← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الصبابة الغابرة، وعسى الشاعر أن يكون أراد الكناية عن نفسه، التي صارت رمادًا أورق بعد عهد البين البعيد القصي، البين الذي كان من زمان ابن عفان- وأنت تعلم ما كان بعد مقتل عثمان ﵁ من تقويض الديار، ولحاق كل قوم بطائفة من طوائف القتال. وقد كان الراعي عثمانيًا زبيريًا فيما ذكر الرواة، وهو القائل في لاميته المجمهرة: قتلوا ابن عفان الخليفة مُحرمًا ... ودعا فلم أر مثله مخذولاً هذا، ونعته للأثافي بأنهن وراد، وهذا كقول الشماخ «كميتا الأعالي» فيه كالنظر الشديد إلى ما جاء من نعت الظعائن في معلقة زهير: علون بأنماط عتاق وكلة ... وراد حواشيها مُشاكهة الدم وقوله بنحورها فيه أشعار بنحو النساء أو نحور الإبل، وقد صرح بذكر الإبل وهي القلائص في بيته التالي، وشبه بقايا الدخان والرماد وأثرهما فيها، بالهناء الذي يوضع على الجرب من القلائص. ولعل في هذا نظرًا ما إلى قول امرئ القيس من اللامية: أيقتلني أني شغفت فُؤادها ... كما شغف المهنوءة الرجل الطالي وإن صح ما نزعم من أن الشاعر كنى بالرماد عن نفسه، فالراجح أن يكون في ذكره للأثافي نوع من الرمز إلى ما يرجوه من تعطف حبائبه النائيات عليه، أو ما هو بمجرى حبائبه من مواطن الأشواق، كأزمان الشباب مثلاً، وضوائع الآمال، إذ الأثافي كما قال حواضن وقال الراعي أيضًا يذكر الرماد: أذاع بأعلاه وأبقى شريده ... ذرى مُجنحات بينهن فُروج كأن بجزع الدار لما تحملوا ... سلائب وُرقًا بينهن خديج

стр. 1122

والمجنحات التي بينها الفروج هي الأثافي، وأجناحها ميلها، وذراها بفتح الذال جوانبها وكنقها. أي طارت أعالي الرماد ولاذ منه لائذ، كما يلوذ الشريد، بكنف الأثافي، فآوته وتعطفت عليه. والسلائب جمع سلوب وهي التي سلبها ولدها الموت أو شفرة الجزار ومن شأنها إذا رأت حوار غيرها أن تتعطف عليه تذكرًا لولدها وأسى عليه، والخديج ما أسقط من جنين لغير تمامه، وقد يخرج يشهق حينًا ثم يموت. والشاعر كما ترى بعد أن شبه باقي الرماد بالشريد حيث لاذ بكنف الأثافي فتحدبت عليه، عاد فشبه الأثافي بالسلائب التي تجد حوارًا خديجًا فتتحدب عليه وترزم حوله، فجعل الرماد منهن بمنزلة الخديج من السلائب كما ترى. والصورة تنظر بلا ريب إلى نحو قول متمم بن نويرة: وما وجد أظآر ثلاث روائم ... أصبن مجرًا من حوار ومصرعا يُذكرن ذا البث الحزين ببثه ... إذا حنث الأولى سجعن لها معًا إلى آخر ما قاله. ثم هي بعد ذلك تنظر إلى الأصل الهديلي، ونعت الشاعر لسلائبه بأنهن ورق، أن يك مراده الدلالة به على لونهن الرمادي الأوراق، مما يشعرك بمعنى الحمائم ولا يخلو من نفس تشبيه للإبل بهن. وإذا جاز تشبيه الأثافي بالحمام مباشرة أو من طريق تشبيههن بالأظآر من الإبل كما ههنا، جاز -كما قدمنا- تشبيههن بما تشبه به الحمائم كالمرأة والشفتين وهلم جرا. قال البعيث: ألا حييا الربع القواء وسلما ... ورسمًا كجثمان الحمامة أدهما

стр. 1123

وإنما أراد الأثافي والرماد، كقول الشماخ: وإرث رماد كالحمامة ماثل ... ونؤيان في مظلومتين كداهما وقال زهير يشبه الأثافي بالحمام: وغير ثلاث كالحمام خوالد ... وهاب مُحيل هامد مُتلبد والهابي الهامد المتلبد أراد به الرماد. وقال جرير (١): أمنزلتي هند بناظرة اسلما ... وما راجع العرفان إلا توهما كأن رسول الدار ريش حمامة ... محاها البلى فاستعجمت أن تكلما طوى البين أسباب الوصال وحاولت ... بكنهل أسباب الهوى أن تجذما كأن جمال الحي سربلن سانعًا ... من الوارد البطحاء من نخل ملهما وإنما سربلن الرقم ومن في الرقم من الحسان، شبه جرير كل ذلك بنخل ملهم وتمره الوارد البطحاء في موسم الحج. ولم يخل ههنا من نظر إلى نعت امرئ القيس لنخيل ابن يامن المكرعات في رائيته «سما لك شوق» - ونأمل أن نعرض لهذا المذهب بتفصيل في بعض ما يلي إن شاء الله. هذا وشاهدنا هنا تشبيه الرسوم بريش الحمامة، ذلك الذي تشبه به الشفتان كما رأيت، وما عنى جرير بالرسوم في قوله هذا إلا الأثافي والرماد. وقال الآخر: أثر الوقود على جوانبها ... بخدودهن كأنه لطم والمراد الأثافي، وتشبيههن بالنائحات اللواتي سفع خدودهن اللطم واضح كما ترى-

стр. 1124

فهذا نص في تشبيه الأنفية بالمرأة تصريحًا من غير حاجة إلى تلميح يتأول. وقال كثير عزة: أمن آل قيلة بالدخول رسوم ... وبحومل طلل يلوح قديم وليس كثير ممن يقول الدخول وحومل من دون تعمد إلى أن يذكرك ببيت امرئ القيس المشهور، فقد كان ﵀ صناعًا بعيد الغارات على أقوال من سبقوه، كثير التوليد منها: لعب الرياح برسمه فأجده ... جُون عواكف في الرماد جُثوم سُفع الخدود كأنهن وقد مضت ... حجج عوائد بينهن سقيم والجون والجثوم كلاهما من نعت القطا والقطا من الحمام. وقد جعل الأثافي سفع الخدود وهذا تأنيث لهن كما ترى. ثم احتال على معنى الطؤار فجعلهن كالعوائد والرماد بينهن كالسقيم. ولا يخلو قوله «عوائد بينهن سقيم» من التنبيه على هذه الحالة من حالات النساء بغض النظر عما تضمنه من التشبيه التقليدي. ولا يخلو من كناية للشاعر عن نفسه بالسقيم وعن من يحب بالعوائد، أو هن الأثافي وهو الرماد ولا أستبعد أن يكون كثير قد نظر في قوله هذا إلى النابغة حيث يقول: نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وُجوه العود وليس انعكاس المعنى عند كثير بكبير شيء، فالمدلول في الحالتين متقارب وذكر العوائد والسقيم في معرض الغزل كثير. والمراد منه كله التعبير عن ضنى الشوق في قلب المحب وفي جمال المحبوب. هذا ومراد كثير من قوله «فأجده» أن الأثافي يعتقن مجرى الريح فإذا تراكم على الرسم غبار من جنوب أو نكباء أزاله هبوب شمال أو نكباء أخرى فبدت معالم الرسم بما تحتويه من نؤى وأحجار وشريد رماد لائذ بهن. وقد أبرز هذا المعنى ذو الرمة حيث يقول: من دمنة كشفت عنها الصبا سُفعًا ... كما تُنشر بعد الطية الكتب

стр. 1125

هذا والسفعة مما يكثر ذكره في صفة الأثافي كما رأيت. ومما تنعت به خدود الكآبة والحزن أيضًا، كالذي مر بك وكما في قول متمم: فقلت لها طول الأسى إذ سألتني ... ولوعة حزن تترك الوجه أسفعا ثم هي أيضًا مما توصف به خدود الظباء والبقر الوحشية، قال زهير: كخنساء سفعاء الملاطم حرة ... مسافرة مزءودة أم فرقد والمزؤدة الخائفة، والفرقد ولد البقرة والسفعة أيضًا من أوصاف الصقور- قال زهير في القطاة: أهوى لها أسفع الخدين مُطرق ... ريش القوادم لم يُنصب له الشبك فكل هذه المعاني مما يطيف بالأثافي ويُلون معناهن ومدلول رمزيتهن بحسب السياق الذي يؤتي بهن فيه. وقال جرير (ديوانه ٥٠٧): وقفت على الديار وما ذكرنا ... كدار بين تلعة والنظيم عرفت المنتأى وعرفت منها ... مطايا القدر كالحدا الجثوم ومطايا القدر الأثافي كما تقدم. وشاهدنا هنا تشبيههن بالحدأ الجثوم والحدأ جمع حدأة وهي من الجوارح اللاتي يصدن الحمام. فتأمل. وأحسب أن ما دعا هذا التشبيه هو أن جريرًا مازج وقفته على الطلل بغضبة على صاحبته وذلك حيث قال في البيت السابق لما استشهدنا به: أهذا الود غرك أن تخافي ... تشمس ذي مُباعدة عزوم وذو المباعدة العزوم أراد الشاعر به نفسه، فلا يخلو ذكر الحدأ الجثوم من إلماع إلى هذا المعنى والله أعلم.

стр. 1126

وقال أبو تمام في معنى الكآبة: قفوا نُعط المنازل من عيون ... لها في الشوق أحشاء غزار عفت آياتهن وأي ربع ... يكون له على الزمن الخيار أثاف كالخدود لُطمن حُزنًا ... ونُؤي مثلما انفصم السوار وهنا كشف جلي كما ترى لكثير من أصناف ما ذكرناه. وقد ترى في عجز البيت الثالث كيف اختلط معنى الغزل المحض بمعنى الحزن الذي في الصدر- ولا يخلو قول أبي تمام: ونؤي مثلما انفصم السوار من إيهام ولو على سبيل الافتنان والبراعة إلى ذكرى عهد فتاة بعينها، ومصدر مثل هذا الإيهام ما المعنى متضمن له من الإشارة إلى تشبيه النؤى بالوقف وما جاء في الوقف من قرى قول سحيم: وألقف رضا من وُقوف تحطما وقال الشريف المرتضى في أماليه: «وقد عاب عليه قوله -لطمن حزنًا- بعض من لا معرفة له، وقال: لا فائدة في قوله -حزنًا-، ولذلك فائدة، وذلك أن لطم الحزن أوجع، فتأثيره أبلغ وأظهر وأبين. وقد يكون اللطم لغير الحزن. فأما قوله- «نؤى مثلما انفصم السوار» - فمأخوذ من قول الشاعر: نؤى كما نقص الهلال محاقه ... أو مثلما فصم السوار المعصم وقد شبه الناس النؤي بالسوار والخلخال كثيرًا. أ. هـ. كلام السيد المرتضى. وأقول أن قوله «حزنًا» فيه أشعار القصد إلى التشبيه بالنوائح، وليس أبو تمام ممن يخفى عليه مثل هذا من رموز الشعراء. وقال حميد بن ثور الهلالي: فغادرن مُسود الرماد كأنه ... حصي إثمد بين الصلاء سحيق وسُفعا ثوين العام والعام قبله ... على موقد ما بينهن دقيق

стр. 1127

أي متقاربات مسافة ما بينهن ضيقة- وهنا كما ترى تشبيه الرماد بالإثمد وهو لاحق بالشفة وما يليها. وفيه نفس من قول الشماخ: كميتا الأعالي جونتا مُصطلاهما ومما أغرب فيه أبو تمام في نعت الطلول، وما أغرابه إلا أنه ضمن نعت الأثافي التشبيه بالثواكل في معرض النعت، ولمح إليهن تلميحًا من غير تصريح قوله: قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد ... وإن هي لم تسمع لنشدان ناشد لقد أطرق الربع المحيل لفقدهم ... وبينهم إطراق ثكلان فاقد وإطراق الربع بعيد في الاستعارة، إن غفلنا عن معنى الأثافي. وقال أيضًا ولمح إلى معاني الأثافي والحمام من بعد بعيد: سقى عهد الحمى سبل العهاد ... وروض حاضر منه وباد نزحت به ركي العين أني ... رأيت الدمع من خير العتاد فيا حُسن الرسوم وما تمشى ... إليها الدهر في صور البعاد وإذ طير الحوادث في رُباها ... سواكن وهي غناء المراد مذاكي حلبة وشروب دجن ... وسامر فتية وقدور صاد وأعين ربرب كحلت بسحر ... وأجساد تضمخ بالجساد بزهر والحُذاق وآل بُرد ... ورت في كل صالحة زنادي فإن يك في بني أدد جناحي ... فإن أثيث ريشي من إياد همو عُظم الأثافي من نزار ... وأهل الهضب منها والنجاد أي هموجبل نزار. وإنما سوغ ذكر الريش والجناح والأثافي مع القدور والربرب والمذاكي وطير الحوادث وهلم جرا، ما كان يستشعره أبو تمام من أنه إذ يذكر سابقته مع ابن أبي دؤاد، قد كان كأنما يقف ويستوقف على ربع عفا- وكل هذه

стр. 1128

الاستعارات التي تبدو بعيدة تقرب جدًا حين نردها إلى ما يتداخل بعضه في بعض من معاني الربع والرموز التي تطيف بشتى صوره في بيان الشعراء، وبكل ذلك فقد كان أبو تمام عالمًا حاذقًا. وقال في البائية المشهورة: ما ربع مية معمورًا يُطيف به ... غيلان أبهى رُبى من ربعها الخرب ولا الخدود وإن أُدمين من خجل ... أشهى إلى ناظري من خدها الترب واستعارة الخد لعمورية ههنا مصدره مما تقدم ذكره من نحو قول القائل: أثر الوقود على جوانبها ... بخدودهن كأنه لطم وقال في بائية عمرو بن طوق: لو أن دهرًا رد رجع جبابي ... أو كف من شأويه طول عتابي لعذلته في دمنتين تقادما ... ممحوتين لزينب ورباب وقول تقادما رد فيه الفعل على معنى الطلل وإلا لزمه تأنيثه. ثنتين كالقمرين حُف سناهما ... بكواعب مثل أتراب وشاهدنا هذا البيت إذ لك أن تقول أراد أن زينب والرباب حفت بسناهما أي جمالهما وضوئهما كواعب أتراب. ولك أن تقول أراد أن الدمنتين أي الأثفيتين- من باب إطلاق الكل على الجزء أو الملابس على ملابسه على حد تعبير الشماخ «جارتا صفا» - كانت تحف بسناهما أي النار التي توقد عندهما كواعب أتراب. والراجح عندي أن أبا تمام أراد المعنيين معًا ومثل هذا المزج غير قليل عنده- والله تعالى أعلم. وقال وهو مما استشهد ببعضه السيد المرتضى في أماليه: وأبي المنازل إنها لشجون ... وعلى العجومة إنها لتبين فاعقل بنضو الدار نضوك يقتسم ... فرط الصبابة مُسعد وحزين

стр. 1129

وههنا مع الجناس إشارة لمعنى الفواقد والعوائد والسقيم كما قدمنا: لا تمنعني وقفة أشفي بها ... داء الفراق فإنها ماعون أي زكاة وأشار إلى قوله تعالى ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ واسق الأثافي من شئونك ريها ... إن الضنين بدمعه لضنين وقد سقى الأثافي بالدمع ههنا وهو أخو المطر، وإنما سقياها لفح النار وتلويحها- وقد تقدم ما قلناه في هذا الصدد: والنؤى أهمد شطره وكأنه ... تحت الحوادث حاجب مقرون وهذا كقوله «مثلما انفصم السوار» حُزن غداة الحزن هاج غليله ... في أبرق الحنان منك حنين سمة الصبابة زفرة أو عبرة ... مُتكفل بهما حشى وشئون لولا التفجع لادعى هضب الحمى ... وصفا المُشقر أنه محزون أي لولا أنه لا يقدر أن يتفجع. وصفا المشقر لا شك من الأثافي. وقال أبو الطيب فأشار إلى ما جاء في نعت الدمن وآثارها من أثفية ومُنتأى وجمع في تشبيههن بين صور الطبيعة وصور الأناسي، وهو على كل حال أوضح مذهبًا وأقرب مأتى من أبي تمام كما يعلم: قف على الدمنتين بالدو من ر ... يا كخال في وجنة جنب خال بطلول كأنهن نجوم ... في عراص كأنهن ليالي ونؤي كأنهن عليهن ... خدام خُرس بسوق خدال

стр. 1130

وقد جعل نفسه في أول القصيدة سقيمًا من الحب كأنه هلال حيث قال: صلة الهجر لي وهجر الوصال ... نكساني في السقم نكس الهلال فغدا الجسم ناقصًا والذي ينقص ... منه يزيد في بلبالي فالدمنتان ونؤيهما كأنهن عوائد له، وما في الدمنتين من كناية لا يخفي. هذا ورمزية الأثافي باب واسع والحديث فيها مما يطول. وهي مما غبر دهرًا طويلاً في الشعر العربي وافتن فيه القدماء والمولدون كما رأيت، وقد خلص شيء كثير منها إلى اللغات العامية، من ذلك قول المحلق صاحب تاجوج (١): هاديك دارا وديك لداياها وهاداك الفرع مُعلاق رواياها أكان نسلم من الدنيا وسواياها نتونس مع البضون ثناياها وبحسبنا هذا القدر عن الأثافي والرماد والحمام والله أعلم. الليل والنجوم: الليل والنجوم من قديم ما لهج به الشعراء. ولا غرو، فالليل فيه المأوى والهدوء، كما فيه الوحشة والرعب والغوامض المجهولات، من جن وسعال وغيلان. قال ذو الرمة يصف سرى الليل: بين الرجا والرجا من جنب واصية ... يهماء خابطها بالخوف مكعوم للجن بالليل في أرجائها زجل ... كما تناوح يوم الريح عيشوم

стр. 1131

والعيشوم ضرب من الثمام هنا وهنا ومن هنا لهن بها ... ذات الشمائل والأيمان هينوم داوية ودُجى ليل كأنهما ... يم تراطن في أفدانه الروم وقال أيضًا: قد عجبت أخت بني لبيد ... وهزئت مني ومن مسعود رأت غُلامى سفر بعيد ... يدرعان الليل ذا السدود وفي الليل أيضًا الأنس والخلوة ولقاء الأحبة. قال أبو الطيب: وكم لظلام الليل عندك من يد ... تُخبر أن المانوية تكذب وقال ردى الأعدا تسري إليهم ... وزارك فيه ذو الدلال المُحجب وقال أيضًا وقد مر الاستشهاد بثلاثة أبيات منه: قف على الدمنتين بالدو من ر ... يا كخال في وجنة جنب خال بطلول كأنهن نجوم ... في عراص كأنهن ليالي ونؤي كأنهن عليهن ... خدام خرس بسوق خدال لا تُلمني فإنني أعشق العـ ... شاق فيها يا أعذل العذال ولا يخفى ما في كلام أبي الطيب من الإشارة إلى ليالي الأنس ونجوم الحسان ذوات الخلاخيل الخرس والسوق الخدال. وظاهر التشبيه فيه ما ذكرنا آنفًا وفيه أيضًا الإلماع إلى أن الربوع والعراص مُبهمات إبهام الليالي حتى يهتدي إلى معرفتهن الواقف بآثار الرسوم والطلول اللاتي هن منهن بمنزلة المعالم، كما يهتدي ساري الليل بالنجوم. والذي جاء في مدح الليل كثير- وأكثره يقع في باب المبدأ والنسيب، ودلالته على الحنين لا تخفى. وقد يقع بعد الخروج في باب الأغراض بمعرض الفخر وما إليه،

стр. 1132

كقول طرفة، وذكر النجوم إذ قد كان أنسه ليلاً: نداماي بيض كالنجوم وقينة ... تروح علينا بين بُرد ومُجسد وسنعرض لهذا من مذهبهم فيما بعد إن شاء الله. وكثيرًا ما يذكرون ليلة بعينها ثم يصفون ما كان فيها كالذي فعل عمر في الرائية: وليلة ذي دوران جشمتني السرى ... وقد يجشم الهول المُحب المُغرر ثم قال: فيا لك من ليل تقاصر طوله ... وما كان ليلي قبل ذلك يقصر وقد سلك عمر سبيل جماعة قبله، وقلده جماعة كثيرون بعده- منهم جران العود حيث قال في الفائية التي مطلعها: ذكرت الصبا فأنهلت العين تذرف ... وراجعك الشوق الذي كنت تعرف قال: فلما علانًا الليل أقبلت خُفيه ... لموعدها أعلو الإكام وأظلف وأكثر من ذكر ليلة بعينها أن يعمموا فيقولوا ليالي كذا وكذا- قال عبد بني الحسحاس: ليالي تصطاد القلوب بفاحم ... تراه أثيثًا ناعم النبت عافيًا وقال امرؤ القيس: ليالي سلمى إذ تُريك مُنصبًا ... وجيدًا كجيد الرئم ليس بمعطال وقال ذو الرمة: ليالي اللهو يطبيني فأتبعه ... كأنني ضارب في غمرة لعب

стр. 1133

وقال امرؤ القيس: ديار لهند والرباب وفرتني ... ليالينا بالنعف من بدلان ليالي يدعوني الهوى فأجيبه ... وأعين من أهوى إلي روان وقال علقمة بن عبدة: ليالي لا تبلى النصيحة بيننا ... ليالي حلوا بالستار فغرب وقال طرفة: ليالي أقتاد الصبا ويقودني ... يجول بنا ريعانه ونُجاوله والليالي وذكر اللهو وما إليه في كل هذا إنما هو كناية عن الشباب، وما ضاع من فرص الحياة، ونوع من البكاء والحسرات على اقتراب الموت وذهاب هذا العيش اللذيذ. والليل من حيث هذا المعنى لا حق برموز الخصوبة والري والسقيا- وقول عبد بني الحسحاس: ليالي تصطاد القلوب بفاحم ... تراه أثيثًا ناعم النبت عافيًا أي كثيرًا- شاهد في هذا إذ هو لم يرد سواد اللون في الشعر وحده كما ترى، وإنما أراد خصبه وريه وشبابه. واختلاط معنى السواد والخضرة كثير عند العرب حتى إنهم ليقولون ليل أخضر وقالوا سواد العراق يريدون خضرته. وقال تعالى ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ يصف جنتين شديدتي الخضرة- وكل هذا فيه معنى الخصب كما ترى. وقال امرؤ القيس يصف الشعر: وفرع يُغشي المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المُتعثكل

стр. 1134

وقال المرقش الأصغر: إلا حبذا وجه ترينا بياضه ... ومُنسدلات كالمثاني فواحما والإشعار بمعنى الليل في كلا هذين الكلامين لا يخفى والفعل يغشى وهو ههنا مضعف مما يكثر ورود ذكره في الليل، قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾. وقد صار تشبيه الشعر بالليل من «كليشهات» المتأخرين الدائرة أيما دوران. قال أبو الطيب: كشفت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت ليالي أربعا واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معًا وهذا باب يطول فيه الحديث، ومن أجمل ما جاء في ليالي الإنس واللهو وأعجبه إلى قول العبد: تعاورن مسواكي وأبقين مُذهبًا ... من الصوغ في صُغرى بنان شماليا وقلن ألا يا العبن ما لم يردنا ... نعاس فإنا قد أطلنا التنائيا لعبن بدكداك خصيب جنابه ... وألقين عن أعطافهن المراديا وما رمن حتى أرسل الحي داعيًا ... وحتى بدأ الصبح الذي كان تاليًا وحتى استبان الفجر أشقر ساطعًا ... كأن على أعلاه سبًا يمانيًا فأدبرن يخفضن الشخصو كأنما ... قتلن قتيلاً أو أصبن الدواهيا وأصبحن صرعى في البيوت كأنما ... شربن مُدامًا ما يُجبن المُناديا فعزيت نفسي واجتنبت غوايتي ... وقربت حُرجوج العشية ناجيًا ومن ههنا تبدأ الحسرة وادعاء التسلي ولا سلوان. وحق هذا أن يستشهد به في الفصل التالي، وهو فصل الغزل والنعت، ولكن كل هذه المعاني مما تتداخل كما قدمنا.

стр. 1135

وقال أحد المتأخرين من متكلفي البديع في مدح الليل: يا ليل طُل، يا نوم زل ... يا صُبح قف لا تطلع وهذا مأخوذ كما ترى من معنى القصر وسرعة الذهاب في ليالي الأنس وأيام الدعة. قال عمر كما تعلم: فيا لك من ليل تقاصر طوله ... وما كان ليلي قبل ذلك يقصر وقال سحيم: تأوبني ذات العشاء هُموم ... عوامد منها طارف وقديم وما ليلة تأتي علي طويلة ... بأقصر من حول طباه نعيم فمن ههنا ترى أن صاحب «يا ليل طل» وإن أصاب سطحي البديع، قد أساء من حيث حاق المعنى، إذ طول الليل معناه الهم، فكأنه -أعانه الله- تمنى طول الليل والسهر وألا يطلع الصبح وذلك هو الشقاء، إذ كل وقت مع السعادة لا يقال له طويل وإن كان مقياس مداه غير قليل. وقد ذم الليل بالفزع والهم والوحشة وما يجري هذا المجرى. من ذلك ما قدمناه لك من أبيات ذي الرمة. وأكثر ما يقع الهم والفزع والوحشة في باب الخروج، فيقرون الهم ظهور الإبل، وينسبون الفزع والوحشة إلى ليل السرى. وأكثر ما يجئ هذا في نعت البقرة الوحشية والثور الوحشي. قال لبيد: باتت وأسبل واكف من ديمة ... يُروي الخمائل دائمًا تسجامها يعلو طريقة متنها متواتر ... في ليلة كفر النجوم غمامها وقال ذو الرمة: ضم الظلام على الوحشي شملته ... ورائح من نشاص الدلو مُنسكب

стр. 1136

وظلام ليلته كما رأيت كأشد ما يكون الظلام لما يخالطها من تراكم السحب. وقال ذو الرمة: أغباش ليل تمام كان طارقه ... تطخطخ الغيم حتى ما به جُوب أي حتى ليس بين سحابه من فرجات. وباب الخروج سيجيء من بعد إن شاء الله. وقد يقع الهم والفزع في باب الأغراض وذلك أيضًا مما يلي إن شاء الله. وقد يقعان هما وما يجري مجراهما في باب النسيب وربما استهل الشاعر بذكر الليل أو النجوم في هذا المعنى، كما يستهل بذكر الدار وبالمرأة- إذ كل أولئك مشعر بمعنى الحنين والتعلق بالدنيا الزائلة. قال امرؤ القيس: وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي قفلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مُغار الفتل شُدت بيذبل كأن الثريا عُلقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صُم جندل وقال المرقش الأصغر: أرقني الليل برق ناصب ... ولم يُعني على ذاك حميم من لخيال تسدى موهنًا ... أشعرني الهم فالقلب سقيم وليلة بتها مسهرة ... قد كررتها على عيني الهموم لم أغتمض من طولها حتى انقضت ... أكلؤها بعدما نام السليم

стр. 1137

وأصل هذا المعنى كله من معنى المأوى والدار والألفة، فإنه متى فقد المرء ألفه حن إليه وكان الليل لذلك أدعى وقد كشف هذا المعنى قيس بن ذريح حيث قال: أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهم بالليل جامع نهاري نهار الناس حتى إذا دجا ... لي الليل هزتني إليك المضاجع وقد أكثر الشعراء في طول الليل، من ذلك الكلمة المشهورة: في ليل صول تناهي العرض والطول ... كأنما ليله بالليل موصول وهي مما استهل به صاحبه. ومما استهل به أيضًا كلمة الراعي اللامية وذكر الهم والليل: ما بال دفك بالفراش مذيلاً ... أقذى بعينك أم أردت رحيلاً لما رأت أرقى وطول تلددي ... ذات العشاء وليلي الموصولا قالت خُليدة ما عراك ولم تكن ... أبدًا إذا عرت الشئون سئولا أخليد إن أباك ضاف وساده ... همان باتا جنبه ودخيلاً وقد جارى الراعي في مطلعه هذا كلمة الأسود بن يعفر: نام الخلي وما أُحس رُقادي ... والهم محتضر لدي وسادي ويعجبني في هذا المجرى ما رواه المبرد في كامله لأحد الأعراب: ما لعيني كُحلت بالسواد ... ولجنبي نابيًا عن وسادي لا أذوق النوم إلا غرارًا ... مثل حسو الطير ماء الثماد أبتغي إصلاح سُعدى بُجهدي ... وهي تسعى جُهدها في فسادي فتتاركنا على غير شيء ... ربما أفسد طول التمادي وهذا لاحق بباب العذل وهو من الغزل وسنلم به إن شاء الله

стр. 1138

وقال الأعشى مستهلاً بالأرق والسهاد: أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سُقم وما بي معشق ولكن أراني لا أزال بحادث ... أُغادي بما لم يُمس عندي وأُطرق وقد عدد أسباب الأرق كما ترى وذكر أن الذي أرقه هو توالي النكبات من غير سابق توقع. وقال الفرزدق وعلل طول ليل المهموم: يقولون طال الليل والليل لم يطل ... ولكن من يشكو من الحب يسهر وأوفى هذه المعاني قول امرئ القيس لما سوى فيه بين الليل والنهار عند انقطاع الرجاء أو تضعضعه. وذكر النجوم كثير مع ذكر ليل الهم في باب النسيب وذلك أن المهموم برعاهن. قال النابغة: كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أُقاسيه بطيء الكواكب تطاول حتى قلت ليس بُمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بائب وصدر أراح الليل عازب همه ... تكاثر فيه الهم من كل جانب وهذا من أشرف ما قيل في بابه. وقريه مختلف عن قري امرئ القيس لأن كلام امرئ القيس كلام متأمل في أحوال الدهر بلا شبابًا غضًا ثم انحسرت آماله. أما كلام النابغة فكلام سري لم تشرده الأقدار وأحوال الزمان ولكنهن أشعرنه الهموم الحرار الدخائل، مما يحفز صاحبه على العمل والأمل وإن عز المطلب. قال: كتمتك ليلاً بالجمومين ساهرًا ... وهمين باتا مُستكنًا وظاهرًا

стр. 1139

أحاديث نفس تشتكي ما يريبها ... وورد هموم لن يجدن مصادرًا تكلفني أن يفعل الدهر همها ... وهل وجدت قبلي على الدهر قادرًا وكل هذا مما استهل به النابغة عند أول مبدأ القصيدة كما ترى. وأحسب أن استشعار النابغة لمثل هذا الضرب من الهموم هو الذي ألهمه تشبيهه الرائع: فإنك كالليل الذي هو مُدركي ... وإن خلت أن المُنتأى عنك واسع ومما استهل فيه الشعراء بليل الهم وذكروا النجوم كلمة المهلهل حيث يقول: أليلتنا بذي حُسم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري فإن يك بالذنائب طال ليلي ... فقد أبكي من الليل القصير ثم أخذ في نعت النجوم فقال: كأن كواكب الجوزاء عُوذ ... مُعطفة على رُبع كسير وهذا التشبيه فيه نفس من الهديلية كما ترى: كأن الجدي في مثناة ربق ... أسير أو بمنزلة الأسير كأن النجم إذ ولى سُحيرًا ... فصال جُلن في يوم مطير والنجم الثريا وبذلك فسر قوله تعالى ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ في بعض ما ذكره الطبري وغيره من أقوال المفسرين: كواكبها زواحف لاغبات ... كأن سماءها بيدي مُدير وكأن هذا النعت مراد به الإشعار بطول الليل وأرق الشاعر ومراعاته لصور الكواكب التي لا تكاد تتحرك ولا يكاد يفني جُهد ما هي فيه من دأب. وقد وصف النابغة كواكبه بالسوام التي ضل راعيها ولن يؤوب فهي حائرة

стр. 1140

ضالة. ووصفها المهلهل بأنها لواغب وأنها زواحف. ووصف الجدي بأنه في مثناة ربق. وقال امرؤ القيس: فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مُغار الفتل شدت بيذبل كأن الثريا عُلقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل وجعل سويد بن أبي كاهل النجوم ظلعا في قوله: يسحب الليل نجومًا ظلعًا ... فتواليها بطيئات التبع وقال أبو الطيب ونظر إلى قول النابغة: ما بال هذي النجوم حائرة ... كأنها العُمي ما لها قائد هذا وكل هذه الصورة والنعوت فيها تشبيه بحيوان البادية وما كانت تسميه العرب من أنعام. وقد كانت العرب تؤله النجوم والشمس والقمر وتجعل لهن رموزًا من الأناسي والحيوان والأصنام، وتصفهن بالخلود- قال لبيد: بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع وقال أيضًا: وهل حُدثت عن أخوين داما ... على الأيام إلا ابني شمام وإلا الفرقدين وآل نعش ... خوالد ما تحدث بانهدام ومن شواهد النحويين: وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ومما هو نص في عبادة الشمس والقمر آية النحل وما قص القرآن العظيم من

стр. 1141

أوليات خبر سيدنا إبراهيم وغير ذلك كقوله تعالى: في سورة النحل ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾ فههنا إشعار بأن الله مسخرها هو الذي ينبغي أن يعبد لا هي أو كما قال تعالى في «فصلت»: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ - وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى من آية النحل ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فجمع الآية وذكر العقل لأن الآثار العلوية أظهر على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة (١) أ. هـ وأحسب الزمخشري لم يخل من نظر في قوله هذا إلى ما كان يزعمه الفلاسفة من ارتباط العقل بالأجرام السماوية. وتلك بقية من عبادة النجوم. وقد نهى الحديث عن قول العرب «مطرنا بنوء المجدح» إذ كانوا ينسبون المطر والسقيا إلى الأنواء وإنما الساقي الله. وزعموا أن الأصمعي كان يتحرج أو يمتنع من تفسير ما جاء فيه ذكر الأنواء من كلام القدماء تدينا وورعًا. ولعمري ما كان أكثر ما امتنع عن شرحه على هذا القول. ولقد غبر الناس بعد التوحيد ينسبون الأمطار إلى أنواء النجوم على سبيل التوقيت. وأمثال الفلاحين العامية عندنا وعند سائر الأمم الناطقة بالعربية كثير مثل قولهم «مطرًا بعد العصى قسى» (٢) - وقد جمع قطرب في كتاب الأزمنة قطعة صالحة من سجعات العرب القدماء في هذا الباب (٣) وقال ذو الرمة: ضم الظلام على الوحشي شملته ... ورائح من نشاص الدلو منسكب

стр. 1142

وقال جرير: هل بالنقيعة ذات السدر من أحد ... أو منبت الشيح من روضات أعيار سقيت من سبل الجوزاء غادية ... وكل واكفة السعدين مدرار والسعدان من النجوم، سعد السعود وسعد الأخبية. وهذا وتأليه النجوم وما حولهن من معاني السقيا والنور يجعلهن كأنهن باب مفرد وحده، بغض النظر عن صلتهن بالليل. والشمس وهي كبراهن إنما تظهر بالنهار. وقال جرير في عمر بن عبد العزيز: فالشمس طالعة ليست بكاسفة ... (تبكي عليك) نجوم الليل والقمرا وقد كانوا في الكسوف مما يرون النجوم نهارًا، ويرون منهن خلاف ما يرى في الليل. وزعموا أن يوم حليمة بدت كواكبه نهارًا لما غطا الغبار على الكون ومنه المثل «ما يوم حليمة بسر». وقال طرفة بن العبد يصف امرأة: إن تنوله فقد تمنعه ... وتريه النجم يجري بالظهر ظل في عسكرة من حُبها ... ونأت شحط مزار المدكر وسكن الحاء من شحط وهي فعل ماض جيء به على سبيل التعجب، أو هي مصدر منادى محذوف أداة النداء للتعجب. والشمس كما قدمنا كانت من الآلهة عهد الخصوبة الأولى وفي أزمان الجاهلية لا بل كانت رأس الآلهة عند أكثر الساميين الأولين. وقال ابن منظور في اللسان (مادة أله): «وقد سميت العرب الشمس لما عبدوها الإلهة والألهة الشمس الحارة، حكى عن ثعلب والأليهة والألاهة كله الشمس، اسم لها، الضم في أولها عن ابن

стр. 1143

الأعرابي. قالت مية بنت أم عتبة بن الحرث كما قال ابن بري: تروحنا من اللعباء عصرًا ... فأعجلنا الإلاهة أن تؤوبا على مثل ابن مية فانعياه ... تُشق نواعم البشر الجيوبا قال ابن بري وقيل هو لبنت الحارث اليربوعي إلخ ما قاله أهـ. وشعر العرب في تشبيه المرأة بالشمس كثير، منه قول المرار: وصورة الشمس على صورتها ... كلما تشرق شمس أو تذر وقال النابغة: قامت تراءى بين سجفي كلة ... كالشمس يوم طلوعها بالأسعد وقال طرفة: ووجه كأن الشمس ألقت رداءها ... عليه نقي اللون لم يتخدد وقال الأيادي: ويصن الوجوه في الميسناني ... كما صان قرن شمس غمام وقال سويد: تمنح المرآة وجهًا صافيًا ... مثل قرن الشمس في الصحو ارتفع وقال ابن الخطيم: تراءت لنا كالشمس خلف غمامة ... بدأ حاجب منها وضنت بحاجب وقال المتنبي وهو ينظر إلى أصل التشبيه بالشمس: أمن ازديارك في الدجى الرقباء ... إذ حيث كنت من الظلام ضياء قلق المليحة وهي مسك هتكها ... ومسيرها في الليل وهي ذكاء

стр. 1144

وقال ذو الرمة وذكر النجم ولمح إلى تشبيه حبيبته بالشمس: سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... مُحياك أخفى ضؤوه كل شارق ويجوز أن يكون قد أراد التشبيه بالقمر لكن إخفاء الشمس للكواكب أشد وأعم وأتم وذكر العرب القمر في معرض تشيه المرأة قليل كما سنذكر وقال أبو تمام: لحقنا بأخراهم وقد حوم الهوى ... قلوبًا عهدنا طيرها وفي وُقع فردت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع نضا ضوؤها صبغ الدجنة وانطوى ... لبهجتها ثوب بالظلام المجزع فوالله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يُوشع وعهدي بها تُحيي الهوى وتُميته ... وتشعب أعشار الفؤاد وتصدع وهذا باب واسع. وقد شبه الرجال بالشمس في باب البراعة والجلال ولكن هذا مما يدخل في باب الأغراض كالمديح وما إليه- من ذلك قول النابغة: فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب وهذا القري كثير وليس من هذا الباب وإن كان قد يداخله. ومثله قول الأعشى في نفسه لما حكم بين عامر وعلقمة: حكمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر وتشبيه الوجوه الجميلة بالقمر سبيل سابلة قال الأعشى كما رأيت: حكمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر وقال: أريحي صلت يظل له القو ... م ركودًا قيامهم للهلال

стр. 1145

وقال الفرزدق ونظر إلى هذا: قيامًا ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالاً وصيغة القمر في اللغة التذكير. وكان الغالب على القدماء أن يشبهوا به الرجل. وقالوا للسيد من القوم بدر وسموا بذلك بدرًا أبا حذيفة بن بدر سيد بني فزارة. وقال ابن أحمر: وقد نضرب البدر اللجوج بكفه ... عليه ونُعطي رغبة المتودد وقالوا سمي بدر السماء بدرًا لأنه يبادر الشمس أن تغيب وفي هذا معنى القرآن كما ترى (١). وقرانات القمر معروفة. ولا ريب أن القمر قد كان عندهم من الآلهة المذكرة وأحسبه كان زوج الشمس فلذلك غلبوه عليها فقالوا «القمران»: وكان مما يعتقدونه في القمر، على وجه تأليهه وتذكيره، أنه قد يقلص القلفة، فكانوا إذا هجوا أقلف قالوا هو أقلف إلا ما نقص منه القمر (٢). وأحسب إنه من أجل هذا التذكير قد قل شعر جاهلي تجد فيه المرأة مشبهة بالقمر، وإنما كانوا يشبهونها بالشمس كما مر بك. ومن تشبيه المرأة بالقمر الذي يجيء نادرًا، من باب حمل الضد على ضده، ما روي من قوله «بيضاء بهترة، حالية عطرة، حيية خفرة، كأنها ليلة قمرة» - ومعنى الليلة وهي مؤنثة أوضح ههنا- وربما كان هذا الكلام إسلاميًا أو مصنوعًا. وقول عمرو بن معد يكرب: وبدت لميس كأنها ... قمر السماء إذا تبدى

стр. 1146

كأنه مصنوع وقد اضطرب فيه الشراح وقول النابغة «أقمر مشرفًا» ليس من هذا الباب. وقال جميل: هي البدر حُسنًا والنساء كواكب ... وشتان ما بين الكواكب والبدر لقد فُضلت حُسنًا على الناس مثلما ... على ألف شهر فُضلت ليلة القدر وأثر الإسلام هنا ظاهر. وقد باعد الإسلام بين العرب وبقايا عبادة الخصوبة الجاهلية أيما مباعدة، على أنها لم تختف من الشعر كل الاختفاء. وقال آخر: فتاتان أما منهما فشبيهة ... هلالاً وأخرى منهما تُشبه البدرا وأحسب أن القمر جعل يغلب الشمس في معرض وصف الجمال عند الإسلاميين لجامع الشبه بن سمو الأنظار إلى الحسناء، وخاصة عند المفاجأة، إذ قد أخذ الحجاب يتلئب أمره، وكان غض البصر مما يأمر به الشرع، وسموها عند مشاهدة الأهلة التي هي مواقيت للناس والحج. وقال عمر بن أبي ربيعة: وجلت أسيلاً يوم ذي خشب ... ريان مثل فُجاءة القمر ولا ريب أنها كانت مختمرة. وقال أيضًا: رخصة حوراء ناعمة ... طفلة كأنها قمر وفي هذا تعمد لئلا يشبهها بالشمس، كأنه يزعم أن ضوء القمر اللين أشبه بها. ولا جرم أن رقة العيش التي أحدثها الإسلام في حياة أهل الأمصار، قد جعلت تميل بهم إلى بعض اللين في الأخيلة والتعابير. وقد فطن ابن سلام في طبقاته إلى لين أشعار

стр. 1147

وأهل الأمصار في الجاهلية، فكيف بذلك منها بعد الذي كان من الرفة أيام عمر وعثمان وعلي ومعاوية. ومما هو من سنخ رمزية الجاهلية من كلام عمر قوله: بينما يذكرنني أبصرنني ... دون قيد الميل يعدو بي الأغر قلن تعرفن الفتى قُلن نعم ... قد عرفناه وهل يخفى القمر وأوضح من هذا مما هو مشعر بتذكير القمر، ما استشعره فيه معنى الرقيب الذي يُغار من مكانه، ويحذر لقاؤه، وينتظر غيابه، حيث قال: وغاب قُمير كنت أرجو غُيوبه ... وروح رُعيان ونوم سمر والنموذج الذي احتذاه عمر في هذه القصيدة جاهلي كالذي عند امرئ القيس. ونأمل أن نتعرض لهذا من بعد إن شاء الله. وقال جران العود في نحو مذهب ابن أبي ربيعة وقد مر بك: فلما علانا الليل أقبلت خُفية ... لموعدها، أعلو الإكام وأظلف ومن أخبث ما جاء في مراقبة القمر أن يغيب قول جرير يهجو: ما بال برزة في المنحاة قد نذرت ... صوم المحرم إن لم يطلع القمر إن الذين أضاؤوا النار قد عرفوا ... آثار برزة والآثار تقتفر وموضع الخبث هنا مكان النذر مع المعصية، إذ برزة فيما زعم جرير قد بلغ من ولعها بالفجور أنها نذرت صوم المحرم إن غاب لها القمر حتى تخرج إلى صاحبها في سواد. هذا وقد تبع أوائل المولدين مذهب عمر ثم شاع عندهم أيما شيوع حتى لقد ابتذل التشبيه بالقمر من كثرته، وكاد ينسى تشبيه المرأة بالشمس إلا ما يقع عند

стр. 1148

الحذاق كالذي رأيت من قول أبي تمام، وإليه نظر شوقي حيث قال: قفي يا أخت يوشع خبرينا ... أحاديث القرون الغابرينا وليس ههنا تشبيه. وكقول أبي الطيب: بأبي الشموس الجانحات غواربا ... اللابسات من الحرير جلاببا وأحسب أبا الطيب جعلهن غوارب ليدل على الأصيل وهو أنعم ضوءًا من الضحا وبشمس الضحا كان يصف الأوائل كثيرًا. فهذا توسط كما ترى بين مذهب عمر ومذهب الجاهليين. وقال أبو تمام: هي البدر يُغنيها تودد وجهها ... إلى كل من لاقت وإن لم تودد فعلل التشبيه كما ترى ولم يخل من نظر إلى عمر. وقال أبو الطيب: واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معًا فجعلها شمسًا والله أعلم، وهذا مذهب الأوائل. وعسى إن كان لمذهب الجواري في التشبه بالغلمان كالتي نعت أبو نواس في الهمزية، ومذهب الغلمان في التشبه بالجوري، كقوله في الجيمية: يديرها خنث في لهوه دمث ... من نسل آذين ذو قُرط ودواج (وإن لم يخل في هذا من نظر إلى أوصاف الجاهلية) أقول عسى إن كان لكل ذلك جانب عظيم في تسيير تشبيه الوجه الحسن

стр. 1149

مذكرًا كان أو مؤنثًا بالقمر، وتشهيره، حتى قد ابتذل كما قدمنا. قال الآخر: يا شبيه البدر في الحسـ ... ـن وفي بُعد المنال وقال مهيار يجمع بين البداوة واللين: ورب ركب مُدلج ... مر عليه موهنا يحمي البدور بالستور والستور بالقنا وقال أحد شعراء اليتيمة: يا شبيه البدر حُسنًا ... وضياء ومثالاً أنت مثل الورد لونًا ... ونسيمًا وملالاً زارنا حتى إذا ما ... سرنا بالقرب زالا ولا يدري هذا أفي جارية هو أم في غلام. وقال أبو نواس: لو أن مررقشًا حي ... تعلق قلبه ذكرًا. كأن ثيابه أطلعـ ... ـن من أزراره قمرًا وهذا يمكن حمله على أحد وجهين- إما أن يكون أراد المبالغة، لأن مرقشا ممن أهلكه الحب. وإما أن يكون أراد نوعًا من الزراية بمرقش في قصته المعروفة مع فاطمة وابنة عجلان، ومثل هذا لا يستبعد. وقال في جارية: يا قمرًا أبصرت في مأتم ... يندب شجوًا بين أتراب يبكي فيذري الدمع من نرجس ... ويلطم الورد بعناب

стр. 1150

وقد كان أبو نواس فاجر اللسان والله أعلم بحقيقة أمره. وقد أتهمه ابن رشيق في احتراس وتردد. وبرأه ابن المعتز مما ينسب إليه في مذهب الغزل المنحرف وليس هذا بموضع الاستقصاء. وقال الحسين بن الضحاك الخليع في غلام: تتيه علينا إن رُزقت ملاحة ... فمهلاً علينا بعض تيهك يا بدر وقال المعري: وذكرني بدر السماوة بادنًا ... شفًا لاح من بدر السماءة بالي فعاد التشبيه غلى قريب من عنصره القديم للذي خلطه به من ذكر الهلال والشفا البالي. وقد كانت العرب مما تذكر الهلال في النحول وتشبه به الإبل المضناة، تنظر في ذلك إلى ما يعروها من هزال وتقوس، ولا يخلو هذا من صنيعهم من معنى الإعجاب بصبرها ودأبها والرحمة لها. قال الفرزدق: إذا ما أُنيخت قاتلت عن ظهورها ... حراجيج أمثال الأهلة شُسف وموضع هذا ونحوه في باب الخروج إن شاء الله. هذا والنجوم منهن المذكرات والمؤنثات. وقد يحملن كثيرًا عن التذكير كما في قول طرفة يصف نداماه: نداماي بيض كالنجوم وقينة ... تروح علينا بين بُرد ومُجسد وقال الآخر: مرزئون ثقال في مجالسهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري وقال أبو تمام: والجعفريون استقلت ظُعنهم ... عن قومهم وهم نجوم كلاب

стр. 1151

وقال عمر: أيها المُنكح الثريا سُهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان يعرض بالثريا بنت علي وسهيل بن عبد الرحمن فأنث وذكر كما ترى. وأنث أبو حية النجم في قوله: فأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصبح في أعقاب نجم مُغرب وأحسبه عنى بالنجم ههنا الثريا. والثريا مما تُذكر كثيرًا في نعوت النساء. وجاء بها ابن عنقاء الفزاري في نعت الرجال فقال: كأن الثريا عُلقت في جبينه ... وفي كفه الشعري وفي جيده القمر فإما أن يكون قد حمل معنى الجبين على الجبهة أو معنى الثريا على النجم وإنما أراد تلألؤ الجبين. أما الشعري فمن نجوم الأنواء ونسبها إلى كفه يريد جوده وكانت الشعري مما ألهه بعض العرب قال تعالى ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ وأما في جيده القمر فما أراه عنى به إلا وجهه. والثريا في تشبيه النساء أشبه. قال ابن الخطيم: كأن الثريا فوق ثُغرة نحرها ... توقد في الظلماء أي توقد وقال الفرزدق لما بلغه أن هندًا الفزارية لم تجزع على بشر بن مروان حين مات: فإن تك لا هند بكته فقد بكت ... عليه الثريا في كواكبها الزهر

стр. 1152

وقال سحيم عبد بني الحسحاس: كأن الثريا عُلقت فوق نحرها ... وجمر غضى هبت له الريح ذاكيًا والنظر إلى ابن الخطيم وإلى امرئ القيس ههنا لا يخفى. والثريا كثيرًا مما تذكر في باب الورود بعد الرحلة، ويقولون النجم والنظم يعنونها، وإنما المراد بذكرها الإشعار بقرب طلوع الفجر لأنها تسقط مع الفجر قال تعالى ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ فأقسم بالفجر في تفسير من فسر النجم بالثريا وهو الراجح. قال أبو ذؤيب الهذلي: فوردن والعيوق مقعد رابـ ... ـيء الضرباء خلف النظم لا يتتلع وباب الورد والخروج والنسيب والأغراض كل أولئك مما يتداخلن عند جماعة من الشعراء. ومن أفعل الناس لذلك امرؤ القيس في الجاهليين وذو الرمة في الإسلاميين. وله في الفجر: فغلست وعمود الصبح مُنصدع ... عنها وسائره بالليل مُحتجب وقال سحيم يذكر النساء: وما رمن حتى أرسل الحي داعيًا ... وحتى بدأ الصبح الذي كان تاليًا وحتى استبان الفجر أشقر ساطعًا ... كأن على أعلاه سبًا يمانيًا وشبه ذو الرمة الفجر بالمرأة فقال: كأن عمود الصبح جيد ولبة ... وراء الدجى من حُرة اللون حاسر فههنا تشبيه خفي للمرأة بالشمس أو بالثريا. وهذا جيد في بابه. وما أكثر ما يذكر الفجر مع الخمر وقد نعرض لشيء من هذا عند ذكر الخمر.

стр. 1153

وقد يذكر مع الشيب كما في قول الفرزدق: والشيب ينهض بالشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار فشبهه بأول طلوع الفجر كما ترى. والشيب باب شديد الدخول في معنى الهم والشوق وسنعرض لبعضه في باب الغزل إن شاء الله. وقال ذو الرمة في الفجر والورود والثريا: وماء قديم العهد بالإنس آجن ... كأن الدبا ماء الغضى فيه يبصق أي لخضرته وقدمه كأنه صغار الجراد قد بصقن فيه عصارة ما أكلن من شجر الغضى. وردت اعتسافًا والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء مُحلق وهذا كأنه قبيل سطوع الفجر قيل، وعند الفجر تميل النجوم لتغرب. يرف على آثارها دبرانها ... فلا هي مسبوق ولا هي يلحق ثم ساق قصة الثريا والدبران، وذلك أنه -فيما زعموا- قد خطب الدبران الثريا فولت منه فساق إليها مهرها وتبعها فلا هي تسبقه ولا هو يلحقها فينالها، قال في المهر فذكر أنه عشرون نجمة من صغار النجوم وشبهها بالقلائص يحدوها راكب متعمم وهي قد كادت تفرق عليه: بعشرين من صُغرى النجوم كأنها ... وإياه في الخضراء لو كان ينطق قلاص حداها راكب مُتعمم ... هجائن قد كادت عليه تفرق وهجائن أي بيض. وللعرب أساطير كثير من هذا الضرب مما يطول ذكرها وكلها راجعة إلى معنى

стр. 1154

التأليه. وقد ذكر منها المعري قطعة صالحة في نونيته «عللاني فإن بيض الأماني» - من ذلك قوله: وسهيل كوجنة الحب في اللو ... ن وقلب المُحب في الخفقان يُسرع اللمح في احمرار كما تُسـ ... ـرع في اللمح مُقلة الغضبان مستبدًا كأنه الفارس الـ ... ـعلم يبدو مُعارض الفرسان ضرجته دمًا سيوف الأعادي ... فبكت رحمة له الشعريان وههنا إشارة لما تزعم العرب من أن سهيلاً فحل يعارض النجوم ولا يباريها. ومن أنه قتل وكانت معاه أختاه الشعريان، ففزعت الشعري العبور فاجتازت المجرة هربًا فسميت العبور لذلك. وبقيت الغيمصاء تبكي حتى غمصت عينها فسميت الغميصاء لذلك. وقد ذكر المعري الورود فخلط بنعت الفجر بعض ما كان يعتقده المسلمون على مذهب التشيع- قال: وبلاد وردتها ذنب السر ... حان بين المهاة والسرحان وعلى الكون من دماء الشهيديـ ... ـن علي ونجله شاهدان فهما في أواخر الليل فجرًا ... ن وفي أولياته شفقان وقال جرير يذكر مميل النجوم عند الفجر: ولقد عجبت من الديار وأهلها ... والدهر كيف يُبدل الأبدال ورأيت راحلة الصبا قد أقصرت ... بعد الوجيف وملت الترحالا إن الظعائن يوم بُرقة عاقل ... قد هجن ذا سقم فزدن خبالا طرب الفؤاد لذكرهن وقد مضت ... بالليل أجنحة النجوم فمالا وبيت جرير هذا فيه معنى الطرب للنجوم كما فيه الطرب من أجل ذكرى الحسان- ولا تخلو النجوم ههنا من أن الشاعر قد أشربها معنى الشوق والحنين الذي يكون مع ذكر البرق والديار والنار وهلم جرا.

стр. 1155

والنجوم مما يتأملهن الشعراء من أجل حسنهن واعتلائهن وفي الذي مر بك شواهد كثيرة من ذلك. وحتى الذين يرعون النجوم من أجل الهم والسهر لا يعزبون عن تأمل جمالهن كالذي رأيت في كلام النابغة والمهلهل- إلا أن تأملهم تشوبه ذاتية ما هم بصدده، ولذلك ما زعمنا أن قري امرئ القيس حيث ذكر الليل والنجم مختلف عنهم، لما فيه من معاني التجرد والتأمل المحض. وأدخل في باب التغني بالنجوم وحسنهن قوله: إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل ويمازج هذا نفس من غزل كما ترى. وقول جرير الذي مر، وقوله من أخرى: لقد فاضت دموعك يوم قر ... لبين كان حاجته ادكارًا أبيت الليل أرقب كل نجم ... تعرض حيث أنجد ثم غارا وقول النابغة: أقول والنجم قد مالت أوائله ... إلى المغيب تأمل نظرة حار ألمحه من سنا برق رأى بصري ... أم ضوء نُعم بدأ لي أم سنا نار وفي هذا تشبيه خفي لوجهها بالشمس وضوء الفجر. وقول امرئ القيس: نظرت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تُشب لقفال كل ذلك لاحق بمعنى إجراء النجوم مجرى البرق والنار في معرض الترنم بأشجان الحنين. ويوشك أن يلحق بهذا ما يذكره الشعراء من تأمل النجوم بعد طروق الطيف وزواله وتأريقه لهم- وهذا باب سنلم به فيما يلي إن شاء الله.

стр. 1156

هذا وللمتأخرين من المولدين مذهب في تأمل الأجرام العلوية ينظرون فيه إلى الفلسفة والتنجيم كما قد ينظرون إلى طريقة القدماء في الحنين والسهر والتأمل. إلا أن أسلوب البديع والتطرف بمحسناته أغلب على منهجهم. وهذا باب يحتاج إلى أن يفرد له بحث قائم به في غير هذا الموضع. والقارئ أصلحه الله يعلم نحو قول ابن المعتز: أنظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر وقول المعري: ليلتي هذه عروس من الزنـ ... ج عليها قلائد من جُمان وقد جرى في هذا على مذهب البديع، وله بالنجوم والنيرات ولع يكاد ينفرد به وقد عرضنا لشيء منه في فصلنا عن الدرعيات. وقول البحتري: عكست حظه الليالي وأمسى الـ ... مشتري فيه وهو كوكب نحس وهذا ينظر إلى معتقدات المنجمين. وقد كان أبو الطيب في بعض طواله يقارب منهج القدماء، كقوله: حتام نحن نساري النجم في الظلم ... وما سراه على خف ولا قدم وهذا من جياد مطالعه وقوله: أحاد أم سداس في أحاد ... ليلتنا المنوطة بالتناد كأن بنات نعش في دُجاها ... خرائد سافرات في حداد وقد يلحق بهذا بعض مطالعه في الهم نحو: أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن

стр. 1157

والشيب نحو قوله: ضيف ألم برأسي غير محتشم ... والسيف أحسن فعلاً منه باللمم وأبو الطيب سيد المحدثين غير مدافع. وهذا بعد باب يطول. تتمة في رموز الحنين (١): مما يلحق بالليل والهم والشوق ومعاني الحنين رموز كثيرة وأوصاف تجري مجرى الرموز، منها ما ألمعنا إليه إلماعًا ومنها ما أضربنا عنه أو سهونا أو غاب عنا. وفي الذي ذكرناه أو سنذكره ما قد يغني عنه أو يدل عليه. مثال ذلك الريح والنسائم والشباب والشيب والغراب والزجر والصحراء والروضة وأحاديث الرحيل والعتاب وما لا يكاد يحصى من مظاهر الطبيعة والحياة. وكثير من هذه الأصناف قد يقع في عرض النسيب أو تستهل به القصائد. كقول المرار مثلاً في الشيب: عجب خولة إذ تنكرني ... أم رأت خولة شيخًا قد كبر وكساه الدهر سبا ناصعًا ... وتحنى الظهر منه فأطر وقول المرقش في العيافة: ألا بأن أصحابي ولست بعائف ... أدان بهم صرف النوى أم مخالفي وكذلك قول الأعشى: ما تعيف اليوم في الطير الروح ... من غراب البين أو تيس نطح وقال عنترة: ظعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى بينهم الغراب الأبقع ومن هذا القري للمحدثين قول البحتري: زعم الغراب مُنبيء الأنباء ... أن الأحبة آذنوا بتناء

стр. 1158

وقول المعري: نبي من الغربان ليس على شرع ... يُخبرنا أن الشعوب إلى الصدع واجعل باب الحمامة مثلاً مما يدل دلالة عكسية على باب الزجر وقد يلتقيان كما رأيت من كلام جحدر، وباب الخصوبة والسقيا مثلاً مما يدل دلالة مباشرة على الشباب، وعكسية على الشيب وهلم جرا. وهذا مجال فسيح. ومما يحسن أن نكمل به ههنا ذكر الطيف وأمثال أخر مما هو كثير الدوران في باب الحنين، وكلها مما ألمعنا إليه أو فصلنا بعض التفصيل، ولكن موقعها ههنا مما عسى أن تتم به الفائدة، ونأمل أن يسلم من مملول التكرار. وقد يذكر الطيف بقصد الغزل كما يذكر لحاق الحنين وقد تجمع فيه معاني هذين فتختلط. ونحن سنختصر من الحديث في هذا الموضوع ما هو أشبه بالحنين وكالرمز له. فمما استهل به الشعراء من القصائد في ذكر الطيف وتأريقه قول تأبط شرا: يا عيد مالك من شوق وإيراق ... ومر طيف على الأهوال طراق والطيف مما يوصف باجتياز الأهوال وسنعرض لهذا المعنى في باب الغزل إن شاء الله. ومما استهلوا به قول حسان: تبلت فؤادك في المنام خريدة ... تسقي الضجيع ببارد بسام وقول الأعشي: ألم خيال من قتيلة بعدما ... وهي حبلها من حبلنا فتصرما وقول بشر ابن أبي خازم: أحق ما رأيت أم احتلام ... أم الأهوال إذ صحبي نيام

стр. 1159

وقال معود الحكماء: طرقت أمامة والمزار بعيد ... وهنًا وأصحاب الرحال هجود وقال المرقش الأصغر، وقد مر بك آنفًا قوله في الطيف يشكو ويسترحم، وليس هذا بمطلع قصيدته: أمن بنت عجلان الخيال المطرح ... ألم ورحلي ساقط مُتزحزح فلما انتبهت للخيال وراعني ... إذا هو رحلي والبلاد توضح ولكنه زور ييقظ نائمًا ... ويُحدث أشجانًا بقلبك تجرح وهذا البيت الأخير كالنص في ما نحن بصدده من معاني رمزية الطيف للشجن والتأريق وما إلى ذلك. وقال سويد في قري هذا المعنى، وليس بمطلع: هيج الشوق خيال زائر ... من حبيب خفر فيه قدع شاحط جاز إلى أرحلنا ... عُصب الغاب طروقًا لم يُرع آنس كان إذا ما اعتادني ... حال دون النوم مني فامتنع فأبيت الليل ما أرقده ... وبعيني إذا النجم طلع وإذا ما قلت ليل قد مضى ... عطف الأول منه فرجع يسحب الليل نجومًا ظلعًا ... فتواليها بطيئات التبع ويزجيها على إبطائها ... مُغرب اللون إذا اللون انقشع وعنى بمغرب اللون، الفجر. وفي قول سويد ما ترى من التحسر والتذكر والتأمل والضيعة والشوق الذي لا يكاد يطلب شيئًا وليس بواجده إن فعل.

стр. 1160

ويعجبني قول الآخر، يرثي إخوانًا له، تراءوا له في المنام، وهو مما يستشهد به النحاة في باب الرؤيا القلبية: أبو حنش يؤرقني وطلق ... وعمار وآونة أثالا أراهم رُفقتي حتى إذا ما ... تجافى الليل وانخزل انخزالاً إذا أنا كالذي يجري لورد ... إلى آل فلم يدرك بلالاً هذا ومن مطالع الإسلاميين في الطيف قول أمية بن عائد: ألا يا لقلب لطيف الخيال ... أرق من نازح ذي دلال وقال جرير وله فيه مطالع: أرق العيون فنومهن غرار ... إذا لا يُساعف من هواك مزار هل تبصر النقوين دون مخفق ... أم هل بدت لك بالجنينة نار طرقت جعادة واليمامة دونها ... ركبًا تُرجم دونها الأخبار وجعادة ابنته. وله في مطلع كلمة أخرى: طرقت لميس وليتها لم تطرق ... حتى تفك حبال عان مُوثق وأمثلة هذا عند الإسلاميين كثير. ومن أمثلته عند المولدين قول مروان بن أبي حفصة ونظر إلى جرير وكان به معجبًا: طرقتك زائرة فحي خيالها ... زهراء تخلط بالجمال دلالها وقد أكثر المولدون من ذكر الطيف إكثارًا كادوا يبتذلونه به، ولهم بعد فيه كلمات جياد، سنذكر منها إن شاء الله في باب الغزل.
следующие страницы →