← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

صوف قطنا ... يشبه الفنا (١) ومن هذا قول شوقي: مال واحتجب ... وادعى الغضب ليت هاجري ... يعرف السبب ٤) المضارع، ووزنه: (تتن تن. تتن. تتن تن) ×٢ نحو: "مضى عاد صام أقبل"، ومثاله من العبث: كلام الفتى كثير ... وعقل الفتى قليل وهامت به فتاة ... فؤادي بها عليل ففي بيته زواج ... ودقت له طبول وقال أبو العتاهية منه: دعاني إلى سعادا ... دواعي هوى سعادا وزعم المعري في الفصول والغايات أنه لم ينظم فيه القدماء. ٥) المنسرح القصير، ووزنه: (مستفعل مفعولات) ×٢، ومثاله من الحرف "لم هل وفي عن لولاك"، ومن الأفعال: "قاتل وحارب ضاربن" ومن العبث: هذا وهذا هذاك ... والنجم بعض الأفلاك وباء من عاداك ... بالكفر بعد الإشراك وسخطة من مولاك ... وكل ذا من جراك

стр. 107

ومثاله في المنظوم ما نسبوه إلى الشق، وهو نوع من الشياطين، يخاطب أحد القرشيين: علقم إني مقتول ... وإن لحمي مأكول اضربهم بالهذلول ... ضرب غلام بهلول والهذلول: سيفه. وهذا الوزن من الرجز، إذ تفعيلاته "مستفعلن مستفعيل" فلو حذفت إشباع العين حصلت على "مستفعلن مستفعل" وهو وزن كلمة شوقي: "نحن بنو الجبار". وقد يقصر هذا الوزن جدًا حتى يصير على "مستفعلن مستفع" نحو: عندي لكم أخبار ... يا حبذا الأخبار قد سمروا المسمار ... في باب تلك الدار وهذا يشبه وزن "القوما" الشعبي نحو: يا سيد السادات ... لك بالكرم عادات كلمة عامة: هذه البحور سميناها "شهوانية" لأن نغماتها لا تكاد تصلح إلا للكلام الذي قصد منه قبل كل شيء أن يتغنى به في مجالس السكر والرقص المتهتك المخنث. ولو تأملتها جميعًا وجدت في نغمها شيئًا يشعر بالشهوانية، ولسمعت من نقرات تفاعيلها موسيقا ذات لون جنسي، خذ كلمة شوقي في البسيط المنهوك (٢ - ١١١ - ١١٥). طال عليها القدم ... فهي وجود عدم قد وئدت في الصبا ... وانبعثت في الهرم بالغ فرعون في ... كرمتها من كرم

стр. 108

ومنها في صفة الرقص ونسائه: تمرح في مأمن ... مثل حمام الحرم مؤتلف سربها ... حيث تلاقى التام مندفعات على ... مختلفات النغم بين يد في يد ... أو قدم في قدم تذهب مشي القطا ... ترجع كر النسم تجمع في ذيلها ... تتركه لم يلم ترفل في مخمل ... نم ولما ينم وفي المتقارب المجزوء (القصير) نغمة أشد شهوانية من هذه. وقد وجدت في ياقوت ما يدل على أن هذا البحر كان يستعمل في رقصات الأعراس، فقد ذكر ما يشعر بذلك في ترجمته لأحمد بن كليب النحوي الأندلسي (١). وكان أحمد هذا مبتلى بعشق غلام يدعى أسلم، فجعل ينظم فيه الشعر حتى شاع ذلك عنه، وروي شعره، وتغنى فيه، ورقص عليه، ومما ذكر ياقوت أنه تغني فيه ورقص عليه في الأعراس قوله: أأسلمني في هواي ... أسلم هذا الرشا غلام له مقلة ... يصيب بها من يشا وشى بيننا حاسد ... سيُسأل عما وشى ولو شاء أن يرتشي ... على الوصل روحي ارتشى

стр. 109

وليس في هذه الأبيات كبير طائل، وإنما أعجب الناس وزنها الفاجر، وقافيتها الوحشية، التي تناسب ما ذهب إليه من معاني الرفث. والمقتضب يدلك على دعارته قول شوقي: مال واحتجب ....... (القصيدة). وقوله: حف كأسها الحبب ....... (القصيدة). والوزن الثاني أشد دعارة. ويبدو لي أن شوقيًا كان منفعلا حقًا حين نظم "حف كأسها"، وهاك على سبيل المثال أبياته منها: الحرير ملبسها ... واللجين والذهب والقصور مسرحها ... لا الرمال والعشب فالقدور بان ربًا ... بيد أنها تثب يلعب العناق بها ... وهو مشفق حدب فهي مرة صعد ... وهي مرة صبب الرؤوس مائلة ... في الصدور تحتجب والنحور قائمة ... قاعد بها الوصب والنهود (١) هامدة ... والخدود تلتهب والخصور واهية ... بالبنان تنجذب وليس في هذا كثير معنى، وإنما هي شهوة تحولت ألفاظًا، ولبست هذا النغم.

стр. 110

والمضارع يكفيك من لينه أن أول من نظم فيه أبو العتاهية، على ما ذكره المعري في الفصول والغايات، وقد كان أبو العتاهية مخنثًا أو أمره. والمنسرح القصير ربما ينبو عنه ذوق الحضر الآن، وربما كان المتحضرون ببغداد لا يميلون إليه. ولكن هذا لا يقدح في زعمنا أنه ذو "لون جنسي"، فالبدو كالحضر يحسون بالشهوة و"الكبت". وقد كان هذا الوزن من أنغام الرقص الشهواني عندهم. أليس أصحاب السِّير يروون لنا أن هندًا وصويحباتها كن ينقرن بالدفوف متبرجات، ويمشين بين الصفوف يوم أحد ويتغنين: وبها بني عبد الدار ... وبها حماة الأدبار ضربًا بكل بتار إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق (١) هذا، وأهل مكة لم يكونوا بدوًا. ولكن أذواقهم بالنسبة إلى من جاء بعدهم من متحضرة بغداد ومتحضرة العصر الحاضر، أقرب إلى البداوة منها إلى الحضارة، ولا تقل لي: إن المثل الذي استشهدت به واحد، لا تقوم به حجة، أو تعارضني بأن هذا الكلام قد قيل في ساحة الحرب، وليس في ذلك ما يدل على الشهوانية، فإني قد قدمت لك ومهدت، بأن هذا النوع من الأنغام كان (ولا يزال كما سأبين بعد) شهوانيا بالنسبة إلى البدو والعرب الأولين. والغرام والشهوة والحرب كانت مرتبطة معًا في حياتهم، وثيقة الصلة فيما بينها. ويصدق ذلك ما نجده في أراجيز أبطالهم، وهم بإزاء الصوارم والقنا، وبمرأى ومسمع من الموت، بأمثال قول الكناني (٢):

стр. 111

جررن أطراف الذيول واربعن ... مشي حييات كأن لم تفزعن إن يمنع اليوم نساء تمنعن وقول عكرمة بن أبي جهل في اليرموك: يا ليتني ألقاك في الطراد ... عند التحام الجحفل الوراد تمشين في حليتك الوراد ولم يزل هذا دأبهم في حروبهم حتى دهمتهم العصبية الدينية في صفين وما بعدها من حروب (١)، فطارت بذكر النساء، وبددته تبديدًا، وبدلته بمثل نشيد أعداء علي: يا أيها الجند الصليب الإيمان ... قوموا قيامًا واستعينوا الرحمن إني أتاني خبر ذو ألوان ... أن عليًا قتل ابن عفان وكلمة عمار: نحن ضربناكم على تنزيله ... فاليوم نضربكم على تأويله ضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله وذاك ديني آخر الليالي

стр. 112

وليس ارتباط الغزل بالحرب عند العرب الأولين (قبل أن تعصف بهم الفتن والأهواء والعصبيات) بأمر يدعو إلى الاستغراب .. فقد كان الظفر في الحروب معناه سبي العقائل والكواعب (١). وفي أخبار الأيام والحروب الجاهلية ما يدل على أن أي ظفر (وإن كان قصير الأمد، وإن تبعته هزيمة منكرة) كان يتيح أحيانًا للظافر أن يسبي ويستمتع بمن يسبيه. من ذلك ما كان بين عامر بن الطفيل وأسماء بنت قدامة بن سكين الفزارية يوم الرقم (المفضليات ٣٠ وراجع ٧١٢) وكان لغطفان على عامر رهط ابن الطفيل، وانتحر فيه جماعة منهم من مرارة الهزيمة بعد بوادر الظفر. ونحو من ذلك ما ذكره الواقدي في خبر أحد، من أن بعض المسلمين ندموا بعد الهزيمة على إفلات ما كان وقع بأيديهم من السبي والغنائم (٢). وإذ قد كانت حياة أولئك القوم على هذه الحالة من العنف، أفتعجب أن وجدناهم يستعملون أكثر أنغامهم شهوانية، وأوضحها اصطباغًا باللون الجنسي في ميادين القتال، وفي التحريض على الغارة والثأر؟ وأرجع القارئ -هنا- شيئًا إلى علم العروض. العروضيون يعتبرون أمثال "ويهًا بني عبد الدار" من المنسرح، وحجتهم في ذلك أنك تحصل عليه بحذف آخر تفعيلة من شطر المنسرح. [المنسرح: "مستفعلن مفعولات مستفعلن ×٢، وهذا مستفعلن مفعولات ×٢"] وهذه حجة واهية فيما أرى. وهذا الوزن عندي ضرب من الوجز مختصر من طراز أطول منه قليلًا، يسميه

стр. 113

العروضيون السريع الموقوف (١) المشطور، ووزنه: "تن تن تتن، تن تن تتن، تن تن تان" في اثنين [وربما تكون آخر تفعيلاته تن تتان]، ومثاله: إن ثقيفًا منهم الكذابان ... كذابها الماضي وكذاب ثان وكل شطر من هذين يعد بيتًا في عرف العروض. وهذا الوزن كما ترى أصله "مستفعلن مستفعلن مستفعيل" وهذا رجز. وكلا الوزنين كانا عندهم بمنزلة النغم القصير الخفيف. وكانوا يستعملونهما في الحروب كما رأيت من بعض ما استشهدنا به، وفي التحريض عليها كما في قول أبي عزة (٢): ويهًا بني عبد مناة الرزام ... أنتم حماة وأبوكم حام لا تعدوني نصركم بعد العام ... لا تسلموني لا يحل إسلام أي إسلام للعدو. وكانوا يستعملون هذا الوزن في التقاذف والتنابز، أو كما يقول المصريون: "الردح"، الذي يراد لأن يحفظ بسرعة، وتتلقفه الجواري والولدان. من ذلك أبيات سالم بن دارة يهجو زميل بن أبير وبني فزارة: حدبدبا بدبدبا منك الآن ... استمعوا أنشدكم يا ولدان إن بني فزارة بن ذبيان ... قد طرقت ناقتهم بإنسان مشيأ أعجب بخلق الرحمن (٣)

стр. 114

وكانوا يخلطون بين الوزنين الطويل والقصير في مسمطات، شطران منها أو ثلاثة أشطار تجيء على وزن "مستفعلن مفعولات" والشطر الأخير: "مستفعلن مستفعلن مفعولات" (١) نحو قول الدرامي (المفضليات ٤٣٠): الورد ورد عجلان ... والشيخ شيخ ثكلان والجوف جوف حران ... أنعى إليك مرة بن سفيان ولا شك أن هذا النوع من النظم كان شائعًا في الجاهلية، برغم أني لم أجد منه إلا هذا الشاهد المنفرد (٢). وأرجح أن رواية ابن دارة كما كان ينشدها الصبيان هي (هذا مجرد حدس يقويه وزن الدارمي): حدبدبا منك الآن ... بدبدبا منك الآن استمعوا أنشدكم يا ولدان حدبدبا منك الآن ... بدبدبا منك الآن إن بني فزارة بن ذبيان وهلم جرًا ودليل على ما أزعمه من شيوع هذا الوزن بين العرب الأولين في شعرهم الشعبي مع أن شاهدي واحد، هو أن هذا الشاهد مع غرابته وشذوذه، صحيح الرواية (رواه ابن الأنباري عن شيوخه) فلا يستبعد أنه قد كانت له نظائر أهملها الرواة لغرابتها وشذوذها. وفضلًا عن ذلك فإن هذا الوزن بعينه مستعمل الآن بين بدو السودان، وقد أخذ يدخل في الأغاني "الأمدرمانية". ولا يمكن أن يكون أهل

стр. 115

السودان جاؤوا به من الهواء، إذ كل الأوزان التي يستعملونها من أصول عربية. وفي بقاء هذا الوزن سالمًا بينهم كعهده الأول لا تغيير فيه [إلا استعمال "مفعولن" مكان "مفعولات" أحيانًا وهذا كلا تغيير] ما يقوي حجتنا. واسم هذا الوزن في السودان "الجابودي" من جبد وهي تحريف جبذ [كجذب وزنا ومعنى]. وسمي "الجابودي" لأنه ينشد ويصطف الفتيان والفتيات إزاءهم في صف ثم يتحركون ويتحركن (١) حركات تعتمد على ارتفاع الصدر وهبوطه مصحوبًا ذلك بالتصفيق بالأيدي مشالة حتى تصير أمام الراقص الموازي، وكأن الصفين -وهما يفعلان ذلك- يتجابذان ثوبًا هفهافًا. وهاك مثالا منه كما هو العامية السودانية: زرع الخريف القايم ... ما فيه ريد بهايم ضلل يا غيم للزول السارح صايم (٢) وكثيرًا ما يستعمل هذا الوزن في أناشيد الحماسة. فلعل هذا يقوى عندك ما قلناه بدءًا من ارتباط الغزل بالحرب عند البدويين.

стр. 116

مستفعلن مفعو أو مفعول (٥) هذا الوزن رجزي أصله البسيط المنهوك أو المنسرح المنهوك، وكلاهما ذو لون جنسي، ولكنه خال من اللون الجنسي كل الخلو، وسبب ذلك قصره الشديد، ولا بد في الأوزان الجنسية من تكفؤ. وهذا الوزن بصيغته "مستفعلن مفعول" و"مستفعلن مفعو" كثيرًا ما يرد في الكلمة الواحدة، من ذلك قول شوقي في رواية مجنون ليلى (٤٥ - ٤٦): هلا هلا هيا اطو الفلا طيا وقرب الحيا للنازح الصب جلاجل في البيد شجية التغريد كنغمة الغريد في الفنن الرطب أناح أم غنى أم للحمى حنا جليجل رنا في شعب القلب إلى آخر ما قاله وهذا نشيد حلو عذب، ولمثله يراد هذا البحر. بحر المجتث (٦) هذا بحر قصير ليس بجنسي اللون، ولو أريد به إلى ذلك أطاع، وقد عده ابن عبد ربه أحلى البحور. وقال فيه إسحق الموصلي وهو يتغنى بحضرة الرشيد: اسمع للحن خفيف ... من صنعة الأنباري ووزنه: "مستفعلن فاعلاتن أو فعلاتين" مرتين والخفة والظرف جاءاه "فاعلاتن"، ولو كان استمر على "مستفعلن" لكان رجزًا ليس إلا: ولو كانت فاعلاتن تقدمت لكان جنسي اللون فيه تكفؤ. ومثاله من العبث: يأيها الذاهبونا ... مهلا ألم تعرفونا

стр. 117

هلا وقفتم قليلا ... فإننا واقفونا والله أنتم أناس ... للعهد لا تحفظونا مستفعلن فاعلاتن ... مستفعل فاعلونا مستفهم فاهمات ... مستفهم فاهمونا ومثاله من منظوم الشعراء قول المرحوم التيجاني يوسف بشير (١): أذبت من خمر روحي ... على يديه وثغره بقية من ربيع ... شقيت وحدي بزهره ولا أذهب إلى ما ذهب إليه ابن عبد ربه من أن هذا البحر أحلى البحور جميعها، فالهزج والرمل المجزوء كلاهما أحلى منه عندي. ولا أنكر أن له رنة عذبة، وأنه من الأبحر القصار القليلة التي يحسن فيها تطوير الكلام للإطراب والإمتاع. وقد عرف المتصوفة هذه المزية له فأكثروا من استعماله في أناشيدهم من ذلك: يا قبلتي في صلاتي ... إذا وقفت أصلي وهي نشيد معروف, ولسبط ابن التعاويذي (٢) مقطوعات ومطولات حسنة من هذا الوزن نحو (ديوانه ٣٦٢): بمن أباحك قتلي ... علام حرمت وصلي أنفقت فيك دموعي ... والدمع جهد المقل أتعبت نفسك يا عا ... ذلي عليه بعذلي كيف السلو وقلبي ... رهن دليه وعقلي

стр. 118

وقد أكثر المرحوم التيجاني يوسف بشير من استعمال المجتث. وبعض الناس يعجبهم قوله (ديوانه ٤٨): آمنت بالحسن بردًا ... وبالصبابة نارا وبالكنيسة عقدا ... منضدًا من عذارى وبالمسيح ومن طا ... ف حوله واستجارا إيمان من يعبد الحسـ ... ـن في عيون النصارى وهذا كلام حسن ظاهره، ولكنه فيه هنات، منها قوله "منضدًا" والوجه "منظمًا" إذ التنضيد يكون للمتاع لا العقود (١). وقوله "طاف حوله" وإنما عنى "اتبعه" فاستعمل لغة الجرائد وهي لا تصلح للشعر، وإن كان عنى بقوله "طاف حوله" "قدسه" فقد أخطأ الاستعارة, وكأنه نظر إلى طواف المسلمين حول الكعبة ونسب مثله للنصارى (٢). وف يالكلام بعد -على ظرفه البادي- روح غير مهذب, لا سيما البيت الأخير، فإنك لو ترجمته إلى العامية لصار شيئًا من هذا القبيل: "أموت في دين عيسى ... وفي دين عيون النصرانيات" (٣) وهذا أليق لأن يقال في المقاهي والبارات لا الشعر. ومن مجتثيات التيجاني التي تعجب الناس رائيته في توتي (ديوانه ٣٥ - ٣٨) وفيها أبيات حسنة كقوله: يا درة حفها الما ... ء واحتواها البر (٤)

стр. 119

وهو مطلعها، وكقوله: والفلك في جانبيها ... كالدهر ما تستقر وكقوله يصف شجرة مطلة على النيل: ورب قنواء ... للعصم والأنوق مقر أوفى على النيل فرع ... منها وأشرف جذر يقلها الدهر عرقا ... ن مستطيل وشبر يكاد يلفظها الشـ ... ـط وهي شمطاء بكر وهذه الأبيات أجمل ما في القصيدة، وهي من أجل شعر التيجاني. ولو كان نظم سائر القصيدة على منوالها لكان قد أحسن جدًا. على أنها ذاتها لا تخلو من مآخذ لغوية كما في بيته "ورب قنواء إلخ" ومراده أن يقول: وربب دوحة سامقة، فأساء في الأداء. والقنا توصف به الأنوف، وهو احديداب مع ارتفاع، وقد يوجد للتيجاني في استعماله هنا مخرج وتأول. والعصم جمع أعصم وعصماء, وهي ضرب من الوعول لا تأوي إلى رؤوس الشجر، وإنما تأوي إلى شعاف الجبال. (وتوجد في شمال السودان) والأنوق وهي الرخم تقر على الطوال والقصار من الشجر كما تقر على الأرض، وقد رأيتها تفعل ذلك. ولعل الشاعر غره قولهم: " بيض الأنوق والأبلق العقوق" فحسب أن مقر الأنوق كمقر بيضه (١). هذا، وفي غير الأبيات التي ذكرناها ركب المرحوم التيجاني ضروبًا من التكلف أفسد عليه لفظه فأوقعه في الركاكة، وبعضها أفسد عليه معانيه، وشاب صدق عاطفته بنوع من كذب -من ذلك قوله عن سواقي النيل يصف جرارها المشعوبة:

стр. 120

إن الجرار وقد ضا ... ق بالقليب الممر تكسرت وهي تهوي الخ .. الخ ولا قليب ولا ممر (والقليب: البئر) وإنما هي تغرف من النيل وقد ثلمها تطاول الدهر وبؤس الفلاحين، وعجزهم أن يستبدلوها بغيرها، وهذا أمر عرفته بالمعاينة، وقد كان التيجاني ﵀ حضريًا من أهل أم درمان. ومن ذلك قوله في الشجرة المطلة على النيل: وتلك يأوي إليها ... في الوقدة المستحر ثم قوله بعد أن فرغ من وصف المنظر البادي من توتي: كم في المزارع قوم ... شم العرانين صعر ذياك يعزق في العشـ ... ب جاهدًا ما يقر إلخ .. إلخ فهذا كله عناء لا طائل وراءه. وما أشك أن الدفع الأول الذي ألهم التيجاني أن ينظم هذه القصيدة هو رغبته أن يفصح بمعاني النشوة والفرح التي يحسها الإنسان عندما يستقبل ملتقى النيلين وتوتي عند الصباح أو الأصيل. واختيار التيجاني للمجتث، وهو وزن رشيق حلو النغمة لا يصلح لغير مجرد الإطراب والإمتاع, يدل على ذلك. ولكنه ﵀ لم يطلق نفسه على سجيتها، وفكر في النقاد العصريين ممن يعجبهم ملاحظة الدقائق (حتى لو كان الشاعر بعيدًا عنها بحيث لا يراها) كالجرار المنشعبة، وكظل الشجرة الذي يأوي إليه "المستحر"وكالفلاحين المجاهدين بمساحيهم ومكاتلهم ومعاولهم -لا يخالجني شك أن الأبيات المتكلفة التي نظمها التيجاني ليصور بها هاته التفاصيل ما أوقعها في خاطره إلا الرغبة في ترضية هذا النوع من النقاد الذين يسمون أنفسهم واقعيين، ويعجبهم تصوير الكوخ والكدح

стр. 121

والتعاسة والبرام المكسرة. وليت شعري ماذا عسى أن ينفع التعساء مثل هذا الحب البارد من جانب الأدباء والشعراء؟ وكيف ينفع ما تأتي العلوق به ... ئمان أنف إذا ما ضن باللبن (١) هذا على أني لا أعيب تصوير الفقر في الشعر إن كان صادقًا. وإنما أعيب أن يتعمده الشاعر لا لشيء إلا لأنه "موده" مستحسنة بين طبقة من النقاد ومتأدبة العصر (٢). الكامل القصير (٧) هذا البحر أخ للرجز القصير, ويباينه في أن حركاته أكثر. وزن الرجز نحو "مستفسر" مكررة أربع مرات. ووزن الكامل القصير متفاعلن مكررة أربع مرات نحو: متنازع متكاثف متضارب متلاطم، وقد يجيء ممزوجًا بتفعيلات رجزية نحو: مستخرج متقادم ... مستحدث متنازع مستخرج مستفهم ... مسخبر متفاهم وليميز الشعراء بين وزنه والرجز القصير تمييزًا واضحًا تناولوه بضروب من التحسين والتغيير أحيانًا بالزيادة وأحيانًا بالحذف. مثال الزيادة: متفاعلن متفاعلن ... متفاعلن متفاعلون متقدم متأخر ... متقدم متأخرون مستبطئ متياطئ مستعجل متعجلون

стр. 122

ونحوه من الشعر: يا بدر والأمثال يضـ ... ربها لذي اللب الحكيم دم للخليل بوده ... ما خير ود لا يدوم واحفظ لجارك حقه ... والحق يحفظه الكريم وهذا يسميه العروضيون: الكامل المذيل ومن أمثلة الزيادة: متفاعلن متفاعلن ... متفاعلن متفاعلونا متقدم متأخر ... متقدم متأخرونا والفرق بينه وبين الأول تحريك الآخر ومده، أو الإتيان بما يقابل ذلك، ويمكن أن تنشد عليه الأبيات المتقدمة هكذا: يا بدر والأمثال يضربها لذي اللب الحكيم بضم الآخر وإشباعه. ويمكن أن تجيء به على نحو: متفاعلن متفاعلن ... متفاعلن متفا تفاعل نحو: ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنه ونحو: غيري على السلوان قادر ... وسواي في العشاق غادر ونحو: وأحبها وتحبني ... ويحب ناقتها بعيري وهذا يسميه العروضيون: الكامل المرفل ومثال الحذف: متفاعلن متفاعلن ... متفاعلن متفاعل

стр. 123

متأخر متقدم ... متضارب متقادم وإذا هم ذكروا الإسا ... ءة أكثروا الحسنات وهذا الوزن أقل من المرفل والمذيل في استعمال الشعراء قدماء ومحدثين. والنوع الأول من الكامل القصير (بلا زيادة ولا حذف) نشيدي ترنمي كالرجز القصير، وقد أطال فيه بعض الشعراء المتأخرين، مثل مهيار وسبط ابن التعاويذي ولم أجد في كل ذلك شيئًا يستحق الاختيار. وعندي أن المقطوعات وما يجري مجراها من القصائد القصار أوقع هذا الوزن من المطولات. والكامل المذيل والمرفل يزيدان على الكامل الأصلي (متفاعلن متفاعلن) بشيء من أناة، مع ما يشبهانه فيه من روح الترنم والنشيد. ولهذا فإنهما يصلحان لأن تجيء فيهما القصائد الطويلة الرقيقة التي تذهب مذهبًا بين الخطابة والترنم، نحو قول العدواني: أأسيد إن مالًا ملكـ ... ت فسر به سيرًا جميلا آخ الكرام متى استطعـ ... ت إلى إخائهم سبيلا واشرب بكأسهم ولو ... شربوا بها السم الثميلا وكقول أبي فراس: أبنيتي لا تجزعي ... كل الأنام إلى ذهاب نوحي علي بحسرة ... من خلف سترك والحجاب قولي إذا خاطبتني ... فعجرت عن رد الجواب زين الشباب أبو فرا ... س لم يمتع بالشباب وكقول الحماسي: ولقد شربت من المدا ... مة بالكبير وبالصغير

стр. 124

فإذا سكرت فإنني ... رب الخورنق والدير وإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير المثالان الأولان من قبيل الوصايا، والمثال الثالث مجرد تغن، وكلها فيها مذهب خطابي، أعني أن الشاعر فيها يقف منك موقف المخاطب لا المطرب كما في قول مهيار مثلا: أين ظبا المنحنى ... سوالفا وأعينا ورب رسم ماثل ... أعجم ثم بينا فقال من هنا طلعـ ... ن وغربن من هنا ولا القاص كما في قول كثير أو المعلوط السعدى ولعل ذلك أصح (١) ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح الأبيات .. ! ولا المتأمل كما في قول امرئ القيس: أصاح ترى برقًا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل (٢) وقل أن تجد في الشعر العربي كاملًا مذيلًا أو مرفلا لا يصدق عليه ما ذكرنا وأزيدك أمثلة: حائية أمية بن أبي الصلت في السيرة، التي رثى بها قتلى بدر "ماذا

стр. 125

ببدر والعقنقل إلخ" فهذه أريدت للنوح وسياق الكلام فيها خطابي اللهجة، ومثال آخر قول السيد الحميري (١). امرر على جدث الحسين ... فقل لأعظمه الزكيه آأعظما لا زلت من ... وطفاء ساكبة رويه وإذا مررت بقبره ... فأطل به وقف المطيه وابك المطهر للمطهـ ... ـر والمطهرة النقيه كبكاء معولة أتت ... يومًا لواحدها المنيه وهذا كله دعاء واستيقاف، وفيه نفس من التلطف شبيه بما في لامية العدواني، وبائية الحمداني، وميمية يزيد بن الحكم الكلابي "يا بدر والأمثال"، ورائية الحماسي حيث يقول: "وإذا سكرت، وغذا صحوت" -مع اختلاف غرضه عن جمع هؤلاء. ولا يصلح تطويل القصائد في الكاملين: المذيل، والمرفل، إن لم يكن فيها هذا اللون الخطابي اللطيف الذي ذكرناه (وانظر كامليات الأعشى المرفلات). ولهذا السبب تجد أكثر مطولات مهيار وسبط ابن التعاويذي فيهما باهتة فاترة. إلا أن للثاني منهما نونية في المرفل رثى بها فقد ناظريه لا بأس بها (٢). ومنها قوله (والضمير يعود للدنيا): فكأنني لم أسع فيـ ... ـها في طريق مرتين وكأنني متعت منـ ... ـها نظرة أو نظرتين وهذان البحران كثيران في الشعر المعاصر (٣). وأسير قصيدة جاءت فيه منهما

стр. 126

كلمة علي الجارم ﵀: بغداد يا بلد الرشيد وهي متوسطة ولكن إلقاءه كان يحسنها جدًا (١) مخلع البسيط (٨) وزنه ذكره ابن الرومي في قوله: وجهك يا عمرو فيه طول ... وفي وجوه الكلاب طول مستفعلن فاعلن فعولو ... مستفعلن فاعلن فعولو بيت كمعناك ليس فيه ... معنى سوى أنه فضول ومثاله من العبث: مستفهم فاهم فهيم ... مستعلم عالم عليم لنا حمير لنا نعاج ... لنا جمال لنا دجاج عندي كلاب لها نيوب ... مثل السراحين لو تراها قد سعرت كلها ويخشى ... جميع جيراننا أذاها كذاك فيراننا شراس ... قد أفنت القمح والشعيرا وخربت كل ما لدينا ... وشردت قطنا الكبيرا ومثاله من الشعر غناء الجرادتين: أقفر من أهله مصيف ... فبطن نخلة فالعريف

стр. 127

هل تبلغني ديار قومي ... مهرية سيرها ذفيف يا أم نعمان نولينا ... قد ينفع النائل الطفيف وموسيقا هذا الوزن بسيطة فطرية، وهي مزيج من نغمة "هلا هلاهيا" ونغمة "إن تقبلوا نعانق"- هكذا: هلا هلا هية نعانق إن تقبلوا نفرش النمارق هلا هلا نفرش النمارق وفيه نوع من اضطراب وحجلان بين الخفة والثقل، وقد كرهته أذواق المتأخرين إلا قليلا، لأنه، فيما يبدو نغم بداوة يصلح للشدو وما إليه، ولا يستقيم عليه ما يطلبه الذوق الحضري المعقد من أنواع الغناء, ومما يؤيد هذا الفرض أن هذا الوزن بعينه موجود بين قبائل الشايقية والرباطاب في شمال السودان. منه قول بشير الرباطابي يصف القطار: من الدجايه وخمس دقيقه ... كذا البرق طب في الحديقه (١) وفي هذا الوزن على اضطرابه وبداوته رنة شجية وفي كلمتي امرئ القيس: عيناك دمعهما أو شال ... كأن شأويهما سجال وعبيد بن الأبرص: أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب

стр. 128

ما يؤيد ذلك، وعلى هذا يكون ابن الرومي قد أخطأ بصياغته هجاءه "وجهك يا عمرو" فيه، اللهم إلا أن يكون قد تعمد أن يسلك مسلك البداوة، وأنشد أبياته نشيدًا مع ترنم ليضفي عليها من جرس صوته هو ما ليس في جرس كلماتها. ولأبي العلاء مقطوعات حسنة في هذا الوزن منها في "ملقى السبيل" (١): يموت قوم وراء قوم ... ويثبت الأول العزيز كم هلكت غادة كعاب ... وعمرت أمها العجوز أحرزها الوالدان خوفًا ... والقبر حرز لها حريز يجوز أن تبطيء المنايا ... والخلد في الدهر لا يجوز ومنها في اللزوميات (٢): أين امرؤ القيس والعذارى ... إذ مال من تحته الغبيط له كميتان ذات كأس ... تزبد والسابح الربيط استعجم العرب في الموامي ... بعدك واستعرب النبيط وهذا يدلك على عميق ما كان يشعر به أبو العلاء من أسف على تضعضع العرب وفساد ملكتهم في السياسة واللغة أيضًا. هذا، ومخلع البسيط له فرع غريب جدًا، وزنه: متفعلن فاعلن فعل ... متفعلن فاعلن فعولن أو: مستفعلن فاعلن فعل ... متفعلن أو (مستفعلن) فاعلن فعولن وجاء في كلمة مختارة في الحماسة لسلمي بين ربيعه (٣): إن شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون (٤) يجشمها المرء في الهوى مسافة الغائط البطين والبيض يرفلن كالدمى ... في الريط والمذهب المصون (٥) والكثر والخفض آمنا ... وشرع المزهر الحنون (٦)

стр. 129

من لذة العيش والفتى ... للدهر والدهر ذون فنون والعسر كاليسر والغنى ... كالعدم والحي للمنون أهلكن طسما وبعده ... غذي بهم وذا جدون (١) وأهل جأش ومأرب ... وحي لقمان والتقون (٢) أشهد أن هذا الكلام عذب شجي مطرب مرقص. قاتله الله! أنظر كيف جمع لك ملذات الدنيا الحسية كلها في إيجاز، ثم اتبع ذلك كله بالسؤال الأبدي الخالد: ما قيمة هذا كله ما دام الموت بالمرصاد؟ الهزج (٩) وزن هذا البحر عند العروضينن: "مفاعلين مفاعلين مفاعيلن" هذا بيت منه (٣). وعندي أن وزنه يجيء على نوعين: إما "مفاعيلن مفاعيلن"-٢، وإما

стр. 130

"مفاعلتن مفاعلتن"- ٢، ويجوز الجمع بين تفعيلات هذين النوعين هكذا: "مفاعلتن مفاعيلن"-٢ - أو نحو من ذلك. والنوع الثاني يسميه العروضيون مجزوء الوافر, والهزج فيما أرى ضرب من هذا الوافر المجزوء ليس ببحر قائم بذاته، ودليل ذلك أن العروضيين يجيزون "العصب" في مجزوء الوافر وهو تصيير "مُفاعَلَتُنْ" إلى "مُفاعَلْتُنْ" بإسكان اللام، وهذه تساوي: "مفاعيلن". ومثال الهزج من الكلمات "بهاريج صهاريج". و"صياريف دنانير" و"مجادلة محاربة مناصرة مخاذلة" وهكذا نحو: مجادلة مجاديل ... فوانيس طرابيش تهاويل محاولة ... تصاوير تهاميم وهاك مثاله من العبث القديم، قول بشار: ربابة ربة البيت ... تمج الخل في الزيت لها عشر دجاجات ... وديك حسن الصوت هذا، ومما يدلك على أن العرب لم تكن تميز بين ما يسميه العروضيون الوافر المجزوء، وما يسمونه الهزج قول الآخر (١): لمن نار بأعلى الخيـ ... ـف دون البئر ما تخبو إذا ما أخمدت ألقي ... عليها المندل الرطب أرقت لذكر موقعها ... فحن لذكرها القلب فهذا تقطيعه: مفاعيلن ×٤

стр. 131

مفاعيلن×٤ مفاعلتن مفاعلتن ... مفاعلتن مفاعيلن وهاك مثلا آخر لأبي دهبل الجمحي (١): ألا هل هاجك الأظعا ... ن إذ جاوزن مطلحا نعم ولو شك بينهم ... جرى لك طائر سنحا أجزن الماء من ركك ... وضوء الصبح قد لمحا فقلن مقيلنا قرن ... نباكر ماءه صبحا تبعتهم بطرف العين ... حتى قيل لي افتضحا يودع بعضنا بعضا ... وكل بالهوى جرحا وقال بشار بن برد (٢): ألا يا طيب قد طبت ... وما طيبك الطيب ولكن نفس منك ... إذا ضمك تقريب وثغر بارد عذب ... جرى فيه الأعاجيب ووجه يشبه البدر ... عليه التاج معصوب ووحف زان متنيك ... وزانته التقاصيب ونحر بين حقين ... يشف العين مشبوب وحب لك قد شاع ... وبيت لك منسوب فلو ساعفنا وجهـ ... ـك والدرياق والطيب (٣)

стр. 132

أعشناك وعشنا بـ ... ـك إن العيش محبوب وله يحاكي مذهب ابن أبي ربيعة في المراسلة بالمقطوعات الغرامية (١). من المشهور بالحب ... إلى قاسية القلب سلام الله ذي العرش ... على وجهك يا حبي فأما بعد ما قر ... ة عيني ومنى قلبي ويا نفسي التي تسكـ ... ـن بين الجنب والجنب لقد أنكرت يا عبد ... جفاء منك في الكتب أعن ذنب فلا واللـ ... ـه ما أحدثت من ذنب وقد عرف الأوائل من النقاد لهذا البحر حلاوته، فاختاروا منه كلمات لهذه الخاصية وحدها، من ذلك قول امرئ القيس بن عابس (٢): أيا تملك يا تملي ... ذريتي وذري عذلي فقد اختلس الطعنـ ... ـة لا يدمي لها نصلي كجيب الدفنس الورها ... س ريعت وهي تستفلي (٣) وهذا الكلام مسلوخ من قول الزماني: أيا طعنة ما شيخ ... كبير يفن بالي (٤) تقيم المأتم الأعلى ... على جهد وإعوال كجيب الدفنس الورها ... ء ريعت بعد إجفال

стр. 133

ونغمة الهزج تطلب قولا مرسلًا طيعًا تسيطر فكرة واحدة يتغنى بها الشاعر في غير تدقيق وتحقيق وتعقيد والتفاف، كهذا الكلام الذي أوردناه. وعندي أنه يصلح للقصص الخفيف الذي يراد منه الإمتاع، وأحسن أسلوب يرد فيه ما كان عماده على التعجب والاستثارة والتكرار وسرد الكلمات المتشابهة في الوزن والجرس. وربما تكون قد لاحظت نحوًا من ذلك في الأمثلة المتقدمة. وهاك قول الزماني (١)، زيادة في التوضيح: صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم أخوان فلما صرح الشر ... فأمسى وهو عريان شددنا شدة الليث ... غادا والليث غضبان بضرب فيه توجيع ... وتفجيع وإقران وطعن كفم الزق ... والزق ملآن وبعض الحلم عند الجهـ ... ـل للذلة إذعان وفي الشر نجاة حيـ ... ـن لا ينجيك إحسان هذا وشعراء العصر يتعاطون هذا الوزن في كثير من موشحاتهم، وقد سبق أن ذكرت ذلك في "التمهيد". وعندي أنه أصلح الأوزان للقصص التعليمي المدرسي ذي الحوار ولا سيما أن وفق الناظم فجمع بين سهولة الألفاظ وسلاستها ووضوح معناها وحلاوة جرسها. وقد حاولت -وأنا أتولى وضع منهج اللغة العربية للمدارس الوسطى بالسودان- نظم قصص هزجية من هذا النوع التعليمي، وجعلها من ضمن كتب المطالعة، بغرض تحبيب التلاميذ في الشعر وإعانتهم على تذوق موسيقاه ومجرى

стр. 134

تفعيلاته. منها على سبيل المثال قصة "عمرو بن يربوع والسعلاة" (١)، وقصة من قصص السندباد البحري (٢)، وهاك مثالا من الأولى: تغنى وهو لا يشعـ ... ـر بالجن حواليه تنادوا وهو لا يبصـ ... رهم قدام عينيه بأصوات لها رنـ ... ـة أجراس بأذنيه وقالوا وه وهه ويهي ... وهه ويهي وهه ويهي * * * ومعناها بلفظ الإنـ ... ـس هذا المرء كذاب وقال الجني ربرابو ... ترب رابو ترب رابو ومعناها بلفظ الإنـ ... ـس نحن الجن أنجاب وشجغان وفرسان ... على الأعداء وثاب * * * وقال الجن تب تبرا ... ومعناها اقتلوا عمرا كلوا من لحمه خبزًا ... وصبو دمه خمرا وهكذا وهلم جرا وهاك الثانية كلها: ركبنا مركبًا للهند ... من مينائنا البصره ثلاثون وكل يبـ ... تغي الفوز من السفره وملاحون عشرون ... جريئون أولو قدره

стр. 135

لهم شيخ من البحريـ ... ـن بالبحر له خبره * * * وقال الشيخ سير البحـ ... ـر فيه خطر جم إذا ما هاجت الريح ... وثار الموج واليم فمن كان جبانًا منـ ... إن حدث الغم إذن فليرجع الآن ... ولا خوف ولا ذم * * * فقلنا إننا طرا ... على الأهوال شجعان ولا خوف وإن ثار ... بنا في البحر بركان وما فينا لما تأمـ ... يا شيخ عصيان فكن أنت أبانا ثم ... إنا بعد إخوان * * * وسرنا سبعة في نسـ ... ـمة تعجب هبابه توسطنا عباب البحـ ... ـر والأمواج صخابه وكان الماء مد الطر ... ف قد نشر أثوابه وأملنا وصول الهنـ ... ـد والآمال كذابه * * * ففي الثامن حين الديـ ... ـك في مركبنا صاحا وقد شع جبين الفجـ ... ـر في الظلمة وضاحا رأينا طائرًا يخفـ ... ـق في الأجواء سباحا وقال الشيخ قربنا ... فهذا البر قد لاحا * * *

стр. 136

رأينا شاطئًا يدنو ... دوين الأفق قدام نضيرًا فوقه دوح ... وخلف الدوح أعلام تلال كلها خضر ... عليها الزهر بسام وللطير عليها حـ ... لاح الصبح أنغام * * * وأرسينا وكل فا ... رح جذلان مسرور وكل بوصول البـ ... رملء النفس محبور وقلنا هذه الهند ... وفيها الخير موفور ولاحت قبة يلمـ ... ـع في أطرافها النور * * * لقد أشرقت الشمس ... وهذا الصبح قد حيا وقد أضفى على الأموا ... ج لونًا منه ورديا وقد ألبس أعلى الرو ... ض صبغًا منه نوريا وللفرحة ناغى عنـ ... ـده القمري قمريًا * * * وقال الشيخ ليست هـ ... ـذه الأرض هي الهند ولا تغرركم القبـ ... ـبة إذ لم تصلوا بعد وهذا موضع خال ... وفيه النمر والأسد ودون الهند أسبوعا ... ن سير كله جد * * *

стр. 137

وأما تلكم القبـ ... ـة إن شئتم لها خبرا فليست قبة حقا ... ولا طينا ولا صخرا ولكن بيضة الرخ ... فقلنا كلنا عذرا أهذي بيضة يا شيـ ... ـخ أم تخبرنا هترا * * * فقال الشيخ غضبان ... بصوت جد محزون لقد كنتم جميعًا قلـ ... تم سوف تطيعوني وهأنتم أولاء الآ ... ن سمع الأذن تعصوني (١) وقد أخبرتكم حقا ... ففي ماذا تماروني؟ * * * فقلنا كلنا عفوًا ... فهذي قبة عجب فقال لنا إذن هيا ... لتذهب عنكم الريب فقولي وإله الخلـ ... ق لا زور ولا كذب فقلنا كلنا شتا ... ن بيض الطير والقبب * * * وسرنا كلنا ماذا الذي ... يبدو على الرمل عظيمًا يشبه القبة ... في التدوير والشكل أهذي بيضة؟ تبدو ... لنا في الحجم كالتل "كذوب أنت يا شيخ! ... يمينًا صادق قولي" * * *

стр. 138

"أيا قوم اسمعوا إن الـ ... ـذ قد قلته حق" إذن فلنكسر البيضـ ... ـة كيما يظهر الصدق! "ألا لا تفعلوا ذلك فهـ ... ـو الطيش والحمق فإن الرخ طير ها ... ئل أنيابه زرق" * * * وقلت لهم أطيعوا الشيـ ... ـخ قالوا إنه كذبا فإن تك بيضة حقا ... كسرناها. "فواحربا لكم أن قدم الرخ ... لسوف يذيقكم عطبا" وقلت لهم أطيعوا الشيـ ... ـخ قالوا الشيخ لا قربا * * * أطيعوني أطيعوني ... وهيا نبحر الآنا فإن كسرتم البيضـ ... ـة جاء الرخ غضبانا فقالوا هات يا شيخ ... على قولك برهانا فقال الشيخ "قد ضعنا ... فيا مولاى غفرانا" * * * وجاءوا ذا بكفيه ... قدوم ثم ذا فاس وهذا عنده القعر ... وهذا عنده الراس (١) فتحطيم وتكسير ... وقال الشيخ "يا ناس فعلتم فعلة نكرا ... ء إن الرخ فراس" * * *

стр. 139

ولما كسروا البيضـ ... ـة حتى ظهر الفرخ تنادوا صدق الشيخ! ... ألا قد صدق الشيخ! وكذبناه لما كا ... ن بالنصح لنا يسخو فيا بؤسي لنا ضعنا ... إذا أدركنا الرخ * * * وقال الشيخ قد جئتم ... بفعل شائن نكر وكذبتم مقالي إنـ ... ـني بالبحر ذو خبر فهيا الآن هيا الآ ... ن يا قومي إلى البحر لعل الله ينجينا ... متى الريح بنا تجري * * * وأطلقنا شراعينا ... مع الريح مجدينا وقلنا عل رب العر ... ش من ذا الرخ ينجينا وقلنا إننا من بعـ ... ـد للشيخ مطيعونا عصيناه ضلالا و ... خبالا وهو يهدينا * * * ولما غاب عنا البـ ... ر قلنا الحمد لله نجونا قد نجونا ليـ ... س عنا الله بالساهي وقد شع على البحر ... أصيل نوره زاهي فغنينا من الفرحـ ... ـة فعل السادر اللاهي

стр. 140

فقال الشيخ صه صمتا ... ألا قد وجب الصمت سوادان يلوحان ... بعيدًا إنه الموت هما رخان ما إن منـ ... هما منجي ولا فوت صمتنا لم تكن همهـ ... مة منا ولا صوت * * * صمتنا كلنا ننظـ ... ـر في خوف إلى الأفق سوادان يلوحان ... بعيدًا جهة الشرق وهدر يشبه الرعد ... ولمع شبه البرق "أهاتان طخاتان؟ " ... "نعم يا معشر الحمق" * * * [الظخاة مستعملة في عامية السودان بمعنى السحابة، وهي كذلك في الفصيح (١)]. * * * "طخاتان تسوقان ... إليكم أجلًا تما هما رخان! " يا شيخ ... أحقًا ما أحقًا ما (٢) تقول لنا؟ "نعم واللـ ... ـه" "يا بؤسي ويا غما" ولاح لنا جناح مثـ ... ـل جنح الليل إذ عما * * *

стр. 141

ومن خلف جناحان ... مهولان عظيمان وعينان كنار الليـ ... ـل من بعد تشعان وقد جاءا بهدر كد ... وي الرعد رنان وساد الصمت في الموكـ ... ـب يا للخطر الداني! * * * وجاءت فوقنا الرخـ ... ـة في مخلبها صخره فألقتها فدار الشيـ ... ـخ في دفته دوره فيا للشيخ من دار ... بشأن البحر ذي خبره فأفلتنا وفار الموج ... وقعتها فوره * * * وثار الموج أجبال ... توالت إثر أجبال وصاحت فوقنا الرخـ ... ـة غضبى ذات ولوال صياحًا زلزل المركـ ... ـب منه أي زلزال وجاء الرخ حتى قا ... بل المركب من عال * * * سما ثم أتي يهوي ... إلى المكب كالسهم وألقى صخرة نكـ ... راء مثل التل في الحجم ودار الشيخ إن الشيـ ... خ بالبحر لذو علم ولكن صخرة أخرى ... تخر ككوكب الرجم * * *

стр. 142

فيا ويلا لقد هشـ ... ـمت المركب تهشيما لقد حطمت الدفـ ... ـة والجانب تحطيما لقد أدركنا الموت ... قضاء كان محتوما وقلت الويل لي مالي ... شقي الحظ مشئوما * * * وأمسكت بلوح طا ... فيًا كان على الماء وواليت لرب العر ... ش أسماء بأسماء أقول أيا لطيفًا ما ... لكًا موتي وإبقائي أعدني لأرى أمي ... وأسعدني بإنجائي * * * وألقى الليل أستار ... ظلام ذات أهوال وأمسيت وحيدًا تهـ ... ـدر الأمواج أحوالي على اللوحة وسط البحر ... في هم وأوجال وجاءت موجة تز ... بد تحتي ذات إعجال * * * فتعلو بي وتهوي بي ... فمن عال إلى خفض وأيقنت بأن عزر ... يل قد جاء إلى قبضي وألقتني منهوكا ... ولا أدري على الأرض لقد نجاني الرحمـ ... ـن رب الكرم المحض

стр. 143

وهذه المنظومة كما ترى طويلة، ويغلب عليها الحوار. ومنظومة عمرو بن يربوع أطول منها بكثير. وكلا الطول والحوار، عندي يعينان على اتباع الطريقة الجماعية لقراءة الشعر في فصولنا الكبيرة. وهي طريقة سبق إلى استعمالها النرويجيون (١). وقد جربناها في معهد التربية ببخت الرضا فوجدناها ناجحة. ومن أجل هذا عرضت النماذج التي تقدمت حتى يحتذى حذوها ذوو المواهب، وينظموا ما هو أجود منها وأمتن وأسلس. الرمل القصير (١٠) ووزنه: "فاعلاتن" أربع مرات. ومثال نغمه: طائرات سابحات ... جامدات ذائبات مستحيل مستعيد ... مستفيد مستجيد أنا في دنيا من العبا ... س أغدو وأروح هاشمي عبدلي ... عنده يغلو المديح وهذا الوزن يتغير ويتنوع إما بزيادة هكذا: فاعلاتن فاعلاتن ... فاعلاتن فاعلاتون يا جميلا يا جميلا ... يا جميلا يا جميلات وإما بنقصان هكذا: فاعلاتن فاعلاتن ... فاعلاتن فاعلات يا جميلا يا جميلا ... يا جميلا يا جميل إن لي بيتا كبيرًا ... يا حبيبي يا حبيب يا حبيبي أنت في الحسن مفاعيلن عجيب

стр. 144

والنقصان كما ترى يحدث بإزالة الإشباع الذي في الآخر. خذ مثلا قول أبي العتاهية: خانك الطرف الطموح ... أيها القلب الجموح إذا سكنت الحاء صار هذا رملا قصيرًا ناقصًا هكذا: خانك الطرف الطموح ... أيها القلب الجموح ونغمة الرمل خفيفة جدًا. وتفيعلاته مرنة للغاية، إذ كثيرًا ما تصير "فاعلاتن" "فعلاتن" ولا يكاد يلحظ ذلك. وفي رنته نشوة وطرب والأوائل من الجاهليين يكثرون من هذا الوزن في أشعارهم. ويبدو لي أنه كان بمنزلة الأناشيد الشعبية، ومما يدل على ذلك أنه لا يزال يستعمل في شيء من هذا النحو في عاميتنا السودانية، مثال ذلك أنشودة الأطفال: ال حدوك لي ... جاتنا بابور (١) ال حدوك لي ... فيها طابور ويدل على ذلك ما رووه من أن فتيات المدينة استقبلن النبي ﷺ أول مهاجره وهن يضربن بالدفوف ويغنين: أشرق البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع وليس في السيرة شعر من الرمل القصير غير هذا.

стр. 145

ويترجح عندي أن هذا الوزن ظل نشيديًا ترنميًا وخاصة بين الصغار والعامة إلى أوائل العهد العباسي. يدل على ذلك نظم أبي الشمقمق يهجو بشارا (١): هللينه هللينه ... هللينه هللينه إن بشار بن برد ... تيس أعمى في سفينه فالرواة يخبروننا أن أبا الشمقمق لقن هذه الأبيات للأطفال، ولو لم يكن الوزن مألوفًا لديهم في ألعابهم ما كان فعل ذلك. والسيد الحميري -وكان يتعمد أن يشيع شعره بين العامة- هجا سوارًا القاضي بأبيات منه حتى فزع سوار إلى المنصور، ولعل السيد كان قد لقنها الأطفال (أو من يجري مجراهم من الكبار الذين لا يستحون) وهي قوله (٢): يا أمين الله يا منصور يا خير الولاة إن سوار بن عبد الله من شر القضاة جده سارق عنز ... فجر في فجرات وابن من كان ينادي ... من وراء الحجرات يا هناة أخرج إلينا ... إننا رهط هناة ومما ينسب إلى عنترة في السيرة [وهي من صنع المتأخرين بلا ريب]، مما يجري مجرى الأناشيد، قوله (٣): أشعل النار ببأسي ... وأطاها بجناني إنني ليث عبوس ... ليس لي في الخلق ثان خلق الرمح لكفي ... والحسام الهندواني
следующие страницы →