← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومن خلف جناحان ... مهولان عظيمان وعينان كنار الليـ ... ـل من بعد تشعان وقد جاءا بهدر كد ... وي الرعد رنان وساد الصمت في الموكـ ... ـب يا للخطر الداني! * * * وجاءت فوقنا الرخـ ... ـة في مخلبها صخره فألقتها فدار الشيـ ... ـخ في دفته دوره فيا للشيخ من دار ... بشأن البحر ذي خبره فأفلتنا وفار الموج ... وقعتها فوره * * * وثار الموج أجبال ... توالت إثر أجبال وصاحت فوقنا الرخـ ... ـة غضبى ذات ولوال صياحًا زلزل المركـ ... ـب منه أي زلزال وجاء الرخ حتى قا ... بل المركب من عال * * * سما ثم أتي يهوي ... إلى المكب كالسهم وألقى صخرة نكـ ... راء مثل التل في الحجم ودار الشيخ إن الشيـ ... خ بالبحر لذو علم ولكن صخرة أخرى ... تخر ككوكب الرجم * * *

стр. 142

فيا ويلا لقد هشـ ... ـمت المركب تهشيما لقد حطمت الدفـ ... ـة والجانب تحطيما لقد أدركنا الموت ... قضاء كان محتوما وقلت الويل لي مالي ... شقي الحظ مشئوما * * * وأمسكت بلوح طا ... فيًا كان على الماء وواليت لرب العر ... ش أسماء بأسماء أقول أيا لطيفًا ما ... لكًا موتي وإبقائي أعدني لأرى أمي ... وأسعدني بإنجائي * * * وألقى الليل أستار ... ظلام ذات أهوال وأمسيت وحيدًا تهـ ... ـدر الأمواج أحوالي على اللوحة وسط البحر ... في هم وأوجال وجاءت موجة تز ... بد تحتي ذات إعجال * * * فتعلو بي وتهوي بي ... فمن عال إلى خفض وأيقنت بأن عزر ... يل قد جاء إلى قبضي وألقتني منهوكا ... ولا أدري على الأرض لقد نجاني الرحمـ ... ـن رب الكرم المحض

стр. 143

وهذه المنظومة كما ترى طويلة، ويغلب عليها الحوار. ومنظومة عمرو بن يربوع أطول منها بكثير. وكلا الطول والحوار، عندي يعينان على اتباع الطريقة الجماعية لقراءة الشعر في فصولنا الكبيرة. وهي طريقة سبق إلى استعمالها النرويجيون (١). وقد جربناها في معهد التربية ببخت الرضا فوجدناها ناجحة. ومن أجل هذا عرضت النماذج التي تقدمت حتى يحتذى حذوها ذوو المواهب، وينظموا ما هو أجود منها وأمتن وأسلس. الرمل القصير (١٠) ووزنه: "فاعلاتن" أربع مرات. ومثال نغمه: طائرات سابحات ... جامدات ذائبات مستحيل مستعيد ... مستفيد مستجيد أنا في دنيا من العبا ... س أغدو وأروح هاشمي عبدلي ... عنده يغلو المديح وهذا الوزن يتغير ويتنوع إما بزيادة هكذا: فاعلاتن فاعلاتن ... فاعلاتن فاعلاتون يا جميلا يا جميلا ... يا جميلا يا جميلات وإما بنقصان هكذا: فاعلاتن فاعلاتن ... فاعلاتن فاعلات يا جميلا يا جميلا ... يا جميلا يا جميل إن لي بيتا كبيرًا ... يا حبيبي يا حبيب يا حبيبي أنت في الحسن مفاعيلن عجيب

стр. 144

والنقصان كما ترى يحدث بإزالة الإشباع الذي في الآخر. خذ مثلا قول أبي العتاهية: خانك الطرف الطموح ... أيها القلب الجموح إذا سكنت الحاء صار هذا رملا قصيرًا ناقصًا هكذا: خانك الطرف الطموح ... أيها القلب الجموح ونغمة الرمل خفيفة جدًا. وتفيعلاته مرنة للغاية، إذ كثيرًا ما تصير "فاعلاتن" "فعلاتن" ولا يكاد يلحظ ذلك. وفي رنته نشوة وطرب والأوائل من الجاهليين يكثرون من هذا الوزن في أشعارهم. ويبدو لي أنه كان بمنزلة الأناشيد الشعبية، ومما يدل على ذلك أنه لا يزال يستعمل في شيء من هذا النحو في عاميتنا السودانية، مثال ذلك أنشودة الأطفال: ال حدوك لي ... جاتنا بابور (١) ال حدوك لي ... فيها طابور ويدل على ذلك ما رووه من أن فتيات المدينة استقبلن النبي ﷺ أول مهاجره وهن يضربن بالدفوف ويغنين: أشرق البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع وليس في السيرة شعر من الرمل القصير غير هذا.

стр. 145

ويترجح عندي أن هذا الوزن ظل نشيديًا ترنميًا وخاصة بين الصغار والعامة إلى أوائل العهد العباسي. يدل على ذلك نظم أبي الشمقمق يهجو بشارا (١): هللينه هللينه ... هللينه هللينه إن بشار بن برد ... تيس أعمى في سفينه فالرواة يخبروننا أن أبا الشمقمق لقن هذه الأبيات للأطفال، ولو لم يكن الوزن مألوفًا لديهم في ألعابهم ما كان فعل ذلك. والسيد الحميري -وكان يتعمد أن يشيع شعره بين العامة- هجا سوارًا القاضي بأبيات منه حتى فزع سوار إلى المنصور، ولعل السيد كان قد لقنها الأطفال (أو من يجري مجراهم من الكبار الذين لا يستحون) وهي قوله (٢): يا أمين الله يا منصور يا خير الولاة إن سوار بن عبد الله من شر القضاة جده سارق عنز ... فجر في فجرات وابن من كان ينادي ... من وراء الحجرات يا هناة أخرج إلينا ... إننا رهط هناة ومما ينسب إلى عنترة في السيرة [وهي من صنع المتأخرين بلا ريب]، مما يجري مجرى الأناشيد، قوله (٣): أشعل النار ببأسي ... وأطاها بجناني إنني ليث عبوس ... ليس لي في الخلق ثان خلق الرمح لكفي ... والحسام الهندواني

стр. 146

ومعي في المهد كانا ... فوق صدري يؤنساني فإذا ما الأرض صارت ... وردة مثل الدهان والدما تجري عليها ... ولنها أحمر قان ورأيت الخيل تجري ... في نواحي الصحصحان فاسقياني لا بكأس ... من دم كالأرجوان أسمعاني نغمة الأسياف حتى تطرباني أطيب الأصوات عندي ... حسن صوت الهندواني وصرير الرمح جهرًا ... في الوغى يوم الطعان وكما كان الرمل مستحسنًا عند العامة والأطفال كان أيضًا مستحسنًا عند أهل الشراب والغناء، ولذلك تغنوا فيه بمثل قولهم: عللاني عللاني ... بشراب أصفهاني بشراب الشيخ كسرى ... أو شراب القيرواني وقولهم: إنما الذلفاء همي ... فليلمنى من يلوم أحسن الناس حديثًا ... حين تمشي وتقوم ويبدو أن الغنائيات الرمليات كانت كثيرة بالحجاز أيام الأحوص وعمر. ومن ثم أخذه الوليد بن يزيد الخليفة الأموي. فقد استكثر من الرمل القصير في شعره وروجه ترويجًا فتح به بابه لمن بعده من المولدين (١)، فأكثروا منه في غزلياتهم

стр. 147

وخمرياتهم وما إلى ذلك. وفي النتف التي ذكرها أبو الفرج الأصبهاني من شعر هذا الأمير الموهوب ما يدل على أنه كان يترنم بالرمل القصير ترنمًا، ويلقي الكلام فيه على أذلاله من غير ما تكلف. وقد لاحظ هذه الظاهرة أبو الفرج نفسه في ترجمته له. خذ قوله مثلا (١): خبروني أن سلمى ... خرجت يوم المصلى فإذا طير مليح ... فوق غصن يتفلى قلت من يعرف سلمى ... قال ها ثم تعلى قلت يا طير ادن مني ... قال ها ثم تدلى قلت هل أبصرت سلمى ... قال ها ثم تولى وهذا لا تكلف فيه، وقد سماه أبو الفرج سخيفًا، وانظر إلى قوله يصف حالته عندما تنكر في زي شيخ زيات ليزور بعض حبائبه (٢): إنني أبصرت شيخًا ... حسن الزي مليح ولباسي لبس شيخ ... في عباء ومسوح وأبيع الزيت بيعًا ... خاسرًا غير ربيح وقوله (٣): يا سليمى يا سليمى ... برد الليل وطابا يا سليمى يا سليمى ... كنت للقلب عذابا أيما واش وشى بي ... فاملئي فاه ترابا

стр. 148

وقوله (١): أدر الكاس يمينًا ... لا تدرها ليسار اسق هذا ثم هذا ... صاحب العود النضار فلقد أيقنت أني ... غير مبعوث لنار فذروا من يطلب الجنة يسعى لتبار وهذا كلام سكارى لا يعقلون. وممن قلد الوليد فأكثر في استعمال الرمل القصير: أبو العتاهية وأبو نواس. أبو العتاهية استعمله في الزهديات، -وكأنه كان ينظمها ليترنم بها في حلقات الذكر. وأبو نواس في الخمريات. ومن مشهور كلام أبي العتاهية في هذا الباب قوله (٢): خانك الطرف الطموح ... أيها القلب الجموح لدواعي الخير والشر دنو ونزوح سيصير المرء يومًا ... جسدًا ما فيه روح بين عيني كل حي ... علم الموت يلوح لطف الله بنا أن ... الخفايا لا تفوح ولأبي نواس حائية جارى بها هذه (٣) هي قوله: غرد الديك الصدوح ... فاسقني طاب الصبوح واسقني حتى تراني ... حسنًا عندي القبيج واسقني حتى تراني ... جسدًا ما فيه روح

стр. 149

وهذا شبيه جدًا بشعر الوليد بن يزيد، ولعل أبا نواس استخرجه منه. ولأبي نواس في الرمل خمريات عدة جميلة، فانظرها في الكتاب القيم "ألحان ألحان" للأديب الفاضل، عبد الرحمن صدقي. وفي كتاب الأغاني من أمثلة الرمل القصير عند المحدثين أنواع وضروب. وطبقات أبي تمام والبحتري والمتنبي والشعراء المداحين الذين جاؤوا بعد الطبقة الأولى من المحدثين لم يستكثروا من الرمل إلا أن هذا لم يمته، فقد كان متظرفة الكتاب وأصحاب المجون من ظرفاء الشعراء يتعاطونه كثيرًا، على أنهم لم يحسنوا فيه إحسان من قبلهم. ومن خير ما نظموه فيه كلمة الصنوبري [أوردها العاملي في ترجمته في كتاب أعيان الشيعة كاملة]: أذكرا الدار اذكراها ... واحبسا العيس احبساها وفيها يقول: ورياض تلتقي آ ... مالنا في ملتقاها سروها الداني كما تد ... نو فتاة من فتاها وربما كان الرمل القصير قد مات بين المتأخرين كما مات كثير غيره من البحور لو لم يأخذ بيده أن أخاه الرمل الطويل قد أكثر أوائل الموشحين من استعماله. فهذا مهد لاستعمال الرمل القصير في الموشح ثم لغيره من البحور القصار. وقد ذكرت في تمهيد هذا الكتاب أن كثيرًا من المعاصرين يستعملون الرمل في مسمطاتهم، وليس تعاطيهم للقصير منه بأقل من تعاطيهم لطويله إن لم يكن أكثر. والذي يرجع إليه الفضل الأكبر في تحبيب الرمل بنوعيه إلى شعراء العصر هو

стр. 150

المرحوم شوقي، فقد أحيا الموشح القديم في قصيدته "صقر قريش (١) ": من لنضو يتنزى ألما ... برح الشوق به في الغلس حن للبان وناجي العلما ... أين شرق الأرض من أندلس بلبل علمه البين البيان ... بات في حبل الشجون ارتبكا في سماء الليل مخلوع العنان ... ضاقت الأرض عليه شبكا كلما استوحش في ظل الجنان ... عاد فاستضحك من حيث بكى ارتدى برنسه والتثما ... وخطا خطوة شيخ مرعس ويرى ذا حدب إن جثما ... فإن ارتد بدا ذا قعس فمه القاني على لبته ... كبقايا الدم في نصل دقيق مده فانشق من منبته ... من رأى شقي مقص من عقيق وبكى شجوًا على شعبته ... شجو ذات الحسن في الستر الرقيق سل من فيه لسانًا عنما ... ماضيًا في البيت لم يحتبس وتر من غير ضرب رنما ... في الدجى أو شرر من قبس والقصيدة في جملتها حسنة، وهي عندي أجمل أندلسيات شوقي. وقد استعمل شوقي الرمل في غير هذا الموشح فوفق جدًا، من ذلك قصيدته "الطيارون الفرنسيون" (٢): قم سليمان بساط الريح قاما ... ملك القوم من الجو الزماما وقد جارى بها كلمة مهيار: أقبل العارض تحدوه النعامي ... فسقاك الري يا دار أماما

стр. 151

ومن خير ما جاء في ميميته هذه قوله: ما لروجي صاعدًا ما ينتهي ... أتراه آثر الجو فراما كلما دار به دورته ... أبدت الريح امتثالا وارتساما أنا لو نلت الذي قد ناله ... ما هبطت الأرض أرضاها مقاما هل ترى في الأرض إلا حسدًا ... ورياء نزاعا وخصاما وقوله: في سبيل المجد أودى نفر ... شهداء العلم أعلاهم مقاما خلفاء الرسل في الأرض هم ... يبعث الله بهم عاما فعاما (١) قطرة من دمهم في ملكه ... تملأ الملك جمالا ونظاما وقوله: لطف الله بباريس ولا ... لقيت إلا نعيمًا وسلاما روعت قلبي خطوة روعت ... سامر الأحياء فيها والنياما أنا لا أدعو على "سين" طغى ... إن "للسين" وإن جار ذماما لست بالناسي عليه عيشة ... كانت الشهد وأحبابا كراما اجعلوها رسلكم أهل الهوى ... تحمل الأشواق عنكم والغراما واستعيروها جناحًا طالما ... شغف الصب وشاق المستهاما يحمل المضني إلى أرض الهوى ... يمنًا حل هواه أم شآما ولعلك تتساءل ما نسبة ما ذكرته من شعر شوقي وهو رمل طويل إلى ما نحن بصدده من الحديث عن الرمل القصير؟ والحقيقة أن الوزنين شديدا القرابة،

стр. 152

لا لأن القصير مجزوء من الطويل فحسب، ولكن لأن الطويل مع كثرة تفعيلاته دان جدًا من القصر في روحه، وخفيف النغمة للغاية، والتدرج منه غلى أخيه المجزوء كالخطوة الطبعية. ومن أجل ذلك لا أجد بدا من ذكره مع البحور القصار. الرمل الطويل (١١) وزنه: "فاعلاتن" مكررة ست مرات. وصدره غالبًا يكون على: "فاعلاتن فاعلاتن فاعلن" إلا أن يكون البيت مصرعًا: أي ذا قافية في الصدر والعجز. وتأتي في الرمل -كثيرًا- "فعلاتين" مكان "فاعلاتن" و"فعلن" مكان "فاعلن" في الصدر. وهاك مثالا لوزن الرمل من عبث الكلام: ضاربات سابحات عائمات ... راقصات لابسات عاريات عاشقات ساليات فعلن ... فرحات طربات ضاحكات فرحات لا نعم لا لللا ... سابحات في الهوى مستبقات قال عمرو قال عمرو قولة ... قال عمرو قال عمرو تتتات ولقد أجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرور (١) ولقد أعطفها كارهة ... حين للنفس من الموت هرير كل ما ذلك مني خلق ... وبكل أنا في الروع جدير وابن صبح سادرًا يوعدني ... ما له في الناس ما عشت نصير (٢) هذا هو الوزن الأول من الرمل. فإذا حذفت النفاذ من آخره وقيدت القافية [أي إذا حذفت الإشباع الذي في آخر الروي وسكنت القافية] حصلت على الوزن الثاني هكذا:

стр. 153

ولقد أجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرور فعلاتن فعلاتن فاعلن ... فعلاتن فعلاتن فعلات ومن هذا الوزن قول العقاد: أمضت بعد الرئيس الأربعون ... عجبًا كيف إذن تمضي السنون وقد يقصر الرمل فيجعل عجزه مثل صدره نحو: ولقد أجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرر وهذا لمجرد التبيين. فصدر البيت هنا كعجزه في الوزن، هكذا: فعلاتن فعلاتن فعلن ... فعلاتن فعلاتن فعلن وقد نقص هذا الوزن الثالث عن أخيه السابق بإسقاط المد الذي قبل الروي الواو من "فرور" والألف من "فاعلات" ومثاله من النظم قول ابن الوردي في لاميته: ليس من يقطع طرقًا بطلا ... إنما من يتقي الله البطل لا تقل أصلي وفصلي أبدًا ... إنما أصل الفتى ما قد حصل هذا، وهاك أمثلة من الشعر توضح أوزان الرمل الثلاثة: مثال الأول قول مهيار: (١) يا لواة الدين عن ميسرة ... والبخيلات وما كن لئاما حملوا ريح الصبا نشركم ... قبل أن تحمل شيحًا وثماما وابعثوا لي في الكرى طيفكم ... إن أذنتم لجفوني أن تناما

стр. 154

ومثال الثاني قول أعشى همدان (١): حييا خولة مني بالسلام ... درة البحر ومصباح الظلام لا يكن وعدك برقا خلبا ... ساطعا يلمع في عرض الغمام واذكري الوعد الذي واعدتني ... ليلة النصف من الشهر الحرام ومثال الثالث قول المرار (٢): إنما النوم عشاء طفلا ... سنة تعتادها مثل السكر والضحا تغلبها رقدتها ... خرق الجؤذر في اليوم الخدر تطأ الخز ولا تكرمه ... وتطيل الذيل منه وتجر ما أنا الدهر بناس حبها ... ما غدت ورقاء تدعو ساق حر (٣) ونغم الرمل كأنما أخذ من المتقارب: فعولن فعولن فعولن، هكذا مطردًا، والرمل كله: فا فعلون فا فعلون هكذا، ولا يخفى أن أصل هذا من ذاك. وموسيقا الرمل خفيفة رشيقة منسابة، وفيه رنة يصحبها نوع من "الملنخوليا". -لا أعني "بالملنخوليا" الجنون -وإنما أعني بهذا الحرف [وقد كان مستعملا عند القدماء] هذا الضرب العاطفي الحزين في غير ما كآبة ومن غير ما وجع ولا فجيعة [وقد استعمل الإنجليز هذا الحرف Melancholy في بدء العصور الحديثة، وكانت الملنخوليا "مودة" عاطفية بين الأدباء على عهد شكسبير]. أزعم أن هذه "الملنخوليا" المتأصلة في نغم الرمل تجعله صالحًا جدًا للأغراض الترنمية الرقيقة وللتأمل الحزين، وتجعله ينبو عن الصلابة والجد وما إلى ذلك. وأسوق

стр. 155

إليك أمثلة مختلفة من الشعر الرملي لأوضح ما ذكرته. قال عدي بن زيد العبادي على لسان شجرتين (١): من رآنا فليحدث نفسه ... أنه موف على قرن زوال رب ركب قد أناخوا حولنا ... يمزجون الخمر بالماء الزلال والأباريق عليها فدم ... وجياد الخيل تردي في الجلال ثم أمسوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال أترى هذا الكلام يستقيم على البحور الثقال الرزان كالبسيط أو الخفيف أو الطويل مثلا. تأمل قول المعري في نفس المعنى (٢): فاسأل الفرقدين عمن أحسا ... من قبيل وآنسا من بلاد كم أقاما على زوال نهار ... وأنارا لمدلج في سواد تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد اطرد تفاصيل المعنى من ذهنك، وانظر في المعنى العام المشترك، ثم تأمل الوزن [وقد تعمدت اختيار أبيات المعري لك وهي من الخفيف لقرب ما بين هذا البحر والرمل من نسب]. ألا ترى أن رنة الوزن في كلام عدي فيها من الحزن الملنخولي ما ليس في كلام المعري، مع أن الأبيات التي ذكرنا من دالية المعري المرثية المعروفة العميقة الملأى بمعاني الحزن؟ وتأمل قول ابن الزبعري في يوم أحد (٣): قد جزيناهم بيوم مثله ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل

стр. 156

حين ألقت بقباء بركها ... واستحر القتل في عبد الأشل (١) كم ترى بالجر من جمجمة ... وفتى أبيض وضاح رفل وقول سويد بن أبي كاهل (٢): كيف يرجون سقاطي بعدما ... جلل الرأس بياض وصلع ساء ما ظنوا وقد أبليتهم ... عند غايات المدى كيف أقع رب من أنضجت غيظًا قلبه ... قد تمنى لي شرًا لم يطع ويراني كالشجا في حلقه ... عسرًا مخرجه ما ينتزع مزبد يخطر ما لم يرني ... وإذا أسمعته صوتي انقمع فهذان الكلامان تصحبهما رنة من الملنخوليا الشجية، وهي خفية المدخل. هذا مع أن الكلمتين كلتيهما في الفخر، والفخر -كما يبدو- من أبعد الأشياء عن الملنخوليا. ولكن الفخر هنا ليس بنفج خشن، وإنما هو تغن وترنم، ولعل القصة التي يذكرها الرواة من أن الحجاج كشف عن رأسه يوم رستا قباذ (٣)، وأخذ بقدح وجعل يضرب به صلعته وينشد أبيات سويد، والقصة الأخرى التي يروونها عن يزيد بن معاوية من أنه لما بلغه خبر الحرة جعل ينكت الأرض ويتمثل ببعض أبيات ابن الزبعري، لعل هاتين القصتين توضحان ما ذكرناه من ملنخوليا الرمل. الأميران كلاهما في موقف ظفر، ولكنه ظفر نيل بتشقيق الرحم ووتر ذوى الشرف والمروءات من رجالات العرب. ولذلك شابت الظفر عند كليهما شوائب من الشعور بالخطأ، والرغبة في تبرير ما ارتكبا من الجلائل. ألا تراهما ينقران الأرض وينكتانها

стр. 157

ويضربان الصلعات ويمسحانها ويتمثلان بهذا الشعر المفتخر المحتزن في آن واحد، تمثلا كأنما أرادا به أن يترنما لأنفسهما لا أن يسمعا جموعهما. وصبغة الأسى في الرمل واضحة، لا تكاد تحتاج إلى دليل. وفيه معها قابلية للاسترسال، السر فيها اطراد نغمه: فا فعولن، فا فعولن فا فعولن ... فا فعولن فا فعولن فا فعولن وهذه نغمة بسيطة للغاية. وهو من ناحية القابلية للاسترسال هذه أسمى من الكامل والرجز الطويلين. إلا أن أنغامه لبساطتها ورتابتها، وتفعيلاته وتكرارها وجرسها البين تزاحم المعنى في ذهن السامع. أعني أنك تسمع كلام الشاعر ووزنه كأنهما منفصلان، وكأن لوزنه استقلالًا عن كلماته. ومثل هذا الوزن الذي يزاحم المعنى إلى سمع السامع له ميزاته وجماله، ولكنه لا يبلغ إلى الرفعة التي ينبغي أن تكون عليها موسيقا الشعر العالي بحال من الأحوال. والموسيقا الشعرية الرفيعة بحق، هي التي يكون الوزن فيها كالمنزوي وراء كلام الشاعر وكأنه منه بمنزلة الإطار الجميل من الصورة المتقنة. ولتوضيح هذا المزعم أضرب لك مثلين: أحدهنا من البحر الطويل وهو من مختارات الأخطل، والآخر من الرمل وهو من مختارات الأعشى قال الأخطل (١): صريع مدام يرفع الشرب رأسه ... ليحيا وقد ماتت عظام ومفصل تهاديه أحيانًا وحينا تجره ... وما كاد إلا بالحشاشة يعقل (٢) إذا رفعوا عظمًا تحامل صدره ... وآخر مما نال منها مخبل شربت ولاقاني لحل أليتي ... قطار تروى من فلسطين مثقل (٣)

стр. 158

عليه من المعزى مسوك روية مملأة يعلى بها وتعدل (١) فقلت اصبحوني لا أبا لأبيكم وما وضعوا الأثقال إلا ليفعلوا أناخوا فجروا شاصيات كأنها رجال من السودان لم يتسربلوا وجاءوا ببيسانية هي بعدما يعل بها الساقي ألذ وأسهل تمر بها الأيدي سنيحًا وبارحًا وتوضع باللهم حي وتحمل (٢) وتوقف أحيانًا فيفصل بيننا غناء مغن أو شواء مرعبل (٣) فلذت لمرتاح وطابت لشارب وراجعني منها مراح وأخيل فما لبثتنا نشوة لحقت بنا توابعها مما نعل وننهل (٤) تدب دبيبًا في العظام كأنه ... دبيب نمال في نقا يتهيل وقال الأعشى من الرمل (٥): وشمول تحسب العين إذا ... صفقت وردتها نور الذبح (٦) مثل ذكي المسك زاك ريحها ... صبها الساقي إذا قيل توح (٧) من زقاق الشرب في باطية ... جونة حارية ذات روح (٨)

стр. 159

ذات غور ما تبالي يومها ... غرف الإبريق منها والقدح وإذا ما الراح فيها أزبدت ... أفل الإزباد فيها فامتصح (١) وإذا مكوكها صادمه ... جانباها كر فيها فسبح (٢) فترامت بزجاج معمل ... يخلف النازح منها ما نزح (٣) تحسب الزق لديها مسندا ... حبشيا نام عمدا فانبطح (٤) ولقد أغدو على ذي عتب ... يصل الصوت بذي زيز أبح (٥) فترى الشرب نشاوى كلهم ... مثلما مدت نصاحات الربح (٦) بين مغلوب كريم خده ... وخذول الرجل من غير كسح (٧) الأعشى والأخطل كما ترى يقولان كلاما واحدا من حيث المعنى الظاهر، وللأعشى فضيلة السبق. وبالرغم من التشابه الشديد بين الكلامين في المعنى، فالفرق عظيم جدًا من حيث الموسيقا والتأثير الشعري العام. ومصدر هذا الفرق عندي هو اختلاف الوزن، واختلاف أغراض الشاعرين العاطفية التي نشأ من جرائها اختلاف الوزن، تأمل كلام الأخطل تجد نغم البحر الطويل منزويًا وراءه حتى إن معاني الشاعر وجرس كلماته يصل إلى سمعك أبرز وأوضح منه. وتأمل كلام

стр. 160

الأعشى تجد دندنة الرمل فيه مبارية لمعانيه حتى إنك لتحسبها جزءًا ضروريا من تلك المعاني. ولذلك فكلام الأعشى يعطيك صورة مجل الشراب وجلبته ونشوته وغناءه وترتح مترنحيه، وانبطاح منبطحيه، وتعثر الكلام والمشي والحركة فيه، وما يتبع ذلك من اندلاق قدح، وانكسار زجاجة، وشخير مخمور، وغلبة النوم على بعض من يتكلف السهر، واصطدام المكاكيك العائمة في الباطية إلى غير ذلك مما يحدث في مجالس السكر. وأما كلام الأخطل فهو على ما فيه من التشبيهات والأوصاف (المأخوذة من الأعشى) لا يمثل لك صورة مجلس الشراب بقدر ما يمثل لك النشوة التي تدخل في رأس السكران المؤمن بأن السكر من طيبات الرزق وخيرات الحياة. ألا ترى إلى قوله مثلا: وتوقف أحيانا فيفصل بيننا ... غناء مغن أو شواء مرعبل أتراه يعمد إلى تصوير الغناء كما فعل الأعشى أو ينهمك في نحو من الوصف الخالص؟ وإنما هي لمحة خاطفة أوردها لكي يكمل معنى النشوة الذي صوره لك بدءا. وهذا التصوير للنشوة - في نفسه هو خاصة- يجعل كلام الأخطل مختلفا في جوهره عن كلام الأعشى وإن كان مظهر الكلامين واحدًا. وإذا تأملت كلام الأخطل بعد وجدت فيه أبهة تحمل ما أراده وكان قصد إليه من تمثيل الشعور السلطاني الذي استولى على نفسه حين انتشى. أما الأعشى فإنه مع استرساله القصصي الصبغة، ورقته، وبراعته، في الوصف، له رنة حزينة منشؤها -فيما أرى- ملنخوليا الرمل، فهي متداخلة في معاني الشاعر حتى إن بعض ألفاظه لم يسلم منها. أنظر إلى قوله مثلا: بين مسلوب كريم خده ... وخذول الرجل من غير كسح ألا تحس في قوله: "كريم خده"، وفي قوله: "من غير كسح" شيئا من معاني الرثاء والأسى؟

стр. 161

وفي الرمل رقة وعذوبة مع ما فيه من الأسى. ولذلك أكثر منه الغزلون أمثال ابن أبي ربيعة. وقد تعاطاه بعض العراقيين الذين كانوا ينظمون في الملاحم والأحداث. والشعر الغزلي يناسب الرمل أكثر من هذا النوع الآخر الملحمي. لأن ذكر الملاحم -لا سيما في معرض المفاخرة والمنافرة- يحتاج إلى رنة قاسية غليظة، وفحوى معاني الفخر وما إليه تتنافر مع رقة الرمل وملنخولياه. وما أظن الذين استعملوه من أصحاب الملاحم فعلوا ذلك إلا لخفة هذا الوزن وسهولته في الحفظ. فمن هنا أصابوا، ولكنهم خطئوا من حيث عدم مناسبة هذا الوزن لأغراضهم. وقد فتح باب الرمل في هاته الناحية الملحمية، في الإسلام، نابغة بني جعدة، إذ نظم في صفين كلمة لامية طويلة تأثر فيها عبد الله بن الزبعري، منها قوله المشهور: ليت شعري عن أناس درجوا ... أهل صفين وأصحاب الجمل وجانب الرقة فيها واضح. وفيها تندم على ما كان من انشقاق المسلمين واحترابهم. [وقد ذكر جانبا من هذه القصيدة نصر بن مزاحم في كتابه عن صفين] (١). وقد قلد أعشى همدان نابغة بني جعدة بلامية مطلعها (٢): اكسع البصري إن لاقيته إنما يكسع من قل وذل وليست هذه القصيدة موجودة بأكملها في ديوانه. إذ ليس فيه منها (طبعة أوروبا - جاير) غير أحد عشر بيتا. وأرجح أنها كانت طويلة كسائر ملحميات أعشى همدان، وأن أيدي الزمن قد عبثت بها. وما بأيدينا منها ليست فيه ذرة من رقة الرمل وملنخولياه. خذ قوله مثلا:

стр. 162

أفخرتم أن قتلتم أعبدًا ... وهزمتم مرة آل عزل نحن سقناهم إليكم عنوة ... وجمعنا أمركم بعد فشل وعفونا فنسيتم عفونا ... وكفرتم نعمة الله الأجل فهذا كلام غليظ خشن، وبحر الرمل لا يناسبه. ولذلك تجده فاقدًا للموسيقا والرنين، إذ أن رنين الشعر لا يتم إن لم يوافق معناه طبيعة نغمه ووزنه. وقد أردك بعض المرفقين من طبقات المولدين الأولين رقة الرمل وعذوبته فتعاطوه في غزلياتهم، واستغلوا ناحية الملنخوليا والأسى فيه، لتصوير مجونهم وغرامياتهم. من ذلك ما فعله بشار في رائيته الرملية الفاجرة حيث يقول (١): أمتى بدد هذا لعبي ... ووشا حي حله حتى انتثر فهذا كلام يمثل ما تصطنعه الجارية من تألم وبكاء إذا عصفت بها عواصف الريدة الجسدية. وكثر الرمل عند متأخري المولدين، فاستعملوا فيه التوشيح وسلكوا به كل مسلك، وخف على ألسنتهم حتى إن ابن الوردي نظم فيه لاميته المشهورة: اعتزل ذكر الأغاني والغزل ... وقل الفصل وجانب من هزل وهي تجري مجرى الرجز التعليمي، على أنها تنظر من بعد إلى لاميات أعشى همدان والجعدي وابن الزبعري. وقد كتب لها من السيرورة ما لم يكتب للاميتي العرب والعجم، وما لم يكتب لرجزية أبي العتاهية ذات الأمثال على سهولة لفظها. وما ذلك إلا لأن بحر الرمل قد لذته نفوس المتأخرين حتى صار عندهم بمنزلة الأوزان القصار. وقد وفق ابن الوردي توفيقا لا ينكر حتى إن روح الأسى ليشيع في قطع عدة

стр. 163

من لاميته على ما في صناعتها من لبن. والرجل قد عاش في عصر غلبت عليه نزعة التصوف و"الدروشة" وكان قصد بلاميته إلى المتفقهة وأضرابهم ممن لا تهزهم الجزالة والرصانة. وقد ذكرنا من قبل أن شوقيا أنشر الرمل في دنيا الشعر المتين. ومن تأمل ديوانه الأول وجده يجري بحري الرمل (الطويل والقصير) مجرى القصار من الأوزان، لقصره النظم فيهما -بحسب الغالب- على المناسبات التي تستدعي شعرًا خفيفا مثل قوله: (١ - ٣١٢). ارفعي الستر وحيي بالجبين ... وأرينا فلق الصبح المبين وقفي الهودج فينا ساعة ... نقتبس من نور أم المحسنين واتركي فضل زماميه لنا ... نتناوب نحن والروح الأمين وكقوله (١ - ٣١٩): قف على كنز بباريس دفين ... من فريد في المعالي وثمين وربما كان الأستاذ العقاد تأثر بروي هاتين الكلمتين في رثائه لسعد: أمضت بعد الرئيس الأربعون ... عجبا كيف إذن تمضي السنون والكلمة التي قالها شوقي في أم المحسنين عيب عليه مطلعها واتهم بالرجعية لذكره الهودج والزمان. وعندي أن هذا ظلم ممن انتقدوه. فالرجل لم يكن يجهل أن الأميرة المصرية التي رام مدحها لم تكن ظعينة مثل ظعائن ربيعة بن مكدم ودريد بن الصمة، تركب الأحداج وتجزع البيد على الجماليات الهراجيب. بل قد كان من أشد الناس إحساسا بروح عصره، وأعرفهم بنواحي الحضارة والترف فيه، كما كان من أسلم الناس ذوقا في العربية وأعرفهم بأساليبها. وما أحسبه افتتح نونيته "ارفعي

стр. 164

الستر" بهذا الافتتاح النسيبي القديم إلا لغاية في نفسه. وما أستبعد أنه بذكره للهودج وللزمام وما إلى ذلك من نعوت الظعائن، كان يكني عن إعجاب أحسه بجمال أم المحسنين ولم يجد إلى ذكره صريحا من سبيل، بل لو صرح به لعد ذلك عليه من سوء الأدب. وما قرأت مطلع هذه القصيدة وتأملت فيه إلا تأكد عندي أن شوقيا إنما كان يتغزل في الأميرة، ولم يكن مقلدًا فحسب، ورجعيا أعمى في رجعيته. ولم يقف إحياء شوقي للرمل على استعمال الطويل منه وحده، فله من القصير عدة كلمات في ديوانيه الأول والثاني وإن كانت كلها من النوع الوسط. والرمل اليوم بنوعيه القصير والطويل -شكرًا لشوقي- بحر الشعر الركوب. وكأن الناطقين بالضاد استحالوا كلهم ملنخوليين باكين دامعين. تأمل الأمثلة الآتية (١): ربما جدد أو هاج لنا ... نبأ أو قصة من حبنا نوح ورقاء أرنت حولنا ... أو شجى قبرة مرت بنا أو خطا إلفين في فجر الصبا ... أترعا كأسهما من ذوبه أو صدى راع على تلك الربا ... صب في الناي أغاني حبه حلم مثلته في خاطري ... فعشقت الخلد في هذا الرواء أنكروه فحكوا عن شاعر ... جن بالخمر وأعوته النساء ولقد قالوا شذوذ مغرب ... وإباحية لاه لا يفيق آه لو يدرون ما يضطرب ... بين جنبيك من الحزن العميق أولا يغرب في نشوته ... شارب الغضة في اليوم الأخير أولا يمعن في نشوته ... مسلم الجسم إلى الدود الحقير

стр. 165

وهكذا .. وهلم جرا ولا أحتاج إلى الدليل على مكان الملنخوليا من هذا الكلام. وهاك مثالا آخر للشاعر نفسه (٢): أين من عيني هاتيك المجالي ... يا عروس البحر يا حلم الخيال ذهبي الشعر شرقي السمات ... مرح الأعطاف حلو اللفتات كلما قلت له خذ قال هات ... يا حبيب الروح يا أنس الحياة أنا من ضيع في الأوهام عمره نسي التاريخ أو أنسي ذكره غير يوم لم يعد يذكر غيره يوم أن قابلته أول مره أين من عيني هاتيك المجالي ... يا عروس البحر يا حلم الخيال قال من أين؟ وأصغى ورنا ... قلت من مصر غريب ههنا قال إن كنت غريبًا فأنا ... لم تكن فينسيا لي وطنا إلخ .. إلخ فهذا فيه رنة من أسى وإن لم يكن عنصر الملنخوليا فيه صرفًا خالصًا. ولا يخفى على القارئ ما في أبيات المرحوم علي محمود طه هاته التي استشهدنا بها من اللين اللفظي والمعنوي مع غموض في التشبيهات والصور والتعابير على وجه الإجمال، مثل قوله (١): حيث روى الموج في أرخم نبره ... حلم ليل من ليالي كليوبتره

стр. 166

ومثل قوله (١): وترنم بالنشيد الوثني ... هذه الليلة حلم العبقري وهذا الغموض نشؤه حضرية في الذوق وضعف في الأداء. والرمل يكسوه ثوبًا هلهلا من الدندنة الدامعة. والرمليات من الطويل والقصير في هذا العصر لا تحصى عدا. والجيد فيها أندر من الكبريت الأحمر، ولعلك لا تجده في غير الشوقيات، ولا أستثني من ذلك بائية حافظ في الميكادو على خفة روحها ولا تائية العقاد: يا نديم الصبوات ... أقبل الليل فهات على شغف كثير من الناس بها ولا سيما بالسودان. وقد قارب الدكتور ناجي أن يجيد في قوله (٢): وحبيب كان دنيا أملي ... حبه المحراب والكعبة بيته من مشى يومًا على الورد له ... فطريقي كان شوكًا ومشيته من سقى يومًا بماء ظامئًا ... فأننا من قدح العمر سقيته خفق القلب له مختلجا ... خفقة المصباح إذ ينضب زيته قد سلاني فتنكرت له ... وطوى صفحة حبي فطويته فهذا معنى شريف في جملته ولكن لفظه وضيع وقد جاء به الشعراء في صياغة أسمى من هذه بكثير كما في قوله الآخر: وهبك يميني استأكلت فقطعتها ... وجشمت قلبي صبره فشجعا

стр. 167

وقد جاء به لبيد وافيًا في قوله من المعلقة: فاقطع لبانة من تعرض وصله ... ولشر واصل خلة صرامها وأحب المجامل بالجزيل وصرمه ... باق إذا ظلعت وزاغ قوامها ومثل هذا كثير. ومن تأمل كلام الدكتور ناجي وجد كثيرًا من تشبيهاته ومقابلاته لا تستقيم. مثلا قوله: "حبه المحراب إلخ"، ما هو وجه الشبه بين الحب والمحراب؟ وما هي الصلة بين الكعبة والمحراب؟ وإذ قد جعل بيت الحبيب هو الكعبة فقد كان ينبغي أن يجعل حبه دينا يدفعه إلى زيارة تلك الكعبة لا محرابًا. وتأمل قوله: "من مشى يومًا على الورد له" أحسبه عنى "من مشى يومًا على الورد إلى حبيبه" فاضطره الوزن إلى استبدال لفظ "حبيبه" بضمير يعود إلى الحبيب الهاجر الذي من أجله نظمت هذه القصيدة. ويستفاد من هذا أن الشاعر كان قد صحب هذا الحبيب على ضماد أو شركة، وأن غيره من المحبين لم يلاقوا من المشاق ما لاقاه. وهذا لم يرده الشاعر وإن كان لفظه يفيده. وقوله "وطريقي كان شوكًا ومشيته" كان الوجه فيه أن ينتهي عند قوله "شوكًا"، إذ لا حاجة إلى قوله "ومشيته"، وهذا نهج إفرنجي في التعبير، والإفرنج يؤثرون الإطناب على الإيجاز. وقوله: "سلاني فتنكرت له" مراده فيه: "قد سلاني فتصبرت على ذلك، وعزمت -إن هو حاول أن يعود إلى ما كان عليه من وصل- أن أعزف عن وصله". وهذا معنى لا يؤديه لفظه إلا بالحدس والتخمين. وكيف يتنكر المرء لمن قد سلاه وهجره، فالمتنكر هو السالي الهاجر لا المهمل المهجور. ومهما يكن من شيء فمراد الشاعر مفهوم بالرغم من اضطراب ألفاظه وهذا يغفر له. وفي شرف معناه وحلاوة وزنه ما يقرب به إلى الحسن والإجادة.

стр. 168

الفصل الثاني البحور التي بين بين هذه هي المديد المجزوء المعتل والكامل الأحذ بضروبه والسريع المعتل بضروبه. وهي ليست ببحور قصار، لما فيها من كثرة المقاطع إذا قيست إلى جنب القصار، وليست بطوال إذا وازناها بأمثال البسيط والكامل التام. المديد المجزوء المعتل (١) هذه التسمية ليست بدقيقة، وكان حقنا أن نقول المديد المعتل -أي المصاب بالعلل (وهي أنواع الحذف من أواخر الأشطار) لأن المديد ليس له في علمنا من مجزوء إلا ما كان على نحو كلمة أم السليك ترثي ولدها (الحماسة): طاف يبغي نجوة ... من هلاك فهلك وهذا يدخل في باب الرجز المجزوء إذا تأملته: "تفعلن متفعلن". ولكننا حين نقول المجزوء (أي في المديد) نجري على سنة العروضيين لغرض التسهيل لأن العروضيين يعدون المديد التام الذي سميناه "نمطًا صعبًا" مجزوءًا من وزن أتم منه لم تستعمله العرب. وهذا مجرد افتراض لا يؤيده برهان. ولعلك تذكر أن وزن المديد بحسب ما قدمناه هو: (فاعلاتن فاعلن فاعلاتن) ×٢ نحو: ضاربات ضارب ضاربات ... ضاحكات ضاحك ضاحكات عندنا في بيتنا تن ترن تن ... دوحة فعل فعوان فعولو

стр. 169

فهذا الوزن إن حورت فيه قليلًا أعطاك ضروبًا شبيهة به، أقرب إلى القصر منها إلى الطول مع ثقل ما فيها. وأكثرها في الاستعمال هذا: فاعلن مستفعلن فعلن ... فاعلن مستفعلن فعلن أو: فاعلاتن فاعلن فعلن ... فاعلاتن فاعلن فعلن أو: فافعولن فافعول فعو ... فافعولن فافعول فعو يا أخانا يا أخا ثقة ... كاتبات كاتب عمل سمك في النيل نأكله ... عسل من بعده بصل يا ترى أصحابنا خرجوا ... بل أرى أصحابكم دخلوا هل ترى العصفور في الشجر ... ورماه الطفل بالحجر تن ترن مستفعلن تتتن ... فاعلن تن تن تتن تتري فرآه الهر ثم عدا ... نحوه عيناه من شرر زعموا هرا خليلتنا ... تيمت قدمًا فتى حجر (١) هل ترى العصفور في شجره ... ورماه الطفل عن حجره ذاد ورد الغي عن صدره ... وارعوى واللهو من وطره وهذا مطلع قصيدة مشهورة من شعر العكوك. وهاك مثلا "من نظم ابن قيس الرقيات": حبذا الإدلال والغنج ... والتي في طرفها دعج والتي إن حدثت كذبت ... والتي في وصلها خلج (٢) تلك إن جادت بنائلها ... فابن قيس قلبه ثلج

стр. 170

وهذا الوزن قد يحدث فيه تغيير بزيادة أو نقصان، كأن تقول: إن صرف الدهر ذو ريبة ... ربما يأتيك بالمعجزات أو تقول: إن صرف الدهر ذو ريبة ... ربما يأتيك بالمعجزة وربما تحصل زيادة في الشطر الأول ونقص في الثاني نحو: إن صرف الدهر ذو ريبة ... ربما يأتيك بالهول وهذه الأنماط الثلاثة عسرة جدًا والشعراء يتحامونها. وقد يتغير هذا الوزن بإحداث نقص في شطريه نحو: إن صرف الدهر ذو ريب ... ربما يأتيك بالغيب إن صرف الدهر ذو حول ... ربما يأتيك بالهول إن صرف الدهر قد ثارا ... لم يدع كسرى ولا دارا إن صرف الدهر ثوار ... ومقر الكافر النار وهذا الوزن لو سكنت آخره صار نوعًا من الرمل هكذا: إن صرف الدهر ثوار ... ومقر الكافر النار فاعلاتن فاعلاتون ... فاعلاتن فاعلاتون يا نديم الصبواتين ... أقبل الليل فهاتين وهنا يبدو لك صواب ما ذكرناه من شبه المديد بالأوزان القصار. وأزيدك إيضاحًا، خذ بيت العقاد: يا نديم الصبوات ... أقبل الليل فهات

стр. 171

أشبع آخره وأضف "تن" هكذا: يا نديم الصبواتي تن ... أقبل الليل فهاتي تن فهذا في الوزن مثل: إن صرف الدهر ثوار ... ومقر الكافر النار ومثاله من نظم عدي بن زيد: يا سليمى أوقدي النارا ... إن من تهوين قد حارا رب نار بت أرمقها ... تقضم الهندي والغارا وبها ظبي يؤجحها ... عاقد في الخصر زنادا وأوزان المديد المعتل المستعملة هي الصنف الأول الذي مثلنا له ببيت العكوك وشعر ابن قيس وهذا الصنف الأخير من شعر عدي، والأول أكثر استعمالًا منه. وكلا الصنفين فيه نوع من ثقل يجعله ذا شبه بالبحور ذات اللون الجنسي، وسبيل الناظم فيهما أن يجزيهما مجرى الترنم. وفيهما رنة شجو وأسى، ولا عجب فقد رأيت قرابتهما القريبة بالرمل. وليس هذا الوزن بكثير في الشعر الجاهلي، وأقدم ما جاء منه كلمة عدي وقول امرئ القيس: رب رام من بني ثعل وهي من مشهور ما يستشهد به، وهي ترنمية في القنص وعلى منوالها نسج أو نواس في رائيته: أيها المنتاب عن عفره ... لست من ليلى ولا سمره لا أذود الطير عن شجر ... قد جنيت المر من ثمره

стр. 172

وقد اختار القدماء هذه الكلمة لا لجودتها في ذاتها، ولكن لجزالة أسلوبها، ولو تأملتها ودققت وجدت أن أكثرها مصنوع متكلف، وقد أغار الشاعر فيها على معاني من سبقوه وألفاظهم، ولم يرب عليهم بشيء جديد. لا بل يخيل إلي أنه أساء في اختيار الوزن لأنه وزن شجي فيه تكسر وميل إلى القصر، ولا يلائم ما ذهب إليه الشاعر من العنف والقوة في نحو قوله: وإذا مج القنا علقا ... وتراءى الموت في صوره قام في ثنيي مفاضته ... أسد يدمى شبا ظفره وإنما يناسب نحو كلمته: يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن سنة العشاق واحدة ... فإذا أحببت فاستكن ومثل كلمته (الشعر والشعراء ٧٧١): يا شقيق النفس من حكم ... نمت على ليلي ولم أنم فاسقني البكر التي اختمرت ... بخمار الشيب في الرحم (١)

стр. 173

ثمت انصات الشباب لها ... بعد أن جازت مدى الهرم (١) فهي لليوم الذي بزلت ... وهي تلو الدهر في القدم (٢) عتقت حتى لو اتصلت ... بلسان ناطق وفم لاحتبت في القوم ماثلة ... ثم قصت قصة الأمم قرعتها للمزاج يد ... خلقت للكأس والقلم (٣) في ندامى سادة نجب ... أخذوا اللذات من أمم فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم وقد كان العكوك أحذق في رائيته من أبي نواس، إذ جاء فيها بالرقة التي تصلح لهذا البحر ويصلح لها، وذلك قوله: زاد ورد الغي عن صدره ... وارعوى واللهو من وطره ندمي أن الشباب مضى ... لم أبلغه مدى أشره حسرت عني بشاشته ... وانقضى المأمول من ثمره دع جدا قحطان أو مضر ... في يمانيه وفي مضره وامتدح من وائل رجلا ... عصر الآفاق من عصره المنايا في أنامله ... والعطايا في ذرا حجره ملك عز الشبيه له ... أمنت عدنان في ثغره إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه إلى حضره فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره

стр. 174

وليس من له أدنى نظر بالشعر يشك أن هذه الرائية أجود بكثير من رائية أبي نواس، وأصدق لهجة وأصلح للنغم الشجي الذي صيغت فيه. وقد زعموا أن المأمون لما سمع بها غيظ على شاعرها حتى أمر بقتله قتلة شنيعة. هذا وقد قل النظم في بحر المديد المعتل عند متأخري العباسيين حتى كاد يهجر، وقد جعل بعض المعاصرين يحيونه. ولم أعثر في ذلك على شيء يستحق الاختيار "بمقدار اطلاعي". وقد زعم الأستاذ الهاشمي ﵀ في ميزان الذهب (٣٦) أن السبب في إقلال الشعراء في هذا الوزن هو ثقله. ولا أنكر أن فيه ثقلا. ولكني لا أراه منع ابن قيس الرقيات وأبا نواس والعكوك وجماعة من تلك الطبقة أن ينظموا فيه. وعندي أن السر في ندرته عند المتأخرين هو أن الفحول أمثال المتنبي وأبي تمام والبحتري والمعري قد تنكبوه في الكثير الغالب وبهم اقتدى من جاء بعدهم. السريع (٢) السريع مستمد من الرجز، وله أنواع، منها: الثقيل الطويل، وأكثرها دورانًا في الشعر ما يدخل في دائرة البحور التي بين بين. ويزعم العروضيون أن وزن السريع الأصلي هو: مستفعلن مستفعلن مفعولات ... مستفعلن مستفعلن مفعولات بضم التاء غير ممدودة ولا مشبعة. وهذا لم يستعمله أحد من الشعراء ويقول العروضيون -ليبرروا ما افترضوه- إن الوزن الأصلي تعتريه علة اسمها الوقف عند الاستعمال، وهذه العلة تسقط ضمة التاء وتسكنها. ومن المعلوم ضرورة أن آخر البيت إما أن يكون مسكنًا، وإما أن يكون متحركًا، فإن كان

стр. 175

متحركا فلا بد من إشباع الحركة أو مدها. وعلى هذا فعلة الوقف التي زعمها العروضيون مجرد وهم وباطل، لأنه إن لم يكن وقف فلا بد من حركة طويلة لا مجرد ضمه، وإن كانت حركة طويلة فلا يمكن أن يقع في التفعيلة وقف، لأنه لا يصيب إلا المتحرك من الوتد وهو السابع المتحرك ههنا. والوزن العمدة من السريع: مستفعلن مستفعلن فاعلن ... مستفعلن مستفعلن فاعلن ومثاله من العبث: مستفسر مستخدم خادم ... مستخبر مستدرج صائم ومستفعلن كثيرًا ما تصير "متفعلن، أو مفتعلن"، وبهذا يكون الوزن أكثر حرية، ومثاله: مجتهد منبعث قائم ... مستقتل مجتهد نائم قارورة مصنوعة تن ترن ... من فضة جيدة تن ترن مسافر في دارنا درنا ... مذاكر للدرس يا صاحبي قد طار قط أيها المرء لا ... يزعجك ذكر القط في وزننا مستفعل مستفعل فاعلن ... فالقط للفار ترن عاشق يعشقه يعشقه تن ترن ... يأكله يأكله يأكل علقم يا علقم يا علقم ... إنا هجوناك فهل تعلم مفتعلن تن تن ترن تاتري ... تن تن تتن مفتعلن تاتري ومثله من الشعر قول الأعشى: علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر

стр. 176

سدت بني الأحوص لم تعدهم ... وعامر ساد بني عامر هذا هو الوزن العمدة، وسنشير إليه فيما بعد باسم الوزن الثاني، لأن هذا ترتيبه في جداول العروضيين. وعنه يتفرق وزنان أحدهما بزيادة وهو الأول، والآخر بنقصان وهو الثالث. ويجيء الوزن الثالث من الوزن العمدة (الثاني) بحذف آخر سكون في التفعيلة السادسة وتسكين آخر متحرك هكذا: مستفعلن مستفعلن فاعلن ... مستفعلن مستفعلن فاعل علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر وفي بيت التصريع يصير الوزن هكذا: علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر يا فوز يا منية عباس ... واحربا من قلبك القاسي هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير بلا شك أنت امرؤ مستفعلن فاعلن ... أبوك منسوب إلى الترك تن تن ترن مستفعلن تركي ... تم تم تتم مستفعلن تركي إن كنت لا ترضى بذا نسبة ... إذن نسباك إلى الشرك هل أنت من أوزاننا ضاحك ... بل أنت من أوزاننا تبكي في يوم صفين بكى قبلنا ... جند علي من قناعك الحزم والقوة خير من الـ ... إدهان والهاعة والفك الحزم والقوة خير من الـ ... إدهان والفكة والهاع والوزنان الثاني والثالث من البحور التي بين بين. والوزن الأول يحدث بزيادة شبه مقطع على الوزن الثاني العمدة هكذا:

стр. 177

مستفعلن مستفعلن فاعلن ... مستفعلن مستفعلن فاعلن ن مستفعلن مفتعلن فاعلن ... مستفعلن مفتعلن فاعلن ن يا صاحبي يا صاحبي عندنا ... مستفعلن مستفعلن فاعلان يا صاحبي مستفعل عندنا ... يا سيدي عن عندنا عندنان جارية طيبة حلوة ... أحبها أحببتها حبان إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وفي التصريع يصير صدره مثل عجزه كقول عوف بن محلم: يابن الذي دان له المشرقان ... وألبس الأمن به المغربان (١) وسنبدأ بالحديث عن هذا الوزن الأول لطوله وثقل وزنه، ثم نتبع ذلك بالحديث عن أخويه: هذا الوزن الأول من الأبحر المتحاماة، لأن آخر أجزائه ثقيل جدًا، ودندنته أشبه شيء بدندنة القدح من القرع تضربه مكفأ على الماء، ولذلك فالناظم فيه يحتاج إلى البطء والتأني، وقد يوقعه هذا في التكلف والتقعر إن لم يلائم بين أغراضه ونغماته. ولعل هذا الوزن في أولياته عدل به عن الرجز ليناسب الحداء بالإبل المحملة وهي تهبع بأعناقها في الصحاري الأماريت. ألا ترى أنهم قد استعملوه مشطورًا في مثل قولهم (٢): لما رأتنا واقفي المطيات ... قامت تبدي ل بأصلتيات ومثل قولهم: إن عليا قتل ابن عفان ... ردوا علينا شيخنا كما كان

стр. 178

فكأنهم استخفوا الرجز في الحداء، ثم في الأغراض التي تشبهه وأرادوا أن يقرنوه بأخ له أثقل وأرزن حركة منه، فكان ذلك مشطور السريع (وقد سبق أن تكلمنا عنه في باب المنسرح القصير)، ثم غيروا وبدلوا في هذا المشطور ليلائموا به القصير فجاء منه السريع الأول، وجاء يحمل من طابع الثقل قريبًا مما يحمله المشطور خذ كلمة عوف بن محلم الشيباني: يا بن الذي دان له المشرقان ... وألبس الأمن به المغربان إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وأبدلتني بالشطاط الحنا ... وكنت كالصعده تحت السنان وقاربت منى خطا لم تكن ... مقاربات وثنت من عنان وجعلت بيني وبين الورى ... عنانة من غير نسج العنان ولم تدع في لمستمتع ... إلا لساني وبحسبي لسان أدعو به الله وأثني به ... على الأمير المصعبي الهجان فقرباني بأبي أنتما ... من وطني قبل اصفرار البنان وقبل منعاي إلى نسوة ... أوطانها حران والرقتان سقي قصور الشاذياخ الحيا ... من بعد عهدي وقصور الميان فكم وكم لي عندها دعوة ... أن تتخطاها صروف الزمان ألا تحس أن حركة الوزن في هذه الأبيات تمثل شيخًا هرمًا همًا باليًا يهدج في مشيته، ويشتكي من أحوال الزمان، وهب عوف بن محلم جاء بهذه الأبيات في المتقارب لا السريع، ونظمها على طراز قول الأعشى: فان الحوادث ضعضعنني ... وإن الذي تعلمين استعيرا إذا كان هادي الفتى في البلا ... د صدر القناة أطاع الأميرا وخاف العثار إذا ما مشى ... وخال السهولة وعثًا وعورا

стр. 179

ألا ترى أنا كنا نفقد ما في قصيدته من التمثيل الصادق لحال شيبه وتداعيه، ثم عسى ألا نظفر بعد ذلك بشيء شبيه بما يفعله بنا متقارب الأعشى من إثارة الطرب ولم نلجأ إلى الفروض وعندنا في رسالة الغفران كلمة رائية من بحر البسيط أنشدها المعري على لسان جني يدعى هدرش مطلعها: سبحان من حط أوزاري ومزقها ... عنى فأصبح ذنبي اليوم مغفورا وكنت آلف من أتراب قرطبة ... خودًا وبالصين أخرى بنت يغبورا أزور هذي وهذي غير مكترث ... في ليلة قبل أن استوضح النورا وهي كلمة طريفة إلا أنها فيما يتراءى لي لم ترق في نظر أبي العلاء ولم تؤد المعنى الذي كان أراده من تصوير هرم الجني أبي هدرش وصوته المتكسر العفري ووحشته وتأبده بين أدحال (١) الجنة وغماليلها (٢)، وخلقه المخالف لخلق الأنيس. لذلك -فيما يبدو لي- أتبعها المعري سينية طويلة من السريع الأول يحمل نغمها كل هذه المعاني. ويفصح بها أيما إفصاح، وذلك قوله: مكة أقوت من بني الدردبيس ... فما لجني بها من حسيس وقد ذكرنا للقارئ طرفًا من هذه الكلمة في معرض حديثنا عن قافية السين؛ هذا ومن حقق النظر في بحر السريع الأول وجد الجياد فيه كلها من قبيل ما ذكرنا من اصطناع التأني والريث، ووجد حركته البطيئة تمثل جانبًا مهمًا من جوانب المعنى المقصود, خذ قصيدة عدي بن زيد الصيادية في القصص (٣): قل لخليلي عبد هند فلا ... زلت قريبًا من سواد الخصوص

стр. 180

مجاور الفورة أو دونها ... غير بعيد عن غمير اللصوص (١) تجنى لك الكمأة ربعية ... بالخب تندى في أصول القصيص (٢) تقنصك الخيل وتصطادك الطير ولا تنكع لهو القنيص (٣) إلخ .. إلخ تجدها توضح لك جانبًا مما ذكرناه من بطء السريع الأول. هذه القصيدة معظمها في وصف الصيد والقنص. ولكن عديًا كان في سجن النعمان حينما بعث بها إلى صديقه عبد هند، يعاتبه على إهماله له ويذكره بأيام الوداد التي خلت. ونغمها يحمل إليك وأنت تقرؤها صورة السجين وهو في حال بائسة من رسفان في القيد، وصبر على الأذى، وتعلل بالذكريات السحيقة مع بصيص من الأمل في النجاة، صورة أنسب شيء لها النغم البطيء الثقيل. وانظر في سينية حبيب التي ذكرنا لك منها طرفًا في باب الكلام عن قافية السين (٤) جرت له أسماء حبل الشموس ... والهجر والوصل نعيم وبوس (وهي في وصف الخيل) تجدها لا تعطيك صورة حصان منطلق محضر، ولكن صورة طرف بارع يناقل ويدور ليريك كل محاسن جسده أو جلها، وهذه حركة بطيئة بلا ريب. خذ قوله مثلًا (٥):
следующие страницы →