← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

أرجح عندنا لأن الجوارح مما تصيد الحمام. والراجح عندنا أن الجارح المراد ههنا الصقر، إذ هو قوي الصلة بالرمزية الحمامية كما قدمنا لك آنفًا وكما سنذكر فيما بعد إن شاء الله. وقال حميد بن ثور يذكر فرخ الحمامة: أُتيح له صقر مُرب فلم يدع ... لها ولدًا إلا رميمًا وأعظما ويقال للهذيل أيضًا «ساق حر»: قال الهذيلي في رثاء ولده ومناجاته للحمامة، وسنستشهد بسائر أبياته فيما بع إن شاء الله: فقلت لها فأما ساق حر ... فباد مع الأوائل من ثمود وقد اختلفت العرب في الهديل وفي ساق حر، فجعلتهما طورًا صوت الحمامة وطورًا اسمًا لفرخها وقالوا في الهديل أيضًا أنه ذكر الحمام، كما قدمنا. وعندنا أن جميع هذه الأقوال متقاربة وأصلها واحد. وذلك أن العرب حين شخصت صوت الحمام فجعلته فرخًا قتله جارح، عادت فجردت هذا الذي شخصته وجعلته صوتًا، وأحسب أن أبا سعيد السكري أراد إلى قريب من هذا الذي نقوله حين شرح بيت الهذلي فقال: «ظن أن ساق حر ولدها، فجعله اسمًا له» (١). وحكاية الصوت في «ساق حر» لا تخفى، وهي كذلك في الهديل، إلا أنها في «ساق حر» أظهر. قال الآخر: ما أنا الدهر بناس ذكرها ... ما غدت ورقاء تدعو ساق حر فهذا معنى الصوت أوضح فيه من معنى الفرخ، غير أن معنى الفرخ غير بعيد، ويجوز تصور أن يكون الشاعر أراد المعنيين معًا. وقال متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك:

стр. 1087

إذا رقأت عيناي ذكرني به ... حمام تتادى في الغضون وقوع دعون هديلاً فاحتزنت لمالك ... وفي الصدر من وجد عليه دموع فهذا يحتمل المعنيين معًا، ومعنى الفرخ أظهر. وقال الآخر: ما هاج شوقك من هديل حمامة ... تدعو على فنن الغضون حمامًا فهذا معنى الصوت فيه هو المراد والبيت قديم استشهد به ابن جرير في تفسيره. وقال عبيد بن الأبرص: وقفت بها أبكي بُكاء حمامة ... أرا كية تدعو الحمام الأواركا إذا ذكرت يومًا من الدهر شجوها ... على فرع ساق أذرب الدمع سافكا وفسروا فرع ساق ههنا برأس ساق أي رأس غصن (١)، وعندي أن ساقًا ههنا هو «ساق حر»، أي على فرع تصيح منه بساق حر، والله أعلم. وشبيه بمذهب العرب هذا الذي ذهبته من تشخيص الصوت ثم تجريده، ما فعله الإغريق بأسطورة الصدى، إذ جسدوه، وجعلوه آلهة من آلهتهم وقصوا في ذلك خبرًا طويلاً. ولولا أن العرب تؤثر الإيماء والإيجاز، لقد كانت أسطورتهم في الهديل مفصلة كتفصيل أسطورة الصدى. هذا وأما قولهم في الهديل أنه ذكر الحمام فمرده عندي إلى أمرين أحدهما أنهم يقولون الهديل والهدير بمعنى، والهدير من أصوات الذكر يدعو الأنثى. فأطلق المسبب على السبب. والثاني أنهم نظروا إلى رمزية الصقر والحمامة. وكما أسلفنا لك فإن الصقر رمز للرجل وللذكورة والحمام رمز للمرأة والأنوثة. والرجل صائد والأنثى

стр. 1088

مصيدة. والرجل أيضًا مصيد لأن الأنثى تطلبه فهو الجارح وهو الفرخ وهو الصقر الذي يصيد الحمامة وهو الصوت الذي تدعو به الحمامة صقرها. وقد ذكرنا لك آنفًا ما نعتوا به الصقر من تلبد الريش، وما نعتوا به الرجل من تلبد الشعر يشبهونه بالصقر يصفونه بالقوة. وقصة شمشون من هذا المجرى. وكذلك قول الشنفري؟ ؟ ؟ شعره هو: وضاف إذا هبت له الريح طيرت ... لبائد من أعطافه ما تُرجل بعيد بمس الدهن والفلي عهده ... له عبس عاف من الغسل مُحول أي مر عليه حول لا يغسل، وهذا يدل على أنه أشعث أغبر، وذلك علامة الفحولة والاخشيشان. هذا ونعتوا الصقر بحمرة المنقار. قال زهير: فزل عنها وأوفى رأس مرقبة ... كمنصب العتر دمي رأسه النسك أي زل عن الحمامة وهبط أعلى مرقبه يبدو كأنه حجر تذبح عليه العتائر، وكانت للعرب أنصاب تعتر عليها ضحايا الأنعام، والصيد فيبقى عليها أثر الدماء. وإنما أراد زهير نعت المنقار. وقد نعتوا الرجال بحمرة اللثات. قال سبيع بن الحمام: ومجالس بيض الوجوه أعزة ... حُمر اللثات كلامهم معروف ولا شك أن في مدح الرجال بحمرة اللثات تشبيهًا لهم بالصقور، في الجرأة والفحولة. وحمرة اللثات مذمومة في النساء، ولكن الحوة فيهن ممدوحة وثغورهن مما يشبهها الشعراء بالحمام كما مر بك. فعسى جميع هذا أن يقوي عندك ما قدمناه من أن إطلاق الهديل على ذكر الحمام منشأة من هذا. إذ الصقر رمز للذكر الذي يكون آنًا صوتًا وآنًا فرخًا والأنثى تحن إليه وتناغيه وتفزع منه، وكل أولئك معان مختلفات متداخلات.

стр. 1089

ومن عجيب تداخل المعاني أن اللفظ المراد لبعضها متى كثر عليه توارد المجاز ربما آض إلى ضده، بل ربما آض المعنى نفسه إلى ضد مدلوله. كالذي قدمناه من كثرة الشعر، فقد نعتوا به راعي الضأن وهو رم البله والغباء، كما نعتوا به الفاتك الجاسر. وبكلا التأويلين أولوا قول تأبط شرًا: فذاك همي وغزوي أستغيث به ... إذا استغثت بضافي الرأس نغاق كالحقف حدأه النامون قُلت له ... ذو ثلتين وذو بهم وأرباق وقالوا في الكثير الشعر هديل، وأنشدوا (راجع اللسان): هدان أخو وطب وصاحب عُلبة ... هديل لرثات النقال جرور أي يجر النعال الرثة من بؤسه وعوزه. فتامل. هذا وقصة الهديل التي قدمنا مأساة في ظاهرها، ومن أجلها جعل صوت الحمامة نوحًا وجعلت الحمائم نائحات. قال أبو ذؤيب الهذلي: وإن دموعي إثره لكثيرة ... لو أن الدموع والبكاء يريح فوالله لا ارزا ابن عم كأنه ... نُشيبة مادام الحمام ينوح وقال أمية بن أبي الصلت: ألا بكيت على الكرام بني الكرام أولى الممادح كبكا الحمام على فُروع الايك في الغصن الجوانح يبكين حرى مستكينات يرحن مع الروائح أمثالهن الباكيات المعولات من النوائح هذا ولا يخلو تشبيه الحمامة بالنائحة من لون غزلي، وكذلك تشبيه النائحة بالحمامة، وقد أشرنا إلى شيء من قري هذا المعنى في المرشد (١ - ١٨٨) بمعرض

стр. 1090

الحديث عن المنسرح واستشهدنا ثم على ما يكون في المناخات من التبرج بأبيات الربيع بن زياد العبسي: من كان مسرورًا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسرًا يبكينه ... يلطمن أوجههن بالأسحار قد كن يخبأن الوجوه تسترًا ... فاليوم حين برزن للنظار وأكاد أزعم أن ما يذكرونه من بكاء الثكلى وحزنها، حتى هو، لا يخلو من عناصر الغزل والجنس والخصوبة في بعض مظاهرها الحرار، ومن أجل هذا، فيما أرى، جاز بدء بعض الرثاء بالنسيب كقول دريد بن الصمة في مستهل رثائه لأخيه «أرث جديد الحبل من أم معبد»، وقول الهذلي، وهو ما يجري مجرى النسيب: يا مي أن تفقدي قومًا ولدتهم ... أو تخلسيهم فإن الدهر خلاس وقال صخر الغي يرثي ابنه تليدًا ويذكر الحمامة وثكلها: وما إن صوت نائحة بليل ... بسبلل لا تنام مع الهجود تجهنا غاديين فساءلتني ... بواحدها وأسأل عن تليدي فقلت لها فأما ساق حر ... فبان مع الأوائل من ثمود وقالت لن ترى أبدًا تليدًا ... بعينك آخر الدهر الجديد كلانا رد صاحبه بيأس ... وتأنيب ووجدان بعيد وألفت القارئ إلى البيت الأول، فلا يعقل أن تكون النائحة فيه حمامة لأن الحمام ينوح بالأصائل والضحا، وإنما البوم هن نوائح الليل، ولا شك أن مراد صخر أن يصف ثكلى ساهرة لعلها أم تليد. ثم لما حولها حمامة جعل لقاءه اياها بالغداة فذلك قوله: «تجهنا غاديين».

стр. 1091

وقال في كلمة أخرى وصرح باسم الحمامة: وذكرني بُكاي على تليد ... حمامة مر جاوبت الحماما تُرجع منطقًا عجبًا وأوفت ... كنائحة أتت نوحًا قيامًا تُنادي ساق حر وظلت أدعو ... تليدًا لا تبين به الكلاما لعلك هالك إما غلام ... تبوأ من شمنصير مُقامًا وصخر الغي أسلي فؤادًا ههنا في الدالية، ونظره إلى الحمام هنا أكثر من نظره إلى نفسه. هذا وفي قول صخر «لا تبين به الكلاما» إشارة إلى الأسطورة الهديلية، يعني أنها لا تقدر أن تفصح باسم فرخها الذي ثكلته، ولكنها تقول «ساق حر» وهو حكاية صوتها. ومما يجري مجرى الثكل ومرده إلى الأصل الهديلي بكاء العشاق، كقول عبد الله بن أبي بكر لما طلق امرأته وندم على فراقها (الحيوان ٣ - ١٩٩): فلم أر مثلي طلق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير جُرم تُطلق أعاتك لا أنساك ما هبت الصبا ... وما ناح قُمري الحمام المطوق وقول جميل: أيبكي حمام الأيك من فقد إلفه ... وأصبر مالي عن بُثينة من صبر وباب العشق مما يتسع، وتلتقي فيه سائر ضروب الرمزية الحمامية والأصول التي قدمنا لك عنها الحديث. الحمامة وبكاء العشاق أكثر ما ذكرت العرب الحمامة في باب التشبيه بسرعتها، وهذا وثيق الصلة برمزيتي الأصلين النوحي واليمامي، وما يتعلق بهما من معاني السقيا والنجاء والرجاء وخفة الحركة ورشاقتها وبعد مرمى النظر، وفي باب الرثاء وهذا هديلي الأصل، وقد قدمنا لك منه أمثلة، وفي باب العشق، وهو الباب الجامع وسترد عليك منه أشياء في

стр. 1092

الذي يلي من هذا الفصل إن شاء الله. فمن أمثلة ما قالته العرب في باب السرعة، بيت لبيد في المعلقة: ترقى وتطعن في العنان وتتقي ... ورد الحمامة إذ أجد حمامها وقوله في أخرى: كأن سراعها مُتواترات ... حمام وارد قبل الحمام وقول بشر بن أبي خازم في الخيل: يُبارين الأسنة مُصغيات ... كما يتفارط الورد الحمام وقول زهير يصف فرسه: كأنها من قطا الأحباب حلأها ... ورد وأفرد عنها أختها الشرك وهذا أسرع لنجائها، والورد ههنا القوم الواردون. وقال سويد بن أبي كاهل يصف الخيل، وقيل يصف الإبل: يدرعن الليل يهوين بنا ... كهوي الكدر صبحن الشرع والكدر من القطا، يقال قطا جون وقطا كدر. وقد تذكر العرب القطاة تريد الحمامة والحمامة تريد القطاة. بل ربما ذكروا غير ذلك من الطير كالذي فعله الراعي حين ذكر الهداهد وهو فرخ الهدهد (١) فنعته بما ينعت به فرخ الحمامة- قال: كهداهد كسر الرماة جناحه ... يدعو بقارعة الطريق هديلا رتع الربيع وقد تقارب خطوه ... ورأى بعقوته أزل نسولا مُتوشح الأقراب، فيه نهمة ... نهش اليدين تخاله مشكولاً

стр. 1093

وكأن الراعي لم يكفه في تصوير الضعف كسر الجناح، فأضاف إليه قرب الصقر المفترس وجعل الفرخ يزقو، يدعو بذلك أباه أو أمه، وسمى زقاءه هديلا، كما ترى، والصورة هديلية الأصل بلا ريب. وأكثر ما يشبهونه بالقطا والحمام في السرعة، الخيل. وربما يذكرون الإبل، من ذلك كلمة مالك بن حزيم الهمداني (١)، غير أنها أدخل في باب التشبيه بلفظ القطا عند الورد دون سرعته، قال: تذكرت سلمى والركاب كأنها ... قطا وارد بين اللفاظ ولعلعا فحدثت نفسي أنها أو خيالها ... أتانا عشاء حين قمنا لنهجعا فقلت لها بيتي لدينا وعرسي ... وما طرقت بعد الرقاد لتنفعا وقريب من هذا قول الراعي: جلسوا على أكوارها فتردفت ... صخب الحصى جذع الرعان رجيلاً مُلس الحصى باتت توجس فوقه ... لغط القطا بالجلهتين نزولاً وقد ذكرت الحرث بن حلزة الصيد فشبه فرسه بالصقر وشبه الظباء المطرودة بالحمام. قال: ومُدامة قرعتها بُمدامة ... وظباء محنية ذعرت بسمحج فكأنهن لآلئ وكأنها ... صقر يلوذ حمامه بالعرفج صقر يصيد بظفره وجناحه ... فإذا أصاب حمامة لم تدرج وهذا لاحق بالذي قدمناه لك من تداخل معنى الصقر والحمامة في معرض الرمز والتشبيه.

стр. 1094

ولاحق بباب السرعة باب الخفة والرشاقة في المشي، وفيه نظر شديد إلى الأصل اليمامي وما يتضمنه من معاني التأنيث والخصوبة. قال اليشكري صاحب المتجردة: ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر في اليوم المطير الكاعب الحسناء تر ... فل في الدمقس وفي الحرير فدفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغيدير وههنا ترى معنى الورد: ولثمتها فتنفست ... كتنفس الظبي البهير وقوله «دخلت على الفتاة الخدر» وتخصيصه يوم المطر فيه ما كنا أشرنا إليه من قبل من معنى الصقر في معرض استشهادنا بقطعة من نشيد الأناشيد (١). وقال التبريزي في شرح الحماسة (٢): «خص يوم المطر لأنه يوم لزوم المنزل، وليس يوم صيد ولا زيارة، واللهو فيه أطيب، لخلو البال فيه» - وأحسب أنه قد غلب على التبريزي ههنا مذهب معاصريه من الفقهاء والعلماء، فظن المتنخل فقيهًا صالحًا يمكث يوم المطر في داره ليلهو مع أهله. وغفل من قول المتنخل «ولقد دخلت» فهذا نص شاهد على الزيارة. وكان المتنخل يرمي بالمتجردة وغيرها والله تعالى أعلم. وقال جميل في باب المشي ينعت مشية بثينة وصواحباتها: إلى رُجح الأعجاز حُور نمى بها ... مع العتق والأحساب صالح دين يُبادرن أبواب الحجال كما مشى ... حمام ضحًا في أيكة وغصون وفي هذا الباب تتداخل الأصول اليمامية والنوحية- أعني الأصول التي ترمز

стр. 1095

إلى السقيا والخصب والأنوثة والجانب الجنسي- في الأصل الهديلي ذي البكاء والشجن والحنين. ذلك بأن مشية الحمامة ورشاقتها وخفتها كل ذلك متصل بمعاني الفتها وحنينها وغنائها. قال المعري: إذا لمست عُودًا برجل حسبتها ... ثقيلة حجل تلمس العود ذا الشرع تجيب سماويات لون كأنما ... شكرن بشوق أو سكرن من البتع فكشف المعنى الذي نقصد إليه كما ترى. «والعذريون» (١) من أهل الحجاز ومقلديهم مع أنهم فرسان الصبابة، لا يكثرون من ذكر نوح الحمام في معراض الشوق إكثار غيرهم. وعسى أن يكون أكثر شعرهم في هذا الباب قد ضاع، فما من حكم نصدره أو نميل إليه في الذي نحن بصدده، إلا وهو مرهون بصحة تمثيل ما وصلنا من أشعارهم لسائر ما عليه مذاهبهم. والذي يرجح عندنا أنهم كانوا يرومون أن يتساموا بمعاني الشوق فوق الحنين الجنسي ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، يرون أن ذلك من صدق الصبابة، ومن آيات شرفها. من ذلك ما ذكروه من خبر عبد الرحمن القس إذ أصاب خلوة من سلامة الزرقاء فعف عن تقبيلها استشهد بالآية: ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾. ومن ذلك قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وكان من الفقهاء: شققت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم فالتأم الفطور تغلغل حُب عثمة في فؤادي ... فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حُزن ولم يبلغ سرور

стр. 1096

ومن ذلك أبيات جميل المشهورة: وإني لأرضي من بُثينة بالذي ... لو أبصره الواشي لقرت بلابله بلا وبألا أستطيع وبالمني ... وبالأمل المرجو قد خاب آمله وبالنظرة العجلى وبالحول تقنضي ... أواخره ما نلتقي وأوائله وهذا دون مذهب ابن مسعود من حيث حاق «التصوف»، ومعاني الشرف والعفة أغلب عليه من معاني القدسية والتجرد. وقريب منه قول يزيد بن الطثرية: بنفسي من لو مر برد بنانه ... على كبدي كانت شفاء أنامله ومن هابني في كل أمر وهبته ... فلا هو يُعطيني ولا أنا سائله والصبابة النجدية الحارة أنفاس الغزل أبين في هذا منها في أبيات جميل. هذا، والتسامي بالشوق فوق رغبات الغزل مما يباعد صاحبه عن رمزية الحمام حتى في البكاء، لما يخالطها من ألوان الخصوبة الجنسية، وبهجة المرح اللاهي. وقد نظرت في الذي اختاره أبو تمام من نسيب في كتاب الحماسة فلم أجد فيه ذكر الحمام إلا قول النصيب: كأن القلب ليلة قيل يُغدي ... بليلى العامرية أو يراح قطاة عزها شرك فباتت ... تُجاذبه وقد علق الجناح لها فرحان قد تُركا بوكر ... فعشهما تصفقه الرياح إذا سمعا هُبوب الريح نصًا ... وقد أودى بها القدر المتاح وهذا معنى هديلي صرف وعاطفة الحنين فيه من الضرب الساذج. ومثله قول ابن حزام: كأن قطاة عُلقت بجناحها ... على كبدي من شدة الخفقان وأبو تمام إنما كان يختار عن تعمد وبعد تدقيق وأكثر ما أورده مما يسمو أو يتسامى فوق الرغبات الجنسية.

стр. 1097

وقد نظرت في شعر كثير فوجدته قليل التعرض لشوق الحمام، وقد خلت منه تائيته: خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت ولاميته: ألا ودعا ليلى أجد رحيلي ... وآذن أصحابي غدًا بقفول وقد كان كُثير يصطنع صدق الصبابة ويعمد إلى التسامي بها ويستقصي ألوان المعاني المتصلة بالوجد وإخلاص الهوى، وما أرى إقلاله من ذكر الحمام إلا مُتعمدًا. ومما يوحي بتعمد كثير الإقلال من التشبيه بالحمام في معرض الشوق، أنه حين يذكره يفعل ذلك في معرض الوصف لا يكاد يعدوه، كقوله يذكر الدمن: إذا ما علتها الشمس ظل حمامها ... على مُستقلات الغضى يتفجع وهذا من غريب ما جاء في نعت غناء الحمائم. يزعم كُثير أنهن ينحن من ذكرى أشباههن من الحسان اللائي ظعن فهن مستقلات ركائبهن بين الغضى. وإنما دعا إلى ذكر الحمام ههنا ذكر الدمنة التي علتها الشمس وفيها الرماد، وبين الرماد والحمامة صلة واشجة كما سيرى القارئ فيما بعد إن شاء الله. وقال كثير من كلمة أخرى: إلى أُرك بالجزع من بطن بيشة ... عليهن صيفي الحمام النوائح وههنا تعليل آخر لنوح الحمام- وذلك أنه يبكي على ذهاب الربيع وحلول الصيف، وقد كشف هذا المعنى حميد بن ثور في ميميته، وسنذكر منها إن شاء الله. والقول برأي قاطع في هذا الباب مما يعسر، ولكن هذه حدوس تطرأ على بال الناقد، وعسى أن يكون ذكرها مما يعين.

стр. 1098

وشعراء النسيب من أمثال جرير أكثر نعتًا لبكاء الحمام في معرض الشوق من «عُذريي» الحجاز ومن لف لفهم. وأحسب سبب ذلك أن هؤلاء لا ينحون إلى دعوى التسامي المحض، وإنما أربهم إظهار الصبابة والصدق فيها مع العفة التي تذود الرغبات ولا تزعم أنها تتسامى فوقها. ومن أجل هذا تجد اللوعة عندهم أقوى وأحر، ويخالطها ما يخالط كل تغن بالنساء من بهجة ونشوة وطرب. وعندي أن مذهب هؤلاء أصدق في حاق العذرية من مذهب التسامي الذي في أبيات ابن مسعود، والله تعالى أعلم. ولأمر ما أخذ الشعراء بهذا المذهب الملتاع، الذي لا ينكر «الجنس»، ولكن إنما يتفجع على الحرمان، ويناغي وهو في قيده أطياف الوصل والمنالة، قال توبة بن الحمير: حمامة بطن الواديين ترنمي ... سقاك من الغر الغوادي مطيرها أبيني لنا لا زال ريشك ناعمًا ... ولا زلت في خضراء دان بريرها فههنا ما شئت من بهجة ونعومة وخصوبة وغزل منطلق العنان، مع حنين ولوعة. وكأن كل ذلك إنما هو حكاية للوعة الحمامة وبهجتها ورشاقتها وجمالها حين تتغنى. وقد كان توبة بن الحمير شاعرًا جزلاً، وفتى فتيان فحلاً، ولم يكن غرامه بليلي الأخيلية، في شرفه وعفته، مجردًا صوفي المنحى، وإنما كان تعلق عاشق بمعشوقة، عشق رجل لامرأة، من صنف الغرام البدوي الذي يفرض العفاف على أصحابه وازع المروءة والأمانة والصون والحصانة، ومما يدلك على نحو من هذا الذي نقوله، كلمة توبة: وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تُقاها أو عليها فُجورها ومما يروونه من شعر ليلى الأخيلية في هذا المعرض قولها: وذي حاجة قُلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وحليل

стр. 1099

وهذا كما ترى نفس صادق حر لا يصدر مثله إلا عن صادقة حرة. وكلمة حميد بن ثور مما يكشف حقيقة اختلاط جانبي الغزل والحزن في نعت الحمام. وقد استهلها بما ينبئ عن هذا المعنى حين انتقل من نعت الظعينة إلى نعت الورقاء (ديوانه، دار الكتب، ٢٤ فما بعدها) وذلك حيث يقول: وما هاج هذا الوجد إلا حمامة ... دعت ساق حر ترحة وترنما وساق حر ههنا الصوت، والترحة تشعر باللوعة والترنم يشعر بالنشوة. ثم أخذ حميد يصف الحمامة، فذكر أنها حماء العلاطين، وأنها قامت على عسيب لدن فهو بها يهتز، ثم وصف طوقها الذي وهبه إياها الله زينة دائمة بدعوة سيدنا نوح فيما زعموا كما مر بك فقال: تُطوق طوقًا لم يكن من تميمة ... ولا ضرب صواغ بكفيه درهمًا وكأنه هنا يفضل طوق الحمامة الطبعي الذي صاغه الله، على أطواق الفتيات التي إنما يصوغها الصواغ. وقد حاول إلى عكس هذا المعنى أبو العلاء في أبيات سنذكرها إن شاء الله حيث قال: ظلمن وبيت الله كم من قلائد ... تُوازرها سُور لهن وأحجال ثم وصف عشها وانتقل منه إلى صفة الفرخ. وهنا حيث يرجع إلى الأصل الهديلي: فلما اكتسى ريشًا سُخامًا ولم يجد ... له معها في باحة العش مجثمًا أي لما اكتسى الفرخ ريشًا لينًا وأحس أنه كبر، وأن باحة العش قد جعلت تضيق به أن يجثم مع أمه، خرج فصادف الدواهي- وفي هذا من الكناية ما فيه، كما ترى: أتيح له صقر مُسف فلم يدع ... لها ولدًا إلا رميمًا وأعظما

стр. 1100

وهذه القصة التي تقدمت في حديثنا عن الهديل، وجعلها حميد علة لبكاء الحمامة ومناحتها وغنائها: فأوفت على غُصن ضُحيا فلم تدع ... لنائحة في شجوها مُتلومًا والموازنة بين الحمامة والنائحة ههنا تدخل على الصورة عنصرًا من التخرق الذي لا يخلو أن تلمح فيه روحًا من تبرج الغزل. مُطوقة خطباء تصدح كلما ... دنا الصيف وانجال الربيع فأنجما وههنا ضرب من تفسير للرمزية التي تقدمت. إذ قد جعل حميد حمامته من شأنها أن تبكي على انجيال الربيع وانجامه، وإظلال الصيف بسمائه وحره وجهامه. وكأن الفرخ الذي افترسه الصقر، إنما هو رمز للربيع ورفهه وما يقع فيه من ألفة وحسن مرتع، والصقر كناية، عن الصيف وما يكون فيه من تلويح وتطويح. وكأن بكاء الحمامة على فرخها إنما هو بيان عما يكون في نفسها من بقايا نشوة الربيع، وما أحرزت فيه من لذات الهوى، وما يشوب ذلك من شوائب خوف الضيق وما سيؤول إليه حالها من طلب الورد، واقتحام المفاوز، والتعرض للخطر والموت: إذا شئت غنتني بأجزاع بيشة ... أو النخل من تثليث أو من يبنبما وهذه المواضع التي يذكرها الشاعر هي المواضع التي يحن إليها هو. ولك في تأويل البيت وجهان، إما أن تقول معناه إذا شئت ذهبت إلى هذه المواضع فغنتني فيها الحمامة، إذ هذه من مواضع يكثر فيها الحمام، أو تكون هذه من مواطن أحبابه فهو يرود إليها. وإما أن تقول معناه إذا شئت غنتني هذه الحمامة بذكرى أجزاع بيشة ونخل تثليث ونخل يبنبم، وكلا التأويلين يحملان معنى الحنين إلى هذه المواضع، كما ترى. والترنم الذي في بيشة وتثليث ويبنبم، ولا سيما يبنبم لا يخفى. عجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحًا ولم تفغر بمنطقها فما

стр. 1101

وقد دار حول هذا المعنى شعراء كثيرون على رأسهم من المحدثين أبو تمام حيث وصف المغنية الفارسية فقال: ومسمعة يحار السمع فيها ... ولم تُصممه لا يُصمم صداها مرت أوتارها فشفت وشاقت ... ولو يستطيع حاسدها فداها فما خلت الخدود كسبن شوقًا ... لقلبي مثل ما كسبت يداها وهذا معنى شريف. ولم أفهم معانيها ولكن ... ورت كبدي فلم أجهل شجاها وهنا حيث نظر إلى حميد: فبت كأنني أعمى معنى ... يُحب الغانيات ولا يراها وهذا بيت مشكل من حيث الذوق، وحذاق المعاني مما يستحسنونه. وفي النفس منه شيء ووددت لو خلت منه هذه القطعة الرائعة. وقد تبع المتنبي سبيل أبي تمام هذه حيث قال، وجمع بين الحمام والقيان على وجه الموازنة: منازل لم يزل منها خيال ... يُشيعني إلى النوبنذ جان إذا غنى الحمام الورق فيها ... أجابته أغاني القيان ومن بالشعب أحوج من حمام ... إذا غنى وناح إلى البيان وقد يتقاربا الوصفان جدًا ... وموصوفاهما مُتباعدان وهذا البيت كأنه رد على أبي تمام وعلى حميد بن ثور معًا، إذ أبو الطيب يثبت للحمامة صفة البيان، كما أثبتها لها حميد، ولكنه ينفي عنها العجمة، ولا يثبت لغناء الفارسيات، إلا أنه مجاوبة للورق، والمتنبي ههنا صادق إذ صوت الورق الذي شوقه

стр. 1102

دون أصوات القيان، والعجب له كيف جسر على هذا وهو يمدح أميرًا فارسيًا. والآن نعود إلى ما كنا فيه من ميمية حميد، قال: عجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحًا ولم تفغفر بمنطقها فما فلم أر محزونًا له مثل صوتها ... ولا عربيًا شاقه صوت أعجما كمثلي إذا غنت ولكن صوتها ... له عولة لو يفهم العود أرزما والعود بفتح العين وسكون الواو بعيره. وقوله فلم أر محزونًا، فيه رجعة وتوضيح لما كان استهل به من قوله: وما هاج هذا الوجد إلا حمامة ... دعت «ساق حُر» ترحة وترنما تم هو مع البيت الأخير كأنهما تلخيص لكل الذي قلنا به وقالته الشعراء من أمر امتزاج عنصري البهجة واللوعة والغزل في نوح الحمامة. والشاعر كما ترى يعجب من تخزقها بالشدور والغناء والطرب على ما كان من ثكلها المر وأساها. ثم هو يذكر كيف قد استجاب لها بالنشوة والطرب على جهله بحقيقة معاني ما تقول، أهي تأبين أم هي هزج منتش غزل، أم هي مزيج من كل ذلك، ومهما يك من شيء فإن لصوتها لوعة لا يكاد يبلغ مداها، وقد فهمها وأدرك تسرها، ولو قد فهمها بعيره لشارك الحمامة في نوحها بعولة مثلها وارزام. ولا أرتاب أن أبا الطيب قد فطن لهذا المعنى الأخير من قول حميد في أبياته حيث قال: إذا غنى الحمام الورق فيها ... أجابته أغاني القيان فجعل القيان الفارسيات أذكى شيئًا من بعير حميد الذي لم يرزم. هذا وأرى أن إفصاح حميد عن حقيقة الطبيعة المزدوجة في نوح الحمام، هكذا إفصاحًا لم يكد يسبق إليه أو يُدرك، هو السبب في أن النقاد مما يقدمون أبياته هذه، ويختارونها أول ما يختارونه في

стр. 1103

صفات غناء الحمام، وقد ذكرها المبرد في كامله. هذا، ولجرير كلمات حسان في نوح الحمام لا يقصرن عن شأو حميد وقد يبارينه، مزج فيهن مزجًا محكمًا بين معنى المأساة الذي في قصة الهديل، وبين سائر ما يتصل بالحمامة من معاني الخصوبة والسقيا والخفة والرشاقة والألفة، وهلم جرا. وجرير يوجز ويومئ ولا يطيل ولا يفصل في النعت. وهذا مما يزيد في قوة بيانه، ويجعله ذا أثر فعال، حافلاً بدقائق الإشارات، وخفي الكنايات عن شتى مكنونات ألوان الغزل والوجد والحرمان والرغبات الممنوعات. قال في إحدى ميمياته: تركته مُحلئين رأوا شفاء ... فحاموا ثم لم يردوا وحاموا فلو وجد الحمام كما وجدنا ... بسلمانين لاكتأب الحمام أما تجزينني ونجي نفسي ... أحاديث بذكرك واحتمام ولا يخفى التشهي الممازج للظرف والرقة ههنا. وقال من أخرى: سقى الأدمي بُمسبلة الغوادي ... وسلمانين مُرتجزًا رُكامًا سمعت حمامة طربت بنجد ... فما هجت العشية يا حماما مُطوقة ترنم فوق غُصن ... إذا ما قُلت مال بها استقاما سقى الله البشام وكل أرض ... من الغورين أنبتت البشاما أُحب الدار من هضبات غول ... ولا أنسى ضرية والرجاما وهذا الشعر مما يعجز عنه التعليق. وقد جعل جرير حمامته ههنا طربة غزلة حنانة فجمع بين سائر أصناف ما قدمنا من أصول رمزيتها -ولا يخفى عليك بعد مكان الحلاوة والوجد العميق- وإنما الحمامة ههنا ذكرياته وخطرات قلبه ورغباته هو، ولا غرو أن الشاعر من أجل هذا كله قد خاطبها، كما يخاطب الصديق، وتلطف وترفق

стр. 1104

في خطابها فرخم اسمها ولم يخل معها من فكاهة ومزاح، وختم ذلك كله بالسقيا لها وللبشام الذي تصدح عليه وللديار التي ذكرها قريب من نفسه وعهدها حبيب إلى فؤاده. وقال من كلمة أخرى: بعيني من جار على غُربة النوى ... أراد لسلمانين بينًا فودعا لعلك في شك من البين بعدما ... رأيت الحمام الورق في الدار وُقعا كأن غمامًا في الخدور التي غدت ... لنا ثم هزته الصبا فترفعا والبيت الثاني محل للنظر والتأمل. إذ الحمام رمز للرجاء، كما هو رمز للشجو والأسى. وظاهر عبارة الشاعر ههنا قد يفهم منه أنه جعل من الحمام علمًا للبين كالغراب. وقوله «لعلك في شك من البين» معناه الحقيقي «لا تشك يا هذا في البين». والحق أن أطراف العواطف عند الشعراء كثيرًا ما تصير الضد إلى ضده، وقد سبقت منا الإشارة إلى هذا- كتصيير الحمامة ههنا شيئًا من قري الغراب. وكتصييرها في قول صخر الغي: وما إن صوت نائحة بليل ... بسبلل لا تنام مع الهجود شيئًا بين المرأة الثكلى والبوم أخي السهر والبين والتشاؤم. وكالذي صاره الصقر وهو المفترس رمزًا للرجل وهو المحب. وكتشبيه الفرس بالصقر والمذهب تشبيهها بالحمامة وقد مر بك قول الحرث اليشكري: فكأنهن لآلئ وكأنها ... صقر يلوذ حمامه بالعرفج وأصله من قول امرئ القيس: كأني بفتخاء الجناحين لقوة ... صيود من العقبان طأطأت شملالي تخطف خزان الأميعز بالضحا ... وقد جُحرت منها ثعالب أورال

стр. 1105

وإنما شبهت الفرس بالحمامة في النجاء فحين صارت إلى الصيد والافتراس كان ذكر الصقر أشبه. وأبين من قول جرير في نسبة الغرابية إلى الحمامة قول جحدر، على أن جحدرا لم يغفل فيه من نسبة الحمامة إلى الوجد والطرب وحسن الشدو: ومما هاجني فازددت شوقًا ... بُكاء حمامتين تجاوبان وهذا، كما ترى، أصدق في معنى البهجة والغزل من جعلها حمامة واحدة، على أن القماري من الحمام خاصة، وهن أشجاهن، بل أحسبهن هن المعنيات، من أكثر ما يغنين فرادى: تجاوبتا بلحن أعجمي ... على غُصنين من غرب وبان فكان البان أن بانت سُليمى ... وفي الغرب اغتراب غير دان وههنا محل استشهادنا. وفي البيت قبله نظر إلى حميد بن ثور: أليس الليل يجمع أم عمرو ... وإيانا فذاك لنا تدان نعم وترى الهلال كما أراه ... ويعلوها النهار كما علاني فما بين التفرق غير سبع ... بقين من المُحرم أو ثمان فيا أخوي من كعب بن عمرو ... أقلا اللوم إن لم تنفعاني إذا جاوزتما سعفات حجر ... وأودية اليمامة فانعياني وكان جحدر حين قال هذا، في سجن الحجاج فيما ذكروا، وكان يترقب أن يُفتك به. هذا، وقد افتن المولدون بعد الشعراء الإسلاميين، أيما افتنان في التغني بالحمام في باب النسيب وما يجري مجراه. على أن أكثر ما قالوه لا يخلو من نظر، إما إلى جرير، وإما إلى حميد بن ثور. ومما رواه الجاحظ- وله باب مستفيض في الحمام في

стр. 1106

كتابه الحيوان لجهم بن خليفة يقلد مذهب حميد بن ثور: قوله: وقد شاقني صوت قمرية ... طروب العشي هتوف الضحا من الورق نواحة باكرت ... عسيب أشاء بذات الغضى تغنت عليه بلحن لها ... يُهيج للصب ما قد مضى مُطوقة كُسيت زينة ... بدعوة نوح لها إذ دعا فلم أر باكية مثلها ... تبكي ودمعتها لا ترى أضلت فُريخًا فطافت له ... وقد علقته حبال الردى فلما بدا اليأس منه بكت ... عليه وماذا يرد البُكا وقد صاده ضرم ملحم ... خفوق الجناح حثيث النجا وهنا كما ترى إلمام بأطراف ما حول الحمامة من أساطير وأحسب أن الجاحظ إنما اختار هذه الأبيات من أجل هذا، وهي سلسة رشيقة، ولكن لضوء الشمع وكد الذهن عليها أثرًا لا يخفى، فذلك يهبط بها شيئًا عن ذروة مرقاة الإجادة، والله أعلم. ويعجبني قول أبي تمام، وفيه نظرة الناقد، ودقة المفكر، وهو على كونه صاحب صناعة ممن تشفع له ملكته النادرة؟ قال: أتحدرت عبرات عينك أن دعت ... ورقاء حين تضعضع الإظلام لا تشجين لها فإن بكاءها ... ضحك وإن بكاءك استغرام هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حِمام وكأن هذه الأبيات الثلاثة اختصار بليغ لجميع ما كنا نحن فيه. وأحسب أن المعري قد نظر إلى مذهب أبي تمام في البيت الثاني مما تقدم، في لاميته «مغاني اللوى» حيث قال:

стр. 1107

وغنت لنا في دار سابور قينة ... من الورق مطراب الأصائل ميهال رأت زهرًا غضا فهاجت بمزهر ... مثانيه أحشاء لطفن وأوصال فقلت تغني كيف شئت فإنما ... غناؤك عندي يا حمامة إعوال وتحسدك البيض الحوالي قلادة ... بجيدك فيها من شذى المسك تمثال ظلمن وبيت الله كم من قلائد ... توازرها سور لهن وأحجال فوالله ما تدري الحمائم بالضحا ... أأطواق حُسن تلك أم تلك أغلال ومن طريقة المعري أن يضمن شعره غير قليل من نظراته وآرائه في نقد مذاهب الشعراء وتحليلها وتعليلها، وكتابه رسالة الغفران يشهد بهذا ونحوه من مذهبه ولذلك كثر استشهادنا به في استعراضنا واستقرائنا لما نحن بسبيله. وللمعري أبيات من كلمة ميمية (في ديوانه لزوم ما لا يلزم ٢ - ٢٤٤) على روى حميد بن ثور، لا ريب أنه جاراه بها، ذكر فيها غناء الحمام ولم يخل فيها من تحليل مذاهب الشعراء في هذا الباب. ولا بأس بالاستشهاد ببعضها ههنا؟ قال: أعكرم إن غنيت ألفيت ناديا ... فلا تتغني بالأصائل عكرما وعكرم ترخيم عكرمة والعكرمة الحمامة، وفي هذا البيت نفس من معنى أبي تمام كما ترى. بنظم شجا في الجاهلية أهلها ... وراق مع البعث الحنيف المخضرما وهذه إشارة إلى صخر الغي وأضرابه في الجاهلية وحميد بن ثور وأضرابه من أوائل الإسلاميين وقد كان حميد مخضرما، ومما يدلك على إعجاب المعري به أنه ذكره في رسالة الغفران وأدخله الجنة مع عوران قيس ووهب له ولهم عينين كأحسن ما تكون العيون. وقد هاج في الإسلام كل مولد ... وأطرب ذا نسك ومن كان مُجرمًا

стр. 1108

وهذا بيت شامل. وأحسبه عني بذي النسك أمثال جرير وبالمجرم جحدرًا إذ قد كان لصا. وعسى أن يكون لم يخل من إشارة إلى الوليد بن يزيد وعبثه حيث يقول: خبروني أن سلمى ... خرجت يوم المصلى فإذا طير مليح ... فوق غصن يتفلى على أن طير الوليد ههنا قد يكون شيئًا غير الحمام، مما تقتنيه الملوك في بساتينها من نوادر ذوات الريش. والله أعلم أي ذلك كان. ونعود إلى ميمية المعري: لك النصح مني لا أُغاديك خائنًا ... بمكر ولكني أُغاديك مكرمًا وموضع الجناس الناقص في المكر والمكرم لا يخفى؟ ويشير المعري هنا إلى ما كان يراه من تحريم اللحم وإفساد الصورة. ثم يأخذ بعد في ذم ما يفعله الناس من صيد الحمام، في أسلوب ساخر، يلمح فيه من مكان خفي إلى قصة الرمز فيما بين الصقر والحمامة، ثم يذكر المشهور من نعت الناس لأطواق الحمائم بالحسن كما رأيت في ميمية حميد وفي لاميته هو وفي كثير غير ذلك، وهم مع هذا لا يستنكفون عن أن ينصبوا الأشراك لتفسد مواضع هذه الأطواق وتشوهها بقبح الموت والدم. إذا ما حذرت الصقر يومًا فحاذري ... أخا لإنس أيامًا وإن كان محرمًا وهنا موضع الإشارة إلى ما ذكرناه من رمزية الحمام والصقر، وإن تذكرت أن الحمامة كناية عن المرأة والصقر كناية عن الرجل، فهذا البيت جار على المعروف من مذهب المعري في كراهية الحج للنساء- قال: أتت خنساء مكة كالثريا ... وخلت في المواطن فرقديها ولو صلت بمنزلها وصامت ... لألفت ما تُحاوله لديها ولكن جاءت الجمرات ترمي ... وأبصار الغُواة إلى يديها

стр. 1109

فالرجل كما ترى ليس بمأمون حتى في الحرم. يصوغ لك الغاوي قلادة هالك ... من الدم تُخبي وجدك المُتضرما وهذا معنى حسن جدًا فيه مع السخرية استشعار عميق للأسى وحسرة حري على مصير جذوة الفن المشتعلة في صدر الحمامة حين يتاح لها صائد الأنس فيخمدها بصنيعه البشع. وإلى قريب من هذا المعنى ذهب الأستاذ عباس محمود العقاد حيث يقول: أين الحمائم تشدو في خمائلها ... من الحمائم يشويهن مبطان وهنا كما ترى أيما ازدراء للتناقض الآدمي بين طرفي الطرب والنهم والفن والفدامة، وصورة محزنة لبهجة الطبيعة الثملة حين يرى الإنسان وهو يسعى إليها بشرك ليزيلها أن الإنسان لكفور مبين. ثم يقول المعري في تفصيل أصناف ما يقترفه الناس من جرم: وكم سحتت كفاه مثلك في ضُحا ... شبيبتها، إذ لم تر الدهر مُهرما وراع بفهر من جناحك آمنًا ... فظل على الرئيس النهوض مُحرمًا وهنا إلمام بمعنى الراعي في قوله: «كهداهد كسر الرماة جناحه». وقد يبرم الحين القضاء بناشئ ... يُراوح خيطًا شده بك مُبرمًا كما قيد السلطان حلف جناية ... ليقتص منه أو ليغرم مغرمًا وهذه صورة دقيقة للأطفال حين يعبثون بتعذيب صغار الحيوان، يتوهمون وهم يفعلون ذلك أنهم سلطان أو جند سلطان، ويجدون لما يفعلونه لذة القسوة، ونشوة السطوة والقدرة. ولو قد قدروا على تعذيب بعضهم بعضًا على نحو من هذا النحو لفعلوا. ولا يخلو المعري ههنا من لوم للسلطان وعطف على الجاني الذي يقتص منه- كأن السلطان يضرب، بما يصنع، قدوة من العنف يقتدى بها من دونه حتى الأطفال.

стр. 1110

أو كأنه يلوم السلطان على ما عسى أن يحسه من لذة الصولة -كما يحس الطفل تلك اللذة- حينما يعمد هو إلى إيقاع عقوبة من هذه العقوبات الشديدة التي تقتضيها ضرورة العدل. فكيف تكون لعمري منزلته من الإثم إذا أوقع بغير ذي جناية فأحس لما يفعله من ظلم لذة الصولة ونشوة الملك. وهذان البيتان فيما أرى دقيقان في كلا فني التربية وعلم النفس فليتأملا. فزوري وبار القفر من كل وابر ... وإلا فرومي خلف ذلك مخرمًا أكوني في القفر مع الوبار خشية من كل وابر أي كل إنسان: بحيث تُوافين الصحابي مُعوزًا ... من الناس والماء السحابي خضرما وهذا هو المستحيل وحُلي بقاف إن أطقت بُلوغه ... فأفني لديه عُمرك المُتصرما ولا أستبعد أن يكون المعري كني بالعكرمة عن نفسه في هذه الأبيات: هذا والمشهورات في الحمائم وما إليها من أشعار المحدثين قبل المعري وبعده أكثر من أن نستشهد بها في هذا الموضع، وفيها ما قدمناه من محاكاة حميد وجرير أو مجاراتهما. ومن ذلك كلمة أبي فراس: أقول وقد ناحت بقربي حمامة ... أيا جارتي هل تشعرين بحالي وهي تنظر إلى كلمة عوف بن محلم التي يقول فيها: وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح ومن هذا المجرى ايكية الطغرائي ونائج الطلح الذي في نونية شوقي يا نائح الطلح أشباه عوادينا وقد جعل شوقي ﵀ حمامته النائحة هي نفسها التي وقع عليها الافتراس أما من الصقر وأما من كيد الرماة، وهذا أشبه، وذلك حيث يقول: ماذا تقص علينا غير أن يدًا ... قصت جناحك جالت في حواشينا

стр. 1111

وعسى أن يكون النائح ههنا فرخا على مذهب الراعي: كهداهد كسر الرماة حناحه ... يدعو بقارعة الطريقة هديلاً ولم يرد الراعي بالهديل غير الزقاء كما قدمنا لك أو أراد أبا الهداهد وأمه، فنسبة النوح المشجي المطرب على الطلح من ذي جناح مقصوص كما فعل شوقي ههنا كما قدمنا لك موضع نظر. والشيء قد يشبه الشيء وليس به، أو كما قال أبو الطيب: وقد يتقارب الوصفان جدًا ... وموصوفاهما مُتباعدان والله تعالى أعلم. وجارى محمد بن الطلب اليعقوبي، أحد أدباء شنقيط، ميمية حميد بن ثور مبميمة مثلها، قال صاحب الوسيط في تراجم أدباء شنقيط (مصر ١٩٦١ ص ١١٨): «وقال يومًا في مجلس أنشد فيه ميميته، أرجو من الله أني أنا وحميد بن ثور ننشد قصيدتنا في ناد من أهل الجنة فيحكمون بيننا. وها هي ميميته: تأوبه طيف الخيال بمريما ... فبات معنى مُستجنا مُتيما ثم استمر صاحب الوسيط في القصيدة كلها وأتبعها ميمية حميد. وميمية ابن الطلب فصيحة تنحو طريقة ابن دريد، وقد جارى فيها صاحبها ميمية حميد في نعت البازل وذكر المحبوبة وضرب بعض الحكم وشيء من الفخر وذكر الظليم وبيضه ولكنه غفل من ذكر الحمامة غفلة واحدة- ولم يصب في كل ذلك إلا طرفًا من غبار

стр. 1112

حميد، ولكل مجتهد نصيب. هذا ويعجبني من أشعار المولدين في الحمام خاصة بعض ما يقع لمداح الرسول ﵊ من هذا المعنى في معرض النسيب كقول عبد الرحيم البرعي ﵀ (١): فيا حمامات وادي ألبان شجوك في ... ظل الأراك شجاني يا حمامات ويا أثيلات نجد ما لعبت ضُحى ... إلا لعبت بقلبي يا أُثيلات تهيج لوعة قلبي المُستهام إذا ... هبت بنشر الصبا النجدي هبات فكيف حال بعيد الدار مُغترب ... له إلى الشام حنات وأنات وقوله: سمعت سُويجع الأثلات غنى ... على مطلولة العذبات رنا أجابته مُغردة بنجد ... وثنت بالإجابة حين ثنى وبرق الأبرقين أطار نومي ... وأحرمني طُروق الطيف وهنا ذكرت أحبتي وديار أُنسي ... وراجعت الزمان بهم فضنا وأثر حرير ظاهر ههنا على ما بين الرجلين من تفاوت. وفي نمط البرعي شجن خال كل الخلو من جنسية الغزل، ولا غرو فقد كان الرجل الصالح إنما يخن إلى روضة الرسول وشهود حضرته. وقريب من مذهبه هذا ما طلبه العذريون الأولون فخلجتهم أن يبلغوه حقًا خوالج ما كانوا يدافعونه أو يمارون فيه من رغبات الحس، إذ كانوا إنما يتغنون بالنساء، وما تحاموا الحمائم ما استطاعوا فيما نراه في ضوء الذي بلغنا من أشعارهم، إلا لحسبانهم قوة دلالة الحمامة على الأنثى، كما قدمنا لك. ومهما يكن من شيء فإنه لا يقدر من يتغنى بامرأة أو نحوها أن يبلغ حاق الروحانية وأن

стр. 1113

واجتهد. وقصارى ما يقدر عليه وهو صادق أن يقول كما قال جرير: نرى شربًا له شُرع عذاب ... فنمنع والقلوب له صوادي وهذا مذهب المجيدين من العرب كما سترى إن شاء الله. وهو لعمري مرتقى صعب. ولا أحسب كثيرًا من الأشعار الروحانية المحضة، وإن تأتت لها مثل جزالته، وذلك فرض بعيد، ببالغة مبلغه، ذلك بأن أسرار الاعتراف هي في ذاتها درجة في درجات الروحانية الرفيعة جدًا. وإن لكل مقام مقالاً، والله تعالى أعلم. الأثافي والرماد والحمام من حق الأثافي والرماد أن يذكرن مع الديار. ولكنهن متصلات الرمزية بالحمام وبالنار وبسائر ما تقدم فلذلك أرجأنا الحديث عنهن إلى هذا الموضع. وإنك قد تعلم أنهم مما يسمون الحمامة ورقاء يعنون لونها الرمادي، ومما يقولون للرماد أورق يعنون لونه الضارب للسواد كلون الحمامة. وقال المعري: وشكلين ما بين الأثافي واحد ... وآخر مُوف من أراك على فرع أي رب شبيهين أحدهما بين الأثافي، والآخر على فروع الأراك. فأما الذي بين الأثافي فالرماد، وأما الذي على فروع الأراك فالحمام. ولا أرى أن المشابهة الحسية في اللون وحدها هي السبب في القرن بين معنى الرماد ومعنى الحمام على هذا النحو الذي ذكره المعري من مذهب العرب، إذ أنت مثلاً لا تشبه نور القمر بالبرص لمجرد وجود البياض في كل. وعندي أن رمزية الحمام التي قدمنا، وصلة الرماد بالأثافي، والأثافي بالمرأة من حيث أن المرأة تعالج القدر، قال الآخر: وإذا العذارى بالدخان تلفعت ... واستعجلت هزم القدور فملت

стр. 1114

ومن حيث إن الرماد والأثافي من معالم الدار، والدار مما يرمز به لعهد المرأة، ومن حيث إن الرماد بقية النار، والنار من رموز المرأة- كل هذا عندي هو سر القرن بين الرماد والأثافي والحمام في بيان الشعر العربي وكناياته. وفي القرآن: «إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة» وفسرت النعجة بالمرأة وقال عنترة: يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم وقد شبهت اليهود الجيد ببرج داود، وما ذاك إلا أنهم استحسنوا براعة طوله وملاسة جانبه، كما شبهوا فروع النساء بشعور المعزى. وغير هذا كثير. فإن كان نظراء العرب المقاربو الحضارة من الساميين كاليهود قد أغربوا كل هذا الأغراب، فهل بدع أن يربي العرب عليهم أو يماثلوهم أو يسلكوا سبيلاً تشبه سبيلهم من البيان، سبيلاً يكون فيها لتداعي المعاني بين أصناف ما يألفون من قليل المتاع أعظم نصيب- بحيث يدور اللفظ الواحد ذو المدلول الواحد في ألوان التشبيه والاستعارة ضروبًا كثيرة من الدوران حتى تعدد معانيه ومدلولاته آخر الأمر، أما على سبيل الاصطلاح اللغوي الواضح وأما على وجه الرمز والكناية الخفية، وأحسبك تذكر أيها القارئ الكريم ما كنا قدمناه من تشبيه النابغة للشفتين بقادمتي الحمامة حيث قال: تجلو بقادمتي حمامة أيكة ... بردًا أسف لثاته بالإثمد وقول الآخر: كنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثتين عصف الإثمد وكان من تحت كل هذا ما قدمناه، وما ليس بغائب عنك من رمزية الحمامة وخصوبة الأنثى. وعسى أن تذكر ما كنا قلناه من ناحية الشبه المحسوس في الشفة والحمامة، إذ

стр. 1115

قلنا أن للشفة الممتلئة هيئة لا تخلو من مماثلة الحمامة، وأن يك معنى الخصوبة هو أساس التشبيهات التي وردت في هذا المعنى. وعسى أن تذكر أيضًا ما بدأنا به الحديث في رمزية الديار من قولنا أن العرب كانوا يصفون المرأة يصف البيت، يقولون امرأة مثفاة يعنون أن لها ضرتين. فإذا ذكرت هذا كله، أفلا تظن معنا أن العرب مما كانوا يقرنون بين ما ألفوه من تشبيه المرأة بالحمامة، ثم الحمامة بالرماد، ثم الرماد بالأثفية من طريق تداعي المعاني؟ أم بعيد أن يتمثلوا في الأثفية نفسها شبها من المرأة، لكونها من الدار؟ أو شبها من الحمامة لأنها -أي الأثفية- جارة لورقاء الرماد؟ أو شبها من الشفة لأنها تكتنف الرماد هي وصاحبتها الأثفية الأخرى، كما تكتنف الشفتان لعس الفم وتحتويان على موارده، وكما يكتنف جناحا الحمامة الفرخ ويتعطفان عليه.؟ والعرب مما تكثر من ذكر الأثفيتين دون الثلاث، يستغنون بهما عن ذكر الثالثة فيما زعموا. قالوا: ذلك أن العرب أكثر ما كانوا يعتمدون الإناخة إلى جانب الجبل، فيجعلون صفا الجبل (أي حجارته- واحدتها صفاة) هي الأثفية الثالثة- ومن ذلك قولهم: رميناهم بثالثة الأثافي، يعنون الداهية، إذ ثالثة الأثافي منكب الجبل وجانبه في هذا القول. هذا وقال الشماخ بن ضرار: أمن دمنتين عرس الركب فيهما ... بحقل الرخامي قد أنى لبلاهما أقامت على ربعيهما جارتا صفًا ... كُميتا الأعالي جونتا مُصطلاهما وإرث رماد كالحمامة ماثل ... ونؤيان في مظلومتين كداهما أقاما لليلى والرباب وزالتا ... بذات السلام قد عفا طللاهما والبيت الثاني من شواهد النحاة في باب الصفة المشبهة. والثالث فيه ذكر

стр. 1116

النؤى وهو حاجز الدار من الماء، ونظر الشماخ في نعته هذا إلى النابغة حيث يقول: والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد والمظلومة هي الأرض الصلبة التي يحفر فيها وليست بموضع حفر. والكدى جمع كدية بضم الكاف وهي ما غلظ من الأرض. وقوله جارتا صفا أي جارتا جبل، أراد به الأثفيتين اللتين أقامتا في الدمنتين بعد أن فارقتهما ليلى والرباب، والصفا ثالثتهما كما مر بك. وقد جعل أعالي الأثفيتين ذواتي لون كميت، لأن القدر فوقهما تقيهما الدخان وإحراق النار، فلا يصيبهما غير تسفيع، فالكمته دليل على السلامة من النار شيئًا ما. وقد جعل أسافلهما جونا أي سودا، لشدة ملازمتها النار واصطلائهما بها. فإن صح ما افترضنا جوازه فيما مضى، من أن الأثفية قد يكون فيها شبه الحمامة، وشبه المرأة وشبه الفم، فهذا الذي قاله الشماخ غير بعيد جدًا من قول النابغة في ثغر المتجردة: كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي والشاهد ههنا جفاف أعالي الأقحوان وندى أسافله. فأجعل الكمتة في أعالي الأثافي بمنزلة هذا الجفاف، والسواد في أسافلها بمنزلة هذا الري. ولا إخال وجه الشبه، على بعده، يخفى عليك من بعد. ولعلك قائل فأين الماء من النار وأين الندى من سواد اللفح الذي ينشأ من ملازمة النار. والجواب عن هذا أن الشيء مما يشبه بضده، ولا سيما من حيث قوة تأثيرهما على ما يؤثران فيه. هذا وطرفة بن العبد يقول في نعت الثغر: وتبسم عن المي كأن مُنورًا ... تخلل حُر الرمل دعص له ندي سقته إياه الشمس إلا لثاته ... أسف ولم تكدم عليه بإثمد وإياه الشمس شعاعها. فجعل كما ترى ما على الثغر من بريق ولألاء كأنما

стр. 1117

سقنه به إياه الشمس. فأجعل سواد الأثافي سقيًا وريًا من هذا الضرب. على أنه مما يحسن أن يقال ههنا إن النار قد تكون رمزًا للشمس كما قدمنا، فأجعل سقيها للأسافل من الأثافي، هذا الذي نزعمه، من باب الخصوبة كسقي الشمس للثغر ومرادنا بعد واضح إن شاء الله. هذا وقول الشماخ «ارث رماد» فيه ما ترى من معنى البقية والتراث. وهذا يطابق ما قلنا به آنفًا من أن الرماد، وبقية النار، والنار نفسها كل ذلك رمز للمرأة وعلامة للشوق والهوى. فكأن الرماد ههنا كناية عما يتركه الفراق من الغبن والحسرة والألم بعد فراق الأحباب، وما يتركه لاعج الغرام من آسان وعقابيل ليس إلى أروائهن سبيل. هذا والأثافي مما تشبه بالنياق، لأنهن، فيما زعموا، مطايا القدر. والقدر فيها معنى الخصب، وهذا واضح. وعلاقة القدر بالدار والإقامة، وعلاقة المرأة بالقدر والدار وما يجري هذا المجرى كل ذلك واضح لا يخفى. وقد مر بك قول الآخر: وإذا العذارى بالدخان تلفعت ... واستعجلت هزم القدور فملت فجعل العذارى يلين أمر القدور زمان الشتاء، وذلك يكون قبل زمان الربيع، وفيه وبعده يكون الرحيل. هذا والنياق توصف بالعطف والحنين. قال متمم بن نويرة: وما وجد أظآر ثلاث روائم ... وجدن مجرًا من حُوار ومصرعًا يُذكرن ذا البث الحزين ببثه ... إذا حنت الأولى سجعن لها معا بأوجد مني يوم فارقت مالكًا ... وقام به الناعي الرفيع فأسمعا

стр. 1118

ولما جعل الشعراء من الرماد رمزًا للصبابة، وقل رسمًا ومعلمًا من معالم الصبابة وآثارها- تأمل قول الشماخ: وإرث رماد كالحمامة ماثل وربعًا من مرابع الحب وماضي العلائق وما هو من هذا القبيل، تأتوا فجعلوا من الأثافي، وهن معالم الدار، والدار من آثار الصبابة كما رأيت، نياقًا رائمات على هذا الرماد الرمزي، عاطفات عليه، ظائرات له. قال عدي بن الرقاع يصفهن: إلا رواكد كلهن قد اصطلى ... حمراء أشعل أهلها إيقادها كانت رواحل للقدور فعريت ... منهن واستلب الزمان رمادها وهذا موضع الشاهد لقولنا أن الأثافي بمنزلة المطايا من القدر. وقوله «واستلب الزمان رمادها» فيه إشارة إلى معنى الرأم والظأر، لأن العرب مما تسمى الناقة الفاقد سليبًا. وقد رأيت وصف متمم للسلب من الإبل في الأبيات الماضية، ولعلك أبهت إلى ما في ذكر الأظآر الثلاث من شبه الأثافي الثلاث. وقد أوغل عدي بن الرقاع كما رأيت في تصوير معنى الحسرة وطول البين، إذ زعم أن الزمان قد استلب حتى هذا الرماد، فلم يبق من معالم الصبابة إلا الأثافي سُلبًا من غير ما حوار يرأمنه ويتعطفن عليه. وفي معنى الظأر الذي تظأره الأثافي، باكتنافها الرماد، واحتباسها له من أن تذروه الرياح، يقول المخبل السعدي في ميميته المفضلية: وأرى لها دارًا بأغدرة السـ ... ـيدان لم يدرس لها رسسم إلا رمادًا هامدًا دفعت ... عنه الرياح خوالد سُحم وهن الأثافي. وللشريف المرتضى في أماليه مجلس صالح نفيس عقده للأثافي

стр. 1119

والنؤى وما بمجراها من آثار الديار فنحيل القارئ الكريم إليه (١). وقد نقتبس منه ههنا لتوضيح ما عسى أن يحتاج إلى توضيح مما نحن بصدده من المعاني، إذ لم نجد لغيره فيما اطلعنا عليه شيئًا مثله مجموعا في موضع واحد. فمن ذلك ما قاله الكميت بن زيد في معنى الظأر والعطف بمعرض الحديث عن الأثافي: ولن تجيبك أظار مُعطفة ... بالقاع لا تمك فيها ولا ميل ليست بُعوذ ولم تعطف على ربع ... ولا يُهيب بها ذو النية الأبل والعوذ الحديثة النتاج من الإبل. والربع ما نتج منها في الربيع. وذو النية من ينوي النجعة وطلب المرعى. والإبل الذي يحسن القيام على الإبل بوزن فرح بكسر الباء بعد همزة مفتوحة. وقد صرح الكميت ههنا بتشبيه الأثافي بالنوق الظؤار. ولذي الرمة في قريب من هذا المعنى: فلم يبق إلا أن ترى في محله ... رمادًا نفت عنه الحئول جنادله كأن الحمام الورق في الدار وقعت ... على خرق بين الظؤار جوازله وقد ذكر ذو الرمة ههنا الجنادل والحمائم والظؤار جميعًا، والحق أن الكميت وذا الرمة كليهما ممن يكون شعرهما بمنزلة الشرح والتفصيل لكثير مما يقع مجملاً، غامضًا أو كالغامض، في تضاعيف الشعر القديم. وليس ههنا موضع تفصيل الحديث عنهما غير أني أنبه القارئ الكريم إلى إتباع الكميت طريق اللغز في قوله: ليست بعوذ ولم تعطف على ربع كما انبهه إلى موضع «خرق» من كلام ذي الرمة، بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء بوزن فعل الذي للوصف، فقد شبه ذو الرمة الرماد كما ترى بالحمام. ثم عاد

стр. 1120

فشبهه تشبيهًا آخر بالخرق وهو الجؤذر الذي يغترق عينيه النعاس خرقًا منه وثملا بري الحياة. وقد ذكرنا لك آنفًا قول المرار: والضحا تغلبها رقدتها ... خرق الجؤذر في اليوم الخدر الظبي والجؤذر من كنايات الحسان كما تعلم. ثم إن ذا الرمة عاد مرة أخرى فركب التشبيه أيما تركيب وذلك بذكره الجوازل في آخر البيت. ويكون إجمال المعنى على هذا: «كأن الحمام الورق وقعت على هذا الرماد. وكأن هذا الرماد جؤذر خرق. وكأن له جوازل أي فراخًا- والجوازل أفراخ الحمام، قال الآخر: أريد أن أصطاد ضبًا سحبلا أو ورلا يرتاد رملاً أرملا قالت سُليمي لا أُحب الجوز لا ولا أُحب السمكات مأكلاً وهذه الجوازل التي هي جؤذر الرماد أو هي لجؤذر الرماد، تحنو عليها أظآر عاطفات رائمات من جنادل الأثافي. وقد جاء لفظ الحواضن، وهي في معنى الظؤار أو الآظار، جمع ظئر، في كلمة الراعي: وأورق من عهد ابن عفان، حوله ... حواضن ألاف على غير مشرب وراد الأعالي أقبلت بنحورها ... على راشح ذي شامة مُتقوب كأن بقايا لونه في مُتونها ... بقايا هناء في قلائص مجرب وقد اختلطت أوصاف النساء بأوصاف الحمام والإبل في كلمة الراعي هذه وقوله «وأوراق من عهد ابن عفان» نعت للرماد كما ترى، ولكن فيه كناية عميقة عن

стр. 1121

الصبابة الغابرة، وعسى الشاعر أن يكون أراد الكناية عن نفسه، التي صارت رمادًا أورق بعد عهد البين البعيد القصي، البين الذي كان من زمان ابن عفان- وأنت تعلم ما كان بعد مقتل عثمان ﵁ من تقويض الديار، ولحاق كل قوم بطائفة من طوائف القتال. وقد كان الراعي عثمانيًا زبيريًا فيما ذكر الرواة، وهو القائل في لاميته المجمهرة: قتلوا ابن عفان الخليفة مُحرمًا ... ودعا فلم أر مثله مخذولاً هذا، ونعته للأثافي بأنهن وراد، وهذا كقول الشماخ «كميتا الأعالي» فيه كالنظر الشديد إلى ما جاء من نعت الظعائن في معلقة زهير: علون بأنماط عتاق وكلة ... وراد حواشيها مُشاكهة الدم وقوله بنحورها فيه أشعار بنحو النساء أو نحور الإبل، وقد صرح بذكر الإبل وهي القلائص في بيته التالي، وشبه بقايا الدخان والرماد وأثرهما فيها، بالهناء الذي يوضع على الجرب من القلائص. ولعل في هذا نظرًا ما إلى قول امرئ القيس من اللامية: أيقتلني أني شغفت فُؤادها ... كما شغف المهنوءة الرجل الطالي وإن صح ما نزعم من أن الشاعر كنى بالرماد عن نفسه، فالراجح أن يكون في ذكره للأثافي نوع من الرمز إلى ما يرجوه من تعطف حبائبه النائيات عليه، أو ما هو بمجرى حبائبه من مواطن الأشواق، كأزمان الشباب مثلاً، وضوائع الآمال، إذ الأثافي كما قال حواضن وقال الراعي أيضًا يذكر الرماد: أذاع بأعلاه وأبقى شريده ... ذرى مُجنحات بينهن فُروج كأن بجزع الدار لما تحملوا ... سلائب وُرقًا بينهن خديج

стр. 1122

والمجنحات التي بينها الفروج هي الأثافي، وأجناحها ميلها، وذراها بفتح الذال جوانبها وكنقها. أي طارت أعالي الرماد ولاذ منه لائذ، كما يلوذ الشريد، بكنف الأثافي، فآوته وتعطفت عليه. والسلائب جمع سلوب وهي التي سلبها ولدها الموت أو شفرة الجزار ومن شأنها إذا رأت حوار غيرها أن تتعطف عليه تذكرًا لولدها وأسى عليه، والخديج ما أسقط من جنين لغير تمامه، وقد يخرج يشهق حينًا ثم يموت. والشاعر كما ترى بعد أن شبه باقي الرماد بالشريد حيث لاذ بكنف الأثافي فتحدبت عليه، عاد فشبه الأثافي بالسلائب التي تجد حوارًا خديجًا فتتحدب عليه وترزم حوله، فجعل الرماد منهن بمنزلة الخديج من السلائب كما ترى. والصورة تنظر بلا ريب إلى نحو قول متمم بن نويرة: وما وجد أظآر ثلاث روائم ... أصبن مجرًا من حوار ومصرعا يُذكرن ذا البث الحزين ببثه ... إذا حنث الأولى سجعن لها معًا إلى آخر ما قاله. ثم هي بعد ذلك تنظر إلى الأصل الهديلي، ونعت الشاعر لسلائبه بأنهن ورق، أن يك مراده الدلالة به على لونهن الرمادي الأوراق، مما يشعرك بمعنى الحمائم ولا يخلو من نفس تشبيه للإبل بهن. وإذا جاز تشبيه الأثافي بالحمام مباشرة أو من طريق تشبيههن بالأظآر من الإبل كما ههنا، جاز -كما قدمنا- تشبيههن بما تشبه به الحمائم كالمرأة والشفتين وهلم جرا. قال البعيث: ألا حييا الربع القواء وسلما ... ورسمًا كجثمان الحمامة أدهما

стр. 1123

وإنما أراد الأثافي والرماد، كقول الشماخ: وإرث رماد كالحمامة ماثل ... ونؤيان في مظلومتين كداهما وقال زهير يشبه الأثافي بالحمام: وغير ثلاث كالحمام خوالد ... وهاب مُحيل هامد مُتلبد والهابي الهامد المتلبد أراد به الرماد. وقال جرير (١): أمنزلتي هند بناظرة اسلما ... وما راجع العرفان إلا توهما كأن رسول الدار ريش حمامة ... محاها البلى فاستعجمت أن تكلما طوى البين أسباب الوصال وحاولت ... بكنهل أسباب الهوى أن تجذما كأن جمال الحي سربلن سانعًا ... من الوارد البطحاء من نخل ملهما وإنما سربلن الرقم ومن في الرقم من الحسان، شبه جرير كل ذلك بنخل ملهم وتمره الوارد البطحاء في موسم الحج. ولم يخل ههنا من نظر إلى نعت امرئ القيس لنخيل ابن يامن المكرعات في رائيته «سما لك شوق» - ونأمل أن نعرض لهذا المذهب بتفصيل في بعض ما يلي إن شاء الله. هذا وشاهدنا هنا تشبيه الرسوم بريش الحمامة، ذلك الذي تشبه به الشفتان كما رأيت، وما عنى جرير بالرسوم في قوله هذا إلا الأثافي والرماد. وقال الآخر: أثر الوقود على جوانبها ... بخدودهن كأنه لطم والمراد الأثافي، وتشبيههن بالنائحات اللواتي سفع خدودهن اللطم واضح كما ترى-

стр. 1124

فهذا نص في تشبيه الأنفية بالمرأة تصريحًا من غير حاجة إلى تلميح يتأول. وقال كثير عزة: أمن آل قيلة بالدخول رسوم ... وبحومل طلل يلوح قديم وليس كثير ممن يقول الدخول وحومل من دون تعمد إلى أن يذكرك ببيت امرئ القيس المشهور، فقد كان ﵀ صناعًا بعيد الغارات على أقوال من سبقوه، كثير التوليد منها: لعب الرياح برسمه فأجده ... جُون عواكف في الرماد جُثوم سُفع الخدود كأنهن وقد مضت ... حجج عوائد بينهن سقيم والجون والجثوم كلاهما من نعت القطا والقطا من الحمام. وقد جعل الأثافي سفع الخدود وهذا تأنيث لهن كما ترى. ثم احتال على معنى الطؤار فجعلهن كالعوائد والرماد بينهن كالسقيم. ولا يخلو قوله «عوائد بينهن سقيم» من التنبيه على هذه الحالة من حالات النساء بغض النظر عما تضمنه من التشبيه التقليدي. ولا يخلو من كناية للشاعر عن نفسه بالسقيم وعن من يحب بالعوائد، أو هن الأثافي وهو الرماد ولا أستبعد أن يكون كثير قد نظر في قوله هذا إلى النابغة حيث يقول: نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وُجوه العود وليس انعكاس المعنى عند كثير بكبير شيء، فالمدلول في الحالتين متقارب وذكر العوائد والسقيم في معرض الغزل كثير. والمراد منه كله التعبير عن ضنى الشوق في قلب المحب وفي جمال المحبوب. هذا ومراد كثير من قوله «فأجده» أن الأثافي يعتقن مجرى الريح فإذا تراكم على الرسم غبار من جنوب أو نكباء أزاله هبوب شمال أو نكباء أخرى فبدت معالم الرسم بما تحتويه من نؤى وأحجار وشريد رماد لائذ بهن. وقد أبرز هذا المعنى ذو الرمة حيث يقول: من دمنة كشفت عنها الصبا سُفعًا ... كما تُنشر بعد الطية الكتب

стр. 1125

هذا والسفعة مما يكثر ذكره في صفة الأثافي كما رأيت. ومما تنعت به خدود الكآبة والحزن أيضًا، كالذي مر بك وكما في قول متمم: فقلت لها طول الأسى إذ سألتني ... ولوعة حزن تترك الوجه أسفعا ثم هي أيضًا مما توصف به خدود الظباء والبقر الوحشية، قال زهير: كخنساء سفعاء الملاطم حرة ... مسافرة مزءودة أم فرقد والمزؤدة الخائفة، والفرقد ولد البقرة والسفعة أيضًا من أوصاف الصقور- قال زهير في القطاة: أهوى لها أسفع الخدين مُطرق ... ريش القوادم لم يُنصب له الشبك فكل هذه المعاني مما يطيف بالأثافي ويُلون معناهن ومدلول رمزيتهن بحسب السياق الذي يؤتي بهن فيه. وقال جرير (ديوانه ٥٠٧): وقفت على الديار وما ذكرنا ... كدار بين تلعة والنظيم عرفت المنتأى وعرفت منها ... مطايا القدر كالحدا الجثوم ومطايا القدر الأثافي كما تقدم. وشاهدنا هنا تشبيههن بالحدأ الجثوم والحدأ جمع حدأة وهي من الجوارح اللاتي يصدن الحمام. فتأمل. وأحسب أن ما دعا هذا التشبيه هو أن جريرًا مازج وقفته على الطلل بغضبة على صاحبته وذلك حيث قال في البيت السابق لما استشهدنا به: أهذا الود غرك أن تخافي ... تشمس ذي مُباعدة عزوم وذو المباعدة العزوم أراد الشاعر به نفسه، فلا يخلو ذكر الحدأ الجثوم من إلماع إلى هذا المعنى والله أعلم.
следующие страницы →