جسارة أو تخابث أو موارد من القول هي شوب من كل ذلك أو متفرعات عنه. وقد يخلو أداؤه أحيانا من هذا جميعه فيكون إراغة إلى محض الحنين، ومعاني اللوعة متضمنة في ذلك. وإنما يظهر هذا الوجه العسر العزيز حين يذيب الشاعر حاقّ ذاتيته إذابة فيما يعتمده من نموذج. ويوشك أن يقارب هذا المذهب مذاهب المتصوفة. قال معاوية معود الحكماء:
أَجَدَّ الْقَلْبُ من سلمى اجتنابا ... وأَقْصَر بَعْد ما شابَتْ وشابا
وشابَ لِداتهُ وعَدَلْنَ عَنْهُ ... كما أَنْضيْتَ من لُبْسٍ ثيابا
فإن تَكُ نَبْلُها طاشتْ وَنَبْلي ... فقد نَرْمي بها حِقَبًا ضِيابا
فتَصطادُ الرِّجالَ إذا رَمتْهُمْ ... وأَصطادُ الْمُخَبَّأَةَ الكعَابا
فإن تكُ لا تَصِيدُ الْيَوْمَ شَيْئًا ... وآب قَنِيصُها سَلمًا وخابا
فإِنَّ لها منازِل خاوِياتٍ ... على نَمَلى وَقَفْتُ بها الرِّكابا
من الأجزاع، أَسفَل من نُميلٍ ... كما رجعت بالقلمِ الكتابا
كتاب مُجَبِّرٍ هاجٍ بصيرٍ ... يُنَمِّقُه وحاذر أَن يُعابا
وَقَفتُ بها الْقَلُوص فلم تُجِبْني ... ولو أَمْسى بها حَيٌّ أَجابا
وقال بشر بن أبي خازم، وقارب هذا المعنى ولم يصبه:
أَحقُّ ما رأَيتُ أَم احتلام ... أَم الأهْوالُ إِذْ صَحْبِي نِيام
أَلا ظَعَنت لنِيَّتها إِدامُ ... وكُلُّ وصالِ غَانِيَةٍ رِمامُ
جدَّدت بحبِّها وهَزَلْتَ حتَّى ... كبِرتَ وقيل إِنَّك مستهام
وقد تَغنى بنا حينًا ونَغْنى ... بها، والدَّهر ليس له دوام
وإنما سقنا كلام بشر هذا الندل على أن الذي ذهبه معود الحكماء نموذج وليس نسيج وحده. وقد دلنا ابن سلام الجمحي على ضياع أكثر الشعر القديم، فما وجدناه منه كالمفرد، فلا يحسنن بنا أن ندعي له حاقَّ الأصالة الشكلية، وإن وجدنا له شبيها
стр. 1227
ولو على مباعدة فذلك نص في أن لا ندعي له ذلك.
هذا، وقد يخلو كلام الشاعر من جميع ما قدمناه، فلا يبقى له إلا ظاهر النموذج الشكلي السنخ، وحينئذ نتلمس، فإن أصبنا للكلام ماء، وحرارة من فصاحة، حكمنا للشاعر أنه أذاب طرفا من تجربته فيما احتذاه ولم يبلغ به حظه من الملكة أكثر من ذلك، أو كان غرضه، مما يستلزم نحو هذا الصنيع. مثال هذا قول بشر بن أبي خازم في الكلمة التي قدمنا منها وهو بعد الأبيات التي مرت من مفضليته:
لياليَ تَستَبيكَ بذي غُروب ... يُسَنُّ على مَرَاغِمه القسام
تَعرُّضَ جَأْيةِ المدْري خَذُول ... بصاحةَ في أَسِرَّتها السِّلام
وصاحبُها غَضيضُ الطَّرْفِ أَحْوَى ... يَضُوع فؤادَها منْهُ بُغامُ
ونحو هذا عند الجاهليين كثير. وقلما ينحطون فيه إلى حضيض الكلام المغسول.
وقد قدمنا لك أن مع البداوة الصدق. ثم أضف إلى ذلك قوة الثقة من تلك اللغة، وهذا لاحق بما ذكرناه من معنى التجويد والإتقان لمحض الفن.
ومما يجري مجرى الحنين ولا يبلغ ما بلغه معاوية معود الحكماء من التحليق والتجرد قول المرقش الأكبر (١).
سرى لَيْلًا خيالٌ من سُلَيْمَى ... فَأَرَّقني وأَصحابي هُجود
فبتُّ أُدير أَمري كُلَّ حَالٍ ... وأَرْقُب أَهْلَها وَهُم بَعيدُ
وهذا من زعم مراقبة الأهل وهم بعيد شاهد في الذي نحن بصدده:
على أَن قد سَما طَرْفي لنارٍ ... يُشَبُّ لها بذَي الأرطَي وَقُود
حوالَيها مهًا جُمُّ التَّراقِي ... وآرامٌ وغزلان رُقُود
стр. 1228
وفي قوله رقود أشعار جنس لا يخفى تنزاعه ولوعته.
نَواعمُ لا تُعالجُ بُؤس عَيْشٍ ... أَوانسُ لا تُراحُ ولا ترود
يَرُحْنَ مَعًا بطاءَ المَشْي بُدًّا ... عليهنَّ المجاسد والْبُرود
وفي قوله "بدا" تخابث، حور به النموذج التقليدي شيئا ما، إلى تصوير ما نقلته إليه نظرته بعقلهِ وظنه أو بعين رأسه. وسترى من تصديق ذلك في هذا المعنى من بعد إن شاء الله.
سكنَّ ببلدةٍ وسكنت أُخرى ... وقُطِّعت الْمَواثقُ والْعُهود
فما بالي أَفي ويُخَان عهْدي ... وما نبالي أُصاد ولا أَصيدُ
والعجز فيه معنى احتجاج بالغ على ما هو ملازم له من سنة العفاف أو الحياء، وفيه أيضا تلميح إلى تجربة عاطفية.
ورُبَّ أَسِيلةِ الخَدَّيْنَ بِكْرٍ ... مُنَعَّمَةٍ لها فَرْعٌ وجِيدُ
وذُو أُشُرٍ شَتِيت النَّبْتِ عَذْبٌ ... نَقِيُّ اللَّوْنِ بَرَّاقٌ بَرُودُ
لَهوْتُ بها زَمانًا مِن شَبابي ... وزارَتْها النَّجائِبُ والْقَصِيدُ
وهذا على ما ترى من نموذجيته وشكليته فيه إيحاء علامة ونظر إلى الحبيب الأول، لو قبلنا على سياقه أن في هذه الكلمة حبيبين لا واحدا، وما أحرى أن لم يكن إلا واحدا.
أُناسٌ كلَّما أَخْلَقْتُ وَصْلًا ... عَنانِي منهُمُ وَصْلٌ جَدِيدُ
وهذا يحقق ما نزعمه، على أي المحملين حملته، أهو حبيب واحد من يتحدث عنه، أم حبيب آخر عن له بعد الأول، ووفاؤه للأول يصده والأول غير واف.
ومما هو نموذجي محض، ولكنه ذو رونق من الفصاحة والترنم والتأمل المستفاد
стр. 1229
من التجارب قول سويد بن أبي كاهل:
بَسَطَتْ رَابِعَةُ الْحَبْل لنا ... فوَصلْنَا الْحَبلَ مِنها ما اتَّسع
حُرَّةٌ تَجلُو شَتِيتًا واضحا ... كشعاع الشَّمسِ في الْغَيْمِ سطع
صَقَلَتْهُ بِقَضِيبٍ ناضِرٍ ... مِنْ أَراكٍ طَيِّبٍ حتَّى نَصع
أَبيضِ اللَّونِ لَذِيذٍ طَعْمُه ... طَيِّب الرِّيقِ إِذا الرِّيقُ خَدَعْ
تَمنحُ الْمِرآةَ وجهًا واضِحًا ... مثْلَ قَرْنِ الشَّمسِ في الصَّحوِ ارتفع
ناصِع اللَّوْنِ وطَرْفا ساجيًا ... أَكْحلَ الْعَيْنَيْنِ ما فيه قَمَع
وقرونًا سابِغًا أَطْرافُها ... غلَّلتها رِيحَ مِسكٍ ذِي فَنَع
هيَّجَ الشَّوق خيالٌ زائرٌ ... مِن حبِيبٍ خَفِرٍ فيه قدع
شاحِطٍ جَازَ إِلى أَرْحُلِنا ... عُصب الْغَابِ طُرُوقًا لم يُرَع
آنِسٍ كان إِذا ما اعْتادنِي ... حال دونَ النَّوْمِ مِنِّي فامْتنَع
وكذَاكَ الْحُب ما أَشْجَعهُ ... يَرْكَبُ الهَوْلَ وَيَعْصِي مَنْ وَزَع
فأَبيتُ اللَّيل ما أَرْقُدُه ... وبِعَيْنَيَّ إِذا نَجْمٌ طَلَع
وإِذا ما قُلْتُ لَيْلٌ قد مضى ... عَطَف الأَوَّلُ مِنْهُ فَرَجَع
يَسْحَبُ اللَّيْلُ نُجُومًا ظُلَّعًا ... فَتَوالِيهَا بَطيئاتُ التَّبَع
ويُزَجِّيها على إِبطائِها ... مُغربُ اللَّون إِذا اللَّوْنُ انقشع
فَدَعانِي حبُّ سلْمَى بَعْدَما ... ذَهَبَ الْجِدَّةُ مِنِّي والرَّيع
خَبلَتْني ثُمَّ لما تُشْفِني ... ففؤادي كُلَّ أَرْب ما اجتمع
ودَعَتْني بِرُقَاها إِنَّها ... تُنزِلُ الأَعْصَم من رَأْسِ اليفَع
تُسْمِعُ الْحُدَّاث قَوْلًا حَسَنًا ... لو أَرادوا غَيْرَهُ لم يُسْتَمَع
ثم أخذ في الخروج. وهذه مقدمة جمعت فأوعت. ذكر اللذة الغابرة، ونعت المحبوب في ثناياه ووجهه وشعره، وذكر الطيف وذكر الحب، وذكر الليل والنجوم.
стр. 1230
وذكر رقي الغرام وأنس الحديث. ومراد الشاعر بعد واضح من أنه مقبل على جد وحفيظة إذ ذهب ريعان الشباب، ولكن فيه بعد بقية سيصرفها إلى ما هي أهله من حماسة، - كما قد فعل علقمة ببقية شبابه حين اهتدى باللاحب والفرقدين وقصد الحرث الوهاب.
ورابعة المحبوبة ههنا كأنها مصدر إلهام يستغيث به الشاعر ويذمر به نفسه، إذ هو مقبل في قوله على مفاخرة ومنافرة وتحد تمازجه حسرة وألم وخصومة، كما يذمر أهل الحزب أنفسهم باستصحاب النساء.
وقد مضى الشاعر في الخروج شوطًا ثم افتخر بقومه فأطال وهاج به هيج الحماسة. فلما بلغ هذا المبلغ أمسك شيئا والتفت إلى رابعة ليستلهمها ويذمر نفسه مرة أخرى كيما يندفع في شوطين جديدين من خروج وفخر أشد وأحد وأقوى إبانة عما في نفسه.
قال:
أَرَّق الْعَيْنَ خيالٌ لم يَدَعْ ... من سُلَيْمى ففُؤادي مُنْتَزَع
حَلَّ أَهلي حَيْثُ لا أَطْلُبها ... جانِبَ الحِصْن، وحلَّتْ بالفَرَعْ
لا أُلاقيها وقَلْبِي عِنْدها ... غَيْرَ إِلمَامٍ إِذَا الطَّرْفُ هجع
كالتُّؤاميَّة إِن باشرتها ... قَرَّتِ الْعينُ وطاب المضطجع
بكَرت مُزْمِعة نِيَّتَها ... وحدا الحادي بها ثُمَّ انْدفَعْ
وكريمٌ عِنْدَها مُكتَبلٌ ... غَلِقٌ إِثر الْقَطِين الْمُتَّبع
والنسيب هنا أحر، وليست حرارته تجربة خاصة، فهو نموذجي من قريّ ما سبق، ولكن حرارته مستمدة من حرارة التَّحمُّسِ الذي اسْحَنْقَرَ معه الشاعر. وقد أشرب نموذجه معاني من اللذة والشهوة. لا يريد بذلك إلى لوعة الجنس ولا إلى هذا
стр. 1231
الذي يسمونه مادية الغزل، ولكن ليحمش نفسه بروح الغيرة والفحولة كما يفعل أهل الحروب - أو كما قالت هند في أحد:
إِن تُقْبِلوا نُعانِقْ ... ونَفْرش النَّمارق
أَو تُدبروا نُفارقْ ... فراق غَيْر وامقْ
وقد حمي وحمش، فاختصر الخروج كما اختصر الغزل، ثم اختصر الفخر بقومه ثم أقبل على التحدي، والخصومة والمصارحة بما عند نفسه ثم افتخر وقص قصة نضاله وانتصاره الذي كان أو الذي توهمه قد كان أو سيكون، ثم صاح صيحة الظفر على جثة ثأر:
هلْ سُويْد غَيْرُ لَيْثٍ خادِرٍ ... ثَئِدَتْ أَرْضٌ عَليْهِ فَانْتَجع
ولكنها هنا صيحة تمازجها مرارة، إذ سويد الغالب، سويد الصخرة التي تعضب قرن الناطح، سويد ذو اللدد والهجاء القامع، سويد الذي أجبر شيطانه شيطان عدوه على الفرار، سويد الغالب هذا كله، هو الذي اضطر إلى الهجرة لا عدوه المغلوب. ولعل هذا يكشف لك سر الكناية المستكنة في مقدمته الطويلة، ورابعته التي بسطت الجبل، ومنته بعد أن دعته برقاها وتيمته، ثم بانت بعد ذلك كل بين.
ولقد وهم ليال في تعليقه على المفضليات (١) فقال ما معناه إن قصيدة سويد هذه إنما هي قصيدتان بلا ريب، بحرهما واحد وقافيتها واحدة، ومبدأ الثانية من البيت الخامس والأربعين. وهذا وهم في الذي ذكرناه ما يدفعه. وإنما أُتِي ليال من جهة التصريع، واستئناف النسيب بعد ما كان من خروج وأغراض. والنسيب والخروج والأغراض كل ذلك مما يختلط - إذ الجوهر عند الشاعر هو كل القصيدة، ومبدؤها
стр. 1232
المطلع ونهايتها المقطع، وما بين ذلك من أقسام يتصرف فيه نفس القريض ووثباته. فيداخل ويحاجز، ويقدم ويؤخر، ويحذف ويثبت وقد يكرر ويعيد وقد يستغني بنسيب عن خروج وبخروج عن نسيب وبغرض عن خروج، وقد يدمج أشياء من ذلك بعضها في بعض أيما إدماج، وهلم جرا. وسترى من هذا المعنى أمثلة إن شاء الله، وقد سبق لنا أن أشرنا إليه ومثلنا بعض التمثيل.
هذا، ومما هو نموذجي مخض، رونقه من الفصاحة، وحرارته من مستسر الكناية والحنين التقليدي: قول ربيعة بن مقروم الضبي:
أَمِنْ آلِ هنْدٍ عرفْتَ الرُّسوما ... بجُمْرانَ قَفْرًا أَبتْ أَن تريما
تَخَالُ معَارفَها بعدما ... أَتَتْ سنَتَان عليْها الْوُشُوما
وَقَفْتُ أُسائلُهَا نَاقَتي ... وما أَنا أَم ما سُؤالِي الرُّسوما
وذَكَّرني الْعهْد أَيَّامها ... فَهَاجَ التَّذكر قَلْبًا سَقِيما
ففاضتْ دموعي فَنَهنْهتها ... على لحيتي وردائي سُجُوما
وهذا مما يرفعه التجويد والأحكام عن أن يكون مغسولا.
هذا، ومن النسيب ما يختصر اختصارًا وكأنه استعجال إلى الخروج أو إلى الغرض والنموذج في مثل هذا قلنا يحمل إيحاء بتجربة غزلية ذاتية - وإنما يحمل الكناية القريبة المأتي عما سيلي. وربما داخله تفسيرها.
قال تأبط شرا:
يا عِيدُ ما لَكَ مِنْ شَوْقٍ وإيراق ... ومِرّ طَيْفٍ على الأهْوالِ طَرَّاق
يَسْرِي على الأيْنِ والْحَيّاتِ مُخْتَفِيا ... لله دَرُّكَ من سارٍ على ساق
وإنما الساري على الأين والحيات تأبط شرا نفسه، والساق ساقه التي يعدو بها لا ساق خدلة من فتاةٍ رداح أو من طيفها الزائر. ومن أجل هذا جاز لتأبط شرا أن
стр. 1233
ومثال الثاني قول النابغة:
بانَت سُعادُ وَأَمْسى حَبْلُها انْجَذَ ما ... واحتَلَّت الشَّرعَ فالأَجزاع من إِضما
إِحدى بَلِيٍّ وما هام الفؤاد بها ... إِلا السَّفاه وإِلا ضلَّةً حُلُما
لَيستْ مِنَ السُّودِ أَعقابًا إِذا انصَرَفَتْ ... وَلا تَبيعُ بِجَنْبَيْ نَخْلَة البُرما
غَرَّاءُ أَكْمَلُ من يَمشي على قَدمٍ ... حُسْنًا َأَمْلَحُ من حاورْتهُ الكَلِما
قَالتْ أَراكَ أَخا رَحْلٍ وَراحِلَةٍ ... تَغْشَى مَتالِف لن يُنْظِرنك الْهرما
حيَّاكِ ربِّي فَإِنَّا لا يحِلُّ لنا ... لَهْوُ النِّساءِ وإِنَّ الدِّين قد عزما
مُشمرين على خوصٍ مُزممةٍ ... نَرجُو الإِلَهَ وَنَرجُو البِرَّ وَالطُعما
هَلّا سَأَلتِ بَني ذُبيانَ ما حَسَبي ... إِذا الدُّخانُ تَغَشَّى الأَشْمَط البَرَما
وَهَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ تِلقاءِ ذي أُرُلٍ ... تُزْجِي مع الَّليلِ من صُرَّادها صِرما
صُهبَ الظِّلالِ أَتَيْنَ التِّينَ عَن عُرُضٍ ... يُزْجِينَ غَيمًا قَلِيلًا ماؤُه شَبمَا
يُنْبِئْكِ ذو عِرْضِهِم عَنِّي وَعالَمُهُم ... وَلَيسَ جاهِلُ شَيْءٍ مِثْل من علما
أَنِّي أُتَمِّمُ أَيساري وَأَمنِحهُم ... مثْنى الأيادي وأكْسُو الجَفْنَةَ الأُدُما
وأقْطَعُ الخرقَ بِالخَرْقاءِ قَد جَعَلَتْ ... بعْدَ الْكَلالِ تشكّى الأَينَ وَالسَأما
كادَت تُساقِطُني رَحْلي ومِيثرتي ... بذي المجازِ ولم تَسْمع به نَعَما
مِن قَولِ حِرمِيَّةٍ قالَت وَقَد ظَعَنُوا ... هَل في مُخِفِّيكم مَن يشتري أَدما
قُلْت لَها وَهيَ تَسعى تَحتَ لَبَّتِها ... لا تَحطِمَنَّكِ إِنَّ البَيْعَ قَد زَرِما
أي انتهى وانقطع
فكلام زهير مخالطة تجربته للنموذج حتى لا تكاد تبين. ولولا ما يصدمك من لفح الحرارة والشوق الزائد على مجرد الحنين العرفي وأرب الكناية لأوشك أن يغيب عنك مكانها من كلامه كل مغيب.
وزهير ههنا يذكر انفراقًا من الخليط. وعلوقا من قلبه بإحداهن فيه، وحالا
стр. 1234
خاصة في الوداع ألهبت لوعته وذهبت بفؤاده، وخلقا من موعد كان قبل ذلك وصرما وبينا، وترائيا وجلوة ما وشوقا هيجه هذا الترائي، ثم ينعت من محاسن هذه الغانية، جيد الغزالة ذات الرشأ المتناعس وهي تراعي سربها وتلتفت عنه لتنظر إلى ولدها، والثغر الريان الذي لا يغيره الكرى وكأنه راح شجت بماء صاف من بئر لينة، ثم إنه بعد هذا الوصف يرمي إليها بطرفه وهي ظاعنة ويتبعها والركاب تهوي بها، ثم يلاحقها بخياله وقد اتلأب بها السير من مرحلة إلى مرحلة. وهو كأنه يرى بعينه هذه المراحل حين تحل وحين تستقل. ثم ما هو إلا أن يغلب على أمر نفسه فيبكي بدموع غزار، ويأخذ في تشبيه هذه الدموع بماء السانية، وينتقل من هذا التشبية إلى وصف السانية، وهذا كما ترى من باب امتزاج النسيب بالخروج وسنذكره في موضعه إن شاء الله، والذي حوّره زهير، وهو يجوّد نموذجه، ليوحي إليك بتجربة خاصة قوله:
قامت تراءي بذي ضالٍ لتحزنُني ... ولا محالةَ أن يشتاق من عَشِقا
فأنت بمجرد سماعه تتساءل، فلماذا تحزنه حين تتراءَى. والجواب عن ذلك كما مر بك في معرض حديثنا عن هذا البيت آنفا في باب طريقة القصيدة ووحدتها أنها لم تحزنه، ولكن أعجبته، ومنالها عزيز، وقلبه قد تعلق بها، فهذا هو الذي يحزنه. وكأنها إذ أرته من نفسها ما أرته، من إنصلات جيد، وبريق ثغر، ورقة نظر، وخلجات ود، كل ذلك ما فعلته إلا لتحزنه. وهذه كما ترى إلمامة رقيقة لطيفة بمعنى التجربة الفردية، تلقي عليك ظلا كثيفا من حب الاستطلاع ورغبة الكشف، وتشعرك لفحا ما من حرارة الإدراك لبعض ما كان. وزهير لا يعطيك أكثر من ذلك ولك إن شئت من بعد أن ترجع إلى شعره في أم أوفى، فتحدس في نفسك، أهو يريد أم أوفى بعد أن صارمته وتبعها قلبه أم هو يريد غيرها أم هو نظرة ولقاءة وصورة مما لا يئل من مثله. ذو إحساس مرهف ذو ذوق دقيق مع نبل في النفس وعفاف؟ ومهما يكن من شيء فإن الذي يصفه زهير ليس بشكل نموذجي بحت قصارى ما يرتفع به عن أن يكون مغسولا كونه مُجَوَّدًا ناصع الفصاحة - فليتأمل هذا.
стр. 1235
وإذ زكنت هذا من مذهب زهير، فإنك واجد له في نسيبه نظائر، بعضها يخفى حتى لا تكاد تحس منه إلا موسيقا أثيرية ساخنة الأنفاس بعيدة الأصداء، وبعضها يداني الوضوح شيئا ما. فمن أمثلة الأول قوله:
لمِنْ طَلَلٌ برامة لا يريم ... عفا وخلاله حقُبٌ قديم
تحمَّل أهْلُه منْهُ فبانوا ... وفي عرصاته منْهم رسوم
يلُحْن كأَنَّهن يدا فَتاةٍ ... تُرجَّعُ في مَعاصمها الوُشُوم
وإنما يذكر يد الفتاة ذات الوشم حين تعالج القدر، ولعلها أم أوفى ولو قد كان يريد تشبيه الرسوم بالوشوم وحدها وهو المذهب النموذجي لكان قد استغنى عن ذكر اليدين أو كان جعله لاحقا بالوشوم لا مقدما عليها وهي تابعة له لاحقة به، وأنت تذكر قول طرفه في هذا الباب "تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد".
عفَا من آل لَيلَى بَطْنُ سَاقٍ ... فأَكْثِبَةُ العجائز فالقصيمُ
فهذا نص في أنه آنفا إنما كان يذكر الفتاة وعهد تجربة من النظر ولا يَبْغي مجرد نموذجيّ التشبيه.
تُطَالِعُنا خَيالاتٌ لسلْمَى ... كما يتطَلَّعُ الدَّيْنَ الغريمُ
وهي الدين وهو الغريم.
لَعمرُ أبيك ما هرمُ بْنُ سلْمى ... بملْحيٍّ إذا اللُّؤماءُ ليموا
وهذا الاقتضاب بينه وبين ما تقدم وثبة طويلة، والرابط الترنم باسم سلمى، كما يقع في باب تداعي المعاني وقد جمجم الشاعر ما في نفسه ليصل إلى العزاء عند صديقه الممدوح.
стр. 1236
ومن أمثلة الأول أيضا قوله:
قِف بِالدِّيارِ الَّتي لَم يَعْفُها القِدم ... بلى وغيَّرَها الأَرواح والدِّيم
لا الدارُ غيَّرها بعدي الأنيسُ ولا ... بالدار لَو كَلَّمت ذا حاجةٍ صَمم
دارٌ لأسماءَ بِالغَمْرَيْنِ ماثلةٌ ... كالْوحي ليس بها مِن أهلها إرَمُ
وقد أراها حديثًا غَير مُقَوِيَةٍ ... السِّرُّ منها فؤادي الجفْر فالهدَمُ
فَلا لُكانُ إِلى وادي الغمار ولا ... شرقي سلْمى ولا فيْد ولا رِمَمُ
شطَّت بهم قَرقَرى بِركٌ بأيمُنهم ... والعالياتُ وعن أيسارهم خيمُ
عَوْمَ السَّفين فلمَّا حال دُونَهُمُ ... فنْدُ القُرَيّاتِ فالعتكان فالكرمُ
كأن عيني وقد سال السَّليلُ بهمْ ... وَعَبرَةٌ ما همو لو أنَّهُم أممُ
غربٌ على بكْرة أو لُؤلُؤٌ قَلقٌ ... في السلك خان به ربَّاته النُّظُمُ
وهذا تجربته سحيقة الخفاء، وإنما هي بقايا تجربة صار بها التذكر والشجن إلى ضرب من الهيام التائه. والشاعر يستهل لك بذكر الريع ووقفة الوفاء عنده ويذكر أنه ظاهر مستبين ثم يضرب عن ذلك وينفيه يذكر أنه قد حال وتغير، ثم يكاد يضرب عن ذلك ما يذكره من أن في الدار بيانا وإفصاحا لو أرادت - وألفتك إلى قوله "لا الدار غيرها بعدي الأنيس" - وفي كل هذا من الكناية عن أم أوفى ما لا يخفى - إذ قد بانت عنه ولم تصر عند آخر، ولو شاءت لرجعت إذ هو على رجوعها حريص. وهذه الوقفة منه وهذا الإلحاح في طلب الإبانة شبيه بما قال في المعلقة:
أمنْ أُمِّ أوفى دمنَةٌ لم تَكَلَّم ... بحومانةِ الدُّراج فَالمُتَثَلَّمِ
ثم أخذ يترنم بذكر المواضع - ثم صار إلى البكاء وهذا من أشد خروج ملاءمةً لنسيبه. وقوله: "وعبرة ما همو لو أنهم أمم" مما ينبغي أن يتأمل، لأنه كاد يصير به إلى قريّ من الإفصاح.
стр. 1237
خاصة في الوداع ألهبت لوعته وذهبت بفؤاده، وخلفًا من موعد كان قبل ذلك وصرمًا وبينًا، وترائيًا وجلوة ما وشوقًا هيجه هذا الترائي، ثم ينعت من محاسن هذه الغانية، جيد الغزالة ذات الرشأ المتناعس وهي تراعي سربها وتلتفت عنه لتنظر إلى ولدها، والثغر الريان الذي لا يغيره الكرى وكأنه راح شجت بماء صاف من بئر لينة، ثم إنه بعد هذا الوصف يرمي إليها بطرفه وهي ظاعنة ويتبعها والركاب تهوى بها، ثم يلاحقها بخياله وقد اتلأب بها السير من مرحلة إلى مرحلة. وهو كأنه يرى بعينه هذه المراحل حين تحل وحين تستقل. ثم ما هو إلا أن يغلب على أمر نفسه فيبكي بدموع غزار، ويأخذ في تشبيه هذه الدموع بماء السانية، وينتقل من هذا التشبيه إلى وصف السانية، وهذا كما ترى من باب امتزاج النسيب بالخروج وسنذكره في موضعه إن شاء الله. والذي حوّره زهير، وهو يجوّد نموذجه، ليوحي إليك بتجربة خاصة قوله:
قامت تراءى بذي ضالٍ لتحزنني ... ولا محالة أن يشتاق من عشقا
فأنت بمجرد سماعه تتساءل، فلماذا تحزنه حين تتراءى. والجواب عن ذلك كما مر بك في معرض حديثنا عن هذا البيت آنفًا في باب طريقة القصيدة ووحدتها أنها لم تحزنه، ولكن أعجبته، ومنالها عزيز، وقلبه قد تعلق بها، فهذا هو الذي يحزنه. وكأنها إذ أرته من نفسها ما أرته، من انصلات جيد، وبريق ثغر، ورقة نظر، وخلجات ود، كل ذلك ما فعلته إلا لتحزنه. وهذه كما ترى المامة رقيقة لطيفة بمعنى التجربة الفردية، تلقي عليك ظلاً كثيفًا من حب الاستطلاع ورغبة الكشف، وتشعرك لفحا ما حرارة الإدراك لبعض ما كان. وزهير لا يعطيك أكثر من ذلك ولك إن شئت من بعد أن ترجع إلى شعره في أم أولى، فتحدس في نفسك، أهو يريد أم أوفي بعد أن صارمته وتبعها قلبه أم هو يريد غيرها أم هو نظرة ولقاءة وصورة مما لا يئل من مثله ذو إحساس مرهف ذو ذوق دقيق مع نبل في النفس وعفاف؟ ومهما يكن من شيء فإن الذي يصفه زهير ليس بشكل نموذجي بحت قصارى ما يرتفع به عن أن يكون مغسولاً كونه مجودًا ناصع الفصاحة - فليتأمل هذا.
стр. 1238
وإذا زكنت هذا من مذهب زهير، فإنك واجد له في نسيبه نظائر، بعضها يخفى حتى لا تكاد تحس منه إلا موسيقا أثيرية ساخنة الأنفاس بعيدة الأصداء، وبعضها يداني الوضوح شيئًا ما. فمن أمثلة الأول قوله:
لمن طلل برامة لا يريم ... عفا وخلاله حقب قديم
تحمل أهله منه فبانوا ... وفي عرصاته منهم رسوم
يلحن كأنهم يدا فتاةٍ ... ترجع في معاصمها الوشوم
وإنما يذكر يد الفتاة ذات الوشم حين تعالج القدر، ولعلها أم أوفى ولو قد كان يريد تشبيه الرسوم بالوشوم وحدها وهو المذهب النموذجي لكان قد استغنى عن ذكر اليدين أو كان جعله لاحقًا بالوشوم لا مقدمًا عليها وهي تابعة له لاحقة به، وأنت تذكر قول طرفه في هذا الباب «تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد».
عفا منآل ليلى بطن ساقٍ ... فأكثبتة العجائز فالقصيم
فهذا نص في أنه آنفًا إنما كان يذكر الفتاة وعهد تجربة من النظر ولا يبغى مجرد نموذجي التشبيه.
تطالعنا خيالات لسلمى ... كما يتطلع الدين الغريم
وهي الدين وهو الغريم.
لعمر أبيك ما هرم بن سلمى ... بملحي إذا اللؤماء ليموا
وهذا الاقتضاب بينه وبين ما تقدم وثبة طويلة، والرابط الترنم باسم سلمى، كما يقع في باب تداعي المعاني وقد جمجم الشاعر ما في نفسه ليصل إلى العزاء عند صديقه الممدوح.
стр. 1239
ومن أمثلة الأول أيضًا قوله:
قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بل وغيرها الأرواح والديم
لا الدار غيّرها بعدي الأنيس ولا ... بالدار لو كلمت ذا حاجةٍ صمم
دارٌ لأسماء بالغمرين ماثلةٌ ... كالوحي ليس بها من أهلها إرم
وقد أراها حديثًا غير مقويةٍ ... السر منها فؤادي الجفر فالهدم
فلا لكان إلى وادي الغمار ولا ... شرقي سلمى ولا فيد ولا رمم
شطت بهم قرقرى بركٌ بأيمنهم ... والعاليات وعن أيسارهم خيم
عوم السفين فلما حال دونهم ... فند القريات فالعتكان فالكرم
كأن عيني وقد سال السليل بهم ... وعبرةٌ ما همو لو أنهم أمم
غربٌ على بكرة أو لؤلؤٌ قلقٌ ... في السلك خان به رباته النظم
وهذا تجربته سحيقة الخفاء، وإنما هي بقايا تجربة صار بها التذكر والشجن إلى ضرب من الهيام التائه. والشاعر يستهل لك بذكر الربع ووقفة الوفاء عنده ويذكر أنه ظاهر مستبين ثم يضرب عن ذلك وينفيه يذكر أنه قد حال وتغير، ثم يكاد يضرب عن ذلك بما يذكره من أن في الدار بيانًا وإفصاحًا لو أرادت -وألفتك إلى قوله «لا الدار غيرها بعدي الأنيس» -وفي كل هذا من الكناية عن أم أوفى ما لا يخفى- إذ قد بانت عنه ولم تصر عند آخر، ولو شاءت لرجعت إذ هو على رجوعها حريص. وهذه الوقفة منه وهذا الإلحاح في طلب الإبانة شبيه بما قال في المعلقة:
أمن أم أوفى دمنةٌ لم تكلم ... حبومانة الدراج فالمتثلم
ثم أخذ يترنم بذكر المواضع -ثم صار إلى البكاء وهذا من أشد خروج ملاءمةً لنسيبه، وقوله: «وعبرة ما همو لو أنهم أمم» مما ينبغي أن يتأمل، لأنه كاد يصير به إلى قريّ من الإفصاح.
стр. 1240
ومما يداني الوضوح من أمثلة زهير قوله في نسيب الهمزية:
عفا من آل فاطمة الجواء ... فيمن فالقوادم فالحساء
فذروة فالجناب كأن خنس النـ ... ـعاج الطاويات بها الملاء
فذو هاشٍ فميث غريتناتٍ ... عفتها الريح بعدك والسماء
يشمن بروقه وييرش أرى الجنوب على حواجبها العماء
ويعجبني قوله «أري الجنوب» وتخصيصه الحواجب، ولا أستبعد أن يكون أشرب معنى النساء ظباءه هذه اللاتي خلفتهن على الربع. والبيت التالي مشعر بذلك:
فلما أن تحمل آل ليلى ... جرت بيني وبنيهم ظباء
جرت سنحًا فقلت لها أجيزي ... نوى مشمولةٌ فمتى اللقاء
تحمّل أهلها منها فبانوا ... على آثار من ذهب العفاء
وههنا كالوحي برحيل أم أوفي.
كأن أوابد الثيران فيها ... هجائن في مغابنها الطلاء
لقد طالبتها ولكل شيءٍ ... إذا طالت لجاجته انتهاء
وهنا كالتصريح بأمرها كما ترى:
تنازعها المها شبهًا ودر البحور وشاكهت فيها الظباء
وهذا تفسير لما تقدم من ذكر الظباء وأرى الجنوب. وقد تعلم أن النعاج مما يكني به عن المرأة.
فأما ما فويق العقد منها ... فمن أدماء مرتعها الخلاء
وأما المقلتان فمن مهاةٍ ... وللدر الملاحة والصفاء
فصرم حبلها إذ صرمته ... وعادى أن تلاقيها العداء
стр. 1241
وهذا تفسير لقوله «على آثار من ذهب العفاء»، إذ قد مضت هي مغاضبة واستمر مريرها على ذلك. فلم يبق إلا أن تعفو الدار وتنمحي الآثار.
هذا،
أما قول النابغة «بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما» ففيه ما زعمنا من مباعدة ما عن النموذج، تلقى على ظلال التجربة شعاعًا من وضوح.
أولها الإيماء بأن هذا الذي علقه من سعاد وهي إحدى بليٍّ إنما كان سفاهًا وضلة، وخبالاً كخبال الأحلام، ومثله ما يحسن أن ينسى ويجذم حبله. على أن سعاد هذه راقته -والراجح كما سيدل على ذلك بعض مقالته من بعد- أنه رآها في موسم الحج بين البائعات، ولم تكن مثلهن في الشقاء وسواد الأعقاب، ولم تكن كشبيهات البرم، اللاء يبعن البرم. ولكن كانت غراء وقد حاورته فالتذ حوارها وقد رنا إلى قدمها فرآه كأحسن ما يكون من قدم. وقد فاكهته إذ نازعها الحديث، فأما أظهرت له رحمة لما رأته يعانيه من نصب السفر وبعد شقته وهذا هو المعنى القريب، وأما عرضت له بما حولها من متعة بلسان الحال إلا بلسان المقال وهذا هو المعنى البعيد ولا يستبعد. وقد هش لها وطرب، وذكر أنه إنما قدم الحج، حج المشركين، الذي كان مما يعن يه لهو النساء وتبرجهن:
اليوم يبدو جله أو كله ... وما بدا منه فلا نحله
وكان هو ممن يتأله أو قد نذر أوس نه وشرفه وسيادته يجعله بتلك المنزلة فلا يحل له لهو النساء «وأن الدين قد عزما». وهنا حين يلتفت إلى الجد والمكرمات وذكر المآثر، ويكاد يخرج كما يخرج الشعراء، بل يفعل ذلك ويمضي فيه شيئًا فيصف حال القافلة من التشمير، ويصف ما ترجوه من فعل البر في الحج ومن شهود المنافع، ثم يفخر بالكرم ونحر الكوماء زمن الشتاء، حين تهب الريح من بلاد التين يزجين الغيم القليل ذا الماء البارد- ولا يخلو هاذا الالتفات إلى أرض الشام من ذكرى لها وتأمل وود
стр. 1242
لطبيعتها واستشعار لغوامض من تجارب تمت إليها. ثم يذكر النابغة نبل نفسه عند أوقات المطمع، كيف يتمم الأيسار، ويتفضل عليهم بالفرص ولا يتعجل فواتها، ثم هو بعد ذلك سيد ذو أسفار وفّاد إلى الملوك، معمل للناقة المدى الطويل حتى تكل وتشكي وتنصب وتسأم- وهذا الذي تلقاه الناقة قد كان طرفًا مما يلاقيه هو، بل لعله كنى به عن كلال هذه الحياة وما يتصل بها أبدًا من ملال وشكوى وسأم.
ثم التجربة التي لقيها بالحرم مازالت عالقة بنفسه أي علوق. فهو يدع هذا الذي أخذ به من قريّ الخروج الذي لم يؤده إلا إلى السأم ليرجع إليها ويتعزى بتلذذ ذكراها حينًا ولو قليلاً. وقد نعت لنا كيف اضطرب من بغام تلك الحرمية وهي تقول: «هل من مخفِّيكم من يشتري أدمًا» أو هذا كان ضربًا مما تقول. وقد بلغ من اضطرابه أن كادت ناقته تساقطه مع الرحل والميثرة جميعًا، وأن لم يجد في الاعتذار عن هذا الذي كان من اضطرابه إلا أن يحذر الحرمية لتبتعد حتى لا تحطمها الناقة. ولعمري لقد كان الموشك أن يتحطم هو لا الحرمية. ثم قال كأن يزجرها على ما كان منها فاضطرب له «أن البيع قد زرم» أي قد انتهى ونحن قد تقضت حاجتنا في الحرم وسبيلنا إلى البين والمضاء. وهذا الزجر منه لها، كما يلوح من ظاهر المعنى، ما كان في الحقيقة إلا زجرًا منه لنفسه، وترديدًا لمعناه الأول:
حياك ربي، فإنا لا يحل لنا ... لهو النساء وإن الدين قد عزما
وإنما حياها وانصرف وفي القلب حسرات، فذلك معنى الرجز.
وهذه الكلمة من النابغة من أعز وأنبل وأشرف ما قيل في بابه. وفيها من امتزاج لوعة الجنس ورحمة المودة والتزام أدب الحصانة والعفاف ما ترى. ولا أكاد أشك أن التجربة التي فيها هي بعينها تلك التي جاء بها في قصيدته المعلقة:
عوجوا فحيوا لنعمٍ دمنة الدار ... ماذا تحيون من نؤي وأحجار
стр. 1243
وذلك حيث قال:
رأيت نعمًا وأصحابي على عجلٍ ... والعيس للبين قد شدت بأكوار
فكان ذلك مني نظرةً عرضت ... حينًا وتوفيق أقدارٍ لأقدار
فأوردها هنا مورد النموذجية، وسما بها شيئًا إلى هواء الأثيرية- وهو مقارب لطريقة زهير وفي قوله بعد:
وقد نكون ونعمٌ لاهيين معًا ... والدهر والعيش لم يهمم بإمرار
أيام تخبرني نعم وأخبرها ... ما أكتم الناس من حاجي وأسراري
حلاوة وتزجية نسيب مما لا يعسر مثله على الشاعر المتقن ذي الخيال، ليس إلا.
ثم يقول:
أقول والنجم قد مالت أوائله ... إلى المغيب تأمل نظرة حار
ألمحةٌ من سنا برقٍ رأى بصري ... أم ضوء نعمٍ بدا لي أم سنا نار
بل ضوء نعمٍ بدا والليل معتكرٌ ... فلاح من بين أضواءٍ وأستار
وهنا سمو فوق محض التجربة، أو محض ذكراها، إلى النشوة الصرف والطرب الموفي على التصوف في هذا الصعود باللوعة والحنين إلى أجرام السماء ورموز التأليه.
ثم يقول:
تلوث بعد افتضال الدرع مئزرها ... لوثًا على مثل دعص الرملة الهاري
وهذا على نموذجيته فيه نفس الميمنة، من الإيحاء بذاتية النظرة، والإشعار بالارتياح من النزاع تلقاء أضواء السماء، إلى مهد من الأمن في ظلام الأرض.
стр. 1244
ولا أجزم أن الرائية نظمت بعد الميمنة، فإن كانت نظمت قبلها فتكون كأنها جمجمة وترنم بنشوة التجربة قبل الإفصاح الكامل، الذي ربما كان تحول دونه رياضة القول ومعاناة التقية، وإن كانت نظمت بعدها فتكون بمنزلة الذكرى والعطف والشجن وكلا الوجهين جائز، والثاني أشبه لكمال السلامة والرونق اللفظي في الرائية، وهذا في الغالب مما يتأتى في المحاولة الثانية، لما يغلب فيها جانب التجويد الفني، جانب الاندفاع العاطفي، والله أعلم.
وقال النابغة أيضًا:
أتاركةٌ تدللها قطام ... وضنًا بالتحية والسلام
فجاء بنسيب نموذجي، خرجت فيه التجربة الأولى من بابي الحرارة الفردية والنشوة المتصوفة إلى الشجن العام المنحى وطلب الجمال الفني، بأحكام الصور وإتقانها -ومع ذلك فمن التجربة الأولى عقابيل تستبان وإشارات لا تخفى- قال:
فإن كان الدلال فلا تلجّي ... وإن كان الودع فبالسلام
فلو كانت غداة البين منت ... وقد رفعوا الخدور على الخيام
صفحت بنظرةٍ فرأيت منها ... تُحيت الخدر واضعة القرام
ترائب يستضيء الحلي فيها ... كجمر النار بذر بالظلام
وهذا من قول امرئ القيس «كأن على لباتها جمر مصطل» وليس بتكرار له، على قوة الأخذ، لما فيه من صفة الحلي والترائب معًا، وقوله «بذر بالظلام» تأمل دقيق -ومع هذا فهو كأنه تفريع من معاني الميمنة التي في سعاد، وتجربتها التي ذكرنا. وفيه بعد تلذذ باشتهاء يجري مجرى قوله في الرائية «تلوث بعد افتضال الدرع مئزرها، » البيت.
وقد مضى النابغة فشبه قطام بالغزالة أم الغزال أو كما قال طرفة:
стр. 1245
خذول تراعي ربربًا بخميلة ... تناول أطراف البربر وترتدي
وفصل شيئًا في هذا المعنى. وشبه ثغرها بخمرة من بيت رأس شجت بماء مزن غريض أو كما نظر إليه حسان فقال:
كأن سبيئةً من بيت رأسٍ ... يكون مزاجها عسلٌ وماء
وفصل شيئًا في هذا المعنى ثم قال:
فدعها عنك إذ شطت نواها ... ولجت من بعادك في غرام
وهنا عود إلى أصداء التجربة الأولى.
وأنفاس زهير أحر من أنفاس النابغة حين يحملان كلاهما أنفاس التجارب اللاتي أوحيا بها فيكررانها على نماذج النسيب ليذيباها فيها. ذلك أن زهيرًا لا يكاد يقارب التصريح بإيحائه أو يفارق ملازمته النموذج منذ البدء كما رأيت، والنابغة مما يقارب ويفارق. وأحسب من قدموا زهيرًا -وفيهم سيدنا عمر- قدموه لذلك. وأنفاس زهير يدانين أنفاس امرئ القيس إلا أنهن أقصر وأوشك مرًا وأضيق مدى، وجرير مما ينظر إلى زهير والنابغة معًا ونظره إلى الأول أشد. والفرزدق مذهب وحده قد نلم به، وفي الجزء الأول شيء من ذلك. والأخطل مما ينظر إلى زهير ولكن احتذاء النابغة عنده أقوى وأبين، ونفس النابغة قد يخالطه عنده برود وإن خالطته نشوة نسيمية جذلة من الترنم والتلذذ بالجمال. وبعد فعسى هذا الذي ذكرناه أن يكون تمهيدًا صالحًا.
هذا، وللشعراء معان يأتون بها في داخل إطار النموذج النسيبي بغرض أن يوحوا أو يومئوا إلى التجارب. وهذه المعاني كثيرًا ما يغلبهم عليها قصد التجويد الفني وعرفه، فتنخرط في النموذج وتصير ضربًا من أطلاله وبروقه ودياره وأثافيه ورموزه العديدات. ولكنها تبقى مع ذلك تحمل في غلقها شدوًا عميقًا بلوعة الجنس
стр. 1246
ومودة النساء وأرب الوصال. هذا الشدو دليل ما قدمناه لك في أول حديثنا عن زيادة الحرق وحرارة البيان عنها، مع زيادة الحرمان. وقد رأيت بعد كيف أن حرمان العرب المزدوج، من أثر البيئة وقانون الغيرة، قد حملهم أن يسيروا بالتعبير الغزالي على مسلك مثل ظبة السيف.
وظبات السيوف مما يشتبهن وجميعهن قواطع، ومما يختلفن مع هذا، في البريق والمعدن والهيئة وحالي الإرهاب والإرهاق. وكذلك مسالكهم في القول الذي يسلكون، ومعانيهم التي يتداولون.
فمن هذه المسالك والمعاني نعت النظرة والثغر والترائي وموافاة الطيف واعتلاج الذكرى. وسنذكر من هذه باختصار لنمثل ليس إلا، لأن أكثرها مما يقع في باب الجمال وأوصاف النساء، وهذا سنفصل فيه شيئًا وسيشمل بعض ما ههنا. فمما نعتوا به النظرة التشبيه الدائر بعين المهاة والغزالة الخذول. وهذا يراد به التنبيه على مكان اللطف والرقة والحنين وعمق اللوعة عند المرأة، والتشبيه الدائر بالرمية وهذا يراد به وصف الهوى وعلاقته بالنظر وسرعة إصابة النظر للأفئدة والوصف الدائر بالنعاس، وهذا فيه إشعار بمناغاة الحب ودلاله وإدلاله وتفتيره ورغباته وهلم جرا. ومما نعتوا به الثغر التشبيه بالأقحوانة، وصفة بريق الأسنان، وتمثيلها بالبرد، ومقارنة طعم الثغر ونكهته بالراح تمزج بالماء والعسل. وقد بلغوا بهذا من النموذجية أن جعلوه وسيلة إلى الخروج بنعت الراح ونعت العسل أنفسهما وشرعاء هذيل مما يطيلون إذا أخذوا في هذا القريّ، وموضع الحديث عنه باب الخروج. ومما نعتوا به الترائي إظهار الشعر وإتلاع الجيد، وأكثر ما يذكرون هذا في معرض الحديث فيصفون الحديث نفسه ويدخلونه في نعت الثغر أو يدخلون نعت الثغر فيه، أو يجعلونه حوارًا مغنيًا عن كثير من ألوان النعت -هذا إذا ذهبوا مذهب القصص أو راموا رومًا من تشخيص. ومما نعتوا به الطيف -وقد مضى طرف منه- نعته بتكلف الأهوال ليصل إلى من يصل
стр. 1247
إليه، والغرض من هذه الصفة الإلماع بضعف المرأة وتهالكها وما يحيط بذلك من معاني الشهوات. قال معاوية معود الحكماء:
أني طرقت وكنت غير رجيلةٍ ... والقوم منهم نبةٌ ورقود
وقال الحارث بن حلزة:
أني طرفت وكنت غير رجيلةٍ ... والقوم قد قطعوا متان السجسج
والأول معنى ما نريده فيه أوضح.
ونعتوا من يوافيه الطيف بالشعثة فكنوا بذلك عن عدة معان، كالرثاء لحال الغربة والضيعة بلا مأوى- قال المرقش الأصغر:
أمن بنت عجلان الخيال المطرح ... ألم ورحلي ساقط متزحزح
فلما انتبهت للخيال وراعني ... إذا هو رحلي والبلاد توضح
تأمل عنف التجربة هنا -المرق سار وقد عرس هنيهة عند الفجر ورحله متزحزح ساقط أو كاد يسقط وهو معي أي إعياء وقد أخذته السنة فساعفه الخيال، فإذا هو مع الوصل في جنة النعيم ثم انتبه إذ لفحته حرارة الشمس، فإذا هي الصحراء والبين والواقع المر كما يقولون والضوء المتوضح على الرمل، وفي النفس لذة ما كان حقيقة فصار باطلاً، والرحل المتزحزح والشعثة والغبرة كل أولئك شواهد.
وقال زياد بن حمل:
زارت وريقة شعثًا بعدما هجعوا ... لدى نواحل في أرساغها الخدم
فقمت للزور مرتاعًا فأرقني ... فقلت أهي سرت أم عادني حلم
وكان عهدي بها والمشي يبهظها ... من القريب ومنها النوم والسأم
وبالتكاليف تأتي بيت جارتها ... تمشي الهويني وما تبدو لها قدم
стр. 1248
وذكر الشعث عند النواحل فيه الأشعار بأقصى البين، وأبعد ما يكون ذو هوى من النساء، وإذا برويقة تجامل بزيارة وهي المكسال السئوم، وعدم التوقع السحيق يزجر حتى هذه المجاملة الخيالية، فيصحو الشاعر ليجد النواحل -وقد رأى من رويقة ما رأى تلك التي تمشي الهويني ولا يبدو لها قدم- وفي الإشارة إلى القدم ههنا أيما إيحاء باللوعة كما في الإشارة إلى الرقود عند النواحل من قبل. ثم أضف إلى هذين ارتياع الشاعر ودهشته وسأم هذه التي تجشمت الصعاب إليه ليكتمل عندك قوة الإيحاء بالرغم من نموذجية المأتي.
وقال الأخطل.
طرق الكرى بالغانيات وربما ... طرق الكرى منهن بالأهوال
حلم سرى بالغانيات فزارني ... من أم بكرٍ موهنًا بخيال
أسرى لأشعث هاجدٍ بمفازة ... بخيال ناعمة السرى مكسال
فلهوت ليلة ناعمٍ ذي لذةٍ ... كقرير عينٍ أو كناعم بال
فهذا جرد الشعثة من معنى الرثاء، وجعل صيغة الأشعث الهاجد بالمفازة وسيلة إلى الظفر كما يظفر القرير الناعم البال. والفرق بينه وبين زياد بن حمل أنه جرد الهجود في حين أن زيادًا أضافه إلى النواحل. وأنه أفراد الأشعث فهيأ الخلوة في حين أن زيادًا جعله مع شعث مثله، وأنى لرويقة الحيية أن تجود بزيارة وصال مع ذلك، إنما تطرق فتروع وتؤرق.
هذا ونعت اعتلاج الذكرى باب فسيح يدخله جميع ما عددنا وغيره مما لا نعدد. وملابسة الذكرى لوقفة الأطلال أمر معروف، وموضع التنبيه بذلك إلى معنى الشوق والحب واضح لا يخفى. وما افتتح به مصرحًا بلفظ الذكر كثير، منه قول السعدي:
ذكر الرباب وذكرها سقم ... فصبا وليس لمن صبا حلم
стр. 1249
وإليه نظر أبو نواس حيث قال:
ذكر الصبوح بسحرةٍ فارتاحا ... وأمله ديك الصباح صياحا
والعجز ينظر إلى قول جرير:
لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس
قال امرؤ القيس:
أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص
وقال ذو الأصبع:
يا من لقلب طويل البت محزون ... أمسى تذكر ريّا أم هرون
وقال ربيعة بن مقروم:
تذكرت والذكرى تهيجُك زينبا
وما افتتح بالتلميح إلى الذكرى أكثر ومنه الأطلال كما قدمنا والديار والشوق كما في قول امرئ القيس «سما لك شوق بعد ما كان أقصرا» ومنه نحو قول مزرد:
ألا يا لقوم والسفاهة كاسمها ... أعائدتي من حب سلمى عوائدي
وقال جابر بن حني التغلبي:
ألا يا لقومي للجديد المصرم ... وللحلم بعد الزلة المتوهم
وللمرء يعتاد الصبابة بعد ما ... أتى دونها ما فرط حولٍ مجرَّم
وأما ما يجيء في عرض القصائد فلا يحصى. وقال المرقش ووصف حال الذكرى نفسها فأجاد لأنه أصحبها نعت حركات منه يشعرن بأثرها فيه:
صحا قلبه منها على أن ذكرةً ... إذا عرضت دارت به الأرض قائمًا
стр. 1250
والشعراء مما يعمدون إلى ذكر الحركة أو ما بمعناها من جولان الحيوية ليخرجوا بالتشبيه النموذجي من مدلوله العام، أو قل ليضيفوا إلى مدلوله العام وحيا بتجربة خاصة أو حالة خاصة يزيد معها معنى اللوعة. قال المرقش الأصغر:
رمتك ابنة البكري عن فرع ضالة ... وهن بنا خوضٌ مخلن نعائما
وهذا تسجيل خاطف لنظرة سريعة.
حذف الشاعر تشبيه عين الفتاة بعين المهاة لعلمك به وهو متضمن ينبغي ألا يغفل عنه، وذكر الرمي وجعل العين فرع ضالة أي قوسًا من فرع ضالة ليشعرك أن النظرة كانت رشقًا، من جانب منصاع. ثم قد كانت نظرته هو التي تلقت الرشقة جانبية أيضًا يدلك على ذلك ذكر خوص المطايا ومطيته منهن خوصاء مثلهن تنظر بمؤخر عينها، وهو -وذلك مفهوم ضمنًا- ينظر كنظر ناقته- فاتصلت النظرات الثلاث جميعًا واختلطت في لحظة مفعمة انقضت ساعة كانت، وما هو إلا أن يجد الشاعر نفسه قد خلف كل ذلك وراءه وإذا هو بين إبل مرقلات في البيداء كأنهن النعام- هيهات ذات النظرة. ولا يخفى أن أسلوب المرقش ههنا في تسجيل النظرة كأسلوبه في تسجيل الطيف إذ قال «إذا هو رحلي والبلاد توضح».
وقال امرؤ القيس:
تصد وتبدي عن أسيلٍ وتتقي ... بناظرةٍ من وحش وجرة مطفل
فجاء بالتشبيه النموذجي مثبتًا، مشتملاً على كل ما توحي به معانيه، ثم خصصه بحركة الاتفاء، وجمع هذه الحركة إلى حركات أخرى، فأوحى بتجربة كاملة من الفتنة هي ضرب مما يقع فيهيج النفوس وقال أيضًا:
وما ذرقت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلبٍ مقتل
стр. 1251
فذكر السهم وما فيه من معنى الفتك والقتل والسرعة وذكر الميسر ويلابسه الزهو والبذل والتحدي وعدم الاكتراث والمجازفة واحتقار الخطر ونفاسته في نفس الوقت، وذكر الدمع وفيه الضعف والرقة والالتماس، وطبع كل هذا بطابع من الحركة الحية، فكانت تجربة مما هو محض الشمول، كائنٌ ما كان الجنسان، ثم بعد ذلك أورد كلامه كله مورد الحوار فضمنه معنى المغازلة بما تحوي من لين مستكين ومكر متخابث.
فتأمل.
وقال عدي بن الرقاع:
وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم
وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنةٌ وليس بنائم
فاجتهد كما ترى في تحريك النعاس النموذجي ليوحي إليك ما أحسه من فتنة -والاجتهاد محله أن المعنى بالنعت جفنًا أم القاسم لا الجؤذر على أية حال، وصورة الجؤذر جيء بها للتوضيح لا غير وغير مراد منك أن تلتفت إليها أو تستشعرها.
وهذا خلاف ما جاء من طريقته في صفة قرني ولد الغزالة إذ قال:
تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها
فههنا التفات إلى حركة حرف القلم وأخذه من مداد الدواة بلا أدنى ريب.
وقال امرؤ القيس:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامي ونشر القطر
يعل به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر المستحر
فجاء بالتشبيه النموذجي، وأشعر بأمنية التقبيل وجعل ترنمه كأنشودة يصدح بها تحية لتوهم نشوته.
стр. 1252
وقال أيضًا:
أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوةً وتبوص
وكم دونها من مهمةٍ ومفازةٍ ... وكم أرض جدبٍ دونها ولصوص
تراءت لنا يومًا بجنب عُنيزةٍ ... وقد حان منها رحلة فقلوص
وهذا جيد إذ هي القلوص والنساء إنما يختار لهن البكر الذلول، وإنما دعاه إلى ذكر القلوص أنه كان هو المرتحل والقلوص قلوصه لا قلوصها وهي القلوص:
بأسود متلف الغدائر واردٍ ... وذي أشر تشوفه وتشوص
منابته مثل السدوس ولونه ... كشوك السيال فهو عذب يفيص
والصاد عناء وهمس. ولذلك -أحسب- ركبها امرؤ القيس إذ مراده التحسر. وهذا الذي يذكره من المراءاة ليس إلا اقتراحًا لمعنى شقة البين بينه وبين لهو الحديث، وعسى أن يكون فيه صدى تجربة، ولكنه صدى سحيق البعد، وليست الإشارة إلى التجربة هي مراد الشاعر ههنا. ويقول بعد:
فهل تسلين الهم منك شملة ... مداخلة صم العظام أصوص
فهذا يدلك على حقيقة قصده إلى الشكوى ورثاء النفس وطلب السلوى ولا سلوى وقال المرقش الأصغر:
تراءت لنا يوم الرحيل بواردٍ ... وعذبًا لثنايا لم يكن متراكمًا
فأشعر بتجربة، إذ ليس وصف المراءاة نفسها هي المراد ههنا، ولكن المراد، تسجيل النظرة التي نظرها الشاعر وأثرها الذي أحدثته في نفسه. وفرق ما بين هذا وكلام امرئ القيس، أن المرقش يذكر حالة رحيل، ويلحق ما كان من إظهار الشعر بلمع من الثنايا، ويومئ إلى ما لاح له فتبينه من فلج الأسنان أو تفلج الابتسام، أما
стр. 1253
امرؤ القيس فيوشك أن يحيل الحركة إلى سكون، لتأمله أجزاءها، وهذا أشد ملاءمة لما كان بصدده من معنى التذكر.
وقال طرفة:
وتبسم عن ألمي كأن منورًا ... تخلل حر الرمل دعصٌ له ندي
فحرك نعت الثغر بالابتسام ثم أومأ إلى اشتهاء بذكر الدعص الذي يتلألأ على أقحوانه الندى.
وقال الآخر وهو من شواهد سيبوبه:
لو ساوفتنا بسوفٍ من تحيتها ... سوف العيوف لراح الركب قد قنعوا
فهذا تصوير لحالة من اختلاج الثغر مع الرغبة إليه (١).
وقال النابغة:
تجلوا بقادمتي حمامة أيكةٍ ... بردًا أسف لثاته بالإثمد
فنعت افترار الشفتين بالابتسامة وسرعة مضي ما تبديانه من محاسن الفم، وقد مر بك هذا.
وقال عنترة:
إذ تستبيك بأصلتي ناعم ... عذبٍ مقبله لذيذ المطعم
وكأنما نظرت بعيني شادنٍ ... رشإ من الغزلان ليس بتوأم
وكأن فأرة تاجرٍ بقسيمةٍ ... سبقت عوارضها إليك من الفم
وقوله «ناعم» فيه صدى تجربة ووحي من حركة -وسائر الكلام بعد نموذجي فصيح، وجعله الشاعر وسيلة إلى نعت الروضة في معرض تشبيه النكهة وطيبها وهذا في جملته داخل في معنى التلذذ المراد به الترنم ونشوته ليس غير.
стр. 1254
وقال الحادرة:
بكرت سميه بكرةً فتمتع ... وغدت غدو مفارقٍ لم يربع
وتزودت عيني غداة لقيتها ... بلوى البينة نظرةً لم تقلع
وهذا نص في النظرة وصداها النفسي. ثم أخذ الحادرة بعد في تفصيل التجربة، فجاء بنموذج المراءاة عند الوداع وأشربه الحركة والحيوية- قال:
وتصدفت حتى استبتك بواضحٍ ... صلتٍ كمنتصب الغزال الأتلع
وبمقلتي حوراء تحسب طرفها ... وسنان حرة مستهل الأذمع
والواضح الصلت عنقها، وثغرها أيضًا صلت واضح. وهنا «استخدام» كما يقول البديعيون، مستكن، يعلمك أنما انصلات جيدها ووضوحه طرف وإكمال لانصلات ثغرها ووضوحه، وقد تحدثت بهذا لتتحدث بذاك معه. والحركة لا تخفى. وقد جعل مقلتيها متصدفتين منصلتتين واضحتين كذلك. إلا أن معهما الوسن، وهو عبء تنوء به خفة التصدف والانصلات. وهذه كما ترى حركة مقابلة لما تقدم، وبطؤها بالنسبة إليه هو الذي مكنه من تأمل المحاجر والمآقي والوجه، وذلك قوله «حرة مستهل الأدمع» - وذكر الأدمع لأن تفتير الوسن فيه إشعار باللوعة والبكاء.
ثم قال بعد، فجاء به ملائمًا لما سبق كل الملاءمة:
وإذا تنازعك الحديث رأيتها ... حسنًا تبسمها لذيذ المكرع
إذ حديثها كأنما هو امتداد لهذه اللوعة وجانب من تعبيرها. وعجز البيت ينبئ بأن الابتسام الذي مازج الحديث أو قطعه تحدث إليه بالقبلات والوداد أو توهم هو ذلك. وهذه غاية ما ناله، فأداه الوهم إلى الأماني فخرج به من تجربة النظرة إلى التشبيه النموذجي لطعم الثغر بالراح يمازحها غريض السارية، ومعنى الراح متضمن أو في بيت سقط من الرواية، ثم اتلأب به من بعد طريق الخروج. وبعد فهذا باب يطول ونعت الوداع والظعائن مما يدخل فيه.
стр. 1255
الوداع والظعائن:
سنكتفي من هذا الباب بالتنبيه على مكان الحركة من الإيحاء فيه، إذ هو في سعته متصل به كثير مما مرّ وسيجيء، وحسبنا ثلاثة أمثلة. الأول قول زهير:
تبصّر خليل هل ترى من ظعائن ... تحمّلن بالعلياء من فوق جرثم
علون بأنماطٍ عتاقٍ وكلةٍ ... ورادٍ حواشيه مشاكهة الدم
ووركن في السوبان يعلون متنه ... عليهن دل الناعم المتنعم
وفيهن ملهى للصديق ومنظرٌ ... أنيقٌ لعين الناظر المتوسم
بكرن بكورًا واستحرن بسحرةٍ ... فهن لوادي الرس كاليد للفم
جعلن القنان عن يمين وحزنه ... ومن بالقنان من محل ومحرم
ظهرن من السوبان ثم جزعنه ... على كل قيني قشيب ومفأم
كأن فتات العهن في كل منزلٍ ... نزلن به حب الفنا لم يحطم
فلما وردن زرقًا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم
والحركة في هذا لا تخفى. والأبيات مشهورة قد تحدث عنها النقاد فأحسنوا ولا سيما الدكتور طه حسين في حديث الأربعاء وليس وراء مقالته مزيد. وننبه هنا على أشياء من طريقة زهير وسنخ أسلوبه. منها أن المتحدث عنه أُم أوفى حليلته التي بانت، وقد صرح باسمها في المطلع، ثم لما صار إلى نعت الظعائن أخفاها بينهن على منهجه في الحياء والتستر؟ وقوله في البيت الثالث يتأملها وحدها. وقوله «وفيهن ملهى للصديق» فيه تأكيد حسرته، إذ قد كانت هي صديقًا ثم تصرم ذلك، فلم يبق له من حظ في وصلها إلا أن يقيم نفسه مقام الأجنبي فينظر إليها مع صواحباتها ليرى منظر أنيقًا يروق- ومثل ذلك ليس له، إنما له لاعج الذكرى وتحقق معنى البين. ومن أجل هذا ما عرج إلى وصف تنقل القافلة، بكورها بسحرة، واجتيازها وادي الرس، وجعلها القنان وحزنه بيمين ومن بالقنان من محل ومحرم، ونفسه وعشيرته عني. ثم
стр. 1256
كأنهن قد غبن إلى الأبد- ولكن الذكرى تعيدهن فهذا ظهورهن من السوبان. ويعمد زهير ههنا إلى مذهب من التسلي بافتعال تجربة المعجب الأجنبي، فيقرب الظعائن البعيدات ويقترح اقتراحًا من اشتهاء بمقابلة ما بين حركة السير، ومقاعدهن عليها الوثيرات القشيبات المفأمات.
ولكنه سرعان ما يضرب عن هذا الهاجس بقوله:
كأن فتات العهن في كل منزلٍ ... نزلن به حب الفنا لم يحطم
وهذه صفة طلل وهو ما بقي في فؤاده من شجن، فتات ذلك الطلل غير أنه لم يتحطم ولكن البين قد تحقق، وشطت نواها واستمر مريرها-
ولما وردن الماء زرقًا جمامه ... وضعن عصيّ الحاضر المتخيم
وذلك كأقصى ما يكون البعد.
والمثال الثاني قول المثقب العبدي:
لمن ظعن تطالع من ضبيبٍ ... فما خرجت من الوادي لحين
مررن على شراف فذات رجلٍ ... ونكبن الذرانح باليمين
وهن كذاك حين قطعن فلجأ ... كأن حمولهن على سفين
يُشبهن السفين وهن بخت ... عراضات الأباهر والشؤون
وهن على الرجائز واكناتٌ ... قواتل كل أشجع مستكين
كغزلان خذلن بذات ضالٍ ... تنوش الدانيات من الغصون
ظهرن بكلةٍ وسدلن أخرى ... وثقبن الوصاوص للعيون
وهن على الظلام مطلبات ... طويلات الذوائب والقرون
أرين محاسنًا وكنن أخرى ... من الأجياد والبشر المصون
ومن ذهبٍ يلوح على تريبٍ ... كلون العاج ليس بذي غضون
стр. 1257
إذا ما فتنه يومًا برهنٍ ... يعز عليه لم يرجع بحين
بتلهيةٍ أريش بها سهامي ... تبذ المرشفات من القطين
علون رباوةً وهبطن غيبًا ... فلم يرجعن قائلةً لحين
فقلت لبعضهن وشد رحلي ... لهاجرةً نصبت لها جبيني
لعلك إن صرمت الحبل بعدي ... كذاك أكون مصحبتي قروني
وهذه أبيات مشهورة، وقد عرض لقصيدتها الدكتور طه حسين في حديث الأربعاء، في مقال نشره في جريدة الجهاد عام ١٩٣٤ أو ١٩٣٥ لا يزال أثره عالقًا بالنفس.
والوصف في جملته نموذجي غير أنه يتخلله وحي بتجاري، وتنتظمه كله تجربة واحدة معقدة شائكة مشتبكة، هي تجربة قصيدته المفضلية (١):
أفاطم قبل بينك متعيني ... ومنعك ما سألت كأن تبيني
وقد أشرنا إلى بعض معانيها من قبل.
والذي عندي أن الشاعر أصابه قلق نفسي عظيم سببه إحساس بالوحدة والوحشة والامتعاض وطلب الانتصاف بعد تنكر من عهد الخلان، بعضه قد كان وبعضه متوقع. أما الذي قد كان فمن خليلته فاطمة أو من كنى عنها بفاطمة أو ما كنى عنه بها رجلاً كان أو امرأة أو حاجة نفس وأما المتوقع فمن خليله عمرو، أو ما جعل عمرًا رمزًا له.
وتجربة القصيدة تصف لنا أول هذه التنكر وملابساته. وفي شعر المثقب ما يشهد بأن التنكر قد صار إلى جفوة وحسرة من مصارمة أو عداء. قال في داليته المفضلية (٢):
стр. 1258
ألا أن هندًا أمس رث جديدها ... وضنت وما كان المتاع يؤودها
وأمس إنما هي إشارة إلى عهد النونية التي نحن بصدد ظعائنها:
فلو أنها من قبل دامت لبانةً ... على العهد إذ تصطادني وأصيدها
ولكنها مما تميط بوده ... بشاشة أدنى خلةٍ يستفيدها
فهذا تصريح كالهجاء.
وقال في الميمية المقيدة:
لا تقولن إذا ما لم ترد ... أن تتم الوعد في شيء نعم
حسن قول نعم من بعد لا ... وقبيحٌ قول لا بعد نعم
إن لا بعد نعم فاحشةٌ ... فبلا فابدأ إذا خفت الندم
وإذا قلت نعم فاصبر لها ... بنجاح القول إن الخلف ذم
واعلم أن الذم نقص للفتى ... ومتى لا يتق الذم يُذم
فذهب بتجربته هنا مذهب الحكمة، وجعل فاطمته فتى، وعسى أن كانت ولعلها عمرو أو هو هي.
وقد بدأ القصيدة بالإلحاح في طلب المتاع الذي هو حقه أو يراه كحقه، بحسب سياقه. ثم حذرها من المنع إذ هو كالبين البائن، ومن الخلف وكذب المواعد، وهذا موقف أضعف من الأول، إذ فيه إشعار بأن المنع والتنكر كائن، فتلافاه بالتهديد:
فإني لو تُخالفني شمالي ... خلافك ما وصلت بها يميني
إذن لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك أجتوي من يجتويني
ثم تحقق في نفسه معنى البين فهرب منه إلى تجربة مشوبة من الافتعال والتذكر
стр. 1259
هي تجربة مراقبة الظعائن. أما الافتعال، فلأن فاطمة كانت مصارمة مخاصمة وليس ثم من ظعن، فتوهم لنفسه عهد كانت تظعن، وقد علق فؤاده حبها، ولم تطرأ بعد طارئة خصام. أما التذكر فما يخالط هذه التجربة المفتعلة من استحضار صور الاستمتاع برؤية الظعائن في دهر قد مضى- فاطمة أو غيرها.
وإذ التجربة مفتعلة، وإنما هي مسوقة لتقوية معاني التجربة الأصلية، فإن روح التجربة الأصلية تلابس الوصف النموذجي أي ملابسة، فتخرج به عن ظاهره في ذلك، وهذا منه لا يفطن له المرء إلا مع قراءة القصيدة كلها وتتبعها. فأول ذلك ملاحقة ذكر المواضع في إسراع وفي هذا محاكاة لما يكون في الخروج من قصة الرحلة وتشمير السير ولولا خوف الاستطراد وسبق ما سيجيء إن شاء الله لوقفنا عند هذا المعنى، ولكن بابه الخروج. ولا بأس أن نشير ههنا إلى أن أبا الطيب المتنبي مما يذهب مذهب الخروج كثيرًا للإشعار بالجد، من ذلك مثلاً تعداده المواضع في كلمة الألف اللينة:
ألا كل ماشية الخيزلي ... فدا كل ماشية الهيدبي
وإنما كان يتغنى بنشوة تشميره في الفرار من كافور، وهذا -أي المثقب- يريد أن يهدد بتشمير زماع وقد حوله إلى ظعينة كما ذكرنا.
وثانيه، حين هم أن يرتاح إلى نموذجية الظعائن في تشبيه السفينة التفاته كالممتعض إلى الإبل المشمرة، وهي نفسه، ثم حين ادعى أنه ينظر ويتأمل الحسان الراحلات عليها، لم يقدر أن ينجو بنفسه من خاطر لوعة وحسرة واعتراف بالعجز وفوات الأمل:
وهن على الرجائز واكناتٌ ... قواتل كل أشجع مستكين
والصدر صورة مفعمة بمعنى الحركة الدالة على تمام الرضا، ثم الرغبة الملحة من
стр. 1260
جانبه، البعيدة مسافة ما تريد أن تتناوله -ولا أحسب القارئ قد غاب عنه موضع تشبيه الفتاة الغافلة عن عمرها باتكاءها على الرجازة، بالحمامة في وكنها الوادعة الحاضنة. والعجز احتجاج مر على هذا الرضا، وتمثيل كالمتسلي بهذا الكثير الذي لا ينفك يحدث من ضعف الرجال أمام النساء وهي، أي فاطمة، النساء القواتل وهو الأشجع المستكين -أشجع لما يتكلفه من دفاع وتهديد وما يحسه من غضب وامتعاض وجد ألا يبالي بعاقبة من صرم وهجران. ومستكين لأنه ملتمس ما يعلم أن لن يناله وسيضرع بعده إلى اليأس والحسرات.
ثم أخذ يتسلى بالصورة النموذجية مرة أخرى، صورة الغزالة الخاذلة، ليلقى سترًا ما على التجربة التي باح بها آنفًا.
هذا هو الشطر الأول من نعت الظعن. وهو يتناول مجموعتهن الراحلة المبتعدة.
ثم يبدأ الشطر الثاني من النعت وفيه ثالث ما زعمناه لك بدء هذا الحديث من ملاحقة التجربة للنموذج ورابعه وهلم جرا. ومداره النموذجي المقاربة بعد الإبعاد، وقد رأيت شيئًا منها عند قوله «وهن على الرجائز واكنات» ولكن هذا مجيء به في معراض حال البعد، ولذلك نبهنا عليه حيث فعلنا. وأول المقاربة قوله:
ظهرن بكلةٍ وسدلن أخرى ... وثقبن الوصاوص للعيون
وهذه صورة من الذاكرة لبعض ما كان تأمله هو من حركات الفتيات أول الرحيل، ولعل فاطمته كانت إحداهن. وهي صورة حية، ولذلك أحسب، ما زعموا أنه سمي مثقبًا بهذا البيت. وهذا من رميات النقد النافذات، إذ الذي، لعمري، قد ثقب الوصاوص فنظر فأمعن هو لا هنٌ- ثم رجع إلى الإيحاء بفاطمة فقال:
وهن على الظلام مطلبات ... طويلات الذوائب والقرون
стр. 1261
فهي التي ظلمته بخلفها وكذبها ومنعها وإيثار آخر كما قال في الدالية.
ولك في طويلات الرفع والنصب، وفي النصب التعجب وهذا يشبه قوله «وهن على الرجائز واكنات» في إظهار جانب المفارقة بين حاله وحالها. وفي الرفع الخبرية، ويلائم معنى الطلب فيه كالاتباع لنفسه إياها على ظلمها وقلة مبالاتها ومضيها تستن بشعرها الطويل. والمفاضلة بين الوجهين عسرة، والرفع أحب إلي وأشبه بمعنى الاستكانة وهو الأصلي في هذه التجربة.
ثم مضى يتأمل، على ما سنرى في نماذج الجمال، حتى إذا خيل له أنه قارب بوعد منه ما اقترب وسلك مع الظعائن البائنات واعترف ههنا بخلاف ما زعمه في قوله:
فإني لو تخالفني شمالي ... خلافك ما وصلت بها يميني
إذا لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك أجتوي من يجتويني
وذلك أنه ذكر أن العيس متى فتنه بالرهن العزيز عليه، وهو قلبه وهي فاطمة أيضًا، فإن ذلك الرهن لن يرجع إليه بحين من الدهر.
إذا ما فتنه يومًا برهن ... يعز عليه لم يرجع بحين
وهذا كأنه تكرار أو قل تفسير لقوله:
لمن ظعنٌ تطالع من ضبيبٍ ... فما خرجت من الوادي لحين
إذ هن هنا لم يخرجن بعد، فمتى خرجن وجاوزن فمعادهن عسير. ثم يقول:
بتلهيةٍ أريش بها سهامي ... تبذ المرشقات من القطين
والتلهية هي اللهو وهي المرأة أرادهما معًا. وقوله أريش بها سهامي أي أجذل بها، وذلك أنه يعد نفسه لصيدها بما تصطاد به الرجال النساء فذلك ريشه لسهمه.
стр. 1262
وقابل بهذا بقوله «تبذ المرشقات إلخ» فزعم أنها تصيده أيضًا، فلا يصيده كصيدها شيء- وزعم ابن الأنباري والسياق يدل أنه قول الضبي أن القطين الخدم والجيران والتباع وهذا جيد، والظاهر أنه أراد بالقطين الظعائن لأنهن جارات راحلات، وأراد تفضيلها عليهن وتخصيصها من بينهن ومن بين سائر النساء. وهذا لا يناقض ما رواه ابن الأنباري، بل هما متكاملان، وتأويل كلام ابن الأنباري أنها تلهية ولا كهذا الذي يكون من إرشاق الجارات وما بمجراهن من القطين. والبيت فيه معنى قوله الذي استشهدنا به آنفًا:
فلو أنها من قبل دامت لبانةً ... على العهد إذ تصطادني وأصيدها
وفيه بعد من الجذع ما لا يخفى.
وذكر التلهية تقريب. فأتبعه مباعدة في قوله:
علون رباوةً وهبطن غيبًا ... فلم يرجعن قائلةً لحين
وفيه تكرار لمعاني بيت الحين اللذين مرا وبلوغ بها إلى غايتها. إذ الظعائن في الأول لم يخرجن من الوادي لحين. وفي الثاني تخوف من ألا يعدن متى تجاوزن. وفي هذا الثالث تقرير لأنهن لم يرجعن وذكر الحين تعلة بالأملة لو قد أجدى ما يحتال به من وعيد. وإذ قوله «لم يرجعن» بين محضٌ. فإنه رجع فقارب مرة أخرى، لا لينظر، ولكن ليهدد:
فقلت لبعضهن وشد رحلي ... لهاجرةٍ نصبت لها جبيني
لعلك إن صرمت الحبل مني ... كذاك أكون مصحتبي قروني
وهنا بطلت صورة الظعائن المرتحلة، وصار هو، لا فاطمة، المزمع على الرحيل، على مذهب الخروج والجد الذي يصنعه الشعراء، وقوله «لعلك» التماس وتليين وتحذير كتحذيره في قوله «فلا تعدى مواعد كاذبات» وعجز البيت كقوله
стр. 1263
«فإني لو تخالفني شمالي إلخ» ولكنه ذو جانب مهيض وغضبة يأس تتجاوز مجرد التهديد إلى ضرب من التأسي بتقليد فاطمة في الذي كان من قلة اكتراثها، بقلة اكتراث أخرى تشابهها من جانبه.
وعمد المسكين إلى الناقة ليجد، وهي رحلة لا يدري غرضها ولا مداها، وإنما هو استشعار اليأس وطلب السلوى، ولعلها رحلة خيالية يتوهمها أو رحلة من هذه الرحلات التي يدفع إليها قلق العربي واستدرار الشعر كما فعل الفرزدق حين ركب الناقة وأهاب بشياطينه لينجدوه وقد بلغ المثقب من العناء بدوسرته مبلغًا. ثم التفت ليرثي لها، وإنما يرثي لنفسه من هذا العناء الذي لا طائل وراءه ولا أرب خلفه. وقد فطن أبو عبيد البكري، كما قد نبهنا إلى هذا في غير ما موضع، إلى مكان رثاء النفس في أبيات المثقب.
إذا ما قمت أرحلها بليلٍ ... تأوه آهة الرجل الحزين
وقد مرت بك، بما زعمه من أنها خروج من الوصف إلى المناجاة (١).
والحق أن الناقة هنا هي المثقب نفسه.
وبعد أن قضى أربه من الرثاء والبكاء التفت مرة أخرى إلى عنائه فعزم أن يجعل له أربًا، ولرحلته غرضًا ومدى. فذكر عمرًا وانتشى لذكر عمرو:
فرحت بها تعارض مسبطرًا ... على صحصاحه وعلى المتون
إلى عمر ومن عمرو أتتني ... أخي النجدات والحلم الرصين
ولعل عمر أول ما هم بذكره كان عمرو بن هند أو سيدًا من ضريبته، عزم الشاعر على قصده ليتسلى به من الهم وبما يعقبه عليه السير من شرف الوفادة والرفادة.
стр. 1264
ولكن سرعان ما يصير عمرو المبدوء به عمرًا آخر، عمرا يشك الشاعر فيما سيجده عنده، ولعله سيتنكر له كما تنكرت فاطمة ولا يجد في خطابه ومصاداته أكثر مما وجد في خطاب فاطمة ومصاداتها، وآخر القصيدة معروف:
فإما أن تكون أخي بحق ... فأعرف منك غثى أو سميني
وإلا فاطرحني واتخذني ... عدوًا أتقيك وتتقيني
وما أدري إذا يممت أمرًا ... أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
وهنا ترى مصداق ما قدمناه من أن عسى أن يكون عمر وهذا رمزًا لفاطمة. أم عسى أن يكون فتاة أخرى أراد ليفزع إليها من فاطمة؟ ومهما يكن فإن فاطمة نفسها لم تخرج عن أن يجوز أنها رمز لغير امرأة، مما يعن من حاجات النفس، وهذا معنى قدمناه. وما يصدق عليها، يصدق على المفرور إليها منها- فهذا هذا، وتلاحم هذه القصيدة ما ترى، وإنما أضربنا عن تفصيل الخروج الذي ينعت فيه الشاعر سفره وناقته لما اعتذرنا به من ضرورة إرجاء هذا إلى بابه، وهو في تماسكه مع ما قبله وبعده كسائر ما كنا فيه. ونأمل بعد أن يكون الذي أردنا من تأويل نموذج الظعينة في مثالنا الثاني قد اتضح. وإنما دعا إلى ذكر ما قبله وبعده ظاهر نموذجيته الجهير، الذي لا يستدل على باطنه المستتر وحركته القلقة المضطربة والمسرعة المترددة معًا إلا بنحو مما فعلنا والله أعلم.
هذا والمثال الثالث من أمثلة نموذج الظعينة قول القطامي، من قصيدته «ما اعتاد حب سليمي حين معتاد».
كنية الحي من ذي الغضبة احتملوا ... مستحقبين فؤادًا ماله فادي
بانوا وكانت حياتي في اجتماعهم ... وفي تفرقهم موتي وإقصادي
أرمي قصيدهم طرفي وقد سلكوا ... بطن المجيمر فالروحاء فالوادي
стр. 1265
محددين لبرقٍ صاب في خيمٍ ... وبالقرية رادوه برواد
يخفون طورًا وأحيانًا إذا طلعوا ... نجدًا بدا لي من أجمالهم بادي
وفي الخدور غماماتٌ برقن لنا ... حتى تصيدنا من كل مصطاد
يقتلننا بحديثٍ ليس يعلمه ... من يتقين ولا مكنونه بادي
فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
ألمعن يقصرن من بُختٍ مخيسةٍ ... ومن عرابٍ بعيدات من الحادي
تبدو إذا انكشفت عنها أشلتها ... منها خصائل أفخاذٍ وأعضاد
من كل بهكنةٍ ألقت إشالتها ... على هبل كركن الطود منقاد
وكلك ذلك منها كلما رفعت ... منها المكري ومنها اللين السادي
حتى إذا الحي مالوا بعدما ذعروا ... وحش اللهيم بأصواتٍ وطراد
حلوا بأخضر قد مالت سرارته ... من ذي غثاءٍ على الأعراض أنضاد
قفرٍ تظل مكاكي الفلاة به ... كأن أصواتها أصوات نشّاد
ما لي أرى الناس مزورًا فحولهم ... عني إذا سمعوا صوتي وإنشادي
وهذا نموذج نسيب، تداخله تجارب نظر عارم، وفرق ما بينه وبين المثالين السابقين كليهما أنه لا يستبطن قصة حب ضائع تشوب نعت الاستمتاع بمرارة الأسف. ولعلك تساءل ههنا كيف فرقناه ههنا عن نسيب زهير مع أنا قرناه آنفًا به وفرقنا نسيب المثقب والسيب إن مرادنا هناك قد كان التدليل على ما يكون من صلة بين غرض القصيدة ونسيبها في معرض التدليل على مكان الاختلاف بين النماذج المتشابهة. والصلة في هذا الباب بين كلا نسيبي زهير والقطامي واضحة جدًا كما بينا وكما سنبين إلا أنها قد كانت مما يحتاج إلى بسط في نسيب المثقب فلذلك أفردناه. أما ههنا فالشبه بين المثقب وزهير ما ذكرنا وهو سبب جوهري في مذهب الغزل والنموذج، وكون الأمثلة الثلاثة متشابهة من حيث أن ما بعدها متصل بما قبلها في حقيقة أمر النفس الشعري الذي هو جوهر الوحدة في القصيدة، أمر لا يخفى بعد.