هذا وللمتأخرين من المولدين مذهب في تأمل الأجرام العلوية ينظرون فيه إلى الفلسفة والتنجيم كما قد ينظرون إلى طريقة القدماء في الحنين والسهر والتأمل. إلا أن أسلوب البديع والتطرف بمحسناته أغلب على منهجهم. وهذا باب يحتاج إلى أن يفرد له بحث قائم به في غير هذا الموضع. والقارئ أصلحه الله يعلم نحو قول ابن المعتز:
أنظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
وقول المعري:
ليلتي هذه عروس من الزنـ ... ج عليها قلائد من جُمان
وقد جرى في هذا على مذهب البديع، وله بالنجوم والنيرات ولع يكاد ينفرد به وقد عرضنا لشيء منه في فصلنا عن الدرعيات.
وقول البحتري:
عكست حظه الليالي وأمسى الـ ... مشتري فيه وهو كوكب نحس
وهذا ينظر إلى معتقدات المنجمين.
وقد كان أبو الطيب في بعض طواله يقارب منهج القدماء، كقوله:
حتام نحن نساري النجم في الظلم ... وما سراه على خف ولا قدم
وهذا من جياد مطالعه وقوله:
أحاد أم سداس في أحاد ... ليلتنا المنوطة بالتناد
كأن بنات نعش في دُجاها ... خرائد سافرات في حداد
وقد يلحق بهذا بعض مطالعه في الهم نحو:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن
стр. 1157
والشيب نحو قوله:
ضيف ألم برأسي غير محتشم ... والسيف أحسن فعلاً منه باللمم
وأبو الطيب سيد المحدثين غير مدافع. وهذا بعد باب يطول.
تتمة في رموز الحنين (١):
مما يلحق بالليل والهم والشوق ومعاني الحنين رموز كثيرة وأوصاف تجري مجرى الرموز، منها ما ألمعنا إليه إلماعًا ومنها ما أضربنا عنه أو سهونا أو غاب عنا. وفي الذي ذكرناه أو سنذكره ما قد يغني عنه أو يدل عليه. مثال ذلك الريح والنسائم والشباب والشيب والغراب والزجر والصحراء والروضة وأحاديث الرحيل والعتاب وما لا يكاد يحصى من مظاهر الطبيعة والحياة. وكثير من هذه الأصناف قد يقع في عرض النسيب أو تستهل به القصائد. كقول المرار مثلاً في الشيب:
عجب خولة إذ تنكرني ... أم رأت خولة شيخًا قد كبر
وكساه الدهر سبا ناصعًا ... وتحنى الظهر منه فأطر
وقول المرقش في العيافة:
ألا بأن أصحابي ولست بعائف ... أدان بهم صرف النوى أم مخالفي
وكذلك قول الأعشى:
ما تعيف اليوم في الطير الروح ... من غراب البين أو تيس نطح
وقال عنترة:
ظعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى بينهم الغراب الأبقع
ومن هذا القري للمحدثين قول البحتري:
زعم الغراب مُنبيء الأنباء ... أن الأحبة آذنوا بتناء
стр. 1158
وقول المعري:
نبي من الغربان ليس على شرع ... يُخبرنا أن الشعوب إلى الصدع
واجعل باب الحمامة مثلاً مما يدل دلالة عكسية على باب الزجر وقد يلتقيان كما رأيت من كلام جحدر، وباب الخصوبة والسقيا مثلاً مما يدل دلالة مباشرة على الشباب، وعكسية على الشيب وهلم جرا. وهذا مجال فسيح.
ومما يحسن أن نكمل به ههنا ذكر الطيف وأمثال أخر مما هو كثير الدوران في باب الحنين، وكلها مما ألمعنا إليه أو فصلنا بعض التفصيل، ولكن موقعها ههنا مما عسى أن تتم به الفائدة، ونأمل أن يسلم من مملول التكرار.
وقد يذكر الطيف بقصد الغزل كما يذكر لحاق الحنين وقد تجمع فيه معاني هذين فتختلط. ونحن سنختصر من الحديث في هذا الموضوع ما هو أشبه بالحنين وكالرمز له.
فمما استهل به الشعراء من القصائد في ذكر الطيف وتأريقه قول تأبط شرا:
يا عيد مالك من شوق وإيراق ... ومر طيف على الأهوال طراق
والطيف مما يوصف باجتياز الأهوال وسنعرض لهذا المعنى في باب الغزل إن شاء الله. ومما استهلوا به قول حسان:
تبلت فؤادك في المنام خريدة ... تسقي الضجيع ببارد بسام
وقول الأعشي:
ألم خيال من قتيلة بعدما ... وهي حبلها من حبلنا فتصرما
وقول بشر ابن أبي خازم:
أحق ما رأيت أم احتلام ... أم الأهوال إذ صحبي نيام
стр. 1159
وقال معود الحكماء:
طرقت أمامة والمزار بعيد ... وهنًا وأصحاب الرحال هجود
وقال المرقش الأصغر، وقد مر بك آنفًا قوله في الطيف يشكو ويسترحم، وليس هذا بمطلع قصيدته:
أمن بنت عجلان الخيال المطرح ... ألم ورحلي ساقط مُتزحزح
فلما انتبهت للخيال وراعني ... إذا هو رحلي والبلاد توضح
ولكنه زور ييقظ نائمًا ... ويُحدث أشجانًا بقلبك تجرح
وهذا البيت الأخير كالنص في ما نحن بصدده من معاني رمزية الطيف للشجن والتأريق وما إلى ذلك.
وقال سويد في قري هذا المعنى، وليس بمطلع:
هيج الشوق خيال زائر ... من حبيب خفر فيه قدع
شاحط جاز إلى أرحلنا ... عُصب الغاب طروقًا لم يُرع
آنس كان إذا ما اعتادني ... حال دون النوم مني فامتنع
فأبيت الليل ما أرقده ... وبعيني إذا النجم طلع
وإذا ما قلت ليل قد مضى ... عطف الأول منه فرجع
يسحب الليل نجومًا ظلعًا ... فتواليها بطيئات التبع
ويزجيها على إبطائها ... مُغرب اللون إذا اللون انقشع
وعنى بمغرب اللون، الفجر.
وفي قول سويد ما ترى من التحسر والتذكر والتأمل والضيعة والشوق الذي لا يكاد يطلب شيئًا وليس بواجده إن فعل.
стр. 1160
ويعجبني قول الآخر، يرثي إخوانًا له، تراءوا له في المنام، وهو مما يستشهد به النحاة في باب الرؤيا القلبية:
أبو حنش يؤرقني وطلق ... وعمار وآونة أثالا
أراهم رُفقتي حتى إذا ما ... تجافى الليل وانخزل انخزالاً
إذا أنا كالذي يجري لورد ... إلى آل فلم يدرك بلالاً
هذا ومن مطالع الإسلاميين في الطيف قول أمية بن عائد:
ألا يا لقلب لطيف الخيال ... أرق من نازح ذي دلال
وقال جرير وله فيه مطالع:
أرق العيون فنومهن غرار ... إذا لا يُساعف من هواك مزار
هل تبصر النقوين دون مخفق ... أم هل بدت لك بالجنينة نار
طرقت جعادة واليمامة دونها ... ركبًا تُرجم دونها الأخبار
وجعادة ابنته.
وله في مطلع كلمة أخرى:
طرقت لميس وليتها لم تطرق ... حتى تفك حبال عان مُوثق
وأمثلة هذا عند الإسلاميين كثير.
ومن أمثلته عند المولدين قول مروان بن أبي حفصة ونظر إلى جرير وكان به معجبًا:
طرقتك زائرة فحي خيالها ... زهراء تخلط بالجمال دلالها
وقد أكثر المولدون من ذكر الطيف إكثارًا كادوا يبتذلونه به، ولهم بعد فيه كلمات جياد، سنذكر منها إن شاء الله في باب الغزل.
стр. 1161
ولقد كان أبو عبادة البحتري ﵀ من أكثرهم كلفًا بذكر الطيف في المطالع، يكاد يشبه في طريقته منه طريقة أبي تمام في البرق والمطر.
من ذلك قوله:
قل للخيال إذا أردت فعاود ... تُدني المسافة من هوى مُتباعد
وقوله:
طيف الحبيب ألم من عدوائه ... وبعيد موقع أرضه وسمائه
ولم يكن أبو الطيب على المامه بالطيف في غير موضع بمكثر منه في المطالع. ومما جاء له في ذلك قوله:
أزائر يا خيال أم عائد ... أم عند مولاك أنني راقد
وهذا معنى جمع فأوعى إذ ذكر فيه الزيارة والعيادة وفيها إشعار بالسقم والسهر وغفلة المحبوب عما هو معانيه.
وقوله:
لا الحلم جاد به ولا بمثاله ... لولا أدكار وداعه وزياله
إن المعيد لنا المنام خياله ... كانت إعادته خيال خياله
وهذا معنى غريب دقيق، إذ كر فيه الطيف التالي بعد الطيف الأول. وإنما كان الطيف التالي من تذكر الأول، اغتناء من العاشق بالخيال بعد أن عز عليه منال صاحبه.
وهذا ويعجبني مما جاء في الطيف لشعراء عصرنا هذا، قول محمود سامي باشا
стр. 1162
البارودي ﵀، يذكر ابنته سميرة، بعد أن صار إلى المنفى:
تأوب طيف من سميرة زائر ... وما الطيف إلا ما تريه الخواطر
تمثلها الذكرى لعيني كأنني ... إليها على بُعد من الأرض ناظمر
فيا بُعد ما بيني وبين أحبتي ... ويا قُرب ما التفت عليه الضمائر
وشرف هذا الشعر وفحولته كما ترى.
هذا ومما نستكمل به في هذا الباب الخمر، وهي بحر واسع ولا يجزئ فيها إلا بحث مفرد لها. والعرب تذكرها في باب الغزل واللهو والفخر والمرح، ولا تكاد تخلو من معنى الحنين لما يخالطها من معنى الذكرى. ونحن ههنا موجزون وحسبنا ما كان من أمرها لاحقًا بمعاني الشجن الغامض والحزن الخفي المدخل، فهذا من حاق سنخ الحنين والنسيب. فمن ذلك قول حسان:
لله در عصابة نادمتهم ... يومًا بجلق في الزمان الأول
يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى تُصفق بالرحيق السلسل
وقول لقيط بن زرارة ورواه المبرد في الكامل:
شربت الخمر حتى خلت أني ... أبو قابوس أو عبد المدان
أمشي في بني عُدس بن زيد ... خلي البال مُنطلق العنان
ولود قارئ أن يعلم ما لابس هذا القول من ظروف الحياة.
وقال النعمان بن عدي:
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها ... بفارس يُسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... ورقاصة تجذو على حد منسم
لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم
стр. 1163
وموضع الأسى وخشية عمر واستشعار الحرمان كل ذلك يحس في هذه الأبيات وقد كان النعمان من أبناء الصحابة ومن قرابات عمر، فذلك كان أدعى للمخشاة.
وقال زهير:
وقد أغدو على ثبة كرام ... نشاوى واجدين لما نشاء
لهم راح وراووق ومسك ... تُعل به جلودهم وماء
يجرون البرود وقد تمشت ... حميا الكأس فيهم والغناء
وأرى أن هذه الأبيات فيها إيحاء واجس بالموت لعل منشأة من قوله «تعل به جلودهم». وقد كان الإيحاء من ضريبة بيانه لا تكاد تخلو منه جياده بحال ومدخله إليه خفي أيما خفاء. ونظر إليه حسان حيث قال في تشبيه الثغر ثم انصرف إلى مدح الخمر:
كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
على أنيابها أو طعم غض ... من التفاح هصره اجتناء
على فيها إذا ما الليل قلت ... كواكبه ومال بها الغطاء
إذا ما الأشربات ذكرن يومًا ... فهن لطيب الراح الفداء
نوليها الملامة أن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء
ونشربها فتتركنا ملوكًا ... وأشدًا ما يُنهنهها اللقاء
وقد فطن أبو العلاء لما في هذه الأبيات من حنين وحرمان، فسأل حسان في رسالته على لسان ندامى الفردوس «ويحك أما استحييت أن تذكر هذا في مدحتك رسول الله» فيقول: «إنه كان أسجح خلقًا مما تظنون» ثم يعتذر بما نراه جاء به المعري على أسلوب التقية.
وقال عبد الرحمن بن الحكم (رواه المبرد في الكامل):
وكأس ترى بين الإناء وبينها ... قذى العين قد نازعت أم أبان
стр. 1164
ترى شاربيها حين يعتورانها ... يميلان أحيانًا ويعتدلان
فما ظن ذا الواشي بأروع ماجد ... وبداء خود حين يلتقيان
وظاهر هذه الأبيات فكاهة، وباطنها أسى غزير.
وقال المنخل:
ولقد شربت من المدا ... مة بالكبير وبالصغير
فإذا سكرت فإنني ... رب الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني ... رب الشهويهة والبعير
وقد أفصح المنخل ههنا بكثير من معنى الضيعة. وأدخل في حاق هذا قول عدي بن زيد:
رب ركب قد أناخوا حولنا ... يمزجون الخمر بالماء الزلال
والأباريق عليها فدم ... وجياد الخيل تردي في الجلال
ثم أمسوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالاً بعد حال
ومن قري هذا الشجن الغامض الموحي بتوقع الموت وزوال الدنيا ابتداءات كثير من الشعراء. فمن ذلك قول عمرو بن كلثوم في المعلقة:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تُبقي خمور الأندرينا
وفيها يقول:
وكأس قد شربت ببعلبك ... وأخرى في دمشق وقاصرينا
وقول عدي:
بكر العاذلون في وضح الصبـ ... ـح يقولون لي أما تستفيق
وقال امرؤ القيس فقارب أن يبدأ بذكر الخمر:
أحار بن عمرو كأني خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر
стр. 1165
وقال الأعشي، فذكر أحوال الدهر والموت ثم وصل ذلك بذكر الخمر وهذا من معنى ما نحن فيه، بل كأنه نص يدل عليه:
لعمرك ما طول هذا الزمن ... على المرء إلا عناء مُعن
يظل رجيمًا لريب المنون ... وللسقم في أهله والحزن
وهالك أهل يجنونه ... كآخر في قفره لم يُجن
إذا ماذا تحفل الشاة بالسلخ بعد الذبح
وما أن أرى الدهر في صرفه ... يُغادر من شارخ أو يفن
فهل يمنعني ارتيادي البلا ... د من حذر الموت أن يأتين
أليس أخو الموت مُستوثقًا ... علي وإن قلت قد إنسان
أي إنساني وأجلني
علي رقيب له حافظ ... فقل في امرئ غلق مُرتهن
أزال أذينة عن ملكه ... وأخرج من حصنه ذا يزن
وخان النعيم أبا مالك ... وأي امرئ صالح لم يخن
وزال الملوك فأفناهم ... وأخرج من بيته ذا حزن
هذا قد يكون من التبابعة وقد يكون بمعنى محزون
وعهد الشباب ولذاته ... فإن يك ذلك قد نتدن
هكذا (١) وأحسبه «ذاك فقد نتدن» أي نضعف، يضعفنا الشيب والهرم ويدخلنا اللين بعد الشدة.
وطاوعت ذا الحلم فاقتادني ... وقد كنت أمنع مني الرسن
стр. 1166
وعاصيت قلبي بعد الصبا ... وأمسي وما أن له من شجن
فقد أشرب الراح قد تعلميـ ... ـن يوم المقام ويوم الظعن
وأشرب بالريف حتى يقا ... ل قد طال الريف ما قد دجن
وأقررت عيني من الغانيا ... ت إما نكاحًا وإما أزن
ومن كل بيضاء رعبوبة ... لها بشر ناصع كاللبن
وكل هذا من بكاء الشباب والحسرات على فوات الدنيا.
وطريقة الأخطل في نعت الخمر قريبة من هذا إذ قد يجيء بها مباشرة بعد مستهل النسيب فتكون كالجزء منه كما فعل في اللامية:
عفا واسط من آل رضوى فنبتل ... فمجتمع الحرين فالصبر أجمل
فرابية السكران قفر فما لهم ... بها شبح إلا سلام وحرمل
صحا القلب إلا من ظعائن فاتني ... بهن ابن خلاس طفيل وعزهل
كأني غداة انصعن للبين مسلم ... بضربة عُنق أو غوي مُعذل
صريع مدام يرفع الشرب رأسه ... ليحيا وقد ماتت عظام ومفصل
ثم مضى في نعت الخمر. ولم يكن مراده تشبيه حال أساه لفراقهن بحال السكران، وإنما كان يريد إلى معنى الشجن، ولعلما كنى يفراقهن عما يصبو إليه ولا يناله من أن لا يزول العيش ولا تنقضي لذاته.
وقال فاستهل بذكر الخمر:
بكر العواذل يبتدرن ملامتي ... والعالمون فكلهم يلحاني
في أن سقيت بشربة مقذية ... صرف مشعشعة بماء شنان
فطفقت أسقي صاحبي من بردها ... عمدًا لأرويه كما أرواني
ومحل الشجن في هذا بين.
стр. 1167
وذكر الخمر عند الإسلاميين الأوائل، ما عدا النصارى منهم كأبي زبيد والأخطل والقطامي، قليل، لمكان التحريم وقرب عهد الصحابة. وقد رويت أشياء كما رأيت من شعر النعمان بن عدي وعبد الرحمن بن الحكم، وقد رووا ليزيد بن معاوية، وفي رسالة الغفران ما يشعر بذلك. ولا يجيء ذكر الخمر في شعر جرير إلا على وجه التشبيه وقد يلمح بذلك ولا يصرح كقوله:
حلأتنا عن قراح المزن في رصف ... لو شئت روى غليل الهائم الصادي
ولا غرو، فقد كان هو لا يتعاطاها، وكان يعدها من المثالب ويهجو أعداءه بها. قال يهجو الفرزدق:
ولا يخفي عليك شراب حد ... ولا ورهاء غائبة الحليل
وقد يجيء في شعر الفرزدق في معرض الغزل كقوله:
ولا زاد إلا فضلتان مدامة ... وأبيض من ماء الغمامة قرقف
وقد ذكروا له ما هو صريح في اللهو والسكر كقوله في عوام وأصحابه:
من يأت عوامًا ويشرب عنده ... يدع الصيام ولا تُصلى الأربع
ويبيت في حرج ويصبح همه ... برد الشراب وتارة يتهوع
ولقد مررت ببابهم فرأيتهم ... صرعى وآخر قائمًا يتتعتع (١)
فذكرت أهل النار حين رأيتهم ... وحمدت خالقنا على ما يصنع
وقد كان الفرزدق منهم، على ما يدعيه ههنا من موقف المتفرج والاستعاذة بذكر أهل النار. وهذا ونحوه مما مهد للمجون عند أمثال عمار ذي كناز ومن جاءوا بعده. وقال
стр. 1168
العجاج يذكر الخمر على التشبيه ويتبدى بمذهب الجاهليين:
كأن ذا فدامة منطقًا
قطف من أعنابه ما قطفا
فغمها حولين ثم استودفا
صهباء خرطوما عقارًا قرقفا
فشن في الإبريق منها نزفا
من رسف نازع سيلاً رصفا
حتى تناهى في صهاريج الصفا
خالط من سلمى خياشهم وفا
وهذا ليس من هذا الباب، وإنما ذكرناه على وجه التسلسل التاريخي. وذكر الراعي المجلس في نفس مقارب لنفس الأعشى والأخطل ذي شجن لا يخفي ولكنه أخفى ذكر الخمر والله أعلم بأمره وهذه الأبيات مما رواه صاحب الكامل، قال:
ومرسل ورسول غير متهم ... وحاجةٍ غير مزجاةٍ من الحاج
طاولته بعدما طال النجى بنا ... وظن أني عليه غير منعاج
ما زال يفتح أبوابًا ويُغلقها ... دوني وأفتح بابًا بعد إرتاج
حتى أضاء سراج دونه بقر ... حمر الأنامل عين طرفها ساج
يا نعمها ليلةً حتى تخونها ... داعٍ دعا في فروع الصبح شحاج
لما دعا الدعوة الأولى فأسمعني ... أخذت بردي واستمررت أدراجي
وكان الراعي فيما ذكر يجالس الفرزدق. ولاشك أن أبا نواس قد نظر إلى هذه الجيمية.
وقال الفزاري صهر الحجاج:
حبذا ليلتي بتل بونا ... إذ نسقي شرابنا ونغني
стр. 1169
وهذا كأنه نفس مولد.
ثم إن شعر الخمر قد كثر، نظم فيه جماعة من الإسلاميين كالأقيشر وأبي الهندي ورووا لابن الطثرية:
ويومٍ كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
ثم جاء الوليد بن يزيد وتبعه المولدون.
ويخالط الشجن لديهم لون من التحدي، إذ هم مقبلون على شرب محرم. وهذا التحدي قد ينحط إلى المجون، وقد يكون مجرد شعب وتظرف بالشعوبية وقد يرتفع إلى لوعة كلوعة الغزل مما هو من جوهر النسيب. فمن الأول قول النواسي:
لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد
ومن الثاني قوله:
عاج الشقي على رسمٍ يسائله ... ورحت أسأل عن خمارة البلد
ومن الثالث قوله:
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس
وقوله:
وخيمة ناطورٍ برأس منيفةٍ ... تهم يدا من رامها بزليل
وقوله ونظر فيه إلى شيء من التحدي:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
وهذا يتبع فيه قول الوليد:
اصدع نجي الهموم بالطرب ... وباكر اللهو بابنة العنب
стр. 1170
وقال مسلم بن الوليد وفيه نفس الأوائل ممزوجًا بالنفس المولد:
أديري على الكأس ساقية الخمر ... ولا تسأليني واسألي الكأس عن أمري
وقد داخلت الخمر من بعد معاني التصوف، وأكسبها التحريم مع هذا لونًا من قداسة، وخصب مؤنث ممنوع. فصارت تدور في بيان الشعراء، من يشربها منهم ومن لا يشربها، مدار الرمز. ولا ريب أن أبا نواس مع انتهاجه طريقة الأوائل في جياده واحتذائه أسلوبهم في تشبيهاتهم ومجازهم ومذاهب نعتهم، قد كان ممن مهدوا لهذا، لما كان يضيفه على روائعه من فوق أضواء الوصف، من سحائب حزن سحيق المدى، وشجن بعيد الغور، وما كان يلابس ذلك من ألفاظ المتفلسفة والعلماء وتأملاتهم والأخلية المستمدة من ثقافتهم. قال في الحائية:
صفرا تفترس النفوس فلا ترى ... منها بهن سوى السنات جراحا
عمرت يكاتمك الزمان حديثها ... حتى إذا بلغ السامة باحا
فأباح من أسرارها مستودع ... لولا الملالة لم يكن ليباحا
فأتتك في صور تداخلها البلى ... فأزالهن وأثبت الأرواحا
وقال في الهمزية:
فقل لمن يدعى في العلم فلسفةً ... حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء
لا تحظر العفو إن كنت أمرًا حرجًا ... فإن حظر كه في الدين إزراء
وهذا معنى ديني نفيس:
ذُخرت لآدم قبل خلقته ... فتقدمته بخطوة القبل
فأتاك شيءٌ لا تلامسه ... إلا بحس غريزة العقل
стр. 1171
وهذا معنى بين الفلسفة والتصوف، آخره من تلك وأوله من هذه.
وقال أبو تمام، فجعل الخمر كأنها قضية منطقية:
عنبية ذهبية سبكت لها ... ذهب المعاني صاغه الشعراء
صعبت وراض المزج سيء خلقها ... فتعلمت من حسن خلق الماء
خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلاعب الأفعال بالأسماء
وضعيفة فإذا أصابت فرصةً ... قتلت كذلك قدرة الضعفاء
جهمية الأوصاف إلا أنهم ... قد لقبوها جوهر الأشياء
وقال، وقد أخذ عليه المطلع، بعض النقاد:
أفيكم فتىً حي فيخبرني عني ... بما شربت مشروبة الراح من ذهني
غدت وهي أولى من فؤادي بعزمتي ... ورحت بما في الدن أولى من الدن
لقد تركتني كأسها وحقيقتي ... مجازٌ وصبحٌ من يقيني كالظن
وهذا من ضرب كلام الصوفية كما ترى
وقد دمث البحتري من حزونة أبي تمام ولكنه اقتبس من دقة تأمله، وصوفية منحاه في بعض ما عرض له من نعت الخمر، كقوله:
فاشرب على زهر الرياض يشوبه ... زهر الخدود وزهرة الصهباء
من قهوة تنسى الهموم وتبعث الـ ... شوق الذي قد ضل في الأحشاء
يخفى الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمة بغير إناء
والشاهد ههنا ضلال الشوق في الأحشاء
وقال في السينية:
قد سقاني ولم يصرد أبو الغو ... ث على العسكرين شربة خلس
من مدام تقولها هي نجم ... أضوأ الليل أو مجاجة شمس
стр. 1172
وتراها إذا أجدت سرورًا ... وارتياحًا للشارب المتحسي
أفرغت في الزجاج من كل قلب ... فهي محبوبة إلى كل نفس
وتوهمت أن كسري أبرويـ ... ـز معاطي والبلبهذ أنسى
حلم مطبق على الشك عيني ... أم أمانٍ غيرن ظني وحدسي
والبيت الأخير هو الشاهد إذ وحد فيه الشاعر معنى التأمل والغناء بالجمال بمعنى التحسر على الفناء والتماس العزاء في الخمر، وارتفاع النفس بجميع ذلك إلى نشوة من نشوات الشطح القدسي.
وقد قال المتنبي يذكر الخمر:
بم التعلل لا أهلٌ ولا وطن ... ولا نديم ولا كأسٌ ولا سكن
فساوى بين الكأس والوطن والحبيب ثم مضى ليزعم أن مراده فوق العشق وفوق الزمن- فكأن الأهل والوطن والنديم والكأس والسكن وكل ما يذكره ههنا من قبيل الرمز الغامض لشيء فوق أن يدرك.
وقال في دالية كافور:
يا ساقيي أخر في كئوسكما ... أم في كئوسكما هم وتسهيد
أصخره أنا مالي لا تحركني ... هذي المدام ولا هذي الأغاريد
إذا أردت كميت اللون صافيةً ... وجدتها وحبيب النفس مفقود
ففرق بين الخمر والحبيب المنشود، وهذا شبيه بقوله وهو شاب:
فؤادٌ ما تسليه المدام ... وعمر مثلما تهب اللئام
ومذهب المتنبي، على أخذه من أخيله التصوف والفلسفة وما إلى ذلك، فيه
стр. 1173
رجعة لا تخفى إلى طريقة القدماء. وإليه نظر المعرى حيث قال:
أيأتي نبي يجعل الخمر طلقةً ... فتحمل ثقلاً من همومي وأحزاني
وحيث قال:
تمنيت أن الخمر حلت لنشوةٍ ... تجهلني كيف اطمأنت بي الحال
فأذهل أني بالعارق على شفًا ... رزي الأماني لا أنيس ولا مال
على أن المعري في كلا قوليه هذين يلم بمعنى النشوة وذلك من سر الخمر ما تغنى به الأولون والتاع له المتأخرون واتخذه الصوفية رمزًا لليهام. قال ابن الفارض، وهو مشهور من قوله:
شربنا على ذكر الحبيب مدامةً ... سكرنا بها من قبل أن يُخلق الكرم
لها البدر كأسٌ وهي شمسٌ يديرها ... هلالٌ وكم يبدو إذا مزجت نجم
ولولا شذاها ما اهتديت لحانها ... ولولا سناها ما تصورها الوهم
ولم يبق منها الدهر غير حشاشة ... كأن خفاها في صدور النهي كتم
فإن ذُكرت في الحي أصبح أهله ... نشاوى ولا عارٌ عليهم ولا إثم
وإن خطرت يومًا على خاطر امرئٍ ... أقامت به الأفراح وارتحل الهم
ولو نظر الندمان ختم إنائها ... لأسكرهم من دونها ذلك الختم
ولو نضحوا منها ثرى قبر ميتٍ ... لعادت إليه الروح وانتعش الجسم
ولو طرحوا في فيء حائط كرمها ... عليلاً وقد أشفى لفارقه السقم
وليس في هذه الأبيات معنى لم يجمله القدماء أو لم يفصله أبو نواس وأصحابه. اللهم إلا البيت الأول فيما يبدو. وأرى أن أصله من قول أبي نواس.
ذُخرت لآدم قبل طينته ... فتقدمته بخطوة القبل
стр. 1174
فعلى هذا الزعم إما أن تكون عصرتها الجن وإما الملائكة وذلك يبعدها عن الأرض.
والذي يجعل كلام ابن الفارض خالصًا في التصوف بالقياس إلى ما قدمنا، معنى الرجاء والشهود المتجرد فوق الثناء، وكل ذلك مستمد من روح النشوة الرمزية التي يصفها.
وأبيات ابن الفارض هذه جيدة في بابها ولعلها أجود ما قاله هو، على لين ما في متنها وذلك ما قد يغتفر.
وبعد فقد أوشكنا أن نطيل في هذا المعنى، فحسبنا هذا القدر منه.
ومما يستكمل به أيضًا في تتمة رمزية الشوق الإبل، وذلك شوط شاسع. وهي لا تكاد تخليها العرب من الرمز بها لكل شيء مما تعلق به الأفئدة. ولا غرو فالإبل رفاق العرب ومن أشبه خلق الله بهم كبرًا وصبرًا ورقة وحنينًا وألفًا لشظف العيش حتى يكون عندها بمنزلة الرغد. وقد عرفتها العرب في معنى الخصوبة والورد والسقيا، قال تعالى ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. وقد شبهنها بالمرأة كالذي رأيت من الكناية عن النساء بالقلاص وقالوا في القلوص أنها الشابة من الإبل فنعموها كما تنعم الفتاة الكعاب. وقد نعتتها أيما نعت في باب الرحلة، وهذا مما نريد أن نعرض له فيما يلي.
وقد رأيت التباسها بالحمامة ومأساة الهديل في معرض حديثنا عنها وعن الأثافي. وإنما نذكر الإبل ههنا نلفتك إلى الكثير الذي جاء فيها، وجعلته هي، في حد ذاتها، رمزًا خالصًا للحنين، من ذلك قول المثقب، وهو من أروع ما قيل في هذا الباب:
إذا ما قمت أرحله بليلٍ ... تأوه آهة الرجل الحزين
والأبيات مشهورة. وإنما شبهها بالرجل الحزين لأن هذا أدل على الالتياع ثم لأنها منه بمكان المرأة، وقد جعلها بديلاً منها حيث قطع اللبانة ورحل- وهذا معنى
стр. 1175
سنعرض له إن شاء الله. فالتشبيه لها بالرجل فيه من الوحي بالدهشة والرحمة ما فيه. وقال المتلمس:
حنت قلوصي بها والليل مطرق ... بعد الهدوء وشاقتها النواقيس
وما لا أرى إلا أنه كنى بقلوصه عن نفسه في هذا البيت:
وقد ألاح سهيل بعد ما هجعوا ... كأنه ضرمٌ بالكف مقبوس
أني طربت ولم تلحي على طربٍ ... ودون إلفك أمرأت أماليس
حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها ... بسلٌ عليك ألا تلك الدهاريس
وهذا البيت من أعجب الشعر إلى
كم دون مية من داويةٍ قذفٍ ... من فلاة بها تستودع العيس
وذكر حنين الإبل في المطالع، لا يحضرني منه شيء جاء للقدماء. وليس منه قول الأعشى:
رحلت سمية غدوةً أجمالها
ولا قول الشنفري:
ألا أم عمرٍ أجمعت فاستقلت
وإنما هذا من باب التوديع- أو كما ذكر جرير:
ودع أمامة حان منك رحيل ... إن الوداع لمن تحب قليل
ويدخل فيه قول الشريف:
لمن الحدوج تهزهن الأينق
وأكثر ما جاء في الحادي والخمول من أشعار المتأخرين والله أعلم.
стр. 1176
وشبيه بالمطلع في هذا القري قول المعري:
طربن للمع البارق المتعالي ... ببغداد وهنًا ما لهن ومالي
وهو أدخل في باب الاستهلال بالبرق كما ترى.
وللمعرى في هذه اللامية كلمات حسان في حنين الإبل منها قوله:
تلون زبورًا في الحنين منزلاً ... عليهن فيه الصبر غير حلال
وأنشدن من شعر المطايا قصيدة ... وأودعنها في الشوق كل مقال
ونحو هذا كثير من الشعر القديم والمولد.
هذا ونختم هذه التكملة بذكر المرأة، كما قد بدأنا حديث الشوق والحنين بها. وذلك أنها كما يرمز برموز الحنين إليها، يرمز بها أيضًا إلى الحنين. وهذا المعنى مستقى بعضه مما يصحب ذكرها عندهم من معاني العبادة الأولى الغامضة، وأكثره من محاولة طلب الراحة حينما يهم الشاعر بالتعبير عن عناء الحياة. وكل هذا مما يدخل في باب الغزل وسبيلنا الآن إليه. غير أننا ننبه في هذا الموضع إلى ما يقع من كنايات الشعراء عن أنفسهم ببناتهم. قال عمرو بن قميئة:
قد سألتني بنت عمرو عن الـ ... أرض التي تنكر أعلامها
تذكرت أرضًا بها أهلها ... أخوالها فيها وأعمامها
لما رأت ساتيد ما استعبرت ... لله در اليوم من رمها
قال ابن يعيش في المفصل (١): «وقال أبو الندى، وإنما أراد عمرو بن قميئة بهذه الأبيات نفسه لا ابنته فكنى به نفسه أ. هـ»
стр. 1177
ويقوي ما ذهب إليه قول امرئ القيس:
أرى أم عمرٍ ودمعها قد تحدرا ... بكاءً على عمرٍ وما كان أصبرا
وما أرى إلا أن امرأ القيس قد أراد بأم عمر وههنا عمرو بن قميئة نفسه لا أمه.
وقال الأعشى:
تقول ابنتني حين جد الرحيل ... أرانا سواءً ومن قد يتم
وقال الراعي:
قال خليدة ما عراك ولم تكن ... أبدًا إذا عرت الشئون سئولاً
أخليد إن أباك ضاف وساده ... همان باتا جنبه ودخيلا
وإنما يكنون بالبنت في هذا الباب، ليكون ذلك أبلغ في التأثير. وقد يذكرون الزوجة كما فعل جرير حيث قال:
تعزت أم حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين ذوي لقاح
وذكر جرير ابنته جعادة وابنه موسى فقال:
نظرنا نار جعدة هل نراها ... أبعدٌ غال ضوءك أم خمود
لحب الوافدان إلي موسى ... وجعدة لو أضاءهما الوقود
تعرضت الهموم لنا فقالت ... جعادة أي مرتحلٍ تريد
ومن أجود الكنايات في هذا المعنى قول الخارجي يذكر بناته وقد كره الخروج:
لقد زاد الحياة إليّ حبًا ... بناتي إنهن من الضعاف
أُحاذر أن يذقن اليتم بعدي ... وأن يشربن رنقًا بعد صاف
стр. 1178
وأن يعرين إن كسي الجواري ... فتبنو العين عن كرمٍ عجاف
أبانا من لنا إن غبت عنا ... وصار الحي بعدك في اختلاف
وإنما رأى هذا الخارجي القعود وآثره، فاعتذر بمثل هذا يدفع ما كان يريده عليه قطري وأصحابه.
وكما تقع البنت والأم والزوجة رموزًا عن النفس وحاجاتها فكذلك تقع المحبوبة وهذا مما يلابس باب الغزل ملابسه شديدة. فنكتفي بهذا القد والله المستعان.
стр. 1179
الباب الثالث والرابع
الغزل والنعت
جعلنا هذين البابين معًا لأن الفصل بينهما قد يقبح معه التكلف. ومرادنا بالغزل ما يطلق عليه المعاصرون لفظ «الجنس» وهو لفظ قد سار ولا أحبه ولا يخلو من قذع، ومع هذا فلفظ الغزل غير دال كل الدلالة عليه. ومرادنا بالنعت ما يكون من أوصاف النساء في ضوء المقاييس الجمالية التي يتواضع عليها المجتمع ولا سيما عند أصحاب الفن والذوق.
وقد كانت العرب أمة غزلة. ولا نريد أن نخرج بعد إلى دعوى من دعاوي العصبية لا تقوم على أساس من منطق، إذ قلت أمة لا تدعي لرجالها أنهم أفحل الرجال، ولنسائها أنهن أجمل النساء، ولبيانها أنه أنصع البيان. وحقيقة الغزل انه اشتهاء وبينٌ، ثم تعبير عما يكون من تمازج نازع الاشتهاء ووازع البين. وهذا التعبير في الغالب شكوى من الحرمان وتعز بذكرى منالة كانت أو متوهمة، وإيحاء بما يلابس هذين من يأس أو تأميل. وأزعم أنه كلما زاد الحرمان في حدود الإمكان، كان ذلك أشد للوعة وأنطق بها، وأقول في حدود الإمكان، لأنه مع الاستحالة القاطعة يكون اليأس القاطع، ومع اليأس القاطع تكون البغضاء. وقد فطنت شعراء العرب لهذا المعنى، فادعوه في مخاطبة المحبوب على وجه الوعيد والحزم في سياسة الهوى. قال لبيد:
فاقطع لبانة من تعرض وصله ... ولشر واصل خلة صرامها
ولقد كان ما يزيد به الحرمان عند العرب كثيرًا. ذلك بأن البيئة العربية
стр. 1180
صحراوية جافة، لابد لقاطنها من طلب النجعة والحل والمرتحل. ولم يكن النساء يصطحبن في أكثر ذلك، إنما كن يصطحبن عند الظعن إلى المربع، وعند الانصراف منه إلى المقام، وحين يدعو داع من دين أو عرف أو معرة جوع أو خوف.
وكأن أهل القرى من العرب -وقد يتبادر إلى الظن أن يؤثروا الإقامة- كثيري الأسفار وكان منهم من هم أشد إبعادًا لمدى الرحلة، من أبدى البدو، وأقل اصطحابًا للنساء مثل أهل مكة والطائف. ولقد كان أهل يثرب وهم فلاحون -والإقامة والفلاحة صنوان- مما يرتحلون كثيرًا بين صنمهم مناة وبني عمهم غسان في مشارف الشام، وقد كانوا بعد على صلة بتجارة قريش ومن إليها في طريقها إلى الشام:
ولقد كان من العرب كما قدمنا من ركبوا البحر وألفوا سفره ووصفوه كأهل عمان والبحرين. قال طرفة:
عدولية أو من سفين ابن يامنٍ ... يجور بها الملاح طورًا ويهتدي
وكانت قريش، كما ألمعنا، تركب البحر وتعرفه، ولم يكن سبيلها إلى الحبشة إلا عليه وذكر البحر في القرآن كثير، ونعته بليغ، قال تعالى في سورة هود من صفة السفينة ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ وقال تعالى في يونس ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ - وموضع ضمير المخاطب لا يخفي. وقال تعالى في الشورى ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ وفي الدخان ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ وفي الصافات ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. وما أحسب ما يذكر من نعت عمرو بن العاص للبحر كأن أول المامة له به كانت بمصر إلا باطلاً لما نعلمه من ركوبه البحر إلى الحبشة، وكيده لعمارة بن الوليد ثم كيده للمسلمين هناك وأرى أن عبد الله بن أبي السرح إنما نبهه إلى عمل الأسطول
стр. 1181
سابق خبرته بتجارة قريش في البحر ومثل هذا قد يقال في معاوية ﵁ أيضًا:
هذا وقد كانت العرب، مع ما تدعوهم إليه من دواعي الاقتصاد والبيئة والحج، أو قل من أجله، مولعين من حيث هم أفراد بالسفر. وكان مما يزيد ولعهم به -على ما فيه من كلفة ومشقة وحرمان وخطر- ما تعلموه في ألفته من معنى الحرية الفردية والمساواة الإنسانية، إذ السفر يتيح من ذلك ما لا يتيحه غيره، ولاسيما سفر الصحراء. ولقد أجمع الرحالون الإفرنج الذين صحبوا البدو وعاشروهم في هذا القرن وفي الذي قبله، على قريب من هذا الذي نذهب إليه من كلف العرب بالرحلة وتعلقهم بالحرية الفردية، وذكر سيذجر في معارض ملاحظاته أن العربي من أحرص شيء على رحلة يرتحلها وحده أو في جماعة، وقطع بأن علة ذلك طلبه للحرية لا غير.
ولم يكن العربي ليخلو بحال من ذريعة يتذرع بها إلى السفر من نذر أو حج أو عمرة أو زيارة صنم أو حكم أو عراف أو طلب غارة أو قصد سوق. وذكر التوحيد في الأمتاع والمؤانسة أن أسواق العرب كانت تقام فيما بين دومة الجندل إلى حجر فعدن أبين فصنعاء فعكاظ. وكانت العرب تجتمع إلى هذه الأسواق من كل صوب. ولا يبعد أن بعضهم ربما قصدها جميعها أو أكثرها.
ثم الوفادة كانت من أدعى ما يتوصل به إلى السفر، وقد يفدون جماعة كما في خبر عبد المطلب وقومه إذ وفدوا على سيف بن ذي يزن، وأشياخ القبائل إذ أوفدهم النعمان على كسرى، وامرئ القيس وصحبة إذا وفدوا على قيصر. وقد يفدون أفرادًا كما وفد النابغة إلى الغساسنة والمناذرة، وحسان، وكما كان يفد عروة الرحال والأعشى- قال أمية بن أبي الصلت يمدح سادات من قتلوا ببدر:
من كل بطريق لبط ... ـريق نقي اللون واضح
دعموص أبواب الملو ... ك وجائبٍ للخرق فاتح
стр. 1182
فمدح كما ترى بالوفادة وأبعاد مدى الأسفار، وزعموا أن دعموصًا هذا كان دليلاً ماهرًا، فضُرب به المثل فقيل أهدى من دعيميص.
ولقد كان من أمر الوفادة أن العربي إذا سمع بسيد سمح جزل، ملكًا كان أو غير ملك، شد الرحال إليه، فإن أنجح مدح، وإن أخفق ذم، وقد يعطى صفة الرحلة أكبر نصيب إن كان شاعرًا ونظم في ذلك قصيدة. وهذا باب سنعرض له إن شاء الله.
وفي مصداق هذا الذي نقول به من حب الوفادة بعض ما كتبه سذجر. وقال الأعشى، وكان ممن يفدون على الملوك والسوقة، يذكر قيس بن معد يكرب:
ونبئئت قيسًا ولم أبله ... كما زعموا خير أهل اليمن
فجئتك مرتاد ما خبّروا ... ولولا الذي خبّروا لم ترن
فهذا نص كما ترى. ولا يقدحن فيه أنه للأعشى، إن احتج محتج بالمشهور من وفادة ذلك الشاعر. فقد كان بلسان دهره وبيئته ينطق، وكانت منزلته تحل له من ضروب القول، وتحبوه من القة ما لا يتأتى لغيره. ولقد رام تقليده ذو الرمة حيث قال:
سمعت: الناس ينتجعون غيثًا ... فقلت لصيدح انتجعي بلالاً
فعيب عليه. وإنما لحقه العيب من حيث إنه تردد فلم يستشعر في نفسه مثل ثقة الأعشى، وأبهم فلم يصرح ببعض ما هم به كتصريحه، على أن بيته هذا لا يخلوا من معنى حسن، إن صرفت جانبًا منه إلى أنه سمع بانتجاع الناس لغيث من الغيوث، فآثر ألا ينتجعه معهم ولكن ينتجع بلالاً. ومثل هذا لا يبعد تصوره في مذهب ذي الرمة.
ولجرير في نحو من نمط الأعشى، وكانت منزلته مما تجرئه على ذلك:
إليك رحلت يا عمر بن ليلى ... على ثقةٍ أزورك واعتمادا
стр. 1183
تعود صالح الأعمال إني ... رأيت المرء يفعل ما استعادا
تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد إبيك زادا
وهذا كأنه تعريض بما كان استحدثه عمر من حرمان الشعراء.
هذا ولا يخفى على القارئ الكريم بعد أن العربي قد كان في أكثر هذه الرحلات التي يتجشمها، طائعًا مختارًا، أو خاضعًا لدواعي البيئة الصحراوية لا سبيل له إلى ما يحل له من النساء فضلاً عن غيرهم، وأتى بذلك مع العنق المسيطر، والإدلاج بعد التأويب، أو كما قال علقمة:
هداني إليك الفرقدان ولا حبٌ ... له فواق أصواء المتان علوب
بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب
تراد على دمن الحياض فإن تعف ... فإن المندى رحلة فركوب
وما كان ما تلقاه ناقة علقمة إلا طرفا مما كان يلقاه هو، وإنما كنى بها عن نفسه.
فإذا أضفت إلى هذ الذي قدمنا -مما فرضته ظروف البيئة ومذهبهم في حب السفر- ما كانوا عليه أيضًا من التشدد في الغيرة على النساء، تبين لنا مدى الحرمان الذي كان يحيط بهم، وما كان يقاسيه أولو الإحساس والذوق المرهف خاصة.
ولا يكاد يداني العرب أحد في شدة الغيرة. وذلك أنهم اجتمعت فيهم عوامل عدة مما يدفع إليها دفعًا. من ذلك مثلاً أنهم كانوا يرون المرأة كالمتاع، فيحرصون عليها كما يحرص على المتاع، ومن شواهد هذا من رأيهم أنهم كانوا يسمونها «ثقلاً». ومنها أنهم كانوا يؤلهون الخصوبة، ويعبدونها في أمثال اللات والعزى ومناة، ويتقربون إليهن بالضحايا، فكانت العبادة مما يضفي على الحرص الاقتصادي ألوانًا من التقديس. وقد كان لهم من العادات في باب الخصومة ما يناقض معنى الغيرة في
стр. 1184
ظاهره، كالإستبضاع والضماد وبغاء الشريفات. وهذا من قبيل الشذوذ الذي تزيد به قوة القاعدة إذا الاستبضاع مثلاً من قري طلب الأطبة يستحل فيه ما لا يستحل في سواه، من تقبل احتمال الرزء العظيم لدرء أعظم منه، وقد كان العقم يعد لديهم من كبريات الكوارث ومن شواهد سخط الآلهة وقال القرآن يهاجم هذا من عقيدتهم:
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (سورة الشورى)، وقال في الرد على من عابوا رسول الله ﷺ بأنه لا يعيش له مولود ذكر ونبزوه بذلك: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ وفي قوله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ تحدِّ للأصنام ولمن كانوا ينحرون عند غبغب العزى وصاحباتها. وقد كان الضماد مما يعاب ويستهجن، قال الهذلي:
تريدين أن تضمديني وخالدًا ... وهل يجمع السيفان ويحك في غمد
وما سلم بغاء الشريفات من أبنٍ وتجريح، على أنه فيما يبدو قد كان من عمل عبادة الخصوبة، وله مشابه فيما كانت تفعله بعض غابرات الأمم ومازالت تفعله بعض حاضراتها، من تضحية بكارات العذارى في بيوت الأصنام أو ما يجري مجراهن آية ذلك ما تجده من إلحاق أخبارهن بأخبار المثالث. وقد طعنوا في عمروا بن العاص وقالوا ابن النابغة كأنهم يبغون بذلك أن يعدلوا به عن نسب العاص بن وائل. وقد طعنوا في عقبة جد أبي معيط وزعموا أن نسبة لذكوان، عبد رومي. وقالوا «أسر من نكاح أم خارجة» ولا يخلو قولهم هذا من الزراية مع الذي حمل عليه من معنى التعجب.
وقد يلحق بهذا الباب من الشذوذ ما كانوا يكرهون عليه الفتيات من البغاء -وذلك أن الإماء لم يكن عندهم بمنزلة الحرائر وكل ما كان ينقص به قدر الأمة، كان يزيد به قدر الحرة. ومثل هذا الازدواج في القيم الأخلاقية من أخص خصائص
стр. 1185
المجموعات التي تقتني الرقيق، ومما يكون بمثله متنفس، للرجال دون النساء، من ضغط الحرمان. وقد كره الإسلام هذا من صنيعهم واستهجنه لما فيه من ضيم الإنسانية والدنس، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فدل بهذا على حقهن عند الله. وقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ فحث على المساواة بين الرقيق والأحرار في مبدأ الطهارة والعفة كما ترى (١) وأمرهم بأن يزوجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ - ثم أمر بالعفة لمن لا يتيسر له مهر الزوجة وأداة العيش قال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ولم يفرق في ذلك بين عبد وحر. وقال تعالى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فأوجب الحد على الأحرار والعبيد كما ترى. قال الطبري، حدثني أبو السائب، قال ثنا حفص بن غياث، قال ثنا أشعث، عن أبيه، قال أتيت أبا برزة الأسلمي في حاجة، وقد أحرج جارية إلى باب الدار، وقد زنت، فدعا رجلاً، فقال اضربها خمسين، فدعا جماعة ثم قرأ ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أ. هـ (٢)
وهذا الذي صنعه الإسلام من التخفيف على الأرقاء والأخذ بساعدهم قد ضاقت به ربقة الحرمان على العربي أضعاف ما كانت عليه في الجاهلية.
وقد بقيت مع ذلك عند العرب بقية من ازدواجيتهم الخلقية الأولى مما كان يزيد به معنى الغيرة على الحرائر. من ذلك أنهم مع الذي صاروا إليه من إلحاق الهجناء
стр. 1186
بالأنساب، كانوا يأنفون من توريثهم. وخبر الأعرابي مع القاضي إياس معروف.
وقصة بني أمية في إقصاء الهجناء عن إرث الخلافة مشهورة. وقد روى عن عقيل بن علفة أنه أبدى أنفة من مصاهرة عبد الملك بن مروان خشية أن يكون الصهر أحد هجنائه. وهذا خبر معروف. ومهما يكن من شيء فقد كان مدلول البغيِّ عند عرب الجاهلية قبيحًا مذمومًا، شنيعًا كل الشناعة، يدلك على ذلك قوله تعالى في سورة مريم: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ - وإنما أصل البغي من الأمة المباغية ثم صار يطلق على الحرة من باب التشبيه. وقالت هند لما بايعت فيما روى الطبري (١) «وهل تزني الحرة يا رسول الله، قال، لا والله ما تزني الحرة» أ. هـ.
هذا ومن العوامل التي كانت تحث على الغيرة وتزيدها، ما كان عليه العرب من عرف الفروسية، وكان مما يقتضيه حماية الحرم ولقاء الموت دونهن. ولقد مر بك خبر عثمان بن طلحة كيف صنع مع سيدتنا أم سلمة على شركه وإسلامها. وقد رووا عن ربيعة بن مكدم أنه حمى الظعن حيًا وميتًا ولهم في ذلك أخبار، تجد بعضها في كتاب الأغاني (٢). وأنشدوا له إذ هو يقاتل عنهن ويرتجز:
جررن أطراف المروط وأربعن ... فعل حييات كأن لم تفزعن
إن يمنع اليوم نساءٌ تُمنعن
وقوله:
سيري على رسلك سير الآمن ... سر رداحٍ ذات جأشٍ ساكن
стр. 1187
وبعض هذا روى لغيره (١)، ولعله مما كان يجري مجرى الأناشيد. فقد روى الطبري للمختار حين استقتل:
قد علمت بيضاء صفراء الطلل ... أني غداة الروع مقدامٌ بطل
وقريب منه رواه صاحب السيرة لبعض العرب (٢).
ومما رثى به ربيعة بن مكدم، يذكرون حميته، قول ضرار بن الخطاب، وينسب لحسان:
نفرت قلوصي من حجارةٍ حرةٍ ... بُنيت على طلق اليدين وهوب
لا تنفري يا ناق منه إنه ... شريب خمرٍ مسعرٌ لحروب
لا يبعدن ربيعة بن مكدم ... وسقى الغوادي قبره بذنوب
لا يبعدن ربيعة بن مكدمٍ ... وسقى الغوادي قبره بذنوب
وما رثى به كثير.
وقال عنترة بن شداد، وكان من حماة الظعن، يذكر يوم الفروق، حين طمعت بنو سعد في عبس لما رأته من قلتها، فاستقتل عنتر وأصحابه، حتى ردوا بني سعد مهزومين شر هزيمة:
ألا قاتل الله الطلول البواليا ... وقاتل ذكراك السنين الخواليا
وقولك للشيء الذي لا تناله ... إذا ما هو احلولى ألا ليت ذاليا
ونحن منعنا بالفروق نساءنا ... نطرف عنها مشعلاتٍ غواشيا
أبينا أبينا أن تضب لثاتكم ... على مرشقاتٍ كالظباء عواطيا
فما وجدونا بالفروق أشابةً ... ولا كشفًا ولا دُعينا مواليا
ولا يخفى عليك تعرض عنتر بها تمنته بنو سعد في البيت العتيق ولا فخرهم ولا تحديه لهم في البيتين الخامس والرابع.
стр. 1188
هذا وسباء النساء كان مما يدخل في عرف الفروسية على طريقة عكسة بالنسبة إلى ما سبق. ذلك بأن الفارس إنما كانت تميزه الغارة. وكان أشجع الفرسان يعتمدون أعز ما ينهب فيقصدونه. ولم يكن شيء أعز من النساء. قال الحماسي (١).
والحرب لا ييبقى لجا ... حمها التخيل والمراح
إلا الفتى الصبار في النـ ... جدات والفرس الوقاح
كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشر الصراح
فالهم بيضات الخدو ... رهناك لا النعم المراح
وخبر طسم وجديس من أفظع أخبار الفحولة والسباء. وذلك أن طمسًا لما غلبت جديس وملكتها، فرضت عليها فيما يذكرون، ألا يبنى فيها بعروس قبل أن يفتضها سيد طسم. وقد أنفت جديس من هذا الخزي آخر الأمر، فدبرت لطسم تدبيرًا اصطلمتها به. وبلغ ذلك حسان ملك حمير، فغضب للذي أصاب طسما، وسار إلى جديس فغزاهم كما مر بك في خبر الزرقاء، فلم ينج منها إلا رجل واحد هو الأسود بن عفار، وفر هذا إلى الجبلين، فاحتالت عليه طيء فقتلته فكان ذلك آخر العهد بجديس.
وخبر ذي شناتر لاحق بخبر طسم وجديس وشبيه به في فظاعة ما تبلغه الفحولة. وذلك أن ذا شناتر استلب ملك اليمن ولم يكن من بيت الملك. فعمد إلى سياسة من البغي الفاحش، يخضع بها أبناء الأذواء وهم صغار، حتى لا تحدثهم أنفسهم بالانتقاض عليه وهم كبار وغبر دهرًا يفعل ذلك. فأنف ذو نواس لما هم به فأراده على ما كان يريد عليه غيره. فقتله ذو نواس وملك حمير دهرًا. ثم خد الأخدود لنصارى نجران فيما زعموا. فغضبت لذلك الحبشة فغزته. فلما انهزم اقتحم
стр. 1189
بفرسه البحر، فكان ذلك آخر العهد به وبالتبايعة أيضًا: والخبران كما ترى يبتدئان بطرف من سرف الفحولة، وينتهيان بأنفة الغيرة وانتصارها. ثم كأن الله لم يرضه ما كان من الفاحشة أن يدع له بقية. فأصار طسمًا وجديس وتبعًا والحبشة جميعًا إلى الهلاك. والعبرة في جميع هذا لا تخفى.
وكان نحو هذا من صنيعهم يعد من الفحولة. وليس أحد من الناس بأشد ادعاء للفحولة، أو أعلق بفضيلتها منهم، حتى لقد قالوا كلام فحل وشعر فحل وشاعر فحل. وكأن الفحولة كانت ردًا منهم يردون به على احتدام الغيرة. ولقد تكون الغيرة من شواهدها أو دوافعها فيختلط الأمران، من ذلك أن ربيعة بن مكدم حين قتل الفوارس دون ظعائنه كان فحلاً كما كان غيورًا حمى الأنف. والذين قاتلوه كانوا يرومون أن يكونوا أفحل منه، بأن يغلبوه على الظعائن أو يقتلوه ثم ينتبهوهن ودمه يسيل وأنف غيرته راغم.
وبعد فجميع هذا العوامل التي ذكرنا اقتصاديها، ووئنيها، وعرفيها وسواها مما لم نذكره قد اختلطت فنشأت منها عند العرب غيرة عارمة, قال الأعشى يصف زوج امرأة وشبب بها:
لها ملكٌ كان يخشى القراف ... إذا خالط الظن منه الضميرا
إذا نزل الحي حل الجحيش ... شقيًا غويًا مبينًا غيورا
هذا في الجاهلية.
وقال عبد الله بن الدمينة يذكر امرأة وواليها:
ولما لحقنا بالحمول ودونها ... خميص الحشى توهي القميص عواتقه
قليل قذى العينين يعلم أنه ... هو الموت إن لم تصرعنا بوائقه
عرضنا فسلمنا فسلم كارهًا ... علينا وتبريح من الغيظ خانقه
стр. 1190
فسايرته مقدار ميلٍ وليتني ... بكرهي له مادام حيًا أرافقه
فلما رأت ألا وصال وأنه ... مدى الصرم مضروب علينا سرادقه
رمتني بطرفٍ لو كميًا رمت به ... لببل نجيعًا نحره وبنائقه
ولمحٍ بعينيها كأن وميضه ... وميض الحيا تهدى لنجدٍ شقائقه
هذا في الإسلام.
وصورة ابن الدمينة رهيبة مفظعة، وصورة الأعشى مهيبة ممتنعة وكلتاهما من بليغ الغيرة.
وقد رووا أن همام بن مرة همّ بقتل بناته إذ شكون إليه التعنيس فأفصحن، غيرة منه عليهن. ولقد دخل الوأد، وأسبابه كما ذكرنا من قبل اقتصادية ووثنية في أصلها، في معنى الغيرة، حتى لقد عدها بعض أهل التفسير سببًا من أسبابه. قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى من سورة التكوير ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ «فإن قلت ما حملهم على وأد البنات قلت الخوف من لحوق العار بهم من أجلهن أو الخوف من الإملاق كما قال الله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾، وكانوا يقولون إن الملائكة بنات الله فألحقوا البنات به فهو أحق بهن أ. هـ» فقدم الغيرة على السببين الآخرين الجوهريين كما ترى.
ومما شاع قوله في البنات على وجه النهي عن الجزع عليهن إذا متن، وفيه أشعار بالنقص فيهن، والخشية من العار الذي هو أبدا ملابس لهن ما دمن حيات: «دفن البنات من المكرمات»، وهذا معنى جاهلي بلا ريب، ولا يمكن أن يكون حديثًا لمناقضته صريح القرآن. وقال المعري ونظر إليه:
ودفنٌ والحوادث فاجعاتٌ ... لإحداهنَّ إحدى المكرمات
فتأمل.
стр. 1191
وقال الفرزدق:
يقولون زر حدراء والترب دونها ... وكيف بشيء وصله قد تقطعا
ولست وإن عزت علي بزائرٍ ... ترابًا على مرسومة قد تضعضعا
وأهون مفقودٍ إذا الموت ناله ... على المرء من أصحابه من تقنعا
يقول ابن خنزيرٍ بكيت ولم تكن ... على امرأةٍ عيني إخال لتدمعا
وأهون رزءٍ لامرئٍ غير عاجزٍ ... رزية مرتج الروادف أفرعا
وهذا على خشونتنه ومزحه الغليظ في البيت الأخير لا يخلو من معاني الرقة والحسرة، وأن أمرًا يضطر مثل الفرزدق عند الرقة والحسرة إلى الخشونة والغلظة لأمر عظيم.
وقد روى ابن سلام (٥٦٢) أن يزيد بن عبد الملك تزوج أم عمر وبنت عقيل ابن علفة، فلما أهداها، تمثل جثامة بن عقيل فقال:
أيعذر لاهينا، ويلحين في الصبا ... وهل هن والفتيان إلا شقائق
فرمان عقيل بسهم، وقال «تمثل بهذا عند بناتي؟ » فخرج جثامة مراغمًا لأبيه، فأتى يزيد بن عبد الملك، فكتب عقيل إلى يزيد: «أنه قد أتاك أعق خلق الله وكان يزيد قد أعطاه وحباه، فأخذ ذلك منه وحبسه. أ. هـ».
فانظر كيف همّ عقيل بقتل ابنه ثم لاحقه بالعقوبة عند الخليفة، لا لشيء إلا أنه زل فتمثل أمام البنات يبيت قد تشتم منه الإباحة.
وقد ذكر سذجر أن البدو لا يعرفون في عقاب من تزل غير القتل. ومثل هذا من صون الحرائر قد ظل معمولاً به إلى عهد قريب عند أهل الحفاظ في كثير من البلدان العربية وقد يكون لا يزال معمولاً به.
ومن غرائب ما روي من أخبار الغيرة حديث سليمان بن عبد الملك إذ سمع
стр. 1192
شاديًا يشدو وقد طربت لشدوه إحدى جواريه فأرسل في طلبه ظنًا منه أن بينه وبين الجارية علامة، فلما اطمأن لبراءته تمثل بأمثال في معنى الغيرة ثم أمر به فخصي. وعسى أن يكون هذا من باب ظلم الملوك ولكن دافع الغيرة فيه لا يخفى. وخبر الرشيد وأختيه عليه والعباسة مشهور. ومقالة ابن خلدون في نفس خبرة العباسة، هي أيضًا مما يدخل في الذي نحن بصدده من معنى الغيرة.
هذا وقد كانت العرب لغيرتها وحرصها على إظهار الرجولة والفحولة مما تذمر أنفسها عند القتال ولا سيما قتال الثأر باستصحاب النساء. وقد أخذت قريش معها نساءها إلى أحد، وخبر ذلك مشهور. وقد خرجت هوازن إلى حنين ومعها النساء والذراري، وقد عاب هذا دريد إذ لم يكن القوم طلاب ثأر، وكان يخشى على العقائل السباء وقد وقع ما خشية لولا أن منَّ النبي ﷺ لما تشفعت إليه أخته الشيماء. وذكر ابن خلدون في المقدمة أن من تدبير العرب في الحرب استصحاب النساء يجعلونهن مرجعًا يفيئون إليه، فإن لم تكن معهم النساء جعلوا الإبل والمتاع بتلك المنزلة. ومما يذكر أن أصحاب الغافقي إنما أتوا في يوم بلاط الشهداء (٧٣٢ م) من جراء غارة شارل مارتل على الحرم، فاختل لذلك نظامهم.
وهذا بعد باب يطول.
ومما كان يفتخر به العربي صحة النسب. وكانوا يغلون في ذلك. وكل هذا لاحق بمعنى الغيرة.
وكان الطعن في الأنساب والأعراض من قبيل الغارة والسباء. «وجرح اللسان كجرح اليد» ولذلك ما كانوا يأنفون أن ينالوا به، ومما كان العدو يجتهد في الكيد من طريقه لعدوه. ولقد حارب المنافقون رسول الله ﷺ فيما حاربوه من هذا الوجه، فلهجوا بحديث الإفك، وكان ذلك من أعظم محنة وقعت به صلوات الله عليه: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ،
стр. 1193
وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ - وكانت براءة أمنا عائشة ﵂ في التنزيل من أعلى ما انتصر به الله لرسوله ﷺ .
وقد نستطرد ههنا فنشير إلى ما يزعمه بعضهم من أن الذي كان بين علي وعائشة يوم الجمل مرده إلى حديث الإفك. ولقد كانت عائشة أوثق بما عند الله في ذلك الشأن من أن تجعل من رسيس الإحن ذريعة إلى سفك الدماء وخوض الفتن.
ولقد عفت عن حسان وكان ممن أفكوا وزعم بعض المفسرين أنه المشار إليه بقوله تعالى ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وأن العذاب العظيم الذي أصابه ذهاب بصره وأنه كنع بالسيف (١). وما أحسب إلا أن حسّان قد لمح إلى ما كان منه في ذلك حين مدح رسول الله ﷺ في الفتح وقال:
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
وإن يك حسان لا يقاس بعلي، فإن الذي جاء به لا يكون عنه عفو إلا مع غاية العمق من الإيمان، وذروة المحتد من الشرف. وكذلك كانت أم المؤمنين.
وما أشك أن الذي أخرج عائشة يوم الجمل كراهيتها ما كان من انتهاك الغوغاء لحرمة عثمان ﵁ وحرمة المدينة، وبالغوغاء سمتهم هي، وكانت ﵂ من أعرف المؤمنين بحقوق المؤمنين وأدراهم بفضيلة قريش والأنصار. وقد تعلم أن أباها هو الذي وقف يوم السقيفة فذكر سابقة الأنصار والمهاجرين ثم أفصح بحجة قريش. ثم بقريش وبالأنصار وأهل القرى الثلاث ومن حولهم صد ريعان الردة وفل شوكتها وقتل صناديدها. وكان أكثر الناهضين بأمر الفتنة من أشلائهم وأبنائهم. وقد كان يسوء عائشة غلبتهم وهو ما هم على أمر علي، كما قد ساءها موقف أخيها محمد منهم، وكانت تحبه بلا أدنى ريب. ولم يكن رأي علي كرم الله وجهه في هؤلاء الذين أطافوا به وأحدقوا بأرفق أو ألين من رأيها. شاهد ذلك ما قاله
стр. 1194
لابن عباس قبيل خروجه من المدينة من أن أهل الكوفة لا يزال منهم من يطول إلى ما ليس ببالغه ومن شواهد ذلك أيضًا خطبه بالكوفة، ومقالته عندما بلغه موت الأشتر «لليدين وللفم». وليست ببعيد من مقالة معاوية: «إن لله جنودًا منها العسل» وإنما اختلف علي وعائشة ﵄، من حيث اختلف طريقاهما في الاجتهاد ولله درُّ اللقاني حيث قال في جوهرة التوحيد:
وأول التشاجر الذي ورد ... إن خضت فيه واجتنب داء الحسد
هذا،
وقد كانت الأعراض تتجاوز معرتها الفرد إلى العشيرة والقبيلة. ولذلك حرم الحديث عرض المؤمن. ونهى القرآن عن التنابز بالألقاب. وشرع حد القذف وتشدد فيه وألحق به ما شرعه في الملاعنة. وقد روي عن سعد بن عبادة أنه دافع الوحي في أمر الشهداء الأربعة. قال الطبري: «قال سعد بن عبادة، لهكذا أنزلت يا رسول الله؟ لو أتيت لكع قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه أو أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته. فقال رسول الله ﷺ : يا معشر الأنصار، أما تسمعون ما يقول سيدكم؟ قالوا لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج فينا قط إلا عذراء، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها. قال سعد: يا رسول الله: بأبي وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق، ولكن عجبت لو وجدت لكاع إلخ. أ. هـ» (١).
وقد خفي عن سيدنا سعد بن عبادة في غيرته أن الوحي إنما كان يرمي إلى أمر غير مجرد إثبات الجرم حتى يصح إيقاع الحد. ذلك بأن حفظ الأعراض من جهة الزلات قد تكفلت به قيود الغيرة وعرفها، ولم يكن حد كائنًا ما كان بأفعل أثرًا منها. والذي لم تتكفل به قيود الغيرة وعرفها هو حفظ الأعراض من أن تقذف. وكانت
стр. 1195
العرب من أفعل شيء لذلك، وكانوا إذا أُحفظوا في هذا الباب حكموا السيف ولم يتردد سيدنا سعد بن معاذ حين سمع حديث الإفك أن أشار على النبي ﷺ بضرب أعناق الآفكين، فدافعه سعد بن عبادة عن ذلك، إذ كان جماعة منهم من قومه، خشية أن تلحق الخزرج من ذلك سبة الدهر. وكادت تكون فتنة.
ولكيما يقر الشرع أمر القذف عند قرار تسلم به المجموعة من ألاحن والفتن وتجتمع معه وجوه صيانة العرض والشرف عند جامع من العدل والحق والوئام، فرض الحد ولم يبلغ به ضرب الأعناق، وجعله شديدًا قاهرًا رادعًا، وجعل الوقوع في طائلته قريبًا يسيرًا إذ لا سبيل إلى تحصيل أربعة شهداء كل منهم يقول رأيت وسمعت. فكان الشرع بفعله هذا معززًا لقانون الغيرة -وهو كما قدمنا وحده كفيل بدرء الفاحشة- بما يقيه أن يضيمه لجاج الشقاق والحمية والغرور وما كان من مذاهب الفحولة والعصبية الجاهلية.
ولقد احترز الشرع في باب العشرة بالملاعنة. فسدّ بذلك الثغرات جميعها ومما يدلك على أهمية ما احتاط له الشرع من شرف الأسرة والعشيرة والقبيلة بتشديده في أمر الشهداء الأربعة، أن أول قضية للملاعنة كان فيها جانب المرأة ضعيفًا بحسب ما يبدو من سياق الرواية ونصها، فأما زوجها فمضى في الشهادات الأربع الأوليات ثم لما استوقف عند الخامسة التي ذكر فيها اللعنة وهي الموجبة، لم يتردد ومضى كما مضى في سابقاتها. وأما هي فلما استوقفت عند الخامسة، وذكرت بأنها الموجبة، وأن معها عذاب الله الذي هو أشد من عذاب الناس، تلكأت ثم قالت «والله لا أفضح قومي» (الطبري ١٨ - ٨٣) كأنها تعتذر بذلك إلى ربها، ثم أقدمت على الخامسة. وشاهدنا ههنا ما اضطربت فيه تلك المرأة بين داعي العقيدة والقبيلة ثم احتالت لنفسها مخرجًا بينهما. ولقد كان الدين آنئذ غضًا والإيمان غير ذي أمت ولا عوج. ولا احتجاج بأن داعي البقاء هو الذي لواها عن الخامسة، فإن الذي بلغنا من استرخاص أولئك