث قال: ألا حي الديار بسعد إني ... أُحب لُحب فاطمة الديارا ومن مليح الكناية بالديار عن المحبوبة قول الحارث بن خالد المخزومي يذكر عائشة بنت طلحة: من كان يسأل عنا أين منزلنا ... فالأقحوانة منا منزل قمن إذ نجعل العيش صفوًا ما يُكدره ... طُول الحياة ولا ينبو بنا الزمن

стр. 1060

وذكر البلاذري في أنساب الأشراف أن أحد المكيين حضر الغداء عند عائشة بنت طلحة، فسألته- كيف تركت الأعرابي؟ فقال: بخير. ثم علم من بعد أنها إنما عنت الحرث بن خالد. فلما قدم مكة أخبره بسؤالها عنه. فقال البيتين اللذين مرا بك. وإنما سقنا لك هذا الخبر لنؤكد عندك ما نراه فيه من الكناية. وألاقحوانة موضع وهي أيضًا زهرة معروفة تشبه بها ثغور النساء. ومحل استشهادنا أن الحرث جعل الأقحوانة وهي رمز لعائشة منزلاً له، فكأنه جعل عائشة نفسها منزلاً له، وإنما أراد أنها مأوى فؤاده المأمول على بعد الدار وشحط المزار. هذا ومن رموز الشوق والحنين ما يدخل في معنى الدار من معاني الخليط والجار والعهد وهلم جرا. قال الشنفري: فيا جارتا وأنت غير مُليمة ... إذا ذُكرت ولا بذات تقلت ونأمل أن نعرض بعد لتفصيل هذا الرمز في تائية الشنفري فيما يلي إن شاء الله. ورمزية الديار والمعاهد واسعة المدى والأطراف، فالذي نذكره منها ههنا على سبيل التمثيل المجمل الموجز سيكون له تفصيل من بعد أو سيغني عنه وعما لم نذكره أو سنذكره ولا نفصل فيه، ما هو منه بمنزلة الشبيه والنظير. وقال زهير: بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا ... وزودوك اشتياقًا أية سلكوا ويعجبني هذا البيت أيما عجب لأن الشاعر مزج فيه معنى الحنين الأصلي بمعنى الغزل الفرعي مزجًا محكمًا كأسمى ما يكون التعبير عن الوجد فقد ذكر الخليط وفقدان المأوى، واشتعال الشوق كما ترى. ثم إن هذا الخليط مما يكون كناية عن المحبوبة، كما يكون الإيواء كناية عن الوصل، وتزويد الشوق كناية عن الحرمان.

стр. 1061

وقال أيضًا: إن الخليط أجد البين فانفرقا ... وعُلق القلب من أسماء ما علقا ولزهير أنفاس حرار. ومن آياتها هذه الملاحقة المذهلة بين الرمز والمرموز إليه، في ذكره الخليط والبين أولاً، ثم ذكره أسماء وما عُلقه من الشغف بها والرغبة إليها ثانيًا. البرق وتوابعه: هذا، ومن رموز الشوق الكبرى البرق. وقد قدمنا لك طرفًا من الحديث عنه قال امرؤ القيس: أعني على برق أراه وميض ... يضيء حبيا في شماريخ بيض وهو رمز بعيد الغور، شديد العمق. وذلك أن فيه معنى النار يرمز إلى خصوبة الأنثى، كما أن فيه معنى السحابة والسقيا. قال عبيد بن الأبرص: فيهن هند وقد هام الفؤاد بها ... بيضاء آنسة بالحسن موسومة فإنها كمهاة ألجو ناعمة ... تُدني النصيف بكف غير موشومة يا من لبرق أبيت الليل أرقبه ... في مكفهر وفي سوداء مركومة فبرقها حرق وماؤها دفق ... وتحتها بارق وفوقها ديمة فذلك الماء لو أني شربت به ... إذًا شفى كبدًا شكاء مكلومة فالبرق هو هند كما ترى. والشعراء مما يتخذون البرق وسيلة للاتحاد مع الطبيعة. وما إلى نعت الطبيعة يريدون. لكنما يريدون إلى الإفصاح عن اللواعج التي في القلوب.

стр. 1062

قال طرفة: كما أحرزت أسماء قلب مُرقش ... بحب كلمع البرق لاحت مخايله وقال امرؤ القيس: نشيم بروق المُزن أين مصابه ... ولا شيء يشفي منك يا ابنة عفزرا واجعل قوله في المعلقة: أصاح ترى برقًا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أمال السليط بالذبال المُفتل قعدت له وصحبتي بين ضارج ... وبين العُذيب بعد ما متأمل على قطن بالشيم أيمن صوبه ... وأيسره على الستار فيذبل فأضحى يسح الماء حول كتيفة ... يكب على الأذقان دوح الكنهبل وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أطمًا إلا مشيدًا بجندل كأن ثبيرًا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مُزمل كأن ذرا رأس المُجيمر غُدوة ... من السيل والغثاء فلكة مغزل كأن مكاكي الجواء غدية .. صبحن سلافًا من رحيق مفلفل كأن السباع فيه غرقى عشية ... بأرجائه القصوى أنابيش عُنصل من قبيل التفريع والتفصيل للمعنى الموجز الواضح الذي في قوله «نشيم بروق المزن أين مصابه» ذلك بأن أمرأ القيس في مستهل أبياته هذه إنما يصف برقًا بعيدًا جدًا، كبعد النار التي تنورها من أذرعات وهو بيثرب. ثم إن هذا البرق جعل يدنو من عدوته المقاربة للوهم بين ضارج والعذيب، حتى صار إلى الستار ويذبل، فرأى الشاعر صوبه وارتاح إليه وجعل ينعته النعت الدقيق. وكأن امرأ القيس قد احتال على شوقه وهيامه وحنينه ولاعج آماله المرموز إليه بالبرق البعيد حتى صير كل

стр. 1063

ذلك غيثًا قريبًا، وهذا الاحتيال مكنه من أن يلتمس العزاء من تأمل الغيث والفناء في ذلك التأمل. وقد يخيل إليك أول الأمر أن أبيات امرئ القيس هذه إنما هي مجرد تصوير ونعت ليس إلا ولكن فيها كما ترى مع ذلك روحًا قويًا أخاذًا. فإذا التمست أن تؤول هذا الروح القوي الأخاذ بأنه من براعة الصورة أو جودة التشبيه، فأعلم أن التماسك غير بالغ بك إلا إلى فهم جانبي مقارب للسطحية، إذ منشأ هذا الروح القوي الأخاذ هو من المعاني الكامنة تحت رمزية البرق: تلك المعاني التي تمت إلى الشوق والحنين وحب الأنثى واستحسان الجمال مع اليأس من أخذه كاملاً واستصفائه. وقد حولها الشاعر كلها من مسلكها ثم سما بها من مجاريها في أعماق النفس إلى تأمل الغيث والطبيعة وروم الاتحاد معهما. وقد وصف لبيد بن ربيعة البرق في قصيدته اللامية «ألم تُلم على الدمن الخوالي» فقال: أصاح ترى بُريقًا هب وهنًا ... كمصباح الشعيلة في الذبال أرقت له وأنجد بعد هدء ... وأصحابي على شُعب الرحال يُضيء ربابه في المُزن حُبشًا ... قيامًا بالحراب وبالإلال كأن مُصفحات في ذُراه ... وأنواحًا عليهن المآلي ثم وصف المطر ثم وصف السيل. ثم ختم جميع ذلك بقوله: سقى قومي بني مجد وأسقى ... نُميرًا والقبائل من هلال رعوه مربعًا وتصيفوه ... بلا وبإسمي ولا وبال فأشعرك بهذا أنه لم يرد من نعت البرق والغيث إلا إبلاغك جانبًا من حب قومه والأماني لهم مع أشواق أخرى كثيرة، لعل هذا الحب لقومه لم يكن إلا طرفًا منها

стр. 1064

ورمزًا إليها. ومما يقوي ما نذهب إليه من هذا المعنى قول لبيد في أخريات هذه القصيدة: همو قومي وقد أنكرت منهم ... شمائل بدلوها من شمال هذا وقد كشف جرير بعض ما يكمن من المعاني تحت ذكر البرق في قوله: وهاج البرق ليلة أذرعات ... هوى ما نستطيع له طلابًا وقوله: سمت لي نظرة فرأيت برقًا ... تهاميًا فراجعني ادكاري يقول الناظرون إلى سناه ... نرى بُلقًا شمسن على مهار لقد كذبت عداتك أم بشر ... وقد طالت أناتي وانتظاري وقد أكثر الشعراء بعد جرير من ذكر البرق أيما إكثار، واتخذه المتأخرون من شعراء المديح النبوي رمزًا خالصًا لمعاني الوجد القدسي. قال أحدهم: إن لمع البرق من خيف منى ... جدد الوجد وهاج الحزنا كُلما طرز أثواب الدجى ... لمُعه أحرم عيني ألوسنا وإلى الكامن من معاني الصبابة والهوى والشوق والحنين تحت البروق أشار المعري في قوله (١): وما هاج ذكري بارق نحو بارق ... وما هزني شوق لجارة هزان وقوله (٢): ويُطربني بعد النهى قول قائل ... سقي بارقًا من جانب الغور بارق

стр. 1065

ومما يقوي عندك ما نزعمه من ارتباط معنى البرق بالوجد والحنين أسطورة عمرو بن يربوع والسعلاة، إذ زعموا أن عمرًا هذا أخذ السعلاة وأراد أن يجعلها امرأة له، فقيل له إنك ستجدها امرأة صدق ولكن اجعل على وجهها شملة إذا رأيت البرق، لكيلا تراه، فإنها إن رأته حنت إلى أهلها وتركتك. فيقال إنه وجدها كما قالوا وكان له منها بنون وبنات وكان يستر وجهها كلما أحس البرق. فغفل عن ذلك مرة. ورأت هي البرق فنازعها الحنين إلى أهلها فقالت له: أمسك بنيك عمرو إني آبق ... برق على أرض السعالي آلق ونفرت نفرة واحدة فكان ذلك آخر العهد بها. وإلى هذا المعنى أشار المعري في قوله من اللامية يصف إبله ونزاعها إلى الشام: إذا لاح إيماض سترت وجوهها ... كأني عمرو والمطي سعالي هذا ومن الرموز المتفرعة عن البرق ومعاني السقيا أصناف ما يذكرونه من الرياح والنسائم والخزامي والحنوة وهلم جرا، وكل هذه شديدة العلاقة بالديار والمواضع كما أنها شديدة العلاقة بالحب والعشق وذكريات الجمال. ومن خير ما يستشهد به في هذا الباب كلمة عبد الله بن الصمة: تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضه بعد القطار وأهلك إذ يحل الحي نجدًا ... وأنت على زمانك غير زاري شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار وقول جرير: يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا وحبذا نفحات من يمانية ... تأتيك من قِبل الريان أحيانًا هبت شمالاً فذكرى ما ذكرتكمو ... عند الصفاة التي شرقي حورانا

стр. 1066

ويعجبني من أقوال المتأخرين في هذا الباب قول مهيار: يا نسيم الصبح من كاظمة ... شد ما هجت الجوى والبرحا الصبا إن كان لا بد الصبا ... إنها كانت لقلبي أروحا يا نداماي بسلع هل أرى ... ذلك المغبق والمُصطبحا اذكرونا ذكرنا عهدكمو ... رُب ذكرى قربت من نزحا واذكروا صبا إذا غنى بكم ... شرب الدمع وعاف القدحا قد عرفت الهم من بعدكمو ... فكأني ما عرفت الفرحا وروى اليافعي في روض الرياحين على لسان امرأة صالحة: كتمت الوشاة غرامي بكم ... وحُبكم في حشى أضلعي وموهت عنكم بوادي النقا ... وسكان رامة والأجرع ولولاكمو ما ذكرت الهوى ... ولا حن قلبي إلى لعلع ونحو هذا كثير. ولابد من التنبيه بعد على مكان البرق والمطر من مطالع القصائد، وهذا باب يطول فنجتزئ منه بيسير. وقد مر بك قول امرؤ القيس: أعني على برق أراه وميض ... يُضيء حبيا في شماريخ بيض وله أيضًا: أصاح ترى بريقًا شب وهنا ... كنار مجوس تستعر استعارًا فجمع بين البرق والنار كما ترى. وقال يستهل بذكر المطر: ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرى وتدر

стр. 1067

والسقيا لاحقة بهذا الباب وتدخل فيها التحية كقولهم «يا اسلمي»: من ذلك قول المرقش: ألا يا اسلمي لا صُرم لي اليوم فاطما ... ولا أبدًا ما دام وصلك دائمًا ومما يدلك على أن هذا لاحق بالسقيا قوله في هذه الكلمة نفسها: ألا يا اسلمي بالكوكب الطلق فاطما ... وإن لم يكن صرف النوى متلائمًا وقال جرير في تفصيل هذا المعنى: ألا حي أهل الجوف قبل العوائق ... ومن قبل روعات الحبيب المفارق سقى الحاجز المحلال والباطن الذي ... يُشن على القبرين صوب الغوادق وقد مر بك قوله في البرق. وله من الاستهلال بصريح السقيا قوله: قل للديار سقى أطلالك المطر ... قد هجت شوقًا فماذا ترجع الذكر وقوله: سقيًا لنهي حمامة وحفير ... بسجال مُرتجز الرباب مطير وقوله: متى كان الخيام بذي طُلوح ... سُقيت الغيث أيتها الخيام وله من نحو هذا كثير. وللمولدين في البرق والمطر والسقيا والتحية مطالع كثيرة مما يؤثرونها أي إيثار، وأحسب أبا تمام ممن عبدوا هذا الطريق، وله في السقيا نحو قوله: أسقى طُلولهم أجش هزيم ... وغدت عليهم نضرة ونعيم

стр. 1068

وفي البرق: يا برق طالع منزلاً بالأبرق ... واحد السحاب له حُداء الأينق وكأنه قد كان له في الاستهلال بذكر المطر ولع خاص، وفي ما رأيت شاهد، وأوضح وأدل قوله: سقى عهد الحمى سبل العهاد ... ورُوض حاضر منه وبادي وقوله: ديمة سمحة القياد سكوب ... مستغيث بها الثرى المكروب لو سعت بُقعة لإعظام نُعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب ولاحق بهذا الباب قوله في الربيع: رقت حواشي الدهر فهي تمرمر ... وغدا الثرى في حليه يتكسر وشبيه بهذا قول المتنبي: مغاني الشعب طيبًا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان هذا والنار مما يلحق بالبرق في باب الشوق، كما قد رأيت البرق يلحق بها في رمزية العبادة الغامضة، من ذلك قول النابغة: ألمحة من سنا برق بأي بصرى ... أم وجه نُعم بدا لي أم سنا نار وقد مر بك قول امرئ القيس «كنار مجوس تستعر استعارًا»، وقول عدي بن زيد: يا لُبيني أوقدي النارا ... إن من تهوين قد حارا وقال جرير: أهوى أراك برامتين وقُودًا ... أم بالجزيرة من مدافع أُودا

стр. 1069

وقال الفرزدق في مطلع نقيضة له: رأى عبد قيس خفقة شورت بها ... يدا قابس ألوى بها ثم أخمدا أعد نظرًا يا عبد قيس فربما ... أضاءت لك النار الحمار المُقيدا وإنما قال الفرزدق هذا ليهزأ بنسيب جرير حيث قال: أقول له يا عبد قيس صبابة ... بأي ترى مُستوقد النار أوقدا فقال أرى نارًا يشب وقودها ... بحيث استفاض الجزع شيحًا وغرقدًا أحب ثرى نجد وبالغور حاجة ... فغار الهوى يا عبد قيس وأنجدا وقد رأيت من مذهب المولدين في النار قول المعري، وليس ذلك بكثير ومنه أيضًا قول السهر وردي: لمعت نارهم وقد عسعس الليـ ... ـل ومل الحادي وحار الدليل وجريان كل هذا على معنى الصبابة لا يخفى، والحديث في ذلك مما يستفيض. الحمامة والحنين: ومن رموز الشوق والحنين الحمامة، ورمزية الحمامة كما وقعت في ضروب الشعر العربي، متعددة الجوانب كثيرة الأصول والفروع. ذلك بأن الحمامة رمز للمأوى ورمز للورد ورمز للنظر ورمز للخصوبة والأنوثة والوداعة ثم هي رمز للحزن والشوق والصبابة والبكاء ثم هي رمز للألفة للمشهور من تألف الحمام. وقد نعلم ما تلهج به العامة من نوح الحمام. ومن شعراء العصر أحسبه مُهاجرًا لُبنانيًا من يقول: يا عروس الروض يا ذات الجناح ... يا حمامة سافري مصحوبة عند الصباح ... بالسلامة

стр. 1070

وقد صارت هذه أغنية يتغنى بها عندنا في السودان حينًا من الدهر من أغاني الدفوف في عاميتنا قولهم: حمام السنده ... أنا يا هي (١) سكنوه البرنده ... أنا يا هي والرقص التقليدي في أعراس السودان تُقلد فيه الفتيات مذهب الحمامة من الزيفان بالصدر والقطف في الخطأ. وقد تقول المغنيات للراقصة ما قدمت لك من قولهن «يا حمام السنده» وقد يقلن «عومي يا الوزين» أي يا إوزة ويا أخت الإوزين، والمراد صفة الحركة الرشيقة. ورقص الفتيان عندنا يحاكون به بخترية الصقور ووثبها وفحولتها ويسمى «الصقرية» نسبة إلى الصقر، وقد يستعينون فيه بالتلاعب بالعصى والسيوف. وعلاقة ما بين الحمامة والصقر من قديم ما غرى به الشعر العربي في الجاهلية والإسلام وهي علاقة ما يخشى أن يُصاد بما يخشاه أن يصيده. هذا وقد بدا لي بعد طويل النظر أن سائر أصناف رموز الحمامة مردها إلى ثلاثة أصول: أولها، الأصل النوحي ، وثانيها، اليمامي، وثالثها، الهديلي نسبة إلى سيدنا نوح وزرقاء اليمامة والهديل. الأصل النوحي: في التوراة أن سيدنا نوحًا أرسل الغراب، بعد أربعين يومًا من سير سفينته في الطوفان، لينظر هل انحسر الماء، فمضى ولم يعد ولعله أصاب جيفة فمكث عندها كما تزعم العرب. وإلى هذا المعنى أشار عروة بن حزام في نونيته المشهورة حيث قال: ألا يا غُرابي دمنة الدار بينا ... أبالبين من عفراء تنتحبان فإن كان حقًا ما تقولان فاذهبا ... بلحمي إلى وكريكما فكُلاني

стр. 1071

كلاني أكلاً لم ير الناس مثله ... ولا تقضما جنبي وازدر داني أناسية عفراء ذكرى بعدما ... تركت لها ذكرًا بكل مكان وقد أوشك عروة أن يجعل من عفرائه في هذا البيت الأخير غرابًا لما وصفها به من إدمان النسيان، والغراب في قصة نوح كما ترى تشخيص للنسيان والبطء وقلة الغناء والدناءة وانقطاع الرجاء كما أن فيه معنى الموت والافتراس والغوائل. وقد تعلم أن الغراب قد صار علمًا للبين الذي لا رجعة معه، وتشاءم به الناس من الدهر القديم إلى زماننا هذا، وربطوا بينه وبين معاني الغربة والخراب أيما ربط. قال الجاحظ (١): «وليس في الأرض بارح ولا نطيح ولا قعيد ولا أعضب ولا شيء مما يتشاءمون به إلا والغراب عندهم أنكد منه، يرون صياحه أكثر إخبارًا، وأن الرجز به أعم، قال عنترة: حرق الجناح كأن لحيى رأسه ... جلمان بالأخبار هش مولع. أهـ» هذا ولما استيأس سيدنا نوح من الغراب، دعا عليه بالخوف عقابًا له فهو لا يزال قلقًا حذرًا خائفًا أبد الأبيد. وقد ضرب الناس المثل في البطء بالغراب. وعندنا في السودان يزعمون له في ذلك أساطير، منها أن النساء أرسلنه على عهد رسول الله ﷺ إلى السماء، ليجيئهن بإحلال أربعة من الرجال للمرأة، كما أربع نساء حلال للرجل، فيقال إن النساء يرقبن عودته إلى زماننا هذا ويقال إنهن كلما سمعن غرابًا ينعب إنما يقلن «إن شاء الله خير» رجاء أن يكون قد جاءهن بما يأملن من خبر السماء. هذا، ثم إن سيدنا نوحًا أرسل الحمامة، فأمعنت في البحث عن مكان يابس، فلم تجد شيئًا، ووجدت الماء محيطًا بكل مكان، فعادت. ثم إن نوحًا ﵇ لبث

стр. 1072

سبعة أيام بعد ذلك، ثم أرسلها مرة أخرى، فرجعت عند المساء وفي فمها غصن زيتون في رواية التوراة ومن كرم في رواية العرب. فسر سيدنا نوح من ذلك وتزعم العرب أنه كافأها على حسن قيامها بما عهد إليها به أو أنها جعلت عليه ذلك أن هي عادت بنبأ يسر. قال الجاحظ في الحيوان على لسان صاحب الحمام (١) «أما العرب والأعراب والشعراء فقد أطبقوا على أن الحمامة هي التي كانت دليل نوح ورائده، وهي التي استجعلت عليه الطوق الذي في عنقها، وعند ذلك أعطاها الله تعالى تلك الحلية، ومنحها تلك الزينة بدعاء نوح ﵇، حين رجعت إليه ومعها من الكرم ما معها، وفي رجليها من الطين والحمأة ما برجليها، فعوضت من ذلك الطين خضاب الرجلين، ومن حسن الدلالة والطاعة طوق العنق». وكما صار الغراب علمًا للشؤم في قصة نوح هذه، صارت الحمامة علمًا للمأوى والرجاء وانتظار الأوبة (٢) والوداعة وحسن الخلق والزينة والبهجة، وخفة الحركة. ثم لا يخفى عنك ما في القصة من إشارة إلى خصوبتها وأنوثتها في الخضاب والطوق والغصن الذي هو دليل الريف والرفه والخصب. وما أحسب أمن الحمامة بمكة إلا قد نشأ من هذا المعنى، إذ الغراب، وهو المقرون بالحمامة في القصة النوحية على سبيل التفاوت والتباين، غير آمن بها أمن الحمامة، بل قتله مباح، ومن نعته أنه فويسق وذلك من أسماء إبليس كما ذكر الجاحظ. هذا وقد أكترث الشعراء من ذكر الحمام وأمنه بمكة. قال الآخر (٣). لقد علم القبائل أن بيتي ... تفرع في الذوائب والسنام وأنا نحن أول من تبنى ... بمكتها البيوت من الحمام

стр. 1073

و (من) ههنا بمعنى مكان وبدل في هذه الرواية، أي نحن سبقنا الحمام إلى اتخاذ البيوت بمكة. وقال كثير عزة: ونحن بحمد الله نتلو كتابه ... حُلولاً بهذا الخيف خيف المحارم بحيث الحمام آمنات سواكن ... وتلقى العدو كالولي المُسالم وفي قوله سواكن دلالة واضحة على معنى السكون والسكينة والوداعة واللطف. وأحسب أن الرمزية اليسارية الحديثة في الحمامة وغصن الزيتون وهما يرمزان إلى السلام كما تعلم، راجعة في أصلها إلى هذا المعنى الذي قدمنا ذكره من أمن الحمام بالحرم، وإلى أصل هذا المعنى في قصة الحمامة كما روتها التوراة. وكثير من بغاث اليسارية يحسبون أن رمزية الحمامة من اختراع لينين وماركس وستالين إلى آخر السكباج. هذا، ولا أستبعد أن تكون قصة التوراة التي بأيدينا نفسها قد استمدت من أصل سامي قديم أقدم من التوراة. وعسى أن يكون العرب قد أخذوا قصتهم من ذلك الأصل السامي القديم، كما أخذتها التوراة. وفي اختلاف قصة العرب اختلافًا يسيرًا عن نص التوراة ما ينبئ شيئًا ما عن استقلال في الرواية. هذا وغير غائب عنك بعد، ما في قصة سيدنا نوح نفسها من معاني النجاة والأمل والسلامة وتجديد النسل وزكائه ونمائه بعد البلايا والأهوال. فكون الحمامة قد كانت رائدًا له في هذه القصة، مما يدل على أنها ذات صلة قوية جدًا بسائر المعاني التي ترمز إليها القصة مما قد ذكرناه وما يجوز أن يتفرع منه.

стр. 1074

الأصل اليمامي: وهذا قد ذكره النابغة في قوله: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد يحفه جانيًا نيق وتُتبعه ... مثل الزجاجة لم تُكحل من الرمد قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد فحسبوه فألفوه كما زعمت ... تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد فأكملت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد وأشار الأعشى إلى نفس القصة في قوله يخاطب ابنته وقد نوى السفر: عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... يومًا فإن لجنب المرء مضطجعًا واستخبري قافل الركبان وانتظري ... أوب المسافر إن ريثًا وإن سرعا كُوني كمثل التي إذ غاب وافدها ... أهدت له من بعيد نظرة جزعا ولا تكوني كمن لا يرتجي أوبة ... لذي اغتراب ولا يرجو له رجعا ما نظرت ذات أشفار كنظرتها ... حقًا كما صدق الذئبي إذ سجعا إذ قلبت مُقلة ليست بُمقرفة ... إنسان عين ومأقا لم يكن قمعا أي قلبت مقلة حرة صادقة ليست بمقرفة أي ليست بذات هجنة أو عيب وليس مأقها أي مجرى الدمع منها، بذي قذى ووجع ورمص. وهذا المعنى يشبه قول النابغة «مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد». قالت أرى رجلاً في كفه كتف ... أو يخصف النعل لهفي أية صنعا فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يُزجي الموت والشرعا أي السهام واحدتها شرعة بكسر الشين وسكون الراء فاستنزلوا آل جو من مساكنهم ... وهدموا شاخص البُنيان فاتضعا

стр. 1075

وفتاة الحي المشار إليها في كلام النابغة، وذات الأشفار المشار إليها في كلام الأعشى هي زرقاء اليمامة، وكانت توصف بحدة البصر وسلامته، والراجح عندي أن زرقاء اليمامة هذه قد كانت من آلهة العرب المؤنثات أو عسى إن كانت كاهنة ثم أُلهت فيما بعد. والقصة التي أشار إليها النابغة من قصتها هي ما ذكروه أنها رأت ذات يوم سربًا من الحمام، بين جانبين عاليين من جبلين متقابلين، وذلك أخفى له، فقالت تسجع: ليت الحمام ليه إلي حمامتيه ونصفه قديه تم الحمام ميه والقصة التي أشار إليها الأعشى هي ما ذكروه في حكاية طسم وجديس وكلتاهما من العرب العاربة التي هلكت في الزمان الخالي. وقال الراوي يذكر مسير حسان ملك حمير إلى جديس ليفنيهم انتقامًا لما فعلوه من الغدر بإخوانهم من طسم، وقد كان مضى إليها رجل من طسم يستثيره يقال له رياح بن مرة، قال (١): «فلما كان أي حسان» - من جو (٢) على مسيرة ثلاثة أيام، قال لهم رياح، إن فيهم امرأة يقال لها اليمامة، تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام. فاقطعوا الشجر، وليضع كل راكب منكم بين يديه غصنًا من أغصانها ليشتبه عليها. فقامت اليمامة على رأس حصن لهم يقال له البتيل (٣)، فقالت «أرى يا قوم زحفت إليكم الشجر. أم أتت

стр. 1076

حمير. إني أرى شجرًا. ومن خلفها بشرًا (١). ومن تلك العجائب تنتظر. وكذبوها فقالوا: أما تزالين تأتيننا بالإفك؟ ثم رجعت بصرها. فوضح (٢) لها تصديق ما رأت فقالت: خُذوا حذاركم يا قوم ينفعكم ... فليس ما قد أرى بالأمر يُحتقر إني أرى شجرًا من خلفها بشرًا ... وكيف تجتمع الأشجار والبشر خُذوا طوائفكم من قبل داهية ... من الأمور التي تُخشى وتُنتظر. أهـ» ثم القصة التي ذكرها شارح الأعشى تكشف لنا أنه كان للزرقاء سر سحري أعطاها قوتها البصرية الخارقة وهو الإثمد، وهذا لا يناقض قول النابغة: مثل الزجاجة لم تُكحل من الرمد إذ معنى هذا إنها لم تكن ترمد فتكحل فهو لا يزيد على مجرد نفي الاكتحال من أجل الرمد ومحاولة التأكيد لما كان لديها من سلامة البصر وإلى مثل هذا المعنى أراد الأعشى حيث قال: «ليست بُمقرفة إنسان عين، ومأقا لم يكن قمعا» وفي النفي ههنا إشعار بالمقارنة والموازنة بين عيونها وما كانت عليه سائر عيون الناس لا سيما في زمان الشاعر نفسه. ومعلوم في سياق الأخبار والأساطير أن الأسرار الطبية ونحوها مما يستعين به الناس، تُضفى حوله ألوان من السحر والقداسة وينسب إلى ضرب من الآلهة البشريين دلوا عليه الإنسانية- من هذا المجرى مثلاً قصة النار في الأساطير الإغريقية.

стр. 1077

هذا، وفي اسم اليمامة- وهو اسم الزرقاء المنصوص عليه ههنا (١) ما يدل على رابطة شديدة بينها وبين الحمامة. ذلك بأن اليمامة والحمامة بمعنى واحد. ويقال إن اليمامة في ما يألف البيوت من الحمام. وإن صح هذا فهو أدل على ما نحن بصدده، إذ الزرقاء امرأة والنساء مما يألفن الكن والظل، ثم إنها كانت من أهل الحاضرة لا البادية بدليل كونها من مدينة جو وعلى بابها صلبت، والف البيوت أعلق بالحضر والحواضر. وهذا ولا أحسبني أباعد إن ظننت أن الحمامة التي أكملت عدد الحمام مائة في بيت النابغة. فأكملت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد هي زرقاء اليمامة نفسها. وعسى أن يكون معنى القول المنسوب إليها: ليت الحمام ليه ... إلى حماميته أي إلى حمامة نفسي «أي» الحمامة التي هي «أنا». وقد يوقف شيئًا عند قول النابغة: فحسبوه فألفوه كما زعمت ... تسعًا وتسعين لم تنقص ولم تزد إذ نحن نعلم الأثر الوارد في أسماء الله الحسنى أن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة. والإحصاء معناه الحساب. والنابغة يقول: «وأسرعت حسبة في

стр. 1078

ذلك العدد» كما رأيت- فهل يا ترى، من صلة بين ذكر الإحصاء في هذا الأثر وبين ذكر الإحصاء في كلام النابغة نقدر في ضوئه أن نفسر رمزية هذه القصة ونحدس حدسًا من طريقها بعض ما كانت تعتقده العرب في جاهليتها من أمر الزرقاء وحمامتها؟ وإذا جاز لنا أن نفترض أن الحمام الذي رأته الزرقاء ما كان إلا ضربًا من الآلهة أو قل الملائكة، فهل لنا أن نفترض أن زرقاء اليمامة كانت هي الإله الذي كان في الأرض إذ أخواته طائرات في جو السماء- أو قل الملك على الأرض المرموز إليه بالحمامة ينظر إلى ملائكة طائرات أو طائرين؟ ألم تكن العرب تعتقد أن الملائكة بنات الله؟ أم لا يروي لنا الرواة أن المختار بن أبي عبيد زعم لأصحابه أن الله سيبعث إليهم الملائكة في صور الحمام، وقد كان أعد حمامًا من أجل هذه المخرقة؟ هذا وليس بعسير على الفكر إدراك أن تكون الصلة بين قوة النظر ورمزية الحمامة. فالعرب قد كانوا أهل صحراء يطلب فيها الورد من أماكن بعيدة. وقد كانوا يشاهدون ورود القطا، وضروب الحمام وتنقلها السريع من مورد إلى مورد. ولا يخفى ما بين هذا وقوة النظر وإبعاده من قرابة قريبة. وفي القصة النوحيه التي سبق تقديمها ما يشعر بأن الحمامة ما اختيرت لتكشف ما انحسر من الأرض إلا لقوة بصرها. وكذلك الغراب إذ هو موصوف أيضًا بإبعاد النظر. إلا أن شؤمه بعده من معاني أن يتصل نظره بالمأوى والرجاء والخصب والنماء وهلم جرا، وقاربه إلى أن يتصل نظره بما يُتوقع من أصناف البين والمكروه. وإن جاز هذا التأويل فإن أسطورة الزرقاء تكون أبعد في أصلها وقدميتها من أسطورة القصة النوحية. ويكون معنى العين والنظر هو المعنى الأول في قدسية الحمامة ورمزيتها ثم تلاة معنى المأوى والرجاء والأمن وهلم جرا. ومعنى النظر الأول بلا ريب من معاني الخصوبة وقد رأيت ارتباطه بخصوبة الأنثى في ألوهية الزرقاء أو كهانتها أو بطولتها. أيًا ما شئت من ذلك. وفي نشيد سليمان الذي يقال له نشيد

стр. 1079

الأناشيد: «يا حمامتي» في خطاب الحبيبة، وذلك حيث يقول سليمان: «افتحي لي يا أُختي يا حبيبي يا كاملتي لأن رأسي امتلأ من الطل وقصصي من ندى الليل» ولا يفتك ما في هذا المعنى الأخير من الإشارة إلى أنه صقر إذ كانت هي حمامة، إذ ذكر امتلاء ريش الصقر من الطل والندى كثير في العربية، ولا يستبعد أن يكون نحو من هذه الفكرة قد عرفه العبرانيون. قال ذو الرمة في الصقر: طراق الخوافي واقع فوق ريعة ... ندى ليله في ريشه يترقرق هذا وقد يوجه قوله «يا حمامتي» على أن فيه إشارة للوداعة والرشاقة وما هو من هذا المجرى. ولكن قوله في النشيد نفسه «عيناك حمامتان» ونص التوراة «عينا خي يونيم» وترجمته قد تكون عيناك حمام أو حمائم أو حمامتان نص صريح في قرن الحمامة بالعين، وبالنظر. وفي بعض معاني الحمامة أنها المرآة. قال الراجز: «كأن عينيها حمامتان (١)» وعلى هذا يترجم نص التوراة «عيناك مرآتان». وغير خاف أن إفادة الحمامة معنى المرآة منشؤه من التشبيه. وهذا كله يقوي ما نذهب إليه من أن الأصل في رمزية الحمامة عبادة خصوبة المرأة من حيث نظرها: روعته وجماله وارتواؤه. وقد يكون الأصل أبعد من هذا، ومرده إلى عبادة خصوبة الأنثى متمثلة في الشمس. والناس مما يقولون عين الشمس، وأحسب هذا مذكورًا في المأثور عن

стр. 1080

عبادة الفراعنة القدماء. وقد كانت الشمس إلهة الرافدين. وفي العربية يقولون مغيب الشمس في عين. قال تبع: فرأى مغيب الشمس عند مآبها ... في عين ذي خُلب وثاط حرمد (١) وفي القرآن: «حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة» فهل كانت الحمامة من رموز آلهة الشمس المراد بها تقديس خصوبة النظر؟ وقد سبق أن ألمعنا لك بشيء عن صلة ما بين الورد والنظر، واشتراك لفظ العين في الدلالة على الماء والنظر من هذا الأصل فيما يخيل لنا وعسى أن يكون من تشبيه عين الماء بعين النظر بجامع الاستدارة والندى والبريق في كل والله تعالى أعلم. وفي قول تبع الآنف الذكر تجده يسمى مغيب الشمس مآبًا. والعرب مما تقول غابت الشمس وآبت الشمس. ويجعل مآبها هذا إلى عين تغرب فيها: ثم يصف هذه العين بأن فيها الطين والحمأ الثاط الحرمد: ألا تحس في هذا نفسًا من قصة الحمامة النوحية إذ آبت عند المساء وفي رجليها أثر الطين؟ أم لا تحس نفسًا من معنى الورد في قول النابغة: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد أم لا تحس معنى الأوبة وتوقعها في قول الأعشى: كوني كمثل التي إذ غاب وافدها ... أهدت له من بعيد نظرة جزعًا ولا تكوني كمن لا يرتجي أوبة ... لذي اغتراب ولا يرجو له رجعًا ولعل مما يرجح أن مرد تأليه النظر في الأنثى إلى أرض بابل والسحر ومن صلة ما بين النظر والسحر، ثم ما رأيته ملحقًا بقصة الزرقاء من أمر الإثمد. وهو في القصة كما ترى حجر سحري، والعرب مما تقول الإثمد الحاري؟ قال عمرو بن معد يكرب (٢): كأن الإثمد الحاري فيها ... يُسف بحيث تبتدر الدموع

стр. 1081

والحاري نسبة إلى الحيرة من أرض العراق. ومهما يكن من شيء فقصة الزرقاء التي سقنا نص في ارتباط الحمامة بخصوبة المرأة وبالنظر وجماله وبالكحل وأثره السحري، ثم داخل فيها معنى الورد والسقيا والمأوى والكن والأمل والرجاء. وقد عرفت العرب تشبيه العين بالحمامة كما عرفته التوراة كالذي مر بك من قول الراجز: «كأن عينيها حمامتان» وإن يك معنى الحمامة ههنا المرآة. والبيت الذي استشهدنا به آنفًا من قول عمرو بن معد يكرب: كأن الإثمد الحاري فيها ... يُسف بحيث تبتدر الدموع أي كأن الإثمد الذي أسفته لثاتها السود، لم تسفه لثاتها السود وإنما اسفته هُدبها، حيث تبتدر دموعها- وههنا كما ترى تشبيه لفم الفتاة بعينها. والفم مما يشبه بالحمامة في الشعر القديم. قال الآخر: كنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثتين عصف الإثمد قال الأعلم في شرحه لأبيات الكتاب: «وصف في هذا البيت شفتي المرأة فشبههما بنواحي ريش الحمامة في رقتهما ولطافتهما وحُوتهما وأراد أن لثاتها تضرب إلى السمرة، فكأنها مسحت بالإثمد، وعصف الإثمد ما سحق منه، وهو من عصفت الريح إذا هبت بشدة، سحقت ما مرت عليه وكسرته وهو مصدر وصف به المفعول كما قيل الخلق بمعنى المخلوق والرواية الصحيحة مسحت بكسر التاء وعليه التفسير. وروي مسحت بضم التاء ومعناه قبلتها فمسحت عصف الإثمد في لثتيها وكانت العرب تفعل ذلك، تغرز المرأة لثاتها بالإبرة ثم تمر عليها الإثمد والنوؤر وهو دخان الشحم المحروق حتى يثبت باللثات فيشتد ويسمر ويتبين بياض الثغر. أو يكون المعنى باشرت من سمرتها مثل عصف الإثمد. وإنما خص الحمامة النجدية لأن الحمام عند العرب؟ ؟ ؟ مطوق كالقطا وغيره. وإنما قصد منها إلى الحمام الورق المعروفة وهي تألف الجبال والجزر والنجد ما ارتفع من الأرض ولا تألف الفيافي والسهول كالقطا

стр. 1082

وغيره (١). أهـ.» والذي يترجح عندي أن قوله «نجدية» نسبة إلى نجد المعروفة من بلاد العرب ونسب إليها الحمامة كما تنسب الأسد إلى بيشه والسيوف إلى المشارف وإلى الهند، لشهرتها بها، ولا يخلو ذلك من معنى ما قدمناه لك من قصة اليمامة وقد كانت من أهل نجد. ونعود إلى ما كنا فيه من بيت عمرو وما ضمنه من الإشارة إلى تشبيه العين بالحمامة من طريق تشبيه الثغر بالعين وهو يُشبه بالحمامة وفي الإثمد الذي يذكره عمرو ما علمت من المعنى اليمامي. وأقرب تأويلاً من بيته هذا بيت المثقب العبدي حيث قال في الظعائن: وهُن على الرجائز واكنات ... قواتل كل أشجع مستكين وإنما يقتلن بنظراتهن، وقد شبههن وهن في رجائزهن بالحمائم التي في الوكون كما ترى، وإن لم يصرح بذكر الحمام. على أنه قد صرح بالحمام والوكون في بيت متأخر من هذه النونية، وذلك حيث يقول: وتسمع للذباب إذا تغنى ... كتغريد الحمام على الوكون هذا وفي تشبيه الشفتين بجناحي الحمامة دلالة قوية جدًا على معنى الخصوبة المؤنثة في الحمامة، وهو المعنى المستكن في تأليه زرقاء اليمامة كما قد ذكرنا. قال النابغة في وصف المتجردة: نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود تجلو بقادمتي حمامة أيكة ... بردًا أسف لثاته بالإثمد والنابغة كما رأيت يعلم قصة الزرقاء، وقد ربط الحمام فيه بمعنى الورد في قوله

стр. 1083

«إلى حمام شراع وارد الثمد» وهو في بيتيه قد بسط المعنى وفصله ووضحه أيما توضيح. فالمتجردة في هذين البيتين معًا منعوته بنعت الحمامة، إذ لا يكون لها قادمتان، إلا إذا كانت هي نفسها حمامة والقادمتان شفتاها اللعساوان الورقاوان كالحمامة الورقاء واللثتان من دونهما سوداوان عليهما الإثمد، قد رواهما كما روى عروق العينين من زرقاء اليمامة. ثم من دون هاتين اللثتين أنيابها اللواتي كأنهن برد. ودلالة البرد على الري والورد الشافي لا تخفى. والصورة كلها بعد فيها إشعار شديد بالخصب، إذ لا تحتاج إلى كبير تأمل لترى وجه الشبه بين لعسة الشفتين وسواد اللثات وحوة الشاطئين وأكناف الغدير. وفي قول النابغة «تجلو بقادمتي حمامة أيكة» إشارة إلى معنى العين والنظر عند قوله «تجلو» كما أن فيه روحًا من البهجة والخفة، إذا خفوق جناحي الحمامة جميل خفيف، وتشبيه افتراق الشفتين بذلك، فيه صورة ابتسام وافترار. هذا وأنت ترى النابغة حين جعل نظر المتجردة بعيدًا ملتاعًا في بيته الأول: نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود عاد فجعل فمها ممتلئًا ريان خصبًا برودا. وفي هذا إلماع إلى معاني الحب والوصال واللقاء، إذ الأنثى كما هي مورد نضير، هي أيضًا ظمأ مُحتدم، لا شفاء له إلا أن يلقى ظمأً آخر محتدمًا من صنفه وجنسه. هذا ورمز الحمامة المشرف على بيتي النابغة معًا فيه إيحاء بسائر ما يكون في معنى الحمامة من الوداعة واللطف والإيواء والرجاء والأمل. ولذلك قال في الأبيات التي تلتها: كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندى زعم الهمام بأن فاها بارد ... عذب مقبله شهي المورد زعم الهمام ولم أذقه أنه ... يشفي ببرد لثاته العطش الصدى

стр. 1084

هذا وأحسب تشبيه عين المرأة بعين الخاذل وعين البقرة الوحشية والظبية والجؤذر أصله من شبه الحمامة أو قل من صلة الحمامة بالورد والخصوبة والمأوى والوداعة. ولعل في الجمع بين الحمام والغزلان في الأمن بحرم مكة شيئًا من هذا المعنى. وقد ذكر زهير القطاة (والقطاة من الحمام) لما نجت من الصقر فقال: ثم استمرت إلى الوادي فألجأها ... منه وقد طمع الأظفار والحنك حتى استغاثت بماء لا رشاء له ... من الأباطح في حافاته البرك كما استغاث بسيء فز غيطلة ... خاف العيون فلم يُنظر به الحشك والشاهد عندنا هذا البيت الأخير الذي يشبه فيه زهير حال القطاة بعد أن أمنت في الوادي، وصارت إلى ماء سائح على وجه الأرض، في حافاته الطير الصغار، بحال فز الغيطلة أي ولد البقرة الوحشية حين يخاف العيون فيفزع إلى أمه يستغيث بسيئها أي ما في ضرعها من لبن قبل أن يمتلئ ذلك الضرع ويحتفل، (وهذا هو معنى الحشك)، والمقصود بالتشبيه من ولد البقرة ههنا عيناه، إذ فيهما الدلالة على خوفه. ونحو هذا المعنى قول ابن أبي ربيعة: وترنو بعينيها إلي كما رنا ... إلى ربرب وسط الخميلة جُؤذر وإنما يرنو الجؤذر إلى الربرب لأن أماته فيه، وفي نحو هذه النظرة حنان كثير. وفي ولد البقرة الوحشية واستغاثته بضرع أمه يقول أبو العلاء: إذا شرب الأرفي مال به الكرى ... إلى سدرة أفنانها فوقه تغطو والأرفي لبن الأروية وهي ظبية الجبال. وولد الظبية تصفه العرب بالخرق والتناوم والنعاس، وبذلك أيضًا يصفون منعمات العذارى، قال المرار: والضحا تغلبها رقدتها ... خرق الجؤذر في اليوم الخدر

стр. 1085

هذا، ولا يغفلن القارئ، مع الذي ذكرناه من الصلة الوثنية الرمزية بين الحمامة والعين والفم، من ناحية الشبه المحسوس في هذه الأشياء جمعيها، إذ الشفة الممتلئة اللعساء فيها شبه من الحمامة الورقاء. والفم فيه شبه العين من حيث الاستدارة. وبهجة الفم حين يبتسم والعين حين تفتر معه، لا يخلوان من شبه البهجة في خفوق جناحي الحمامة، حين تشرع في الدفيف وتطير من غصن إلى آخر. ثم الشبه بين العين والغدير لا يخفى؛ والله تعالى أعلم. الأصل الهديلي: هذا الأصل وثيق الصلة بنوح الحمام. وقولنا الهديلي نسبة إلى الهديل. والعرب تزعم أن الهديل فرخ هلك في الزمان الأول. فلا تزال الحمائم يبكينه شجوا وحزنًا. قال المعري: أبنات الهديل أسعدن أو عد ... ن قليل العزاء بالإسعاد وقوله بنات الهديل جرى فيه على مذهب من جعل الهديل ذكر الحمام، أو لعله بقوله بنات الهديل إنما أراد مجرد النسبة. إيه لله دركن فأنتن اللواتي ... تُحسن حفظ الوداد ما نسيتن هالكًا في الأوان الخال ... أودى من قَبل هُلك إياد وذكر صاحب اللسان للعرب قولين في سبب هلاك الهديل (راجع مادة هدل من أجل هذا ومن أجل كثير غيره مما نستشهد به ههنا)، أحدهما أنه فرخ هلك ضيعة وعطشًا على زمان نوح، وآخر أنه اصطاده جارح من الجوارح. والقول الأول عندنا ضعيف إذ لا يعقل العطش مع الطوفان، وأحسب أصحاب هذا القول إنما ذكروا سيدنا نوحًا بقصد الإيغال في القدم ولصلة ما بين الحمامة وسفينة نوح. والقول الثاني

стр. 1086

أرجح عندنا لأن الجوارح مما تصيد الحمام. والراجح عندنا أن الجارح المراد ههنا الصقر، إذ هو قوي الصلة بالرمزية الحمامية كما قدمنا لك آنفًا وكما سنذكر فيما بعد إن شاء الله. وقال حميد بن ثور يذكر فرخ الحمامة: أُتيح له صقر مُرب فلم يدع ... لها ولدًا إلا رميمًا وأعظما ويقال للهذيل أيضًا «ساق حر»: قال الهذيلي في رثاء ولده ومناجاته للحمامة، وسنستشهد بسائر أبياته فيما بع إن شاء الله: فقلت لها فأما ساق حر ... فباد مع الأوائل من ثمود وقد اختلفت العرب في الهديل وفي ساق حر، فجعلتهما طورًا صوت الحمامة وطورًا اسمًا لفرخها وقالوا في الهديل أيضًا أنه ذكر الحمام، كما قدمنا. وعندنا أن جميع هذه الأقوال متقاربة وأصلها واحد. وذلك أن العرب حين شخصت صوت الحمام فجعلته فرخًا قتله جارح، عادت فجردت هذا الذي شخصته وجعلته صوتًا، وأحسب أن أبا سعيد السكري أراد إلى قريب من هذا الذي نقوله حين شرح بيت الهذلي فقال: «ظن أن ساق حر ولدها، فجعله اسمًا له» (١). وحكاية الصوت في «ساق حر» لا تخفى، وهي كذلك في الهديل، إلا أنها في «ساق حر» أظهر. قال الآخر: ما أنا الدهر بناس ذكرها ... ما غدت ورقاء تدعو ساق حر فهذا معنى الصوت أوضح فيه من معنى الفرخ، غير أن معنى الفرخ غير بعيد، ويجوز تصور أن يكون الشاعر أراد المعنيين معًا. وقال متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك:

стр. 1087

إذا رقأت عيناي ذكرني به ... حمام تتادى في الغضون وقوع دعون هديلاً فاحتزنت لمالك ... وفي الصدر من وجد عليه دموع فهذا يحتمل المعنيين معًا، ومعنى الفرخ أظهر. وقال الآخر: ما هاج شوقك من هديل حمامة ... تدعو على فنن الغضون حمامًا فهذا معنى الصوت فيه هو المراد والبيت قديم استشهد به ابن جرير في تفسيره. وقال عبيد بن الأبرص: وقفت بها أبكي بُكاء حمامة ... أرا كية تدعو الحمام الأواركا إذا ذكرت يومًا من الدهر شجوها ... على فرع ساق أذرب الدمع سافكا وفسروا فرع ساق ههنا برأس ساق أي رأس غصن (١)، وعندي أن ساقًا ههنا هو «ساق حر»، أي على فرع تصيح منه بساق حر، والله أعلم. وشبيه بمذهب العرب هذا الذي ذهبته من تشخيص الصوت ثم تجريده، ما فعله الإغريق بأسطورة الصدى، إذ جسدوه، وجعلوه آلهة من آلهتهم وقصوا في ذلك خبرًا طويلاً. ولولا أن العرب تؤثر الإيماء والإيجاز، لقد كانت أسطورتهم في الهديل مفصلة كتفصيل أسطورة الصدى. هذا وأما قولهم في الهديل أنه ذكر الحمام فمرده عندي إلى أمرين أحدهما أنهم يقولون الهديل والهدير بمعنى، والهدير من أصوات الذكر يدعو الأنثى. فأطلق المسبب على السبب. والثاني أنهم نظروا إلى رمزية الصقر والحمامة. وكما أسلفنا لك فإن الصقر رمز للرجل وللذكورة والحمام رمز للمرأة والأنوثة. والرجل صائد والأنثى

стр. 1088

مصيدة. والرجل أيضًا مصيد لأن الأنثى تطلبه فهو الجارح وهو الفرخ وهو الصقر الذي يصيد الحمامة وهو الصوت الذي تدعو به الحمامة صقرها. وقد ذكرنا لك آنفًا ما نعتوا به الصقر من تلبد الريش، وما نعتوا به الرجل من تلبد الشعر يشبهونه بالصقر يصفونه بالقوة. وقصة شمشون من هذا المجرى. وكذلك قول الشنفري؟ ؟ ؟ شعره هو: وضاف إذا هبت له الريح طيرت ... لبائد من أعطافه ما تُرجل بعيد بمس الدهن والفلي عهده ... له عبس عاف من الغسل مُحول أي مر عليه حول لا يغسل، وهذا يدل على أنه أشعث أغبر، وذلك علامة الفحولة والاخشيشان. هذا ونعتوا الصقر بحمرة المنقار. قال زهير: فزل عنها وأوفى رأس مرقبة ... كمنصب العتر دمي رأسه النسك أي زل عن الحمامة وهبط أعلى مرقبه يبدو كأنه حجر تذبح عليه العتائر، وكانت للعرب أنصاب تعتر عليها ضحايا الأنعام، والصيد فيبقى عليها أثر الدماء. وإنما أراد زهير نعت المنقار. وقد نعتوا الرجال بحمرة اللثات. قال سبيع بن الحمام: ومجالس بيض الوجوه أعزة ... حُمر اللثات كلامهم معروف ولا شك أن في مدح الرجال بحمرة اللثات تشبيهًا لهم بالصقور، في الجرأة والفحولة. وحمرة اللثات مذمومة في النساء، ولكن الحوة فيهن ممدوحة وثغورهن مما يشبهها الشعراء بالحمام كما مر بك. فعسى جميع هذا أن يقوي عندك ما قدمناه من أن إطلاق الهديل على ذكر الحمام منشأة من هذا. إذ الصقر رمز للذكر الذي يكون آنًا صوتًا وآنًا فرخًا والأنثى تحن إليه وتناغيه وتفزع منه، وكل أولئك معان مختلفات متداخلات.

стр. 1089

ومن عجيب تداخل المعاني أن اللفظ المراد لبعضها متى كثر عليه توارد المجاز ربما آض إلى ضده، بل ربما آض المعنى نفسه إلى ضد مدلوله. كالذي قدمناه من كثرة الشعر، فقد نعتوا به راعي الضأن وهو رم البله والغباء، كما نعتوا به الفاتك الجاسر. وبكلا التأويلين أولوا قول تأبط شرًا: فذاك همي وغزوي أستغيث به ... إذا استغثت بضافي الرأس نغاق كالحقف حدأه النامون قُلت له ... ذو ثلتين وذو بهم وأرباق وقالوا في الكثير الشعر هديل، وأنشدوا (راجع اللسان): هدان أخو وطب وصاحب عُلبة ... هديل لرثات النقال جرور أي يجر النعال الرثة من بؤسه وعوزه. فتامل. هذا وقصة الهديل التي قدمنا مأساة في ظاهرها، ومن أجلها جعل صوت الحمامة نوحًا وجعلت الحمائم نائحات. قال أبو ذؤيب الهذلي: وإن دموعي إثره لكثيرة ... لو أن الدموع والبكاء يريح فوالله لا ارزا ابن عم كأنه ... نُشيبة مادام الحمام ينوح وقال أمية بن أبي الصلت: ألا بكيت على الكرام بني الكرام أولى الممادح كبكا الحمام على فُروع الايك في الغصن الجوانح يبكين حرى مستكينات يرحن مع الروائح أمثالهن الباكيات المعولات من النوائح هذا ولا يخلو تشبيه الحمامة بالنائحة من لون غزلي، وكذلك تشبيه النائحة بالحمامة، وقد أشرنا إلى شيء من قري هذا المعنى في المرشد (١ - ١٨٨) بمعرض

стр. 1090

الحديث عن المنسرح واستشهدنا ثم على ما يكون في المناخات من التبرج بأبيات الربيع بن زياد العبسي: من كان مسرورًا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسرًا يبكينه ... يلطمن أوجههن بالأسحار قد كن يخبأن الوجوه تسترًا ... فاليوم حين برزن للنظار وأكاد أزعم أن ما يذكرونه من بكاء الثكلى وحزنها، حتى هو، لا يخلو من عناصر الغزل والجنس والخصوبة في بعض مظاهرها الحرار، ومن أجل هذا، فيما أرى، جاز بدء بعض الرثاء بالنسيب كقول دريد بن الصمة في مستهل رثائه لأخيه «أرث جديد الحبل من أم معبد»، وقول الهذلي، وهو ما يجري مجرى النسيب: يا مي أن تفقدي قومًا ولدتهم ... أو تخلسيهم فإن الدهر خلاس وقال صخر الغي يرثي ابنه تليدًا ويذكر الحمامة وثكلها: وما إن صوت نائحة بليل ... بسبلل لا تنام مع الهجود تجهنا غاديين فساءلتني ... بواحدها وأسأل عن تليدي فقلت لها فأما ساق حر ... فبان مع الأوائل من ثمود وقالت لن ترى أبدًا تليدًا ... بعينك آخر الدهر الجديد كلانا رد صاحبه بيأس ... وتأنيب ووجدان بعيد وألفت القارئ إلى البيت الأول، فلا يعقل أن تكون النائحة فيه حمامة لأن الحمام ينوح بالأصائل والضحا، وإنما البوم هن نوائح الليل، ولا شك أن مراد صخر أن يصف ثكلى ساهرة لعلها أم تليد. ثم لما حولها حمامة جعل لقاءه اياها بالغداة فذلك قوله: «تجهنا غاديين».
следующие страницы →