← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وقال الفرزدق: يقولون زر حدراء والترب دونها ... وكيف بشيء وصله قد تقطعا ولست وإن عزت علي بزائرٍ ... ترابًا على مرسومة قد تضعضعا وأهون مفقودٍ إذا الموت ناله ... على المرء من أصحابه من تقنعا يقول ابن خنزيرٍ بكيت ولم تكن ... على امرأةٍ عيني إخال لتدمعا وأهون رزءٍ لامرئٍ غير عاجزٍ ... رزية مرتج الروادف أفرعا وهذا على خشونتنه ومزحه الغليظ في البيت الأخير لا يخلو من معاني الرقة والحسرة، وأن أمرًا يضطر مثل الفرزدق عند الرقة والحسرة إلى الخشونة والغلظة لأمر عظيم. وقد روى ابن سلام (٥٦٢) أن يزيد بن عبد الملك تزوج أم عمر وبنت عقيل ابن علفة، فلما أهداها، تمثل جثامة بن عقيل فقال: أيعذر لاهينا، ويلحين في الصبا ... وهل هن والفتيان إلا شقائق فرمان عقيل بسهم، وقال «تمثل بهذا عند بناتي؟ » فخرج جثامة مراغمًا لأبيه، فأتى يزيد بن عبد الملك، فكتب عقيل إلى يزيد: «أنه قد أتاك أعق خلق الله وكان يزيد قد أعطاه وحباه، فأخذ ذلك منه وحبسه. أ. هـ». فانظر كيف همّ عقيل بقتل ابنه ثم لاحقه بالعقوبة عند الخليفة، لا لشيء إلا أنه زل فتمثل أمام البنات يبيت قد تشتم منه الإباحة. وقد ذكر سذجر أن البدو لا يعرفون في عقاب من تزل غير القتل. ومثل هذا من صون الحرائر قد ظل معمولاً به إلى عهد قريب عند أهل الحفاظ في كثير من البلدان العربية وقد يكون لا يزال معمولاً به. ومن غرائب ما روي من أخبار الغيرة حديث سليمان بن عبد الملك إذ سمع

стр. 1192

شاديًا يشدو وقد طربت لشدوه إحدى جواريه فأرسل في طلبه ظنًا منه أن بينه وبين الجارية علامة، فلما اطمأن لبراءته تمثل بأمثال في معنى الغيرة ثم أمر به فخصي. وعسى أن يكون هذا من باب ظلم الملوك ولكن دافع الغيرة فيه لا يخفى. وخبر الرشيد وأختيه عليه والعباسة مشهور. ومقالة ابن خلدون في نفس خبرة العباسة، هي أيضًا مما يدخل في الذي نحن بصدده من معنى الغيرة. هذا وقد كانت العرب لغيرتها وحرصها على إظهار الرجولة والفحولة مما تذمر أنفسها عند القتال ولا سيما قتال الثأر باستصحاب النساء. وقد أخذت قريش معها نساءها إلى أحد، وخبر ذلك مشهور. وقد خرجت هوازن إلى حنين ومعها النساء والذراري، وقد عاب هذا دريد إذ لم يكن القوم طلاب ثأر، وكان يخشى على العقائل السباء وقد وقع ما خشية لولا أن منَّ النبي ﷺ لما تشفعت إليه أخته الشيماء. وذكر ابن خلدون في المقدمة أن من تدبير العرب في الحرب استصحاب النساء يجعلونهن مرجعًا يفيئون إليه، فإن لم تكن معهم النساء جعلوا الإبل والمتاع بتلك المنزلة. ومما يذكر أن أصحاب الغافقي إنما أتوا في يوم بلاط الشهداء (٧٣٢ م) من جراء غارة شارل مارتل على الحرم، فاختل لذلك نظامهم. وهذا بعد باب يطول. ومما كان يفتخر به العربي صحة النسب. وكانوا يغلون في ذلك. وكل هذا لاحق بمعنى الغيرة. وكان الطعن في الأنساب والأعراض من قبيل الغارة والسباء. «وجرح اللسان كجرح اليد» ولذلك ما كانوا يأنفون أن ينالوا به، ومما كان العدو يجتهد في الكيد من طريقه لعدوه. ولقد حارب المنافقون رسول الله ﷺ فيما حاربوه من هذا الوجه، فلهجوا بحديث الإفك، وكان ذلك من أعظم محنة وقعت به صلوات الله عليه: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ،

стр. 1193

وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ - وكانت براءة أمنا عائشة ﵂ في التنزيل من أعلى ما انتصر به الله لرسوله ﷺ . وقد نستطرد ههنا فنشير إلى ما يزعمه بعضهم من أن الذي كان بين علي وعائشة يوم الجمل مرده إلى حديث الإفك. ولقد كانت عائشة أوثق بما عند الله في ذلك الشأن من أن تجعل من رسيس الإحن ذريعة إلى سفك الدماء وخوض الفتن. ولقد عفت عن حسان وكان ممن أفكوا وزعم بعض المفسرين أنه المشار إليه بقوله تعالى ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وأن العذاب العظيم الذي أصابه ذهاب بصره وأنه كنع بالسيف (١). وما أحسب إلا أن حسّان قد لمح إلى ما كان منه في ذلك حين مدح رسول الله ﷺ في الفتح وقال: فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء وإن يك حسان لا يقاس بعلي، فإن الذي جاء به لا يكون عنه عفو إلا مع غاية العمق من الإيمان، وذروة المحتد من الشرف. وكذلك كانت أم المؤمنين. وما أشك أن الذي أخرج عائشة يوم الجمل كراهيتها ما كان من انتهاك الغوغاء لحرمة عثمان ﵁ وحرمة المدينة، وبالغوغاء سمتهم هي، وكانت ﵂ من أعرف المؤمنين بحقوق المؤمنين وأدراهم بفضيلة قريش والأنصار. وقد تعلم أن أباها هو الذي وقف يوم السقيفة فذكر سابقة الأنصار والمهاجرين ثم أفصح بحجة قريش. ثم بقريش وبالأنصار وأهل القرى الثلاث ومن حولهم صد ريعان الردة وفل شوكتها وقتل صناديدها. وكان أكثر الناهضين بأمر الفتنة من أشلائهم وأبنائهم. وقد كان يسوء عائشة غلبتهم وهو ما هم على أمر علي، كما قد ساءها موقف أخيها محمد منهم، وكانت تحبه بلا أدنى ريب. ولم يكن رأي علي كرم الله وجهه في هؤلاء الذين أطافوا به وأحدقوا بأرفق أو ألين من رأيها. شاهد ذلك ما قاله

стр. 1194

لابن عباس قبيل خروجه من المدينة من أن أهل الكوفة لا يزال منهم من يطول إلى ما ليس ببالغه ومن شواهد ذلك أيضًا خطبه بالكوفة، ومقالته عندما بلغه موت الأشتر «لليدين وللفم». وليست ببعيد من مقالة معاوية: «إن لله جنودًا منها العسل» وإنما اختلف علي وعائشة ﵄، من حيث اختلف طريقاهما في الاجتهاد ولله درُّ اللقاني حيث قال في جوهرة التوحيد: وأول التشاجر الذي ورد ... إن خضت فيه واجتنب داء الحسد هذا، وقد كانت الأعراض تتجاوز معرتها الفرد إلى العشيرة والقبيلة. ولذلك حرم الحديث عرض المؤمن. ونهى القرآن عن التنابز بالألقاب. وشرع حد القذف وتشدد فيه وألحق به ما شرعه في الملاعنة. وقد روي عن سعد بن عبادة أنه دافع الوحي في أمر الشهداء الأربعة. قال الطبري: «قال سعد بن عبادة، لهكذا أنزلت يا رسول الله؟ لو أتيت لكع قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه أو أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته. فقال رسول الله ﷺ : يا معشر الأنصار، أما تسمعون ما يقول سيدكم؟ قالوا لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج فينا قط إلا عذراء، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها. قال سعد: يا رسول الله: بأبي وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق، ولكن عجبت لو وجدت لكاع إلخ. أ. هـ» (١). وقد خفي عن سيدنا سعد بن عبادة في غيرته أن الوحي إنما كان يرمي إلى أمر غير مجرد إثبات الجرم حتى يصح إيقاع الحد. ذلك بأن حفظ الأعراض من جهة الزلات قد تكفلت به قيود الغيرة وعرفها، ولم يكن حد كائنًا ما كان بأفعل أثرًا منها. والذي لم تتكفل به قيود الغيرة وعرفها هو حفظ الأعراض من أن تقذف. وكانت

стр. 1195

العرب من أفعل شيء لذلك، وكانوا إذا أُحفظوا في هذا الباب حكموا السيف ولم يتردد سيدنا سعد بن معاذ حين سمع حديث الإفك أن أشار على النبي ﷺ بضرب أعناق الآفكين، فدافعه سعد بن عبادة عن ذلك، إذ كان جماعة منهم من قومه، خشية أن تلحق الخزرج من ذلك سبة الدهر. وكادت تكون فتنة. ولكيما يقر الشرع أمر القذف عند قرار تسلم به المجموعة من ألاحن والفتن وتجتمع معه وجوه صيانة العرض والشرف عند جامع من العدل والحق والوئام، فرض الحد ولم يبلغ به ضرب الأعناق، وجعله شديدًا قاهرًا رادعًا، وجعل الوقوع في طائلته قريبًا يسيرًا إذ لا سبيل إلى تحصيل أربعة شهداء كل منهم يقول رأيت وسمعت. فكان الشرع بفعله هذا معززًا لقانون الغيرة -وهو كما قدمنا وحده كفيل بدرء الفاحشة- بما يقيه أن يضيمه لجاج الشقاق والحمية والغرور وما كان من مذاهب الفحولة والعصبية الجاهلية. ولقد احترز الشرع في باب العشرة بالملاعنة. فسدّ بذلك الثغرات جميعها ومما يدلك على أهمية ما احتاط له الشرع من شرف الأسرة والعشيرة والقبيلة بتشديده في أمر الشهداء الأربعة، أن أول قضية للملاعنة كان فيها جانب المرأة ضعيفًا بحسب ما يبدو من سياق الرواية ونصها، فأما زوجها فمضى في الشهادات الأربع الأوليات ثم لما استوقف عند الخامسة التي ذكر فيها اللعنة وهي الموجبة، لم يتردد ومضى كما مضى في سابقاتها. وأما هي فلما استوقفت عند الخامسة، وذكرت بأنها الموجبة، وأن معها عذاب الله الذي هو أشد من عذاب الناس، تلكأت ثم قالت «والله لا أفضح قومي» (الطبري ١٨ - ٨٣) كأنها تعتذر بذلك إلى ربها، ثم أقدمت على الخامسة. وشاهدنا ههنا ما اضطربت فيه تلك المرأة بين داعي العقيدة والقبيلة ثم احتالت لنفسها مخرجًا بينهما. ولقد كان الدين آنئذ غضًا والإيمان غير ذي أمت ولا عوج. ولا احتجاج بأن داعي البقاء هو الذي لواها عن الخامسة، فإن الذي بلغنا من استرخاص أولئك

стр. 1196

الجيل من الأنصار للحياة من خوف عقاب الله أو رجاء ثوابه لا يدع مجالاً لمثل هذا. وإنما كان يمسك بالحياة منهم آنئذ أهل النفاق. وما كان رجال الحديث ليغفلوا عن هذا من أمرها لو قد كان لها منه أدنى نصيب. هذا ولعلك بعد سائل عن موقع نقائض جرير والفرزدق مما احتاط له الشرع. والجواب عن ذلك غير عسير. أوله أن العصبية القبلية بالكوفة والبصرة لم تكن كالعصبية الجاهلية في الصرامة والعرامة، ولكنها كانت بقية منها، وذكرى من ذكرياتها وشبحًا من أشباحها، وربما داخلتها أحيانًا مبالغة وغلو- ولكن ذلك مما يعن في سائر ما يجري مجرى الذكرى والبقية والشبح. وثانيها أن القوام سلكوا بالنقائض مسلك الهزل، وكانت لهم مندوحة عن أن يتهموا بحاق القذف في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾. فكان كلامهم يجري مجرى اللغو في نظر الناس. وربما فرّ أهل الورع منهم إلى الاستغفار ليجعله الله كاللغو فلا يؤاخذهم عليه. من ذلك ما رووه عن جرير، وكان ذا دين، أنه كان يستغفر من مقالته في جعثن أخت الفرزدق. وخبر جعثن كالنص في هذا الذي نقول به، إذ الرواة مجمعون على أنها كانت امرأة صدق وأن حديث جرير عنها باطل. ثم هم لا يذكرون أن أحدًا اتهم جريرًا بقذف أو طالب فيه بحد. وما كانوا ليترددوا عن ذلك لو حملوا قوله محمل الجد، وقد كاد الفرزدق يؤخذ أعنف أخذ لمقالته التي قال بالمدينة. وما كان رهط جرير أيضًا ليكفوا عن الفرزدق في مزاعمه عنهم، وقد تمكن جماعة منهم ذات مرة منه فأرادوه على ما كان يصمهم به من أمر الأعيار، فتخلص منهم ببادرة من بوادر الفكاهة هجاهم فيها بشر مما كان هجاهم به من قبل. وارجع إلى خبر ذلك في الأغاني. (الأغاني ج ١٩ - ٤٠). وقد جاءت أخبار في أنفة قوم من قذف الهجاء وانتقامهم من أصحابه، وهذا مما يصحح ما قلناه، وليس ههنا موضع استقصائه، وبعد فالحديث عن كل هذا مما يطول.

стр. 1197

وعسى القارئ الكريم أن يكون قد استخلص كما استخلصنا نحن من جميع ما تقدم أن حياة العرب بضرورتها في التنقل. ومزاجها في الكلف بالأسفار، وقلة استصحابها النساء، ومذهبها في الغيرة وما إليها، كل أولئك قد أحطن العرب بحرمان عظيم، وقد زاد الإسلام هذا الحرمان أيما زيادة بما أحدثه من تحريم البغاء، ومنع السباء، وأبطال ما كانت تتسع له وثنية الجاهليين أحيانًا من نادر التبرج (١)، وعزيز اللهو. ولقد أزعم أن المسيحية في تاريخها الطويل لم تبلغ ما بلغه العرب والإسلام في هذا المضمار. لا بل لم تكد تقاربه قط إلا في أصقاع قليلة وفي أزمنة محدودة وعند أقوام بأعيانهم، هذا بالرغم مما كانت عليه من مبادئ الرهبنة والتبتل وتوحيد العشير، وبالرغم مما أباحه الإسلام من ملك اليمين وتعدد الحلائل. وهذا باب يطول استقصاؤه، فنكتفي فيه بالإشارة دون البسط، إذ ذلك قد يخرج بنا عن غرض هذا الكتاب. وإنما أربنا أن ندلل على مكان الحرمان من حياة العرب، وعلى أثر ذلك في الشعر، وفي باب الغزل بوجه خاص. هذا، وإذ دعوة ما بين الزوجين الذكر والأنثى أقوى من كل حرمان، فإن هذا الذي وصفناه قد كان مما يشجي ويهيج إلى الإفصاح وينطق بالشكوى أيما أنطاق. وقد كان كل ما ينطق به المرء جادًا في حديث النساء، بحسب الذي ذكرناه ووصفنا منه، -والشكوى لا يمكن أن تخرج من هذا النطاق على أية حال- مما يخشى فيه أن

стр. 1198

ينتحى، ولو عن غير قصد، إلى مس الأعراض، فيحمل محملاً من القذف والثلب، فترعد لذلك الحفائظ وتثور توائر الغيرة. ومن أجل هذا كان موقف الشاعر في باب الغزل حرجًا أيما حرج، ولابد له من أن يقول: فلجأ إلى طريقه من التقية صارت هي من بعد المذهب المقبول، وأجازها العرف، ورضيتها الأذواق، على أن الزلل عن صراطها الضيق، وما يتبعه من بوائق، لم يكن قط بمأمون. هذه الطريقة من التقية مرت بك أصناف منها في معرض الحديث عن رموز الخصوبة وكنايات الشوق والحنين. ثم ثم كنايات غير هذا، كأن يكنى عن المحبوبة باسم غيرها، قال الجعدي: أُكني بغير اسمها وقد علم الله خفيات كل مكتتم وأكثر ما يذكره الشعراء من أسماء يجري هذا المجرى. ولقد بلغ بهم أن ارتضوا أسماء من أعلام النساء فجعلوها كنايات ثابتة، مثل سعدى وأسماء وفاطمة والرباب وسلمى، وأشهر هذه الأعلام ليلى وقد خلصت إلى اللهجات العامية واتصلت برموز المتصوفة فأكسبها ذلك قدسية لا تبلى. قال كثير عشية سعدى لو تبدت لراهبٍ ... بدومة تجرٌ دونه وحجيج قلى دينه واهتاج للشوق إنها ... على الشوق إخوان العزاء هيوج وقال الحرث بن حلزة: آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاوٍ يمل منه الثواء وقال زهير: وقال زهير: إن الخليط أجد البين فانفرقا ... وعُلق القلب من أسماء ما علقا وقال المرقش الأصغر: ألا فاسلمي بالكوكب الطلق فاطما ... وإن لم يكن صرف النوى متلائمًا

стр. 1199

وزعموا أن فاطمة ههنا هي ابنة المنذر. وعسى أن يكون هذا من باب التصريح الذي يغلب فيه العشاق على أمرهم فيقدمون عليه ويهلكون. وفي شعر طرفة، وكان المرقش فيما ذكروا عمه، أن أسماء هي التي تيمت المرقش. قال: كما أحرزت أسماء قلب مرقش ... بحب كلمح البرق لاحت مخايله ومر بك البيت. وعسى أن يكون طرفة قد جاء بأسماء على الكناية. وقال امرؤ القيس، وهو كناية بلا ريب: أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي والدليل ذكر عنيزة من قبل. وكلتاهما معًا قد تكونان كناية عن اسم ثالث مكتوم. وقال المخبل السعدي: ذكر الرباب وذكرها سقم ... فصبا وليس لمن صبا حلم وقال النابغة الجعدي في رسالة الغفران (٢١٩ - ٢٢٠) يعرض للأعشى بما كان يذكره من دعاوي المنالة: «أهذه الرباب التي ذكرها السعدي هي ربابك التي ذكرتها في قولك: بعاصي العواذل طلق اليدين ... يعطي الجزيل ويُرخي الإزارا فما نطق الديك حتى ملأ ... ت كأس الرباب له فاستدارا إذا انكب أزهر بين السقا ... ة تراموا به غربًا أو نضارا فيقول أبو بصير، قد طال عمرك يا أبا ليلى، وأحسبك أصابك الفنذ فبقيت على فندك إلى اليوم. أما علمت أن اللواتي يسمين بالرباب أكثر من أن يحصين؟ أفتظن أن الرباب هذه هي التي ذكرها القائل:

стр. 1200

ما بال قومك يا رباب ... خزرًا كأنهم غضاب غاروا عليك وكيف ذا ... ك ودونك الخرق اليباب ولعل أمها أم الرباب بمأسل. فيقول نابغة بني جعدة: أتكلمني بمثل هذا الكلام يا خليع بني ضبيعة إلخ ما قال». وليلى وسلمى في الشعر كثير، وما يجري مجراهن ومجرى ما سبق كثير، كلميس وزينب وهند ودعد وريا ورعوم وخولة وفرتني وبوزع. وقد كره المتأخرون بعض هذه الأسماء استثقالاً للفظها كالذي يذكر أن أحد خلفاء بني أمية، أظنه يزيد بن عبد الملك كان هشًا مرتاحًا لإنشاد جرير، حتى بلغ قوله: وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلا هزئت بغيرنا يا بوزع لما سمع بوزع. وليس نحو هذا مما ينبغي أن يؤبه له إذ هو من قبيل مصطلحات الذوق التي نسميها الآن «بالمودة»، وبقاؤها على الدهر قليل. هذا وربما كانت فرتني مما يكني به عن الإماء خاصة، وكذلك معناها في بيت المعري: وسيّان من أمه حرةٌ ... حصانٌ ومن أمه فرتني مما يكنى به عن الإماء خاصة، وكذلك معناها في بيت المعري: وسيّان من أمه حرةٌ ... حصانٌ ومن أمه فرتني وقد كان ﵀ يعلم ما يقول، ويقوله على علم. هذا، ومما كانوا يكنون به أسماء نساء الأعداد. وقد أشرنا إلى هذا المعنى من قبل في الجزء الأول. وهذا الضرب من الكناية يجري في ظاهرة مجرى التحدي، كأنهم يريدون أن يقولوا، به، سنغير ونسبي فلانة ونقتل أولياءها. قال عنترة: علقتها عرضًا وأقتل قومها ... زعمًا لعمر أبيك ليس بمزعم

стр. 1201

وفي باطنه إنما هو كناية عن امرأة من نساء الحي، والتصريح، لا بل ما دون التصريح، في نحو هذا نائرة. قال حتم طيء: وما ضر جارًا يا ابنة القوم إن يكن ... يجاورني ألا يكون له ستر بعيني عن جارات قومي غضةٌ ... وفي السمع مني عن أحاديثهم وقر وقوله أحاديثهم رد فيه الضمير على جمع المذكر كما ترى. ومراده أن يلمح إلى أنه لا يتسمع إلى ما قد يعن من اغتياب امرأة، حتى لا يطمع إليها فؤاده بعد غياب أوليائها. وهذا كله من شريف الكلام الذي يجاوز مجرد خشونة الغيرة والحفاظ إلى ذروة من مثل الفضيلة الأعلى. ومثل هذا قد أمر به أهل الكتابين. ولا يستبعد أن تكون الفروسية العربية قد تأثرت به على وجه من الوجوه. والذي لا مدفع له أن الذي حدث في الفروسية الأوربية من مبدأ المروءة والتحنن إزاء الكرائم (١) والضعاف، قد كان من تأثير القسسة والقساوسة والرهبان وتعاليم الكنيسة. ومما يشبه كلام حاتم، إلا أن صاحبه قد أشر به معنى الفحولة والتحدي، فجاء ببعضه جاهليًا كالحًا، قول عنترة: أغشي فتاة الحي عند حليلها ... وإذا غزا في الحرب لا أغشاها وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يوارى جارتي مأواها والجاهلي الكالح ما افتخر به على مذهب الفحولة في البيت الأول. والثاني جار على مذهب حاتم، ودونه في مرتبة الشرف، إذ حاتم قد ادعى أن جارته لا تحتاج معه إلى ستر إذ طرفه أبدًا مغضوض، لا تأخذه فجاءة ولا تخالسه الريب. هذا، وقد ذكرت لنا القصص كيف غلب الناس على أمرهم، فصرحوا باسم

стр. 1202

من يهوون، ولم يتجاوزوا في ذلك قصد العفاف، ومع هذا حيل بينهم وبين ما كانوا يشتهون، حينما طلبوه من طريق الخطبة المشروعة -وما كان ذلك إلا أنفة أن يظن بالفتاة أمر من ريبة يراد ستره بالخبطة. من ذلك خبر المرقش وعروة بن حزام ومجنون ليلى. وقد تعلم ما صار إليه هؤلاء من الضيعة والتلف فيما ذكروا. وخبر جميل قريب من أخبارهم، إلا أنا نراه أدخل في مذهب الغزل الحجازي الذي كان عليه عمر وابن قيس الرقيات والأحوص وكثير عزة وأضرابهم. وهؤلاء قد كانوا مما يصرحون بأسماء عقائل بأعيانهن كما قد كانوا يكنون كنايات غيرهم. وعندي أنهم في هذا التصريح على مذهب مقارب لما جرى عليه جرير والفرزدق ولفهما في القذف -وأعني بقولي مقارب ههنا معنى المقاربة في المأتى غير الجاد، من حيث حاق التعرض لمساس الأعراض. وهذا باب نأمل أن نفيض فيه من بعد إن شاء الله. هذا ومما كانوا يكنون به الزوجة والجارة والجار والبنت، وقد ألمعنا ببعض هذا من قبل. والعاذلة مما يجري مجرى الزوجة والقريبة في الكناية. وقد كان زهير في الجاهليين مما يكنى بزوجته، وقد يكون كثير من هذا من باب التصريح، ونحوه يحل، لأن الزوجة وليها زوجها كما لا يخفى. وقد يكون بعضه من باب الكناية عن علائق ما بينه وبين زوجته، مما لا يتسع له مجال التصريح، فيورده الشاعر مورد النسيب. وقد كان زهير لم يوفق في صحبة أم أوفى، فطلقها. وقد قال فيما قال وهو يحن إليها: لقد باليت مظعن أم أوفى ... ولكن أم أوفي لا تبالي وقلده في هذه الطريقة الفرزدق حيث يذكر النوار. وقد كان جرير مما يكثر الكناية بزوجته يتحصن بذلك أن يظن به إرادة غيرها، ومكان ذلك لا يخفى من شعره، وربما فصّلناه بعد. قال: وخالدة زوجته أم حرزة. وعسى أن تكون هند زوجة أخرى له. وأما الخوالد

стр. 1203

والهنود فلا يعقل أن يكن جميعهن زوجات له، والله أعلم. وفي الجارة يقول امرؤ القيس: أيا جارتا إنا غريبان ههنا ... وكل غريبٍ للغريب نسيب ويقول الشنفري: فيا جارتا وأنت غير مليمةٍ ... إذا ذُكرت ولا بذات تقلت وسنعرض لهذا من بعد إن شاء الله. وقد سبق الحديث عما يجيء في البنت وأكثره من باب الحنين. وفي العاذلة قول الآخر: وعاذلةٍ هبّت بليلٍ تلومني ... وفي كفها كسر أبحٌ ردوم وهذه زوجته لا ريب. وقال زهير في حصن بن حذيفة: بكرت عليه غدو فوجدته ... قعودًا لديه بالصريم عواذله وهؤلاء قد يكن زوجات أو قرائب أو جميع ذلك معًا. وباب الزوجة والعاذلة مما يستقل وحده، فما دخل منه في الباب فصلناه لك في موضعه إن شاء الله. هذا، ومما كانوا يكنون به صفات يصفون بها المحبوبة وساعات اللقاء وذكريات اللهو وما يجري هذا المجرى. وهذا هو باب النعت الذي ذكرنا لك في أول كلامنا هذا، أنه لا يمكن فصله عن الغزل إلا على قبح من التكلف. أما هذه الصفات فهي نماذج اتفقوا عليها، بعضها متعلق بمعاني الشوق وبعضها متعلق بمعاني الجمال، وبعضها متعلق بمعاني الوصل واللهو واللذة. وسنعرض

стр. 1204

لبعضها بتفصيل إذ ليس إحصاؤها كلها مما يمكن. وليكن ما نذكره منها بمنزلة التمثيل والتقريب. ونرى، أنهم إنما لجأوا إلى هذه النماذج أول الأمر أربا في أن يتشابهوا في القول. فمتى تشابهوا في القول، أمنوا أن يظنوا بريبة فيه. وكيف يظن بريبة من يقول ما يقوله سائر الناس «قال حميد بن ثور»: وهل أنا إن عللت نفسي بسرحةٍ ... من السرح مسدودٌ عليّ طريق وقال الآخر فبالغ في الفكاهة والسخرية: عليّ هدايا البدن إن كان بعلها ... يرى لي ذنبًا غير أني أزورها وأني إذا ما زرتها قلت يا اسلمي ... وهل كان قولي يا اسلمي ما يضيرها وقال جرير: أمن خوفٍ تراقب من يلينا ... كأنك ضامنٌ بدم طريد لعزّ علي ما جهلوا والوا ... أفي تسليمةٍ وجب الوعيد ولم يكُ لو رجعت لنا سلامًا ... مقالٌ في السلام ولا حدود وقال امرؤ القيس، وهو المقتدى به في هذا الباب: وماذا عليه أن ذكرت أوانسًا ... كغزلان رملٍ في مخاريب أقوال هذا ثم أنهم لما اتلأب بهم التشابه طلبًا للتقيه، جعلوه طريقة من طرائق الفن والتمسوا له التجويد والأحكام. ثم إن طلب التجويد والأحكام نفسه دفعهم دفعًا إلى التمسك بهذه الطريقة والحرص عليها. وينسب لزهير أنه قال: ما نراها نقول إلا معارًا ... أو معادًا من قولنا مكرورا

стр. 1205

لبعضها بتفصيل إذ ليس إحصاؤها كلها مما يمكن. وليكن ما نذكره منها بمنزلة التمثيل والتقريب. ونرى، أنهم إنما لجأوا إلى هذه النماذج أول الأمر أربا في أن يتشابهوا في القول. فمتى تشابهوا في القول، أمنوا أن يظنوا بريبة فيه. وكيف يظن بريبة من يقول ما يقوله سائر الناس "قال حميد بن ثور": وهل أَنا إن علَّلْتُ نَفْسي بسَرْحَةٍ ... من السَّرح مسْدُودٌ عليَّ طَرِيق وقال الآخر فبالغ في الفكاهة والسخرية: عليَّ هدايا الْبُدْنِ إِن كان بَعْلُها ... يَرى ليَ ذَنْبًا غَيْرَ أَنِّي أَزُورها وأَنِّي إِذا ما زرتها قلت يا اسلمي ... وهل كان قولي يا اسلمي ما يضيرها وقال جرير: أَمِنْ خَوْفٍ تُراقبُ من يَلينا ... كَأَنَّك ضامنٌ بدم طَريدُ لعزَّ عليَّ ما جَهلُوا وآلوا ... أَفي تَسليمَةٍ وَجب الْوَعيدُ ولم يكُ لَو رَجعْتِ لنا سَلامًا ... مقَالٌ في السَّلامِ ولا حُدود وقال امرؤ القيس، وهو المقتدي به في هذا الباب: وماذا علَيهِ أَن ذَكَرتُ أَوانِسًا ... كغزْلانِ رَمْلٍ في محَارِيبِ أَقوالِ هذا ثم إنهم لما اتلأب بهم التشابه طلبًا للتقية، جعلوه طريقة من طرائق الفن والتمسوا له التجويد والأحكام. ثم إن طلب التجويد والأحكام نفسه دفعهم دفعا إلى التمسك بهذه الطريقة والحرص عليها. وينسب لزهير أنه قال: ما نَرانا نَقول إلا مُعارًا ... أو مُعادًا من قَولِنا مَكْرورا

стр. 1206

ففي هذا من الثورة على التشابه ما ترى. وزعموا أن عنترة أول ما أرادوه - على وجه التحدي - أن يجلي عن نفسه فيقول شعرا ليثبت أنه فصيح كما هو فارس، نظم المعلقة، ومطلعها: هل غادرَ الشعراءُ من مُتَردَّم ... أَم هل عَرَفْتَ الدَّارَ بعد تَوَهُّم وفي هذا من الثورة على النماذج ما فيه. وقال الحماسي: خَيالٌ لأُمِّ السَّلْسَبيل وبيْنَنَا ... مَسافَةُ شَهْرٍ للْبَريدِ المُذبْذَبِ معاذَ الإلَهِ أَن تَكُونَ كظبيَةٍ ... ولا دُمْيَةٍ ولا عَقيلَةِ رَبْرَب ولكنَّها زِيْدت على الْحُسْن كُلِّه ... كَمالًا ومن طِيبٍ عَلى كُلِّ طِيِّب فضاق هذا الحماسي ذرعا كما ترى بتشبيه الدمية والظبية وعقيلة الربرب، ومع هذا فإنه لم يستطع كما لم يستطع عنترة ولا زهير قبله أن يخرج عن مذهب التشابه. ونحو هذه الثورة في شعر الإسلاميين والمولدين إلى عصرنا هذا الحاضر كثير. والحق أن تشابه النماذج مما يخشى معه ضياع الصدق والحرارة اللذين يكونان في تجربة الشاعر الفردية. ولكن الشعر العربي لا يمكن أن يؤبن في هذا الصدد ولذلك أسباب سيرى القارىء منها في التفصيل. ونكتفي ههنا أن نجملهن في اثنين على وجه التمهيد: أولها أن التشابه في نماذج القول العاطفي أبدا يكون مستمدا من التشابه العاطفي بين الناس، ومرميا فيه إلى تشخيص مثل أعلى تضمحل معه أوجه الخلاف بين التجارب الفردية والشاعر وهو فرد يعمد إلى أن تتحد تجربته الخاصة مع المثل الأعلى النموذجي. فعلى مقدار صدقه وحرارته ومقدرته على البيان، تكون معاني الصدق والحرارة والإبانة في النموذج الذي يعرضه.

стр. 1207

وثانيهما: أن الشعراء العرب اعتمدوا الإيحاء والإيماء، في حيز النموذج المتشابه. وكلا هذين مما يكونان أفعل من التصريح. وأعظم بها من نشوة تلك التي يجدها متلقي القريض حين يجد نفسه مستطيعا، من جراء الإيحاء والإيماء، أن يحس تباين الأفراد والتجارب من خلال النماذج المتشابهة، حتى أن كلا منها يصير عنده لما يجده منه، مختلفا عن الآخر كأشد ما يكون الاختلاف. ومن عجب ما يصح ذكره في هذا الباب وفي أبواب غيره مما يلي مما تقدم أنك تقرأ المطلع من قصيدة ما فتجده كمطلع آخر. ثم إذا مضيت فيها وعدت إلى المطلعين مرة أخرى وجدتهما حق مختلفين. خذ على سبيل المثال قول النابغة: يا دَارَ مَيَّة بالعلياءِ فالسَّنَدِ ... أَقْوَت ودَامَ عليها سَـ الأمد فهذا كمطالع كثيرة أخريات: يا دار مَيّة بين الْحَزْنَ فالجَردِ يا دار عَمْرَة منْ مَحْتَلِّها الْجَرعا يا دار عَبْلَةَ بالجواءِ تَكَلَّمي يا دار سلمى بَعيدًا ما أُكلِّفُها وهلم جرا. ولكنك بعد أن تقرأ القصيدة كلها لا تملك أن تحس فيه وفي ما يليه من الصفات استشعارًا لمعاني العتاب فيما بين النابغة والنعمان بن المنذر. فلأمر ما - مثلا - اختار النابغة اسمي العلياء والسند في مستهل المطلع. ثم زعم أن ذلك قد أقوى ومر عليه زمن بعيد. ولأمر ما وقف هو عند الدار أُصَيْلالًا بعد أن مضى الضحا والظهر والعصر جميعا ثم لم يجد جوابا ولم يلق في الدار أحدا. ولأمر ما جعل الوليدة ترد أعالي النؤى وتضربه حتى لبده ذلك. ثم شبه النؤى "كالحوض بالمظلومة الجلد" وهل كان النابغة

стр. 1208

إلا مظلوما ذا جلد. ثم ختم وصف الربع الرمزي بقوله: أَمَسْت خَلاءً وأمسى أَهْلُها احْتَملوا ... أَخْنَى عَلَيْها الذي أَخْنَى على لُبَد وَكل ذلك مِمَّا يؤسف له، كما يؤسف على عهدِ العلاقة والمودة أزمان لم يفرق الوشاة بينه وبين النعمان، ولم يضطر هو إلى أن يهاجره، ويلتمس العطف عند أعدائه. وخذ قول امرىء القيس: أَلا عم صَباحًا أَيُّها الطَّلَلُ الْبَالي ... وهل يَعِمَنْ من كان في الْعُصُر الْخَالي فهذا كسائر ما يُسْتَهَلُّ به في ذكر الأطلال فيما يبدو، إلا أن امرأ القيس له فضيلة السبق. ولكنك إن مضيت في القصيدة ثم عدت إلى المطلع وقر عندك أن الشاعر إنما عنى نفسه. وما يتعلق بها من ذكريات الماضي في قوله "الطلل البالي". ومن شواهد ذلك ما يروى له في هذه القصيدة من قوله: أَلا إِنَّني بَالٍ جَمَلٍ بَال ... يسيرُ بنا بالٍ ويَتْبَعُنا بالِ وقال في آخر القصيدة، كأنه يعتذر عما ألقى بنفسه فيه من عنت الغربة، حتى تصرمت أيامه وهو بعيد عما يشتهي: ولو أَنَّما أَسْعَى لَأدْنى معيشةٍ ... كفاني ولم أَطْلُبْ قَلِيلٌ من المال ولكنَّما أَسعى لمَجدٍ مُؤَثَّلٍ ... وقد يُدْرِكُ الْمَجْدَ المُؤَثَّل أَمثالي ونحو هذا أعاليل بأضاليل، وقريب من مأتاه قول أبي الطيب: ومُراد النُّفوس أَصغَرُ من أَنْ ... نَتَعَادَى فيه وأَنْ نَتَفانَى غَيْر أَنَّ الْفَتَى يُلاقي المَنَايا ... كَالِحاتٍ ولا يُلاقي الهَوانا وقال زهير بن أبي سلمى واستهل بمعنى التحسر على الشباب:

стр. 1209

صحَا الْقَلْبُ عن سَلْمَى وأَقْصَر باطِلُهْ ... وَعُرِّيَ أَفْراسُ الصِّبا، وَرواحِلُهْ وأَقْصَرْتُ عَمَّا تَعْلَمِيْن وسُدِّدَتْ ... عَلَيَّ سوَى قَصْدِ السَّبيل مَعَادِلُهْ وقال العذارى إنما أَنْتَ عَمُّنا ... وكانَ الشَّبابُ كالْخَلِيط نُزايلُهْ وأَصبَحْتُ ما يَعْرفن إِلا خليقتي ... والأسوادَ الرَّأْس والشيْبُ شاملُهْ لمن طَللٌ كالْوَحْي عافٍ منازله ... عفا الرسُّ منه فالرسيس فعاقِلُهْ ومضى في نعت الطلل، وغير خاف ههنا أن الطلل إنما كنى به زهير عن نفسه بدليل موقعه بعد صفة نفسة بالتبدل عما كان عليه عصر الشباب. وقد ألمعنا إلى هذا المعنى في ذيلنا على كتابنا الحماسة الصغرى (١) - وهذا الوجه يؤيد ما قدمناه آنفا عن طلل امرئ القيس ويقويه. ومما يحسن ذكره ههنا أن زهيرا في قصيدتيه اللتين استهل فيهما بذكر الصحو، هذه التي قدمنا، والأخرى التي مطلعها: صَحا الْقَلْبُ عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأَقْفَر من سَلْمَى التَّعَانيقُ والثَقلُ قد سلك مذهبا من المدح الجاد. والمطلع مشعر ببعض هذا، لادعاء الشاعر فيه أنه قد غادر زمان اللهو وراءه فلم يبق إلا الجد واتباع المآثر والدفاع عنها. وقال علقمة بن عبدة: طحا بك قَلْب في الحسان طَرُوب ... بُعَيْدَ الشَّباب عَصْر حَانَ مَشِيبُ وفي هذا المطلع اختلاف عن مذهب زهير، وذلك أن علقمة لا يدعي لنفسه الحزم والإقلاع عن اللهو كما أقلع زهير، ولكن يذكر صبوة ورَوْمًا لوداد النساء بأصيل من الشباب. والنساء لا يأبهن لنحو هذا إلا مع الغنى، ومفهوم ضمنا أنه لم يكن ذا يسار. وقد لام علقمة نفسه على ما كان من صبوتها واستحثها أن تستيقظ

стр. 1210

لطلب المكارم وقصد الكرام والاستجابة لدعوة من نوائب الحق قد أهابت به، وذلك بالسعي في أمر أخيه شاس واستنقاذه مما وقع فيه من ذل الأسر. ولا تخلو مقدمة علقمة النسيبية من معاني الرمز بغناء الغزل إلى ما هو بصدده من استعطاف الملك واستدرار رحمته. ألا ترى أنه كما لم يقدر على التحبب والتودد والتماس الوصل من حسنائه الربعية (وربيعة قد كانوا أعداء قومه تميم) بأكثر من أن يرقق لها في المقالة ويستجديها ويدعو لها بالسقيا أو كما قال: فلا تَعدلي بيني وبَيْن مُغمَّرٍ ... سَقَتْكِ روايا الْمُزْن حين تَصُوبُ سقاكِ يَمانٍ ذو حَبيٍّ وعارضٌ ... تَرُوحُ به جُنْح الْعَشيِّ جنوب كذلك لم يقدر من المفاوضة مع الحرث الغساني في أمر فداء أخيه بأكثر من الترقيق في القول والاستجداء والمدح الذي يقوم مقام الدعاء؟ ولقد كان الحرث الغساني سيد قوم عدو لقومه بني تميم ومن كان إليهم ضلعهم من ملوك الحيرة. على أن بين المقامين فرقا واحدا وهو أن استجداء الحسناء قد ييأس منه المستجدي بغير ذريعة من مال أو شباب، ولذلك قال علقمة: فَدَعها وسلِّ الهمَّ عنك بِجَسْرَةٍ ... كهمك فيها بالرِّداف خبيب ولكن استجداء السيد الملك ليس كذلك. ولا سيما إن كان فحلا جزلا أريحيا: مُظاهر سِرْبالَي حَديدٍ عليهما ... عَقيلا سُيُوفٍ مِخْذَمٌ ورسُوب فمن عند مثله ينتظر العطاء والمن والحباء. وذلك قوله: إلى الحَرثِ الْوَهَّاب أَعمَلْت نَاقتي ... لكَلْكَلِهَا والقُصْرَيَيْن وَجيب وأَنْتَ امْرؤٌ أَفضَت إليك أَمانتي ... وقَبْلَكَ ربَّتْني فَضعتُ ريوب وفي كلِّ حيٍّ قد خبطتَّ بنعمةٍ ... فحُقَّ لشأْسٍ من نداك ذَنوب

стр. 1211

فلا تَحرمَنِّي نائلا عن جَنَابَةٍ ... فإِني امْرؤ وَسْطَ الْقِباب غريب فلست لإنْسِيٍّ ولكن لملْاكٍ ... تنزَّل من جَوِّ السَّماءِ يصوب ولا يخفى شبه ما بين كلام علقمة ههنا وكلامه إذا خاطب المحبوبة، من حيث الرقة والاستجداء والتلطف في الدعاء. وألفتك خصوصًا إلى قوله في المحبوبة: مُنَعَّمة لا يُسْتَطاع كِلامُها ... على بَابِها من أَنْ تُزارَ رَقيبُ فهذا سوى قوله "منعمة" على غير مألوف ما توصف به نساء البادية. وفيه بعد معنى الملك بالذي ذكره من باب وحجاب مضروب. ولا إخال أنك تباعد عند تذكيره هذه الصفة أن تصيب جانبا من نعت الحرث نفسه إذ قد كان ملكا محجوبا لا يستطاع كلامه. وإذ ألفتك لهذا، ألفتك أيضا إلى قوله "فلست لإنسى الخ" - فهنا كما ترى نعت للحرث بصفة الملك، وبأنه بسماويته فوق ما عليه أملاك الأرض من القسوة في الانتقام، والتشدد في مال الفداء. وعلقمة آمل بعد ألا يصيب المن عن أخيه، فحسب، لكن يصيب معه بسطا من قبول وحباءٍ جميل. والشبه التلميحي بين صفتي الحرث والمحبوبة في البيتين لا أحسبه عنك بعد بغائب. هذا، وقال مزرد بن ضرار (١): صحا الْقَلْبُ عن سلمى ومل العواذل ... وما كادَ لْأيًا حُبُّ سلمى يُزَايل ومثل هذا المطلع تتساءل عنده من لدن سماعه، فلماذا ملت العواذل إن صحا

стр. 1212

القلب حقا عن سلمى؟ ولا يلبث الشاعر أن يجيبك بما سمعته من عجز بيته "وما كاد لأيا حب سلمى يزايل". وهذا الاضطراب منذ البداية يحدث في نفسك توقعًا لاضطراب عاطفي من تجربة الشاعر، مَشُوبَةٌ فيه ناحية الجد والحزم من نفسه التي يشعرك بها قوله "صحا القلب عن سلمى" بنواح أخريات بشعرك بهن سائر البيت. وما هو إلا أن تمضي قليلا في القصيدة حتى تجد أن الشاعر يذكر أنه قد ودع غي الشباب، وأن الشيب قد شمله. ثم ما هو إلا أن يعود إلى ذكر الشباب والتحسر عليه، ووصف الحسان اللواتي يزعم أنه قد ظفر بلهوهن: وبيضاءَ فيها للمُخَالِم صَبْوَةٌ ... ولْهوٌ لمن يرنو إِلى اللَّهوِ شاغل ليالِيَ إذ تُصبي الحلِيم بدَلِّها ... ومشْيٍ خَزِيل الرِّجْل فيه تَفَاتُل وأَسحمَ ريان الْقُرون كأَنَّه ... أساوِدُ رمَّانَ السِّباطُ الأطاول ثم ما هو بعد ذلك إلا أن ينتقل إلى قري من الجد، فيفتخر: فمن يك مِعزالَ الْيَديْنِ مكانُهُ ... إذا كَشَّرتْ عن نابِها الحرْبُ خامل فقد عَلِمتْ فِتْيانُ ذُبيانَ أَنَّني ... أَنا الفارسُ الحامي الذِمار الْمقاتل ثم يصف عدتهِ للحرب، حصان طويل القرا، ويطيل في نعته، وفرس سلهبة ويطيل في نعتها، ودرع مسفوحة فضفاضة ويطيل في نعتها، وتسبغة وترس وسيف ورمح ويطيل في أوصافهن جميعا - ثم ينهى نفسه عن هذا الفخر ويقبل على عصبة أعداء نالته منهم قوارص: فَدع ذا ولكن ما ترى رَأْي عُصْبَةٍ ... أَتَتنِيَ مِنْهُم مُنْدِياتٌ عَضائل يهُزُّون عِرضي بالمغِيبِ ودونَه ... لقَرْمِهم منْدُوحةٌ ومآكل على حِينَ أَن جُرِّبت واشْتَدَّ جانبي ... وأُنْبِح مِنِّي رَهْبَة من أُناضل وجاوزتُ رأْس الأربعينَ فأَصبحتْ ... قناتي لا يُلْقى لها الدهر عادل

стр. 1213

ثم يمضي في الوعد ويتهدد أعداءه بالشعر، حتى إذا بلغ من ذلك مبلغا، أضرب عنه وقال: فعدِّ قريض الشِّعر إِن كُنْت مُغْزِرًا ... فإِنَّ غزير الشِّعر ما شاءَ قائل لنَعْتِ صُباحِيٍّ طويلِ شقاؤُه ... له رَقَمِيَّاتٌ وصَفْراءُ ذَابِل وليس لعمري غزير الشعر ما شاء بقائل على غير نهج وفي غير وحدة من نظام. ولكن آخر هذا الكلام متصل بأوله. إذ الشاعر من ههنا يأخذ في نعت صورة من الصور التقليدية، هي صورة الصياد وامرأته الحمقاء التي لا تعد له طعاما ولا تعينه بعزاء وربما تناولته بالقوارص ثم هي من شر النساء، طوافة على البيوت، كأن ليس لهاء فيه ولا في أطفالها الشعث الغِراث من أرب. وهذه الصورة التقليدية داخلة عندنا في باب الغزل كما ستذكر من بعد. ولا أرتاب أن الصائد ههنا هو الشاعر نفسه. وقد استكمل بهذه الصورة من أداة الحرب ما غفل عنه آنفا وذلك السهم والقوس، ثم إن شئت أضفت إلى ذلك الكلاب. وهذه الصورة تكشف لنا ما استشعرناه من غموض المطلع واضطرابه غير قليل، إذ أقرب شيء أن تكون امرأة الصائد هي امرأة مزرد، لا غيرها وأن تكون أيضا هي سلمى وهي العواذل، وهي ما دعاه لأن يقول ويجمجم مترددا بين فنون ما تواضع عليه الشعراء، وإنما مراده أن يشكو من سوء العشير ليس إلا. قال واختتم القصيدة في نعت الصائد: فَطَوَّفَ في أَصحابه يسْتثيبُهم ... فآب وقد أَكَدَتْ عليه المسائل إلى صِبْيةٍ مِثل المغَالي وخِرْمِلٍ ... رَوادٍ ومن شَرِّ النِّساءِ الخَرامِلُ فقال لها هلْ من طعَامٍ فإِنَّني ... أَذُمُّ إِليك النَّاس أُمُّك هابِل ولكنها ليست ممن يعين أو يغيث. فقالت نعم، هذا الطويُّ وماؤُه ... ومُحَترق من يابس الجلدِ حائل

стр. 1214

أي الْبِئْر وماؤها والدلو ذو الجلد اليابس. فلما تناهَتْ نَفْسُه من طعامه ... وأمسى طَلِيحًا ما يُعانيهِ باطل تَغَشَّى يُريدُ النوْمَ فَضْل ردائه ... فأَعيا على الْعَين الرُّقادُ البلابل وهنا تقدر أن تنشد: صحا القلب عن سلمى وملَّ العواذل ... وما كاد لْأيًا حُبُّ سلمى يزايل وعسى سلمى ألا تكون امرأته، ولكن امرأة أخرى لا سبيل إليها، وإنما السبيل إلى ما هو فيه من ضنك العيش وقلق المصير. وعسى ألا تكون إلا آماله المنحطمات وهذا باب واسع وإنما الشعراء العرب في ارتضائهم مذهبا واحدا من تشابه القول، لا في الغزل وحده كما قدمنا ولكن في غيره أيضا من أبواب الخروج والأغراض. كأصدق ما يكون ذوبيان في الإفصاح عما حولهم من تشابه الكون ثم تباينه داخل هذا التشابه، أو قل من جرائه. أليست صحراؤهم شيئًا واحدا، متشابه المناظر من حرار وأعلام وأودية وسهوب متواصيات وأنواع بأعيانهن من النبات والحيوان؟ أليس النهار حين يحتدم عليها أواره بلبسها ثَوْبًا تختلف به كل الاختلاف عنها حين يغمرها الليل الدامس بالسحب، أو الزاهر بالنجوم، أو السافر بالقمر، أو الآلق بالبرق؟ أليست الوجوه المتباينات التي تعرضها على تباين الفصول واختلاف العصور إنما هي في الحقيقة وجه واحد؟ ثم أليس هذا الوجه الواحد تختلف تقاطيعه وقسماته في نهار اليوم الواحد بله الفصول؟ ولقد نظرت في مقدمات النسيب فوجدت أصنافا منها كأنما نشير إلى دوائر من المعاني لا يكاد يقدّم بهن في غيرها. وقد مرّ بك من هذا المعنى بيتا زهير. ورأيت كيف افتن مزرد، فحور في المطلع الزهيري شيئا، ولاءم بين ذلك وبين الذي شاء أن يقول

стр. 1215

هو من معان تلائم هذا التحوير في اضطرابها وإيحائية غموضها. وأحسب أن ذكر البين في مطالع الشعر مِمَّا يجيء غالبا معه المدح الصريح الذي تتحد فيه بطولة الشاعر مع بطولة الممدوح أو الفخر ذو التحدي والوعيد أو هما معا - كقول زهير: بان الخَلِيطُ وَلَم يأْووا لمنْ تركوا ... وزَوَّدوك اشْتياقًا أَيَّةً سلكوا فافتخر وأوعد. وقال النابغة: بانَت سُعادُ وأَمسى حبلُها انجذما ... واحتَلَّت الشَّرعَ والأجزَاع من إِضما فافتخر وانتصف. وبين المطلعين بعد فرق، إذ أشعرك زهير بحاجة بائنة فهو يطلبها، فلابد من ذكر شيء في معنى ذلك في القصيدة - وقد ذَكَرهُ حيث قال: يا حَارِ لا أُرْمَيَنْ منكم بِدَاهيَةٍ ... لم يلْقَها سُوقَةٌ قَبْلي ولا ملك فاردد يسارًا ولا تَعنُف عليه ولا ... تَمْعك بعرْضِكَ إِن الغادِرَ المَعِكُ وقد كان الحرث الصيداوي وقومه احتبسوا غلاما لزهير، فهنا زهير يتوعدهم كيما يردوه إليه قبل أن يفسد الأمر ويضطر هو إلى هجائهم والتذمير عليهم، وعسى أن كان بنو الصيداء هؤلاء متسرعين إلى الشر، واحتباس ما يقع بأيديهم يعدونه من باب النهب، فقد قال فيهم زيد الخيل: يا بني الصَّيداءِ رُدُّوا فرسي ... إِنَّما يُفْعل هذا بالذليل عوِّدوهُ مثلما عوَّدته ... دلَج اللَّيل وإِيطاءَ القتيل فاتهمهم بأنهم لن يحسنوا القيام عليه كما يحسنه هو.

стр. 1216

وإما النابغة فقد زعم أن حبل سعاد قد انجذم، فليست له من حاجة بائنة إلا أن يكتفي بنفسه ويتعزى عزاء الكرام - قال: هلا سألت بني ذُبْيَانَ ما حَسَبي ... إِذا الدُّخان تَغَشَّى الأشمط الْبرَما يُنْبئك ذو عرضهم عنِّي وعالمُهم ... وليس جاهلُ شيءٍ مثْلَ من علما أَنِّي أُتِّممُ أَيساري وأَمنِحهم ... مَثْنَى الأيادي وأَكْسُو الْجفْنَةَ الْأدُما وأَقْطَع الْخَرق بالْخَرْقاءِ قد جعلَتْ ... بعد الكلال تشكي الأينْ والسأَما وفي المطلع بعد، في الماعِهِ بالعزاء، وتصرم الحاج، كالإيحاء بأن في أغوار النفس حاجة لم تنقض. وهذا المعنى من هذه الكلمة سنذكر لك عنه شيئًا من بعد، عما قليل إن شاء الله. وقال زهير: إنَّ الْخَليطَ أَجدَّ الْبين فانفرقا ... وعُلِّق الْقَلْبُ من أَسماءَ ما علِقَا وجاء من بعد وصف للروضة ومدح رائع لهرم بن ستان - وفي قوله "وعلق القلب من أسماء ما علقا" رمز واف في تضمن معنى هذا. وقال ابنه كعب: بانت سعادٍ فقلبي اليوم متبول ... متيم أثرها لم يُفْدَ مكبول وبعد أن تقرأ القصيدة تجد لقوله "لم يفد" ولقوله "مكبول" تضمنا لمعنى ما أخذ فيه بعد من الاعتذار، ورجاء أن من رسول الله ﷺ عليه بعد أن قد أحاط به إساره: نُبِّئْتُ أَنَّ رسُول الله أَوعدني ... والْعفْوُ عِنْد رسُول الله مأْمُول وقدْ أَتَيتُ رَسولَ الله مُعتَذِرًا ... والْعُذْرُ عنْد رسُول الله مقبُول مهلًا هداكَ الَّذي أَعْطاك نافلَة الْـ ... ـقُرآن فيها مواعيظ وتَفْصيلُ لا تَأْخُذَنِّي بأقوال الْوشاهِ ولم ... أُذْنِبْ وقَد كَثُرَتْ فيَّ الأقاويل

стр. 1217

وقال الحارث بن حلزة اليشكري: آذَنَتْنَا ببينها أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ منْهُ الثواءُ فجاء بكلام مشكل في عجز البيت الذي استهل به - إذ ما معنى التحسر على البين إذا كان هو قد ملها؟ أليس فيه إشعار بأن قربها ربَّما كان مِمَّا لا يرغب فيه، وأن لا أسف إذا تولت، إذ أقل ما يخشى من مكثها الملال، وقد عكس هذا المعنى كثير على عادته في السرق فقال: نُرِيدُ الثَّواءَ عِنْدها وأَظُنُّها ... إذا ما أَطَلْنا عندها الْمُكْثَ ملَّتِ وكأنه أراد ليظهر بمظهر أرق من الحارث إذ جعل المحب هو الملول لا المحبوب. ولا يعقل في مثله أنه لم يفطن إلى ما كان يرمي إليه الحارث من حاق الرمز، اللهم إلا إذا صح ما يزعمه الرواة عن حماقته. وقصيدة الحارث كما يعلم القاريء أصلحه الله إنما هي في باب الخصومة، لا يعطي الحرث أعداءه بني تغلب خطة من خطط اللين، ولا يعترف لهم بسابقة فضل أو عز أو سيادة. ويكاد بهجوهم مما يعدد من أيام قومه عليهم وأياديهم على الملك - ويضمن حجته أنهم مقبلون على السلم الكريمة إن أقبلت بها عليهم تغلب. وإلا فإنهم كما قال: فَبقينا على الشَّناءَةِ ... تنْمينا حصُونٌ وعِزَّةٌ قَعْساءُ ولن يبالوا أن تستمر الخصومة وأن يبين عنهم التغلبيون كل البين "فرب ثاو يمل منه الثواء". وقال المثقب العبدي: أَفاطِم قْبلَ بينِكِ متِّعيني ... ومنْعُك مَا سَأَلْتُ كَأَنْ تَبيني

стр. 1218

وجرى في قصيدته كلها على طريق هذا المعنى كما سنذكر إن شاء الله، حتى لم يَكَدْ يخلص له من الخلان فيها إلا ناقته، التي كان هو يسيء إليها وتحسن هي إليه: فَأَبْقَى بَاطلي والْجدُّ منها ... كدُكَّان الدَّرابنَةِ الْمَطين ورُحْتُ بها تُعارضُ مُسْبطِرًا ... على صَحْصَاحِه وعلى المتون ثم يقول في خطابه لصاحبه عمرو: فإِما أَنْ تَكُون أَخِي بحَقٍّ ... فأَعرِف منْك غَثِّي مِنْ سميني وإلا فاطَّرحني واتَّخِذْنِي ... عَدُوًّا أَتَّقيكَ وتَتَّقِني وما أَدرِي إِذا يَمَّمْتُ أَرْضًا ... أُريدُ الْخَير أَيُّهما يليني أألخَيرُ الذي أَنا أَبْتَغِيه ... أَم الشَّر الذي هُو يبْتَغِيني وهذا مقطع القصيدة، وفيه روح مطلعها كما ترى. وقال القطامي في معنى البين، وحوره ليناسب غرضه: ما اعْتَاد حب سُلَيْمى حِينَ مُعْتَادِ ... ولا تَقَضَّى بواقي ديْنها الطادي وهذا عكس المعنى الذي استهل به كعب بن زهير، إذ جعل كعب بن زهير نفسه رهينة لم تفد بعد، وزعم القطامي أنه، وإن يك طليقا من الإسار لا زال يحمل إصرا من بقية دين واجب أداؤها - وما ذلك إلا أن عدوه زفر القيسي قد كان ظفر به، فمن عليه وأعطاه - فذلك دَيْنٌ لا ينقضي، وذلك قوله في هذه القصيدة: منْ مُبْلِغٌ زُفَر الْقيسيَّ مِدْحتهُ ... من الْقُطامِيِّ قَولًا غَير إِفنادِ إِنِّي وإِنْ كان قَوْمِي لَيس بيْنَهم ... وبيْنَ قوْمِكِ إِلَّا ضَرْبَةُ الْهادي مُثْنٍ عَلَيك بما اسْتبقَيْتَ مَعرِفَتي ... وقد تعَرَّضَ مِنِّي مَقْتَلٌ بادي وفي القصيدة بعد فخر وتحد للشعراء ولشاعر بعينه منهم: إِلا أُخيَّ بني الجوال يوعِدني ... ماذا يريد ابنُ جَوَّالٍ لإيعادي

стр. 1219

وفيها أيضا مقدمة نسيبية رائعة في نعت الظعائن يتتبعهن الشاعر بعين فؤاده حيث حللن وحيث ارتحلن حتى أقمن عند مقام أطمأن بهن. وهذا النموذج تجده عند زهير في المعلقة. وفي كلتا القصيدتين تغن بالسلم إما مصرحا به أو مُضَمَّنا في تصوير ما تجيء به الحرب من شقاق وهلاك وبوار، وفيها مع ذلك تمسك عزيز بقيم الحفاظ وإنكار الضيم. وسنفصل عن نموذج الظعائن فيها عما قليل إن شاء الله. وفي تصوير الظعائن عند المثقب بعض التحوير إذ الشاعر لا ينفك يراهن ويخاطبهن وهن لا يكدن يستقررن عند مقام يطمئن بهن، وهذا يلائم ما أفصح به عند مخاطبة عمرو، من الملامة والدعوة إلى أن يستقر أمرهما عند قرار من المودة والخير والرفه، وكل ذلك مرغوب فيه، أو يصير إلى العداوة الواضحة التي لا يكون معها إلا القتال والشر وذلك ما يخشاه ولا يجد عنه من فرار. وقال الشنفري: ألا أُمُّ عمْرٍو أَجْمَعَتْ فاسْتَقَلّتِ ... وما ودَّعَت جِيرانَها إِذ تَوَلَّتِ ثم اختصر وصف الظعائن في بيتين وتحسر على فراقها بعد ذلك أيما حسرة ثم أخذ يتغنى بذكراها وافتخر بعد بالحرب والقتال، وداخل فخره هذا بشعور مر من كراهة ما هو فيه، هذا الذي يفتخر به، وفظاعته - ثم اختم بيأس تداخله ألوان من قلة المبالاة: إِذا ما أَتَتْني مِيتَتِي لَمْ أُبالِها ... ولم تُذْرِ خَالاتي الدُّموعَ وعمَّتي ولم يجد في كل هذا عزاء إلا خويصة نفسه، وما كانت تمسك به من مباديء: وإِنِّي لَجُلوٌ إِن أُريدَتْ حَلاوتِي ... ومُرٌ إِذا نَفْسُ الْعزُوفِ استَمَرَّتِ أَبِيٌّ لما آبي سَرِيعٌ مَباءَتِي ... إلى كُلِّ نَفْسٍ تَنْتَحِي في مَسرَّتِي ولنا إلى هذه الكلمة أيضا عودة إن شاء الله.

стр. 1220

والبيتان الأخيران هما مقطع القصيدة، وفي معناهما شبه بمعاني المثقب إلّا أن ههنا وحشة أشد وكبرياء أعظم. وعسى القارىء أن يكون لمح بعد، بين هذا جميعه وبين ما اختتم به زهير معلقته من الحكم وجوها من الشبه وتقارب المذهب على ما كان من اختلاف في ظاهر الغرض: ومن لم يذُدْ عَنْ حوْضه بِسلاحِه ... يُهدَّم ومن لا يظْلِم النَّاس يُظْلَم ومن يَجْعلِ الْمَعْرُوفَ من دُون عِرْضِه ... يَفِرْهُ ومن لا يتَّق الشَّتْم يُشْتمِ ومن يُوفِ لا يُذْمَم ومن يُهْدَ قلْبُه ... إِلى مُطْمَئِنِّ البِرِّ لا يتَجمْجمِ ومَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِيءٍ مِنْ خَلِيقَةٍ ... وإنْ خَالَها تَخْفَى على النَّاسِ تُعْلَمِ وبعد فكل هذه الأمثلة التي ضربناها إنما قصدنا بها أن نوضِّح ما ذكرناه آنفا من أن الشعراء مما يَتَّحِدون بتجاربهم المختلفة مع النماذج المتشابهة وَممَّا يضمنون هذه النماذج ما يشعر باختلاف تجاربهم وينبيء عن طبائعها، من طريق الإيحاء والإيماء، الذي يكون تارة بما يوقعونه في النماذج من تحوير لفظي دقيق المأتي رقيق المدخل، وتارة بالاختصار في باب مما يطال فيه أو الإطالة في باب مما يختصر فيه وهلم جرا. وقد عمدنا - كما رأيت - إلى التمثيل ببعض ما يقع من تواشج رمزي بين أغراض المدح والفخر ومطالع النسيب، لأن ذلك قد يكون أوضح في الدلالة على ما نزعم من أنه قد يقع الإيحاء بالتجارب الغرامية الفردية داخل النموذج النسيبي المتواضع عليه نفسه أو داخل القصيدة التي يفتتح بها أو يعن فيها. وإذ النموذج النسيبي التقليدي مما يمتزج امتزاجا شديدا بإيحاء الشاعر عن تجربته الخاصة، حين تكون له تجربة خاصة، لأن الباب كله غزلي متحد السنخ والجوهر، هذا من جهة، ولأن الشاعر يعتمد هذا التوحيد طلبا للتجويد الفني وطلبا للتقية، هذا من جهة أخرى، لكل هذا، فإن التحرير الذي يجريه الشاعر في النموذج التقليدي أو يدخله

стр. 1221

هذا المجرى أنه هدد ابن أبي ربيعة ولفَّه أن يذكروا اسم فاطمة بنت عبد الملك لما حجت، ولاشتهار الحجاج بالغيرة، وقد ذكرت له في ذلك أخبار، مدحه جرير بقوله: أَم من يَغَارُ على النِّساءِ حفِيظةً ... إذْ لا يثِقْن بغَيْرةِ الأزواج وعسى أن يكون في ذكر المسك المتضوع أشعار بنوع من التبرج، من قبيل الضرب بالأرجل ليعلم ما خفي من الزينة. ومما كأنه قد ساء الحجاج في تائية النميري، قوله: ولما رَأَتْ رَكْب النُّمَيرِيِّ أَعرضت ... وكُنَّ مَن أنْ يلْقيْنَهُ خَفِرات وليس في هذا كبير شيء، إلا يسير من خبث. وغير بعيد أن يكون الحجاج قد أنف من هذا الخبث الطفيف أن يرويه أهل العراق، وقد رووه، فيكون ذلك كأنه هجاء له ونقص من قدره. هذا، ومن ذلك أيضا ما رووه من تحرش أهل المدينة بالفرزدق إذ قال: هما دلَّتاني من ثمانين قامةً ... كما انْقَضَّ بازٍ أَقْتَمُ الرِّيش كاسره وقد أشرنا إلى هذا آنفا. وقد زعموا في خبر ما كان من ذلك أن مروان بن الحكم، اضطغن على الفرزدق قولة قالها له، لما قدم هذا فارا من زياد، فمدح سعيد بن العاص وكان واليا للمدينة، وكانت بينه وبين مروان منافسة وشحناء فقال: قيامًا ينْظُرون إلى سعيد ... كأَنَّهم يَروْنَ به هلالا فقال مروان للفرزدق "قيودا" كأنه يُنَبِّهُهُ إلى أن في قوله "قياما" افتئاتا عليه هو. وعلى غيره ممن كان في المجلس من سادة قريش فقال الفرزدق على طريقته في سرعة البادرة والجراءة "إنك يا أبا عبد الملك من بينهم لصافن" ومثل هذا يضطغن.

стр. 1222

فلما عزل سعيد وصار مروان واليًا مكانه تقصد الفرزدق بالذي تقصده به من تهمة الزنا، وكتب إلى معاوية يشكوه، أملًا أن يستدعيه معاوية فيقيم عليه الحد وكان الفرزدق قد هجا معاوية. وكان صنيع زياد به من قبيل استرضاء معاوية. فرغب مروان بفعله هذا إلى نحو من صنيع زياد. ولم يكن معاوية من يؤخذ على غرة فتغيب عنه حقيقة ما كان يرمي إليه مروان. فما كان منه لما بلغته الشكوى إلا أن رد الأمر إلى مروان وأمره هو أن يكون المتولي لإقامة الحد. فسقط في يد مروان. ثم التمس لما كاد يوبق نفسه فيه مخرجا، بإبعاد الفرزدق، وإعطائه صحيفة كصحيفة المتلمس. وإخباره بما فيها كيما يحتاط لنفسه وينجو. وقد فعل. والقصة كما ترى، مع الذي فيها من طرائف العلاقات الاجتماعية والسياسية بين معاوية وولاته وأكابر الشعراء في دهرهم، فيها أيضا شيء كثير مما يجري مجرى النقد والتعليق على الشعر نفسه. والتهاون في إقامة الحد مما يقوي هذا المعنى. هذا، ومما يجري مجرى الإيماءة والرمية في النقد ما يذكر عن سكينة بنت الحسين أنها عابت على جرير قوله: طرَقتَك صائدةُ القلوب وليس ذا ... وَقْتَ الزيارة فارجعي بسلام وظاهر نقدها أنها تعيب المعنى العام إذ ليس الطارق الحبيب مما يرد، وتُحَدَّد له مواعيد الزيارة التي لا يعدوها - وباطنه أنها فطنت لإيماءة خفية إلى تجربة ذاتية من جرير، ففضحتها بهذا العتب الذي عتبته، والله أعلم. ومما يؤيد هذا الحدس أنه لا معنى لطرد الخيال ههنا إن لم يكن الشاعر يرمز به إلى أمر من قبيل الطرد قد وقع، وفي نفسه عقابيل من حسرته. وشبيه بهذا من حيث الإيماء في باب النقد، ما عيب به كثير حيث قال: أُرِيدُ لأَنْسى ذِكْرها فكأَنَّما ... تُمثَّلُ لي لَيْلَى بِكُلِّ سبيل

стр. 1223

فأخذوا عليه إرادته أن ينسى ذكرها - وليس هذا من قريّ ما سبق، وإنما شاهدنا فيه الإيماءة النقدية ليس إلا. ونحن قد نَحْرَجُ ههنا من أن نفصل حيث أجملوا أو أومأوا أو أضربوا عن ذكر شيء غير مجرد الاستحسان والاختيار، ولكن يجيز لنا ما نحاوله من الكشف، قصد الدرس، وطلب التفهم لمعاني شعرهم، إذ بعيدة شقة ما بيننا وبينهم من الزمان وحجبه الكثيفة. ومع التفهم والدرس يكون التذوق. ثم عسى أن يعيننا ذلك على تصحيح كثير مما نحن فيه من قيم، فهذا هذا. والإيحاء والإيماء في باب الغزل ونعته، كله فيما نرى، يدور حول معاني الاشتهاء والحرمان والنزاع، أو قل حول لوعة الجنس، واستماحة الود والرحمة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ - فهذا نهي عن فضل الشهوة. وقال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فهذا أمر بالصبر على مضض الحرمان: وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ فهذا بيان لأسمى ما يكون من علاقات الحب بعد علاقات الزواج وقال أبو تمام ونظر إلى هذا المعنى من قوله جل وعزَّ: وقالوا نِكاحُ الْحُبِّ يُفْسِدُ شَكْلَهُ ... وكم نكحوا حُبًّا وليس بفاسد على أن أول الحب مما تخمد جذوته بعد أن يتلئب الوصال. وتبقى الرحمة والمودة، وهما أقيم منه، وتغلبانه عندما تطيش نوازع النفس. والشعراء الصادقون مما يسجلون هذه النوازع الطائشة. والعرف يعين الرحمة والمودة. وقد يقع عند النفوس الثوّارة أن تخرج عليه، فتنكر في الخروج عليه فضل الرحمة والمودة وقد ذهب برتراند رسل إلى هذا المعنى في جانب ما كتبه عن الأخلاق والزواج، واستشهد بشعر من شلي، وقد ندّ عني موضع ذلك فلينظر ولم يخل رسل من شطط على ما

стр. 1224

أحسن فيه من عرض الحجة وبسطها، وعلى ما أصابه من جوانب الحكمة. وقال أبو تمام: نَقِّلْ فُؤادَك حَيْثُ شِئْتَ من الهوى ... ما الْحُبُّ إلَّا للحبيبِ الأوَّل كم مَنْزِلٍ في الأرْضِ يَألَفُه الْفَتَى ... وحَنينُه أَبدًا لأوَّلِ مَنْزِل وقد صدق أبو تمام إن يكن قصد إلى معنى المودة والرحمة. أما إن قصد محض الحب، ففي قوله نظر، وكذلك في المثل الذي ضربه من ادعاء الحنين للمنزل الأول وحده. وهنا مكان حجة رسل. هذا، وأكاد أزعم أن الذي يلهج به بعض المعاصرين من نسبة قدماء الشعراء العرب إلى أنهم ماديون في مذهب الغزل، باطل بحت. وأحسب أن هؤلاء أتوا من حيث وجدوا أوصافا للشحم واللحم مما يستحب مثله عند اللذة. وليس لعمري غزل القدماء كله في أوصاف الشحم واللحم، ولا كل الأجساد التي وصفوا تجري على هذا، ولا التي وصفوها بهذا كلها تجري على معنى إرادة اللذة. ثم إن القرآن لم يكن ليخاطب العرب، فيمتن الله عليهم فيما امتن عليهم به من آلائه، بنعم المودة والرحمة في الزواج، لو لم يكن يعلمهم مدركين لهذا المعنى. وإنما كان يخاطبهم بما يعلمون ويدركون. وليست الرحمة والمودة لعمري مما يوسم بأنه ماديّ ولقد عبروا عنها في الشعر كأصدق ما يكون التعبير. ثم ما سميناه "لوعة الجنس" ليس كله ضربة لازب بمادي، لا ولا بعضه، إلا من حيث هو ناشيء عن غريزة متأصلة في سر الحيوان. ذلك بأن المادية انما تعلق بالغزل حين تصير اللذة الجنسية هي غرضه. أما المناغاة الملتاعة التي تكون من الحرمان، فهي تسام فوق طلب اللذة، وإن يك نيل اللذة مما يظن أنه يطفئها. والعرب في باب الجنس أعمد إلى هذه المناغاة، منهم إلى ذكر اللذة نفسها، أو ذكر طلبها، وإن كانوا لا يدعون لذلك ذكرا في موضعه وعند اقتضاء الحال له.

стр. 1225

ولقد شهدنا في عصرنا هذا وفي العصر الذي سبقه كتابا يفردون التصانيف المنتقاة للحديث عن اللوعة الجنسية. وقد ثارت على بعضهم الثوائر فيما صنعوه، كالقضية التي رفعت ضد الكاتب الفرنسي فلوبير باسم الفضيلة في قصته مدام بوفاري، وكالقدح الذي قدح به لورنس في قصته عن ليدي شتلري وعاشقها. ثم انتصف لهؤلاء ما أحسه الناس في تصنيفهم من التماس الصدق، وبعدهم كل البعد عن إرادة الاستهتار بمعنى الإباحة. ولا يكون الصدق عن هذا الدافع البشري العميق الذي التوى بالناس إساءتهم إلى مدلول الغيرة وعدوانهم على كنه فضيلة العفاف، حتى أداهم إلى تشويهه، مما يؤبن بأنه مادي. واللوعة الجنسية مما تختلط فيها معاني الرحمة والمودة وغير ذلك من قريان الهيام الروحي أيما اختلاط، حتى يوشك أن يعسر التمييز والتعيين. ولأمر ما تخيّر الصوفية الرمز الغزلي فوق كل رمز، وارتفعوا به فوق كل مدلول للمعنى الجنسي إلى فيض الأثيرية المحض. والصدق الصوفي على هذا إنما يجزيء في باب الأغراض الصوفية وحدها. ويبقى بعد الصدق الجنسي ليجزىء فيما هو من خالص عمق البشرية من الأغراض، ولقد كان العرب، أهل البداوة منهم خاصة، من أصدق أمة تعبيرا في هذا الصدد، على ما بنوا عليه من خشونة الغيرة والحفاظ وشدة العفاف، بل قل من أجل ذلك. ولقد تجد في أخبار ما كان يُسْتَفْتَى عنه رسول الله ﷺ فيجيب في هذا المضمار شواهد كثيرة بالغة. من ذلك أخبار الأنصاريات إذ سألن عن بعض ما هو من أسرار النساء. ومن ذلك خير العزل وسياق الخبر في رواياته. وأشياء كثيرة في هذا المعنى، هي الآن من جوهر ما يتقصده العلماء ويفردون له الدراسات ولا يستحيون، على ما يتكلفونه لذلك من لاتينية الاصطلاحات، وعنت التراكيب. هذا وقد كان الشاعر العربي، متى أراد إلى الإفصاح عن لوعة الجنس ويلابس ذلك معنى المودة والرحمة غالبين عليه أو مغلوبين، مما يلمح، طورا في وقار واستحياء، وطورا في تردد وحرج، وطورا في شوق ونشوة، وطورا في فكاهة أو

стр. 1226

جسارة أو تخابث أو موارد من القول هي شوب من كل ذلك أو متفرعات عنه. وقد يخلو أداؤه أحيانا من هذا جميعه فيكون إراغة إلى محض الحنين، ومعاني اللوعة متضمنة في ذلك. وإنما يظهر هذا الوجه العسر العزيز حين يذيب الشاعر حاقّ ذاتيته إذابة فيما يعتمده من نموذج. ويوشك أن يقارب هذا المذهب مذاهب المتصوفة. قال معاوية معود الحكماء: أَجَدَّ الْقَلْبُ من سلمى اجتنابا ... وأَقْصَر بَعْد ما شابَتْ وشابا وشابَ لِداتهُ وعَدَلْنَ عَنْهُ ... كما أَنْضيْتَ من لُبْسٍ ثيابا فإن تَكُ نَبْلُها طاشتْ وَنَبْلي ... فقد نَرْمي بها حِقَبًا ضِيابا فتَصطادُ الرِّجالَ إذا رَمتْهُمْ ... وأَصطادُ الْمُخَبَّأَةَ الكعَابا فإن تكُ لا تَصِيدُ الْيَوْمَ شَيْئًا ... وآب قَنِيصُها سَلمًا وخابا فإِنَّ لها منازِل خاوِياتٍ ... على نَمَلى وَقَفْتُ بها الرِّكابا من الأجزاع، أَسفَل من نُميلٍ ... كما رجعت بالقلمِ الكتابا كتاب مُجَبِّرٍ هاجٍ بصيرٍ ... يُنَمِّقُه وحاذر أَن يُعابا وَقَفتُ بها الْقَلُوص فلم تُجِبْني ... ولو أَمْسى بها حَيٌّ أَجابا وقال بشر بن أبي خازم، وقارب هذا المعنى ولم يصبه: أَحقُّ ما رأَيتُ أَم احتلام ... أَم الأهْوالُ إِذْ صَحْبِي نِيام أَلا ظَعَنت لنِيَّتها إِدامُ ... وكُلُّ وصالِ غَانِيَةٍ رِمامُ جدَّدت بحبِّها وهَزَلْتَ حتَّى ... كبِرتَ وقيل إِنَّك مستهام وقد تَغنى بنا حينًا ونَغْنى ... بها، والدَّهر ليس له دوام وإنما سقنا كلام بشر هذا الندل على أن الذي ذهبه معود الحكماء نموذج وليس نسيج وحده. وقد دلنا ابن سلام الجمحي على ضياع أكثر الشعر القديم، فما وجدناه منه كالمفرد، فلا يحسنن بنا أن ندعي له حاقَّ الأصالة الشكلية، وإن وجدنا له شبيها

стр. 1227

ولو على مباعدة فذلك نص في أن لا ندعي له ذلك. هذا، وقد يخلو كلام الشاعر من جميع ما قدمناه، فلا يبقى له إلا ظاهر النموذج الشكلي السنخ، وحينئذ نتلمس، فإن أصبنا للكلام ماء، وحرارة من فصاحة، حكمنا للشاعر أنه أذاب طرفا من تجربته فيما احتذاه ولم يبلغ به حظه من الملكة أكثر من ذلك، أو كان غرضه، مما يستلزم نحو هذا الصنيع. مثال هذا قول بشر بن أبي خازم في الكلمة التي قدمنا منها وهو بعد الأبيات التي مرت من مفضليته: لياليَ تَستَبيكَ بذي غُروب ... يُسَنُّ على مَرَاغِمه القسام تَعرُّضَ جَأْيةِ المدْري خَذُول ... بصاحةَ في أَسِرَّتها السِّلام وصاحبُها غَضيضُ الطَّرْفِ أَحْوَى ... يَضُوع فؤادَها منْهُ بُغامُ ونحو هذا عند الجاهليين كثير. وقلما ينحطون فيه إلى حضيض الكلام المغسول. وقد قدمنا لك أن مع البداوة الصدق. ثم أضف إلى ذلك قوة الثقة من تلك اللغة، وهذا لاحق بما ذكرناه من معنى التجويد والإتقان لمحض الفن. ومما يجري مجرى الحنين ولا يبلغ ما بلغه معاوية معود الحكماء من التحليق والتجرد قول المرقش الأكبر (١). سرى لَيْلًا خيالٌ من سُلَيْمَى ... فَأَرَّقني وأَصحابي هُجود فبتُّ أُدير أَمري كُلَّ حَالٍ ... وأَرْقُب أَهْلَها وَهُم بَعيدُ وهذا من زعم مراقبة الأهل وهم بعيد شاهد في الذي نحن بصدده: على أَن قد سَما طَرْفي لنارٍ ... يُشَبُّ لها بذَي الأرطَي وَقُود حوالَيها مهًا جُمُّ التَّراقِي ... وآرامٌ وغزلان رُقُود

стр. 1228

وفي قوله رقود أشعار جنس لا يخفى تنزاعه ولوعته. نَواعمُ لا تُعالجُ بُؤس عَيْشٍ ... أَوانسُ لا تُراحُ ولا ترود يَرُحْنَ مَعًا بطاءَ المَشْي بُدًّا ... عليهنَّ المجاسد والْبُرود وفي قوله "بدا" تخابث، حور به النموذج التقليدي شيئا ما، إلى تصوير ما نقلته إليه نظرته بعقلهِ وظنه أو بعين رأسه. وسترى من تصديق ذلك في هذا المعنى من بعد إن شاء الله. سكنَّ ببلدةٍ وسكنت أُخرى ... وقُطِّعت الْمَواثقُ والْعُهود فما بالي أَفي ويُخَان عهْدي ... وما نبالي أُصاد ولا أَصيدُ والعجز فيه معنى احتجاج بالغ على ما هو ملازم له من سنة العفاف أو الحياء، وفيه أيضا تلميح إلى تجربة عاطفية. ورُبَّ أَسِيلةِ الخَدَّيْنَ بِكْرٍ ... مُنَعَّمَةٍ لها فَرْعٌ وجِيدُ وذُو أُشُرٍ شَتِيت النَّبْتِ عَذْبٌ ... نَقِيُّ اللَّوْنِ بَرَّاقٌ بَرُودُ لَهوْتُ بها زَمانًا مِن شَبابي ... وزارَتْها النَّجائِبُ والْقَصِيدُ وهذا على ما ترى من نموذجيته وشكليته فيه إيحاء علامة ونظر إلى الحبيب الأول، لو قبلنا على سياقه أن في هذه الكلمة حبيبين لا واحدا، وما أحرى أن لم يكن إلا واحدا. أُناسٌ كلَّما أَخْلَقْتُ وَصْلًا ... عَنانِي منهُمُ وَصْلٌ جَدِيدُ وهذا يحقق ما نزعمه، على أي المحملين حملته، أهو حبيب واحد من يتحدث عنه، أم حبيب آخر عن له بعد الأول، ووفاؤه للأول يصده والأول غير واف. ومما هو نموذجي محض، ولكنه ذو رونق من الفصاحة والترنم والتأمل المستفاد

стр. 1229

من التجارب قول سويد بن أبي كاهل: بَسَطَتْ رَابِعَةُ الْحَبْل لنا ... فوَصلْنَا الْحَبلَ مِنها ما اتَّسع حُرَّةٌ تَجلُو شَتِيتًا واضحا ... كشعاع الشَّمسِ في الْغَيْمِ سطع صَقَلَتْهُ بِقَضِيبٍ ناضِرٍ ... مِنْ أَراكٍ طَيِّبٍ حتَّى نَصع أَبيضِ اللَّونِ لَذِيذٍ طَعْمُه ... طَيِّب الرِّيقِ إِذا الرِّيقُ خَدَعْ تَمنحُ الْمِرآةَ وجهًا واضِحًا ... مثْلَ قَرْنِ الشَّمسِ في الصَّحوِ ارتفع ناصِع اللَّوْنِ وطَرْفا ساجيًا ... أَكْحلَ الْعَيْنَيْنِ ما فيه قَمَع وقرونًا سابِغًا أَطْرافُها ... غلَّلتها رِيحَ مِسكٍ ذِي فَنَع هيَّجَ الشَّوق خيالٌ زائرٌ ... مِن حبِيبٍ خَفِرٍ فيه قدع شاحِطٍ جَازَ إِلى أَرْحُلِنا ... عُصب الْغَابِ طُرُوقًا لم يُرَع آنِسٍ كان إِذا ما اعْتادنِي ... حال دونَ النَّوْمِ مِنِّي فامْتنَع وكذَاكَ الْحُب ما أَشْجَعهُ ... يَرْكَبُ الهَوْلَ وَيَعْصِي مَنْ وَزَع فأَبيتُ اللَّيل ما أَرْقُدُه ... وبِعَيْنَيَّ إِذا نَجْمٌ طَلَع وإِذا ما قُلْتُ لَيْلٌ قد مضى ... عَطَف الأَوَّلُ مِنْهُ فَرَجَع يَسْحَبُ اللَّيْلُ نُجُومًا ظُلَّعًا ... فَتَوالِيهَا بَطيئاتُ التَّبَع ويُزَجِّيها على إِبطائِها ... مُغربُ اللَّون إِذا اللَّوْنُ انقشع فَدَعانِي حبُّ سلْمَى بَعْدَما ... ذَهَبَ الْجِدَّةُ مِنِّي والرَّيع خَبلَتْني ثُمَّ لما تُشْفِني ... ففؤادي كُلَّ أَرْب ما اجتمع ودَعَتْني بِرُقَاها إِنَّها ... تُنزِلُ الأَعْصَم من رَأْسِ اليفَع تُسْمِعُ الْحُدَّاث قَوْلًا حَسَنًا ... لو أَرادوا غَيْرَهُ لم يُسْتَمَع ثم أخذ في الخروج. وهذه مقدمة جمعت فأوعت. ذكر اللذة الغابرة، ونعت المحبوب في ثناياه ووجهه وشعره، وذكر الطيف وذكر الحب، وذكر الليل والنجوم.

стр. 1230

وذكر رقي الغرام وأنس الحديث. ومراد الشاعر بعد واضح من أنه مقبل على جد وحفيظة إذ ذهب ريعان الشباب، ولكن فيه بعد بقية سيصرفها إلى ما هي أهله من حماسة، - كما قد فعل علقمة ببقية شبابه حين اهتدى باللاحب والفرقدين وقصد الحرث الوهاب. ورابعة المحبوبة ههنا كأنها مصدر إلهام يستغيث به الشاعر ويذمر به نفسه، إذ هو مقبل في قوله على مفاخرة ومنافرة وتحد تمازجه حسرة وألم وخصومة، كما يذمر أهل الحزب أنفسهم باستصحاب النساء. وقد مضى الشاعر في الخروج شوطًا ثم افتخر بقومه فأطال وهاج به هيج الحماسة. فلما بلغ هذا المبلغ أمسك شيئا والتفت إلى رابعة ليستلهمها ويذمر نفسه مرة أخرى كيما يندفع في شوطين جديدين من خروج وفخر أشد وأحد وأقوى إبانة عما في نفسه. قال: أَرَّق الْعَيْنَ خيالٌ لم يَدَعْ ... من سُلَيْمى ففُؤادي مُنْتَزَع حَلَّ أَهلي حَيْثُ لا أَطْلُبها ... جانِبَ الحِصْن، وحلَّتْ بالفَرَعْ لا أُلاقيها وقَلْبِي عِنْدها ... غَيْرَ إِلمَامٍ إِذَا الطَّرْفُ هجع كالتُّؤاميَّة إِن باشرتها ... قَرَّتِ الْعينُ وطاب المضطجع بكَرت مُزْمِعة نِيَّتَها ... وحدا الحادي بها ثُمَّ انْدفَعْ وكريمٌ عِنْدَها مُكتَبلٌ ... غَلِقٌ إِثر الْقَطِين الْمُتَّبع والنسيب هنا أحر، وليست حرارته تجربة خاصة، فهو نموذجي من قريّ ما سبق، ولكن حرارته مستمدة من حرارة التَّحمُّسِ الذي اسْحَنْقَرَ معه الشاعر. وقد أشرب نموذجه معاني من اللذة والشهوة. لا يريد بذلك إلى لوعة الجنس ولا إلى هذا
следующие страницы →