إن يكن طبك الفراق فلا أحفل أن تعطفي صدور الجمال
أو يكن طبك الدلال فلو في ... سالف الدهر والليالي الخوالي
أي قد مضى زمان ذاك منك ومني، وما يلي يكشف هذا المعنى
ذاك إذ أنت كالمهاة وإذ آ ... تيك نشوان مُرخيًا أذيالي
فدعي مط حاجبيك وعيشي ... معنا بالرجاء والتأمال
زعمت أنني كبرت وأني ... قل ما لي وضن عني الموالي
أي جفاني بنو العمومة
وصحا باطلي وأصبحت شيخًا ... لا يُواتي أمثالها أمثالي
وازن بين هذا وبين قوله آنفًا أنها هي أيضًا قد كبرت.
أن رأتني تغير اللون مني ... وعلا الشيب مفرقي وقذالي
فارفضي العاذلين واقنى حياءً ... لا يكونوا عليك خط مثال
والمثال ما يحذى عليه وأراه أراد مثال النعل الذي كان يحذو عليه الإسكاف ما يصنعه، من شواهد ذلك قولهم بأخرة لصورة النعل النبوية «مثال» - والمثال معروف كما تعلم، في باب التبرك، وفي أزهار الرياض للمقري، أشعار كثيرات فيه. ونعود بعد إلى قول عبيد:
وبحظٍّ مما نعيش فلا تذ ... هب بك الترهات في الأهوال
أي نعيش بحظ، ومما للتكثير، ذكر سيبويه أنه يقولون مما يفعل ومما أن يفعل كلتاهما بمعنى.
واتركي صرمةً على آل زيد ... بالقطيبات كن أو أورال
لم تكن غزوة الجياد ولم ينقـ ... ـب بآثارها صدور النعال
стр. 1297
وهذا كآخر كلام الجميح، وربما فصلناه بعد.
در در الشباب والشعر الأسود والراتكات تحت الرحال وإلى هنا نظر المتنبي كمنا تعلم
والعناجيج كالقداح من الشوحط يحملن شكة الأبطال
ثم خرج إلى نعت الخيل.
ومما اختصره عبيد من مجرى هذا النموذج قوله:
هبت تلوم وليست ساعة اللاحي ... هلا انتظرت بهذا اللوم إصباحي
قاتلها الله تلحاني وقد علمت ... إن لنفسي إفسادي وإصلاحي
كان الشباب يُلهينا ويعجبنا ... فما وهبنا ولا بعنا بأرباح
ومما اختصره غيره مام مر بك من قول عمرو بن الأهتم. وقول زهير في أم ولده كعب:
قالت أم كعب لا تزرني ... فلا والله مالك من مزار
رأيتك عبتني وصددت عني ... فكيف عليك صبري واصطباري
فلم أُفسد بنيك ولم أقرب ... إليك من الملمات الكبار
أقيمي أم كعبٍ واطمئني ... فإنك ما أقمت بخير دار
وهذا نفسه مختلف عما قاله في أم أوفى، وإن يك ليس مما يستبعد أن يكون قد عنى أم أوفى ببعض ما فيه.
وقول ورقة بن نوفل:
تلك عرساي تنطقان بهجر ... وتقولان قول أثر وعثر
تسأ لاني الطلاق إن رأتاني ... قل مالي أتيتماني بنكر
стр. 1298
ويك أن من يكن له نشبٌ يُحـ ... ـبب ومن يفتقر يعش عيش ضر
خفضًا ما لديكما غير الدهـ ... ـر ولابد للضريك بصبر
فلعلي أن يكثر المال عندي ... ويعرى من المغارم ظهري
وقد جعلهما ورقة عرسين كما ترى. والنموذجية في مسلكه لا تخفى.
وقول علقمة:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصيرٌ بأدواء النساء طبيب
يُردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب
مما يجري هذا المجرى، وإن لم يك قد جاء به في نموذج المرأة المغاضبة. والحق أن ذكر الصحو كما في قول زهير:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله
وذكر بكاء الشباب بمعرض الإقبال على جد المشيب مقارب المعاني لنموذج المرأة المغاضبة كما عند عبيد وكما عند ابن الأهتم وكما عند الجميح الذي رأيت. ثم الشاعر يحوّر بعد ذلك في النموذج لإيحاء التجربة كما تعلم. والمرأة المغاضبة نموذجيتها ما هي إلا ضرب من الكناية عن هواجس النفس إلى اللذات ومتع العيش ولهوه والإضراب عن الجد. والشاعر في النموذج يدّعي ذهاب الشباب ويبكيه إظهارًا للحنين والرقة. ثم إنه يقبل كالراثي لنفسه يدعي أن النساء تحامينه، لذهاب روقه، ثم إن ماله قد أنفدته المكارم فهذا يمنع أن يرغبن فيه كل المنع، وأن زوجته، وهي رمز النساء جميعهن في هذا الباب، ورمز سائر ما ترمز إليه النساء من معنى المرح واللهو، قد أقبلت عليه تلحاه، وأنه إزاء هذا كله لا يرى أن يعني نفسه بما لا يستطيع مما كان لديه وفاته، ولكنه يرى أن يزبرها ويزجرها، فإن رضيت أقامت وإن لم ترض رحلت غير مأسوف عليها وخير لها أن تقني حياءها وتقيم. ذلك بأن لم يبق لديه من داعي
стр. 1299
العيش ما يتعزى به إلا جد الشيوخ وحزمهم ومذهبهم في القصد وتثمير المال وابتغاء سنن الشرف والاعتداد أمام مجامع الفخر بما كانوا أسلفوه أبام الشباب. وهي أيضًا ينبغي ألا يكون لديها من دواعي العيش إلا أن تحط معه في هواه وطريقته، كما قال ابن الأهتم:
ذريني وحطي في هواي فإنني ... على الحسب الزاكي الرفيع شفيق
وكما قال الأخنس بن شهاب التغلبي:
وقد عشت دهرًا والغواة صحابتي ... أولئك خلصاني الذين أصاحب
رفيقًا لمن أعيا وقلد حبله ... وحاذر جراه الصديق الأقارب
فأديت عني ما استعرت من الصبي ... وللمال عندي اليوم راعٍ وكاسب
هذا هو هيكل النموذج. والآن نعود إلى كلمة الجميح.
يذكر الرواة أن امرأة الجميح كانت من بني سعد من تميم (من بني أنف الناقة). وسارع «ليال» فبنى على هذا قوله أن هذا كان زواجًا من خارج القبيلة. والحق أنه ليس بخارجها كل الخروج خروجًا تنبني عليه عقدة هذه القصيدة أو يكون هو مفتاحها، إذ بنو سعد وبنو تميم عامة كانت تجمعهم وبني أسد وكنانة وهذيل وقريش ومن إليهم شواجر الأرحام من أمهم خندف. قال جرير يفخر على الراعي:
علوت عليك ذروة خندفي ... ترى من دونها رتبًا صعابا
له حوض النبي وساقياه ... ومن ورث النبوة والكتابا
وقال الفرزدق يفتخر على الناس جميعًا:
لنا حيث آفاق البرية تلتقي ... عديد الحصى والقسوري المخندف
فافتخر بمشهد الحج وبقريش وبالخلافة. وكلا الفرزدق وجرير تميميان كما تعلم. وكان بنو أسد موالي قريش (أي بني عمهم) في النسب الأعلى إذ جدهم خزيمة
стр. 1300
جد قريش، وكان منهم كثير حالفوا بني عبد مناف منهم رجالات في السيرة كآل جحش وكعكاشة بن محصن. وقال بشر بن أبي خازم الأسدي يفخر على جذام:
وكنا دونهم حصنًا حصينًا ... لنا الرأس المقدم والسنام
وقالوا لن تقيموا إن ظعنا ... فكان لنا وقد ظعنوا مقام
أثافي من خزيمة راسياتٍ ... لنا حل المناقب والحرام
فإن مقامنا ندعو عليكم ... بأسفل ذي المجاز له أثام
فافتخر بمواسم الحج ومكان أسد فيها كما ترى.
وكان بين هذه القبائل وبين تميم تصاهر. وأحسب أن هذا كان مما يقويه مكان تميم من ولاية الإجازة التي ورثوها من صوفة. وفي خبر بدر الكبرى أن عتبة بن ربيعة خشى أن يشجر ابن الحنظلية أمر الناس وإنما كان ابن الحنظلية أبو جهل. وحنظلة بيت تميم. وأحسب أن عتبة نسب أبا جهل إلى أمه من حنظلة لينسب حدته إليهم دون قريش، على ما كان لهم من سيادة وشرف وآصرة قربى.
وإذ قد وضح هذا، فإنه لا يستبعد أن قد كانت بين الجميح وبين رهط امرأته السعدية صلة رحم دنيا سوى الرحم العليا في خندف وقد بدأ الجميح كلامه يذكر أن امرأة لا حتة بليل، وفي هذا إيذان بالهم والأرق وذلك قوله «أمست» ثم ذكر أن لحاءها كان صمتًا، وهذا مما يكون أدخل في حاق الغضب من الذي ذكره عبيد بن الأبرص من مط الحواجب وأن يفظ المقال بعد لين. ثم إنه كبر اسمها فقال «أمامة» وقد كان اسمها «أميمة» على صيغة التصغير- ورووا له:
ما لأميمة أمست ما تُكلمنا
كأن أصحاب هذه الرواية يحملونها على مذهب التحبب والتزلف، كقراءة علي «ونادوا يا مال» بالترخيم على لسان الكفار يتقربون به إلى مالك خازن النار.
стр. 1301
وإنما كبر الجميح اسمها لأنها قهرته فكبرت في نفسه:
أما إذا حردت حردي فمجريةٌ ... جرداء تمنع غيلاً غير مقروب
وكبر نفسه تكلفًا ليضاهئ ما كان من تكبيرها فقال «ما تكلمنا» بضمير التعظيم. ثم تساءل دهشًا فزعًا مغلوبًا على أمره «مجنونة؟ » أي أمجنونة هي فلا تتكلم؟ وكأنه أنكر مكان هذا السؤال وما يدل به على حيرته وانهزامه، فهرب منه إلى تفسير وتأويل يتأوله فقال «أم أحست أهل خروب» وهم قومها -كأنه يوهمك أنهم نزلوا قريبًا فهي تحس لقربهم في نفسها كبرياء وزهوًا من عصبية. ثم كأن هذا لم يرضه، فاخترع -على طريقة نموذج الملاحاة- (أليس في نموذج الملاحاة يزعم عبيد أن صاحبته قد كبرت ثم يرجع فيجعلها شابة ويقول «لا يؤاتي أمثالها أمثالي» - راكبًا خياليًاعرض لأميمة وهو مستن في طريقه فسلب فؤادها وأغراها ذلك بأن تضره وتعذبه، بل ذلك في ذاته مما يكون ضررًا وتعذيبًا كأبلغ ما يكون من ضرر وتعذيب؟ ثم اشتط وراء هذا الاختراع فجعل الراكب غريبًا ذا جمل ملهوز أي موسوم بغير ميسمه هو وفي هذا إشعار بالمباينة والعداوة والضدية- ثم فيه أيضًا (كما يبدو لنا مما يدل عليه ظاهر سياق ابن الأنباري في شرح هذا الحرف) تلميح بأن قد تكون أميمة رغبت في راكب الملهوز لأنه ذو عدد من قومه، وأن له إخوة كثيرين ففي ذلك عصبية له، إذ الأخوة قد يخالفون فيما بين الوسم الواحد يسمون به أبلهم ليشعروا باختلاف ما يملكه كل واحد منهم منها، فهذا ضرب من الوسم الملهوز. ثم إذ استطرد الجميح هذا الاستطراد في متابعة خياله يعتذر عن الانهزام أمام أمامته القاهرة تكلف إيقاع الملامة عليها، مستمرًا في تبرير موقفه: ما لها لم تقل لذلك الراكب، ولو قالت لكانت مصيبة ولكانت صادقة، أن الرياضة إنما تكون للصغار، فلا يبتلينك الله برياضة الشيب مثل زوجي الجميح، أعرض عن هذا، فإن رياضة الشيب عناء.
وقد بلغ الجميح من مغالطة نفسه في هذا التبرير وهو ينظر إلى نموذج الملاحاة
стр. 1302
أن فسر قوله «أم أحست أهل خروب» بقوله «مرت براكب ملهوزٍ» - كأن راكب الملهوز هذا من أهل خروب. وإنما هي فكرة أخرى عنت له بعد فكرته الأولى التي لم يرض عنها كل الرضا في مذهب الادعاء والتبرير. وأحسب «ليال» إنما وهم من ههنا حين ذهب إلى ما ذهب إليه. كما قد وهم أيضًا في حمل قوله «وهي صادقة» على النعت، وإنما هي جملة حالية.
ثم التفت الجميح، في مسرحية واضحة، من إيراد الحديث على لسان أميمة، فجاء بأسلوب الخطيب في قوله:
يأبى الذكاء ويأبى أن شيخكم ... لن يعطى الآن عن ضربٍ وتأديب
وهنا قد يُسال الجميح؟ فمن ضربه، ومن أدبه؟ والجواب عن هذا، في ظاهر ما يذهب إليه أسلوب الشراح أنه مثلٌ تمثل به -يريد أنه شيخ مجرب وليس كالولد الصغير الذي يضرب ويؤدب. وإنما الذي هو كالولد الصغير يُضرب ويُؤدب ويُخوف من الذئب لأنه لو لم يؤخذ بهذا المأخذ لخيف عليه أن يصاب، ليس إلا أمامة- تلك التي حردت حرده فهي لبؤة جرداء تخيفه وتفزعه، أما إذا كان أمر ذو جد، «فذو علقٍ تظل تزبره من خشية الذيب».
وقد أوحى الجميح إلينا بما كان في هذا الذي جاء به، ينظر فيه إلى النموذج ويبالغ ويهول، ليتستر وليبرر. ونحن في حل أن نظن غير بعيدين من إصابة الحق أنه قد وقع بينه وبين امرأته. وقد كان أسنّ منها بدليل ما يذكره عن نفسه معتدًا مدافعًا مهتاجًا من خبرة الشيخوخة وحنكتها- شيء ما يقع بين النساء وأزواجهن. فتجاوز هذا الشيء مداه إلى أن يخالفها هو في تأديب بعض الصبية وهذا مفهوم ضمنًا من قوله «مجريةٌ جرداء تمنع غيلاً غير مقروب» فتخالفه في ذلك ويغلب أمرها على أمره. وتجاوز هذا الشيء مداه أيضًا إلى أن يعرض هو لها بأهلها وإلى أن يعرض لها برجل و
стр. 1303
رجال غرباء تحدثت إليهم. وإلى أن تنالها يداه بضرب لطمةٍ فما جاوزها. والتعذيب والضرر هو ما كان من بعد هذه اللطمة من إعراضها وصمتها وإضرابها عنه أيما إضراب. ولقد كان ينفعه لو قالت له بدل هذا الصمت، «لم تضربني وكيف تبتغي تأديبي بالضرب ومثلي لا يؤدب بالضرب بعد هذا النضج؟ -» وإذن لا نفتح باب من الأخذ والرد ربما عنّت منه سبيلٌ إلى التراضي وراحة الفؤاد.
ولا ريب أن قوله:
ولو أصابت لقالت وهي صادقةٌ ... إن الرياضة لا تنصبك للشيب
مما كان يود لو قالته هي له بدليل قوله، في المطلع «أمست أمامة صمتًا ما تكلمنا» - وانس أهل خروبٍ وراكب الملهوز، فإن الكلام أكثر استقامة بهذا. ويكون «شيخكم» في قوله:
يأبى الذكاء ويأبى أن شيخكم ... لن يُعطي الان عن ضربٍ وتأديب
إنما هو «شيختكم» وإنما هو «أمامة» ونموذج الملاحاة مما يسمح كما رأيت عند عبيد بتصغيرها وتكبيرها معًا. وهذا أشبه من أن تجعل الضرب والتأديب تمثيلاً.
وهذا مثل قول الأخرى:
ربيته وهو مثل الفرخ أعظمه ... أم الطعام ترى في ريشه زغبا
حتى إذا آض كالفحال شذبه ... أباره ونفى عن متنه الكربا
أنشا يمزق أثوابي ويضربني ... أبعد ستين عندي يبتغي الأدبا
وبعد هذه المقدمة النمامة جاز له أن يلتفت بقوله:
أما إذا حردت حردي فمجريةٌ ... جرداء تمنع غيلاً غير مقروب
وإن يكن حادثٌ يُخشى فذو علقٍ ... تظل تزبره من خشية الذيب
стр. 1304
فاعترف بالهزيمة إذ جمته نفسها كما حمته أطفالها. وهو لا هي قد آض بمنزلة الطفل ذي العلق أمامها. والتشبيه مزدوج- فيه إشعاره بضعفه كما ترى، وفيه أيضًا إشعار بسطوتها إذ تبدو معرضة صامتة ولعلها كانت تبكي بدموع مسترسلات خافتات الجرس كدموع الطفل الصغير.
ثم رام الشاعر أن يخادعنا برجعة إلى النموذج بأن يذكر وجهًا ثالثًا غير أهل خروب وغير راكب الملهوز- فمهد لهذا الخداع بتذكيرنا أولاً بالذي كان بدأ به من ذكر أهل خروب:
فإن يكن أهلها حلوا على قضةٍ ... فإن أهلي الألى حلو بملحوب
أي إن يكن لها قوم تعتز بها فإن لي قومًا أعتز بهم. وأضرب عن ذكر صاحب الملهوز لأنه لا معنى لذكره ههنا. وقد وهم «ليال» فحسب أن هذا البيت غير متصل بما بعده، لأن «لما» في قوله:
لما رأت إبلي قلت حلوبتها ... وكل عام عليها عام تجنيب
ليس لها ما تتعلق به. ولما متعلقة بأول الكلام كما لا يخفى -أمست صمتًا لا تكلمنا لما رأت إبلي إلخ ....
وأخذ الشاعر يزعم أن امرأته إنما أنكرت ما آل إليه من الفقر بعد أن أتلف إبله في المكارم وتوالت على صرمتها الباقية سنوات الجدب بما يزهقه هو من عشراواتها.
وما هذا الخداع الذي يخادعنا به الشاعر إلا حكاية لما رامه إليها من خداع بعد أن ضاق ذرعًا بهجرها وجبروتها.
كأن راعينا يحدو بها حمرًا ... بين الأبارق من مكران فاللوب
هذا في وصف الصرمة التي نقصتها حقوق الكرم واتقاء الذم بالقرى. ولكن
стр. 1305
فيه أيضًا مذهبا من الكناية. إذ أن راعي الصرمة ليس أحدًا غيره، وما استلبه الذود بعد الذود حتى لم يبق لديه إلا قليلٌ، صرمة راعٍ لا تغلبه لقلتها، فأحرى أن يستلبه ما كان لديه من رعاة الأذواد من العبيد. على أن الرجل الترعية لا يعهد بابله إلى عبيده وإنما يكون الرجل حق ترعية في زمن الشباب وهو زمن الفحولة.
والراعي الذي يحدو الحمر إنما هو فحلها. والعرب كثيرًا ما تفزع إلى هذا النموذج في معرض الكناية عن الفحولة- فعل ذلك رؤية في قافيته وهو يجاري القدماء، فقابل بين الصائد الذي تقهره امرأته الشرسة والحمار الذي يتمرس بآتنه الثمان ويحدوها من مكان إلى مكان.
والإيماء ههنا أنه يقول لها هلمي إلى حاديك، يحدوك بين هذه الأبارق من شظف العيش، فإنك لن تجدي خيرًا منه حافظًا -قال مدلك بن نويرة وكان فارسًا كما كان الجميح فارسًا- (وهذا استشهد به ابن الأنباري في مستهل حديثه عن مطلع قصيدة الجميح وقد كان أعلم بما يستشهد به):
أرى خلتي أمست تتوق كأنما ... ترى أهل دمخٍ أو ترى أهل يذبل
فأدنى حماريك ازجري إن أردتنا ... فلا تذهبي في ريق لب مضلل
ثم إننا سنتجاوزها إلى المشرع العذب والمنهل الرفه:
فإن تقري بنا عينًا وتحتفضي ... فينا وتنتظري كري وتغريبي
وترجم «ليال» (١) هنا «كرى وتغريبي» بمعنى الغارة وهو يجوز إلا أن الوجه أن يجعل الكر للأوبة- أي انتظري تقلبي في أرض الله الواسعة:
فاقني لعلك أن تحظى وتجلبي ... في سحبلٍ من مسوك الضأن منجوب
стр. 1306
قالوا الضأن ههنا كناية عن الخصب قال الأصمعي: «إنما خص الضأن لأنهم إنما يهبون ويذبحون المعزى لضنهم بالضأن. فيقول فلعل الله أن يأتيك بخصب يقل فيه قدر الضأن حتى تذبح فتدبغ جلودها .. وسحبل: سقاء عظيم (١)».
وهذان البيتان الأخيران هما ما صاداها به أو حكاية لما صاداها به وترضاها من القول حتى تلين وتريع إليه من صمتها الرهيب المهيب. ولا يعقل فيمن يقول هذا لزوجته أن تكون حقًا لقيت راكب ملهوز فأنساها إياه بمجرد مروره وكلمة ألقاها إليها.
ولا أحسب بعد إلا أن أمامة قد رضيت بعد هذا الذل الذي ذله لها شيخها- من لا يعطى الآن عن ضربٍ وتأديب!
ولا بأس ههنا أن نذكر أن فرق ما بين نموذجي عبيد ونموذج الجميح هو أن عبيد حمل كلامه كله محمل الهزل والفكاهة الساخرة، وجعل لنا من تغضب زوجته منظرًا يستضحكنا به ويتعرض فيه إلى شيء من هجو النساء- مط حاجبيها وفظاظتها على غير ما يتوقع المرء وعلى غير ما يعهد أو ينبغي أن يعهد من العقائل، بعد اللين الذي هو من صناعتهن وبضاعتهن، وإضمارها حسرة الجنس لأنه لا يؤاتي أمثالها أمثاله (٢) - وماذا عليه من ذلك، أنه مكرمها ومستمتع بها إن أقامت، وأن أبت فلن تذهب نفسه عليها حسرات. ثم يصطنع عبيد مسرحية الرثاء لنفسه إذ يقول أنها تنكرت له من أجل بؤسه ومن أجل أن جميع الناس قد صاروا ألبًا عليه بعد الذي رأوا من انتكاس حالته حتى مواليه الأقربون- فهي معذورة وسبيلها إلى أن تزيد عليهم في هذا الباب أقرب. وكل ذلك منها يطربه مادامت في ملكه وهو يشدو به ويتغنى، كما تغنى من قبل، ولا زال يفعل، بتحطيم آمال امرئ القيس.
стр. 1307
ويحسبنا هذا القدر ومنه تدرك إن شاء الله أن شتان ما بين الجميح وعبيد. وقد كان عبيد من الفحول غير مدافع وكان في قومه ذا جدل ولسان وخصومة وبيان. فمثل هذا القري منه لا يُستغرب، ولنا إليه معاد إن شاء الله.
هذا، وأحسب بعد أن مرادنا من المثال الثاني قد وضح وإن القارئ قد تبين فيه نعتًا صرفًا من نعت الأخلاق، وتجربة صادقة مما يجيء في باب المودة والجفاء بين الرجال والنساء. كما أحسبه لم يغب عنه أن اللوعة الجنسية في كلام الجميح لا تتجاوز بحال نداء ما بين الزوجين من حيث الرغبة إلى الألف والصفاء والموادعة إلى شيء من خالص عناصر الاشتهاء. ولعل هذا أن يقع عند القارئ الكريم موقعًا. من حيث أن فضائل الأخلاق نفسها غير منصوص على أسمائها ونعوتها نصًا كما عند الشنفري:
أميمة لا يخزى نثاها حليلها ... إذا ذكر النسوان عفت وجلت
وما عن الشنفري ملابس ومخالط لمعاني الجنس التي هي شهوة، بل ذكر نعوت الأخلاق نفسها طريق إلى الإيحاء بهذه الشهوة فيه- وليس شيء من ذلك ههنا بحال. فتأمل.
والآن إلى المثال الثالث وهو قول المرقش الأصغر:
ألا يا اسلمي لا صرم لي اليوم فاطما ... ولا أبدًا ما دام وصلك دائمًا
وتأمل نفيه الصرم ههنا ودعوه دوام الوصل ثم نقضه هذا كله بما أقبل عليه من نعت الظعائن، ولا يكون ذلك إلا بينًا:
رمتك ابنة البكري عن فرع ضالةٍ ... وهن بنا خوص يخلن نعائما
وقد نبهنا إلى ذكره النعائم ههنا وما فيه من إشعار بالبعد واقتحام الدو وزعم
стр. 1308
«ليال» أن قوله «ابنة الكبرى» (١) ينفي ما زعمه الشراح من خبر ابنة المنذر، وهذا وهم منه.
تراءت لنا يوم الرحيل بواردٍ ... وعذب الثنايا لم يكن متراكما
أما عذوبته فالحديث وهو يتأمل بريقه وأما كونه غير متراكم فنعت لتفلجه:
سقاه حبي المزن في متهللٍ ... من الشمس رواه ربابًا سواجما
والصورة ههنا يوقف عندها -إذ تعرض لنا كل بهجة الخصومة- غيث رباب ساجم، تضاحكه الشمس فهي برقه، وتلقى عليه من شعاعها ما تلقى من الألوان. وإلى هنا نظر طرفة حيث قال في المعلقة: «سقته إياة الشمس إلخ» ولا ريب أن المرقش عني بهذه الصورة إشراقة الفم والرباب السواجم ثناياه وما حولهن من ألقٍ وإثمدٍ:
أرتك بذات الضال منها معاصما ... وخذًّا أسيلاً كالوذيلة ناعما
أسيلا كالوذيلة أي ناضرا طلقا عليه لألاء. والوذيلة السبيكة من الفضة والمرآة. وهذا البيت في صفة الحديث كما ترى، إذ فيه حركة اليدين مع إسفار الوجه وإشراقه. ثم فيه بعد نظرة من الشاعر يدل عليها قوله «ناعما» - كأنه قد تأمل بشرة وجهها.
ثم بعد هذا التقريب، باعدها حتى أن تكون ظعينة، إذ لم يجعل بينه وبينها مسافة من بون السير ولكن دهرًا طويلاً من زمان المباعدة:
صحا قلبه عنها على أن ذكرة ... إذا خطرت دارت به الأرض قائما
стр. 1309
وهذا يعود بنا كما ترى إلى المطلع حيث حياها وزعم أنه لا صرم له اليوم ولا أبدا وأن وصلها دائم- وإنما كل ذلك تذكر بلغ به من القوة أن نقل تجربة الماضي إلى الحاضر فعاشها الشاعر وغمرته وما دارت به الأرض قائمًا إلا لعلمه أنها ذكرى لا حقيقة وأن الحقيقة بين مر قاتم لا يلائمه هذا الاستحضار للماضي العذب اللذيذ.
ورجع الشاعر مرة أخرى إلى الظعائن- إلى الماضي، يتأمله ويلتذ به ثم يطأطئ رأسه وينكت الأرض أسى عيه، وتدور به الأرض وهو قائم، تقريعًا له على الذي فرط فيه:
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... خرجن سراعًا واقتعدن المفائما
وهذا يوضح ما زعمناه آنفًا في معرض الكلام عن معلقة زهير من معنى المقابلة بين حال انخراط الإبل وحال مقاعد الظعائن المفأمات.
تحملن من جو الوريعة بعدما ... تعالى النهار واجتزعن الصرائما
ثم يقربهن لينظر إليهن على طريقة نعت الظعائن. وإنما يقرب ليترنم بذكرى مجالس من الماضي:
تحلين ياقوتًا وشذرًا وصيغةً ... وجزعصا ظفاريًّا ودرًّا توائما
وهذا الترنم نموذجي السنخ كما ترى:
سلكن القرى والجزع تحدى جمالهم ... ووركن قوًّا واجتزعن المخارما
وترجم ليال على رواية من روى «تخدى» وفضلها وليست بأفضل إذ في ذكر الحداة إشعار بأن الظعائن قد صير بهن إلى حال أخرى لا يذكرنه معها من الانصراف إلى سماع الحداة ومشاركة الجماعة الراحلة، من رجال ونساء، فيما هي آخذة فيه.
وقوله «ووركن قوًّا» ليس فيه ما في قول زهير:
«ووركن في السوبان يعلون متنه»
стр. 1310
وإن يك زهير قد يجوز أنه أخذ قوله «وركن» منه لأنه أقدم. ذلك بأن «وركن قوًّا» في كلام المرقش تشعرك بمجاوزتهن قوًّا. وأما زهير فقد جعل توركيهن في السوبان وجعلهن يعلون متنه وفي هذا من بطء الاصعاد ما فيه ثم وقف يتأملهن أو يتأمل صاحبته منهن كما قلنا حيث قال «عليهن دل الناعم المتنعم».
وقول المرقش «واجتزعن المخارما» تأكيد لمعنى السرعة والبعد. إذ اجتزاع المخارم منبئ بتجاوز الجبال إلى السهل، ومن ثم إلى الماء «زرقا جمامة» وهنا يعود الشاعر إلى التقريب، من الدهر البعيد، ويرجع بنا مرة أخرى إلى معنى المطلع:
ألا حبذا وجه ترينا بياضه ... ومنسدلات كالمثاني فواحما
ولك في المنسدلات النصب على المعية وهذا داخل في مدلول الترائي، أو الرفع وهذا تأمل لشعرها كما قد تأمل وجهها والرفع أحب إلى إذ التأمل أشبه بالذكرى. ثم ينفر المرقش من هذه المداناة إلى بعد سحيق: إلى ذكره تدور منها به الأرض قائمًا:
وإني لأستحيي فطيمة جائعًا ... خميصًا وأستحيي فطيمة طاعما
ولا تسل لم يستحيي، فقد كفانا النقاد القدماء مئونة هذا بالذي ذكروه من أن المرقش كان يواد فاطمة بنة المنذر.
قال المفضل الضبي فيما روى ابن الأنباري عن أبي عكرمة (٤٩٨):
«كان من حديث مرقش الأصغر واسمه ربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك: وهو عم طرفة والأكبر عم أبيه. وكان الأصغر أشعرهما وأطولهما عمرا. وهو صاحب فاطمة بنت المنذر. وكانت لها جارية يقال لها بنت عجلان. وكان لها قصر بكاظمة. وكان لها حرس يجرون كل ليلة الثياب حول قصرها فلا يطؤه إلا بنت عجلان. وكانت بنت عجلان تأخذ كل عشية رجلاً من أهل الماء يبيت عندها. فقال عمرو بن جناب بن عوف بن مالك لمرقش (ونسبه بعضهم إلى حرملة بن سعد بن مالك، فأما
стр. 1311
حماد فقال هو عمرو بن حرملة أخي مرقش الأكبر وعم هاذا الأصغر) فقال له عمرو بن جناب: أن ابنة عجلان تأخذ كل عشية رجلاص ممن يعجبها فيبيت عندها. وكان مرقش ترعية لا يفارق ابله. فأقام الماء. وترك ابله ظماء. وكان من أجمل الناس وجهًا وأحسنهم شعرًا. وكانت فاطمة بنت الملك تقعد فوق القصر تنظر إلى الناس. فجاء مرقش فبات عند ابنة عجلان، حتى إذا كان من الغد، تجردت عند مولاتها، فقالت: ما هذا بفخذيك. وإذا نكت كأنها التين. قالت: رجل بات معي الليلة. وقد كانت فاطمة قالت لها قبل ذلك، رأيت بالماء رجلاً جميلاً قد راح لم أره قبل ذلك. قالت، فإنه فتى قعد على ابله يرعاها. فلما رأت ما بفخذيها سألتها عنه فقالت هو عمل الفتى الجميل الذي أنكرت. قالت فاطمة: فإذا كان غد فأتيه بمجمر فمريه أن يجلس عليه. وأعطيه مسواكًا فإن استاك به أو رده فلا خير عنده. وإن قعد على المجمر أو رده فلا خير عنده. فأتته بالمجمر فقالت اجلس عليه. فأبى وقال أدنيه مني. فدخن لحيته وعرض جمته وأبى أن يقعد عليه. وأخذ السواك، فقطع رأسه واستاك به. فأتت بنت عجلان فاطمة فأخبرتها بما صنع. فازدادت به عجبًا. فقالت ائتيني به. فتعلقت به كما كانت تتعلق. وانصرف أصحابه. فقال القوم حين انصرفوا أخذت راعى إبل ثم أنها حملته على عنقها حتى أدخلته عليها. وكان الملك يأمر بقبتها فيشاف ما حولها. فإذا أصبحت غدوة جاءت القافة فينظرون هل يرون أثرًا. فنظروا فإذا هو أثر ابنة عجلان وهي مثقلة. فلبث بذلك حينًا يدخل إليها. وكان عمرو بن جناب بن عوف بن مالك يرى ما يفعل. فقال له: ألم تكن عاهدتني ألا تكتمني شيئًا ولا أكتمك (قال غير أبي عكرمة: ولا نتكاذب). فأخبر المرقش الخبر فقال لا أرضى عنك ولا أكلمك أبدًا حتى تدخلني إليها. وحلف له على ذلك. فانطلق المرقش إلى المكان الذي كان يواعدها فيه فقال: اقعد حتى تأتيك ابنة عجلان، وأخبره كيف يصنع. وكانا مشتبهين، غير أن عمرو بن جناب كان أشعر (أي أكثر شعر البدن). فتنحى مرقش. وأدخلت ابنة عجلان عمرا. فصنع ما أمره به مرقش. فلما أراد
стр. 1312
مباشرتها وجدت مس شعر فخذيه فأنكرته. فإذاهو يرعد. فدفعت في صدره. ثم قالت: قبح الله سرًا عند المعيدي. ودعت ابنة عجلان فذهبت به، وانطلق إلى موضع صاحبه. ولم يلبث إلا قليلاً. فلما رآه قد أسرع الكرة، عرف أنه قد افتضح. فعض على إصبعه فقطعها. ثم ذهب إلى أهله وترك الماء الذي كان يرعى فيه حياء مما صنع. وقال في ذلك: ألا يا سلمى وإلخ».
وإنما سقنا لك القصة كلها لأنها نص في الذي ذكرناه لك من قبل من أن الظعائن مذهب قولي نموذجي لا يدل على رحلة النساء ضربة لازم، إذ المرتحل ههنا المرقش وإنما كانت صاحبته مقيمة في قصر محروس.
والقصة خرافية فيها بطلولات الخرافية. ابنة عجلان التي تحمل رجلاً على كتفها بل رجلاً بعد رجل. والقائف الذي يرى الأثر فيعلم أنه مثقل. والشاب البدوي الجميل النظيف بأدب الفطرة حتى لقد فطن إلى ما امتحن به من مجمر وسواك. والأميرة المحجوبة من وراء القصور، والحراس، وهي مع ذلك تتطلع فترى وتحتال فتنال وتتخير فيما تحتال إليه. والصاحب الشبيه الذي لم تفطن لشبهه حتى ابنة عجلان وهو صديق وهو أيضًا حاسد، وفيه عيب دخيل كنايته شعر بدنه.
وجوهر القصة أن للمرقش خبرًا مع كريمة ذات شأن وصديق ذي عقارب. ولعل هذه الكريمة قد كانت من بغايا الأشراف وكانت ابنة عجلان لها رائزة. وعنصر الخصوبة في القصة لا يخفى. ولا يستبعد أنها كانت فاطمة بنت المنذر نفسه، فقد أبنوا المتجردة زوجة النعمان بأنها كانت لها صلة لقاء بالمنخل اليشكرى.
وقد استبعد «ليال» (١) صحة هذه القصة محتجًا بأن التي يذكرها المرقش «ابنة البكري» وبكر قبيلته لا قبيلة ابنة المنذر. وليس هذا بشيء -فبكر قبيلة واسعة،
стр. 1313
وإن يكن أمر المرقش مع ابنة المنذر قد ألم الناس منه بطرف، فل أبلغ من أن يجعل المرقش كنايته بامرأة من قبيلته الواسعة، ويكون في قوله البكري، كأنه ينسبها إلى الشرف والسناء والصون.
وأنكر «ليال» أيضًا أن تكون ابنة عجلان جارية لأنها عربية. وأحسبه غاب عنه أن الجواري والأرقاء كل أولئك مما كانوا يكونون من نفس العرب- شواهد ذلك السباء مثلاً.
وبعد فما يقوله المرقش بعد هذا ظاهر منكشف الأمر. ولا ريب أنه جاء فاحشة آبدة لا تغفر، بالذي أذاله من سر خليلته إلى صاحبه عمرو بن جناب. وعسى المرقش أن يكون -أيام وصاله- لم يفطن إلى حقيقة ما كان هو فيه من نعمة، ولم يكن يرى هذه التي أنالته إلا بعين من يرى البغي، من أنها ليست بذات سر جد نفيس فيصان. ولكن لما انتبه إلى شناعة ما قد فعل، ولعله رام عودة إليها فصد وابتذل، أشرق عليه بفجاءة أنه يحبها- ومن هنا مبدأ المأساة. وهذا تأويل قوله:
ألا يا اسلمي لا صرم لي اليوم فاطما ... ولا أبدًا ما دام وصلك دائمًا
ولا سبيل له -بعد أن أدرك أنه يحبها- أن يعود إليها، لما يكبره حبه في عينه من حقيقة جرمه الذي ارتكب أي تكبير، ولما يغمره الحياء المنكسر والشعور بالخزي إزاء هذا الجرم أي غمر. وهو يأكل ويشرب لأنه في الأحياء. وقد بلغ أن يرى أنه ليس أهلاً لأن يكون في الأحياء لولا هذا الذي يستشعره من حبها وذكرى وصلها الدائم في نفسه والأمل الخرافي المنزع من وراء اليأس ومع تيقن اليأس. وهو من أجل هذا كله يستحيي فطيمة إذ هو جائع إذ حقه الموت ويستحييها إذ هو طاعم إذ في ذلك من بلادة الحس وعدم المبالاة بما صنع ألا يضرب له من الطعام ومن كل شيء يراد.
وإني لأستحييك والخرق بيننا ... مخافة أن تلقى أخًا لي صارما
стр. 1314
أي مجرد التفكر في أنك قد تلقين امرأ تذكرينني له فيقع في إذ لا وجد له غير أن يقع في، مما يخزيني. وقد يعلم المرقش أنها ستلقي امرأ بعد امرئ. لما كانت بحكم شرفها وسموقها ستستمر فيه من إرسال ابنة عجلان لتروز واحتيالها ليصل إليها من بعد ذلك من تختار- وهذا نفسه قد كان يحز في نفسه.
ثم أن في البيت بعد إشارة إلى ما كان من أمر عمرو بن جناب. أي أني ليحزيني أني صنعت ما صنعت، ولا أقدر أن أفكر أو أقوى على أن أستحضر ساعة رأيت أنني قد أرشدت إليك سواي وقد خنت ما عهدته إلى، وقد انحططت إلى درك استرخاصك بما رخصت معه نفسي الغالية. وسماه صارمًا للذي كان من إلحاحه الذي إنما كان ضربًا من العداوة والحسد.
وإني وإن كلَّت قلوصي لراجمٌ ... بها وبنفسي يا فطيم المراجما
هذا هو الوجه. إذ لا يكون مع ما كان إلا الفرار المخروط لا يلوي على شيء لو قد يستطاع الفرار. وكيف يستطاع مع هذه الذكرى الملاحقة: هذه الذكرى المشوبة من الخزي والندم والألم وفائت اللذة والنعمة والشوق والشكران المستسر على نيل ما قد نيل:
ألا يا أسلمي بالكوكب الطلق فاطما ... وإن لم يكن صرف النوى متلائما
واستشعار الشكر يحيى الأمل على أن لا أمل:
ألا يا اسلمي ثم اعلمي أن حاجتي ... إليك فردي من نوالك فاطما
ولا سبيل إلى رد النوال الذي فات. ولكنه في أمل يأسه يشتط به ولع الإلحاح، حتى ليكاد يغفر لنفسه زلتها، ويمحوها كل المحو من أن تكون قد حدثت، ثم يقبل على فاطمة كمن قد كفر وتطهر وخلق نقيًا بريء النفس من جديد:
أفاطم لو أن النساء ببلدةٍ ... وأنتِ بأخرى لاتبعتك هائما
стр. 1315
وهذا صدق ولكنها ستعرض عنه وتحمله على المبالغة الباردة بعد الذي كان.
وهنا يحتج أشد الاحتجاج على هذا الإعراض منها حتى ليوشك أن يدنو من البغض لها:
متى ما يشأ ذو الود يصرم خليله ... ويعبد عليه لا محالة ظالما
ويعبد أي يغضب وبه فسر بعضهم قوله تعالى ﴿فَأنَا أَوَل العَابِدِين﴾ وهو ليس بقوى في التفسير، والراجح أن العبد فيه إشعار بما يكون من غضب العبيد لا العباد أنبياء الله الطاهرين، إذ العبد فيه معنى الأنفة وفيه معنى الإحنة، وأشبه شيء أن يكون أصله من غضب العبد أنفةً لنفسه وخنزوانةً مما يصيبه بعضه من سيده.
أي إذ قد صح الود فإن الصرم ظلم. وأن الأنفة لا تكون من الخليل إلى الخليل، وذلك إن شاءه مثلك، وأنت مما يشاء ولا يستكره، فهو أظلم أي ظلم.
ويحتمل البيت أيضًا معنى التعريض المر بما كان من عمرو بن جناب، هذا الذي ظنه هو ذا ودٍ، وإذا به يشاء أن يصنع ما يكون معه الصرم، وإذا به يحلف ويأنف كأنفة العبيد حسدًا منه لينال جانبًا مما كان يتاح له هو فينال.
والوجهان معًا يحتملهما البيت، يكون أحدهما جوهر معناه والآخر ظلاً له. ومما يدلك على التعريض بما صنع عمرو قوله بعد:
وآلى جنابٌ حلفةً فأطعته ... فنفسك ولٍّ اللوم إن كنت لائما
قال هذا حين أدرك أن هذه الصلاة التي يصليها لفاطمة من رجاء واستعطاف واستجداء ليست بما يكون وراءه طائل. وأقبل على نفسه الآثمة يلحاها- هذه النفس الضعيفة التي خالت عمرًا ذا ودٍ فلانت له من أجل حلفة يحلفها، وماذا كان يضير المرقش إن لم يأبه لحلفه، وماذا كان يضيره لو صارمه فلم يعد بينهما إلا المعاداة الصارحة أخرى الليالي. لقد خار وانهار وجبن وخزى، فالملامة واقعة به هو دون كل
стр. 1316
أحد. فليصبر لها. ومع الصبر، لو قد تستقيم سبيله، الحكمة:
فمن يلق خيرًا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغيِّ لائما
وكأنه بهذه الحكمة يريد أن يهوّن من شأن الجرم، بزعمه أن الذي فعله مما يفعله كثير أمثاله فلا يئولون إلى ما آله. وعسى أن يكون غيره وصل إلى فاطمة ثم دل آخر عليها- وهو بعد ناعم قرير عين لم تهجره. فلماذا يشقى هو دون سائر هؤلاء؟
ولا يخفى أن في هذا التهوين لونًا من الاعتذار لعمرو صديقه الذي حلف. وعسى أن يكون عمرو، عندما عاتبه هو، أجابه بمثل هذه المقالة، واحتقر «حساسيته» وهون لديه أمر فاطمة وابنة العجلان جميعًا.
ولكن الأمر أن فاطمة قد وضعته من قلبها موضعًا لم تضعه غيره، وقد كان يعلم هذا. ثم إنه قد كان يحبها وقد تحقق الآن حبها- وهذا يفرقه عن سائر الناس. فليس شأنه فقط أنه قد غوى «ومن يغو لا يعدم على الغي لائما». ولكن شأنه أنه قد جاء الإد الذي لا يغفر. قال:
ألم تر أن المرء يجذم كفه ... ويجشم من لوم الصديق المجاشما
والندم وجذم الكف ولوم الصديق الذي حمل نفسه عليه حملاً وتجشمه بدافع الأسف تجشمًا، وما كان بعد ذلك من معاداته وهجرانه مليًّا، كل ذلك مما قد ينزل بعض منزلة التكفير ولكنه من بعد ليس بذي جدوى ولا غناء.
أمن حلمٍ أصبحت تنكت واجما ... وقد تعترى الأحلام من كان نائما
أجل. ولكنه ليس بنائم. وهنا يصح لنا أن نرجع إلى المطلع.
ألا يا اسلمي لا صرم لي اليوم فاطما ... ولا أبدًا مادام وصلك دائما
وبعد فلعلك أيها القارئ الكريم قد رأيت في هذا المثال الثالث ما نراه من
стр. 1317
الارتفاع بمعاني الوجه وأسى الحب ولوعته إلى مرتبة من الاستشهاد والمأساة الإنسانية التي هي ذروة ما تصعد إليه غايات نعوت الأخلاق.
وملابسة هذا النحو لروح التصوف لا تخفى.
ونلفتك بعد إلى ما بين هذا المثال الثالث وبين المثال الأول من المقابلة.
إذ الشنفري قد جعل من نعت الأخلاق وسيلة إلى الإيحاء بالاشتهاء ولوعة الجنس مع ما أوحى به من المعاني الساميات في تجربته والمرقش قد جعل من الترائي ولوعة الجنس ومعارض الاشتهاء وسيلة إلى مرقاة فوقهن، من حاق التجرد الروحي والهيام، وحسبنا بعد هذا القدر، وفيما يلي من أبواب ما سيكمله إن شاء الله.
مدح النساء وذمهن:
نجعل هذا الباب القصير استطرادًا نستطرده ليكون تمهيدًا لما بعده مما سنأخذ به إن شاء الله من أمر مقاييس الجمال والنماذج اللاحقة بها.
ومرادنا من قولنا مدح النساء وذمهن، أن ننبه إلى أن من هذا كثيرًا يقع بغرض المدح والذم لا غير، وليس مذهوبًا به مذهب الغزل. كقول ابن قيس الرقيات:
أمك بيضاء من قضاعة في الـ ... ـبيت الذي يُستظل في طنبه
وقوله في عيد الملك:
أنت ابن عائشة التي ... فضلت أروم نسائها
هذا موضع تنبيه.
والمدح المراد للغزل أو المراد هو والغزل معًا كثير، من أمثلته ما مر بك من كلام
стр. 1318
الشنفري وامرئ القيس وعمرو بن الأهتم ولا يكاد يخلو غزل جيد من هذا القرى.
ومن الغزل ما يراد للمدح لا حاق للغزل. واجعل من هذا الباب كلمة عمر في السيدة سكينة بنة الحسين وشعر ابن الرقيات في أم البنين. وهذا باب نأمل أن نفصله إذا أخذنا في حديث قريش وأشعار أهل الحجاز عصر بني أمية. وقد عرض له الدكتور طه حسين في حديث الأربعاء فسماه الغزل الهجائي وقد نبهنا على مكان ذلك في الجزء الأول من قبل والذي نذكره هنا من أن هذا الغزل من قبيل المدح مما يبدو أنه يناقض معنى الهجاء كما ترى. وعندنا أن قريشًا مما كانت تشعر هذا المذهب من مذهبها معنى التذكير بالأرحام، فهذا مكان المدح وسنفصله إن شاء الله كما قدمنا. وقد كان شأن الأرحام من أعظم شيء عند قريش.
ومن نعوت ذم الناس ما يراد به الهجاء لا غير، وذلك كقول الجميح:
أنتم بنو المرأة التي زعم الناس عليها في الغيب ما زعموا
وفي نقائض جرير والفرزدق كثير نحو هذا ومن أقبحه قول جرير:
وخضراء المغابن من نمير ... يشين سواد محجرها النقابا
على ما يخالط هذا من هزل كما ترى.
ومن نعوت ذمهن ما يراد به إلى ضرب من غزل ملتو طريقه، مذهوب به غير واضح مذهبه، وهذا هو الذي سميناه الهجاء الغزالي وقد يلحق به بعض أوصاف الشمطاء. وسنفصل في هذا المعنى إن شاء الله- ومن أمثلته على سبيل التمهيد قول حميد بن ثور:
عضمرةٌ فيها بقاءٌ وشدةٌ ... ووالٍ لها بادي النصيحة جاهد
وقد يدخل فيه نحو قول كعب بن زهير وهو تابع لقوله يصف ناقته «كأن أوب ذراعيها إلخ».
стр. 1319
شد النهار ذراعا عيطلٍ نصفٍ ... قامت فجاوبها نكدٌ مثاكيل
نواحةٌ رخوة الضبعين ليس لها ... لما نعى بكرها الناعون معقول
تفري اللبان بكفيها ومدرعها ... مشققٌ عن تراقيها رعابيل
وقول تأبط شرا:
وإني قد لقيت الغول تخدي ... بسهبٍ كالصحيفة صحصحان
ليس ببعيد من هذا الباب، والله تعالى أعلم.
مقاييس الجمال:
الذي ذكرناه آنفًا، مجملاً ومفصلاً، من أوصاف النساء داخل كله في مقاييس الجمال. وأوصاف الطبيعة وحيوانها والمدح لأصناف من أجساد الرجال وهيئاتهم وسمتهم يدخل أيضًا في باب مقاييس الجمال. والحديث عن كل أولئك مما يستفيض فلا يتسع له هذا الباب. فنحن نختصره اختصارًا لنخلص إلى أمثلة منه عليها مدار الغزل، ثم نلحق بها ما يشابهها أو يتصل بها على وجه من المقاربة أو المفارقة من أمثلة الأوصاف التي مضت إن شاء الله.
وقد كانت العرب ترى النعمة وخفض العيش من الجمال، وغير العرب يشارك العرب هذا الرأي. وقد كانت مما تفطن إلى ضروب من الجمال النفساني الذي يلابسه العطف والرثاء وما هو بهذا المجرى من العواطف الإنسانية، إن عرضت لتصوير البؤس، نحن قول أوس بن حجر في مرثية له:
وذات هدمٍ عارٍ نواشرها ... تُصمت بالماء تولبًا جدعا
فهذه صورة تحدب على مأساتها النفس كما ترى. وهذا ونحوه سنلم به إن شاء الله بمعرض الحديث عن نماذجه في هذا الباب أو في باب الأغراض أو الخروج- أيا اتفق ذلك.
стр. 1320
وقد كانت، فيما عدا الذي قدمنا من النعمة، توشك أوصافها لجسد المرأة التام الحسن أن تنحصر في نموذجين: أولهما الخمصانة السمهرية القوام، قال امرؤ القيس:
مهفهفةٌ بيضاء غير مفاضةٍ ... ترائبها مصقولةٌ كالسجنجل
وقال طفيل الغنوي:
كريمه حر الوجه لم تدع هالكًا ... من القوم هلكًا في غدٍ غير معقب
أسيلة مجرى الدمع خمصانة الحشى ... برود الثنايا ذات خلقٍ مشرعب
أي ذات طول مع أنها خمصانة فهذا يجعلها كالقناة السمهرية
تري العين ما تهوى وفيها زيادةٌ ... من اليمن إذ تبدو وملهى وملعب
وألفت القارئ إلى قوله «وفيها زيادة من اليمن» فهو داخل في قريّ ما كنا فيه من نعت الأخلاق. والشاعر كما ترى جعل يمن الطلعة وإشراق الروح مما تم به صفة الجمال ومما يتفاءل به ويتوسل به إلى السادة.
وقال عبيد بن الأبرص:
وفوق الجمال الناعجات كواعبٌ ... مخاميص أبكارٌ أوانس بيض
وقال:
ناطوا الرعاث لمهوى لو يزل به ... لا ندق دون تلاقي اللبة القرط
فذكر طول العنق وبالغ وفي طول العنق كناية عن طول القامة.
والنموذج الثاني الممتلئة المكتنزة قال امرؤ القيس:
برهرهةٌ رودةٌ رخصةٌ ... كخرعوبة البانة المنفطر
والأولى منظر، وهذه الثانية اشتهاء. قال عبيد:
стр. 1321
وغيلةٍ كمهاة الجو ناعمةٍ ... كأن ربقتها شيبت بسلسال
قد بت ألعبها طورًا وتلعبني ... ثم انصرفت وهي مني على بال
فجعل الغيلة للفراش كما ترى. وقال الأعشى:
عهدي بها في الحي إذ سربلت ... هيفاء مثل المهرة الضامر
قد نفج الثدي على صدرها ... في مشرقٍ ذي صبحٍ نائر
لو أسندت ميتًا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
فجعل الهفاء منظرًا ونسب إليها حداثة السن وتبلج ريعان الصبا مع ما يلابس ذلك من جذل النفس ولهوها كما ترى.
وقد يتوسطون بين النموذجين، فيجعلون الأعلى صعدة، والأسفل كثيبًا وهذا شاهد على أن قد قر رأيهم على استحسان القوام الممشوق، كما قد قر أيضًا على استحسان الردف المفعم.
قال عبيد:
صعدةٌ ما علا الحقيبة منها ... وكثيبٌ ما كان تحت الحقاب
وقال الأعشى:
وقال الأعشى:
عسيب القيام كثيب القعو ... د وهنانةٌ ناعمٌ بالها
إذا أدبرت خلتها دعصةً ... وتقبل كالظبي تمثالها
وقال الآخر وبالغ في وصف الأعلى بما بالغ فيه من بعد مسافة مهوى القرط من العاتق:
ومن يتعلق حيث علق يفرق
وقال عمرو بن كلثوم وبالغ في نعت الردف:
ومأكمةٍ يضيق الباب عنها
стр. 1322
على أن وصف عمرو في جملته داخل في صفة الأنثى المثالية المبالغ في كبر أبعادها وسنعرض له إن شاء الله.
وقال الآخر وهو من شواهد النحويين.
لطيفات أبدانٍ دقاقٌ خصورها ... وثيرات ما التفت عليه المآزر
وبين التوسط فيما بين النموذجين ضروب من النماذج تدنو من الخمصانة طورا وتدنو من البرهوهة طورًا آخر، وقد يخلط الشاعر من أوصافهما معًا، وهذا يتعمد، وقد يقع عن غير تعمد من غير الحذاق ولاسيما عند المتأخرين.
على أن المتأخرين مما كلفوا أنفسهم «في واقع حياتهم» مضاهأة مثال نموذج الجمال الفاره، من نماذج الجاهليين، لما فيه من قوة الإشعار بالنعمة وخفض العيش وما يصاحب هذا من السناء ورفعة القدر وهلم جرا.
قال جرير:
والتغلبيون بئس الفحل فحلهم ... فحلاً وأمهم زلاء منطيق
فهجا أباهم بالحقارة وحقر معه أمهم بما وصفها به من أنها زلاء أي لا عجز لها، وأنها تصطنع لنفسها عجزًا من الخرق تُراكمها ليضخم منظر ما وراءها.
والناس مما يكلفون بتقليد المثل العليا البيانية إن كان يصيبهم منها فخر «مادي» وقصة «إرم ذات العماد» في الزراية بصاحبها وقومه الذين حاولوا تقليد الجنة بشيء يصنعونه على الأرض معروفة. وقد كان الهلاك والبوار نصيبهم العاجل. ومع ما لهذا الخبر من العظة وما فيه من التذكير لم يفتأ جماعة من خلفاء المسلمين ووزرائهم يرومون مضاهأة الجنة. من ذلك حوض الوليد بن يزيد وقد رأيت كيف مصيره كان. ومن ذلك افتضاض جعفر بن يحيى العذارى كل ليلة جمعة، وقد أخذه سيف هارون.
стр. 1323
وقد اجتهدت أحلام غير الملوك أن تضاهئ مثل الجنة في خرافات الأقاصيص. وألف ليلة وليلة في هذا الباب معروفة. والعجب أن قومًا قد جاءوا من بعد فما انفكوا يرومون مضاهأة ألف ليلة وليلة. وهي نفسها تعكس جانبًا من ترف العلية والملوك زمن الخلافة العباسية. وقد افتن نبلاء فرنسا وملوكها في هذا المذهب من لدن لويس الثاني عشر إلى أن طوحت بهم الثورة، وما خلا نابليون من رجعة إلى بعض أساليب من طوح بهم من مهدوا له. وليس ما يفعله نجوم هليوود وكواكبها ولفهم من أهل الترف، في زماننا هذا، عنا ببعيد.
ولقد قالت سيدتنا عائشة أم المؤمنين، في مجرى قصة الإفك، «فإذا عقد لي من جزع ظافر انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافًا، لم يهبلهن ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام إلخ» (١) وكأن أمنًا عائشة بحديثها هذا كنت تنعي ما آض إليه الناس بعد الفتوح من تلحيم النساء وتشحيمهن قالوا وضعت جارية إصبعها على شيء بعيد ما وراء عائشة بنت طلحة تروزه أهو منها أم لا، فإذا هو كفلها وقال أبو الطيب:
بانوا بخرعوبة لها كفلٌ ... يكاد عند القيام يقعدها
فتأمل.
وفريق من العرب وممن يحذو حذوهم ما زالوا إلى عهدنا هذا يطعمون الفتيات لتيت الخبز ويأمرونهن بالاستلقاء على أوجههن لتضخم من ذلك أكفالهن فيكن مثلاً في النعمة الدالة على عتق الأصل. ولا يخفي أن الإماء قد كن من أفعل شيء لهذا، ليضاهين به سيداتهن.
стр. 1324
وفي تعبٍ من يحسد الشمش ضوءها ... ويجهد أن يأتي لها بضريب
ونحتار بعد كيف اهتدى شعراء العرب إلى نماذج الفارهة والخمصانة ومزاوجة أصناف ما بينهن على نمط وسنة من القول مع أن واقعهم كانت أغلب عليه النساء الضاويات، وكان التنحيف مذهبا من مذهبهم كما ذكرت أمنا عائشة ﵂ في حديثها من طعام العلقة. وكان أيضًا كثيرًا فيهم اللائي يلوحهن نصب الكدح لشدة عيش الصحراء وحواضرها عند الماء أو ملقى القوافل- قال النابغة (قد مر بك البيت):
ليست من السود أعقابًا إذا انصرفت ... ولا تبيع بجنبي نخلة البرما
وجعلهن سود الأعقاب لكثرة مشيهن حافيات وكدحهن، وظاهر قوله أن منعمته قليل بالنسبة إلى كثرتهن.
وقال الفرزدق:
إذا القنبضات السود طوفن بالضحى ... رقدن عليهن الحجال المسجف
فجعلهن قصارا سودا من الجهد والتطواف في سبيل الرزق أو خدمة من حاله أيسر منهن. والمنعمات الراقدات في ظاهر نعته قليل بالنسبة إلى كثرة هؤلاء. واذكر أن الفرزدق قال هذا في الإسلام حين كان الخفض أعم بكثير مما كان عليه في الجاهلية. ذكروا أنه كان بعد الفتوح إلى قريب من مقدم الحجاج أرق أهل الكوفة حالاً يأكل خبز البر ويشرب من ماء الفرات. فوازن بين هذا وبين حال الجاهلية من أكل قرف الحتى وشراب السدم الأواجن.
وعندي أن الشعراء العرب نظروا في مقاييسهم إلى تماثيل الروم في الدهر القديم، فاستحدثوا على ضوء نماذجهن مقاييس، ثم اتلأب بهم طريق ذلك، وأعني بكلمة الروم ههنا مدلول ما كانت تعنيه العرب بهذا اللفظ من الرومان ومن بعدهم
стр. 1325
مضافًا إليه تراث الكلاسيكية من عهد يونان ومن قبلهم ولا ريب أن العرب كانوا أمة قديمة موغلة في القدم وقد لابسوا الأمم وخالطوها وأخذوا عنها وأخذت عنهم شيئًا أو استعانت بهم. وبعض المؤرخين يوشك أن يميل إلى أن هكسوس مصر كانوا عربًا.
وقصص يهود الأولين تدل على صلة واشجة بالعرب في أخبار سيدنا موسى وفي خبر سيدنا أيوب. وذكر هيرودتس أن العرب كانوا مسالمين لملوك الفرس القدماء، وقد سار في جيش كسرى ابن دارا الذي غزا أرض يونان منهم كتائب، بعضهن على الجمال، من الأرض الكائنة جنوبي مصر (١).
وقد اتصل أطراف العرب في اليمن والشأم وساحل القلزم بقديم حضارة الرومان ولا ريب أن أفرادًا وجماعات منهم قد انخرطوا في الجيوش الرومانية ولاسيما حين كان يشرئب إلى عرش رومية أحد ولاة سوريا مثل فسباسيان ونارسيس. ولقد تعلم أن أحد أباطرة الرومان قد كان عربيًا وهو فيليب وما كان ليصل إلى هذا المنصب لولا سابقة منه وسابقة من سلف عرب أخذوا بأساليب الرومان وانخرطوا في جنديتهم من قبل. وقد نشأت تحت أثر الرومان ممالك عربية على أطراف الصحراء أو ناحية من جزيرة الفرات. من ذلك ملك إياد الذي دمره أكاسرة بني ساسان بأخرة. وقصة الحضر معروفة وآثاره ظاهرة. ومنها ملك التي سماها الرومان «زنوبيا» بتدمر، وقد كان أمرها أن حاربها الرومان وقاومتهم ثم قهرها آخر الأمر أوليان الامبراطور. وبعض الناس يرى أن زنوبيا هذه هي الزباء صاحبة الخبر.
وسنلم بطرف منه فيما بعد إن شاء الله.
وقد استمرت الصلات بعد ذهاب ملك الرومان، بين العرب وبين خلفاء هؤلاء من روم بيزنطه. وأخبار وفادة امرئ القيس وأصحابه معروفة في هذا الباب. وكذلك
стр. 1326
أمر تجارة قريش، ورحلات النابغة وحسان وعلقمة بن عبدة والأعشى، وعمرو بن كلثوم القائل:
وكأسٍ قد شربت ببعلبك ... وأخرى في دمشق وقاصرينا
وكثير غيرهم. وسترى إن شاء الله في باب الحديث عن الخمر والأغراض أن العرب مما كانوا يفخرون بمثل هذا من صنيعهم في إبعاد السفر، وقد تقدم إليك الماع بشيء منه.
وقد بلغ من اتصال العرب بالروم أن بعضهم كان يتعصب لهم على الفرس وأحسب أكثر هؤلاء كانوا من أصل يمني. وكان مضر فيما يبدو تتعصب لفارس وأحسب أنه تعصبها الذي حمل بعض نسابيها على أن يلحقوا مناذرة الحيرة بنسب معد ابن عدنان، إذ زعموا أنه من أشلاء قنص بن معد (١)، وقصة سورة الروم في القرآن تكشف جانبًا من أمر هذه العصبية فيما ذكره المفسرون، والله أعلم (٢).
وأمر دخول النصرانية في العرب أول أمرها من طريق الاتصال بالروم معروف، وذكر الرهبان والصوامع كثير في الشعر. والمام مثقفي العرب في الجاهلية بأخبار الأمم السالفة من الروم وغيرهما الماما على وجه من الوجوه يشهد به شعرهم أيضًا كقول النابغة في خبر سيدنا سليمان:
وخيس الجن أني قد أذنت لهم ... يبنون تذمر بالصفاح والعمد
وتشهد به السيرة كدعوى النضر بن الحارث أن سيربي على إبداع القرآن بما يقصه من أخبار اسفنديار ورستم (٣). ويشهد به القرآن إذ قد جابه العرب مجابهة
стр. 1327
هداية وتذكير وعظة وعبرة وزجر ناقد فكشف مما كانوا عليه أيما كشف. وخبر سيدنا سليمان في القرآن خاطب العرب بما يعهدون من الإعجاب في صنائع الأمم المجاورة والسالفة في نحو قوله تعالى من سورة النمل ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ - قال الطبري (١) «واختلف أهل العلم في السبب الذي من أجله خص سليمان مسألة الملأ من جنده إحضار عرش هذه المرأة من بين أملاكها قبل إسلامها- فقال بعضهم إنما فعل ذلك لأنه أعجبه حين وصف له الهدهد صفته، وخشي أن تسلم، فيحرم عليه مالها، فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها. ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال، ثنا أبو سفيان، عن معمر عن قتادة، قال: أخبر سليمان الهدهد أنها خرجت لتأتيه، وأخبر بعرشها فأعجبه. كان من ذهب وقوامه من جوهر مكلل باللؤلؤ إلخ».
وقال تعالى: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ - والتنكير صناعة وافتنان كما ترى. قالوا (٢) «أمرهم أن يزيدوا فيه وينقصوا منه».
وقال تعالى ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ - وفي هذا من الإشارة إلى عجب الصنعة ودقتها ما ترى.
وقال تعالى في سورة سبأ: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ (٣) وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ قال الطبري وروي فيما رواه «وتماثيل- يعني أنهم يعملون له
стр. 1328
تماثيل من نحاس وزجاج» (١) وقال يرويه عن مجاهد (٢) «وتماثيل، قال من نحاس. حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال ثنا مروان، عن جويبر، عن الضحاك، في قول الله ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ قال الصور. قوله «جفان كالجواب، يقول وينحنتون له ما يشاء من جفان كالجواب إلخ».
وفي الشعر -عدا أمر الأخبار- كما في القرآن ما يدل على أنهم قد أعجبوا كما جعلوا يستجلبون بعض ما شهدوه من عمارة الروم والفرس. ومن ذلك خير القبطي الذي عمل في تجديد بناء الكعبة واستعانة قريش بخشب سفينة رومية تحطمت ناحية جدة، يؤثرون ذلك على سدرهم وأضرب طرفائهم وعضاههم (٣) ومنه أن بعضهم جعلوا يتخذون لبيوتهم أبوابًا وسررًا. وقال تعالى في سورة الزخرف ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقال طرفة يصف ناقته:
كقنطرة الرومي أقسم ربها ... لتكتفن حتى تشاد بقرمد
والقنطرة هي العقد، بحسب ما ذكر المبرد، ولا يخفى أن العقد روماني.
وقال ثعلبة بن صعير:
تضحي إذا دق المطي كأنها ... فدن اب حية شاده بالآجر
ولم يذكر ابن الأنباري في شرح المفضليات من ابن حية هذا. ويغلب على
стр. 1329
الظن أنه كان نصرانيًا أو متأثرًا بالنصرانية وأن حية نمط من «يحيى» وعسى أن تكون «حنة» بالنون، على ما نستبعد هذا، وإن كان التحريف لممًا يقع في الرواية.
وخبر الخورنق والسدير والمشقر والحضر كل ذلك معروف، بله قصور اليمن.
وقد كانت العرب مما تعجبها تماثيل الروم، يدلك على ذلك خبر عمور بن لحي حيث ذكروا أنه جاء بالأصنام من الشأم.
وفي التفسير ما ينبئ عن أن العرب كانت تستملح وتستقبح فيما تتخذه لأصنامها من أحجار فهذا يقوي الاستشهاد بما قدمنا من خبر عمرو بن لحي. قال تعال ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ في سورة الجاثية. قال الطبري يرويه (١) «كانت قريش تعبد العزى وهو حجر أبيض حينًا من الدهر. فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر. فأنزل الله أفرأيت من اتخذ إله هواه». وقال عنترة في تشبيه المرأة وقد مر بك:
كأنها صنمٌ يُعتاد معكوف
ولا ريب أن هذا الذي شبه به كان صنمًا جميلاً لإلاهة معبودة، مما استجلب على عهد عمرو بن لحي أو بعده. إذ لا تجد العرب يشبهون بمناة واللات والعزى وأضرابهن ولو قد كن جميلات لفعلوا- وقد كانت ضخامتهن مما يجعل استجلاب ما يصلح لهن من مشارف الشام عسيرًا، فكانوا يكتفون بما يقوون عليه من ضعيف النحت ويزينونهن كالنساء، كما تقدم منا الإلماع إليه (٢) وربما استجلبوا فانكسر عضو مما استجلبوه ولا يقدرون على إصلاحه، فيجعلون مكان ما انكسر بديلاً من ذهب، كأنهم يرمزون بذلك إلى نفاسة ما فقدوه (٣).
стр. 1330
وقال عبيد بن الأبرص:
ومراحٍ ومسرحٍ وحلولٍ ... ورعابيب كالدمى وقباب
فذكر الدمى كما ترى. وإنما هن دمى الكنائس، وما تبقى من تماثيل في خرائب القدماء.
وقال امرؤ القيس:
كأن دمى سقفٍ على ظهر مرمرٍ ... كسا مزبد الساجوم وشيا مصورا
فذكر ما يجعل على سقوف الهياكل والمعابد والكنائس من دمى. وقد علمت خبر تطوافه.
وقال أيضًا:
ويا رب يوم قد لهوت وليلةٍ ... بآنسةٍ كأنها خط تمثال
فذكر التمثال وشبه به آنسته، وهذا يشبهه قول عنترة الذي تقدم «كأنها صنمٌ يُعتاد معكوف».
وقال النابغة:
أو دميةٍ من مرمرٍ مرفوعةٍ ... بُنيت بآجر يشاد وقرمدٍ
فذكر ههنا دمية مرفوعة على قاعدة كما ترى، على نحو مما يقع في تماثيل الروم وأسلافهم من متبعي مذهب يونان ومن قبلهم، أو ما قد يكون خلص على عهد النابغة من آثار هؤلاء إلى بعض القصور إذ عسى أن يكون رآه في بعض الخرائب.
وقال:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
стр. 1331
وهذه صورة تقترح الحركة، وعسى أن يكون النابغة قد رأى بعض تماثيل «أفروديت» أو «فينوس» تعالج قطعة من ثوب. وهذا النموذج في تماثيل يونان ومن تبعهم معروف، ومنه الآن مما اكتشف في المتاحف.
وعسى أن يكون النابغة نظر إلى نموذج بياني نظر إلى ذلك التمثال، إذ عهد عمرو بن لحي ناقل الأصنام بعيد من عهده، وقد سبقت عمرو بن لحي عرب رأت تماثيل الروم وأعجبوا بها بلا شك، كالذي قدمنا من أخبار تدمر وغيرها. مما لم ينتقل هو ذاته إلى أرض العرب، وما لم يبق حتى يشاهده متأخر وهم أمثال النابغة، قد بقيت نعوته في الأوصاف التي يديرها البيان ويتلئب عليها عرف الفن. وأحسب من أجل هذا ما كثر ذكر الدمية في الشعر، حتى قد تبرم به بعض الشعراء الإسلاميين الأوائل كالذي مر بك من قول الحماسي:
معاذ الإله أن تكون كدميةٍ ... ولا ظبية ولا عقيلة ربرب
ونموذج النصيف كثير في الشعر وأشياء مفرعة عنه. من ذلك مثلاً قول عبيد وقد مر:
تدني النصيف بكف غير موشومة
أي ككف التمثال لا كأكف ما كانت عليه نساء العرب من عادة غرز الإبر وهلم جرا مما ذكر طرفة في قوله:
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقال علقمة:
بعينٍ كمرآةٍ الصناع تديرها ... لمحجرها من النصيف المنقب
وقد نعلم سوى هذا الذي قدمناه أن فن يونان مما تسامعت به الأمم وتناقلته منذ عهد الإسكندر وخلفائه فيما بين وراء النهر وطرف الهند إلى مصر فما ملك
стр. 1332
الرومان. وقد ألمت به أطوار واقتبست منه اقتباسات حتى في بعض ما نحت الهندوس في آفاقهم القصية.
وقد بدأ نحت يونان ضعيفًا ساذجًا كما يعلم القارئ أصلحه الله. ثم قد صار إلى أسلوب رياضي محكم بعد أن داخلت الحركة تمثال الفتى، فجُعل ماشيًا بعد أن كان واقفًا لا يريم.
وقد بلغ اليونان بتمثال الفتى ذروته. ثم جارى هذا في طور نضجه الافتنان في تمثال الفتاة المتجردة. وكانت أول أمرها مجدولة القوام، مع التناسب الرياضي والصحة والشباب.
ثم استحدث اليونان في هذه التماثيل الحركة بالثياب والمشاهد، وافتنوا ما شاءوا. وقد كان يبلغ بهم حذق التناسب أن يغالوا في أبعاد التمثال، فوق ما عليه مألوف النساء والرجال. فلا تند العين عن شيء من ذلك ولا تحس فيه إلا التناسق وإلا الانسجام كالفتيات حاملات السقف عند الأكروبوليس. ولقد كانوا في حرصهم على التناسب مما يحيدون عن واقع تكوين الأعضاء أحيانًا ليذهبوا بها مذهبًا رياضيًا. من شواهد ذلك عمدهم إلى تربيع ما عند خصر الرجل إلى أدى ثنته. وأحسبهم اقتبسوا ههنا من طريقة قدماء المصريين في الميل بتصاويرهم أبدًا إلى سمت مثالي والله أعلم.
وقد داخل متجردات اليونان بأخرة تنعيمٌ من بدن كما داخل تماثيل الفتيان تأنيث وحدور. وعرائس أفروديت الثلاث وهن مما يقال إنه كشف الطريق أمام فجر النهضة بإيطاليا مما كان يخالطهن من صنعةٍ ونعمة وأقواس.
وقد أخذ فنانو النهضة وما بعدها بنماذج فيما بين المجدولة والمتماسكة. وقد بلغ روبنز بالبدانة مبلغًا. وقد تزيد فنانو «الباروك» في الأبعاد ما شاءوا.
وقد كان فن بيزنطة فيما قبل النهضة مزخرفًا شكليًا ليس كما كان عليه عهد
стр. 1333
يونان. ولا ريب أن العرب قد رأوا منه وتأثروا. ولكن ما بقى في أنفسهم من المقاييس كان من أصل تماثيل يونان أنفسها، أو ما حذى عليها في عهود مقلديهم إلى آخر ما كان من اندراس ذلك. ومن آيات ذلك نعت النابغة للنصيف، الذي ينص نصًا على الأخذ من تمثال أفروديت ذات الثوب، من طريق مباشر أو غير مباشر كما ذكرنا. وسترى بعد شواهد آخر إن شاء الله.
ولقد بقي فن اليونان الناحت، في بيان العرب الذي احتذى مقاييسه، بقاء أطوال مما بقيه في حاق صناعة النحت بعد أن طوحت بأواخر آثارهم في هذا الباب أعاصير الزمان منذ سقوط رومية ثم ضرب الفن البزنطي حيث ضرب بجران. ولقد كانت صناعة العرب، صياغة القول وروايته، يتناقلونها حظًا وقد يخطون منها، فبقي من أجل ذلك في نماذجهم من المقاييس الجمالية «الكلاسيكية» ما بقي بعد ما اندرس في أصولها كما رأيت.
ولم يكونوا حين اقتبسوا من مقاييس يونان في بيانهم مقلدين لا يتصرفون. ولكنهم لما رأوا فأعجبوا راموا أن يضاهئوا بما وهبهم الله من أداة الكلمة المعبرة اتقان ما رأوه، بإتقان مثله من عندهم، يزيدون فيه أن قدروا ويُربون. ولقد تهيأ لهم من القدرة حظ عظيم كما سيرى القارئ إن شاء الله. ولعلنا بعد أن فطنا لهذا نعرض شيئًا عما يُزعم من حسية العرب في الوصف، أن تبينا أنهم ما الحسبة كانوا يبغون ولكن الفن والإتقان وخالص التعبير عن الجمال.
ولعمري أن النحت من الحجر والزجاج لأقرب من الحس، لو جاز الجدل وجازت الخصومة في هذا الباب مما صنعوا.
ولقد بقيت في تقاليدنا وفي تقاليد الإفرنج بقايا مردها إلى ما كان من صنيعهم ومن صنيع قدماء يونان. ذلك بأن الإفرنج مما ينفرون عن التدقيق في صفة الأجساد من طريق الألفاظ، ولا يجدون غضاضة أن يصوروا ذلك أو ينحتوه. ونحن لا نجد
стр. 1334
كما يجدون من الغضاضة في التعبير اللفظي عن هذه الصفات، ولكنا نجد كل غضاضة من رسمها أو رؤيتها مرسومة. وإنما أخذنا بسبيل الرسم وتزيين المجلات بالصور منذ عهد قريب على طريقة التقليد البحت. ولا ريب أن جيلاً تقدمنا لو رأوا بعض ما نتقبله الآن من ذلك لأنكروه أيما إنكار ولا زوروا منه كل ازورار. ولا يزال كثير من هذا الجيل بين ظهرانينا. والفتيات والنساء اللائي يجلسن أو يقفن عاريات أمام الفنان عندنا آبدة، ولسن هن كذلك عند الإفرنج ومن إليهم. لا بل وجلوس اللابسة عندنا لترسم لم يكن ليسلم من هجنة إلى عهد قريب.
ولقد طهر الإسلام العرب من الأصنام بالتوحيد وبتحطيمهن كل تطهير. ثم نفر من الصور كل تنفير فقوى بهذا ما كان عليه منهج العرب في إيثار الكلمة على الصناعة في باب الفن. ولقد أوشك العرب المسلمون أن يؤثروا على بيزنطة النصرانية بالذي كانوا عليه في التجرد من مثل هذه البقية المشعرة بالوثنية في تصاوير الكنائس وتماثيلها. ولقد تعلم أن قد ثار جدل عنيف في بيزنطة فيما بين القرن الثامن والتاسع الميلادي حول تحريم صور الكنائس وتحليلها، وكانت من ذلك فتنة كادت تهدد الدولة بالانهيار. هذا ومما يقوي ما قدمناه من تأثر العرب بمقاييس يونان الجمالية في تماثيلها، وروم مضاهاتها من جانبهم ببيان اللفظ في الشعر، ثم تفريعهم من ذلك ما شاءوا من إبداع. أنهم قد ألموا مع هذا الذي نذكره من مقاييس التماثيل وقيمها الجمالية، بأصناف وأمثلة مما كان ليونان من الأساطير في باب الرمزية المتلاحمة التي تدخلها معاني الجمال ومعاني الجنس ومعاني الخصوبة والتقديس ثم الحكمة المستفادة من التجارب. من ذلك مثلاً خبر ذات الصفا، وهي الحية التي عاهدت الرجل، على جعل تجعله له أن يصافيها وينسى ثأر أخيه، فلما نال منها منالاً طمع وعمد إلى فأس فأحدها ليقتلها بها إلى آخر القصة، وهي في شعر النابغة حيث قال:
وإني لألقى من ذوى الضغن منهمو ... وما طفقت تهدي من الغي سادره
كما لقيت ذات الصفا من حليفها ... وما انفكت الأمثال في الناس سائره
стр. 1335
وساق القصة. وهي في خرافات أيسوب:
ولقد يقال أن الخرافات مما تشابه بين الأمم لتشابه التفكير البشري، ولكن التفكير البشري مع تشابهه مما يختلف. ومن أجل هذا يكون الأخذ والاقتباس. ولا مدفع لترجيح الأخذ متى وضح السابق وكان سبيل اتصال المسبوق به ليأخذ منه ممكنًا. والأمم مما تأخذ بعضها عن بعض ما تجده يلائم ذوقها أو تجاربها أو مذهبًا من مذهب تفكيرها، ثم تحور فيه وتنقص وتزيد حتى تجعله من حاق طريقتها، وربما أخذت أمة عن أخرى عدة أشياء معًا، متباينات أو كالمتباينات في أصل ما أخذت عنه، ثم جمعت بينها على ما يكون عليه أسلوب تفكيرها. وهذا من شأن الاجتماع والعمران البشري أمثلته أكثر من أن تحصى، منذ أن الله برأ الخليقة.
ومن أخبار العرب التي كأنها أخذت من أصول يونانية كثيرة ثم أضيف إليها غيرها أو حورت لتلائم ذوق العرب، خبر الزباء الذي سبقت ما إيماءة إليه. وسياق الخبر نفسه كأنه ينص على أصل يوناني أو أصل روماني أو أصل بيزنطي مرده إلى يونان مباشرة أو من طريق الرومان. قالوا: كانت الزباء ملكة رومية من ملوك الطوائف على ناحية الجزيرة (١). وكان جذيمة الأبرش ملكًا عربيًا على شاطئ الفرات. وكان له ابن أخت يدعى عمرو بن عدي ووزير ناصح يدعى قصيرًا. وكان جذيمة قد قتل أبا الزبا. فكان مما احتالت به لتنال ثأرها منه أن عرضت عليه أن