فهي التي ظلمته بخلفها وكذبها ومنعها وإيثار آخر كما قال في الدالية.
ولك في طويلات الرفع والنصب، وفي النصب التعجب وهذا يشبه قوله «وهن على الرجائز واكنات» في إظهار جانب المفارقة بين حاله وحالها. وفي الرفع الخبرية، ويلائم معنى الطلب فيه كالاتباع لنفسه إياها على ظلمها وقلة مبالاتها ومضيها تستن بشعرها الطويل. والمفاضلة بين الوجهين عسرة، والرفع أحب إلي وأشبه بمعنى الاستكانة وهو الأصلي في هذه التجربة.
ثم مضى يتأمل، على ما سنرى في نماذج الجمال، حتى إذا خيل له أنه قارب بوعد منه ما اقترب وسلك مع الظعائن البائنات واعترف ههنا بخلاف ما زعمه في قوله:
فإني لو تخالفني شمالي ... خلافك ما وصلت بها يميني
إذا لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك أجتوي من يجتويني
وذلك أنه ذكر أن العيس متى فتنه بالرهن العزيز عليه، وهو قلبه وهي فاطمة أيضًا، فإن ذلك الرهن لن يرجع إليه بحين من الدهر.
إذا ما فتنه يومًا برهن ... يعز عليه لم يرجع بحين
وهذا كأنه تكرار أو قل تفسير لقوله:
لمن ظعنٌ تطالع من ضبيبٍ ... فما خرجت من الوادي لحين
إذ هن هنا لم يخرجن بعد، فمتى خرجن وجاوزن فمعادهن عسير. ثم يقول:
بتلهيةٍ أريش بها سهامي ... تبذ المرشقات من القطين
والتلهية هي اللهو وهي المرأة أرادهما معًا. وقوله أريش بها سهامي أي أجذل بها، وذلك أنه يعد نفسه لصيدها بما تصطاد به الرجال النساء فذلك ريشه لسهمه.
стр. 1262
وقابل بهذا بقوله «تبذ المرشقات إلخ» فزعم أنها تصيده أيضًا، فلا يصيده كصيدها شيء- وزعم ابن الأنباري والسياق يدل أنه قول الضبي أن القطين الخدم والجيران والتباع وهذا جيد، والظاهر أنه أراد بالقطين الظعائن لأنهن جارات راحلات، وأراد تفضيلها عليهن وتخصيصها من بينهن ومن بين سائر النساء. وهذا لا يناقض ما رواه ابن الأنباري، بل هما متكاملان، وتأويل كلام ابن الأنباري أنها تلهية ولا كهذا الذي يكون من إرشاق الجارات وما بمجراهن من القطين. والبيت فيه معنى قوله الذي استشهدنا به آنفًا:
فلو أنها من قبل دامت لبانةً ... على العهد إذ تصطادني وأصيدها
وفيه بعد من الجذع ما لا يخفى.
وذكر التلهية تقريب. فأتبعه مباعدة في قوله:
علون رباوةً وهبطن غيبًا ... فلم يرجعن قائلةً لحين
وفيه تكرار لمعاني بيت الحين اللذين مرا وبلوغ بها إلى غايتها. إذ الظعائن في الأول لم يخرجن من الوادي لحين. وفي الثاني تخوف من ألا يعدن متى تجاوزن. وفي هذا الثالث تقرير لأنهن لم يرجعن وذكر الحين تعلة بالأملة لو قد أجدى ما يحتال به من وعيد. وإذ قوله «لم يرجعن» بين محضٌ. فإنه رجع فقارب مرة أخرى، لا لينظر، ولكن ليهدد:
فقلت لبعضهن وشد رحلي ... لهاجرةٍ نصبت لها جبيني
لعلك إن صرمت الحبل مني ... كذاك أكون مصحتبي قروني
وهنا بطلت صورة الظعائن المرتحلة، وصار هو، لا فاطمة، المزمع على الرحيل، على مذهب الخروج والجد الذي يصنعه الشعراء، وقوله «لعلك» التماس وتليين وتحذير كتحذيره في قوله «فلا تعدى مواعد كاذبات» وعجز البيت كقوله
стр. 1263
«فإني لو تخالفني شمالي إلخ» ولكنه ذو جانب مهيض وغضبة يأس تتجاوز مجرد التهديد إلى ضرب من التأسي بتقليد فاطمة في الذي كان من قلة اكتراثها، بقلة اكتراث أخرى تشابهها من جانبه.
وعمد المسكين إلى الناقة ليجد، وهي رحلة لا يدري غرضها ولا مداها، وإنما هو استشعار اليأس وطلب السلوى، ولعلها رحلة خيالية يتوهمها أو رحلة من هذه الرحلات التي يدفع إليها قلق العربي واستدرار الشعر كما فعل الفرزدق حين ركب الناقة وأهاب بشياطينه لينجدوه وقد بلغ المثقب من العناء بدوسرته مبلغًا. ثم التفت ليرثي لها، وإنما يرثي لنفسه من هذا العناء الذي لا طائل وراءه ولا أرب خلفه. وقد فطن أبو عبيد البكري، كما قد نبهنا إلى هذا في غير ما موضع، إلى مكان رثاء النفس في أبيات المثقب.
إذا ما قمت أرحلها بليلٍ ... تأوه آهة الرجل الحزين
وقد مرت بك، بما زعمه من أنها خروج من الوصف إلى المناجاة (١).
والحق أن الناقة هنا هي المثقب نفسه.
وبعد أن قضى أربه من الرثاء والبكاء التفت مرة أخرى إلى عنائه فعزم أن يجعل له أربًا، ولرحلته غرضًا ومدى. فذكر عمرًا وانتشى لذكر عمرو:
فرحت بها تعارض مسبطرًا ... على صحصاحه وعلى المتون
إلى عمر ومن عمرو أتتني ... أخي النجدات والحلم الرصين
ولعل عمر أول ما هم بذكره كان عمرو بن هند أو سيدًا من ضريبته، عزم الشاعر على قصده ليتسلى به من الهم وبما يعقبه عليه السير من شرف الوفادة والرفادة.
стр. 1264
ولكن سرعان ما يصير عمرو المبدوء به عمرًا آخر، عمرا يشك الشاعر فيما سيجده عنده، ولعله سيتنكر له كما تنكرت فاطمة ولا يجد في خطابه ومصاداته أكثر مما وجد في خطاب فاطمة ومصاداتها، وآخر القصيدة معروف:
فإما أن تكون أخي بحق ... فأعرف منك غثى أو سميني
وإلا فاطرحني واتخذني ... عدوًا أتقيك وتتقيني
وما أدري إذا يممت أمرًا ... أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
وهنا ترى مصداق ما قدمناه من أن عسى أن يكون عمر وهذا رمزًا لفاطمة. أم عسى أن يكون فتاة أخرى أراد ليفزع إليها من فاطمة؟ ومهما يكن فإن فاطمة نفسها لم تخرج عن أن يجوز أنها رمز لغير امرأة، مما يعن من حاجات النفس، وهذا معنى قدمناه. وما يصدق عليها، يصدق على المفرور إليها منها- فهذا هذا، وتلاحم هذه القصيدة ما ترى، وإنما أضربنا عن تفصيل الخروج الذي ينعت فيه الشاعر سفره وناقته لما اعتذرنا به من ضرورة إرجاء هذا إلى بابه، وهو في تماسكه مع ما قبله وبعده كسائر ما كنا فيه. ونأمل بعد أن يكون الذي أردنا من تأويل نموذج الظعينة في مثالنا الثاني قد اتضح. وإنما دعا إلى ذكر ما قبله وبعده ظاهر نموذجيته الجهير، الذي لا يستدل على باطنه المستتر وحركته القلقة المضطربة والمسرعة المترددة معًا إلا بنحو مما فعلنا والله أعلم.
هذا والمثال الثالث من أمثلة نموذج الظعينة قول القطامي، من قصيدته «ما اعتاد حب سليمي حين معتاد».
كنية الحي من ذي الغضبة احتملوا ... مستحقبين فؤادًا ماله فادي
بانوا وكانت حياتي في اجتماعهم ... وفي تفرقهم موتي وإقصادي
أرمي قصيدهم طرفي وقد سلكوا ... بطن المجيمر فالروحاء فالوادي
стр. 1265
محددين لبرقٍ صاب في خيمٍ ... وبالقرية رادوه برواد
يخفون طورًا وأحيانًا إذا طلعوا ... نجدًا بدا لي من أجمالهم بادي
وفي الخدور غماماتٌ برقن لنا ... حتى تصيدنا من كل مصطاد
يقتلننا بحديثٍ ليس يعلمه ... من يتقين ولا مكنونه بادي
فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
ألمعن يقصرن من بُختٍ مخيسةٍ ... ومن عرابٍ بعيدات من الحادي
تبدو إذا انكشفت عنها أشلتها ... منها خصائل أفخاذٍ وأعضاد
من كل بهكنةٍ ألقت إشالتها ... على هبل كركن الطود منقاد
وكلك ذلك منها كلما رفعت ... منها المكري ومنها اللين السادي
حتى إذا الحي مالوا بعدما ذعروا ... وحش اللهيم بأصواتٍ وطراد
حلوا بأخضر قد مالت سرارته ... من ذي غثاءٍ على الأعراض أنضاد
قفرٍ تظل مكاكي الفلاة به ... كأن أصواتها أصوات نشّاد
ما لي أرى الناس مزورًا فحولهم ... عني إذا سمعوا صوتي وإنشادي
وهذا نموذج نسيب، تداخله تجارب نظر عارم، وفرق ما بينه وبين المثالين السابقين كليهما أنه لا يستبطن قصة حب ضائع تشوب نعت الاستمتاع بمرارة الأسف. ولعلك تساءل ههنا كيف فرقناه ههنا عن نسيب زهير مع أنا قرناه آنفًا به وفرقنا نسيب المثقب والسيب إن مرادنا هناك قد كان التدليل على ما يكون من صلة بين غرض القصيدة ونسيبها في معرض التدليل على مكان الاختلاف بين النماذج المتشابهة. والصلة في هذا الباب بين كلا نسيبي زهير والقطامي واضحة جدًا كما بينا وكما سنبين إلا أنها قد كانت مما يحتاج إلى بسط في نسيب المثقب فلذلك أفردناه. أما ههنا فالشبه بين المثقب وزهير ما ذكرنا وهو سبب جوهري في مذهب الغزل والنموذج، وكون الأمثلة الثلاثة متشابهة من حيث أن ما بعدها متصل بما قبلها في حقيقة أمر النفس الشعري الذي هو جوهر الوحدة في القصيدة، أمر لا يخفى بعد.
стр. 1266
هذا وفي نسيب القطامي دعوى يدعيها لبقية من شباب وفحولة كما عند علقمة، ومن هنا يباين زهيرًا شيئًا كثيرًا إذ ذم زهير للحرب أصرح وإنما يعتذر للحفاظ مع دفاعه عنه. وفرق ما بين القطامي وعلقمة أن دعواه للشباب أشد، لأنه لا ينهي نفسه عن الصبا ويقول «دعها» على حاجة في النفس كما فعل علقمة. وكيف ينهي نفسه وهو مقدم على تغن بشكر عدو وانتصاف لنفسه، ومفاخرة بها وبقومه وتعداد لأيام الحرب. على أن الأسى العميق المستفاد من معنى فوت الظعائن، وهو كناية عن فوت المتع في هذه الحياة يلاحق ما قدمناه من غرضه ويشوبه باستشعار الموت وقبحه، وكراهية الحرب والنزاع إلى السلام، ذلك السلام الذي رحل ثم استقر مع الظعائن عند الوادي الأنيق. ولعلك هنا تستحضر ما قدمنا لك من قبل في باب رمزية الحمامة للمرأة، وما عليه الناس في عصرنا هذا من رمزية الحمامة للسلام.
وألفت القارئ ههنا إلى جانب الحركة من مجموعة في أبيات القطامي والمجموعة أراد دون واحدة فيها كما فعل زهير وكما فعل المثقب والله أعلم. فأول ما يستهل به أنه ينظر إليهم وقد سلكوا طريق الرحيل ثم أموا برقا في خيم، وسيصلون هناك ويضربون الخيم وتقيم فيهن البروق. وآية ذلك أنهم أرسلوا روادهم ليرودوا صنيع هذا البرق عند القرية. والحركة هنا لا تخفى.
ثم أمعن الشاعر في النظر وأجمل ما يكون في تتبع الظعائن من مقاربة ومباعدة.
يخفون طورًا وأحيانًا إذا طلعوا ... نجدًا بدالي من أجمالهم بادي
وهذه النظرة مما يشعر بتتبع الجماعة، إذ هو في تأمله وترقبه عود المشهد إلى الظهور بعد أن غيبته الأهضام، أول ما يرى منه يرى بعيرًا باديًا فيكون ذلك مؤذنًا بقرب تكامله كله عما قليل. وهنا، من هذا البون العزيب، يدني الشاعر الظعائن، فيذكر أول حالهن عند وشك الرحيل، إذ كان ينظر إليهن ويحدثهن حديثًا لا يراه ولا
стр. 1267
يسمعه أولياؤهن أهل الغيرة والشكيمة -وذلك حديث العيون والتحيات وابتسام الثغور. وقد شبههن بالغمامات- ومعنى التشبيه قد مر بك. والصورة الجمالية لا تخفى، ثم أحدث فيهن الحركة بالبرق وفيه ما ذكرنا ثم فيه صفة النظر الصائد، وهذا متضمن لمعنى التشبيه بالسهم، ثم فيه هذا الاتقاء، والاتقاء كأعنف ما يكون من صراع. ثم ضمن معنى حديث النظر إليهن معنى حديث آخر، من الحديث الذين يكون فيه الترائي والكلمات والاتلاع وألق الثغور والأجياد، وهذا قد كان قبل عهد الرحيل، وقد كان عنه الرقيب غائبًا. ونظراتهن لو كانت ساعة الرحيل الذي يصفه رشقًا لأصمت بالعلوق ليس إلا، ولكنهن نظرات يبتسمن بالتلميح إلى عهد حديث ومراءاة، فهذا الذي يجعلهن من قبيل القول العذب، الذي يصيب مواقع الماء من ذي الغلة الصادي. ويؤكد هذا المعنى قوله «ألمعن» من البيت الذي يلي:
ألمعن يقصرن من بُختٍ مخيسةٍ ... ومن عرابٍ بعيدات عن الحادي
والحركة هنا ظاهرة المكان. وبعد الحادي كناية عن أن الركب قد تحرك أوله وهن إنما بلغهن حدث الحركة بأخرة، فهن قصرن من الأزمة في منازعة ما بين المضي والريث القليل. وهن إذ يفعلن هذا يبدو منهن، من ضرور المراءاة ما لم يقصدن حتى يوم تعمدن المراءاة أن يبدينه. قال أبو الطيب وكان ﵀ من أصحاب الرجعة إلى القدماء وإلى الأصول في تجديده الذي لا يدفع موضعه:
وجلا الوداع من الحبيب محاسنًا ... حسن العزاء وقد جلين قبيح
من ذلك انكشاف الأشلة عن الرواحل، فتبدو خصائل أفخاذهن وأعضادهن. ولا تهمن أن الشاعر إنما أراد هنا وصف أفخاذ الرواحل وأعضادها لا غير. فبعير الحسناء مما يزخرفه الشعراء حتى يجعلونه (وإن شئت فقل يجعلوه والرفع أجود وأحب إليّ) كالحسناء. وقصيدة حميد بن ثور القافية، وقد استشهدنا منها بأبيات السرحة، شاهد في هذا، ومعظمها وهو أطول مما تمثلنا به هنا يصف الظعينة
стр. 1268
وراحلتها ويزخرفه حتى قد آض كالعروس. ولولا أن الذي يدخل منها في باب مقاييس الجمال كثير، لكنا جئنا بها في هذا الموضع، وقد نتعرض لها أن تيسر ذلك. وقد فطن النقاد القدماء إلى أن القطامى مما يداخل نعت الإبل في نعت النساء ورموه برمية من نوافذهم حيث قالوا عن لاميته، لو كان قوله:
يمشين هونًا فلا الأعجاز خاذلةٌ ... ولا الخصور على الأعجاز تتكل
في صفة النساء لكان أشعر الناس. وما كان ليغيب عن النقاد القدماء أن الشعراء قد يداخلون نعت النساء في نعت الإبل، من ذلك قول المرقش:
رمتك ابنة البكري عن فرع ضالةٍ ... وهن بنا خوص يخلن نعائما
وفيهم من قدم المرقش على امرئ القيس. وليس مثل هذه المداخلة من فساد الذوق، إنما هي من قبيل ما يصنعه الفنان الراسم من توحيد أطراف الصورة بسمت واحد. وقد ذكرنا أنهم مما كانوا يريغون إلى التجويد، ومن حاق تجارب النفوس العميقة أن تطلب التسامي بالفن والتجويد.
هذا، وقد كشف القطامي مراده من توحيد الصورة في قوله:
من كل بهنكةٍ ألقت إشالتها ... على هبلٍ كركن الطود منقاد
فكما تنكشف أشلة الرواحل، تنكشف إشالات الظعائن، وكما تبدو خصائل الأفخاذ والأعضاء من كل هبل كركن الطود منقاد، كذلك يبدو منهن، وفي ذكر الانقياد إشعار بنعتهن، وفي ذكر الطود إشعار بالمقابلة لأن خصائل البعير فيهن الخشونة وما وصف طرفة، ومع هذه المقابلة اتحاد فتأمل. واللوعة والاشتهاء الموحي بهما في هذا التكشف مما لا يغيب.
ثم أشعرك القطامي أنه لا ينظر إلى واحدة بعينها، وهذا إكمال لتوحيد الصورة، في قوله:
وكل ذلك منها كلما رفعت ... منها المكري ومنها اللين السادي
стр. 1269
واللين السادي أسهل انسيابًا من المكري على بطئهن جميعًا.
ثم قابل ما بين هذا البطء والتباطؤ بانتقال مفاجئ إلى البون البعيد، حيث انخرط سير القافلة، وتناءت عنه بمراحل، واندفع الفتيان يطردون الوحش ليصيدوا ثم يؤوبوا ليتحفوا الفتيات بما يشتوين عند المقيل. وذكر الوحش والطراد فيه إشعار بلذة الصيد، وما يتمناه الشاعر من أن لو كان مع الظاعنين. أو كما قال أمية بن عائذ:
ألا إن قلبي مع الظاعنينا ... حزينٌ فمنذا يُزي الحزينا
ثم قد نزل الحي الظاعن ليقيل، والشاعر من شوقه يتأمل حيث نزلوا، وقد جعله جنة من جنان الغزل، اديا مطمئنًا، مرتفعًا ارتفاعًا رخيمًا رهوًا عن قرارة مجرى السيل. وقد كان السيل قد فاض حتى غشي أدنى العدوة التي نزلها الحي ليقيل. ومن ثم مالت سرارته. وقد انحسر عنها فيضان السيل على أطوار، فترك عند كل موضع رتب فيه فيضانه قبل أن ينحسر خطًا من الغثاء. فأنت ترى جانب السرارة الآن، أنضادًا فوق أنضاد من جراء ذلك.
وفي هذا، عدا تأمل الطبيعة، توحيد صورتها مع صورة الغمامات ذات البروق التي أحالها إليها في رائعة من النهار، توقد بالفلاة منها الحززان ويلتمع السراب. ثم أكمل الصورة بما يناسب الغزل من ترانيم الغناء. وما في شدو المكاكي وسائر أصناف المغردات من الإيحاء ما كنا ألمنا بمعناه آنفًا بمعرض الحديث عن هديل الحمائم. وقد شبه أصوات المكاكي بأصوات النشاد، جمع ناشد وهو الذي أضل شيئًا، فهو يصيح يبحث عنه- ليلد على التجاوب وعلى مراجعة الأصداء. ثم في هذا رجوع إلى نفسه إذ قد أضل الظعائن فهو ناشد، وهو صادح، وهو أيضًا منتش بلذة ما كان من منظر وخيال، وهنا، إذ بلغ هذه الذروة، جاز له أن يتحدى بما كان أثبته في أول قصيدته من
стр. 1270
دعوى الفحولة وبقية الشباب حيث قال:
أبصارهن إلى الشبان مائلةٌ ... وقد أراهن عني غير صداد
إذ باطلي لم تقشع جاهليته ... عني ولم يترك الفتيان تقوادي
كنية الحي إلى آخر ما قال.
ونريد أن نفيض شيئًا في الحديث عن أول هذه القصيدة وعن آخرها، ولكن ذلك قد يلج بنا استطراده شيئًا كثيرًا عما نحن بصدده، فحسبنا هذا القدر.
وإذ رأيت هذه الأمثلة الثلاثة فالقياس عليها والتفريغ منها ليس بمشكل. وقد تعلم أيضًا أن من نماذجها ما يختصر كما يختصر من نماذج غيرها، كقول المرقش:
بل هل شجتك الأظعان باكرةً ... كأنهن النخل من ملهم
وقال بشر بن أبي خازم:
ألا ظعنت لنيتها إدام ... وكل وصال غانيةٍ رمام
وقد بسط شيئًا في الرائية ثم خص ظعينة بالنعت وهذا مذهب وكان امرؤ القيس مما يختصر ويطيل معًا -فعل ذلك في رائيته «سما لك شوق بعد ما كان أقصرا» وهي من الروائع.
وخالط المرقش الأصغر نعت الظعائن والترائي بمعان متداخلات من قري ما ذهب إليه زهير وما ذهب إليه المثقب- وتجربته باب وحدها، يوقف عندها في موضع ذلك إن شاء الله.
وقال مزرد بن ضرار:
وقامت إلى جنب الحجاب وما بها ... من الوجد، لولا أعين الناس عامدي
стр. 1271
وهذا من نعت الترائي والمناغاة. وهو جيد بالغ. ومما يلحق بأوصاف الظعائن. وغير خاف عنك بعد أن المرأة مما كانوا يسمونها ظعينة، رحلت أو لم ترحل. وهذا بعد باب يطول. فحسبنا منه ما قد عنّ والله المستعان.
تتمة في الحركة والحيوية:
مما يلحق بالترائي أوصاف المشية وحركات الجسد واختلاجاته فبعض هذا تشبيهات نموذجية كقولهم «مشية القطا» وبعضه نعوت نموذجية كقولهم «تمشي الهويني».
وما جرى هذا المجرى يخيم دون الإيحاء فيحتاج الشاعر إلى أن يشعره حيوية أو حركة بمعان يزيدها عليه. كقوله المنخل:
فدفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير
فذكر التدافع، وخص ضربًا خاصًا من هيئة القطاة وسمتها، وذلك حين تمشي إلى العدير. وقال المرار:
يتهادين كتقطاء القطا ... وطعمن العيش حلو غير مر
فاستعمل «التقطاء» ليدل على ما تفعله القطاة من اختلاس قدميها، ثم فرع بذكر ما هن فيه من نعمة ليسبغ إيحاء غزليًا خاصًا على التهادي والتقطاء فيه الأشعار بخلو البال وزهو الجمال وارتياد الهوى وخلاب الفتنة.
وقال الأعشى:
غراء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهويني كما يشمي الوجى الوحل
هر كولة فنق درم مرافقها ... كأن أخمصها بالشوك منتعل
فوضح صورة الهويني بصورة الوجى الوحل، ولأن هذه قد تجري مجرى
стр. 1272
النموذج، قد احتاج معها إلى الأوصاف التي عدد في صدر البيت لتكتمل الصورة اكتمالاً حيًا. والهركولة هي الهيكلة الحسنة المشية والقوام، ولا أشك أنها تتضمن معنى الزهو البالغ والشعور بالسيطرة، لأنها كأنها مشتقة من «هرقل»، يدلك على ذلك قولهم «هُركِلةَ» و «هِرَكْلَةٌ» بمعنى «هركولة» والأوليان أقرب إلى الأصل الأعجمي. وهرقل من أنصاف الآلهة والأبطال اليونان، وقد صار علمًا من أعلام الملوك- فيكون معنى هركولة على هذا «كأنها هرقل». وليس العمد إلى مثل هذا مما يستبعد عن الأعشى وهو القائل:
وطوفت للمال آفاقه ... دمشق وحمص وأوريشلم
وزرت النجاشي في أرضه ... وأرض النبيط وأرض العجم
هذا وبعض هذه الأوصاف ألفاظ دالة على الحركة، تجري مجرى النماذج، إلا أنها أقوى إيحاء وأحمل لطابع الحيوية، مثل قولهم «تلوث مئزرها على كذا» و «نفج الحقيبة» «وينفج نهدها الثوب» و «يبهظ المفضل من أرادفها» إلى آخر ما قال المرار. وهذه تزيد حيويتها بحيوية ما تقع فيه من سياق، شأنها في ذلك شأن سائر ألفاظ اللغة مما يستعان به على البيان. قال حسان:
نفج الحقيبة بوصها متنضدٌ ... بلهاء غير وشيكة الأقسام
فجاء بنموذج الردف الثقيل في الصدر من بيته. ثم أتبعه أوصافًا وسمتها بما ذكره من أنها بلهاء، وأنها غير سريعة الضغب تستعجل بأقسامها لأدنى شك- وكل ذلك إشعار بسذاجتها وبراءتها وطيب نفسه وخفة روحها، وفيه بعدما لا يخفى من القصد إلى التحريك ونفخ الروح في الثقل الواني الذي مر آنفًا.
ونحو هذا كثير، ويدخل في باب المقاييس الجمالية، وباب تحريك التمثال، ومنه ما يدخل في القصص والالتفات القصصي وستجيء منه أمثلة تفي إن شاء الله.
стр. 1273
أوصاف النساء ومداخل الغزل:
ذكرت العرب من أوصاف النساء ضروبًا لا تكاد تحصى، ومن مداخل الغزل كذلك. ومن هذا كثير تقدم. فما ذكرته في أوصافهن المرأة المنعمة، والجميلة الفارعة، والقصيرة الدميمة، والضخمة التي يضيق عنها الباب، والعوان ذات البقية والشمطاء الوالهة، والكزة الرهيبة، والجليلة المهيبة، قال علقمة:
منعمةٌ لا يستطاع كلامها ... على بابه من أن تزار رقيب
ويدخل في هذا وصف الممنعة المحجوبة- قال امرؤ القيس:
تجاوزت أحراسًا إليها ومعشرًا ... علي حراصًا لو يسرون مقتلي
وفي ذكر الأحراس كناية عن المغامرة كما سنذكر إن شاء الله.
والممنعة النفور، قال عروة بن الورد:
يعاف وصال ذات البذل قلبي ... ويتبع الممنعة النوارا
والكريمة الشريفة العفيفة، والحظية الجارية، قال النابغة:
والراكضات ذيول الريط فانقها ... برد الهواجر كالغزلان بالجرد
وقال الأعشى:
والبغايا يركضن أكسية الإضـ ... ـريح والشرعبي ذا الأذيال
والقينة الهلوك، قال طرفة:
رحيبٌ قطاب الجيب منها رفيقةٌ ... بجس الندامى بضة المتجرد
والبغي ذات السطوة، قال الأعشي:
هركولة فنقٌ درمٌ مرافقها ... كأن أخصمها بالشوك منتعل
стр. 1274
ومن رميات النقاد له في هذا الباب ما ذكروه من أن قوله:
قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل
أخنث ما قالته العرب. ومن ذلك أيضًا تعريض المعري به في رسالة الغفران على لسان النابغة الجعدي وتصريحه.
ومن أوصافهن السعلاة، إذ تزوجها بعضهم، والمرأة الشرسة، والزوجة المغاضبة، قال الجميح:
أمست أُمامة صمتًا ما تكلمنا ... مجنونةً أم أحست أهل خروب
والزوجة المشاركة، وقد تكون هي العاذلة كما في قول عمرو بن الأهتم الذي مر بك، وكما في قول مرة بن محكان:
يا ربة البيت قومي غير صاغرة ... ضُمي إليك رحال القوم والقربا
ومرة إسلامي كما تعلم.
والأم المربية، والأم الغائرة من حماتها، والمطلقة تتبعها النفس كما في شعر زهير، والمطلقة لا تتبعها النفس أو كذا يدعي الشاعر كما في قول الأعشى:
أيا هذه بيني فإنك طالقة
وكأن المعري يتهمه بأن نفسه قد تبعتها في قوله من اللزوميات:
وما هاج قلبي بارقٌ نحو بارقٍ ... ولا هزني شوق لجارة هزان
وقال في رسالة الغفران على لسان النابغة الجعدي: «ولقد وفقت الهزانية في تخليتك، عاشرت منك النابح» وأجاب بلسان الأعشى: «وذكرت لي طلاق
стр. 1275
الهزانية، ولعلها بانت مسرة الكمد، والطلاق ليس بمنكر للسوق ولا للملوك» (١) وهذا الاعتذار الأخير مشعر بنفس مما في اللزوم.
والخليلة المصارمة كما رأيت من قول المثقب، وعسى أن سترى من قول المرقش والعائدة المترفقة، قال الآخر:
وما عليك إذا خبرتني دنفًا ... وغاب بعلك يومًا أن تزوريني
وتأخذي نغبةً في الكوز باردةً ... وتغمسي فاك فيها ثم تسقيني
وتائية الشنفري فيها هذا الباب.
ونحو هذه الأوصاف والنماذج، كثير.
ومن مداخلهم إلى الغزل سوى ما تقدم، القصة، وقد تكون ملحمية وهذا أسير نموذج كالذي عند امرئ القيس، وقد تكون غير ملحمية كقول عنترة:
تجللتني إذ أهوى العصا قبلي ... كأنها صنمٌ يُعتاد معكوف
وكرائية عروة بن الورد في امرأته التي يقول فيها:
سقوني النسٍ ثم تكنفوني .. عداة الله من كذبٍ وزور
وقد مر خبر ذلك فيما مضى. والقصص غير الملحمي في الظاهر مما يداخل الملحمي ويكون فرعًا وطرفًا وتبيينًا، وهذا سنعرض له، ككثير مما في معلقة امرئ القيس وغيرها.
ومنها الالتفات القصصي وهذا مسلك لا حبٌ، وقد يُضمنه الحوار، كقول عبد يغوث:
وتضجك مني شيخةٌ عبشمية ... كأن لم ترى قبلي أسيرًا يمانيًا
стр. 1276
ومنها المذهب المسرحي وهذا يكون كالالتفاتة، فيكون من باب الالتفات القصصي كبيت عبد يغوث الذي مر، وكقول المنخل:
فدفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير
ولثمتها فتنفست ... كتنفس الظبي البهير
وبكت وقالت ما بجسمك ... يا منخل من حرور
ما شف جسمي غير حبك ... فاهدني عني وسيري
وكقول امرئ القيس:
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
وأكثر الالتفات من الغيبة إلى الحضور ومن الحضور إلى الغيبة داخل في هذا الباب. والمناجاة والمناغاة وأصناف مخاطبة النساء مثل قول علقمة:
فلا تعدلي بيني وبين مغمر ... سقتك روايا المزن حين تصوب
تدخل أيضًا في هذا الباب. وأصناف أخر كثيرات غير هذا-
ولقد تسأل كيف ننسب إلى العرب مذهبًا مسرحيًا وهم لم يعرفوا ما نسميه المسرح وإنما المسرح عندهم كان مسرح السائمة ثم ما يحمله المجاز عليه كمسرح الطرف وهلم جرا.
وجوابنا أن العرب كانوا أهل قصص وأسمار وأحاديث وولع بالأخبار. ولقد بلغ من ولعهم بالأخبار أن يتتبعوها من غير كبير أرب لأنفهسم وراءها، اللهم إلا أملاً غرزيًا أو كالغرزي فيما أحسب، أن يتأتى لهم سداد أرب من معرفتها. من شواهد ذلك مثلاً خبر السيرة في غزوة بدر إذ ألم النبي ﷺ وصاحب له بشيخ من العرب فسألاه عن خير الناس، فإذا عنده خبر المسلمين وخب قريش معًا (١).
стр. 1277
ولقد كانت الجن التي تعمر صحراء العرب تشاركهم الولع بالأخبار. وقد أثبت القرآن في هذا أخبارًا لا مدفع لها، من وفود جن نصيبين أو سواها على الرسول صلوات الله عليه، في مرجعه من الطائف، فقالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ وفي سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وفي السيرة أن إبليس تمثل بصورة شيخ نجدي ليشهد نجيّ قريش، وأن الجن هتفت بهجرة النبي. وقصة استراق الجن للسمع من السماء معروفة.
وقد كانوا يوالون من العرب ويعادون. وربما تيموا أو قتلوا. وممن قتله الجن في الجاهلية حرب بن أمية:
وقبر حربٍ بمكانٍ قفر ... وليس قرب قبر حربٍ قبر
وسيدنا سعد بن عبادة في الإسلام:
قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة
ورميناه بسهمين فأصمينا فؤاده
وادعاء الكهان والشعراء في تلقي الأخبار من الجن والشياطين معروف.
هذا، وكان التبليغ الواضح بمكافحة اللسان والبيان، أكبر وسائلهم في نقل الأخبار. وهذا كان يقتضي المسرحية في التعبير ضربة لازم. وكان الشاعر بحكم طريقته المباشرة لإرادة التبليغ كما قدمنا في أول تمهيدنا، مسرحيًا في جل تعبيره، قصصيًا واصفًا في كثير منه، مطربًا ممتعًا متغنيًا في كثير منه. فاجتمعت بذلك لديه في مذهبه الواحد فنون الشعر الثلاثة التي زعمها نقاد الإفرنج، وغيرها مما لم يذكروه كالذي رأيت من اشتباكات الكناية والرمز والوحي والتلميح، على نحو ما -هو نحو
стр. 1278
القصيدة- ومن أجل هذا ما ننكر وسم القصيدة بأنها فن غنائي خالص من فنون الشعر، إلا في قول من يقول إن الشعر كله غناء.
ولقد اتسعت معارف الناس الآن حتى قد علموا أن ليست المسرحية هي الفصول وخشبة المسرح ذات الستائر وما بمجراها، وتعدد الأشخاص المتحاورين والعقدة، كما قد اتسعت في زمان مضى في أوروبا فألغت ما كان يشترطه المذهب الكلاسيكي من وحدة الزمان والمكان والحدث.
وجوهر المسرحية الخطابة الموضحة لحال مع التشخيص بالصوت. وتعدد الأشخاص واتخاذ موضع يعين على تمثيل الحال من خشبة مسرح وما إليها، كله من باب تجويد المسرحية وقد ينتقد بأنه فيه افتئات على خيال السامع وذكائه. وقد عرض لهذا المعنى بريستلي في كتاب له مختصر عن المسرح. وقد كان الإغريق يتوسطون بين تعداد الأشخاص وأفراد قاص، بالرسول الذي يضعون على لسانه صفات الأحداث الهامة ويعهدون إليه بتشخيصها. وكانوا مما يتلطفون إلى مجاملة خيال السامع وذكائه بالنشيد المشترك (الخورس) الذي يبعد به عن جو المشاهدة إلى جو من التأمل. وقد كانوا مما يتجنبون الحركة ويعتمدون على جهارة الصوت وتنويعه، ويتخذون لذلك الأبواق. ومما يدلك على أن العقدة ليست بشرط، أن المآسي الإغريقية كانت معروفة، فلم يكن من غرض الشاعر عندهم تشويق السامع إلى نهايتها أو أحداثها، وإنما كان غرضه إيقاع العبرة والعظة وروح التعبد بما يفتتن فيه من إتقان. ولقد يكفي الآن في الفن المسرحي أن يشخص الممثل قطعًا من خطب شكسبير فيهبر بالافتنان من دون أن يمضي في الرواية إلى آخرها. ومسرحية ميلاد المسيح ورسالته، وهي مما مهد لفن المسرح الأوروبي الحديث كانت تجري بعض هذا المجرى. والحق أن العقدة لاحقة بالقصة، فمن أراد القصة في أداء مسرحي عقد، ومن لم يرد لم يعقد.
ونحن لا نريد ههنا أن ندعي للعرب أنهم عرفوا فن الدرامة كما عرفه إغريق
стр. 1279
الأمس وإفرنج اليوم. ولكنا نزعم أنهم عرفوا جوهر الفن الدرامي، وجاءوا به في كثير من أدائهم، وأحسنوا أيما إحسان في الذي جاءوا به.
وقد تعلم ما يُذكر من أمر القصص والقصاص أيام الخلافة الأولى، ولاسيما خلافة بني أمية. ولقد نفق أمرهم حتى أوشك القاص أن يكون ضربًا متممًا للتعبئات الحربية، من شواهد ذلك ما يروي في خبر عتاب بن ورقاء، إذ سأل فيما سأل عنه وهو بإزاء قتال الخوارج عن قاص يحدث الناس عن أخبار عنترة ليثير فيهم الفراسة والحماسة. فلم يجبه أحد. فتفاءل من ذلك شرًا. ثم إن أصحابه أسلموه فقاتل حتى قتل.
وقد كان في القصص -يدل على ذلك ما بأيدينا الآن من سير وأخبار شديدة حيوية التعبير كالسيرة والأيام مثلاً- كثير من من المذهب الدرامي مما ينبئ أن القصاص قد كانوا مما يتبعون أسلوبًا دراميًا تشخيصيًا في التعبير. وقد ذكر أن سيدنا عثمان ﵁ سأل أبا زبيد الطائي الشاعر وصف الأسد، فاندفع هذا حتى إذا بلغ من ذلك مبلغًا قال له سيدنا عثمان: مه فقد أخفت المسلمين. ومثل هذا النهي لا أحسبه نشأ إلا من قوة تشخيص شخصها أبو زبيد (١).
ومما كيد لابن إسحق به فأخرج من المدينة أن مجلسه كانت تجتمع إليه النساء وما كان بالرجل من ريبة فقد كان من الفضلاء أهل المعرفة والإتقان. ولكنه كان فيما يبدو حلو الحديث جيد الأداء حسن الهيئة والتشخيص فيما يقص والنساء مما يأخذ ذلك بقلوبهن، فلعله كره هذا من صنيعه بعض أهل التحرز والتحفظ.
هذا وفي السير والأخبار شعر كثير كمساجلات ما بين المسلمين والمشركين، وما بين أصحاب علي ومعاوية يُنشد على ألسن الأبطال قبل القتال وفي أثنائه ومن بعده، وهذا مما يدل على مذهب مسرحي، إذ مجمع على أن الصحيح من هذه الأشعار قليل،
стр. 1280
وأن أكثرها انتحال القصاص، ولا ريب أنهم انتحلوه على حذو نماذج قديمة، كقصة البسوس وداحس والغبراء وأقاصيص طسم وجديس وهلم جرا. وسنعرض لهذا الباب إن شاء الله إذا عرضنا لحديث الجزالة واللين.
والأمثلة بعد كثيرة. وعسى هذا الذي ذكرناه أن يوضح ما زعمناه من المذهب المسرحي في معرض الإيحاء باللوعة والهوى. وجلي أن المذهب المسرحي قد يلابس القصص الغرامية، ملحميها وغير ملحميها والالتفات القصصي وسائر ما يكون من الأوصاف.
هذا ومن مداخل الغزل رفث القول. وهذا يحملونه محمل الهزل، ومحمل المغايظة، والأول يحتمل، والثاني قد يُحفظ، ولكنه يُحتمل في الكثير الغالب لمجراه مجرى الهزل في الحقيقة، ومنه قول زهير:
تعلم أن شر الناس حي ... ينادي في شعارهم يسار
ولولا عسبه لرددتموه ... وشر منيحة عسبٌ معار
الأبيات.
ومن هذا المجرى ما يقع من المهاجاة بين الشعراء والشواعر كالذي ذكروا من حديث الأغلب وصاحبته إذ هجاها بقوله (الخزانة ٢ - ٢٠٥):
جاريةٌ من قيسٍ بن ثعلبه
ومن حديث ليلى الأخيلية والنابغة الجعدي؟ ونقائض جرير والفرزدق تدخل في هذا الباب وهي امتداد وتفريع له وموضع جميع ذلك باب الأغراض.
وباب الملح أو ما يسمى الملح والنوادر يدخل فيه كثير من هزل الرفث، وأكثره قطع مفردات يحسن إلحاقها بقريّ النسيب دون الخروج والأغراض، كما في آخر كتاب الحماسة لأبي تمام كقول الآخر:
стр. 1281
جزى الله منكم ذات بعلٍ تصدقت ... على غزبٍ منا وليس له أهل
فإنا سنجزيها الجميل بفعلها ... إذا ما تزوجنا وليس لها بعل
وكقول الأخرى تصف زوجها فيما زعموا:
كأن خصييه إذا ما هبا ... دجاجتان تلقطان الحبا
وكما يستشهد به النحاة واللغويون ومن إليهم كثيرًا في نعوت ما لا ينعت إلا هزلاً مثل قول الأخرى:
إن هنى حزنبلٌ حزابيه ... إذا قعدت فوقه نبا بيه
كالأرنب الجاثم فوق الرابيه
وكبيت سيبويه (٢ - ٦٤):
إن لها مركنًا إزربًا ... كأنه جبهة ذرى حبًا
وكأبيات أبي النجم العجلي التي أولها:
علقت خودًا من بنات الزط
ومن أقدم هذا قول النابغة وإذا لمست إلى آخر ما قال.
ونحو هذا كثير، ويلحق به باب نرى أن نسميه الهجاء الغزلي أو بعضه وسيلي إن شاء الله. ومن عجائب العرب أنهم مع غيرتهم كانوا إذا هزلوا أو غايظوا بكالهزل لا يكنون، وهذا من مذهب البداوة في التعبير، لا ترى به بأسًا، وتراه ضربًا من خشونة القول، وقد كانوا مع هذا تنبو أذواق أهل الحس المرهف منهم عنه، إلا أن يلجئوا إليه إلجاء كالذي رأيت من زهير والنابغة. وقد كان رسول الله ﷺ في ذروة الذروة من الحس المرهف فحين كان يسمع خشونة أصحابه في هذا المجرى كان مما ينهي أو تبدو عليه صوات الله عليه ظلل الحياء كالذي فعله من قوله لسلمة بن سلامة
стр. 1282
ابن وقش، من قوله له «مه أفحشت على الرجل» فيما روى ابن إسحاق (١). وكما روت سيدتنا عائشة من استحيائه من مسألة بعض نساء الأنصار (٢). إلا أن يرى أن ذلك كان في وجه حق كمقالة سيدنا أبي بكر لعروة بن مسعود الثقفي قبيل صلح الحديبية. وكما أمر به من النهي عن عزاء الجاهلية وكنى بما أدبه الله من الحياء وحث على ألا يكنى في هذا الباب.
ونبو أذواق أهل التحضر عن نحو هذا على خلاف نبو أهل الذوق. لأن أهل الذوق كما قدمنا ينبو إرهاف إحساسهم عن الخشونة. أما أهل التحضر فينبو تواضعهم الذوقي عن الجرأة والتصريح. وفي التحضر من ألوان الفسق ما ليس في البداوة ولا يعن بخاطرها، فهذا سر انزعاج الحضري مما يفصح به البدو، وبين المذهبين في النبو كما ترى بون بعيد، كبعد ما بين التلطف والتأفف والله أعلم.
وقد كانت العرب مما تكره أن ينحي برفث القول إلى جد أو كالجد. فلهذا ما كان يحفظها بعض الهجاء يورده صاحبه كالهازل وهو جاد. وصبر الناس على هجاء جرير دون الفرزدق من العجب، لأن في كثير مما عاب به أقرانه، عدا أمر جعثن، رنة صدق موجعة. ولا هكذا كان الفرزدق. وأحسب أن عمدهم أن يحملوا قول جرير على حاق الهزل حتى فيما يكون عرّض به وهو يعلم. كان مما يتطلبه أيضًا مذهب الغيرة والحفاظ سياسة ودهاء مثال ذلك قوله:
فما خفيت هضيبة حيث جرت ... ولا إطعام سخلتها الكلابا
وهذا لا يناقض ما قدمنا آنفًا مبدأ حديثنا عن الغيرة، إذ بدعوى التهازل قد احتاط جرير لنفسه. وقد صار الجرح الموجع له مذهبًا عرفه به الناس حتى قد كاد
стр. 1283
يقارب إليه أو يبلغ في بعض ما ابن به جعثن نفسها، وذلك قوله:
وقد علم الفرزدق حين تشكو ... عروق الكليتين من الطحال
على أنه قد اعتذر لهذا بالهزل في البيتين قبله وبعده.
ومما يدلك على كراهة العرب أن ينحي بهذا وما إليه منحى الجد ما عابوه على امرئ القيس في قوله:
فمثلك حُبلى قد طرقت ومُرضعٍ ... فألهيتها عن ذي تمائم محول
إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يُحول
والبيتان جيدان وللفن حدود ينبغي أن يوقف عندها وكان امرؤ القيس لا يقف فمن أجل هذا ما عاقبته العرب عقابًا لم تعاقب به سيدًا من ساداتها، حتى لقد آل أمره إلى أن يكون ماله المعزي بعد الإبل، وإلى أن تتجهمه بنو شمجي بن جرم وإلى أن تلاحقه العرب بالتعيير بعد رحلته إلى قيصر فينسبوا إلى موته ما نسبوا من أمر الحلة المسمومة. وقد أثبت الإسلام له فضيلته في الشعر، ثم جعله من أهل النار حتى إن أبا العلاء لم يجسر على الاحتيال له في جنته الخيالية، ولو قد قدر لفعل.
وقد علمت العرب أن النابغة لم يكن بجاد على ما جاء بكلامه في محمل الجد، فلاحقته بشيء من معرة. وأثبتت رأيها في أنها لم تنسب الغيرة إلى النعمان بادي بدا على قبحه وأشره، ولكن نسبتها إلى المنخل وادعت له علاقة حب من المتجردة، وكأنها أحست حسًا نما ما في نحو قوله:
فبكت وقالت ما بجسمك يا منخل من حررو
فجعلته بشيء بالنابغة عند النعمان. فجعلت كما ترى غيرة النعمان بأخرة وأرتنا عطفًا على النابغة، وانتصفت له بما كان من قبول اعتذاره، وبما يذكر من أن المنخل حُمل على اليحموم فاندقت عنقه.
стр. 1284
وبعد فنريد الآن، بعد الذي ذكرناه، لنعرض عرضًا يسيرًا لهذا الذي يقول به بعض المعاصرين من اتهام العرب بالجنسية والمادية وأنهم لم يفطنوا في باب الغزل إلى نعت النساء بما يكون من محاسن الأخلاق أو يدخل في باب محاسن الأخلاق.
وقد سبق منا أن أجبنا بإجابات في هذا الباب وعسى أن تكون كافية. ولكن ينبغي أن نضيف ههنا تتميمًا وإكمالاً على ما سبق، أن سائر ما كنا فيه من تعداد نماذج أوصاف النساء يشمل جانب كبير منه ما يتعلق بالأخلاق، مساوئ ومقابح. ومنه ما يتعلق بأمر المودة والجفاء في خالص ما يكون من العلاقات البشرية، بغض النظر عن الجنس، وإن كان الجنس كما قدمنا مما لا يمكن أن يدعي استبعاده إلا على وجه التصوف الخالص أو كما قال ابن قتيبة في قول أسلفناه: «لما قد جعل الله في تركيب العباد من الغزل والف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقًا منه بسبب وضاربًا فيه بسهم حلال أو حرام (١)».
ولكي نثبت عند القارئ ما نحن بصدده حتى لا نحتاج إلى العودة إليه، نضرب إليه أمثلة ثلاثة من شعر الجاهليين دون غير هم، فيهن ذكر الأخلاق ونعتهن، وهنٌ بعد يتفاوتن في مدلولات الإيحاء فيما بين لوعة الجنس التي يلابسها اشتهاء ولوعة الجنس التي تتسامى إلى الروحي من التسامي، وليضف هذا إلى ما سبق ما زعمناه أمثلة متسامية إن شاء الله. أول هذه الأمثلة قول الشنفري:
ألا أم عمرو أجمعت فاستقلت ... وما ودعت جيرانها إذ تولت
وقد سبقتنا أم عمرو بأمرها ... وكانت بأعناق المطيِّ أظلت
بعيني ما أمست فباتت فأصبحت ... فقضت أمورً فاستقلت فولت
فوا كبدا على أميمة بعدما ... طمعت فهبها نعمة العيش زلت
فيا جارتي وأنتِ غير مليمةٍ ... إذا ذُكرت ولا بذات تقلت
стр. 1285
لقد أعجبتني لا سقوطًا قناعها ... إذا ما مشت ولا بذات تلفت
تبيت بعيد النوم تُهدي غبوقها ... لجارتها إذا الهدية قلت
تحل بمنجاةٍ من اللوم بيتها ... إذا ما بيوتٌ بالملامة حلت
كأن لها في الأرض نسيًا تقصه ... على أمها وإن تكلمك تبلت
أميمة لا يخزي نثاها حليلها ... إذا ذُكر النسوان عفت وجلت
إذا هو أمسى آب قرة عينه ... مآب السعيد لم يسل أين ظلت
فدقت وجلت واسبكرت وأكملت ... فلو جن إنسان من الحسن جنت
فبتنا كأن البيت حجر فوقنا ... بريحانةٍ ريحت عشاءً وطلت
بريحانة من بطن حلية نورت ... لها أرجٌ ما حولها غير مسنت
وباضعة حمر القسي بعثتها ... ومن يغز يغنم مرة ويُشمت
«ومفتاح» هذه الكلمة كما يقول الأستاذ العقاد قوله «فبتنا» فإن كانت زوجته فالكلمة فيها ما ترى من تعت محاسن الأخلاق ولسنا نحتاج إلى الأمثلة الأخريات في معر ض الاحتجاج. وإن لم تكن زوجته فهذا مشكل مع الذي قدمه من نعوت، ونحن أميل إلى هذا، والله أعلم.
تأمل قول الشنفري حين ابتدأ بالتنبيه «ألا» ثم أعطاك الرحلة كلها معًا على منهج علقمة «رحلة فركوب» ثم ذكره للوداع للجيران كلهم، مخفيًا نفسه بينهم. ثم يصير بعد إلى ضمير الجمع المتكلم «سبقتنا» فلم نشعر إلا بها هي والمطي واسم كان ضمير الشأن وهذا لا يخفى. ثم صار بعد إلى ضمير المتكلم الواحد، فصار هو الجيران كما ترى. وذلك قوله «بعينيّ» ثم تتبعها ظاعنة لا يتأمل تأمل القطامي، وكيف يتأمله وهو لا يريد إلا معنى متعة ونظر، ولا تأمل المثقب، وكيف وهو لا يريد إلى قلق من عتاب وخصام، ولا تأمل زهير، وكيف وهو وإن تك نفسه تابعة ما ظعن، فما نال أخلد في نفسه أثرًا وأدعى إلى أن يتفكر فيه ويتعظ به ويتلذذ بذكره ويتحسر كيف فات،
стр. 1286
وإنما هي الدنيا تنيل وتأخذ؟ وقد جزع لما فات فلا أكثر من أن يصرح بالجزع جهيرًا وأن يسر في نفسه، حياء وتقية ما قد جزع عليه مما فات. وحسبه من ذلك أن يجعل أم عمرو وهي كنية التجلة والتفخيم، أميمة وهي تصغير التمليح والحنين والترخيم، ثم أن ينعتها بأنها نعمة العيش. وأنها قد ولت، وليس بعد النعمة إلا الشقاء.
ثم إذ دعاها أميمة قارب مقاربة بعد ذلك فجعلها جارة له، وناداها بجارتي، وبعيد أن يكون أراد بذلك زوجتي وإنما معناه «كزوجتي»، وهذا سر الإسراع بنفي الملامة عنها لما يتبادر من معنى الملامة مع مثل هذا التقريب ممن ليست بزوجته. وفسر معنى الجوار بأنها ليست «بذات تقلّت»، وتقلت هنا حكاية كما يقول النحويون، أي لا يقال في مثلها إنها متلقية تتعازب وتتغطرس وتتبغض، ولكن تبر وتداني وتحسن، فما إحسانها وما مداناتها وما برها؟ وهنا يفاجئك المسرحي العربيّ بالتفات. وذلك أنه يؤجل ذكر ما أحسنت به إليه، ليحدثك عما أعجبه منها هي حين أحسنت إليه، وحين يراها في الحي فيذكر أنها هي بعينها التي أحسنت إليه.
لقد أعجبته أنها متحشمة لا يتساقط قناعها كما تفعل بعضهن ترائيا حين يمشين، وأنها لا تتلفت عفافًا وكبرياء نفس ودقة حس وأنها برة:
تبيت بعيد النوم تُهدي غبوقها ... لجارتها إذا الهدية قلت
وأن برها أشد ما تكون الحاجة يكون بخفية وفي ستر، وقد خشي الشاعر أن يحمل قوله هذا على الإيحاء -وسترى أنه كذلك كما سنذكر لك من بعد- فبادر إلى تكرار نفي الملامة عنها كل النفي، ملامة البخل بالطعام وملامة ما تلام به النساء إذ أنها كهمك من حليلة بعلٍ نقاءً وصفاءً، أبعد ما يكون بيتها عن أن يؤبن بريبة، وغيرها ممن عسى أن يصطنعن الجفاء والبخل وعزمة العفاف لسن كذلك. وعسى أن يكون الشنفري ههنا يعرض بجارة لهذه الفاتنة أو بنت حي من حيها.
ثم يدلف الشنفري يتأملها وهو مشغوف، إذ هي تمشي والحياء يطأطئ رأسها
стр. 1287
كأن له في الأرض نسيا تقصه، وهي تكلمه، ولعل هذا كان حين أحسنت عليه، فتتعثر عليها اختلاجات الكلمات من فرط الحياء- ولا يخفى ما في هذا من اقتراح اللوعة الجنسية أي اقتراح وإيحائها أيما إيحاء.
والشاعر أفطن شيء لهذا الإيحاء فهو يبادر لينفي ما قد يحمله عليه السامع ولولا صدقه إن يكاد ليدنو ما يقوله من السخرية الرفيقة اللمس:
أميمة لا يخزي نثاها حليلها ... إذا ذُكر النسوان عفت وجلت
وقوله أميمة مستفاد منه «هذه التي أدعوها أميمة يا هذا» وليس كقوله أميمة أول ما بدأ بهذا التصغير التحبيبي.
وفرع عن معنى ذكر العفة والحليل في قوله:
إذا هو أمسى آب قرة عينه ... مآب السعيد لم يسل أين ظلت
وصدر هذا البيت إلى نصف عجزه فيه دليل الغبطة وأنه ينفس على بعل أميمة ما وهبه الله من متعة العيش بها، واللوعة هنا مستكنة ظاهرة كما ترى. أما آخر البيت فيوشك أن يداني رفيق المس السخري لولا الذي قدمناه من صدق لهجة الشاعر. ثم الذي نزعمه من المس السخري ليس بمستنكر في ذات نفسه، أن أبهنا إلى أن ما ناله الشاعر نيل عظيم، يناقض من جهات كثيرة ما يرضى به الحليل ويثير الغيرة إن عُلم أمره أي إثارة، ثم هو بعد لا يناقض خالص العفة.
وإذ قد أشعر الشنفري بغبطته حليل أميمة جاملنا فوصف لونا مما غبطه فيه من جلال سمتها وهيئتها واسبكرار جمال جسدها وكماله، وفي الاسبكبرار كناية عامة عن سائر ما تفتن به المرأة في معارض جسدها، ثم عبر الشاعر عن حاق نشوته لهذه الفتنة بقوله:
فلو جن إنسانٌ من الحسن جنت
стр. 1288
ثم أضرب عن ذكر ما أحسنت إليه به، وعمّى ليبلغ بالإيحاء إلى ذروته فقال:
فبتنا كأن البيت حجر فوقنا ... بريحانة ريحت عشاءً وطلت
والشاعر حين يعمى أشد ما يكون إرشادًا إلى تجربته، جوهرها وسر حقيقتها. إذ الذي ناله الشنفري من أميمة أنه انتشى وثمل من مجلسها حتى لكأن البيت قد شملته ريحانة- ريحانة منظرًا وريحانة حديثًا وريحانة لطفًا وعطفًا وإحسانًا ولذة غزل، وافتن الشاعر بعد في نعت هذه الريحانة وجاز عصره في هذه النشوة حتى بلغ عصر أبي تمام العباسي في استحلاء الجناس المتقن «بريحانة ريحت عشاء وطلت» وما نفس أبي نواس عنه ببعيد:
وأضغاث ريحانٍ جنيٌّ ويابس
ثم ارتاح إلى الريحانة فذكر موضعها وأنها قد نورت، وإنما ارتاح ليتجلد إذا حوله الأرج المسنت، إذ الغارة والموت والجيف والنقمة بعد النعمة، ولكن هذا أيضًا مما تهتاج له النفس، ويندفع في قريان منه فيض الحيوية والنبل الإنساني، كما اندفع من أميمة. أليس يذكر الشاعر في معرض نعته له ذات العيال التي زودته حرصًا على سياسة القتال، هو وأصحابه، زادًا أو تحت فيه وتقلت، على أنها للذي يصف من مكرمتها وجودها بنفسها، ليست بذات تقلت، كما أميمة ليست بذات تقلت. وإنما هي كما قال:
تخاف علينا العيل إن هي أكثرت ... ونحن جياعٌ أي ألٍ تألت
وما إن بها ضنٌّ بما في وعائها ... ولكنها من خيفة الجوع أبقت
وكذلك أوتحت أميمة وأقلت من خيفة العار، إذ هي لا سقوط قناعها ولا يخزي نثاها حليلها. وإنما زودته أميمة قعبا من لبن إذ هو مريض، وإذ هي قد رقت له وعادته. وقوله:
стр. 1289
تبيت بعيد النوم تُهدى غبوقها ... لجارتها إذا الهدية قلت
جاء به شرحًا لقوله «ولا بذات تقلت» فورّى وعمّى ونبه به على صفتها من بر جارتها وتلك حسنة. وليس ما زعمه ههنا بمستبعد أن يكون قد عهد نحوه من صفتها فمدحها به. ولكن السياق يقتضي أن الجارة هذه ليست إلا الجار الذي كان جيرانًا في مطلع القصيدة، وهو الشنفري نفسه ومما يقوى هذا المعنى أن قوله «بعيد النوم» مع دلالته على خفيّ البر دون معلنه فيه أشبه بالذي نذهب إليه من معنى العيادة والزيارة. وأن قوله «تبيت» كأنه صدى لقوله «فبتنا» أو كأن قوله «فبتنا» صدى له وليس الشعراء الحذاق مما يجيئون بنحو هذا عبثًا، وقوله في آخر القصيدة:
ألا لا تعدني إن تشكيت خلتي ... شفاني بأعلى ذي البريقين عدوتي
مدح ودال على هذا المعنى الذي ذكرناه وقد عمّي الشنفري تقية وشكرانًا لهذه التي أحسنت إليه أن يجيء ما قد يحمل على التصريح في أمرها فجعلها خلة وخاطبها بخطاب الخلة الرجل لا الأنثى -ألا لا تعدني وفي قوله «ألا» رجع صدى من قوله «ألا أم عمر وأجمعت فاستقلت» - وإنما الأمر أنه يعجب لنفسه كيف يستأهل أن يعاد وهو لا يقدر الحياة قدرها، ولا يختار أن يبقى مع الريحان حين تدعوه الغارة ذات الأرج المسنت.
ثم علام يأسف، فقد استفاد من الغارة صحبة صديق حميد، وقد شفى نفسه بمأثرة إدراك الثأر في مشهد فظيع:
جمار منى وسط الحجيج المصوت
وقد آب ليرى أنه بما اختار من مذهب حياته غرض الموت، طال العهد أو قصر. ثم ماذا عسى أن يشين ذلك. أليس كل حي غرض الموت؟ أم ليس حسب الفتى أن يكون مثله، على سجيته طلقا سجحا، حلوا إن أريدت حلاوته ومرا إذا نفس العزوف استمرت.
стр. 1290
وهل عزف عن أميمة لشائبة من كبرياء. كلا. إنه ليأبى ما يؤبى، وينتحي إلى من ينتحي في مسرته، كأميمة، وإن حال دونها البين- بين الحياء، وبين العفاف، وبين أنه تقلت لئلا تخوى وليست بعد «بذات تقلت».
فهل يا ترى كانت مقيمة أم قد أجمعت حقًا واستقلت؟
فهذا المثل شاهد عدل على أن الجاهليين كانوا يعرفون ويتقنون نعت الأخلاق. ثم هو بعد شاهد عدل في أن الأخلاق في أقصى ذرا مثلها العليا مما لا يخرج في باب الغزل عن معاني لوعة الجنس.
ولعلك قائل بعد فهذا مثل منفرد. والجواب عن هذا ما قال ابن سلام من ضياع أكثر الشعر الجاهلي، وما قدمت من أن الشعراء القدماء كانوا في حرصهم على التجويد وعلى التقية معًا، لا يخترعون نماذج من عند أنفسهم. وإنما يسيرون على ما يعلمون أنه معهود. ومثل الذي قاله الشنفري يعلمك أن نموذجه معهود قول علقمة الذي مر بك من قبل:
منعمة ما يُستطاع كلامها ... على بابها من أن تزار رقيب
إذا غاب عنها البعل لم تفش سره ... وتُرضي إياب البعل حين يؤوب
وهذا كقول الشنفري:
إذا هو أمسى آب قرة عينه ... مآب السعيد لم يسل أين ظلت
وقال عنترة واختصر:
دارٌ لآنسةٍ غضيضٍ طرفها ... طوع العناق لذيذة المتبسم
وقوله غضيض طرفها كقول الشنفري «ولا بذات تلفت» وقوله «كأن لها في الأرض نسيا إلخ».
стр. 1291
وأكد عنترة مراده من نعت الأخلاق فيما اختصر من قوله:
ولقد نزلت فلا تظني غيره ... منى بمنزلة المحب المكرم
فذكر الإكرام مع الحب كما ترى.
وقال امرؤ القيس، وفي الذي قاله معاني ما طرقه الشنفري، وامرؤ القيس أبو هذا الباب فيما يزعمون من الغزل المادي:
خليليّ مرا بي على أم جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذب
فإنكما إن تنظراني ساعةً ... من الدهر تنفعني لدى أم جندب
وحام حول هذا المعنى الشنفري على جودته فلم يصب منه إلا بقدر أن قال «ألا لا تعدني البيت»:
ألم ترياني كلما جئت طارقًا ... وجدت بها طيبًا وإن لم تطيب
وهذا ما فصله الشنفري في قوله «وبتنا إلخ»:
عقيلة أترابٍ لها لا دميمةٍ ... ولا ذات خلق إن تأملت جانب
بفتح الخاء. أي هي لا دميمة خلقة ولا تتخلق فتبدو عليها دمامة من كزازة وتجنب، وليس المراد بعجز البيت نعت صورة وجهها بنفي القبح الجسدي عنها فحسب إذ لا معنى على هذا الوجه لقوله «إن تأملت» وقد سبق قوله «لا دميمة» - وإنما أراد نحوا من قول الشنفري «ولا بذات تقلت» وإنما ينعتها بالنسبة إلى ما يكون من ملاقاة المواجهة، أنها بشيرة، ولا سيما إلى النساء، وقد يدخل في هذا أنها تبرهن ولا تتكبر عليهن، كزعم الشنفري الذي تأولناه، حيث قال بعد «ولا بذات تقلت» أنها «تبيت بعيد النوم تهدي غبوقها إلخ».
ألا ليت شعري كيف حادث وصلها ... وكيف تراعي وصلة المتغرب
أقامت على ما بيننا من مودةٍ ... أميمة أم صارت لقول المخبب
стр. 1292
ومن هنا أخذ الشنفري «أميمته»:
فإن تنأ منها حقبةً لا تُلاقها ... فإنك مما أحدثت بالمجرب
والسؤال الذي تساءله أنسب لمذهب الحديث عن الزوجة (إذ أم جندب زوجته) من التقرير الذي قرره الشنفري وهو يتحدث عن زوجة آخر فيما رجحنا، وإنما جاء الشنفري بالنموذج وهو نموذج زوجة كما رأيت ولا ريب في سبق امرئ القيس له، ليحدث فيه ما قدمنا من التحوير المنبئ بالإيحاء؟ والتي ذكرها كأنها زوجته.
ثم قال امرؤ القيس:
وقالت متى يُبخل عليك ويعتلل ... يسؤك وإن يُكشف غرامك تدرب
وهذا حديث حليلة. والعجب لأم جندب كيف فضلت بائية علقمة على هذه البائية. ولقد أصاب، فيما أرى من حيث مذهب الظن امرؤ القيس حين اتهمها. وهذا من باب عكس قضية الفرزدق إذ قال وهو يريد أن يعكس مذهب الجاهليين:
موانع لأسرار إلا لأهلها ... ويُخلفن ما ظن الغيور المشفشف
في ادعاء السعاة عند المآب. وسنعرض لهذا في موضعه إن شاء الله.
وقد جاء نموذج العيادة عند طرفة، من قصيدة قالها وقد أطرده قومه، وهذا نحو ما كان فيه الشنفري من حال الصعلكة والاطراد. وطرفة بعد الذي يقول:
وتقصير يوم الدجن والدجن معجبٌ ... ببهكنةٍ خلف الطراف المعمد
ولا مادية بعد هذا إن كان فيه حقًا مع الذي قبله وبعده من المعاني صدق علوق بالمادية!
قال:
ولم يُنسى ما قد لقيت وشفني ... من الوجد أني غير ناسي لقائك
стр. 1293
وما دونها إلا ثلاث مآوب ... قدرن لعيسٍ مسنفات الحوارك
ولا غرو إلا جارتي وسؤالها ... ألا هل لنا أهلٌ؟ سُئلت كذلك
تغير سيري في البلاد ورحلتي .. ألا رب دار لي سوى حر دارك
وليس امرؤٌ أفنى الشباب مجاورًا ... سوى حبه إلا كآخر هالك
ألا رب يومٍ لو سقمت لعادني ... نساءٌ كرامٌ من حييٍّ ومالك
وأول القصيدة:
قفي ودعينا اليوم يا ابنة مالكٍ ... وعوجي علينا من صدور جمالك
قفي لا يكن هذا تعلة وصلنا ... لبين ولا ذا حظنا من نوالك
أخبرك أن القوم فرق بينهم ... نوىً غربةٌ ضرارةٌ لي كذلك
ولا يخفى أن ابنة مالك وبنات مالك وبنات حيي كل ذلك ههنا كناية عن دار قومه التي أطرد منها أو قومه الذي أطردوه. والصلة النموذجية بين هذا وبين كلام الشنفري لا تخفى. وألفت القارئ بعد إلى أن ابن الرومي، من مقدمي المولدين، قد نظر إلى هذا النموذج، ولو بعين عقله المستتر الباطن، في أبياته التي يذكر فيها وطنه:
ولي وطنٌ آليت ألا أبيعه ... وألا أرى غيري له الدهر مالكًا
والبحر والروي شاهدان يشفان. وليس ابن الرومي ممن يقال ليس له عهد بطرفة. وما الاستراق ولا الإغارة، فيما أرى، أراد. وإنما هذا توارد الخواطر، ذات العلم، كما يقع الحافر على الحافر.
وبعد فأحسب أن مرادنا من الذي تمثلنا به في قول الشنفري قد استبان. والآن إلى المثال الثاني، وهو قول الجميح الأسدي:
أمست أمامة صمتًا ما تكلمنا ... مجنونةً أم أحست أهل خروب
стр. 1294
مرت براكب ملهوزٍ فقال لها ... ضري الجميح ومسيه بتعذيب
ولو أصابت لقالت وهي صادقة ... إن الرياضة لا تنصبك للشيب
يأبى الذكاء ويأبى أن شيخكم ... لن يُعطى الآن عن ضربٍ وتأديب
أما إذا حردت حردي فمجريةٌ ... جرداء تمنع غيلاً غير مقروب
وإن يكن حادثٌ يُخشى فذو علقٍ ... تظل تزيره من خشية الذيب
فإن يكن أهلها حلوا على قضةٍ ... فإن أهلي الألى حلو بملحوب
لما رأت إبلي قلت حلوبتها ... وكل عامٍ عليها عام تجنيب
أبقى الحوادث منها وهي تتبعها ... والحق صرمة راعٍ غير مغلوب
كأن راعينا يخدو بها حمرًا ... بين الأبارق من مكران فاللوب
فإن تقرِّي بنا عينًا وتحتفضي ... فينا وتنتظري كري وتغريبي
فاقني لعلك أن تحظي وتحتلبي ... في سحبلٍ من مسوك الضأن منجوب
وهذا كما ترى خطاب زوجة مغاضبة والشاعر ينسب غضبها إلى أنها لقيت قومها، أو لقيت راكب ملهوز، أي راكب بعير موسوم بغير وسمه، أي عدوا منافسًا له فيها، فأغراها بأن تتنكر عليه ليطلقها هو فيتزوجها هذا العدو. وزعم «ليال» في مقدمته الإنجليزية (١) إلا أنه يفسد حاق المعنى غير قليل. ثم يقول «ليال» أنه يبدو أن تنكرها له قد كان سببه أن قل ماله (٢) وأشار إلى الأبيات. وكأنه قد شك أن يكون هذا هو السبب الحقيقي. وهذا أيضًا اجتهاد حسن منه.
وقد فطن «ليال» إلى أن الذي جاء به الجميح ههنا له نموذج يشبهه في شعر عبيد بن الأيرص وهو من جيل متقدم من نفس قبيلة الجميح كما قال (٣).
стр. 1295
والحق أن مثله نموذجان ظاهران في شعر عبيد وسواهما مما هو مختصر. أما الظاهران فقوله (١):
ألا عتبت عليّ اليوم عرسي ... وقد هبت بليلٍ تشتكيني
فقالت لي كبرت فقلت حقًا ... لقد أخلقت حينًا بعد حين
تُريني آية الإعراض منها ... وفظت في المقالة بعد لين
ومطت حاجبيها أن رأتني ... كبرت وأن قد ابيضت قروني
فقلت لها رويدك بعض عتبي ... فإني لا أرى أن تزدهيني
وعيشي بالذي يُغنيك حتى ... إذا ما شئت أن تنأي فبيني
فإن يك فاتني أسفًا شبابي ... وأمسى الرأس مني كاللجين
أي الزبد الجاف
وكان اللهو حالفني زمانًا ... فأضحى اليوم منقطع القرين
أي بعيدًا عني
فقد ألج الخباء على العذارى ... كأن عيونهن عيون عين
أي ممن كن أجمل منك وأشب.
يملن علي بالأقراب طورًا ... وبالأجياد في الريط المصون
الأقراب جوانب الخصور، وهذا كأنه مكشوف، وقد لقي عبيد شرا من مصرع امرئ القيس.
هذا والنموذج الآخر قوله:
تلك عرسي غضبي تريد زيالي ... ألبينٍ تريد أم لدلال
стр. 1296
إن يكن طبك الفراق فلا أحفل أن تعطفي صدور الجمال
أو يكن طبك الدلال فلو في ... سالف الدهر والليالي الخوالي
أي قد مضى زمان ذاك منك ومني، وما يلي يكشف هذا المعنى
ذاك إذ أنت كالمهاة وإذ آ ... تيك نشوان مُرخيًا أذيالي
فدعي مط حاجبيك وعيشي ... معنا بالرجاء والتأمال
زعمت أنني كبرت وأني ... قل ما لي وضن عني الموالي
أي جفاني بنو العمومة
وصحا باطلي وأصبحت شيخًا ... لا يُواتي أمثالها أمثالي
وازن بين هذا وبين قوله آنفًا أنها هي أيضًا قد كبرت.
أن رأتني تغير اللون مني ... وعلا الشيب مفرقي وقذالي
فارفضي العاذلين واقنى حياءً ... لا يكونوا عليك خط مثال
والمثال ما يحذى عليه وأراه أراد مثال النعل الذي كان يحذو عليه الإسكاف ما يصنعه، من شواهد ذلك قولهم بأخرة لصورة النعل النبوية «مثال» - والمثال معروف كما تعلم، في باب التبرك، وفي أزهار الرياض للمقري، أشعار كثيرات فيه. ونعود بعد إلى قول عبيد:
وبحظٍّ مما نعيش فلا تذ ... هب بك الترهات في الأهوال
أي نعيش بحظ، ومما للتكثير، ذكر سيبويه أنه يقولون مما يفعل ومما أن يفعل كلتاهما بمعنى.
واتركي صرمةً على آل زيد ... بالقطيبات كن أو أورال
لم تكن غزوة الجياد ولم ينقـ ... ـب بآثارها صدور النعال
стр. 1297
وهذا كآخر كلام الجميح، وربما فصلناه بعد.
در در الشباب والشعر الأسود والراتكات تحت الرحال وإلى هنا نظر المتنبي كمنا تعلم
والعناجيج كالقداح من الشوحط يحملن شكة الأبطال
ثم خرج إلى نعت الخيل.
ومما اختصره عبيد من مجرى هذا النموذج قوله:
هبت تلوم وليست ساعة اللاحي ... هلا انتظرت بهذا اللوم إصباحي
قاتلها الله تلحاني وقد علمت ... إن لنفسي إفسادي وإصلاحي
كان الشباب يُلهينا ويعجبنا ... فما وهبنا ولا بعنا بأرباح
ومما اختصره غيره مام مر بك من قول عمرو بن الأهتم. وقول زهير في أم ولده كعب:
قالت أم كعب لا تزرني ... فلا والله مالك من مزار
رأيتك عبتني وصددت عني ... فكيف عليك صبري واصطباري
فلم أُفسد بنيك ولم أقرب ... إليك من الملمات الكبار
أقيمي أم كعبٍ واطمئني ... فإنك ما أقمت بخير دار
وهذا نفسه مختلف عما قاله في أم أوفى، وإن يك ليس مما يستبعد أن يكون قد عنى أم أوفى ببعض ما فيه.
وقول ورقة بن نوفل:
تلك عرساي تنطقان بهجر ... وتقولان قول أثر وعثر
تسأ لاني الطلاق إن رأتاني ... قل مالي أتيتماني بنكر
стр. 1298
ويك أن من يكن له نشبٌ يُحـ ... ـبب ومن يفتقر يعش عيش ضر
خفضًا ما لديكما غير الدهـ ... ـر ولابد للضريك بصبر
فلعلي أن يكثر المال عندي ... ويعرى من المغارم ظهري
وقد جعلهما ورقة عرسين كما ترى. والنموذجية في مسلكه لا تخفى.
وقول علقمة:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصيرٌ بأدواء النساء طبيب
يُردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب
مما يجري هذا المجرى، وإن لم يك قد جاء به في نموذج المرأة المغاضبة. والحق أن ذكر الصحو كما في قول زهير:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله
وذكر بكاء الشباب بمعرض الإقبال على جد المشيب مقارب المعاني لنموذج المرأة المغاضبة كما عند عبيد وكما عند ابن الأهتم وكما عند الجميح الذي رأيت. ثم الشاعر يحوّر بعد ذلك في النموذج لإيحاء التجربة كما تعلم. والمرأة المغاضبة نموذجيتها ما هي إلا ضرب من الكناية عن هواجس النفس إلى اللذات ومتع العيش ولهوه والإضراب عن الجد. والشاعر في النموذج يدّعي ذهاب الشباب ويبكيه إظهارًا للحنين والرقة. ثم إنه يقبل كالراثي لنفسه يدعي أن النساء تحامينه، لذهاب روقه، ثم إن ماله قد أنفدته المكارم فهذا يمنع أن يرغبن فيه كل المنع، وأن زوجته، وهي رمز النساء جميعهن في هذا الباب، ورمز سائر ما ترمز إليه النساء من معنى المرح واللهو، قد أقبلت عليه تلحاه، وأنه إزاء هذا كله لا يرى أن يعني نفسه بما لا يستطيع مما كان لديه وفاته، ولكنه يرى أن يزبرها ويزجرها، فإن رضيت أقامت وإن لم ترض رحلت غير مأسوف عليها وخير لها أن تقني حياءها وتقيم. ذلك بأن لم يبق لديه من داعي
стр. 1299
العيش ما يتعزى به إلا جد الشيوخ وحزمهم ومذهبهم في القصد وتثمير المال وابتغاء سنن الشرف والاعتداد أمام مجامع الفخر بما كانوا أسلفوه أبام الشباب. وهي أيضًا ينبغي ألا يكون لديها من دواعي العيش إلا أن تحط معه في هواه وطريقته، كما قال ابن الأهتم:
ذريني وحطي في هواي فإنني ... على الحسب الزاكي الرفيع شفيق
وكما قال الأخنس بن شهاب التغلبي:
وقد عشت دهرًا والغواة صحابتي ... أولئك خلصاني الذين أصاحب
رفيقًا لمن أعيا وقلد حبله ... وحاذر جراه الصديق الأقارب
فأديت عني ما استعرت من الصبي ... وللمال عندي اليوم راعٍ وكاسب
هذا هو هيكل النموذج. والآن نعود إلى كلمة الجميح.
يذكر الرواة أن امرأة الجميح كانت من بني سعد من تميم (من بني أنف الناقة). وسارع «ليال» فبنى على هذا قوله أن هذا كان زواجًا من خارج القبيلة. والحق أنه ليس بخارجها كل الخروج خروجًا تنبني عليه عقدة هذه القصيدة أو يكون هو مفتاحها، إذ بنو سعد وبنو تميم عامة كانت تجمعهم وبني أسد وكنانة وهذيل وقريش ومن إليهم شواجر الأرحام من أمهم خندف. قال جرير يفخر على الراعي:
علوت عليك ذروة خندفي ... ترى من دونها رتبًا صعابا
له حوض النبي وساقياه ... ومن ورث النبوة والكتابا
وقال الفرزدق يفتخر على الناس جميعًا:
لنا حيث آفاق البرية تلتقي ... عديد الحصى والقسوري المخندف
فافتخر بمشهد الحج وبقريش وبالخلافة. وكلا الفرزدق وجرير تميميان كما تعلم. وكان بنو أسد موالي قريش (أي بني عمهم) في النسب الأعلى إذ جدهم خزيمة
стр. 1300
جد قريش، وكان منهم كثير حالفوا بني عبد مناف منهم رجالات في السيرة كآل جحش وكعكاشة بن محصن. وقال بشر بن أبي خازم الأسدي يفخر على جذام:
وكنا دونهم حصنًا حصينًا ... لنا الرأس المقدم والسنام
وقالوا لن تقيموا إن ظعنا ... فكان لنا وقد ظعنوا مقام
أثافي من خزيمة راسياتٍ ... لنا حل المناقب والحرام
فإن مقامنا ندعو عليكم ... بأسفل ذي المجاز له أثام
فافتخر بمواسم الحج ومكان أسد فيها كما ترى.
وكان بين هذه القبائل وبين تميم تصاهر. وأحسب أن هذا كان مما يقويه مكان تميم من ولاية الإجازة التي ورثوها من صوفة. وفي خبر بدر الكبرى أن عتبة بن ربيعة خشى أن يشجر ابن الحنظلية أمر الناس وإنما كان ابن الحنظلية أبو جهل. وحنظلة بيت تميم. وأحسب أن عتبة نسب أبا جهل إلى أمه من حنظلة لينسب حدته إليهم دون قريش، على ما كان لهم من سيادة وشرف وآصرة قربى.
وإذ قد وضح هذا، فإنه لا يستبعد أن قد كانت بين الجميح وبين رهط امرأته السعدية صلة رحم دنيا سوى الرحم العليا في خندف وقد بدأ الجميح كلامه يذكر أن امرأة لا حتة بليل، وفي هذا إيذان بالهم والأرق وذلك قوله «أمست» ثم ذكر أن لحاءها كان صمتًا، وهذا مما يكون أدخل في حاق الغضب من الذي ذكره عبيد بن الأبرص من مط الحواجب وأن يفظ المقال بعد لين. ثم إنه كبر اسمها فقال «أمامة» وقد كان اسمها «أميمة» على صيغة التصغير- ورووا له:
ما لأميمة أمست ما تُكلمنا
كأن أصحاب هذه الرواية يحملونها على مذهب التحبب والتزلف، كقراءة علي «ونادوا يا مال» بالترخيم على لسان الكفار يتقربون به إلى مالك خازن النار.